إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان المتضع يشعر أنه لا يستحق شيئاً لذلك فهو يشكر اللَّـه على كل شيء مهما كان قليلاً، ويفرح به، شاعراً فى عمق أعماقه أنه لا يستحقه … أما المتكبر، فإنه على عكس ذلك، يظن فى نفسه أنه يستحق أشياء كثيرة أكثر مما عنده فيتذمر على ما هو فيه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين

+ تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +



تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

المسيح والأنبياء


مقدمة

الله يكلمنا

بين الأنبياء والسيد المسيح 1-3.

1. الابن 2.

2. الذي جعله وارثًا للكل شيء 2.

3. الذي به أيضًا عمل العالمين 2.

4. بهاء مجده ورسم جوهره 3.

5. حامل كل الأشياء بكلمة قدرته 3.

6. صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا 3.

7. جلس عن يمين العظمة 3.

المسيح والملائكة 4-14.

1.عظمته في البنوة 4-5.

2. خضوعهم له 6-8.

3. مسحه للعمل الخلاصي 9.

4. أبديته 10-14.

"اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ. الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي" [1-3].


مقدمة

افتتح معلمنا بولس الرسول رسالته بإعلان حديث الله مع الآباء، أي مع رجال العهد القديم بواسطة الأنبياء، مؤكدًا أولاً التزامه بالحب والخضوع لرجال العهد القديم؛ وثانيًا بإعلان وحدة العهدين. فإن الله الذي تحدث قديمًا مع رجال العهد القديم هو بعينه الذي يحدثنا نحن في هذه الأيام الأخيرة في ابنه. يتحدث مع الأولين عن الحق الإلهي خلال الظلال، أما الآن فيعلن الحق في كماله. بهذا لم يقلل الرسول بولس من شأن الأنبياء ولا من عظمة مجد العهد القديم، لكن ما هو أعظم منه هو مجد العهد الجديد، بكونه امتدادًا للعمل القديم، ودخولاً إلى أعماقه، وتحقيقًا لغايته. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يا له من أمر عظيم أن يرسل الأنبياء إلى آبائنا، أما بالنسبة لنا فقد أرسل ابنه الوحيد نفسه... لم يرَ أحد منهم (من الأنبياء) الله، أما الابن الوحيد فيراه.] [يا للعجب! لقد تنازل واختار ألاَّ يتحدث (الله) معنا بواسطة عبيده بل بفمه... كان لهم موسى معلمًا، أما نحن فلنا رب موسى؛ إذن فلنظهر الحكمة (الفلسفة) السماوية التي تليق بهذه الكرامة ولا نطلب أمرًا أرضيًا.]

لماذا بدأ الرسول مقارنته بالأنبياء؟ لأنه في بدء انطلاق الأمة اليهودية كان القائد هو موسى النبي وكان أخوه هرون رئيس كهنة. موسى يمثل إعلان الحق الإلهي خاصة خلال الشريعة، وهرون يمثل الجانب العملي الذبيحي والتعبدي الذي يقوم بالمصالحة بين الله والإنسان. العملان متلازمان ومتكاملان، فالإنسان ليحيا كمؤمنٍ حقيقيٍ وعضو في الجماعة المقدسة عليه أن يتقبل الحق ويتعرف عليه ليس فقط خلال الشريعة أو الوصية أو النبوة وإنما أيضًا خلال الحياة التعبدية الحقيقية، أي خلال ذبيحة المصالحة بين الله والمؤمن. هذا التلازم بين النبوة والكهنوت، أو بين الوصية والعبادة لم يدم كثيرًا، فسرعان ما انحرف كهنة اليهود عن رسالتهم، وتحولوا إلى الشكل دون الروح، وضاع الحق من بين أيديهم، فصارت هناك عداوة بين الكهنة الشكليين والأنبياء الحقيقيين، الأمر الذي برز بصورة صارخة في أيام إرميا النبي وحزقيال النبي، حيث لم يكن ممكنًا المصالحة بين الطرفين. أما السيد المسيح فهو وحده "الحق" في كماله، يعلنه لنا خلال ذبيحته الفريدة على الصليب، وفي نفس الوقت هو رئيس الكهنة السماوي القادر أن يصنع تطهيرًا لخطايانا، جالسًا عن يمين الآب في الأعالي. في هذا السفر يقارن بين السيد المسيح والأنبياء، ليعود فيقارن في النهاية بينه وبين الكهنوت اللاوي، لكي يعلن في شخصه التحام الحق مع العمل الذبيحي أو التحام النبوة مع الكهنوت في صورة فريدة فائقة.

لقد أبلغ الأنبياء الصوت الإلهي للآباء بكونهم قنوات، لا فضل لهم سوى تبليغ الرسالة كما هي، إذ "استؤمنوا على أقوال الله" (رو 3: 2)، ويشهد السيد المسيح نفسه أن موسى والأنبياء تحدثوا عنه؛ أما السيد فهو الكلمة عينه، أو هو الحق بذاته، يعلن عن الآب بكونه واحدًا معه في الألوهية، لهذا يقول: "ليس أحد يعرف الابن إلاَّ الآب، ولا أحد يعرف الآب إلاَّ الابن ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت 11: 37).

الله يكلمنا

في القديم كلم الله الآباء بالأنبياء، أما الآن فيكلمنا في ابنه. ماذا يعني الرسول بهذا؟ الله دائم الحديث معنا، يتحرك نحونا بحركة الإعلان عن حبه. يريد أن يتعامل معنا، فهو وإن كان مطلقًا فوق كل إدراك لكنه ليس ببعيدٍ عنا، ولا بمنعزلٍ عن الإنسان، يود إتحاد الإنسان معه لينعم بشركة أمجاده الأبدية.

كلام الله معنا ليس ألفاظًا تقف عند سماع الأذن لها، إنما هو حياة فعّالة، يشبهه الله بالمطر العامل في الأرض: "أنزل عليهم المطر في وقته فتكون أمطار بركة، وتعطي شجرة الحقل ثمرتها، وتعطي الأرض غلتها" (حز 34: 26، 27). ويؤكد الرسول في نفس الرسالة: "لأن كلمة الله حية وفعالة، وأمضى من كل سيف ذي حدين، وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومميزة أفكار القلب ونياته. وليست خليقة غير ظاهرة قدامه" (4: 12, 13). والسيد المسيح نفسه يقول: "كلامي روح وحياة".

يكلمنا بطرق وأنواع كثيرة

منذ بدء الخليقة الإنسان والله في حبه يتحرك نحونا ليتكلم معنا، وكما يقول القديس أغسطينوس: [أليس الله هو الذي تكلم في بدء البشرية مع آدم (تك 3: 17)؟ أليس هو بنفسه الذي تكلم مع قايين ونوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب وكل الأنبياء وموسى؟ انظر فإنه يتحدث حتى مع الشخص الواحد ليس فقط مرة بل مرات كثيرة.]

إنه يتحدث منذ بدء البشرية بأنواعٍ وطرق كثيرة، مستخدمًا كل وسيلة، لعلنا نسمع صوته، ونتقبله فينا، ونتجاوب معه. يقول الوحي الإلهي: "كلمت الأنبياء وكثرت الرؤى وبيد الأنبياء مثلت أمثالاً" (هو 12: 10)، وجاء في المزمور: "إله الآلهة تكلم" (مز 50 (49): 1). ويعلق القديس أغسطينوس قائلاً: [تكلم بطرق كثيرة، فتكلم بنفسه بواسطة ملائكة، ونفسه أيضًا تكلم بواسطة الأنبياء، وتكلم بفمه، وهو يتكلم بنفسه بواسطة مؤمنيه خلال ضعفنا عندما ننطق بشيء من الحق. انظر إذن فإنه يتكلم بطرق متنوعة، وبأوانٍ كثيرة، مستخدمًا آلات كثيرة، لكنه هو بنفسه الذي ينطق في كل موضع بالتلامس أو الصور أو الإيحاء!]

بين الأنبياء والسيد المسيح

إن كان الله الآب تكلم خلال الأنبياء، لكن الأمر يختلف عن حديثه في الأيام الأخيرة معنا في ابنه. وقبل أن نتعرف على الاختلاف نذكر السبب لدعوة العهد الجديد بالأيام الأخيرة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حسنًا قال "الأيام الأخيرة"، فإنه بهذا يثيرهم ويشجعهم على الاهتمام بالمستقبل. في موضع آخر يقول: "الرب قريب لا تهتموا بشيء" (في 4: 5، 6)، وأيضًا: "فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنًا" (رو 13: 11)، هكذا هنا أيضًا. إذن، ما هذا الذي يقوله؟ الذي يعيش في صراع إذ يسمع كلمة "الأخيرة" يسترد أنفاسه قليلاً عالمًا بحق أن الوقت حان لنهاية أتعابه وبداية راحته.] كما يعلق ذات القديس على نفس النص، قائلاً أن الإنسان يتوقع في الأيام الأخيرة أن العقاب يقترب، والعطايا تقل، والخلاص غير متوقع، لكن ما حدث هو على نقيض ذلك إذ جاءت النعم فائقة.

نعود إلى حديث الآب، فإنه يتحدث بالأنبياء كآلات يستخدمها، أما في الأيام الأخيرة فيحدثنا في ابنه، ليس كآلة خارجة عنه تعلن صوته، إنما هو ذات كلمة الله، الواحد مع الآب. تجسد الابن لكي نقبل الالتقاء معه، حمل الصليب ليهبنا حق الدخول فيه، نازعًا العداوة، وبقيامته صرنا كأبرارٍ، فيه نلتقي مع أبيه أبًا لنا، فلا نسمع في الابن صوتًا أو كلمات مجردة، إنما نتقبله فينا ونحن فيه، فنصير واحدًا مع كلمة الله، وأعضاء جسده. لم يعد كلام الله مجرد وصايا نتقبلها لنطيعه، وإنما بالأكثر قبول للكلمة الإلهي وثبوت فيه، الذي وحده موضع سرور أبيه، كامل في طاعته له، فنحسب فيه موضع سرور وصايا مرعبة نخشى نيرها لكنها صارت تمتعًا بالكلمة، الذي يهبنا الحياة السماوية وشركة الأبديات في داخلنا. هذا ما قصده بكلماته: "ملكوت الله في داخلكم".

حين تحدث الأنبياء مع الآباء قدموا رسائل إلهية مجيدة، أما وقد تحدث الآب إلينا في ابنه فإنه قدم لنا ابنه ذاته سرّ حياة وخلاص وقيامة! فمن هو هذا الابن الكلمة الذي يقدمه الآب في هذه الأيام الأخيرة؟

1. الابن

يقول الرسول: "كلمنا في ابنه" ولم يقل "كلمنا في الأنبياء". فالابن إذ هو واحد مع أبيه يحمل فيه الآب على مستوى فريد ويحوينا نحن أيضًا داخله بتقديسنا بدمه، فنلتقي مع الآب فيه، نتعرف عليه وندخل إلى حالة إتحاد معه وشركة فائقة. حقًا لقد كان الروح القدس يهيء الأنبياء لقبول الرسالة الإلهية وتبليغها، لكن لم يكن ممكنًا للآب أن يستقر فيهم على مستوى الإتحاد، ولا أن يدخلوا بالبشر إلى أعماقهم ليلتقوا بالآب. الابن الوحيد الجنس هو القادر وحده أن يصالحنا مع أبيه فينا لنبقى معه وبه إلى الأبد.

في دراستنا لرسائل معلمنا بولس الرسول أدركنا الحقيقة اللاهوتية البارزة للإيمان المسيحي، ملخصها "في المسيح". ففيه يعلن لنا الآب ذاته ويحدثنا، وفيه صرنا مؤمنين (أف 1: 1)، وفيه تمتعنا بالاختيار الإلهي (أف 1: 4)، وفيه نلنا الفداء (أف 1: 7)، وفيه يجمع السمائيين والأرضيين (أف 1: 10)، وفيه نستغنى في كل شيء (1 كو 1: 5) الخ.

2. الذي جعله وارثًا للكل شيء

يتحدث هنا عن دور التجسد الإلهي، والابن خالق كل شيء أخلى ذاته وصار في شكل العبد حاملاً إيانا فيه، حتى إذا ما ورث كل شيء ببره الذاتي نرث نحن معه وفيه. من أجلنا أخلى ذاته عن أمجاده، تاركًا كل شيء حتى تعرى ودُفن في قبر لغريب، لكي يجد كل واحد منا له موضعًا فيه.

هذا هو دور الابن إذ وهبنا الميراث فيه، أما الأنبياء فكانوا مجرد متحدثين عن الميراث الذي يعده الله لنا، يشيرون إليه دون أن يقدموه ولا حتى نالوه، حتى ينعمون معنا بالمسيح ميراثنا الحق.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email

3. الذي به أيضًا عمل العالمين

هنا يحدثنا الرسول بوحي من الروح القدس عن سمو المسيح عن الأنبياء دون أن يشير إليهم صراحة، فالأنبياء بشر قبلوا الرسالة الإلهية، وكرسوا حياتهم ليحققها الله بواسطتهم. أما السيد المسيح فهو الخالق، صانع السماء والأرض، وكما يقول القديس يوحنا الحبيب: "كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو 1: 3). به تمت الخليقة السماوية والأرضية، وبه أيضًا تتحقق الخلقة الجديدة فينا، فيقيم فينا سماءً جديدة وأرضًا جديدة. وكما يرى القديس أغسطينوس أن السماء إنما تشير إلى النفس، والأرض إلى الجسد، فإن السيد المسيح يجدد نفوسنا وأجسادنا، أي يعيد خلقتها، وذلك بروحه القدوس في مياه المعمودية.

4. بهاء مجده ورسم جوهره

يرتفع بهم الرسول إلى درجة أعلى ليروا الابن الكلمة الذي به كان كل شيء هو بعينه بهاء مجد الأب ورسم جوهره، ليقدوهم إلي البهاء الذي لا يُقترب إليه.

هل تعبير " بهاء مجده ورسم جوهره " يقلل من مساواة الابن للآب أو يسيء إلى وحدانيتهما الأزلية؟

يشير تعبير "بهاء مجده" إلى الولادة الأزلية، فلا يمكن أن يقوم النور الأزلي بدون بهائه، فالابن هو النور من النور، أو البهاء الأزلي غير المنفصل عن النور، بل واحد معه. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [من ذا الذي تجرد من العقل حتى يشك في أزلية الابن؟ لأنه من ذا الذي يرى نورًا بغير بهاء أو إشراق!] كما يقول: [إنه غير منفصل عن الآب كما أن البهاء غير منفصل عن النور.] ويقول: [من الذي لا يرى أن البهاء لا يمكن أن يفصل عن النور وإنما بالطبيعة يكون هكذا، شريكًا معه في الوجود، لا يأتي بعده؟!] وأيضًا: [كيف يكون الابن غير مشابه للآب في الجوهر، وهو صورة الآب الكاملة وبهاؤه، والقائل: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9)؟ إن كان الابن هو كلمة الآب وحكمته، فكيف يوجد زمان لم يكن فيه الابن هو كلمة الآب وحكمته، فكيف يوجد زمان لم يكن فيه الابن موجودًا؟!]

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظ بأي وقار يفهم هذا، وعندئذ نتقبله، فإنه (مولود) منه بلا ألم، ليس بأعظم ولا أقل منه.] كما يقول: [إذ يدعو الآب بهذا الاسم (النور) في العهدين القديم والجديد، استخدم المسيح نفس الاسم أيضًا (يو 12: 46)، لذا دعاه بولس أيضًا "بهاء" مُظهرًا أنه منه، شريكه في السرمدية.] ويقول: [اسمع أيضًا المسيح نفسه يقول: "أنا نور العالم" (يو 8: 12) لهذا استخدم كلمة بهاء بمعنى أنه نور من نور؛ لا يعني هذا فقط، وإنما قصد أيضًا أنه ينير نفوسنا ويعلن لنا الآب والابن معًا (أي وحدتهما كوحدة النور بالبهاء).]

إن عدنا إلى المقارنة بين السيد المسيح والأنبياء، نذكر أن موسى النبي في لقائه مع الله انعكس على وجهه بهاء خارجي ومجد حتى لم يقدر الشعب أن يتفرس فيه، فاضطر إلى وضع برقع على وجهه عند الحديث معهم، يرفعه عندما يدخل إلى الحديث مع الله. وكان ذلك رمزًا للسيد المسيح "بهاء الآب" الذي لا يحمل بهاءً خارجيًا منعكسًا عليه، إنما هو البهاء بعينه غير المنفصل عن الآب، لبس جسدنا كبرقع موسى حتى يمكننا أن نتفرس فيه، فنتعرف على إسرار أبيه، قائلين مع المرتل: "بنورك يا رب نقدر أن نعاين النور"، أي بابنك الوحيد الذي هو بهاؤك نقدر أن نعاين أسرارك وندخل إلي أمجادك السرمدية.

أما دعوته "رسم جوهره"، فكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تشهد لشخصه أنه منتسب لذات جوهره.]

5. حامل كل الأشياء بكلمة قدرته

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الروح القدس يتدرج بالقارئ ليرتفع به على الجبال الشاهقة، جبال معرفة المسيح غير المدركة، فيحدثهم تارة عن الأمور الخاصة بتجسده، ثم يرتفع بهم إلى معرفته كخالق، ويعلو بهم، ليتعرفوا على طبيعته، بكونه بهاء مجد الآب، ليعود فينزل بهم ليدركوا رعايته لهم بقوله "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته"، وهكذا يعلو ويهبط بهم ليدركوا أسرار المسيح وسماته وأعماله.

هنا يحدثهم الوحي الإلهي عن السيد بكونه حاملاً كل الأشياء، أي ضابط الكل فلا يفلت شيء من تحت رعايته واهتمامه، قريب جدًا إلى خليقته يدبر حتى صغائر أمورها. فإن كان الابن هو البهاء الذي لا يُقترب إليه، فإنه في محبته حملنا إليه لنكون فيه، تحت حمايته.

رأيناه الوارث لكل شيء، يرث الأمم جميعها لا ليسيطر بالأمر والنهي، وإنما ليسكب حبه ويمسك بيد كل أحد، لكي يقدس الجميع بروحه القدوس مهيئًا إيانا للتمتع بشركة ميراثه، هو يورثنا ونحن نملكه فينا يقتنينا ونحن نقتنيه! هذه هي قدرته الفريدة التي بحق تعلن سلطان الحب وقوة الرعاية وإمكانية الخلاص الفائق! وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عنايته لا تُفسَر، وحنانه غير مُدرَك، وصلاحه يا يُحَد، وحبه لا يُستقصى.]

6. صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا

كحامل الأشياء بكلمة قدرته تتجلى إمكانياته الإلهية ليس فقط في خلقته إيانا من العدم وتقديم العالم كله لخدمتنا، لكن ما هو أعظم أنه بعد أن فسدت طبيعتنا وتركنا فردوسنا وهربنا من وجه الآب دخل إلينا واقتنصنا بحبه، مقدمًا ثمن خطايانا على الصليب، ليدخل بنا إلى ملكوت محبته، ويردنا إلى بيت أبيه وأحضانه الإلهية حاملين صورة خالقنا... إنه يجلس الآن عن يمين العظمة كرئيس كهنة عنا، يشفع فينا لا خلال وساطة الكلام والطلبة الشفوية، وإنما خلال ذبيحة نفسه التي قدمها عنا مرة، وحملنا فيه أعضاء جسده. إنه يشفع بالدم المقدس المبذول لتطهيرنا.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على رعايته الخلاصية بقوله: [اذكر أن راحته بخلاصك وسروره أعظم من سرورك وأنت هارب من الخطر والموت!]

ويعلق أيضًا على قول الرسول: "صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا"، قائلاً: [يليق بنا أن نستمر طاهرين ولا نتقبل أي دنس، بل نحتفظ بالجمال الذي أوجده فينا وكماله غير الدنس الطاهر، إذ "لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك" (أف ٥: ٢٧). فإن أصغر الخطايا هي دنس أو غضن، أقصد حتى كلمة الانتهار أو الشتيمة أو الكلمة الباطلة.]

7. جلس عن يمين العظمة

لقد جلس في الأعالي عن يمين العظمة، لا ليبقى فوق إدراكنا، وإنما لأنه إذ نزل إلينا كواحد منا وصنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا صار لنا فيه موضع، ومعه شركة إتحاد، حتى إذ يرتفع نرتفع معه وبه وفيه؛ نجلس حيث هو جالس، متمتعين بشركة المجد الأبدي. ارتفع الرأس حتى لا يبقى الجسد على الأرض إنما يبقى بروحه وقلبه هناك إلى يوم الرب العظيم، فيرتفع الجسد أيضًا لينعم بالمجد!

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من أجلك يا إنسان هيأ الملكوت! ولأجلك أعد خيرات لا توصف، ونصيبًا معدًا في السماء، وحياة لا مثيل لها، وفرحًا لا يُنطق به.]

المسيح والملائكة

بعد أن عرض الرسول في اختصار شديد وبقوة عن حديت الآب مع البشرية في ابنه الوحيد في ملء الزمان، والذي لا يُقارن بحديثه مع الآباء العبرانيين خلال أنبياء العهد القديم، انتقل إلى المقارنة بينه وبين الملائكة. فقد افتخر العبرانيون على الأمم بأنهم تسلموا الناموس بيد ملائكةٍ. هذا ما أعلنه التقليد اليهودي، وأكده العهد الجديد، إذ يقول الشماس اسطفانوس: "أخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه" (أع ٧: ٥٣)، ويقول الرسول: "فقد وُعد له مرتبا بالملائكة في يد وسيط" (غل ٣: ٩). أما شريعة بالعهد الجديد فقدمها السيد المسيح للجموع حين تقدم إليه تلاميذه وحدثهم دون أن تظهر ملائكة ولا رافقته علامات فائقة للطبيعة كما حدث عندما تسلم موسى النبي الشريعة على جبل سيناء.

يقارن الرسول بولس بين السيد والملائكة في النقاط التالية:

1.عظمته في البنوة

"صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ. لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ؟ وَأَيْضًا: أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا؟" [٤- ٥].

لا يوجد مجال للمقارنة بين السيد وملائكته الذين هم عمل يديه وخدامه، لكنه إذ قبل التجسد وظهر في تواضعه كواحدٍ منا أقل من الملائكة أراد الرسول توضيح مركزه: إنه الابن الوحيد الجنس له اسم أفضل منهم.

جاء في سفر الرؤيا: "له اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلاَّ هو" (رؤ ١٩: ١٢). هذه العبارة تكشف عن عجز اللغة البشرية، أي حتى اللغة السماوية عن التعبير عن طبيعة الابن أو علاقته بالآب، فإن دعاه الكتاب "الابن"، فذلك لأن هذه الكلمة هي أقرب الكلمات في التعبير، وإن عجزت عن التعبير كما ينبغي.

بالتجسد نزل الابن إلينا كواحد منا، فصار هناك مجال للمقارنة بينه وبين الملائكة، وإن كان في جوهره يبقى فوق كل مقارنة، يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان دائمًا أعظم منهم، وفوق كل مقارنة، إنما قيل هذا عنه من جهة الجسد.] كما يقول: [لو كان ابنًا بالنعمة فقط لما كان أفضل من الملائكة بل بالحري أقل منهم. كيف؟ لأن الأبرار أيضًا يدعون أبناء... ولكي يشير إلى الفارق بين المخلوقات وصانعها اسمع ما يقول: "لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني وأنا اليوم ولدتك"، وأيضًا "أنا أكون له أبًا وهو يكون لي ابنًا".]

ماذا يعني بكلمة "اليوم" إلاَّ كتعبير عن أزليته حيث لا بداية له، فإنه لم يكن هناك زمان لم يكن فيه الابن، إذ هو مولود من الآب قبل الدهور.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email

2. خضوعهم له

لا مجال للمقارنة بين الابن الجالس على العرش وخدامه الملائكة الساجدين له، وإن كانوا لهيب نار.

"وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ. وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ. وَأَمَّا عَنْ الاِبْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِك" [٦ - ٨].

يدعو الرسول تجسد الابن الكلمة "دخولاً Eisodus" إلى العالم، وقد تحقق ذلك خلال خروجه Exodus كقول السيد: "خرجت من عند الأب، وقد أتيت إلي العالم" ( يو 16: 28) كما يقول: "خرج الزارع ليزرع" (مت ١٣: ٣). إنه بحق خروج ودخول، خروج إرادي من أمجاده، ودخول إلى حياتنا لكي يضم إليه طبيعتنا وحياتنا، فيخرج بنا من عالمنا ويدخل بنا إلى حضن أبيه. يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم هذا العمل بالإنسان الهارب من القصر الملوكي وأُلقى القبض عليه واقتيد إلى السجن، فخرج إلينا الابن من قصره ودخل إلى سجن جسدنا ليتحدث معنا في أمر المصالحة مقدمًا ثمن خطايانا، عندئذ ينطلق بنا من السجن ليدخل بنا إلى القصر من جديد.

إذن حركة الدخول والخروج التي قام بها الابن الوحيد الجنس خلال تجسده وصعوده، أي خلال أعماله الخلاصية إنما هي حركة حب متدفقة نحو الإنسان، غايتها خروجه مما تقوقع فيه ودخوله إلى حضن الآب خلال ثبوته في الابن.

إن كان اليهود يفتخرون بالملائكة، لأن الناموس قد أسلم إليهم بيد ملائكة، لكن لم يكن ممكنًا لملاك أن يحقق هذا الدخول إلى العالم ليهب الإنسان دخولاً إلى الأحضان الإلهية. لقد خدم ملائكة مؤمنين وقدموا لهم رسائل إلهية مفرحة، لكنها تعجز عن أن تحقق الخلاص. وكما جاء في القداس الاغريغوري: "لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا كاروبًا ولا نبيًا ائتمنته على خلاصنا، بل أنت وحدك تجسدت وتأنست".

حبه الإلهي الذي أدخله إلينا كواحد منا لم يقلل من كرامته أمام الملائكة، إذ يقول الرسول: " وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ" الملائكة الذين قدموا لرجال العهد القديم إمكانية السجود لله، إذ جاءوا إليهم برسائل إلهية تسندهم هؤلاء أنفسهم يسجدون للابن. وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [بينما كان الآباء البطاركة يسجدون له، فعن الملائكة كُتب: "ولتسجد له كل ملائكة الله".]

دخوله إلى العالم لم يمس لاهوته ولا نزع سجود الملائكة له، وإنما أعطى الإنسان كرامة، إذ لم يقل الرسول "متى أدخل الابن"، بل يقول "متى أدخل البكر". دخل إلى العالم بكرًا لنا، يعمل لحسابنا وباسمنا، يراه الملائكة حاملاً طبيعتنا فيه، بل حاملاً مؤمنيه كأعضاء جسده فيندهشون. يسجدون له بكونه خالقهم ويسبحون متهللين من أجل عمله معنا! يرون في بكوريته بالنسبة لنا إعلان حب فائق نحو خليقته. تجسده وصلبه وقيامته وصعوده فتح مجالاً جديدًا لسجود الملائكة، إذ كشف لهم عن أعماق حب لم تكن بالنسبة لهم مدركة هكذا. أعطاهم معرفة جديدة عن أسراره سحبتهم للسجود والتسبيح!

ولئلا يظن السامعون أن الرسول يقلل من شأن الملائكة أكد: "وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَار"... هذا عن سمو الملائكة، أما عن الابن فلا وجه للمقارنة: "وَأَمَّا عَنْ الاِبْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ". هؤلاء خدام لكنهم لهيب نار سماوي، أما هو فملك صاحب سلطان. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظر كيف يميز بوضوح عظيم بين الخليقة والخالق، الخدام والرب، الابن حقيقي الوارث والعبيد.]

يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [لاحظ هنا أن كلمة "الصانع" تخص أمورًا أصيلة (الخلقة). يدعو الملائكة خليقة، أما عن الابن فلا يتحدث عنه كخليقة أو كائن جاء إلى الوجود، وإنما يتحدث عن سرمديته وملوكيته ووظيفته التدبيرية.] كما يقول: [لقد أظهر أنه آخر غير كل ما قد خلق، فإن كان هو آخر ومختلف عنهم تمامًا في الجوهر عن طبيعتهم، فأية مقارنة لجوهره يمكن إقامتها، وأي شبه له فيهم؟!]

3. مسحه للعمل الخلاصي

السيد المسيح الجالس على الكرسي إلى الأبد، والمسجود له من القوات الملائكية، يملك على الشعب بالحب. إنه البار وحده، الذي بلا خطية، قد مُسح منذ الأزل من قبل الآب لتحقيق الخلاص خلال تجسده وحياته بيننا وتقديم نفسه ذبيحة حب عنا. هنا تلتحم إرادته الإلهية مع تقواه الشخصية لتحقيق غايته فينا:

"أَحْبَبْتَ الْبِرَّ، وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ, مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِزَيْتِ الاِبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ" [٩].

إذ نادت بعض البدع الغنوسية بقسوة إله العهد القديم خالق الجسد، ولطف إله العهد الجديد الذي أراد تخليص البشرية من يد الأول لهذا أكد الرسول بولس دور الآب في الخلاص بكونه قد مسح ابنه الوحيد لهذا العمل الخلاصي. أكد وحدانية العمل بين الآب والابن، ودورهما الإيجابي في الخلاص. ففي أكثر من موضع يؤكد أن الآب يحبنا كما الابن، وأنه أرسل ابنه الوحيد، وهو الذي بذله عنا، وأقامه ليقيمنا فيه.

ليته لا يتعثر أحد حين يسمع الرسول يؤكد هذا، ظانًا أن في الابن عجزًا في الحب أو في التجسد أو القيامة... إنما أراد الرسول تأكيد دور الآب في عمل الابن الخلاصي.

مسحه بزيت الابتهاج أي تكرس الابن لهذا العمل المبهج للآب والبشرية أيضًا. حقًا لقد صار بتأنسه شريكًا لنا في طبيعتنا، لكنه كان ولا يزال الفريد في برِّه وبغضه للإثم، إذ لم يعرف الخطية، لهذا فهو وحده القادر أن يتمم عمل الخلاص المبهج. في الابن ابتهج الآب إذ رآنا أولادًا له متبررين ومقدسين فيه، وفيه أيضًا نبتهج نحن إذ نرى الآب أبانا القدوس فاتحًا أحضانه الأبوية لنا!

4. أبديته

في مقارنته بين السيد المسيح وملائكته أوضح الرسول أن السيد هو الخالق الأبدي، فالعالم المنظور يزول وينتهي أما هو فيبقى إلى الأبد:

"وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ, هِيَ تَبِيدُ وَلَكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى", وكرداء تطويها فتتغير, ولكن أنت أنت وسنوك لن تفني. ثم لمن من الملائكة قال: أجلس عن يميني حتى أضع أعداءك مواطئًا لقدميك؟ أليس جميعهم أرواحًا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص؟!" [10-11].

إنه خالق السماء والأرض، موجد الكائنات السمائية والأرضية، فلا وجه للمقارنة بين الخالق وخليقته حتى الملائكة.

الابن الخالق مولود من الآب قبل الدهور من الأزل، لم يكن هناك زمان ليس فيه الابن، هو موجد الكل فلا يتغير، أما الخليقة إذ وُجدت من العدم قابلة للتغير. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [صارت (الخليقة) إلى الوجود بعد العدم، لها طبيعة متغيرة؛ أما الابن إذ هو من الآب، فعدم التغير أو التبديل يليق بطبيعته كما الآب نفسه.]

إنه مؤسس الأرض وخالق السماء، الذي لا يتغير، يغير الآخرين ويبقى هو إلى الأبد. طبيعته هذه تسندنا من جانبين: أولاً أنه قادر أن يحقق مواعيده لنا بكونه الوحيد غير المتغير. ومن الجانب الآخر نحن نتغير إن سلمنا حياتنا بين يديه. كإله يجدد ولا يتجدد، لأنه لا يشيخ ولا يقدم، ونحن كبشرٍ نرتمي بين يديه فيجدد طبيعتنا وحياتنا.

إنه الأبدي الغالب لأعدائه، إبليس وجنوده، إذ يقول: "ثمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: اِجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ؟" لا تنعم طغمة سماوية بهذه الغلبة الأبدية، إنما السيد المسيح يُخضع قوات الظلمة تحت قدميه، ويتحقق كمال ذلك بخضوعها تحت قدمي عروسه، فقد أعطانا نحن أيضًا سلطانًا أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو، حتى كل نصرة تتحقق في حياتنا إنما هي لمجد اسمه القدوس. وإذ نملك مع ملكنا تتحطم مملكة إبليس تمامًا! كان هذا الوعد الذي يقدمه الآب لابنه إنما قدمه له كممثل لنا، وكرأس، فيه ينعم الجسد بإمكانيات فائقة.

هذه الغلبة التي لنا في المسيح يسوع، وهذه النصرة الأبدية تثير فرح الملائكة وبهجتهم بنا كعروسٍ مقدسة، لذا يشتهون خدمتنا، ويفرحون بيوم خلاصنا. خدمتهم لنا ليست خدمة من هم أقل منا، إنما هي خدمة الحب، خدمة الخليقة السماوية التي تفرح بالأرضيين حين ينعمون بالشركة معهم في حياتهم السماوية. هذا ما عناه الرسول بقوله: "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ؟" [١٤].

هنا لا يتجاهل الرسول تقديرنا لرسالة الملائكة ودورهم كخدام مرسلين للعمل لحسابنا، نحن الذين دُعينا لنرث الخلاص. إن كان السيد المسيح هو مخلصنا، فالملائكة خدامه يخدموننا من أجل مسرته ومسرتهم بنا.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول هذه: [إنهم خدام ابن الله، مرسلون بطرق كثيرة من أجلنا، ويخدمون خلاصنا. هكذا هم شركاء في الخدمة معنا.] كما يقول: [حسنا، لقد أرسل الابن أيضًا، لكنه ليس بكونه عبدًا ولا خادمًا إنما هو الابن الوحيد له ذات مشيئة الآب. لم يُرسل بكونه قد عبر من موضع إلى آخر، إنما بكونه أخذ جسدًا، أما هؤلاء فيغيرون مواضعهم، يتركون المواضع التي كانوا فيها ليرسلوا إلى مواضع أخرى لم يكونوا فيها.]

تحدث العلامة أوريجينوس كثيرًا عن الملائكة وعملهم معنا، فمن كلماته: [خلال فترة عدم الإيمان يكون الإنسان تحت سيطرة ملائكة الشياطين، أما بعد التجديد (في الجرن) فيعيّن لنا ذاك الذي يخلصنا بدمه ملاكًا مقدسًا ينظر وجه الله بطهارته]، كما يقول: [لكل نفس بشرية ملاك يقودها كأخ.]

يقول البابا أثناسيوس الرسولي عن الملائكة: [إنهم ينشرون هبات الله خلال الكلمة للذين يقبلونهم.]
 

1 الله بعدما كلم الاباء بالانبياء قديما بانواع و طرق كثيرة
2 كلمنا في هذه الايام الاخيرة في ابنه الذي جعله وارثا لكل شيء الذي به ايضا عمل العالمين
3 الذي و هو بهاء مجده و رسم جوهره و حامل كل الاشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الاعالي
4 صائرا اعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسما افضل منهم
5 لانه لمن من الملائكة قال قط انت ابني انا اليوم ولدتك و ايضا انا اكون له ابا و هو يكون لي ابنا
6 و ايضا متى ادخل البكر الى العالم يقول و لتسجد له كل ملائكة الله
7 و عن الملائكة يقول الصانع ملائكته رياحا و خدامه لهيب نار
8 و اما عن الابن كرسيك يا الله الى دهر الدهور قضيب استقامة قضيب ملكك
9 احببت البر و ابغضت الاثم من اجل ذلك مسحك الله الهك بزيت الابتهاج اكثر من شركائك
10 و انت يا رب في البدء اسست الارض و السماوات هي عمل يديك
11 هي تبيد و لكن انت تبقى و كلها كثوب تبلى
12 و كرداء تطويها فتتغير و لكن انت انت و سنوك لن تفنى
13 ثم لمن من الملائكة قال قط اجلس عن يميني حتى اضع اعداءك موطئا لقدميك
14 اليس جميعهم ارواحا خادمة مرسلة للخدمة لاجل العتيدين ان يرثوا الخلاص
 

السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

المسيح والملائكة


يكمل الرسول بولس حديثه عن السيد المسيح والملائكة:

1. كلمة الملائكة والخلاص الإلهي ١ - ٤.

2. تواضع المسيح عن الملائكة ٥ - ١٨.

1. كلمة الملائكة والخلاص الإلهي

ختم الرسول حديثه السابق بقوله: "لِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ إِلَى مَا سَمِعْنَا لِئَلاَّ نَفُوتَهُ" [١]. وكأنه يؤكد لنا أن حديثه السابق ليس حديثًا نظريًا فيه يعلن أمجاد الابن إن قورن بالملائكة، إنما هي فرصة للنفع الروحي العملي في حياتنا. فإن كان اليهود يفتخرون بكلمة الناموس التي وُهبت لهم خلال إرساليات ملائكية، وهي بحق كلمة الله، وقد صارت ثابتة، من يعصاها يسقط تحت العقاب، فكم بالأكثر من يهمل خلاصًا هذا مقداره، تسلمناه لا بيد ملائكة، إنما في خالق الملائكة نفسه، ربنا يسوع الابن الوحيد؟!

"لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً، فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هَذَا مِقْدَارُهُ، قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا، شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَّوِعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ؟" [2-٤].

في هذا الحديث لم يقارن الرسول بين كلمة الملائكة والكلمة الإلهية، لأن الكلمة التي تكلم بها ملائكة ما هي إلاَّ كلمة الله مرسلة بواسطتهم، إنما المقارنة هنا بين الكلمة التي أُرسلت بواسطتهم خلال الألفاظ والرؤى والإعلانات، وبين الكلمة ذاته وقد جاء بنفسه متجسدًا ليعلن الخلاص عمليًا في كماله. إن كانت الكلمة الإلهية المسلمة في العهد القديم لها قدسيتها وقوتها إلى اليوم فلا يعصاها أحد، فكم بالأكثر الكلمة الإلهية التي تثبتت بمجيء الكلمة ذاته ليخلصنا بدمه، مؤكدًا لنا حقيقة تأنسه بالآيات والعجائب والقوات المتنوعة ومواهب الروح القدس. وكأن الرسول أراد بمقارنته هذه أن يدفعنا إلى المثابرة في الطاعة لكلمة الله الحيّ.

2. تواضع المسيح عن الملائكة

إن كان اليهود يفتخرون بأن ناموسهم قد سُلم إليهم بيد ملائكة، فإن شريعة العهد الجديد قد أُعلنت خلال تجسد الابن وآلامه حتى الموت موت الصليب، الأمر الذي به ظهر كأنه أقل من الملائكة. لكن هذا ليس ضعفًا بل في أعماقه يمثل الطريق الوحيد للتقديس، أي إعادة الإنسان الساقط إلى المجد السماوي. كأن تواضع السيد عن الملائكة هو طريق خضوع العالم لله، خضع كنائبٍ عنا ورأسنا، فيرتفع المؤمنون به وفيه إلى المستوى السماوي. لهذا يقول الرسول: "فَإِنَّهُ لِمَلاَئِكَةٍ لَمْ يُخْضِعِ الْعَالَمَ الْعَتِيدَ الَّذِي نَتَكَلَّمُ عَنْهُ" [٥]. ماذا يعني بالعالم العتيد إلاَّ البشرية المتجددة في المسيح يسوع، هذه التي صارت عالمًا جديدًا أو عالمًا على مستوى "العتيد" أي "المقبل". هذا العالم لم يخضع لله في طاعة له خلال الناموس المسلم بيد ملائكة، وإنما خلال المسيح الذي فيه حُسبنا مطيعين للآب. إن كان المسيح قد دُعي بالآتي (رو ٥ : ٤) بمقارنته بآدم الأول، فقد صارت الكنيسة المتحدة به، جسده المقدس، العالم الآتي (العتيد) خاضعة لله أبيها.

إذن، تواضع المسيح عن الملائكة حقق ما لم يكن ممكنًا للملائكة تحقيقه، فقد خضع العالم، من يهود وأمم، لملكوته وصار الكل كنيسة الله المطيعة. ولعل كلمات الرسول هنا جاءت في مقابل الفكر اليهودي الذي كان سائدًا بأن الله قد سلم العالم لملائكته لحفظه، فاختص رئيس الملائكة ميخائيل بالشعب اليهودي، بينما كان لكل أمة ملاكها الخاص. لكن السيد المسيح وقد صار بالتجسد كمن هو أقل من الملائكة حفظ الجميع دون تحيز لأمة معينة، ليس على مستوى الحفظ الجسدي أو نوال بركة أرضية، وإنما أعاد تجديد العالم فجعله "عالمًا عتيدًا"، مقدمًا عملاً إلهيًا فريدًا في نوعه.

يليق بنا نحن أيضًا وقد دخلنا إلى عضوية هذا العالم العتيد باتحادنا مع الابن المتواضع، في مياه المعمودية، أن ندرك أن كل عضوٍ فينا أيضًا قد صار عالمًا عتيدًا، فإذ تتحد الروح والنفس والجسد بكل طاقاتهم وأحاسيسهم وإمكانياتهم الداخلية والظاهرة، يصير الإنسان عالمًا عتيدًا أي عالمًا أخرويًا يعيش على مستوى سماوي، عروسًا للمسيح السماوي!

في أكثر وضوح يتحدث الرسول بولس عن تواضع المسيح كطريقٍ فريدٍ في خضوع العالم لله، سواء على مستوى جميع الأمم أو على مستوى الإنسان في كليته، قائلاً:

"لَكِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعٍ قَائِلاً: مَا هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ، أَوِ ابْنُ الإِنْسَانِ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟ وَضَعْتَهُ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ, بِمَجْدٍ وَكَرَامَةٍ كَلَّلْتَهُ، وَأَقَمْتَهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. أَخْضَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. لأَنَّهُ إِذْ أَخْضَعَ الْكُلَّ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ, عَلَى أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَهُ, وَلَكِنَّ الَّذِي وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلاً بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ" [6-٩].

اقتبس الرسول كلمات المرتل النبوية: "من هو الإنسان حتى تذكره، أو ابن آدم حتى تفتقده، وتنقصه قليلاً عن الملائكة وبمجد وبهاء تكلله، تسلطه على أعمال يديك. جعلت كل شيء تحت قدميه" (مز٨ :٤-٦)، ويكمل المزمور "الغنم والبقر جميعًا وبهائم البر أيضًا، وطيور السماء وسمك البحر السالك في سبل المياه" (مز ٨: ٧-٨).

يرى الرسول بولس أن كلمات المرتل كلمات نبوية تتحدث عن الابن المتجسد الذي تواضع قليلاً عن الملائكة، خلال هذا التواضع تسلط روحيًا على الخليقة التي هي عمل يدي الله، مجددًا إياها. ويرى القديس أغسطينوس أن المزمور هنا يشير إلى خضوع الخليقة كلها على المستوى السماوي والبشري للابن المتجسد. وكأنه في هذا يتفق مع العلامة أوريجينوس الذي يرى أن السيد وقد تواضع وحّد السمائيين مع الأرضيين، الطغمات الملائكية مع بني البشر، ليضم الكل كأعضاء في جسدٍ واحدٍ له. فهو رأس الكنيسة التي جمعت السماء مع الأرض بروح واحد!

يقول المرتل إنه قد خضع له الغنم والبقر جميعًا، فإن كان آدم يمثل الخروف الضال الذي من أجله ترك الله التسعة والتسعين ليبحث عنه، فإن التسعة والتسعين إنما يشيرون إلى الخليقة السماوية التي تملأ السماء، فقد نزل السيد إلينا متجسدًا كمن ترك الأبرار ليبحث عن الخروف الضال ويرده إلى القطيع، فيجتمع بإخوته السمائيين معًا، يشتركون معًا في التسبيح والشكر. لقد تحدث العلامة أوريجينوس كثيرًا عن خلطة السمائيين بالمؤمنين في المسيح يسوع، حتى قال انه إذ يجتمع المؤمنون معًا في كنيسة الله تفرح الملائكة وتتهلل، لأنها تجتمع هي أيضًا، حيث يلتقي الملائكة والمؤمنون معًا. فتكون هناك كنيسة منظورة مجتمعة معًا وكنيسة ملائكية غير منظورة مجتمعة معًا أيضًا! إننا نشاركهم تسابيحهم العلوية، وهم يشاركوننا فرحنا بالخلاص الإلهي!


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email
يقول المرتل أن الغنم والبقر جميعًا وبهائم البر وطيور السماء وأسماك البحر يخضعون لذاك الذي في تواضعه صار كمن هو أقل من الملائكة. ماذا يعني الغنم والبقر إلاَّ رمزًا للقطيع الناطق، الشعب القديم الذي قبل بعضه الخضوع لمملكة المسيح الروحية وسيقبل بقية القطيع هذا الخضوع، بينما بهائم البرية يشير إلى جماعات الأمم التي عاشت كمن في البرية، محرومة من المراعي التي تمتع بها شعب الله مثل الناموس والأنبياء والوعود والعهود الخ.، طيور السماء تشير إلى النفوس المتعجرفة هائمة في الأمور العالية فإنها بروح الحب تخضع للسيد، بينما أسماك البحر تشير إلى النفوس المرتبكة بهموم الحياة كمن يسلك في وسط الأمواج. هكذا جاء كلمة الله متجسدًا لكي يقتنص في شبكة محبته كل إنسان: اليهودي والأممي، المتكبرين والمحطمين!

ما نقوله عن العالم الخارجي يتحقق أيضًا في العالم الداخلي فإن وجدنا في داخلنا قطيعًا من الغنم أو وحوشًا مفترسة، طيورًا تهيم في الجو أو أسماكًا تسبح في المياه، فلنسلمها لذاك الذي وحده له السلطان أن يخضعها لملكوته، مقدسًا أعماقنا الداخلية وتصرفاتنا الخارجية لتصير كلها لحسابه.

على أي الأحوال تواضع السيد حتى موت الصليب هو طريق الملكوت، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [افتقدنا ابن الله حين كنا لا شيء، وإذ حمل ما لنا (ناسوتنا) ووحَّده بنا، صار أعظم من الكل.] هذا هو طريق خضوعنا لملكه، فكنائبٍ عنا خضع بإرادته للآب حاملاً الآلام حتى الموت، فصرنا خاضعين لأبيه، وله أيضًا. خضوعنا الآب إنما خلال خضوع الابن له، ويتحقق خلال خضوعنا نحن أيضًا للابن، غير أنه يوجد فارق بين خضوعنا نحن للآب والابن، وخضوع الابن نفسه لأبيه.

يليق بنا أن نميز بين أنواع مختلفة للخضوع خاصة في عبارة الرسول بولس: "وبعد ذلك متى سلم المُلْك لله الآب، متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة، لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه، آخر عدو يبطل هو الموت، لأنه أخضع كل شيء تحت قدميه ولكن حينما يقول إن كل شيء قد أخضع، فواضح أنه غير الذي أخضع له الكل، ومتى أخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل" (١ كو ١٥: ٢٤-٢٨).

في هذه العبارة يميز الرسول بين ثلاثة أنواع من الخضوع: خضوع الهزيمة الكاملة التي تتحقق في يوم الرب العظيم حيث يخضع إبليس وجنوده وينهدم الموت تمامًا تحت قدمي السيد، وخضوع طاعة الخليقة لخالقها حيث تنعم بإكليلها الأبدي، أما ما هو أعظم وأسمى فهو خضوع الابن لأبيه على مستوى فريد.

لقد تحدث القديس أمبروسيوس باستفاضة عن خضوع الابن لأبيه مؤكدًا أنه يختلف تمامًا عن خضوعنا للإمبراطور أو الملك، أو خضوعنا لكل ترتيب بشري من أجل الرب (١ بط ٢: ١٣)، أو خضوع الزوجة لرجلها (أف ٥: ٣)، أو خضوعنا نحن للآب في خوف المسيح.

يخضع السيد المسيح للآب من جانبين: الجانب الأول أنه كابن واحد مع الآب في اللاهوت لا يحمل إرادة مخالفة للآب، بل ذات إرادة الآب، يخضع لا كعبد مأمور وإنما كابن وحيد الجنس يحمل إرادة واحدة مع أبيه. ومن الجانب الآخر، إذ حمل طبيعتنا البشرية وصار ممثلاً لنا، خضع في طاعة كاملة لأبيه لنُحسب فيه أبناء طاعة، وتنزع عنا طبيعة العصيان التي ورثناها عن آدم الأول.

وقد لاحظ القديس أمبروسيوس أن خضوع الابن لأبيه يتحقق في المستقبل كقول الرسول: "فحينئذ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل" (١ كو ١٥: ٢٨)، فهل لا يخضع الابن للآب حاليًا؟ [لم يخضع المسيح (بكل كنيسته) بعد لأن أعضاؤه لم تجلب بعد للخضوع... لكن حينما نصير ليس أعضاء كثيرين بل روحًا واحدًا، عندئذ يخضع هو أيضًا خلال خضوعنا نحن.]

كأن خضوع الكنيسة كلها حين تكتمل بأعضائها في يوم الرب العظيم بروح واحد هو خضوع جسد المسيح للآب خلال الرأس فيحسب المسيح خاضعا لأبيه فينا!

بمعنى آخر، السيد المسيح كرأس خاضع لأبيه منذ الأزل، قبل التجسد، لكنه إذ قبل المؤمنين به جسدًا له يخضع له فينا، أو نخضع نحن للآب باسم ابنه ولحسابه وإمكانياته.

هذا هو غاية التجسد الإلهي، خلاله صار الابن متواضعًا كأقل من الملائكة، لكي يجلب المؤمنين إلى الآب بالخضوع. الأمر الذي تحقق جزئيًا ويبقى عاملاً خلال أعماله الخلاصية. وكما يقول الرسول: "عَلَى أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَهُ. وَلَكِنَّ الَّذِي وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلاً بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ".


ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارة الرسولية السابقة، قائلاً:

[إن كان يجب أن تخضع كل الأشياء له، لكنها لم تخضع بعد، فلا تحزن ولا تضطرب.]

[يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد، وليس لأجل المؤمنين فقط، وإنما من أجل العالم كله. حقًا لقد مات عن الجميع، ولكن ماذا إن كان ليس الجميع قد آمنوا؟ لقد تمم ما هو من جانبه!]

[قال بحق: "يذوق الموت لأجل كل واحدٍ"، ولم يقل "يموت"، كما لو كان بالحقيقة يتذوق الموت حيث قضي فيه زمانًا قصيرًا حتى قام.] أما علة تذوقه الموت لأجل كل واحدٍ منا فهو دخوله إلى الموت قدام كل واحد منا حتى لا نرهب الموت بعد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما أن الطبيب وهو في غير حاجة إلى تذوق الطعام المعد للمريض، لكنه من أجل اهتمامه بالمريض يتذوقه أولاً ليحثه على التناول منه بثقة، هكذا كان كل الناس يهابون الموت، فلكي يشجعهم ضد الموت تذوقه (السيد) بنفسه، وإن كان ليس في حاجة إليه، إذ يقول: "رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيَّ شيء" (يو ١٤: ٣٠).]

هذا وقد علق القديس نفسه على قول الرسول: "وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ" قائلاً أن السيد تواضع عن الملائكة قابلاً للموت لكنه تواضع قليلاً، أي لمدة ثلاثة أيام حيث قام معلنًا مجده، أما نحن فقد سقطنا تحت سلطان الموت زمانًا طويلاً بسبب الخطية حتى جاء من أقامنا منه.

بعد أن تحدث عن دور الابن في خلاصنا خلال تجسده وآلامه أوضح دور الآب، قائلاً: "لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ، أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ" [١٠]. وللقديس يوحنا الذهبي الفم تعليق رائع على هذه العبارة، حيث يقول: [إنه يعمل ما يليق بحبه للبشرية، مقدمًا ابنه البكر أكثر مجدًا من الجميع، إذ يعلنه كمثال للآخرين، كمجاهد شريف يفوق الكل. إنه رئيس خلاصهم، أي علة خلاصهم. لاحظ الفارق بينه وبيننا، فهو ابن ونحن أبناء لكن هو يخلِّص (الآخرين) أما نحن فنخلُص... انظر كيف يفصل بينه وبيننا، قائلاً: وهو آت بأبناء كثيرين إلى المجد.]

إن كان الابن الوحيد الجنس قد وُضع قليلاً عن الملائكة لكي يكلل بالمجد والكرامة خلال خلاص كل واحد منا بآلامه المخلصة، فإن هذا العمل لا يخص الابن وحده، بل هو عمل الآب أيضًا الذي قدم لنا ابنه كقائد خلاصنا، باذلاً إياه بالآلام حتى الموت ليحقق خلاصنا ويهبنا في ابنه البنوة له، وكأن الآب يعمل فينا بآلام ابنه لنتمتع بمجد البنوة له.

بمعنى آخر إن كان الآب قد أوجدنا بابنه، إذ "به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان"، فإن تجديد خلقتنا وخلاصنا من الإنسان العتيق الفاسد الإيمان حققه بابنه أيضًا خلال آلامه. يقارن القديس يوحنا الذهبي الفم بين العمل الإلهي في الخلقة والعمل الإلهي في تجديدنا، قائلاً: [الآلام هي تكميل Perfecting الخلاص وعلته... لقد قبل الجسد ليحتمل الآلام وهذا أعظم بكثير من خلقته للعالم من العدم. حقًا إن عمل الخلقة هو من قبيل حبه المترفق، لكن العمل الآخر (الخلاص بآلامه) لهو أعظم من ذلك بكثير، هذا ما أشار إليه الرسول بقوله: "ليظهر في الدهور الآتية غني نعمته الفائق لصلاحه، أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أف ٢: ٧، ٦).]


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 2 جـ3 PDF Print Email

نعود إلى تواضع الابن بقبوله التجسد، ودخوله إلى الآلام من أجل خلاصنا، والدخول بنا إلى ملكوته، ليتمجد فينا وننعم نحن بشركة أمجاده، أما السبب الثاني لتجسده أو تواضعه قليلاً عن الملائكة فهو صيرورته أخًا بكرًا لنا، يحل في وسطنا بكوننا إخوته الأصاغر، فنلتحم به بكونه القدوس لنصير فيه مقدسين. لهذا يكمل الرسول، قائلاً:

"لأَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ، فَلِهَذَا السَّبَبِ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً، قَائِلاً: أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي، وَفِي وَسَطِ الْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ" [١١-١٢].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظر أيضًا كيف جلبهم معًا (المؤمنين والسيد المسيح)، مكرمًا إياهم واهبًا إياهم راحة، إذ يجعلهم إخوة المسيح... لكن هو يقدس وهم يتقدسون، عظيم هو الفارق بينهم.]

إنه لا يستحي أن يدعوهم إخوة، فإنه إذ التحف بالجسد إنما التحف بالأخوّة لهم، واهبًا إياهم إمكانياته الإلهية ليمارسوا الحياة المقدسة فيه. وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [بالتجسد الإلهي صرنا مشابهين إياه من جهة الجسد، صرنا أغصانًا في الكرمة، متحدين به، متمتعين بملئها (يو ١: ١٦). بهذا تقدس جسدنا الذي كان قبلاً ميتًا وفاسدًا، إذ صار له حق القيامة والخلاص خلال إخوتنا بالسيد المسيح الحامل لجسدنا!]

في شيء من التفصيل نقول أن الابن الكلمة إذ صار جسدًا، صار أخًا بكرًا لنا، لا يستحي أن يدعونا إخوة له، لأنه فيما هو نزل إلينا إذ به يرفعنا إليه. هو أخد جسدنا الذي على شبه جسد الخطية، لكن لم يكن ممكنًا للخطية أن تقترب إليه، إنما رفعنا نحن الخطاة إلى قداسته: "لأن المقدس والمقدسين جميعهم من واحد". صرنا أعضاء في جسده فنحمل العضوية في جسده المقدس، لنا شركة سماته الفائقة.

بمعنى آخر، تواضع السيد عن الملائكة، أي تجسده فتح لنا باب الأخوّة له، وصار لنا بآلامه وقيامته حق التمتع بروحه القدوس ساكنًا فينا، هذا الذي يأخذ مما للمسيح ويخبرنا، أي يأخذ سماته المقدسة ليسكبها فينا، لنصير مقدسين فيه. بهذا العمل الإلهي نتعرف على الآب القدوس بكونه أبانا السماوي وندرك أسراره الإلهية غير المدركة. فينطلق لساننا الداخلي بالتسبيح والحمد. بهذا يناجي الابن الوحيد أباه القدوس، قائلاً: "أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي، وَفِي وَسَطِ الْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ" [١٢]. الإخبار هنا ليس بمجرد الكلام، إنما خلال العمل حيث يدخل بنا الروح القدس إلى الإتحاد مع الآب في ابنه فنتعرف على الاسم القدوس. والتسبيح ليس مجرد ألفاظ ننطق بها وإنما بتمتعنا بالعضوية الكنسية وإتحادنا بالمسيح رأس الكنيسة يصير التسبيح طبيعة داخلية. كل ما في داخلنا يلهج فرحًا ويترنم بالحمد لذاك الذي قدم لنا هذا العمل الخلاصي العجيب!

يكمل الرسول حديث الابن مع الآب القدوس هكذا:

"وَأَيْضًا: أَنَا أَكُونُ مُتَوَكِّلاً عَلَيْهِ, وَأَيْضًا: هَا أَنَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ اللهُ" [13].

كنائبٍ عن البشرية وكأخٍ بكر للمؤمنين اتكل الابن في طاعة للآب، فنُحسب نحن جميعًا أبناء طاعة لله بعد أن كنا عبيدًا عصاة. يدخل بنا الابن إلى حضن أبيه خلال طريق طاعة الابن لأبيه، طاعة الحب الفريد، طاعة الإرادة الواحدة مع أبيه، الأمر الذي تعجز كل الخليقة أن تعبر إليه بدون الابن. والعجيب أنه وهو يقدمنا لأبيه أبناء طاعة له، يقدمنا أيضًا كأبناء طاعة للابن نفسه، لأنه ما كان يمكننا أن نطيع الآب ما لم ندخل في الحياة الجديدة التي لنا في الابن مطيعين له. طاعتنا للآب إنما خلال طاعتنا للابن فاتح طريق الطاعة! خلال هذه الطاعة التي صارت لنا نحو الابن، أصبح الابن ليس أخًا بكرًا فحسب وإنما أبًا أيضًا، إذ يقول الرسول على لسان السيد: "ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الله" ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [هنا يظهر نفسه أبًا كما أظهر نفسه قبلاً أخًا.]

أخوّته لنا وأبوّته تعلنان شركتنا فيه لكي ننعم بالغلبة على الموت الذي ساد علينا، وذلك بقبوله الموت عنا، فبموته أمات موتنا، يقول الرسول: "فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ، اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ، ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ" [١٤].

إذن تواضع المسيح عن الملائكة هو طريق تمتعنا بملكوته الإلهي، وهو طريق خلاصنا خلال أخوة السيد المسيح لنا وأبوته أيضًا، أخيرًا فإن هذا التواضع كان الباب للدخول إلى الموت لكي يبيد سلطان الموت أي إبليس محررًا إيانا. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يشير إلى ما هو عجيب، فقد انهزم إبليس بذات الأمر الذي به هزمنا، بالسلاح القوي ضد العالم أي الموت، ضربه به المسيح. بهذا ظهرت عظمة الغالب! أتريد أن ترى أي صلاح عظيم جلبه الموت؟ يقول الرسول: "وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ" [١٥]. لماذا ترتجفون لماذا تخافون من صار كلا شيء! لم يعد بعد (إبليس أو الموت) مرعبًا، إنما صار تحت الأقدام، محتقرًا تمامًا.]

هذا هو غاية التجسد الإلهي، يحمل جسدنا لكي بموته يميت موتنا، واهبًا إيانا قوة الخلاص والقيامة الأبدية. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [صار إنسانًا في جسد خلاصنا، لكي يكون لديه ما يقدمه عنا خلاصًا لجميعنًا.]

يعلق القديس أمبروسيوس على العبارة الرسولية التي بين أيدينا قائلاً:

[من هو هذا الذي يريدنا أن نشاركه في لحمه ودمه؟ إنه بالتأكيد ابن الله! كيف صار شريكًا لنا إلاَّ باللحم، وكيف كسر قيود الموت إلاَّ بموته الجسدي؟ فإن احتمال المسيح للموت أمات الموت.]

كنا جميعًا تحت العبودية، ليس منا من له سلطان أن يدوس على الموت ولا أن يتحرر من أسر إبليس، لذا جاء القادر وحده أن يدخل إلى طريق الموت ويقوم، فيقيمنا معه متحررين من العبودية. حطم حكم الموت علينا ومزقه، وأفسد سلطان إبليس علينا، واهبًا إيانا حرية القيامة المجيدة كحياة نعيشها كل يوم حتى نلتقي معه في يوم القيامة الأخير.

يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [ليتنا لا ننسى ما قد سلمه بولس... أي قيامة الرب! إنه يقول عنه أنه أباد الذي له سلطان الموت أي إبليس، وأقامنا معه. حل رباطات الموت، ووهبنا البركة عوض اللعنة، منحنا الفرح عوض الحزن، وقدم لنا العيد عوض النوح، أعطانا فرح عيد القيامة المقدس، العيد الدائم في قلوبنا لنفرح به على الدوام.] كما يقول في موضع آخر: [وضع نهاية للناموس (الحكم) الذي كان ضدنا وذلك بذبيحة جسده، واهبًا إيانا بداية جديدة للحياة على رجاء القيامة التي منحها لنا.] كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد أظهر أيضًا أنه ليس فقط أبطل الموت وإنما صار إبليس بهذا كلا شيء، هذا الذي كان في حرب بلا هوادة ضدنا. فمن لا يخاف الموت يصير خارج دائرة طغيان إبليس... من لا يخاف أحدًا ولا يرتعب يكون فوق الكل، أكثر حرية من الجميع. لا يبالي بحياته (الزمنية) فبالأولى لا يهاب شيئًا. متى وجد إبليس نفسًا كهذه لا يقدر أن يقيم فيها عملاً من أعماله... هكذا، فإنه بنزع طغيان الموت عنا تكون لنا النصرة على قوة إبليس.]

مرة أخرى بالتجسد الإلهي، إذ تواضع الابن عن الملائكة صار من نسل إبراهيم حسب الجسد، صار أخًا بكرًا مشابهًا لنا في كل شيء، حتى فيما هو مجرب يقدر أن يعين المجربين، وكأنه صار كواحدٍ منا يشعر بإحساساتنا ويشفع فينا لدى أبيه. يقول الرسول:

"لأَنَّهُ حَقًّا لَيْسَ يُمْسِكُ الْمَلاَئِكَةَ، بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ. مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا لِلَّهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ. لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ"[١٦-18].

يفسر القديس يوحنا الذهبي الفم هذه العبارة، قائلاً: [لم يأخذ طبيعة الملاك بل طبيعة الإنسان.]

لماذا قال الرسول "يمسك"؟ لأن طبيعة الإنسان كانت هاربة منه بعيدًا لا تريد الالتقاء به، فاقتفى أثرها وأمسك بها بتجسده! في محبته ورعايته أمسك بطبيعتنا إذ حمل ناسوتنا فيه ليعطيه إمكانيات جديدة. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من جهتي فإني إذ أفكر في هذا أدهش، وأتخيل أمورًا عظيمة بخصوص الجنس البشري. إنني أرى عطايا عظيمة وسامية، وأن لله غيرة عظيمة لحساب طبيعتنا.]

تقدم إلينا كرئيس كهنة أمين قادر أن يحررنا من خطايانا بذبيحة الصليب. دخل إلى الآلام مجربًا لكي يقدر أن يعين المجربين. عالج آلامنا وتجاربنا لا بانتزاعها عنا وإنما بحمله إياها ومشاركتنا وسط آلامنا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لا يجهل آلامنا، بل يعرفها ليس فقط بكونه الله، وإنما بكونه إنسانًا قد جُرب. تألم كثيرًا، لذا يعرف كيف يحنو... يعرف ما هي الآلام، وما هي التجربة، ليس بأقل منا نحن المتألمين، إذ تألم هو أيضًا... لهذا يبسط يده بغيرة عظيمة ويحنو.] وأيضًا يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [حقًا إنه لم يأخذ طبيعة الملائكة بل طبيعة نسل إبراهيم، لذلك لاق به أن يشبه إخوته في كل شيء، لكي يكون رحيمًا ورئيس كهنة أمينًا فيما يخص الله، محققًا مصالحة عن خطايا الشعب. فإنه في هذا تألم بكونه مجربًا يقدر أن يعين المجربين، لهذا فلتلاحظوا أيها الإخوة القديسين، شركاء الدعوة الإلهية رسول اعترافنا ورئيس كهنته يسوع، الذي كان أمينًا للذي أقامه.]

في إيجاز يمكننا أن نقول بأن التجسد الإلهي، حيث به تواضع الابن قليلاً عن الملائكة، حقق ما لم يكن ممكنًا للخليقة السماوية تحقيقه، ألا وهو:

أ. فتح باب الملكوت، فخضع الكل للآب في ابنه.

ب. وهب البشرية إتحادًا مع القدوس، فصاروا فيه قديسين.

ج. حسبنا إخوة له، يخبرنا عن اسم أبيه، ونمارس حياة التسبيح وسط الكنيسة المقدسة.

د. صار أبًا يقدمنا أبناء للطاعة لدى أبيه.

ه. حطم بموته موتنا، وحررنا من سلطان إبليس.

و. فيما هو مُجرب يقدر أن يشفع في المجربين، فيتقدم عنا كرئيس كهنة وذبيحة في نفس الوقت.

1 لذلك يجب ان نتنبه اكثر الى ما سمعنا لئلا نفوته
2 لانه ان كانت الكلمة التي تكلم بها ملائكة قد صارت ثابتة و كل تعد و معصية نال مجازاة عادلة
3 فكيف ننجو نحن ان اهملنا خلاصا هذا مقداره قد ابتدا الرب بالتكلم به ثم تثبت لنا من الذين سمعوا
4 شاهدا الله معهم بايات و عجائب و قوات متنوعة و مواهب الروح القدس حسب ارادته
5 فانه لملائكة لم يخضع العالم العتيد الذي نتكلم عنه
6 لكن شهد واحد في موضع قائلا ما هو الانسان حتى تذكره او ابن الانسان حتى تفتقده
7 وضعته قليلا عن الملائكة بمجد و كرامة كللته و اقمته على اعمال يديك
8 اخضعت كل شيء تحت قدميه لانه اذ اخضع الكل له لم يترك شيئا غير خاضع له على اننا الان لسنا نرى الكل بعد مخضعا له
9 و لكن الذي وضع قليلا عن الملائكة يسوع نراه مكللا بالمجد و الكرامة من اجل الم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لاجل كل واحد
10 لانه لاق بذاك الذي من اجله الكل و به الكل و هو ات بابناء كثيرين الى المجد ان يكمل رئيس خلاصهم بالالام
11 لان المقدس و المقدسين جميعهم من واحد فلهذا السبب لا يستحي ان يدعوهم اخوة
12 قائلا اخبر باسمك اخوتي و في وسط الكنيسة اسبحك
13 و ايضا انا اكون متوكلا عليه و ايضا ها انا و الاولاد الذين اعطانيهم الله
14 فاذ قد تشارك الاولاد في اللحم و الدم اشترك هو ايضا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت اي ابليس
15 و يعتق اولئك الذين خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية
16 لانه حقا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل ابراهيم
17 من ثم كان ينبغي ان يشبه اخوته في كل شيء لكي يكون رحيما و رئيس كهنة امينا في ما لله حتى يكفر خطايا الشعب
18 لانه في ما هو قد تالم مجربا يقدر ان يعين المجربين 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

المسيح وموسى

في مقارنته بين السيد المسيح وأنبياء العهد القديم أوضح الرسول الجوانب الفائقة للسيد دون أن يقلل من شأن الأنبياء، وهكذا في عرضه للمقارنة بينه وبين الملائكة. هنا أيضًا يقارن بينه وبين موسى النبي بكونه أول قائد للشعب، أخرج إسرائيل من أرض العبودية وعبر بهم إلى البرية ووقف بهم عند جبل موآب ليسلمهم ليشوع قائدهم إلى أرض الموعد. لم يقلل الرسول من شأن هذا الرجل العظيم في الأنبياء بل أكد أمانته في العمل، وإنما أبرز شخص السيد المسيح القائد الحقيقي القادر على الانطلاق بنا من العبودية المرة الداخلية إلى حرية مجد أولاد الله، وقد تحدث هنا عن:

1. السيد المسيح وموسى ١ - ٦.

2. قسوة القلب ٧ - ١٩.

1. السيد المسيح وموسى

"مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ، لاَحِظُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ الْمَسِيحَ يَسُوعَ، حَالَ كَوْنِهِ أَمِينًا لِلَّذِي أَقَامَهُ، كَمَا كَانَ مُوسَى أَيْضًا فِي كُلِّ بَيْتِهِ" [١-٢].

وجه الرسول الحديث إلى المسيحيين من العبرانيين ودعاهم "الإخوة القديسين". فإذ كان حديثه السابق في المقارنة بين السيد المسيح وملائكته قد دفعه للحديث عن تواضع السيد بتجسده فصار أخًا بكرًا لنا، فإن الرسول يرى في المؤمنين "إخوة قديسين" بكونهم أعضاء معه في جسد المسيح القدوس، وشركاء معه في الدعوة السمائية. ففي المسيح السماوي يتمتع المؤمنون بحياته المقدسة السمائية ليحيوا فيه على المستوى القدسي السماوي. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [إن كنتم تؤمنون أنه جلس عن يمين الآب في السماوات يليق بكم أن تؤمنوا أنه لم يعد مكانكم في الأرضيات بل في المنظر السماوي.]

طالبهم الرسول وهو يقارن بين السيد المسيح وموسى النبي أن ينظروا إلى السيد ويتأملوه من جانبين:

أ. رسول اعترافنا

بالتجسد أعلن الابن كرسولٍ، أرسله الآب إلينا ليعلن الحب الإلهي عمليًا على الصليب ويهبنا إمكانية القيامة بقيامته ويدخل بنا إلى سمواته بجلوسه عن يمين الآب. في هذا يختلف السيد المسيح عن الأنبياء والملائكة، فهو لم يُرسل بمعنى تركه موضع ليذهب إلى آخر، وإنما بمعنى ظهوره في الجسد وحلوله بيننا هذا الذي يبقى بلاهوته غير منفصلٍ عن أبيه، يملأ السماء والأرض.

غاية رسالته هو إعلان إيماننا أو اعترافنا بالحق. قدم لنا ذاته بكونه الحق الإلهي غير المتغير، نقبله فنتعرف على أسرار الآب أيضًا، وكما يقول السيد: "لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا، ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه... الذي رآني فقد رأى الآب" (يو ١٤: ٧، ٩).

إذن، فإرساليته فريدة، خلالها يحملنا فيه ليدخل بنا إلى حضن أبيه، نتعرف عليه معرفة الإتحاد والشركة والتلامس الحق، نرى في الآب ما لا يُرى، ونتمتع بما لا يمكن للحواس الجسدية أن تعبر عنه!

ب. رئيس كهنته

إن كان العبرانيون إذ قبلوا الإيمان بالمسيح حرموا من الكهنوت اللاوي، ومن التمتع بأعمال رئيس الكهنة خليفة هرون، لكنهم تمتعوا برئيس كهنة أعظم على مستوى إلهي، يعمل في السماء بلا توقف إلى الأبد. الأمر الذي يناقشه الرسول فيما بعد عند حديثه عن السيد كرئيس كهنة على رتبة ملكي صادق، وكشفيع عنا في المقادس السماوية لدى أبيه.

قلنا في دراستنا لأسفار الأنبياء أن اليهود رأوا النزاع المرّ بين الأنبياء الحقيقيين والكهنة الشكليين في عبادتهم، أما السيد المسيح فقد جاء يفوق الكل، فيه لا تقدم النبوة كمعرفة جزئية إنما هو "الحق عينه" و "المعرفة الكاملة"، في نفس الوقت هو رئيس الكهنة لا على مستوى تقديم ذبائح دموية إنما بالحب الإلهي يقدم حياته فدية عن شعبه، فيه تلتحم النبوة مع الكهنوت بطريقة فريدة فائقة، بها يفوق موسى العظيم في الأنبياء وهرون رئيس الكهنة المدعو من الله.

هذه مقدمة عن السيد المسيح للمقارنة بينه وبين موسى النبي والتي تتلخص في النقاط التالية:

أولاً: يبدأ الرسول ممتدحًا موسى النبي بكونه الأمين في كل بيته [٢]، ولم يبدأ بالكشف عن سمو السيد المسيح عنه ذلك بسبب شدة ارتباط اليهود بموسى، فقد خشي [لئلا يهرب السامع ويسد أذنيه عنه. فمع كونهم مؤمنين، لكنهم كانوا لا يزالون يحملون مشاعر عميقة في ضمائرهم بصورة خاصة نحو موسى.] أما عبارته "في كل بيته"، فقصد بها "وسط شعبه"، فقد كان موسى أمينًا في رعايته للشعب كحارس ومدبر لهم.

لقد رفع الرسول بولس من شأن موسى إذ أعلن أنه أمين في كل بيته وأن السيد المسيح الذي أقامه الآب أمين أيضًا... وقد حاول الأريوسيون التركيز على هذه العبارة ليعثروا المؤمنين في شخص السيد المسيح، خاصة في قوله "أقامه"، معلنين أن هذا التعبير يجعل من السيد مخلوقًا أقامه الخالق على بيته أي كنيسته. وقد تصدى القديس أثناسيوس الرسولي لهم في شرح هذه العبارة الرسولية، مؤكدًا أننا نتطلع إلى السيد المسيح من جانبين، الجانب الأول بكونه كلمة الله الأزلي، وقد أقام لنفسه بيتًا في أحشاء البتول حيث صار واحدًا مع ناسوتنا. هذا هو الذي يتحدث عنه سليمان الحكيم قائلاً: "بنت الحكمة بيتها" (أم ٩: ١). فكلمة الله هو بعينه الحكمة الذي بنى له بيتًا هو ناسوتنا الذي اتحد به.

يعلق أيضًا القديس أمبروسيوس على هذه العبارة الرسولية، قائلاً: [هذا أنت ترى أن ما دعاه الرسول مخلوقًا إنما ما أخذه لنفسه من نسل إبراهيم، مؤكدًا بوضوح بدء الجسد، إذ كيف يطهر خطايا الشعب إلاَّ في جسده؟ أي شيء تألم فيه إلاَّ جسده، إذ نقول أن المسيح تألم في الجسد؟ وفي أي شيء هو كاهن إلاَّ لأنه أخذ لنفسه ما هو من الشعب الكهنوتي؟]

ثانيًا: إن كان موسى أمينًا في عمله الرعوي، لكي شتان ما بين أمانته وأمانة السيد المسيح، إذ يقول: "فَإِنَّ هَذَاْ حُسِبَ أَهْلاً لِمَجْدٍ أَكْثَرَ مِنْ مُوسَى، بِمِقْدَارِ مَا لِبَانِي الْبَيْتِ مِنْ كَرَامَةٍ أَكْثَرَ مِنَ الْبَيْتِ. لأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَبْنِيهِ إِنْسَانٌ مَا، وَلَكِنَّ بَانِيَ الْكُلِّ هُوَ اللهُ" [٣-٤]. شتان ما بين السيد المسيح الخالق الذي هو باني البيت أي جابلنا والقادر على تجديد خلقتنا وبين العظيم موسى، فهو بحق أمين لكنه يشترك في كونه البيت عينه الذي يقوم السيد المسيح ببنائه!

ثالثًا: كان موسى أمينًا كخادم شهادة، يشهد لرعاية الله ومحبته ويعلن ناموسه وشرائعه، لذا كان يخلع نعليه عند دخوله المقدسات (خر ٣: ٥) كخادم أمين يود أن يكون مقدسًا لكي يلتقي بالقدوس. أما السيد المسيح فهو الابن الوارث كل شيء، إذ يقول الرسول: "وَمُوسَى كَانَ أَمِينًا فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ، شَهَادَةً لِلْعَتِيدِ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ، وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَكَابْنٍ عَلَى بَيْتِهِ" [٥]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [الواحد (موسى) يهتم بممتلكات غيره، أما هذا فيهتم بممتلكاته الخاصة]، أي يهتم بنا نحن بيته، هيكله المقدس وموضوع ملكوته.

رابعًا: النتيجة العملية لهذه المقارنة هي: "وَبَيْتُهُ نَحْنُ إِنْ تَمَسَّكْنَا بِثِقَةِ الرَّجَاءِ وَافْتِخَارِهِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ" [٦]. يلزمنا أن نبقى نحن كبيت الله الذي سبق فخدمه موسى كنبيٍ أمين، ويقيم فيه الابن كصاحب بيت يقدسنا بروحه القدوس، كمسكنٍ أبديٍ له لا يهلك إن تمسكنا بثقة فيه ووضعناه كرجاء لنا نفتخر به.

نختم هذه المقارنة بكلمات القديس يوحنا الذهبي الفم: [تراه يتحدث لا عن الهيكل بل الشعب كله... أتدرك كيف يفصل الرسول بين الشيء المصنوع (بيت الله) والصانع، بين الخادم والابن؟ أضف إلى هذا أنه بحق يدخل إلى ممتلكات أبيه كسيد بينما يدخل الآخر كخادم.]



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ إصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email
2. قسوة القلب

ينتقل الرسول في حديثه عن السيد المسيح مقارنًا إياه بنبيه موسى إلى الشعب نفسه، فإن كان العبرانيون يفتخرون بقائدهم العظيم، لكن الشعب الخارج من مصر لم يدخل إلى الراحة الموعود بها، لا عن ضعف في القائد وإنما بسبب العصيان في البرية. موسى كان أمينًا، لكن الشعب بعصيانه وعدم إيمانه فقد ما وعدهم به الله خلال موسى. لهذا كان يليق بهم لا أن يفتخروا بموسى، بل يتطلعوا إلى أنفسهم لئلا يحرموا هم أيضًا من الراحة الحقيقية والتمتع بالمواعيد الإلهية كآبائهم بسبب قسوة قلوبهم الناتجة عن عدم الإيمان.

"لِذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ، يَوْمَ التَّجْرِبَةِ فِي الْقَفْرِ. حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. اخْتَبَرُونِي وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً..." [٧-٩].

هنا يقتبس الرسول النصف الأخير من المزمور الخامس والتسعين، فبعدما قارن بين أمانة السيد المسيح بكونه الابن الخالق لبيت الله والمهتم به، وبين أمانة موسى النبي بكونه الخادم الأمين والذي يمثل جزءًا لا يتجزأ من البيت نفسه، عاد ليكشف لهم كيف حُرم آباؤهم من التمتع بالمواعيد الإلهية، إذ هلكوا في البرية، ولم يدخلوا أرض الموعد، بالرغم من أمانة موسى قائدهم. لقد هلك ذاك الجيل ليس عن نقص في الرعاية الإلهية ولا عن عدم أمانة القائد والخادم الأمين موسى، وإنما بسبب قسوة قلب الشعب وعدم إيمانهم. لقد كان الله يرعاهم أربعين عامًا، لما سبق وتحدثنا في أكثر من موضع أن رقم ٤٠ يشير إلى حياتنا الزمنية، فإن يد الله المترفقة لا تتوقف عن رعايتنا كل أيام حياتنا، مشتهيًا الدخول بنا إلى راحته، لكن عدم الإيمان يحرمنا من هذه الرعاية، أو كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يقوم عدم الإيمان على القسوة، وكما في الجسد الأعضاء اليابسة القاسية لا تخضع ليديّ الطبيب، هكذا لا تخضع النفوس القاسية لكلمة الله.] مادام القلب قاسيًا لا يتقبل عمل الكلمة الإلهي فيه، إنما يسلك في عدم إيمان، حارمًا نفسه من رعاية الله الفائقة!

ضرب لنا الرسول مثلاً عمليًا بالخارجين من أرض مصر الذين فقدوا تمتعهم بمواعيد الله بسبب عدم إيمانهم النابع عن قسوة القلب، فعاشوا في حالة سخط وتذمر بلا انقطاع. فقبيل عبورهم البحر الأحمر وهم بعد في دائرة مصر، قالوا لموسى: "هل لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا نموت في البرية؟ ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر!... كف عنا فنخدم المصريين" (خر ١٤: ١١). وبعد خروجهم عندما عبروا البحر الأحمر وترنموا للرب سرعان ما تذمروا على موسى إذ وجدوا المياه مرّة (خر ١٥: ١١). وفي إيليم تذمروا مرة ثالثة، قائلين: "ليتنا متنا بيد الرب في أرض مصر، إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزًا للشبع" (خر ١٦: ٣). وفي عدم إيمان إذ أرسل الله لهم المن لم يطيعوا محتفظين بالمن للصباح التالي (خر ١٦: ١٩). وفي يوم السبت خرجوا، خلافًا للوصية، ليلتقطوا مَنًا فلم يجدوا (خر ١٦: ٢٧). ولما أبطأ موسى عن النزول من الجبل أصروا أن يقيم لهم هرون عجلاً ذهبيًا يسير أمامهم عوض الله (خر ٣٢). وفي عدم إيمان اشتهوا القثاء والبطيخ والكرات والبصل والثوم، قائلين عن المن: "والآن قد يبست أنفسنا، ليس شيء غير أعيننا إلى هذا المن" (عد ١١: ٦). وحين أرسل الله الجواسيس إلى كنعان ورجعوا، تذمرت الجماعة على موسى وهرون، قائلين: "ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا متنا في هذا القفر، ولماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف، تصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة؟ أليس خيرًا لنا أن نرجع إلى مصر!" (عد ١٤: ٢، ٣). هكذا صارت حياتهم سلسلة من التذمر المستمر، وكأن طبيعتهم نفسها قد صارت هكذا، لهذا أعلن الله رفضه هذا الجيل ولم يدخل منه أرض الموعد غير يشوع وكالب. هذه التجربة الجماعية يلزم ألاَّ تفارق أعيننا، حتى لا نفقد مواعيد الله بسبب قسوة قلوبنا.

هنا يركز على القلب الذي هو المنبع، فيمكن أن يكون هيكلاً مقدسًا للرب خلاله يتقدس الجسد كله بكل طاقاته، ويمكن أن يكون مصدرًا للشرور متى كان قاسيًا يرفض عمل النعمة فيه. أما العلاج فهو "التوبة" التي في جوهرها التجاء القلب إلى الله نفسه كسرّ حياته وخلاصه وتقديسه. كلمة الله تجتذب القلب للتوبة، لذا يقول الرسول: "اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم". أما تأكيد الرسول لكلمة "اليوم"، ذلك لأن حياتنا بالأمس لا تشفع فينا إن كنا نعيش اليوم في قسوة القلب، والمستقبل ليس في أيدينا مادمنا لا نسمع صوت الله اليوم. أما إن عشنا اليوم في التوبة مصغين لصوته، فإننا ننتفع بالماضي ببركاته وضعفاته، وينفتح قلبنا بالرجاء من جهة المستقبل. يصير الزمن كله مكسبًا لنا مادامت حياتنا خاضعة للرب، لهذا يكمل الرسول هكذا:

"بَلْ عِظُوا أَنْفُسَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ، مَادَامَ الْوَقْتُ يُدْعَى الْيَوْمَ، لِكَيْ لاَ يُقَسَّى أَحَدٌ مِنْكُمْ بِغُرُورِ الْخَطِيَّةِ" [١٣].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم: [فليعلم الواحد الآخر، تيقظوا لئلا يحل بكم ما حلَّ بهم، "لكي لا يقسي أحد منكم بغرور الخطية"، أنظر كيف تلد الخطية عدم الإيمان؟ فكما أن عدم الإيمان يجلب حياة شريرة هكذا إذ تدخل النفس إلى عمق الشر تصير حمقى (أم ١٨: ٣)، وإذ تصير هكذا حمقى لا تقبل حتى أن تؤمن لكي تتحرر من المخافة.]

تخدع الخطية النفس فتجلبها إلى عدم الإيمان، وعدم الإيمان يدفعها إلى الخطية، وهكذا يدور الإنسان في دوامة عدم الإيمان والسقوط في الشر.

يكمل الرسول: "لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ" [١٤]. ينتقل بنا الرسول من المقال الذي اقتبسه عن العهد القديم إلى حديث يخص العهد الجديد، فإن كان رجال العهد القديم قد سقطوا في قسوة القلب، فإن السيد المسيح قدم لنا الشركة معه كإمكانية جديدة حتى لا نسقط فيما سقط فيه الآباء. قدم لنا نفسه رأسًا، وصرنا نحن من لحمه وعظامه (أف ٣: ٦؛ رو ١٢: ٥) إن تمسكنا ببداءة الثقة، أي تمسكنا بأساس الإيمان به كخالقنا ومجدد طبيعتنا.

يعود فيؤكد الرسول دورنا الإيجابي في التمتع بالراحة الموعود بها خلال الطاعة، قائلاً:

"إِذْ قِيلَ: الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ. فَمَنْ هُمُ الَّذِينَ إِذْ سَمِعُوا أَسْخَطُوا؟ أَلَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ بِوَاسِطَةِ مُوسَى؟ وَمَنْ مَقَتَ أَرْبَعِينَ سَنَةً؟ أَلَيْسَ الَّذِينَ أَخْطَأُوا، الَّذِينَ جُثَثُهُمْ سَقَطَتْ فِي الْقَفْرِ؟ وَلِمَنْ أَقْسَمَ لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟ فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ الإِيمَانِ" [١٥-١٩].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك القول الرسولي: [هم أيضًا سمعوا كما نسمع نحن، لكنهم لم ينتفعوا من السماع. فلا تظن أن الانتفاع هو بالسماع، فإنهم سمعوا ولم ينتفعوا شيئًا لأنهم لم يؤمنوا.]

1 من ثم ايها الاخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية لاحظوا رسول اعترافنا و رئيس كهنته المسيح يسوع
2 حال كونه امينا للذي اقامه كما كان موسى ايضا في كل بيته
3 فان هذا قد حسب اهلا لمجد اكثر من موسى بمقدار ما لباني البيت من كرامة اكثر من البيت
4 لان كل بيت يبنيه انسان ما و لكن باني الكل هو الله
5 و موسى كان امينا في كل بيته كخادم شهادة للعتيد ان يتكلم به
6 و اما المسيح فكابن على بيته و بيته نحن ان تمسكنا بثقة الرجاء و افتخاره ثابتة الى النهاية
7 لذلك كما يقول الروح القدس اليوم ان سمعتم صوته
8 فلا تقسوا قلوبكم كما في الاسخاط يوم التجربة في القفر
9 حيث جربني اباؤكم اختبروني و ابصروا اعمالي اربعين سنة
10 لذلك مقت ذلك الجيل و قلت انهم دائما يضلون في قلوبهم و لكنهم لم يعرفوا سبلي
11 حتى اقسمت في غضبي لن يدخلوا راحتي
12 انظروا ايها الاخوة ان لا يكون في احدكم قلب شرير بعدم ايمان في الارتداد عن الله الحي
13 بل عظوا انفسكم كل يوم ما دام الوقت يدعى اليوم لكي لا يقسى احد منكم بغرور الخطية
14 لاننا قد صرنا شركاء المسيح ان تمسكنا ببداءة الثقة ثابتة الى النهاية
15 اذ قيل اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم كما في الاسخاط
16 فمن هم الذين اذ سمعوا اسخطوا اليس جميع الذين خرجوا من مصر بواسطة موسى
17 و من مقت اربعين سنة اليس الذين اخطاوا الذين جثثهم سقطت في القفر
18 و لمن اقسم لن يدخلوا راحته الا للذين لم يطيعوا
19 فنرى انهم لم يقدروا ان يدخلوا لعدم الايمان


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ إصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

المسيح ويشوع

بعد أن قارن الرسول بين السيد المسيح وأول قائد للشعب القديم "موسى" يتحدث هنا على خليفته يشوع الذي دخل بهم إلى أرض الموعد حيث الراحة. وقد ربط الرسول بين ثلاثة أنواع من الراحة: الدخول إلى راحة الله في اليوم السابع "السبت"، ودخول الشعب إلى أرض الراحة تحت قيادة يشوع، ودخولنا إلى الراحة الأبدية في المسيح يسوع سرّ راحتنا.

1. حذر من عدم الإيمان ١ - ٣.

2. اليوم السابع (الراحة) ٤ - ٥.

3. أرض الموعد (الراحة) ٦ - ١٣.

4. الراحة في المسيح ١٤ - ١٦.

1. حذر من عدم الإيمان

إذ سبق فضرب لنا الرسول مثلاً عمليًا بالآباء الذين حرموا من الدخول إلى أرض الموعد، أي التمتع بالراحة، بسبب عدم إيمانهم، يحذرنا قائلاً: "فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ" [1]. من جانب الله قدم لنا وعدًا بالدخول إلى راحته، لكن من جانبنا يلزم أن نخف لئلا مع وجود الوعد الإلهي الصادق نُحرم من التمتع به. هو كأب فتح لنا باب الرجاء، ونحن كأبناء يلزمنا أن نخف، لا كعبيدٍ في حالة رعب، وإنما نحمل خوف الابن الذي يخشى أن يجرح مشاعر أبيه بحرمان نفسه من الميراث الذي أعده الأب له. إن كان الله كأبٍ قدم لنا دم ابنه ثمنًا لخلاصنا، فبروح البنوة نخف لئلا نُحرم من هذا الخلاص. يقول الرسول بطرس: "وإن كنتم تدعون أبًا الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد، فسيروا زمان غربتكم بخوف، عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدمٍ كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح" (١ بط ١: ١٧-١٩). ويقول الرسول بولس: "تمموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ" (في ٢: ١٢).

في حديث القديس أغسطينوس عن البتولية المقدسة يكتب إلى البتوليين معلنًا خوفه عليهم لئلا يسقطون في الكبرياء فيحرمون من المسيح يسوع، حاثًا إياهم أن يسلكوا بخوف ورعدة في طريق خلاصهم، فمن كلماته: [أقول إنني في خوف عظيم عليكم لئلا تفتخروا إنكم ستتبعون الحمل أينما ذهب يذهب ولا تقدرون أن تتبعوه في الطرق المستقيمة بسبب كبريائكم. إنه من الأفضل لكِ أيتها النفس البتول أنك وأنتِ بتول... أن تحملي مخافة الرب وتلدي روح الخلاص. حقًا إنه "لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرد الخوف إلى خارج" (١ يو ٤: ١٨) كما هو مكتوب، لكنها تطرد خوف الناس وليس خوف الله، الخوف من الشرور الزمنية وليس مخافة الدينونة الإلهية في الآخرة، "لا تستكبر بل خف" (رو ١١: ٢٠). حب صلاح الله، ولتخف صرامته ولا تكن متكبرًا. بالحب خف لئلا تعصي بطريقة خطيرة (الله) الذي يُحب. أية معصية أشر من أن تحتقره بالكبرياء، ذاك الذي من أجلك لا يسر بالمتكبرين!... إن كنت لا تحب فخف لئلا تهلك، وإن كنت تحب فخف لئلا تحزنه!]

إذن لنخف أنه مع بقاء وعد إلهي بدخولنا إلى راحته يخيب رجاؤنا بسبب عدم إيماننا أو تهاوننا. والعجيب أنه لا يقول: "وعد بالدخول إلى راحتنا" بل "وعد بالدخول إلى راحته". لأننا إذ ننعم براحته إنما ننعم براحتنا الحقة. في المسيح يسوع ربنا وحده يجد الآب راحته من جهتنا إذ يقدمنا إليه أعضاء جسده، أعضاء مبررة ومقدسة بالدم الثمين، وبهذا تتحقق راحتنا نحن أيضًا، إذ فيه نستقر في أحضان الآب السماوي إلى الأبد. فالمسيح هو "سرّ الراحة الحقيقية" فيه يستريح الآب ونستريح نحن أيضًا.

انفتاح أبواب الرجاء للراحة، بثبوتنا في السيد المسيح، لا يدفعنا إلى التواكل والتراخي بل إلى الجهاد المستمر متمسكين بإقرار الإيمان والتقدم بثقة إلى عرش النعمة. كأن التمتع بالراحة يتطلب الحذر من عدم الإيمان والجهاد متمسكين بالإيمان في نموٍ دائمٍ. لهذا يقول: "فَلْنَخَفْ... فَلْنَجْتَهِدْ... فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ... فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ" [١، ١١، ١٤، ١٦]. فالمخافة الإلهية تدفعنا إلى الاجتهاد، والاجتهاد يجعلنا نتمسك بإقرار الإيمان وهذا بدوره يجعلنا في حالة تقدم مستمر بيقين في عمل نعمة الله مطمئنين أن الله يعمل فينا في حينه، أي في الوقت المناسب.

2. اليوم السابع

إذ حدثنا الرسول بولس عن الاجتهاد بخوف الله لنوال وعده بالراحة يربط بين هذا الوعد وباليوم السابع، أي السبت، الذي يعني في العبرية "راحة". "لأَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ عَنِ السَّابِعِ: وَاسْتَرَاحَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ" [٤].

ما هو ارتباط الوعد بالدخول إلى راحته براحة الرب في اليوم السابع؟ إن كان الله قد استراح في اليوم السابع بعد أن خلق العالم كله في ستة أيام أي في ست حقبات زمنية، فلا يعني اليوم السابع راحته عن العمل، إذ يقول السيد المسيح: "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو ٥: ١٧). ويقول القديس إكليمنضس السكندري بأن الله لا يحتاج إلى يوم للراحة كالإنسان فإنه [لا يتعب ولا يمسه ألم ولا عوز.] إذن راحة الله في اليوم السابع إنما تعني فرحه وبهجته بخلقة الإنسان في اليوم السادس بعد أن أعد له كل احتياجاته قبل أن يجبله.

إن كان الله قد استراح في اليوم السابع، فإن الستة أيام تشير إلى الحياة الزمنية حيث يعمل الله على الدوام لحسابنا حتى متى جاء يوم الرب العظيم أي السبت الحقيقي يستريح الله بقيامتنا ولقائنا معه في الأمجاد، حيث يعلن كمال خلاصنا روحيًا وجسديًا، ونوجد هناك معه وفيه إلى الأبد، في "السماء الجديدة والأرض الجديدة" (رؤ ٢١: ١)، في المدينة المقدسة أورشليم الجديدة النازلة من السماء من عند الله مهيأة كعروس مزينة لرجلها، والتي قيل عنها: "هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعبًا، والله نفسه يكون معهم إلهًا" (رؤ ٢١: ٣). هذه هي الراحة الحقة لله والناس، أو هو سبت الرب وسبتنا، وقد سبق لنا إدراك أن السيد المسيح هو "راحتنا الحقيقية" أو "سبتنا الحقيقي"، فيه استراح الآب في البشرية إذ وجدنا أعضاء في الجسد ابنه مقدسين ومتبررين، وفيه استرحنا في الآب إذ نجده أبانا السماوي بتمتعنا بالبنوة لله بثبوتنا في الابن الوحيد. تحققت الراحة بقيامة السيد المسيح من الأموات حيث أقامنا معه معطيًا إيانا سلطانًا على الموت وغلبة على الجحيم وتحطيمًا للخطية. فصار لنا حق الدخول إلى السماويات حتى حضن الآب باتحادنا في القائم من الأموات وللآب أن يقبلنا فيه كأعضاء جسد ابنه المحبوب. ويتحدث الأب برناباس من رجال القرن الثاني عن قيامة الرب كسرّ الراحة أو السبت الحقيقي، قائلاً: [نحن نحفظ اليوم الثامن (الأحد) بفرح، اليوم الذي فيه قام الرب من الأموات، ليعلن عن نفسه أن يصعد إلى السماوات.] وقد اعتادت الكنيسة منذ العصر الرسولي أن تقيم سرّ الإفخارستيا كسرّ للراحة الحقيقية، حيث تنعم بجسد السيد المسيح القائم من الأموات ودمه في يوم الأحد تذكار قيامته!

يكمل الرسول بل حديثه عن راحة الله في اليوم السابع هكذا: "وَفِي هَذَا لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي" [٥]... لماذا؟

أولاً: لأن اليهود أخذوا راحة اليوم السابع بمعنى التوقف عن العمل والبطالة دون عمل الخير... بل دنسوا السبت بالشر ففقدوا الراحة. لهذا ينصحنا القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [لا يعني (راحة الله) البطالة بل انتهاء التعب، فإن الله لا يزال يعمل حتى الآن كما يقول المسيح "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" لذا أطلب إليكم أن تتجنبوا الإهمال وتمتلئوا غيرة من جهة الفضيلة لأن لذة الشر قصيرة، أما الله فباقٍ. أما الفضيلة فعلى العكس فرحًا لا يشيخ، وأما تعبها فإلى حين.]

ثانيًا: أما السبب الثاني لعدم دخولهم إلى راحة الله فهو عدم إيمان اليهود بالسيد المسيح الذي هو "السبت الحقيقي"، إذ يقول السيد نفسه: "لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية، وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم" (يو ١٥: ٢٢)... لقد جاء السبت الحقيقي إلى العالم ورفضه اليهود فرفضوا راحتهم في الله. وكما يقول القديس يوحنا الإنجيلي: "إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله" (يو ١: ١١). جاء "السبت الحقيقي" ليعلن لهم الانطلاقة من حفظ السبت الحرفي والدخول إلى السبت الحقيقي ، فجال يصنع خيرًا في السبوت، مؤكدًا لهم "أن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا" (مت ١٢: ٨؛ مر ٢: ٢٨؛ لو ٦: ٥).

3. أرض الموعد (الراحة في كنعان)

انتقل الرسول بولس من الراحة التي لنا في الله في اليوم السابع أو السبت إلى الراحة التي صارت لشعب الله قديًما بدخولهم الأرض التي سبق فوعدهم بها، والتي تفيض لبنًا وعسلاً، لكي يقارن بين يسوع المسيح قائدنا إلى الأرض الجديدة والسماء الجديدة ويشوع بن نون الذي دخل بهم ومعهم إلى كنعان ليهبهم الراحة التي وعد الله بها آباءهم... إذ يقول الرسول أن الله استمر يعدهم بالراحة حتى بعد تمتعهم بالأرض، كأن ما ناله الشعب بيشوع لم يحقق لهم كمال الراحة الحقة، وإنما كان رمزًا لراحة ينتظرونها: "لأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَشُوعُ قَدْ أَرَاحَهُمْ، لَمَا تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ يَوْمٍ آخَرَ. إِذًا بَقِيَتْ رَاحَةٌ لِشَعْبِ اللهِ" [٩]. لا تزال توجد راحة نسعى مجاهدين أن نتمتع بها كما استراح الله في اليوم السابع من أعماله ودخل الشعب أرض الراحة. "فَلْنَجْتَهِدْ أَنْ نَدْخُلَ تِلْكَ الرَّاحَةَ، لِئَلاَّ يَسْقُطَ أَحَدٌ فِي عِبْرَةِ الْعِصْيَانِ هَذِهِ عَيْنِهَا" [١١]. هذه الراحة هي الاجتهاد في الحياة مع المسيح يسوع سرّ راحتنا. الإيمان به هو الراحة، والاجتهاد المستمر إنما يعني ثبوتنا في الراحة الأبدية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا إن الإيمان لعظيم ويجلب خلاصًا، بدونه لا يمكن الخلاص قط... لكن الإيمان وحده لا يكفي لتحقيقه... إذ يقول: "فلنجتهد". لا يكفي الإيمان، إنما يلزم أن يضاف إليه الحياة وغيرتنا أن نكون عظماء. يوجد لزوم للغيرة العظمى أن نرتفع إلى السماوات. إن كان الذين نالوا ضيقات كثيرة في البرية لم يحسبوا أهلاً لأرض (الموعد) وكانوا عاجزين عن التمتع بها لأنهم تذمروا، فكيف بالأكثر نتأهل نحن للسماوات إن عشنا مهملين وعاطلين! إننا في حاجه إلى غيرة شديدة.]

ماذا يعني القول "فلنجتهد... لئلا يسقط أحد"؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تعني أنه يليق بنا أن يكون فكرنا ورجاؤنا وتوقعاتنا هناك (في السماء) لئلا نفشل.] كما يعني أيضًا أنه وإن كنا قد تمتعنا بالراحة في المسيح يسوع ودخلنا معه وفيه إلى السماويات يليق بنا أن نجتهد لننمو فيه، لئلا نسقط ونُحرم مما نحن عليه. وكما يقول الرسول بولس لأهل غلاطية: "أهكذا أنتم أغبياء! أبعدما ابتدأتم بالروح تكملون الآن بالجسد!" (غل ٣: ٣). هكذا بعدما يبتدئ البعض بالروح فينعموا بالراحة الحقة في المسيح يسوع راحتنا يتراخوا في جهادهم ويسقطوا عن الراحة ليكملوا أيام زمانهم في الجسد، منحدرين من السماء إلى الأرض. لنجتهد أن نبقى عاملين في الروحيات ولا نرتد بعد إلى الجسديات، وكما يقول القديس چيروم: [لماذا نرغب نحن الذين مع المسيح قد صلبنا الجسد وشهواته وملذاته أن نمارس أعمال الجسد بعد؟] في المثال الذي ضربه السيد المسيح بخصوص الخروف الضال (لو ١٥) الذي من أجله ترك الراعي التسعة والتسعين يبحث عنه وسط الجبال، فإن هذا الخروف يمثل إنسانًا كان يسلك وسط الجماعة المقدسة بالروح وقد سقط في الجسديات فحُرم من الراحة الحقيقية.

أما سلاحنا الذي يسندنا للدخول إلى الراحة السماوية فهو كلمة الله، سواء الكلمة المكتوبة أو الكلمة الله المتجسد. "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ. وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذَلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا." [١٢-١٣]. فالسيد المسيح هو كلمة الله الحيّ والفعَّال الذي يدخل بنا إلى حياتنا الخفية، يعمل في القلب والحواس ويقدس كل أعضائنا، مهيئًا إيانا بروحه القدوس لينطلق بنا إلى حضن أبيه كورثة معه في ملكوته السماوي. إنه كاشف أسرارنا الداخلية وعارف بأعماقنا، يقدر على تجديدها المستمر. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [ابن الله حيّ وفعّال يعمل يومًا فيوم لخلاص الكل.] كما يقول: [الإنسان يعمل لا بالكلمات بل باليدين لأنه مخلوق وكلمته ليست لها كيان. أما كلمة الله فكما يقول الرسول: "حيّ وفعّال"... إذ هو خالق الكل وبغيره لم يكن شيء مما كان (يو ١: ٣)... لا يليق بنا أن نسأل: لماذا كلمة الله ليست ككلمتنا، مدركين أن الله ليس مثلنا.]

ما نقوله عن السيد المسيح كلمة الله الحيّ نكرره عن كلمة الله المكتوبة، فإننا إذ ننعم بها إنما ندخل إلى اللقاء مع السيد المسيح نفسه المختفي وراء الحروف. بالروح القدس تدخل النفس إلى أعماق الكلمة، لننعم بالحجال السماوي ونعيش مع كلمة الله الحيّ نتمتع بعمله فيها!

يحدثنا المرتل عن فاعلية كلمة الله في حياة المؤمنين، قائلاً: "إلى الدهر لا أنسى وصاياك، لأنك بها أحببتني"، سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي"، "فتح كلامك ينير يعّقل الجهال"، "أبتهج أنا بكلامك، كمن وجد غنيمة وافرة" (مز ١١٩: ٩٣، ١٠٥، ١٣٠، ١٦٢). لقد وجد المرتل في الوصية الإلهية إنها واهبة حياة وسرّ استنارة وينبوع حكمة وكنز غنى لنفسه!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ إصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email
4. الراحة في المسيح

إن كان يشوع بن نون لم يقدم الراحة الكاملة، وقد بقي وعد بالراحة [٩]... فما هي الراحة الحقيقية الكاملة؟ ومن الذي يقدر أن يدخل بنا إليها؟

يقول الرسول بولس: "فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ. لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ. فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ، لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ" [١٤-١٦].

نحن نعلم أنه ما كان ليشوع بن نون أن يجتاز نهر الأردن بالشعب ليعبر إلى كنعان إلاَّ ومعه رئيس الكهنة والكهنة اللاويون الحاملون التابوت المقدس، إذ "قال يشوع للكهنة احملوا تابوت العهد، واعبروا أمام الشعب" (يش ٣: ٦)، ويقول الرب: "ويكون حينما تستقر بطون أقدام الكهنة حاملي تابوت الرب سيد الأرض كلها في مياه الأردن أن المياه المنحدرة من فوق تنفلق وتقف ندًا واحدًا" (يش ٣: ١٣). أما يسوع فهو "ابن الله" و"رئيس كهنتنا" لم يحمل تابوت عهد ليعبر بنا نهر الأردن ويدخل بنا إلى كنعان إنما بكونه واحدًا في أبيه في جوهر اللاهوت اجتاز السماوات ليدخل بنا إلى كنعان السماوية وتستقر في حضن أبيه!

يقول الرسول "إذ لنا" فهو ليس مجرد رئيس كهنة بل هو "لنا"، قدم لنا ذاته لنحمله فينا، نملكه ويملكنا، يدخل إلى قلوبنا فندخل معه إلى سماواته. لهذا يقول إشعياء النبي: "يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا، وتكون الرياسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام" (إش ٩: ٦)، إنه المولود لنا ومُعطى لنا. هذا ما أكده ملاك الرب للرعاة حين بشرهم بميلاد السيد: "إنه ولد لكم اليوم... مخلص هو المسيح الرب" (لو ٢: ١١). صار المسيح لنا حتى إذ اجتاز السماوات نجتازها معه وبه لنكون مع مسيحنا!

يطالبنا الرسول أن نتمسك بالإقرار أي بالإيمان بثقة إلى عرش النعمة، لكي ننال رحمة، ونجد نعمة عونًا في حينه. الإقرار هو الإيمان، لنتمسك بالإيمان أنه "يسوع ابن الله"، أي مخلصنا ابن الله السماوي، القادر أن يجتاز بنا إلى مجده الأبدي. لنتقدم مجاهدين ومملوءين رجاءً إلى نعمة الله تسندنا وتهبنا العون، ولكن "في حينه". نطلب أن نجتاز مع يشوعنا الحق لا إلى أرض الموعد الزمنية، بل إلى كنعان العليا، ندخل عربونها هنا، ونتذوق ثمرها، وننعم بمجدها في القلب، وننطق بلغتها السماوية، ونحمل سمة مواطنيها، حتى متى حان الوقت ننعم بها في كمال المجد.

ولئلا يتشكك أحد بسبب ضعفه أنه لا يقدر أن يجتاز مع السيد سماواته يقول: "لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ". يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لا يجهل ما يخصنا كما يحدث مع كثير من رؤساء الكهنة، إذ لا يعرفون من هم في ضيقات... إذ يستحيل على الإنسان أن يدرك أحزان المتضايقين... أما رئيس الكهنة الذي لنا فقد احتمل كل شيء. تألم أولاً وعندئذ صعد لكي يكون قادرًا أن يحنو علينا.]

1 فلنخف انه مع بقاء وعد بالدخول الى راحته يرى احد منكم انه قد خاب منه
2 لاننا نحن ايضا قد بشرنا كما اولئك لكن لم تنفع كلمة الخبر اولئك اذ لم تكن ممتزجة بالايمان في الذين سمعوا
3 لاننا نحن المؤمنين ندخل الراحة كما قال حتى اقسمت في غضبي لن يدخلوا راحتي مع كون الاعمال قد اكملت منذ تاسيس العالم
4 لانه قال في موضع عن السابع هكذا و استراح الله في اليوم السابع من جميع اعماله
5 و في هذا ايضا لن يدخلوا راحتي
6 فاذ بقي ان قوما يدخلونها و الذين بشروا اولا لم يدخلوا لسبب العصيان
7 يعين ايضا يوما قائلا في داود اليوم بعد زمان هذا مقداره كما قيل اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم
8 لانه لو كان يشوع قد اراحهم لما تكلم بعد ذلك عن يوم اخر
9 اذا بقيت راحة لشعب الله
10 لان الذي دخل راحته استراح هو ايضا من اعماله كما الله من اعماله
11 فلنجتهد ان ندخل تلك الراحة لئلا يسقط احد في عبرة العصيان هذه عينها
12 لان كلمة الله حية و فعالة و امضى من كل سيف ذي حدين و خارقة الى مفرق النفس و الروح و المفاصل و المخاخ و مميزة افكار القلب و نياته
13 و ليست خليقة غير ظاهرة قدامه بل كل شيء عريان و مكشوف لعيني ذلك الذي معه امرنا
14 فاذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السماوات يسوع ابن الله فلنتمسك بالاقرار
15 لان ليس لنا رئيس كهنة غير قادر ان يرثي لضعفاتنا بل مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية
16 فلنتقدم بثقة الى عرش النعمة لكي ننال رحمة و نجد نعمة عونا في حينه


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ إصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 5 جـ1 PDF Print Email

المسيح وهرون


إذ قارن الرسول بين الراحة التي قُدمت قديمًا خلال يشوع كرمزٍ، والراحة الحقة التي يقدمها لنا ربنا يسوع، بدأ حديثه في جوهر موضوع رسالته، ألا وهو "كهنوت السيد المسيح"، الذي هو ليس على رتبة هرون بل على رتبة ملكي صادق إلى الأبد، فبدأ هنا الحديث عن هرون بكونه أول رئيس كهنة مدعو من الله مباشرة لهذا العمل، والمتفوق على جميع رؤساء الكهنة الذين خلفوه، ليقدم لنا من هو أعظم منه بما لا يُقاس، ربنا يسوع الذي يدخل بنا إلى الأقداس السماوية، يشفع فينا على مستوى جديد وفريد.

1. المسيح رئيس كهنة ١ - ٥.

2. رئيس كهنة من أجلنا ٧ - ١٠.

3. الحاجة إلى بداءة أقوال الله ١١ - ١٤.

1. المسيح رئيس كهنة

عرض الرسول بولس سمات رئيس الكهنة وعمله ليكشف عن السمو الفائق للسيد المسيح متى قورن بهرون، وليوضح عمل السيد المسيح الكهنوتي بالنسبة لنا في ظل العهد الجديد.

أولا: الشرط الأول في رئيس الكهنة أن يكون "مأخوذًا من الناس" [١]، فرئيس الكهنة يشفع عن بني جنسه "الإنسان" يشعر بضعفاته ويعمل باسمهم. وقد تحقق هذا الشرط في السيد المسيح، فإنه وهو ابن الله الوحيد تأنس، وصار كواحد منا غير غريب عنا، حتى يقوم بدوره الكهنوتي عن الناس، لكن شتان ما بين الكاهن الهاروني وبين السيد المسيح. الأول "قَادِرًا أَنْ يَتَرَفَّقَ بِالْجُهَّالِ وَالضَّالِّينَ، إِذْ هُوَ أَيْضًا مُحَاطٌ بِالضُّعْفِ" [٢]، أما الثاني فقادر أن يترفق بالجهال والضالين، لا لأنه محاط بالضعف، وإنما لأنه وهو خالق الإنسان يدرك أسراره الداخلية، ويعرف ضعفاته، احتمل الآلام ودخل معنا في الضيق لا بسبب ضعف في داخله، إنما لكي يشاركنا أتعابنا ويعيش معنا وسط الضيقة. نحن دخلنا بسبب خطايانا فانكسرنا وسقطنا، أما هو فدخلها بسبب حبه، فلا تقدر الضيقة أن تبتلعه، ولا الألم أن يهزمه، ولا الموت أن يهلك حياته، إنما يحملنا في الضيقة وهو معنا فيها ليرفعنا إلى مجده، ويهبنا حياته المقامة. إنه مختبر للألم لكنه غير محاط بضعف داخلي. كان رئيس الكهنة الهاروني يقدم ذبائح عن جهالاته وخطاياه أولاً حتى يقدر أن يدخل إلى عمله الشفاعي عن الشعب الله، مقدمًا عنهم أيضًا ذبائح دموية، فيشفع بالصلاة مستندة على ذبائح حيوانية. أما رئيس الكهنة الجديد يسوع المسيح فلم يكن في عوزٍ إلى ذبيحة كفارية عن نفسه لأنه بلا خطية، لذا يشفع لا بمجرد كلمات صلاة تقام، وإنما يحملنا فهي أعضاء جسده خلال ذبيحة نفسه التي قدمها في كمال حبه، ذبيحة فريدة قدمها مرة واحدة من أجل إخوته الأصاغر لم تقدم ولا تشيخ، فعّالة على الدوام، قادرة أن تبررنا وتحملنا إلى حضن الآب. رئيس كهنتنا قدوس بلا عيب، لم تدفعه قداسته إلى القسوة على الخطاة وإدانتهم، بل بالحري أعلنت أنه وحده القادر على الشفاعة الكفارية، أي القادر أن يحملنا إلى حضن أبيه باتحادنا فيه. ذبيحته مقبولة ومرضية لدى الآب، لأنها بلا عيب قادرة أن تجعلنا نحن أيضًا موضوع رضاه!

قداسة رئيس كهنتنا كشفت بالأكثر عن أسرار عمق الحب الإلهي من جهة البشرية في أعماق خطيتها. إنه ينقش أسماءنا على حجارة كريمة مثبتة في صدرية، ليدخل بها إلى قدس الأقداس أمام تابوت العهد، وإنما ينقشها فيه، يضعنا في أحشائه، أسماؤنا مكتوبة بالدم الذكي الكريم، ليدخل بنا إلى السماوات عينها، مقدمًا إيانا أبناء لأبيه السماوي!

ثانيًا: الشرط الثاني في رئيس الكهنة أن: " يُقَامُ لأَجْلِ النَّاسِ فِي مَا لِلَّهِ، لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ الْخَطَايَا" [2].

لا يقوم رئيس الكهنة الهاروني من بين الناس فحسب وإنما من لأجل الناس أيضًا، يقصد تقديم قرابين وذبائح عن الخطايا التي ارتكبوها حتى يصيروا لله، فهو لا يعمل لحساب أمورهم الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، إنما يهتم أولاً وآخرًا أن يقدمهم بالروح لله. أما الابن الوحيد الجنس فصار ابن الإنسان يتقدم إليهم كرئيس كهنة منهم وعنهم، مقدمًا حياته قربانًا وذبيحة حب لكي يطهرهم من الخطايا، مقدسًا ضمائرهم ومجددًا نفوسهم الداخلية، ليصيروا لله أبيه. يدخل بهم إلى البنوة للآب خلال تقديسهم باتحادهم معه وثبوتهم فيه.

كنا قبلاً مبيعين للخطية فملك الموت علينا (رو ٥: ١٢ - ١٤)، لكن إذ "مات المسيح لأجلنا" (رو ٥: ٨)، لم نعد بعد تحت سلطان الموت وإنما صرنا أحياء في المسيح يقدمنا لأبيه، أو كما يقول الرسول: "كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا" (رو ٦: ١١). هذا هو عمل السيد المسيح الكفاري، الأمر الذي يعجز عنه كل رئيس كهنة هاروني، إذ هو محتاج إلى من ينتشله من سلطان الموت ويرفعه عن الضعف؛ يقول الرسول: "وَلِهَذَا الضُّعْفِ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ كَمَا يُقَدِّمُ عَنِ الْخَطَايَا لأَجْلِ الشَّعْبِ هَكَذَا أَيْضًا لأَجْلِ نَفْسِهِ" [٣].

ثالثًا: الشرط الثالث في رئيس الكهنة أن يكون مدعوًا من الله "وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا. كَذَلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. كَمَا يَقُولُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِق" [٤-٦]. يلزم أن يكون مدعوًا من الله حتى يقبل الله القرابين والذبائح ويستجيب لشفاعته عن الشعب. هذا ما جعل اليهود يفتخرون بأن الله دعا هرون باسمه وبطريقة واضحة كأول رئيس كهنة لهم، أما رئيس كهنتنا يسوع المسيح فهو الابن الأزلي المدعو من الآب: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك". دُعي بواسطة أبيه الواحد معه في الجوهر لا بتعيين خارجي كما هرون، إنما هي دعوة النور لبهائه غير المنفصل عنه. هو تخصيص عمل في الأقانيم الإلهية. الآب اختص بالتدبير والابن يعمل الخلاص والروح القدس بالشركة. إنه الكاهن السرمدي الذي قدم ذاته لأجل خلاصنا ويبقى كاهنًا إلى الأبد على رتبة ملكي صادق.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email
2. رئيس كهنة من أجلنا

"الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ، مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ. وَإِذْ كُمِّلَ صَارَ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ، مَدْعُّوًا مِنَ اللهِ رَئِيسَ كَهَنَةٍ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ" [٧-١٠].


قبل ناسوتنا وحمل جسدنا كقول الإنجيلي "والكلمة صار جسدًا" (يو ١: ١٤) لكي يمارس عمله الكهنوتي عنا بتقديم حياته فدية. يقول الرسول "في أيام جسده" ليعلن أن ما تألمه في الجسد كما يقول معلمنا بطرس: "قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد" (١ بط ٤: ٢)، مقدمًا نفسه بصراخٍ شديدٍ ودموعٍ وطلباتٍ وتضرعاتٍ، وكأن معلمنا بولس يود أن يؤكد أن الآلام كانت حقيقية بما تحمله من مرارة وما تبعثه من صرخات شديدة ودموع وطلبات وتضرعات، وليس كما ادعى أصحاب الفكر الغنوسي أنها آلام وهمية، لأن جسده لم يكن إلاَّ خيالاً. لقد تألم حقًا وصرخ بدموع وطلب وتضرع!

إنه ليس كهرون يلبس الثياب الكهنوتية ويمارس عمله الكهنوتي كطقس ليس فيه بذل من جانبه، بل بالعكس كان ينعم بالزينة مع كرامة الناس، أما يسوعنا فلبس ثوب تواضعنا، حمل جسدنا لكن بلا خطية ومارس كهنوته آلامًا وصرخات ودموعًا وطلبات وتضرعات بل وموتًا على الصليب. التحم كهنوته بذبيحته فصار طقسه فريدًا، طقس آلام الحب الباذل حتى الموت! لقد غيَّر ربنا مفهومنا للعمل الكهنوتي، فهو ليس كرامة وسلطانًا في عيني الكاهن، إنما هو قبول الموت مع المسيح الذبيح كل النهار من أجل المحبوبين! هذا ما عاشه الرسول بولس نفسه في ممارسته العمل الرسولي، إذ يقول: "وأما أنا فبكل سرور أُنْفِقُ وَأُنْفَقُ لأجل أنفسكم، وإن كنت كلما أحبكم أكثر أُحب أقل، فليكن!" (٢ كو ١٢: ١٥، ١٦). ويحمل القديس يوحنا الذهبي الفم ذات الروح حين يعلن بذله لشعبه، قائلاً: [ليتكم تستطيعون معاينة النيران الملتهبة في قلبي، لتعرفوا إني أحترق أكثر من سيدة شابة تئن بسبب ترملها المبكر، فإني لست أظنها تحزن على زوجها ولا يحزن أب على ابنه، كحزني أنا على هذا الجمهور الحاضر هنا]، ويقول القديس أغسطينوس: [جاء في الإنجيل: "ذاك وضع نفسه لأجلنا، فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة" (١ يو ٣: ١٦)... كما وضع نفسه لأجلنا، يلزمنا نحن أيضًا لأجل الآخرين ومن أجل الإيمان أن نضع نفوسنا.]

دخل رئيس كهنتنا إلى الآلام بصراخٍ شديدٍ، فعالج مشكلة الألم لا بنزعها، وإنما بدخوله طريقها كرئيس الإيمان أو قائد الإيمان ومكمله، فندخل معه تحت رعايته مقتفين أثر خطواته، مختفين فيه فلا يكون لها سلطان علينا. بدخوله الآلام عن محبة لنا غيَّر مفهوم الألم، فلم يعد بعد علامة للخطية والغضب الإلهي بكونه ثمرة العصيان، إنما طريق الإتحاد مع المسيح المتألم وممارسة الشركة مع الثالوث القدوس.

يتساءل البعض: لماذا كان يصرخ للقادر أن يخلصه؟ ألم يكن قادرًا أن يخلص نفسه؟

جاء السيد نائبًا عنا، آدم الثاني الذي يعالج أخطاء آدم الأول، لهذا تقدم في طاعة كاملة لا ليعمل مشيئته الخاصة بل مشيئة الآب، بالرغم من كونهما يحملان مشيئة واحدة، إذ لا تعارض بينهما. لقد عمل الابن إرادة أبيه، وإن كانت لا تتعارض مع إرادته، عمل ذلك معلنًا أننا فيه نحيا سالكين بإرادته لا إرادتنا الذاتية.

هل صرخ السيد ليخلصه الآب من الموت ويقيمه؟ إذ دخل السيد في دائرة الصليب في طاعة كاملة للآب صرخ مقدمًا طلبات وتضرعات، قائلاً: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت"... "لتكن إرادتي بل إرادتك"... كان لابد أن يصرخ ويئن لأنه صار إنسانًا حقًا وحمل آلامًا حقيقية! إنه أعلن عن دخوله تحت الآلام دون أن يطلب القيامة، لأن القيامة ليست أمرًا خارجًا عنه، بل كما قال لمرثا: "أنا هو القيامة" (يو ١١ : ٢٥). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يُصلِ للآب في أي موضع بخصوص قيامته، بل على العكس أعلن بوضوح: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" (يو ٢: ١٩)، وأيضًا: "لي سلطان أن أضع حياتي، وليس سلطان أن آخذها" (يو ١٠: ١٨). ما هذا إذن؟ لماذا صلى؟... لقد صلى من أجل الذين آمنوا به (ليقتدوا به).]

لقد قام السيد بسلطانه، لكنه في طاعة وخضوع لإرادة الآب، معلنًا الآب بذلك تقوى الابن المستحق للقيامة. هو القيامة بعينها لكنه بالحياة التقوية قبل إرادة الآب أن يقوم، لكي بتقواه وبره نحن أيضًا ننعم الحياة المقامة.

أخيرًا إذ أطاع الابن خاضعًا للآلام حتى الموت مكملاً خلاصنا الأبدي نتعلم فيه نحن أيضًا الخضوع للألم كطريق للخلاص. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان وهو الابن قد اقتنى الطاعة بآلامه، فكم بالأكثر يليق بنا أن نطيع!]

3. الحاجة إلى بداءة أقوال الله


إذ رأى الرسول في هذه المقارنات أمورًا عسيرة الفهم بالنسبة لهم أكد لهم أنه يقدم الأساسيات التي هي كاللبن يشربه الأطفال المبتدئون؛ قدم لهم لبن الحق الإنجيلي بطريقة يمكن للطفل أن يقتات عليه.

"اَلَّذِي مِنْ جِهَتِهِ الْكَلاَمُ كَثِيرٌ عِنْدَنَا، وَعَسِرُ التَّفْسِيرِ لِنَنْطِقَ بِهِ، إِذْ قَدْ صِرْتُمْ مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ. لأَنَّكُمْ إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ الزَّمَانِ، تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ، وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَنَاوَلُ اللَّبَنَ هُوَ عَدِيمُ الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ لأَنَّهُ طِفْلٌ، وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" [١١-١٤].

يشبِّه الرسول هؤلاء المرتدين إلى الفكر اليهودي بالأطفال غير الناضجين. كان يليق بهم أن يكونوا معلمين، فإن اليهود لهم خبرة طويلة في الحديث مع الله ومنهم ظهر الأنبياء وإليهم سُلمت الشريعة. وكان يليق بهم أن يقوموا بدورهم القيادي الروحي للعالم الأممي كله، لكنهم عِوض أن يصيروا معلمين سلكوا كأطفال صغار يحتاجون من يسقيهم التعليم.

يقول الرسول الذي من جهته الكلام كثير عندنا وعسر التفسير لننطق به، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس لأنه هكذا هو بطبيعته وإنما لأنهم هم "متباطؤ الفهم" كقول الرسول. هذه هي طبيعة الإنسان الضعيف أن يرتبك بالكلمات القليلة كما بالكثيرة، وما هو واضح وسهل يظنه عسر الفهم. ليته لا يكن أحد منا هكذا.] فالعيب إذن ليس في الإيمان وإنما في ضعف اليهود الذين نالوا النبوات واضحة والرموز التي تعلن الإيمان الحق، لكنهم تعسروا في فهمه وارتبكوا في إدراكه، إذ حصر فكرهم في الحرف القاتل! هذا ما حبس نموهم وأفقدهم نضوجهم، فأصبحوا في حاجة إلى اللبن البسيط، عوض أن ينعموا بالطعام القوي الذي للبالغين. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يوجد ضعف في الاستماع وذلك كالمعدة الضعيفة التي لا تتقبل كل الأطعمة الدسمة العسرة الهضم. هكذا النفس أيضًا متى كانت متعجرفة ثائرة ومتوترة الأعصاب ومستهترة فإنها لا تقدر أن تتقبل كلمة الروح. اسمع قول الرسول: "هذا الكلام صعب من يقدر أن يسمعه؟!" (يو ٦: ٦٠)، لكن متى كانت النفس قوية وصحيحة يكون كل شيء بالنسبة لها سهلاً وخفيفًا ويصير كل شيء بالنسبة لها في أكثر سمو ونشاط، فترتفع محلقة في الأعالي.]

إن كان اليهود لم يحتلوا مكانتهم كمعلمين، بل في ضعف صاروا كأطفالٍ، لهذا يقدم لهم الرسول اللبن. بقولنا "اللبن" لا نقلل من شأن الإعلان الإنجيلي الأساسي، لكن يليق بالمؤمن ألاَّ يقف عند الطفولة الروحية بل يسلك نحو النضوج ليتمتع بالطعام القوي الخاص بالبالغين، وذلك بسبب تمرنهم العملي على التمتع بالمعرفة الروحية، فالتمييز بين الخير والشر لا يقف عند السلوك وحده ولا عند المعرفة وحدها إنما يمس الحياة الإيمانية العملية من كل جوانبها. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا يعرف الطفل أن يميز بين الطعام الصالح والرديء، فغالبًا ما يضع بعض القاذورات في فمه، ويضع ما هو ضار، صانعًا هذا عن عدم تمييز، أما الناضج فلا يفعل هكذا.] ويُلاحَظ أن الطفل بسبب عدم قدرته على التمييز يحتاج إلى الأم لتقدم له اللبن النقي غير الغاش، أما متى نضج فتقدم له الطعام القوي الذي يناسبه، وهكذا من له يُعطى فيزداد.

إن كانت الكنيسة كأم تقدم لأطفالها لبنًا والكبار طعامًا قويًا، فهل تقدم طعامين مختلفين أو تعليمين مختلفين؟ يستحيل، فإن عمل الكنيسة الواحد هو تقديم عريسها ربنا يسوع المسيح لكل إنسان، لكنها تقدمه للأطفال بطريقة تناسب إمكانياتهم وللكبار بطريقة أخرى، إنه مسيح واحد للجميع للأطفال والكبار وللقديس أثناسيوس حديث جميل في هذا الأمر، إذ يقول: [بالنسبة للذين لم يبلغوا بعد طريق الكمال يصير (اللوغوس) كغنمة تعطي لبنًا، هذا ما استخدمه بولس قائلاً: "سقيتكم لبنًا لا طعامًا" (١ كو ٣: ٢). أما الذين تقدموا وبلغوا فوق قامة الطفولة لكنهم لا يزالون ضعفاء بالنسبة للكمال فيكون لهم (اللوغوس) طعامًا قدر طاقتهم، وكما قدم بولس "وأما الضعيف فيأكل بقولاً" (رو ١٤: ٢). لكن إذ ينطلق الإنسان ويسير في طريق الكمال لا يعود يقتات على الأمور السابقة بل يكون له اللوغوس كخبز ولحم للطعام، إذ هو مكتوب: "وأما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدرَبة" (عب ٥: ١٤).].

إذن قدم الرسول لشعبه الكلمة تارة لبنًا وأخرى بقولاً وثالثة طعامًا قويًا قدر ما يحتمل السامعون أن يقبلوا ويميزوا!

1 لان كل رئيس كهنة ماخوذ من الناس يقام لاجل الناس في ما لله لكي يقدم قرابين و ذبائح عن الخطايا
2 قادرا ان يترفق بالجهال و الضالين اذ هو ايضا محاط بالضعف
3 و لهذا الضعف يلتزم انه كما يقدم عن الخطايا لاجل الشعب هكذا ايضا لاجل نفسه
4 و لا ياخذ احد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون ايضا
5 كذلك المسيح ايضا لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذي قال له انت ابني انا اليوم ولدتك
6 كما يقول ايضا في موضع اخر انت كاهن الى الابد على رتبة ملكي صادق
7 الذي في ايام جسده اذ قدم بصراخ شديد و دموع طلبات و تضرعات للقادر ان يخلصه من الموت و سمع له من اجل تقواه
8 مع كونه ابنا تعلم الطاعة مما تالم به
9 و اذ كمل صار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص ابدي
10 مدعوا من الله رئيس كهنة على رتبة ملكي صادق
11 الذي من جهته الكلام كثير عندنا و عسر التفسير لننطق به اذ قد صرتم متباطئي المسامع
12 لانكم اذ كان ينبغي ان تكونوا معلمين لسبب طول الزمان تحتاجون ان يعلمكم احد ما هي اركان بداءة اقوال الله و صرتم محتاجين الى اللبن لا الى طعام قوي
13 لان كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البر لانه طفل
14 و اما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير و الشر


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 6 جـ1 PDF Print Email

أحاديث إيمانية


بعد أن تحدث عن السيد المسيح رئيس الكهنة السماوي، مقارنًا إياه بهرون، بدأ يتحدث عن جوانب إيمانية، حتى يتحدث عن السيد المسيح كرئيس كهنة على رتبة ملكي صادق إلى الأبد، ومنه ينتقل إلى عمل المسيح الكهنوتي.

1. الاستنارة والتوبة ١ - 8.

2. الجهاد الحي ٩ - ١٢.

3. الوعد لإبراهيم بقسمٍ ١٣ - ٢٠.


1. الاستنارة والتوبة

"لِذَلِكَ وَنَحْنُ تَارِكُونَ كَلاَمَ بَدَاءَةِ الْمَسِيحِ لِنَتَقَدَّمْ إِلَى الْكَمَالِ، غَيْرَ وَاضِعِينَ أَيْضًا أَسَاسَ التَّوْبَةِ مِنَ الأَعْمَالِ الْمَيِّتَةِ، وَالإِيمَانِ بِاللهِ، تَعْلِيمَ الْمَعْمُودِيَّاتِ، وَوَضْعَ الأَيَادِي، قِيَامَةَ الأَمْوَاتِ، وَالدَّيْنُونَةَ الأَبَدِيَّةَ، وَهَذَا سَنَفْعَلُهُ إِنْ أَذِنَ اللهُ" [١-٣].

ماذا يقصد بكلام بداءة المسيح الذي يترك الرسول الحديث عنه ليتقدم إلى الكمال؟ إنه يسرد ستة بنود كأساسيات للإيمان المسيحي، كل بندين مرتبطان معًا، هذه التي تعلمها كل مسيحي نال المعمودية، وآمن بها كأمور أساسية لا تحتاج بعد إلى تفسير. إنها الحروف الأبجدية بالنسبة للمؤمن، أساسيات لازمة وضرورية لكنها كمبادئ أساسية لا تحتاج بعد إلى شرح بعد إيمانه بها وتمسكه بها قبل نواله سرّ الاستنارة. هذه الأساسيات هي:

1، 2. التوبة من الأعمال الميتة والإيمان: هذان هما أول بندان، بدونهما يفقد الإنسان عضويته في الكنيسة أو مسيحيته. لقد وضع التوبة عن أعمال الشر الميتة قبل الإيمان مع أن التوبة إنما هي ثمرة من ثمار الإيمان، لكن الرسول أراد أن يعطي للتوبة أهميتها فلا إيمان خارج التوبة. وكما يقول معلمنا يعقوب: "ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد ان له إيمانًا ولكن ليس له أعمال، هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟... أرني إيمانك بدون أعمالك وأنا أريك بأعمالي إيماني" (يع ٢: ١٤، ١٨).

3، 4. تعليم المعموديات ووضع الأيادي
: من أساسيات الحياة المسيحية أن يتقبل الإنسان الدفن مع السيد المسيح في المعمودية لينعم بالقيامة معه، أي ينال الحياة الجديدة في المسيح يسوع (رو ٦: ٤)، وينعم بحلول الروح القدس عليه خلال وضع الأيدي لتقديس النفس والجسد معًا ليصير الإنسان هيكلاً مقدسًا.

5، 6. قيامة الأموات والدينونة الأبدية: يكمن رجاء المؤمن في قيامة الأموات حيث ينعم جسده مع نفسه بالحياة الأبدية على مستوى ملائكي سماوي، مترقبًا الدينونة لينال إكليله من يدي عريس نفسه يسوع المسيح.

البندان الأولان يمثلان الأساس الذي تقوم عليه حياتنا وهو "الإيمان الحي المعلن خلال التوبة عن الأعمال الميتة"، والبندان التاليان فيمثلان إمكانيات عمل الله في حياته، أي التمتع بالبنوة لله في المعمودية وسكنى الروح القدس بوضع الأيدي (أو الميرون)، والبندان الأخيران هما رجاء المؤمن بدونهما يفقد طريقه ويتحطم باليأس!

يرى البعض أن الرسول وهو يحدث المسيحيين العبرانيين يشير إلى البنود الأساسية التي يقوم عليها الإيمان المسيحي ولها جذور في العهد القديم، لذا فلا حاجة له أن يحدثهم عنها، فالمسيحي الذي من أصل يهودي يسهل أن يتقبل طريق التوبة خلال الإيمان بالمسيا المخلص، ويدرك سرّ المعمودية ووضع الأيدي اللذين تعرض لهما العهد القديم خلال الرموز والظلال مهيئًا إياه لقبولها، ومترجيًا القيامة من الأموات والدينونة الأبدية.

إنه يترك الحديث عن هذه الأمور ليعالج أمرًا هامًا يبدو أنه قد حدث خلاف حوله، وهو ما هو موقف الكنيسة من المؤمن الذي اعتمد واستنارت نفسه بالروح القدس وارتوى بكلمة الإنجيل وتمتع ببهجة الخلاص واختبر قوة الحياة الجديدة السماوية، ثم عاد فارتد عن الإيمان أمام ضغط الاضطهاد أو تحت إغراءات الخطية؟ هل إن عاد تائبًا عن ارتداده يحتاج إلى التجديد مرة أخر خلال سرّ المعمودية؟ ويجيب القديس بولس رافضًا إعادة معموديته، إذ يقول:

"لأَنَّ الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا (نالوا سرّ الاستنارة أي العماد) مَرَّةً، وَذَاقُوا الْمَوْهِبَةَ السَّمَاوِيَّةَ وَصَارُوا شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَذَاقُوا كَلِمَة اللهِ الصَّالِحَةَ وَقُوَّاتِ الدَّهْرِ الآتِي، الحياة الجديدة السماوية وَسَقَطُوا، لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أَيْضًا (أي أعادة المعمودية كسر التجديد) لِلتَّوْبَةِ، إِذْ هُمْ يَصْلِبُونَ لأَنْفُسِهِمُِ ابْنَ اللهِ ثَانِيَةً وَيُشَهِّرُونَهُ" [٤-٦].

هذا التفسير قدمه لنا القديس يوحنا الذهبي الفم مؤكدًا أنه يستحيل إعادة معمودية الراجعين إلى الإيمان بعد ارتدادهم، كما يقول: [لقد منعهم (من إعادة المعمودية) بقوله "لا يمكن" فإنه لا يمكن ممارسة ما هو مستحيل! يقول إن الذين استنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية أي نالوا المغفرة وصاروا شركاء الروح القدس وذاقوا كلمة الله الصالحة متحدثًا هنا عن التعليم، وقوات الدهر الآتي - ما هي القوات التي يتحدث عنها؟ إنها صنع المعجزات أو غيرة الروح (٢ كو ١: ٢٢) - وسقطوا يستحيل تجديدهم أيضًا للتوبة، إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه... لا يعني هذا استبعاد التوبة، حاشا! إنما استبعاد (إعادة) التجديد بواسطة الجرن، إذ لم يقل "لا يمكن (يستحيل)" بخصوص التجديد بالتوبة، وإنما أكمل قائلاً: "يستحيل... إذ هم يصلبون ابن الله ثانية". فكلمة "التجديد" هنا، أي "يجعله جديدًا" أي "يجعل الإنسان جديدًا" إنما هو من عمل الجرن وحده، إذ قيل "يجدد مثل النسر شبابك" (مز ١٠٣: ٥)، أما التوبة فتعمل في الذين تجددوا لكن بالخطايا صاروا قدامى، فتحررهم من هذا القِدَم ليصيروا أقوياء.]

يؤكد القديس ذاته أن الرسول يتحدث عن إعادة المعمودية مدللاً بقول الرسول "إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه"، لأن المعمودية هي صلب مع السيد المسيح، وإعادتها إنما تعني تكرار صلبه فنكون كمن يشهر به.

"لأَنَّ أَرْضًا قَدْ شَرِبَتِ الْمَطَرَ الآتِيَ عَلَيْهَا مِرَارًا كَثِيرَةً، وَأَنْتَجَتْ عُشْبًا صَالِحًا لِلَّذِينَ فُلِحَتْ مِنْ أَجْلِهِمْ، تَنَالُ بَرَكَةً مِنَ اللهِ. وَلَكِنْ إِنْ أَخْرَجَتْ شَوْكًا وَحَسَكًا، فَهِيَ مَرْفُوضَةٌ وَقَرِيبَةٌ مِنَ اللَّعْنَةِ، الَّتِي نِهَايَتُهَا لِلْحَرِيقِ" [٧-٨].

وكأن القلب الذي يتقبل نِعَم الله المجانية كالأرض التي ترتوي بالمطر مرارًا يصير بركة؛ هذه النعم الإلهية أو الأمطار هي عطايا ومواهب الثالوث القدوس المجانية التي ننالها خلال المعمودية وسر الميرون وسماعنا لكلمة الله الحية الخ. هذه النفس التي تتقبل المطر المجاني والبركات السماوية إذا لم تتجاوب معها ترتد إلى برية قاحلة، تنتج شوكًا وحسكًا لا يصلح لشيء إلاَّ لأن يحرق بالنار. لكن دموع التوبة الصادقة تعيد إلينا ثمر الروح، وتحول بريتنا إلى جنة مقدسة ينعم العريس السماوي بثمره فيها.

ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن المطر هنا يشير إلى تعليم الكتاب المقدس كما جاء في الكتاب نفسه، إذ يقول الله على لسان إشعياء النبي متحدثًا عن كرمه المثمر: "وأجعله خرابًا لا يُقضب ولا يُنقب، فيطلع شوك وحسك، وأوصى الغيم أن لا يمطر عليه مطرًا" (٥: ٦). وعلى لسان عاموس النبي: "هوذا أيام تأتي يقول السيد أرسل جوعًا في الأرض، لا جوعًا للخبز وعطشًا للماء بل لاستماع كلمات الرب" (٨: ١١). كما يقول المرتل: "نهر الله ملآنة ماء" (مز ٦٥: ٩). فالأرض التي تتقبل مياه الأمطار الإلهية إي الكلمة السماوي تأتي بثمر الروح المفرح، وتصير هي نفسها بركة، أما التي تسمع الكلمة ولا تعمل تكون كأرض لم تتقبل المطر، فتصير تحت اللعنة. لهذا يقول السيد المسيح لليهود: "لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية، وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم" (يو ٢٥: ٢٢). لقد جاء وقدم لهم نفسه "الكلمة الإلهي" المطر السماوي، منتظرًا من كرمه الثمر فأخرج شوكًا (إش ٥: ٢)، أي أخرج خطية وجحودًا في عدم إيمان.

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص بقوله: [أخشى أن تنطبق هذه الأمور علينا أكثر مما على غيرنا، إذ يقول: "لأن أرضنا قد شربت المطر الآتي عليها"، فإننا نشرب على الدوام، ونسمع باستمرار، لكن إذ تشرق الشمس (مت ٨: ٦) نفقد في الحال رطوبتنا ونخرج شوكًا، إذن ما هو الشوك؟ لنسمع المسيح يقول: "همّ هذا العالم وغرور الغنى يخنقان الكلمة فيصير بلا ثمر" (مت ١٣: ٢٢).]


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 6 جـ2 PDF Print Email
2. الجهاد الحي

إذ تحدث بالأمور السابقة أراد أن يحذرهم لئلا يعيشوا بلا ثمر بالرغم من وجود المطر الإلهي المتكاثر، فيخرجون أشواكًا ويحملون اللعنة عِوض تمتعهم بغنى عطايا الله الكثيرة المجانية. وإذ خشي عليهم الرسول لئلا يسقطوا في اليأس أسرع يبعث فيهم روح الرجاء كعادته، مؤكدًا لهم أنه لا يرى فيهم أرض لعنة بل أرض بركة، قائلاً: "وَلَكِنَّنَا قَدْ تَيَقَّنَّا مِنْ جِهَتِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ أُمُورًا أَفْضَلَ، وَمُخْتَصَّةً بِالْخَلاَصِ، وَإِنْ كُنَّا نَتَكَلَّمُ هَكَذَا" [٩]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يقول؟ لسنا ننطق بهذه الأمور لكي ندينكم، ولا لأني أظن أنكم مملوءون شوكًا، وإنما أخاف عليكم لئلا تصيروا هكذا، فمن الأفضل أن أرعبكم بالكلمات عن أن تسقطوا في هذه الأمور. هكذا هي حكمة بولس.]

يعود الرسول فيرد أنفاسهم بقوله: "لأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي أَظْهَرْتُمُوهَا نَحْوَ اسْمِهِ، إِذْ قَدْ خَدَمْتُمُ الْقِدِّيسِينَ وَتَخْدِمُونَهُمْ. وَلَكِنَّنَا نَشْتَهِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يُظْهِرُ هَذَا الاِجْتِهَادَ عَيْنَهُ لِيَقِينِ الرَّجَاءِ إِلَى النِّهَايَةِ، لِكَيْ لاَ تَكُونُوا مُتَبَاطِئِينَ بَلْ مُتَمَثِّلِينَ بِالَّذِينَ بِالإِيمَانِ وَالأَنَاةِ يَرِثُونَ الْمَوَاعِيدَ" [١٠-١٢].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارة السابقة، قائلاً: [يا له من مصلح لأرواحهم إذ يقدم لهم قوة جديدة بتذكيرهم بالأمور القديمة محضرًا إياهم إلى عدم افتراض أن الله ينسى (تعبهم السابق)... وذلك كما كتب لأهل غلاطية "كنتم تسعون حسنًا" (٧: 6)، وأيضًا: "أهذا المقدار احتملتم عبثًا؟!" (٣: ١٤). وكما يمزج المديح بالتوبيخ هنا بقوله: "إذ كان ينبغي أن تكونوا معلمين" (عب ٥: ١٢)، هكذا أيضًا في الرسالة إلى أهل غلاطية، إذ يقول: "إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعًا" (غل ١: ٦)، هكذا مع التوبيخ يوجد مديح.]

يا لحكمة الرسول بولس فيما هو يوبخ ويحذر مشبهًا إياهم بالأرض الرافضة للمطر الإلهي، الحاملة للشوك والحسك علامة اللعنة، يفتح لهم أبواب الرجاء، لئلا يهلكوا بسبب اليأس، فيعلن لهم أن الله ليس بظالم حتى ينسى أتعاب محبتهم التي أظهروها نحو اسمه وترجموها إلى عمل خلال خدمتهم السابقة للقديسين والحالية أيضًا، هكذا امتاز الرسول بولس - مع صراحته الشديدة وعدم مجاملته لإنسان على حساب الحق - أن يظهر لطيفًا للغاية في توبيخاته للآخرين. فهو وسط التوبيخ يشجع دون أن يتملق أو يداهن. إنه يحث الكل على الجهاد المستمر دون تباطؤ، يلهبهم بنيران الإيمان الحيّ وطول الأناة، ويرفع أنظارهم إلى ميراث المواعيد الإلهية. بحق يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يحملنا الرجاء إلى الأمام. إنه يشفينا! لا تكن قلقًا ولا تيأس، لئلا يصير رجاؤك باطلاً.]

هكذا يليق بكل خادم للسيد المسيح أن يتمثل بالرسول بولس، رسول الرجاء، يسند كل قلب حتى في أمر لحظات التوبيخ، متمثلاً بالسيد المسيح الذي قيل عنه: "قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ، حتى يخرج الحق إلى النصرة، وعلى اسمه يكون رجاء للأمم" (مت ١٢: ٢٠، ٢١؛ إش ٤٢: ١).

إن كان التوبيخ لازمًا كي لا تسترخي النفس في الشر وتستطيب له، فإن الرجاء يسندها على التوبة والجهاد بفرح دون أن يحطمها اليأس.

هكذا شجع الرسول بولس من يكتب إليهم، مؤكدًا لهم أن الله لا ينسى تعب محبتهم، خاصة خدمتهم للقديسين. فماذا يقصد بالقديسين؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كل مؤمن هو قديس بالرغم من كونه إنسانًا يعيش في العالم، إذ يقول (الرسول) "لأن الرجل غير المؤمن مقدس في المرأة، وبالمرأة غير المؤمنة مقدسة في الرجل" (١ كو ٧: ١٤). انظر كيف يقيم الإيمان القداسة؟ فإن رأينا علمانيًا (واحدًا من الشعب) في ضيقة يلزمنا أن نمد يدنا إليه، فلا نكون غيورين تجاه سكان الجبال وحدهم، فإن هؤلاء بحق هم قديسون في سلوكهم كما بالإيمان، أما الأولون فقديسون بإيمانهم والكثير منهم بالسلوك أيضًا. إذن ليتنا لا نذهب إلى راهب ملقى في السجن بينما نمتنع عن الذهاب إلى واحد من الشعب. فالأخير قديس وأخ؛ بل وإن رأينا وثنيًا في ضيقة فلنظهر له حنوًا، وهكذا نحن نحنو على كل إنسان في ضيقة وخاصة المؤمن. أصغ إلى بولس القائل: "فلنعمل الخير للجميع ولاسيما لأهل الإيمان" (غلا ٦: ١٠).] وكما يقول القديس چيروم: [من واجبك أن تكسي المسيح في الفقير، وتزوره في المريض، وتطعمه في الجائع، وتأويه فيمن ليس له مأوى، خاصة الذين هم من أهل الإيمان، فتسند جماعات البتوليين وتهتم بخدام الله الذين هم مساكين يعيشون الحياة الملائكية وينطقون بتسابيح الله وهم على الأرض.]

3. الوعد لإبراهيم بقسم

إذ تحدث الرسول عن الجهاد الحيّ الصادر عن نفس مؤمنة ترجمت إيمانها عمليًا خاصة في خدمة القديسين يقدم لنا "إبراهيم" أب الآباء ورجل الإيمان العملي، هذا الذي نال الوعود الإلهية بقسم إلهي: "فَإِنَّهُ لَمَّا وَعَدَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْظَمُ يُقْسِمُ بِهِ، أَقْسَمَ بِنَفْسِهِ، قَائِلاً: إِنِّي لأُبَارِكَنَّكَ بَرَكَةً وَأُكَثِّرَنَّكَ تَكْثِيرًا. وَهَكَذَا إِذْ تَأَنَّى نَالَ الْمَوْعِدَ" [١٣-١٥].

كان من جانب الله أن يهب الوعد ويثبته بالطريقة التي يفهمها الإنسان، إذ يقول: "فَإِنَّ النَّاسَ يُقْسِمُونَ بِالأَعْظَمِ، وَنِهَايَةُ كُلِّ مُشَاجَرَةٍ عِنْدَهُمْ لأَجْلِ التَّثْبِيتِ هِيَ الْقَسَمُ" [١٦]. وكأن القسم هي اللغة التي يفهمها البشر لتثبيت الوعد؛ أما من جانب الإنسان فهو بالإيمان العملي ينال إن تأنَّى. العطية مجانية وعظيمة وأكيدة، لكن ينالها من تأنَّى في صبر وإيمان!

من جهة القسم الإلهي يقول القديس أغسطينوس: [إنه لأمر عظيم أن يتكلم الله فكم بالأكثر حينما يقسم!... إنه يستخدم القسم للتثبيت. وبمن يقسم؟ يقسم بنفسه، وبنفسه يثبت مواعيده.]

هكذا يهب الله الوعد ويعطي العون، لكننا لا نقف في سلبية تجاه هذا العون الإلهي إنما يجب أن نقابل وعود الله وعونه بالتجاوب العملي وطول الأناة، فهو يقدس الإرادة البشرية والحرية الإنسانية، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الله لا يريد أن تكون العطية بكاملها من جانبه... الله يريد أن يظهر العبد وكأنه ساهم في شيء، فلا يسقط في الخجل]، ويقول أيضًا: [النعمة دائمًا مستعدة! إنها تطلب الذين يقبلونها بكل ترحيب. هكذا إذ يرى سيدنا نفسًا ساهرة وملتهبة حبًا يسكب عليها بفيض غناه، وبغزارة تفوق كل طلبته.]

يختم الرسول حديثه عن الوعد لإبراهيم، قائلاً: "فَلِذَلِكَ إِذْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يُظْهِرَ أَكْثَرَ كَثِيرًا لِوَرَثَةِ الْمَوْعِدِ عَدَمَ تَغَيُّرِ قَضَائِهِ، تَوَسَّطَ بِقَسَمٍ، حَتَّى بِأَمْرَيْنِ عَدِيمَيِ التَّغَيُّرِ، لاَ يُمْكِنُ أَنَّ اللهَ يَكْذِبُ فِيهِمَا، تَكُونُ لَنَا تَعْزِيَةٌ قَوِيَّةٌ، نَحْنُ الَّذِينَ الْتَجَأْنَا لِنُمْسِكَ بِالرَّجَاءِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا، الَّذِي هُوَ لَنَا كَمِرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ مُؤْتَمَنَةٍ وَثَابِتَةٍ، تَدْخُلُ إِلَى مَا دَاخِلَ الْحِجَابِ، حَيْثُ دَخَلَ يَسُوعُ كَسَابِقٍ لأَجْلِنَا، صَائِرًا عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ، رَئِيسَ كَهَنَةٍ إِلَى الأَبَدِ" [١٧-٢٠].

هنا يعلن الرسول "سرّ تعزيتنا" من جانبين:

الجانب الأول: تتحقق تعزيتنا بأمرين عديمي التغيير، هما الوعد الإلهي والقسم لتثبيته، فالله لا يكذب في وعده ولا يحنث بقسمه. بهذا الوعد المثبت بالقسم يمتلئ قلبنا رجاءً، ويكون هذا الرجاء أشبه بمرساة تسنده وسط تيارات العالم ولججه.

الجانب الثاني: تحقق الوعد الذي أُعطى لنا في إبراهيم بصورته الحقيقية في "يسوع" بكرنا، أو "السابق". هذا هو سرّ تعزيتنا الحقيقية، أن ربنا يسوع المسيح كسابق لنا لم ينل مواعيد أرضية وبركة زمنية إنما دخل إلى ما وراء الحجاب إلى المقدسات السماوية بعينها وليس إلى ظلالها، فصار لنا حق التمتع معه بكوننا جسده المقدس. إنه رئيس كهنتنا الأبدي الذي على رتبة ملكي صادق، قادر أن يشفع فينا لدى الآب ليدخل بنا إلى سماواته. في هذا يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [إن كان من أجلنا دخل المسيح السماوات عينها، فإنه كان من قبل وعلى الدوام هو رب السماوات وموجدها، لذلك كتب أنه تمجد لأجلنا. وكما يقل هو نفسه الذي يقدس الكل أنه يقدس ذاته للآب من أجلنا (يو ١٧: ١٩) لا بمعنى أن الكلمة يصير مقدسًا، وإنما أنه يقدسنا نحن كلنا فيه، هكذا نفهم النص "مجد ذاته" لا بمعنى أنه يتمجد إذ هو الأعلى لكنه يصير بارًا لأجلنا فنتمجد نحن فيه، وندخل أبواب السماء التي فتحها لنا. لقد قال السابقون: "ارفعوا أبوابكم أيها الرؤساء ولترتفعي أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد" (مز ٢٤: ٧) لم تكن الأبواب مغلقة قط أمامه بكونه الرب وخالق الكل، لكن هذا كُتب من أجلنا نحن الذين أُغلقت أبواب الفردوس أمامنا.]

1 لذلك و نحن تاركون كلام بداءة المسيح لنتقدم الى الكمال غير واضعين ايضا اساس التوبة من الاعمال الميتة و الايمان بالله
2 تعليم المعموديات و وضع الايادي قيامة الاموات و الدينونة الابدية
3 و هذا سنفعله ان اذن الله
4 لان الذين استنيروا مرة و ذاقوا الموهبة السماوية و صاروا شركاء الروح القدس
5 و ذاقوا كلمة الله الصالحة و قوات الدهر الاتي
6 و سقطوا لا يمكن تجديدهم ايضا للتوبة اذ هم يصلبون لانفسهم ابن الله ثانية و يشهرونه
7 لان ارضا قد شربت المطر الاتي عليها مرارا كثيرة و انتجت عشبا صالحا للذين فلحت من اجلهم تنال بركة من الله
8 و لكن ان اخرجت شوكا و حسكا فهي مرفوضة و قريبة من اللعنة التي نهايتها للحريق
9 و لكننا قد تيقنا من جهتكم ايها الاحباء امورا افضل و مختصة بالخلاص و ان كنا نتكلم هكذا
10 لان الله ليس بظالم حتى ينسى عملكم و تعب المحبة التي اظهرتموها نحو اسمه اذ قد خدمتم القديسين و تخدمونهم
11 و لكننا نشتهي ان كل واحد منكم يظهر هذا الاجتهاد عينه ليقين الرجاء الى النهاية
12 لكي لا تكونوا متباطئين بل متمثلين بالذين بالايمان و الاناة يرثون المواعيد
13 فانه لما وعد الله ابراهيم اذ لم يكن له اعظم يقسم به اقسم بنفسه
14 قائلا اني لاباركنك بركة و اكثرنك تكثيرا
15 و هكذا اذ تانى نال الموعد
16 فان الناس يقسمون بالاعظم و نهاية كل مشاجرة عندهم لاجل التثبيت هي القسم
17 فلذلك اذ اراد الله ان يظهر اكثر كثيرا لورثة الموعد عدم تغير قضائه توسط بقسم
18 حتى بامرين عديمي التغير لا يمكن ان الله يكذب فيهما تكون لنا تعزية قوية نحن الذين التجانا لنمسك بالرجاء الموضوع امامنا
19 الذي هو لنا كمرساة للنفس مؤتمنة و ثابتة تدخل الى ما داخل الحجاب
20 حيث دخل يسوع كسابق لاجلنا صائرا على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة الى الابد
 


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 7 جـ1 PDF Print Email

المسيح وملكي صادق


إذ تحدث الرسول بولس مع المسيحيين من أصل عبراني، لا ليواسيهم فيما فقدوه من امتيازات بقبولهم الإيمان المسيحي، إنما ليعلن لهم ما قد تمتعوا به على مستوى فائق، مقارنًا بين السيد المسيح في شخصه وخدمته بالملائكة وخدمتهم للآباء القدامى، وبينه وبين موسى النبي وأيضًا يشوع ثم هرون، أراد أن يقارن بينه وبين إبراهيم رجل الإيمان وأب الآباء، مقتطفًا جزءًا من حياته يبدو لكل يهودي بلا معنى، غامضًا تمامًا وهو لقاؤه مع ملكي صادق وخضوعه له وتقديم العشور له. إن كان إبراهيم قد حمل في صُلبه كل أمة اليهود بما فيها سبط لاوي الذي منه تخرج هرون والكهنة، فإنه قد تصاغر جدًا أمام ملكي صادق، الذي لم يكن إلاَّ رمزًا للسيد المسيح.

1. ملكي صادق رمز المسيح ١ - ١٠.

2. الوعد بكهنوت جديد ١١ - ١٧.

3. المقارنة بين الكهنوت في القديم والجديد ١٨ - ٢٨.


1. ملكي صادق رمز المسيح

وردت قصة ملكي صادق في سفر التكوين (ص ١٤) الملك والكاهن، استقبله إبراهيم بعد غلبته للملوك في كدرلعومر وإنقاذ لوط ابن أخته، فقدم إبراهيم العشور لملكي صادق الذي قدم ذبيحة غريبة من الخبز والخمر.

هذه القصة لا تزال تمثل لغزًا لدى اليهود لا يعرفون له تفسيرًا، إذ كيف يقدم أب الآباء إبراهيم الذي في صلبه كهنوت لاوي العشور لرجلٍ غريبٍ؟ ولماذا ظهر هذا الملك والكاهن في الكتاب المقدس واختفى فجأة ولا يعرف أحد أباه أو أمه أو نسبه؟ لماذا لم يقدم ذبيحة دموية كما كانت عادة ذلك الزمان؟

أسئلة لا يجد لها اليهود إجابة، لكن الرسول يكشف عن سرها بإعلانه أن ملكي صادق وهو رمز للسيد المسيح قد فاق شخص إبراهيم الحامل الكهنوت في صلبه. كان رمز السيد المسيح أسمى حتى من ذاك الذي نال المواعيد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما كان يمكن أن يقدم العشور لغريبٍ لو لم يكن هذا الغريب أعظم منه.] تقديم العشور له يعني أن أبانا إبراهيم يطلب بركته، أو بمعنى آخر ملكي صادق يبارك ذاك الذي له المواعيد، وكما يقول الرسول: "وبدون كل مشاجرة الأصغر يُباَرك من الأكبر".

حقًا إنه لمن المدهش أن إبراهيم الذي يتقبل العشور في شخص من هو في صلبه - لاوي - يدفع العشور لملكي صادق الغريب. وكأن الكهنوت اللاوي نفسه الذي يتقبل العشور والتقدمات قد انحنى في شخص إبراهيم لمن هو رمز لشخص السيد المسيح، رئيس الكهنة السماوي الأعظم.

أما أوجه الرمز التي حملها ملكي صادق فهي:

أولاً: من جهة الاسم يسمى "ملكي صادق" التي تعني لغويًا "ملك البرّ"، إشارة إلى السيد المسيح الذي يملك في القلوب ببرّه؛ يتربع في النفس فيخفيها فيه لتظهر في عيني الآب حاملة برّه. بمعنى آخر حين يملك السيد المسيح على الإنسان روحيًا تختفي كل ضعفاته ونقائصه، ويتجلى السيد ببرّه وبهائه! وكما يقول الرسول: "متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح" (رو ٣: ٢٤).

ثانيًا: من جهة العمل فهو "ملك ساليم" أي ملك السلام، فقد ملك السيد المسيح في كنيسته واهبًا لمؤمن سلامًا مع الآب وسلامًا مع إخوته وسلامًا مع نفسه. تصالحت البشرية مع السماء، وتصالحت مع بعضها البعض، بل وتمت المصالحة داخل الإنسان نفسه: بين النفس والجسد حيث صار كل ما في الإنسان روحيًا، يسلك بروحٍ واحد. حقًا إن السيد المسيح هو ملك ساليم الحقيقي، يمتد سلامه إلى كل المستويات.

ختم السيد حديثه الوداعي مع تلاميذه قبل القبض عليه ليعلن أن غاية حديثه هو تمتعهم بالسلام فيه: "قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام. في العالم سيكون ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو ١٦: ٣٣). ويعلق القديس أغسطينوس على هذا القول الإلهي هكذا: [لقد قدم هذا كغاية لحديثه حتى يجدوا فيه السلام، وذلك كما أننا نحن أيضًا مسيحيون بهذا الهدف... فهذا السلام هو غاية كل نية وكل عمل تقوي، نمارسه في الوقت الحاضر. فمن أجل السلام (في المسيح) ننعم بسرائره، ونتثقف بأعماله وكلماته ونتقبل غيرة الروح، ولأجله نؤمن به ونترجاه... بهذا السلام نتعزى في وسط كل متابعنا وبه نخلص منها. من أجله نحتمل الضيقات بسرور حتى نملك فيه بسعادة دون ضيقات.]

ويعلق القديس أغسطينوس على قول السيد لتلاميذه: "سلامًا أترك لكم سلامي أعطيكم" (يو ١٤: ٢٧)، قائلاً: [إنه يترك سلامه معنا وهو راحل (إلى السماء)، وسيعطينا سلامه الخاص عندما يأتي في النهاية. يترك لنا سلامًا ونحن في هذا العالم، وسيهبنا سلامه الخاص به في العالم العتيد. إنه يترك سلامًا معنا حتى إذ نسكن فيه نغلب العدو (إبليس)، وسيهبنا سلامه الخاص عندما لا يعود بعد يوجد عدو نحاربه فنملك كملوك. يترك سلامًا معنا، لكي نحب هنا بعضنا البعض، وسيهبنا سلامه حينما نرتفع فوق كل إمكانية لحدوث انشقاقات. يترك سلامًا لنا لكي لا يدين أحد الآخر فيما هو خفي عنه وهو سالك على الأرض، وسيهبنا سلامه حينما "يظهر آراء القلوب وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله" (١ كو ٤: ٥). ومع ذلك فإنه فيه ومنه ننال السلام، سواء عندما يتركه لنا ونحن راحلون نحو الآب، أو يهبه لنا عندما نحضر بالفعل لدى الآب بواسطته.]

ثالثًا: سبق أن رأينا في مقدمة الأصحاح الأول أن انشقاقًا قد حدث في العهد القديم بين النبوة والكهنوت، أو بمعنى أدق بين الأنبياء والكهنة، إذ لم يستطع الأخيرون أن يتقبلوا كلمة الحق، مكتفين بممارسة الطقس التعبدي في شكلية بلا روح، لكن جاء السيد الحق ذاته والكاهن الأعظم، يحمل النبوة في كمال فائق وفريد مع الكهنوت السماوي الأبدي، مصالحًا المعرفة مع العبادة والحق مع الطقس! هنا أيضًا يجمع السيد بين الملوكية والكهنوت، فهو ملك البرّ والسلام في نفس الوقت الكاهن على رتبة ملكي صادق إلى الأبد، هو الملك والكاهن في نفس الوقت، عمله الملوكي لا يمكن فصله عن الكهنوتي. ففيما هو يملك على القلب خلال ذبيحته الفريدة، يقدم هذه الذبيحة بكونه رئيس الكهنة السماوي. فهو الملك صاحب السلطان خلال الحب العملي الباذل، والمعلن بشفاعته الكفارية عن مؤمنيه ليقيمهم فيه ومعه ملوكًا وكهنةً روحيين.

رابعًا: ملكي صادق كرمز للسيد المسيح لم يذكر الكتاب شيئًا عن أبيه أو أمه أو نسبه. وكأنه يحمل رمزًا لمن هو بلا بداءة أيام ولا نهاية. فالسيد المسيح سرمدي بحق ليس من زرع بشر، ليس له أب حسب الجسد، ولا أم من جهة اللاهوت، كاهن أبدي.

خامسًا: ذبيحة ملكي صادق من الخبز والخمر لا معنى لها إلا بكونها رمزًا لذبيحة الإفخارستيا التي هي جسد السيد المسيح ودمه، حيث قام السيد نفسه بتحويل الخبز والخمر إليهما في تأسيسه السرّ. وكما يقول القديس چيروم مخاطبًا السيد: [أنت كاهن لا بتقديم ذبائح يهودية وإنما بالحري على طقس ملكي صادق. فكما أن ملكي صادق، ملك ساليم، قدم خبزًا وخمرًا (تك ١٤: ١٨) هكذا تقدم أنت جسدك ودمك، الخبز الحقيقي والخمر الحقيقي. هذا هو ملكي صادقنا الذي وهبنا الذبيحة الإلهية التي لنا. إنه ذاك الذي قال: "من يأكل جسدي ويشرب دمي" (يو ٦: ٥٥)، على طقس ملكي صادق، معطيًا إيانا سرائره.]


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 7 جـ2 PDF Print Email
2. الوعد بكهنوت جديد

بعد اختيار هرون وبنيه كهنة للرب يخدمون هيكله ويقدمون باسم الجماعة المقدسة التقدمات والذبائح، عاد فوعد بكهنوت آخر على طقس ملكي صادق وليس على طقس هرون، قائلاً: "أقسم الرب أنك أنت الكاهن على رتبة ملكي صادق إلى الأبد". في هذا الوعد يرى الرسول بولس تحول في ثلاثة أمور: في طبيعة الكهنوت، وفي السبط الذي تكرس لهذا العمل، وفي الناموس المرتبط به.

أولاً: تحول في طبيعة الكهنوت فقد جاء الوعد لا بكهنوت على الطقس الهاروني أو اللاوي وإنما على طقس ملكي صادق، هذا يعني تغيير في السمة الكهنوتية وطبيعتها، كما يكشف عن ضعف الكهنوت الأول وعدم كماله وإلا فما الحاجة إلى قيام طقس آخر؟! يقول الرسول: "فَلَوْ كَانَ بِالْكَهَنُوتِ اللاَّوِيِّ كَمَالٌ - إِذِ الشَّعْبُ أَخَذَ النَّامُوسَ عَلَيْهِ - مَاذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ بَعْدُ إِلَى أَنْ يَقُومَ كَاهِنٌ آخَرُ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ، وَلاَ يُقَالُ عَلَى رُتْبَةِ هَارُونَ؟" [١١]. بمعنى آخر إن كان الكهنوت اللاوي قد أقيم بناء على دعوة إلهية وارتبط بناموس الله، لكنه لم يكن إلاَّ طريقًا مهد الأذهان لتفهم كهنوت آخر هو كهنوت السيد المسيح، وهذا هو موضوع الرسالة إلى العبرانيين الذي يسهب الرسول الحديث عنه في الأصحاحات التالية.

ثانيًا: حدث تغير أيضًا في السبط، فتحول الكهنوت عن سبط لاوي إلى سبط يهوذا. "لأَنَّ الَّذِي يُقَالُ عَنْهُ هَذَا كَانَ شَرِيكًا فِي سِبْطٍ آخَرَ لَمْ يُلاَزِمْ أَحَدٌ مِنْهُ الْمَذْبَحَ. فَإِنَّهُ وَاضِحٌ أَنَّ رَبَّنَا قَدْ طَلَعَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْهُ مُوسَى شَيْئًا مِنْ جِهَةِ الْكَهَنُوتِ. وَذَلِكَ أَكْثَرُ وُضُوحًا أَيْضًا إِنْ كَانَ عَلَى شِبْهِ مَلْكِي صَادِقَ يَقُومُ كَاهِنٌ آخَرُ" [١٥]. هذا التغير في السبط لم يكن بلا هدف، فإن سبط يهوذا هو السبط الملوكي الذي خرج منه ملوك يهوذا، وكأنه في المسيح، وفي المسيح وحده التقى الكهنوت الجديد مع العمل الملوكي، الأمر الذي لم يحدث من قبل. لقد تحققت فيه نبوة أبينا يعقوب الذي بارك ابنه يهوذا، قائلاً: "يهوذا إياك يحمد اخوتك، يدك على قفا أعدائك، يسجد لك بنو أبيك. يهوذا جرو أسد. من فريسة صعدت يا ابني، جثا وربض كأسد وكلبوة، من ينهضه؟! لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب" (تك ٤٩: ٨ - ١٠). هذه النبوة بتكملتها قد تحققت بالكامل في شخص السيد المسيح الذي يسبح له ويحمده إخوته إذ صار أخًا بكرًا، هذا الذي حطم بالصليب عدوه إبليس، وصارت يده على قفا أعدائه، إنه يتعبد له بنو أبيه السماوي، هذا الأسد الذي جثا على الصليب وقام ليقيمنا معه. إنه يملك بالصليب، معطيًا السلام لشعب، وتخضع له الشعوب من كل أمة ولسان.

ثالثًا: تغير الكهنوت يقتضي تغير الناموس، فلكل كهنوت عهده وشريعته ووصاياه. الكهنوت اللاوي يخدم خلال الذبائح الدموية وغسالات الجسد كرمزٍ، وأيضًا ناموسه يتناسب معه. وبالانطلاق من الكهنوت رمزي إلى الكهنوت الروحي السماوي صار هناك عهد جديد وناموس جديد وتعاليم جديدة، ليست ناقضة للقديم وإنما مكملة له، تكشف أعماقه وتدخل به من الطفولة إلى النضوج الروحي، ومن الوعد ببركات أرضية مثل أرض الموعد التي تفيض لبنًا وعسلاً إلى مواعيد فائقة سماوية وإتحاد مع الآب في ابنه لهذا أكد السيد حين أعلن دستوره أنه ما جاء لينقض الناموس وإنما ليكمله (مت ٥: ١٧).

يقارن الرسول بين ناموس الكهنوت اللاوي وناموس الكاهن الأعظم السماوي يسوع المسيح، قائلاً: "لأَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ الْكَهَنُوتُ فَبِالضَّرُورَةِ يَصِيرُ تَغَيُّرٌ لِلنَّامُوسِ أَيْضًا... فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِبْطَالُ الْوَصِيَّةِ السَّابِقَةِ مِنْ أَجْلِ ضُعْفِهَا وَعَدَمِ نَفْعِهَا، إِذِ النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا. وَلَكِنْ يَصِيرُ إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى اللهِ" [١٢، ١٨، ١٩]. أبطلت الوصية القديمة لا بنقضها وإنما بتحقيقها في الوصية الجديدة المكملة لها، هذه التي فتحت لنا "رجاء أفضل" إذ به نقترب إلى الآب باتحادنا معه في ابنه.

هكذا يحدثنا الرسول عن ذبائح أفضل، وكهنوت أفضل، ومواعد أفضل، ورجاء أفضل خلال "المسيح يسوع ربنا". وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [الذبيحة التي خلاله هي أفضل، والرجاء الذي فيه أفضل، والمواعيد التي لنا خلاله أفضل. هذه ليست أعظم لمقارنتها بما هو أقل منها وإنما لاختلافها في الطبيعة عن الأمور السابقة، لأن من يقوم بهذا التدبير هو أعظم.]

3. المقارنة بين الكهنوت في القديم والجديد

قدم لنا الرسول مقارنة بين الكهنوت اللاوي وكهنوت السيد المسيح، أهم بنودها:

أولاً: قيام الكهنوت الجديد وإبطال الكهنوت اللاوي يعني إبطال الوصية الأولى، إذ هي عاجزة عن الدخول بنا إلى الاقتراب إلى الله والإتحاد معه [١٨-١٩]، إذ يُبتلع الرمز في المرموز إليه.

ثانيًا: كان الكهنوت اللاوي بدعوة إلهية لكن بدون قسم، لأنه مؤقت يحقق هدفه بظهور الكهنوت الأبدي الجديد المقام بقسم، إذ قيل: "أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ" [20] علامة ًضمان أفضل لعهد أفضل [٢1]. الأول عاجز عن تطهير الخطايا وتقديس النفس، أما الثاني فيحقق ما عجز عنه الأول.

ثالثًا: في الكهنوت القديم دُعي كهنة كثيرون حتى إذ يموت الواحد يبقى الكهنوت قائمًا بغيره: "وَأُولَئِكَ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً كَثِيرِينَ، لأَنَّ الْمَوْتَ مَنَعَهُمْ مِنَ الْبَقَاءِ، وَأَمَّا هَذَا فَلأَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ" [٢٣-٢٤]. علامة ضعف الكهنوت الأول أنه لم يرتبط بكاهنٍ واحدٍ، وإنما ارتبط ببني قهات جميعهم من سبط لاوي. كان رئيس الكهنة يفرح حين يلبس ابنه الثياب الكهنوتية ويحتل مركزه، إذ لا يقدر هو أن يخلد فيترك الكهنوت قائمًا في نسله، أما السيد المسيح فلا يقوى الموت عليه، لهذا يبقى كهنوته أبديًا لا يزول. بتجسده أعلن كهنوته، وبموته لم يفقد كهنوته، إذ لا يقدر الموت أن ينجسه ولا أن يوقف تيار شفاعته الكفارية، بل بالعكس موته هو أساس كهنوته إذ به قدم نفسه ذبيحة حب للآب، فصار الكاهن والذبيحة في نفس الوقت. قام السيد ليعلن أبدية كهنوته وسماوية ذبيحته فيبقي كهنوته دائمًا، وتبقي ذبيحته فعلاً لا يتكرر! لازال كهنوته عاملاً في كنيسته وذبيحته حاضرة لا تشيخ ولا تفنى. خلال هذا الكهنوت الفائق والذبيحة الفريدة تنعم الكنيسة بالعمل الكهنوتي والذبيحي في المسيح الكاهن والذبيح!

أعلن الرسول قوة هذا العمل بقوله: "فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ" [25]. لم يمت إلى النهاية ولا استهلكت ذبيحته، لكنه حيّ أمام الآب يقدم ذبيحة نفسه عنا كسرّ تقديسنا. هذا هو ينبوع القوة التي منه يستمد الكهنة عملهم وتقدماتهم، فهم يمارسون الكهنوت بلبسهم المسيح الكاهن الأعظم، وما يقدمونه إنما ذات ذبيحة المسيح التي لا تتكرر!

رابعًا: كان رؤساء الكهنة والكهنة في العهد القديم خطاة كسائر الشعب، يحتاجون معهم إلى من يقدسهم، أما رئيس الكهنة يسوع فهو "قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاة،ِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّماَوَاتِ" [٢٦]. فإن كان قد صار كواحد منا، لكنه لا يزال القدوس وحده، المنفصل عن الخطاة المرتفع إلى السماوات، به وفيه نتقدس، ونجد لنا موضعًا في حضن أبيه السماوي. كهنة العهد القديم محتاجون إلى تقديم ذبائح أولاً عن أنفسهم ثم بعد ذلك عن خطايا الشعب، مكررين هذا العمل بلا انقطاع، أما رئيس الكهنة يسوع فقد "فَعَلَ هَذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ. فَإِنَّ النَّامُوسَ يُقِيمُ أُنَاسًا بِهِمْ ضُعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ. وَأَمَّا كَلِمَةُ الْقَسَمِ الَّتِي بَعْدَ النَّامُوسِ فَتُقِيمُ ابْنًا مُكَمَّلاً إِلَى الأَبَدِ" [٢٧-٢٨]، وشتان ما بين الناس الذين بهم ضعف والابن الكامل الأبدي!

1 لان ملكي صادق هذا ملك ساليم كاهن الله العلي الذي استقبل ابراهيم راجعا من كسرة الملوك و باركه
2 الذي قسم له ابراهيم عشرا من كل شيء المترجم اولا ملك البر ثم ايضا ملك ساليم اي ملك السلام
3 بلا اب بلا ام بلا نسب لا بداءة ايام له و لا نهاية حياة بل هو مشبه بابن الله هذا يبقى كاهنا الى الابد
4 ثم انظروا ما اعظم هذا الذي اعطاه ابراهيم رئيس الاباء عشرا ايضا من راس الغنائم
5 و اما الذين هم من بني لاوي الذين ياخذون الكهنوت فلهم وصية ان يعشروا الشعب بمقتضى الناموس اي اخوتهم مع انهم قد خرجوا من صلب ابراهيم
6 و لكن الذي ليس له نسب منهم قد عشر ابراهيم و بارك الذي له المواعيد
7 و بدون كل مشاجرة الاصغر يبارك من الاكبر
8 و هنا اناس مائتون ياخذون عشرا و اما هناك فالمشهود له بانه حي
9 حتى اقول كلمة ان لاوي ايضا الاخذ الاعشار قد عشر بابراهيم
10 لانه كان بعد في صلب ابيه حين استقبله ملكي صادق
11 فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال اذ الشعب اخذ الناموس عليه ماذا كانت الحاجة بعد الى ان يقوم كاهن اخر على رتبة ملكي صادق و لا يقال على رتبة هرون
12 لانه ان تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس ايضا
13 لان الذي يقال عنه هذا كان شريكا في سبط اخر لم يلازم احد منه المذبح
14 فانه واضح ان ربنا قد طلع من سبط يهوذا الذي لم يتكلم عنه موسى شيئا من جهة الكهنوت
15 و ذلك اكثر وضوحا ايضا ان كان على شبه ملكي صادق يقوم كاهن اخر
16 قد صار ليس بحسب ناموس وصية جسدية بل بحسب قوة حياة لا تزول
17 لانه يشهد انك كاهن الى الابد على رتبة ملكي صادق
18 فانه يصير ابطال الوصية السابقة من اجل ضعفها و عدم نفعها
19 اذ الناموس لم يكمل شيئا و لكن يصير ادخال رجاء افضل به نقترب الى الله
20 و على قدر ما انه ليس بدون قسم
21 لان اولئك بدون قسم قد صاروا كهنة و اما هذا فبقسم من القائل له اقسم الرب و لن يندم انت كاهن الى الابد على رتبة ملكي صادق
22 على قدر ذلك قد صار يسوع ضامنا لعهد افضل
23 و اولئك قد صاروا كهنة كثيرين من اجل منعهم بالموت عن البقاء
24 و اما هذا فمن اجل انه يبقى الى الابد له كهنوت لا يزول
25 فمن ثم يقدر ان يخلص ايضا الى التمام الذين يتقدمون به الى الله اذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم
26 لانه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر و لا دنس قد انفصل عن الخطاة و صار اعلى من السماوات
27 الذي ليس له اضطرار كل يوم مثل رؤساء الكهنة ان يقدم ذبائح اولا عن خطايا نفسه ثم عن خطايا الشعب لانه فعل هذا مرة واحدة اذ قدم نفسه
28 فان الناموس يقيم اناسا بهم ضعف رؤساء كهنة و اما كلمة القسم التي بعد الناموس فتقيم ابنا مكملا الى الابد


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 8 PDF Print Email

المسيح رئيس الكهنة السماوي

 

 تربى معلمنا بولس الرسول عند قدمي غمالائيل، قائد إحدى مدرستي اليهود التقليديتين، وكان الكل يأمل أن يتسلم التلميذ قيادتها بعد معلمه بسبب غيرته الملتهبة نحو تراث آبائه وتقاليدهم، فقد اُبتلع قلبه كله، وامتصت أحاسيسه تمامًا في عشق الهيكل بكل طقوسه. الآن يواجه المسيحيين الذين هم من أصل عبراني ليحدثهم عن حقيقة جديدة تبدو في ظاهرها مناقضة لكل خبراتهم الماضية، وهي أن الكاهن الأعظم الجديد سماوي، جاء ليرفع الإنسان بكل حياته وسلوكه وعبادته إلى السماويات، فلا نكوص إلى ما كان عليه العبرانيون. دخل بنا إلى السماويات عينها فلا رجعة إلى الظلام. قدم لنا ذاته رئيس كهنة جديد، وذبيحة جديدة، ودخل بنا إلى هيكل جديد، ليقوم بعملٍ جديدٍ لحسابنا.

1. كهنوت سماوي ١ - ٦.

2. عهد سماوي ٧ - ١٣.

1. كهنوت سماوي

"وَأَمَّا رَأْسُ الْكَلاَمِ فَهُوَ أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هَذَا، قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ فِي السماوات" [١].


رأس الكلام أو نهاية ما نبتغيه هو أن لنا رئيس كهنة سماوي يخدم باسمنا ولحسابنا وهو جالس في يمين عرش الآب في السماوات. إن كان السيد المسيح هو رئيس الكهنة الفريد على رتبة ملكي صادق قد جاء بقسم يحمل كهنوتًا أبديًا يخدم في السماوات، أمامه يختفي الكهنوت اللاوي الذي ارتبط بخدمة الخيمة أو هيكل أورشليم، فإن هذا كله إنما هو "لنا". وكأن الرسول يود أن يؤكد لهم أن ما ورد في الرسالة ليس من أجل الجدال الفكري بل هو مكسب عملي به صار "لنا" هذا الكاهن الجديد بخدمته الجديدة. ما خسره هؤلاء العبرانيون بإيمانهم بالسيد المسيح إنما هو فقدان للظل من أجل التمتع بالحق، وحرمان من شبه السماويات لأجل الدخول في السماويات عينها.

"لنا" رئيس كهنة، قدم ذاته لنقتنيه، فنقول "حبيبي لي" (نش ٢: ١٦). في القديم كان رئيس الكهنة يمثلني ويخدم في القدس نائبًا عني، لكنني لا أقدر أن أقتنيه لي في داخلي، أما رئيس الكهنة الجديد فأعطاني ذاته ملكًا لي. هذا ما أكده الملاك للرعاة: "إنه وُلد لكم" (لو ٢: ١١)، وما يتمتع به إشعياء النبي وإن كان خلال النبوة "لأنه يولد لنا ولد" (إش ٩: ٦).

لا يقلل الرسول من شأن الكهنوت اللاوي، إذ كان الكهنة "يَخْدِمُونَ شِبْهَ السَّمَاوِيَّاتِ وَظِلَّهَا، كَمَا أُوحِيَ إِلَى مُوسَى وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَصْنَعَ الْمَسْكَنَ. لأَنَّهُ قَالَ: انْظُرْ أَنْ تَصْنَعَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ الْمِثَالِ الَّذِي أُظْهِرَ لَكَ فِي الْجَبَلِ" [5]. أما خدمة العهد الجديد فهي خدمة العهد الأفضل بالدخول في السماويات.

إذ كان كهنة العهد القديم من تراب وأقامهم الله لخدمته بقيت خدمتهم لظل السماويات، أما كاهننا فسماوي، وهيكله الذي يخدمه هو السماوات عينها. ما هو هذا الهيكل السماوي إلاَّ كنيسة العهد الجديد التي تحمل السمة السماوية، إذ صارت سيرتنا في السماويات (في ٣: ٢٠)، وعبادتنا أيضًا سماوية. في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الكنيسة سماوية! إنها ليست إلاَّ السماء]، [صارت لنا السماء عوض الهيكل، بعد أن قادنا إلى السماء. فإن تلك الأمور كانت رمزًا لما صرنا نحن عليه، خلالها تمجدت خدمة (العهد الجديد) وظهر مجد الكهنوت كما يليق.] كما يقول: [أمورنا سماوية، صارت السماويات لنا حتى وإن كانت تمارس ونحن على الأرض، وذلك مثل الملائكة الذين يدعون سمائيون حتى وإن كانوا على الأرض. لقد ظهر الشاروبيم على الأرض ومع هذا فهم سمائيون... وأيضًا "سيرتنا هي في السماوات" (في ٣: ٢٠)، حتى وإن كنا نعيش هنا... إن كنا سمائيين وحصلنا على ذبيحة كهذه فلنخف! لا نبقى على الأرض، ففي استطاعتنا إلاَّ نكون على الأرض من الآن إن أردنا ذلك! فإن الوجود على الأرض أو عدمه هو حالة سلوكية ومحض اختيار! كمثال يُقال عن الله أنه في السماء؛ لماذا؟ ليس لأنه محدود بحيز معين (السماء)، حاشا! ولا بمعنى أنه ترك الأرض خالية من حضرته، وإنما يُقال هذا بسبب علاقته بالملائكة والتصاقهم به. فإن كنا قريبين من الله إنما نكون في السماء. فإنني ماذا أعني بالسماء؟ إنني أرى رب السماء وأصير أنا نفسي سماء! إذ يقول: "نأتي (أنا والآب) وعنده نصنع منزلاً" (يو ١٤: ٢٣). إذن لتكن نفوسنا سماء.]

2. عهد جديد


بدخولنا إلى الهيكل السماوي الجديد في خدمة سماوية عوض الهيكل القديم، بقيادة رئيس الكهنة السماوي، دخلنا في العهد الجديد الذي طالما اشتاق إليه الأنبياء، إذ يقول الرسول: "فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الأَوَّلُ بِلاَ عَيْبٍ لَمَا طُلِبَ مَوْضِعٌ لِثَانٍ. لأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ لاَئِمًا: هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُ الرَّبُّ، حِينَ أُكَمِّلُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا. لاَ كَالْعَهْدِ الَّذِي عَمِلْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُ بِيَدِهِمْ لِأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَثْبُتُوا فِي عَهْدِي، وَأَنَا أَهْمَلْتُهُمْ يَقُولُ الرَّبُّ" [٧-٩].

هذه هي غاية الكتاب المقدس: دخول الله مع الإنسان في عهد. ففي البداية إذ سقط الإنسان الأول في الفردوس لم يتخلَ الله عنه، وإنما دخل معه في عهدٍ أن يقيم من نسل المرأة من يسحق رأس الحية (تك ٣: ١٥). وحين دخل العالم تحت عقوبة الطوفان، وتجددت الخليقة بالمياه أقام الله عهدًا مع نوح وجعل العلامة قائمة في الطبيعة (قوس قزح) (تك ٩: ٩)، هذه العلامة تظهر حول العرش الإلهي (رؤ ٤: ٣؛ ١٠: ١). ومع إبراهيم أب الآباء أقام الله عهدًا خلال علامة في الجسد، أي الختان (تك ١٧). وأخيرًا دخل الله مع الشعب في عهد خلال موسى النبي على جبل سيناء إذ أخرجهم من أرض العبودية ممسكًا بيدهم ليدخل بهم إلى أرض العهد، أما العلامة فهي الدم الذي رُش على لوحي العهد أو كتاب العهد والمذبح كل ما يستخدم في العبادة. أما استخدام الدم لتثبيت العهد فنعود إليه بشيء من التفصيل في الأصحاح التالي إن أذن الرب.

إذن العهد مرّ بمراحل كثيرة، أولاً مجرد وعد (مع آدم)، أكده بعلامة طبيعية (مع نوح) ثم علامة مرتبطة بالجسد (مع إبراهيم) وأخيرًا علامة الدم (مع موسى)... وماذا كان مصير هذا العهد؟ لقد تعبد الشعب للعجل الذهبي قبل نزول موسى من الجبل، إذ سمع صوت الرب له: "اذهب، انزل، لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر" (خر ٣٢: ٧). حاسبًا الرب إياه شعب موسى (فسد شعبك) وليس شعبه، هو نقض العهد حتى "حمي غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل" (خر ٣٢: ١٩). وكأن موسى قد أعلن عن كسر العهد، وعجز الإنسان عن الحفاظ عليه. هذا ما دفع الأنبياء في العهد القديم إلى التطلع إلى عهدٍ جديدٍ بسماتٍ جديدةٍ قادر على تغيير قلب الإنسان والدخول إلى الحياة الداخلية لكي لا يكسر الإنسان العهد. فيقول إرميا النبي: "ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا، ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم... بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب: أجعل شريعتي في داخلهم، وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا، وهم يكونون لي شعبًا" (إر ٣١: ٣١ - ٣٣). كما يقول حزقيال النبي: "وأقطع معهم عهد سلام فيكون معهم عهدًا مؤبدًا وأقرهم وأكثرهم وأجعل مقدسي في وسطهم إلى الأبد، ويكون مسكني فوقهم، وأكون لهم إلهًا، ويكونون لي شعبًا" (حز ٣٧: ٣٦، ٣٧).

العهد الجديد ليس كالعهد القديم منقوش على حجارة خارجية، إنما يسجله الروح القدس في أعماقنا، إذ يمس حياتنا الداخلية حيث ملكوت الله فينا... "يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي أَذْهَانِهِمْ، وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلَهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا" [١٠].

ينقش الروح القدس هذا العهد في داخلنا ويكون الله نفسه هو معلمنا، إذ يقول الرسول: "ولا يُعَلِّمُونَ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلاً: اعْرِفِ الرَّبَّ، لأَنَّ الْجَمِيعَ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ" [١١]. في العهد الجديد لا يتقدم السيد المسيح كمعلم خارج عنا يقدم لنا وصاياه، لكنه دخل إلينا، في حياتنا، ليغير طبيعتنا ويجددها بروحه القدوس، ويكون هو نفسه الوصية والحياة والقيامة والبرّ فينا! وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي في مقالاته ضد الأريوسيين: [إن كنا لسنا مخلوقين فيه، فلا يكون لنا (السيد) في داخلنا، بل نقتنيه خارجًا عنا، ويكون بذلك مجرد معلم نتقبل منه التعليم. لو كان الأمر كذلك بالنسبة لنا فإن الخطية لم تفقد بعد سلطانها على الجسد كوارثة له وغير مطرودة منه. ولكن الرسول يعارض مثل هذا التعليم إذ يقول: "نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع" (أف ٢: ١٠).]

1 و اما راس الكلام فهو ان لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس في يمين عرش العظمة في السماوات
2 خادما للاقداس و المسكن الحقيقي الذي نصبه الرب لا انسان
3 لان كل رئيس كهنة يقام لكي يقدم قرابين و ذبائح فمن ثم يلزم ان يكون لهذا ايضا شيء يقدمه
4 فانه لو كان على الارض لما كان كاهنا اذ يوجد الكهنة الذين يقدمون قرابين حسب الناموس
5 الذين يخدمون شبه السماويات و ظلها كما اوحي الى موسى و هو مزمع ان يصنع المسكن لانه قال انظر ان تصنع كل شيء حسب المثال الذي اظهر لك في الجبل
6 و لكنه الان قد حصل على خدمة افضل بمقدار ما هو وسيط ايضا لعهد اعظم قد تثبت على مواعيد افضل
7 فانه لو كان ذلك الاول بلا عيب لما طلب موضع لثان
8 لانه يقول لهم لائما هوذا ايام تاتي يقول الرب حين اكمل مع بيت اسرائيل و مع بيت يهوذا عهدا جديدا
9 لا كالعهد الذي عملته مع ابائهم يوم امسكت بيدهم لاخرجهم من ارض مصر لانهم لم يثبتوا في عهدي و انا اهملتهم يقول الرب
10 لان هذا هو العهد الذي اعهده مع بيت اسرائيل بعد تلك الايام يقول الرب اجعل نواميسي في اذهانهم و اكتبها على قلوبهم و انا اكون لهم الها و هم يكونون لي شعبا
11 و لا يعلمون كل واحد قريبه و كل واحد اخاه قائلا اعرف الرب لان الجميع سيعرفونني من صغيرهم الى كبيرهم
12 لاني اكون صفوحا عن اثامهم و لا اذكر خطاياهم و تعدياتهم في ما بعد
13 فاذ قال جديدا عتق الاول و اما ما عتق و شاخ فهو قريب من الاضمحلال




+ إقرأ إصحاح 8 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 9 جـ1 PDF Print Email

الخدمة السمائية


إن كان لنا رئيس كهنة لا على رتبة هرون ولا من سبط لاوي، وإنما على طقس ملكي صادق، له كهنوت جديد، فإنه يليق به أن يخدم في هيكل جديد ليقدم ذبيحة جديدة فريدة لحسابنا.

1. مقارنة بين العهدين ١ - ١٤.

2. تثبيت العهد السماوي ١٥ - ٢٢.

3. الذبيحة الفريدة ٢٣ - ٢٨.

1. مقارنة بين العهدين

يقارن الرسول بولس بين العهدين القديم والجديد مقدمًا لنا النقاط التالية:

أولاً: أبرز الرسول أن المسكن الأول، سواء خيمة الاجتماع أو هيكل أورشليم، كان يحوي قسمين رئيسيين هما القدس وقدس الأقداس يفصل بينهما الحجاب الذي يخفى قدس الأقداس وراءه، قائلاً: "ثُمَّ الْعَهْدُ الأَوَّلُ كَانَ لَهُ أَيْضًا فَرَائِضُ خِدْمَةٍ وَالْقُدْسُ الْعَالَمِيُّ، لأَنَّهُ نُصِبَ الْمَسْكَنُ الأَوَّلُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْقُدْسُ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَنَارَةُ، وَالْمَائِدَةُ، وَخُبْزُ التَّقْدِمَةِ. وَوَرَاءَ الْحِجَابِ الثَّانِي الْمَسْكَنُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ قُدْسُ الأَقْدَاسِ فِيهِ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَتَابُوتُ الْعَهْدِ مُغَشًّى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِالذَّهَبِ، الَّذِي فِيهِ قِسْطٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ الْمَنُّ، وَعَصَا هَارُونَ الَّتِي أَفْرَخَتْ، وَلَوْحَا الْعَهْدِ. وَفَوْقَهُ كَرُوبَا الْمَجْدِ مُظَلِّلَيْنِ الْغِطَاءَ. أَشْيَاءُ لَيْسَ لَنَا الآنَ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْهَا بِالتَّفْصِيلِ" [١-٥].

رأى الرسول في القسمين إشارة إلى العهدين؛ القدس يشير إلى العهد القديم، وقدس الأقداس إلى العهد الجديد. الأول يخدمه كهنة كثيرون كل يوم، والثاني يشير إلى السماء لا يدخله إلاَّ رئيس الكهنة مرة واحدة في السنة كرمز للسيد المسيح الذي قدم نفسه مرة واحدة ليدخل بنا إلى سماواته.

لا يتجاهل الرسول قدسية العهد القديم فإنه كالمسكن له فرائض خدمة من قبل الله، وفيه المنارة والمائدة وخبز التقدمة، مقدسات هي شبه السماويات، الأمور التي يقول الرسول: "ليس لنا الآن أن نتكلم عنها بالتفصيل"، لأنها تحمل رموزًا حية للسيد المسيح وخدمته إذ به ننعم بالاستنارة ونتمتع بجسده الخبز المحيي! وقد سبق لنا في دراستنا لسفر الخروج الحديث عنها. هذا عن القدس، أما ما وراء الحجاب فيختفي قدس الأقداس الذي فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد ممثل الحضرة الإلهية، مغشى من كل جهة بالذهب إشارة للاهوت، فيه قسط من ذهب فيه المن إشارة إلى المن الحقيقي جسد الرب ودمه الأقدسين، وعصا هرون علامة كهنوت الرب ورعايته الشخصية لكنيسته، ولوحا العهد إشارة إلى كونه كلمة الله، وفوق التابوت كاروبان يظللان الغطاء علامة دخولنا إلى الإتحاد مع السمائيين في المسيح يسوع ربنا.

إن كان القدس يشير إلى الحياة الحاضرة المقدسة في الرب أو خدمة العهد القديم، فإن قدس الأقداس يشير إلى الحياة السماوية التي قدمها لنا الرب السماوي بعهده الجديد معنا. يقول الرسول إنه لا يمكن أن يظهر طريق الحياة الجديدة السماوية مادام المسكن الأول له إقامة، بمعنى أن خدمة الروح في المسيح يسوع لا تظهر مادامت الطقوس الموسوية تقام في حرفيتها كظل. لابد أن ينشق الحجاب ويزول الظل بظهور الحق ذاته، وتختفي الخدمة الموسوية أمام الهيكل الجديد، أو كما يقول الرسول: "مُعْلِنًا الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَذَا أَنَّ طَرِيقَ الأَقْدَاسِ لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ، مَادَامَ الْمَسْكَنُ الأَوَّلُ لَهُ إِقَامَةٌ، الَّذِي هُوَ رَمْزٌ لِلْوَقْتِ الْحَاضِرِ، الَّذِي فِيهِ تُقَدَّمُ قَرَابِينُ وَذَبَائِحُ لاَ يُمْكِنُ مِنْ جِهَةِ الضَّمِيرِ أَنْ تُكَمِّلَ الَّذِي يَخْدِمُ" [٨-٩].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني بقوله: الوقت الحاضر؟ يقصد زمن ما قبل مجيء المسيح، فإنه بعد مجيئه لا يكون بعد الوقت الحاضر، إذ كيف يمكن أن يوجد الوقت، وقد جاء وانتهى؟!] خدمة الناموس الموسوي هي خدمة الوقت الحاضر، أما وقد جاء السيد في ملء الزمان فقد رفعنا إلى ما فوق الزمن ودخل بنا إلى السماويات.

ثانيًا: يقارن الرسول بين ذبائح العهد القديم وذبيحة العهد الجديد، ففي الناموس الموسوي يقدم الكهنة دم تيوس وعجول، مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد [١٢-١٤] أما كاهن العهد الجديد فيقدم دم نفسه. وكما يقول الرسول: "وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ؟!" [١٢-١٤]. في القديم يُقدم دم حيوانات تُقاد للذبح بغير إرادتها، أما في العهد الجديد فقدم رئيس الكهنة نفسه تقوده إرادته الحرّة وطاعته لأبيه حتى الموت موت الصليب وحبه للبشرية وهي بعد تعاديه! إنه الكاهن والذبيحة في نفس الوقت. وكما يقول القديس أغسطينوس: [أنت هو الكاهن، وأنت الذبيحة، أنت المقدم وأنت التقدمة!]

ثالثًا: إذ قارن بين الخدمتين، رأى الخدمة الأولى، وهي خدمة الوقت الحاضر تركز على تطهير الجسد [١٣]، أما الثانية وهي خدمة ما فوق الزمن الحاضر، خدمة السماء، فتمس الضمائر وأعماق النفس الداخلية، أي خدمة الروح الفعّالة التي تقيم ملكوت الله في داخلنا. الأولى تقوم على دم حيوانات تموت وتُستهلك، أما الثانية فتقوم على دم ابن الله الذي بروح أزلي قدم نفسه، لا يمكن للفساد أن يمسك به ولا للموت أن يحبسه، واهب حياة وقيامة! الأولى يقوم بها كهنة تحت الضعف، محتاجون إلى تكفير عن خطاياهم، أما الثانية فيقوم بها من هو "بلا عيب" [١٤]، قادر أن يقدسنا!

رابعًا: إذ يتحدث الرسول عن الهيكل القديم أو المسكن الأول بما احتواه من أثاثات، يقول: "أَشْيَاءُ لَيْسَ لَنَا الآنَ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْهَا بِالتَّفْصِيلِ"، وكأنه ترك الباب مفتوحًا للمقارنة بين خدمتي العهدين. الأمر الذي جعل الآباء يسهبون فيها. لكنني أكتفي بالقليل مما ورد في كتابات البابا أثناسيوس الرسولي مقارنًا بين الهيكل القديم بخدمته الموسوية، والهيكل الجديد الذي هو "جسد المسيح" الذي فيه صارت لنا الخلقة الجديدة مقدسة به، أو كما يقول الرسول: "الذي فيه كل البناء مركبًا معًا ينمو هيكلاً مقدسًا في الرب، الذي فيه أنتم أيضًا مبنيون معًا مسكنًا لله في الروح" (أف ٢: ٢١، ٢٢).

يقارن البابا أثناسيوس الرسولي بين الهيكل القديم وجسد الرب هكذا:

[كان الهيكل القديم مقامًا من حجارة وذهب كظل، لكن إذ جاءت الحقيقة بطل الرمز من هناك، وكقول الرب لا يبقى حجر على حجر إلاَّ وينقض (مت ٢٤: ٢)...

من يحتقر الهيكل يحتقر الرب الذي في الهيكل، ومن يفصل الكلمة عن الجسد يجعل من النعمة التي وهبت لنا فيه لا شيء. لا تقبل افتراض الأريوسيين الأشرار جدًا وغير العاقلين بأنه مادام الجسد مخلوقًا فالكلمة أيضًا مخلوق، ولا القول بأنه مادام الكلمة غير مخلوق فجسده مزدرى به!...

لكن، إذ الكلمة هو الخالق، الذي صنع المخلوقات، لهذا ففي نهاية الدهور لبس المخلوق (الجسد) لكيما يقدس الخليقة وهو الخالق ويشفيها. فالخليقة لا يمكن لها أن تخلص بواسطة مخلوق، كما أنها أُوجدت بواسطة الخالق...]

إذن في العهد الجديد تقدم إلينا السيد متجسدًا، مقدمًا لنا جسده كسرّ تقديس لنا، ففيه نختفي، وبه نتحد، لنحمله في داخلنا كما نحن فيه... هذا هو "وَقْتِ الإِصْلاَحِ" [١٠]. لا إصلاح بشرائع وأوامر ونواه وإنما بإمكانيات جديدة، بإتحادنا معه!




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 9 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 9 جـ2 PDF Print Email

2. تثبيت العهد السماوي

كانت هناك قاعدة قانونية رومانية بمقتضاها أن أية وصية لا تكون لها قوة مادام الموصي حيًا، إذ يستطيع في أي وقت شاء أن يسحب الوصية أو يغير بنودها، لكن متى مات الموصي تثبت الوصية ولا يمكن لأحد أن يغيرها. هكذا يرى الرسول بولس أن علاقة الله بالإنسان هي علاقة الأب الموصي لابنه، ففي القديم قدم وصيته خلال العهد الموسوي، وإذ لم يكن ممكنًا للوصي أن يموت لتثبيت الوصية كان دم الحيوانات يقوم بهذا الدور. أما في العهد الجديد، فإذ تسلمنا الوصية مات الموصي على الصليب فأعلن تثبيت الوصية وفاعليتها الأكيدة. وكأن موت الصليب أو دم السيد المسيح المبذول هو ختم على الوصية الإلهية وتأكيد لنا للتمتع بالميراث الأبدي الذي أوصى به. فإن كان السيد قد أوصى هكذا: "من يؤمن بي فله حياة أبدية" (يو ٦: ٤٧). فقد ختم الوصية بجسده المبذول ودمه المسفوك عنا: "إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم" (يو ٦: ٥٣).

في وضوح قال الرسول: "لأَنَّهُ حَيْثُ تُوجَدُ وَصِيَّةٌ يَلْزَمُ بَيَانُ مَوْتِ الْمُوصِي، لأَنَّ الْوَصِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمَوْتَى، إِذْ لاَ قُوَّةَ لَهَا الْبَتَّةَ مَادَامَ الْمُوصِي حَيًّا" [١٦-١٧]. هكذا إذ يستلزم استخراج شهادة وفاة للموصي لتأكيد الوصية، فإننا نقدم دم السيد المسيح على الصليب علامة ثبوت الوصية بموت الوصي.

من هنا نفهم لماذا كان الدم علامة التطهير في العهدين القديم والجديد، إذ هو علامة ثبوت الوصية. لهذا كان كتاب العهد أو الوصية يرش بالدم وجميع الشعب يتقدسون به. [١٩-٢٠]، لكنه لم يكن دم الموصي بل رمزه، دم حيوانات. أما في العهد الجديد فحملت الوصية قوتها خلال دم ابن الله، الموصي: "َكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" [٢٢]. لقد استخدم موسى الدم والماء للتطهير [١٩]، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [أخبرني لماذا كان كتاب العهد وأيضًا الشعب يرشون، إلاَّ من أجل الدم الثمين الذي كان الأول (دم الحيوانات) مثالاً له؟... ولماذا الماء؟ لكي يطهر... ولماذا الصوف (القرمزي)؟ كان هذا لكي يحتفظ بالدم، إذ يظهر الدم والماء كأنهما واحد.]

أما بالنسبة للعهد الجديد، فيتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: [أين هو الكتاب إذن؟ لقد طهّر أذهانهم فيحسبون هم أنفسهم كتاب العهد الجديد... وأين الخيمة؟ مرة أخرى هم أنفسهم الخيمة، إذ يقول: "سأسكن فيهم وأسير بينهم" (٢ كو ٦: ١٦). لكن هؤلاء لم يرشوا بصوف قرمزي ولا بزوفا، لماذا؟ لأن الغسل هنا ليس غسلاً جسديًا، وإنما هو غسل روحي، وكان الدم روحيًا (دم حقيقي أخذه من القديسة مريم وبذله على الصليب لكن الروح القدس هو الذي هيأ التجسد) كيف؟ إنه لم يفض عن جسد حيوانات غير عاقلة بل عن جسد أعده الروح (القدس). بهذا الدم لم يرشنا موسى بل المسيح خلال الكلمة التي قيلت: هذا هو دم العهد الجديد لمغفرة الخطايا. هذه الكلمة هي عوض الزوفا قد غُمست في الدم ورشتنا جميعًا. هناك كان غسل الجسد خارجيًا لأن التطهير كان جسديًا، أما هنا فالتطهير روحي يدخل إلى النفس ويغسلها... هناك كان الرش يتم عند السطح فقط، والذي يُرش يُغسل من آثار الدم... أما بالنسبة للنفس فالأمر غير ذلك إذ يمتزج الدم بكيانها ليجعلها نشيطة ونقية، يقودها إلى ذات الجمال غير المقترب إليه.]

3. الذبيحة الفريدة


كانت أمثلة السماويات وظلالها تتطهر بدم حيوانات، أما السماويات عينها فسرّ تقديسها هي الذبيحة الفريدة، ذبيحة الصليب التي لا تتكرر، ذبيحة السيد المسيح نفسه الحيّ القادر وحده أن يقيم من الأموات.

تُقدم الذبائح الدموية في الخيمة أو هيكل أورشليم، المسكن الأول، ظل السماويات، أما المسيح الذبيح بصفته الكاهن والذبيح فهو قائم في السماوات عينها يظهر أمام وجه الآب بكونه الحمل الذي كأنه مذبوح. حقًا إنه لم ينفصل قط عن الآب من جهة اللاهوت لكنه من أجلنا نزل إلينا - بغير انفصال عن الآب - مقدمًا ذاته ذبيحة حب عنا، لكي إذ يرتفع إلى السماوات يرفعنا معه، ويشفع فينا بدمه فندخل إلى حضن أبيه.

كان الكهنة قديمًا يقدمون دم حيوانات ميتة، فكانت الذبائح عاجزة عن إقامتنا بل وحتى عن قيامتها هي نفسها، أما الكاهن الأعظم يسوع المسيح، فهو وحده الذي قدم نفسه واهب الحياة، فلا حاجة لتكرار الذبيحة. كهنوته أبدي وذبيحته لا يتوقف عملها أو فاعليتها... لا تقدم ولا تشيخ! إذ يقارن القديس يوحنا الذهبي الفم بين ذبيحة العهد القديم الحيوانية وذبيحة العهد الجديد الفائقة يقول: [عظيم هو الفارق! إنه هو الفدية والكاهن والذبيحة! فلو كان الأمر غير ذلك لصارت هناك حاجة إلى تقديم ذبائح كثيرة وكان يُصلب مرارًا كثيرة.]

ربما يتساءل البعض: إن كانت ذبيحة السيد المسيح لا تتكرر، فلماذا تقيم الكنيسة الإفخارستيا، ذبيحة المسيح، كل يوم على كل مذبح؟ نجيب أن الإفخارستيا ليس تكرارًا لذبيحة الصليب، وإنما هي امتداد لذات الذبيحة القائمة الأبدية غير الدموية التي لا تتوقف، فالمسيح الذبيح الحيّ القائم من الأموات هو بعينه يقدم جسده ودمه الأقدسين دون تكرار أو تغيير، والمذابح المحلية في حقيقتها هي مذبح واحد لكنيسة واحدة! وقد سبق لنا دراسة ذلك بأكثر إسهاب من واقع كتابات الآباء وشهادات الليتورچيات.

يقول الرسول بولس أنه كما نموت نحن مرة واحدة لنقوم فنُدان، مات عنا مرة واحدة ليحمل في جسده دينونتنا، مخلصًا إيانا من الموت. إنه لن يموت مرة أخرى ولا تتكرر ذبيحته، إنما تبقى ذبيحته قائمة فوق الزمن تعمل في كل من يدخل بالإيمان إلى الجلجثة ليلتقي بالذبيحة القادرة أن ترفعه إلى العرش الإلهي ليكون له مصالحة مع الآب. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد مات من أجل الكل، هذا من جانبه، فإن هذا الموت كان المقابل ضد هلاك كل البشرية، لكنه لم يحمل خطايا كل الناس لأنهم لم يريدوا.] لقد أحنى ظهره ليحمل الخطايا عن الجميع لكنه يُحسب مخلصًا للمؤمنين وحدهم، هؤلاء الذين يظهرون معه بلا خطية عندما يأتي على السحاب فيحملهم إلى أبيه أبرارًا فيه.

لقد رأى القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذا النص [٢٦-٢٨]. [يشير إلى قوة الحياة التي بحسب الله وأيضًا إلى قوة الخطية فبالنسبة للحياة حسب الله يظهر أن المسيح لا يموت بعد، وأما من جهة الخطية، فإنها وإن كانت قد جلبت الموت على من هو بلا خطية كم بالأكثر يكون تدميرًا للذين يخضعون لها؟!]

1 ثم العهد الاول كان له ايضا فرائض خدمة و القدس العالمي
2 لانه نصب المسكن الاول الذي يقال له القدس الذي كان فيه المنارة و المائدة و خبز التقدمة
3 و وراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الاقداس
4 فيه مبخرة من ذهب و تابوت العهد مغشى من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط من ذهب فيه المن و عصا هرون التي افرخت و لوحا العهد
5 و فوقه كروبا المجد مظللين الغطاء اشياء ليس لنا الان ان نتكلم عنها بالتفصيل
6 ثم اذ صارت هذه مهياة هكذا يدخل الكهنة الى المسكن الاول كل حين صانعين الخدمة
7 و اما الى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يقدمه عن نفسه و عن جهالات الشعب
8 معلنا الروح القدس بهذا ان طريق الاقداس لم يظهر بعد ما دام المسكن الاول له اقامة
9 الذي هو رمز للوقت الحاضر الذي فيه تقدم قرابين و ذبائح لا يمكن من جهة الضمير ان تكمل الذي يخدم
10 و هي قائمة باطعمة و اشربة و غسلات مختلفة و فرائض جسدية فقط موضوعة الى وقت الاصلاح
11 و اما المسيح و هو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الاعظم و الاكمل غير المصنوع بيد اي الذي ليس من هذه الخليقة
12 و ليس بدم تيوس و عجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة الى الاقداس فوجد فداء ابديا
13 لانه ان كان دم ثيران و تيوس و رماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس الى طهارة الجسد
14 فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح ازلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من اعمال ميتة لتخدموا الله الحي
15 و لاجل هذا هو وسيط عهد جديد لكي يكون المدعوون اذ صار موت لفداء التعديات التي في العهد الاول ينالون وعد الميراث الابدي
16 لانه حيث توجد وصية يلزم بيان موت الموصي
17 لان الوصية ثابتة على الموتى اذ لا قوة لها البتة ما دام الموصي حيا
18 فمن ثم الاول ايضا لم يكرس بلا دم
19 لان موسى بعدما كلم جميع الشعب بكل وصية بحسب الناموس اخذ دم العجول و التيوس مع ماء و صوفا قرمزيا و زوفا و رش الكتاب نفسه و جميع الشعب
20 قائلا هذا هو دم العهد الذي اوصاكم الله به
21 و المسكن ايضا و جميع انية الخدمة رشها كذلك بالدم
22 و كل شيء تقريبا يتطهر حسب الناموس بالدم و بدون سفك دم لا تحصل مغفرة
23 فكان يلزم ان امثلة الاشياء التي في السماوات تطهر بهذه و اما السماويات عينها فبذبائح افضل من هذه
24 لان المسيح لم يدخل الى اقداس مصنوعة بيد اشباه الحقيقية بل الى السماء عينها ليظهر الان امام وجه الله لاجلنا
25 و لا ليقدم نفسه مرارا كثيرة كما يدخل رئيس الكهنة الى الاقداس كل سنة بدم اخر
26 فاذ ذاك كان يجب ان يتالم مرارا كثيرة منذ تاسيس العالم و لكنه الان قد اظهر مرة عند انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه
27 و كما وضع للناس ان يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة
28 هكذا المسيح ايضا بعدما قدم مرة لكي يحمل خطايا كثيرين سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 9 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 10 جـ1 PDF Print Email

الدخول إلى الأقداس


يكمل الرسول بولس مقارنته بين خدمة الهيكل الأول وخدمة الهيكل الجديد السماوي، ليؤكد لهم أن ما قد حُرموا منه بطردهم من الهيكل اليهودي إنما ظلال يلزم أن تخدم ما هو حق، تفتح المجال للخدمة السماوية. فما فقدوه من خدمة الكهنوت اللاوي لا يقارن بجانب خدمة السيد المسيح نفسه رئيس الكهنة السماوي، الذي وحده يقدر أن يدخل بنا إلى الأقداس.

1. عجز الذبائح الحيوانية ١ - ١١.

2. قوة الذبيحة الفريدة ١٢ - ١٨.

3. الدخول إلى الأقداس ١٩ - ٢٣.

4. الجهاد المستمر ٢٤ - ٣٩.

1. عجز الذبائح الحيوانية

"لأَنَّ النَّامُوسَ، إِذْ لَهُ ظِلُّ الْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، لاَ نَفْسُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ، لاَ يَقْدِرُ أَبَدًا بِنَفْسِ الذَّبَائِحِ كُلَّ سَنَةٍ، الَّتِي يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الدَّوَامِ، أَنْ يُكَمِّلَ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ" [١].

يؤكد الرسول بولس عجز الناموس الموسوي عن تكميل الذين يقدمون الذبائح الحيوانية، فإن هذا الناموس لا يقدم عربونًا للسماويات أو الحياة العتيدة بل ظلاً لها، وبالتالي لا يقدر على تطهير الضمير الداخلي وتحويل النفس إلى سماءً وملكوتًا لله. يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم الناموس الموسوي برسام يمسك بالقلم ليضع الخطوط الأولى للمنظر. هو بلا شك عمل ضروري ونافع بدونه لا تكتمل الصورة، لكنه لا يدخل بنا إلى ملامح الصورة ولا يكشف عن جمالها. أما العهد الجديد ففي رأيه يمثل رسامًا قدم لنا بألوانه الزاهية ملامح قوية للصورة صادقة وجذابة، توضح لنا تفاصيل كثيرة عن السماء. كأن العهد القديم بكل طقوسه التعبدية أشار إلى الطريق، لكن ملامحه لم تكن واضحة ولا جذابة، أما ذبيحة العهد الجديد فدخلت بنا إلى الطريق بعينه لنبلغ الكمال السماوي.

العهد الأول ضروري ونافع لكنه يقف عاجزًا، يدفعنا للتمتع بالكمال في العهد الجديد الذي قدم لنا السماء حقيقة واقعة داخل القلب، يجعل من أعماقنا الداخلية أيقونة حية للحياة الخالدة. قدم الرسول دليلين على عجز ذبائح الناموس القديم:

الدليل الأول

"لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ الخَطَايَا" [٤]. يستحيل لدم حيوانات غير عاقلة أن تطهر الإنسان جسدًا وروحًا من الخطايا؛ إنها في ذاتها لا تحمل قوة للتطهير، إنما تستمد فاعليتها مما تحمله من طاعة لمشيئة الله التي أُعلنت عن هذه الذبائح كرموزٍ. لهذا يرفض الله هذه الذبائح إن قُدمت كعملٍ روتيني في غير طاعة لله. فهو لا يُسر باللحوم ولا يطلب الشحوم ودم الحيوانات، لكنه يطلب الطاعة. هذا ما يؤكده الرسول بقوله: "لِذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلَكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا. بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ... ثُمَّ قال: هَنَذَا أَجِيءُ. لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ" [٥-٧]. كأن الله لا يشتهي الذبائح الحيوانية، وإنما يطلبها كرمزٍ للابن المتجسد، الذي صار جسدًا، مقدمًا الطاعة لمشيئة الآب بالتمام حتى الموت موت الصليب متقدس في الابن القدوس. "فَبِهَذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً" [١٠].

الدليل الثاني:

وهو مكمل للسابق، حيث يعلن الرسول تكرار الذبائح الدموية الحيوانية يوميًا كعلامة العجز: "وَكُلُّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَارًا كَثِيرَةً تِلْكَ الذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ الْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ الْخَطِيَّةَ. وَأَمَّا هَذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ، مُنْتَظِرًا بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى تُوضَعَ أَعْدَاؤُهُ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْهِ. لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ" [١١-١٤].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص، قائلاً: [اخبرني ما الحاجة إلى ذبائح لو أن ذبيحة واحدة كافية؟! فتقديم ذبائح كثيرة على الدوام يؤكد أن (العابدين) لم يتطهروا قط، وذلك كالدواء متى كان قويًا وجالبًا الصحة يحطم المرض تمامًا، وأن ذلك يتم بعد استخدامه مرة واحدة دون تكرار... فإعادة طلب الدواء باستمرار برهان أكيد على ضعف مفعوله. الدواء الممتاز يستخدم مرة واحدة ولا يتكرر. هكذا أيضًا في هذا الأمر لماذا يُعالج هؤلاء باستخدام الذبائح عينها باستمرار؟ فلو أنهم كانوا قد تحرروا من كل خطاياهم لما كانت الذبائح تتكرر كل يوم. لقد رسم لهم أن يقدموا ذبائح دائمة مساءً ونهارًا. هذا لا يعني حدوث تحرر من الخطايا إنما اتهام وتأكيد لوجودها. ما يحدث ليس استعراضًا لقوة الذبائح بل اتهام لضعفها. فالذبيحة الأولى لا تخمل قوة فتقدم الثانية، والثانية بلا فاعلية فيقدم غيرها، هذا كان شهادة عن وجود الخطايا. بحق كانت التقدمات شهادة عن الضعف، استمرارها دليل ضعفها. أما بالنسبة للسيد المسيح فكان الأمر مختلفًا.]

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم عن ذبيحة الإفخارستيا اليومية، هل ذبائح للصليب متكررة، ويجيب: [إنها ليست ذبيحة أخرى كما كان رئيس الكهنة يفعل؛ إنما نقدم على الدوام ذات الذبيحة، أو بالأحرى نتمم تذكار (أنامنسيس) الذبيحة.] وقد سبق لنا في دراستنا عن سرّ الإفخارستيا تأكيد هذه الحقيقة أن ذبيحة الإفخارستيا ذبيحة حقة، لكنها ليست تكرارًا بل ذات ذبيحة الصليب القائمة والتي لا تقدم ولا تتكرر.

2. قوة الذبيحة الفريدة الواحدة:

يقابل الذبائح المتكررة ذبيحة السيد المسيح الواحدة الفريدة: "وَأَمَّا هَذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ، مُنْتَظِرًا بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى تُوضَعَ أَعْدَاؤُهُ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْهِ. لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ" [١٢-١٤]. جلوس السيد المسيح كذبيحٍ عن يمين الآب في السماوات منتظرًا وضع أعدائه تحت قدميه شهادة حية عن قوة الذبيحة المحيية التي تعمل على الدوام لمصالحة البشرية لكي يدخل بالمؤمنين إلى حضن الآب معلنًا النصرة على الشيطان وكل أعماله النجسة خلالهم. فالسيد ليس بمحتاج أن يعلن عن جلوسه عن يمين أبيه إذ هو واحد معه، لكن ما صنعه إنما يتحقق باسم كنيسته عبر العصور.

إنه "القربان" الواحد الجالس عن يمين الآب لا يتكرر، يعمل بغير انقطاع لنصرتنا وتحررنا من الخطية. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [مادام قد غفر الخطايا خلال الذبيحة الواحدة فلا حاجة إلى ذبيحة ثانية.]

مرة أخرى يؤكد الرسول بولس أنه حيث تستطيع ذبيحة العهد الجديد أن تدخل إلى القلب وتعمل في الذهن لتطهير الأعماق فلا حاجة بعد إلى ذبيحة أخرى. "هَذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَهُمْ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي قُلُوبِهِمْ وَأَكْتُبُهَا فِي أَذْهَانِهِمْ وَلَنْ أَذْكُرَ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ. وَإِنَّمَا حَيْثُ تَكُونُ مَغْفِرَةٌ لِهَذِهِ لاَ يَكُونُ بَعْدُ قُرْبَانٌ عَنِ الْخَطِيَّةِ" [١٦-١٨].




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 10 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 10 جـ2 PDF Print Email

3. الدخول إلى الأقداس

"فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ، طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا، بِالْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ، وَكَاهِنٌ عَظِيمٌ عَلَى بَيْتِ اللهِ" [١٩-٢١].

يحدثهم الرسول كإخوة ارتبطوا معًا بروح الأخوة بثبوتهم في المسيح يسوع الكاهن والذبيحة، إذ صارت لهم ثقة أو دالة للدخول إلى الأقداس باستحقاقات دم المسيح، خلال عضويتنا في جسده المقدس، الحجاب الذي انشق بالموت لكي يدخل بنا إلى قدس الأقداس، والكاهن القادر وحده أن يقدمنا إلى سماواته.

يحدثنا القديس أثناسيوس الرسولي عن هذا الجسد المبذول كطريق لعبورنا إلى الأقداس، قائلاً: [إذ بسط يديه على الصليب طرح رئيس سلطان الهواء الذي يعمل الآب في أبناء المعصية (أف ٢: ٢) مهيئًا طريق السماوات لنا.]

بذبيحة الصليب المحطمة لسلطان إبليس وهادمة للخطية صار لنا الثقة أو الجسارة في التمتع بالسماء، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من أين الجسارة؟ ان كانت الخطية تجلب خزيًا فإن غفرانها وتمتعنا بشركة الميراث وبالحب العظيم يجلب لنا الدالة (أو الجسارة).]

إذ قدم الله الناموس بذبائحه القديمة إنما مهَّد الطريق لتقبل ذبيحة جسد السيد المسيح الذي وحده يرفع قلوبنا إلى السماوات، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [بالناموس نحصد محصول الأسرار كسلم نصعد به من السفليات إلى العلويات، ونرتفع به من الأرضيات إلى السماويات. الآن لتصعد - ما استطعت - فوق الأفكار الأرضية خلال التأمل والبصيرة الداخلية التي للقلب. لتنسى الأرض وتصعد إلى سحب السماء... لتبحث عن خيمة الله (الكنيسة) حيث دخل يسوع ليعد لنا طريقنا، فيظهر أمام وجه الله يشفع لأجلنا.]

صار لنا الثقة أو الجسارة للدخول إلى "الأقداس"، أي مقدسات الله. هنا لا يقول "قدس الأقداس" أو "القدس"، إذ انفتح الاثنان معًا ولم يعد بعد بينهما حجاب يفصلهما عن بعضهما البعض. في استحقاقات الدم انفتحت حياتنا السماوية هنا أي على الأرض على الحياة السماوية المستقبلة؛ انفتح القدس (عبادتنا الحاضرة) على قدس الأقداس (العبادة الأبدية).

أما الطريق الذي انفتح فهو جسده بكونه الحجاب الذي انشق على الصليب وارتفع جسد الرب فانشق حجاب الهيكل الفاصل بين القدس وقدس الأقداس، صار جسده هو سرّ انفتاح الأقداس علينا أو انطلاقنا نحن إليها، إذ صار لنا فيه موضع كأعضاء جسده المقدس، لنا حق التمتع بالسماويات، جسده هو الحجاب الذي اختفى وراءه اللاهوت حتى نقدر أن نلتقي به ونتعرف على أسراره الإلهية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حين رُفع جسده إلى العلى ظهرت الأمور التي في السماء.] كما يقول أنه في العهد القديم كان رئيس الكهنة يدخل قدس الأقداس بينما يبقى الكل خارجًا، أما الآن فإننا ندخل مع رئيس كهنتنا. دخول رئيس الكهنة وحده قدس الأقداس دون الشعب كان علامة انغلاق طريق الأقداس أمام البشرية، أما الآن فدخول السيد المسيح إلى السماء وجلوسه عن يمين العظمة حاملاً طبيعتنا هو إعلان عن انفتاح طريق الأقداس بالنسبة لنا.

يحدثنا البابا أثناسيوس الرسولي عن جسد السيد المسيح المرتفع على الصليب كمن هو في الهواء حتى يحطم رئيس سلطان الهواء إبليس (أف ٢: ٢)، فاتحًا الطريق لنا نحو السماوات، إذ يقول: [إن كان الشيطان عدو جنسنا قد سقط من السماء وتحوّل إلى مجالنا السفلي فقد صار له سلطان على الأرواح زملائه الذين يستخدمهم كأتباعه يعملون بالخداعات لأجل المعصية. لا يعملون فقط في الذين ينخدعون وإنما يحاولون إعاقة المرتفعين إلى فوق، وكما يقول الرسول: "حسب رئيس سلطان الهواء، الرب الذي يعمل الآن في أبناء المعصية" (أف ٢: ٢). لقد جاء الرب ليطرد الشيطان ويطهِّر الهواء منه، مهيئًا الطريق إلى السماء وذلك "بالحجاب أي جسده" (عب ١٠: ٢٠). كقول الرسول: أي نوع من الموت يقدر أن يحقق هذا، إلاَّ الموت الذي يتم في الهواء، أقصد بالصليب!... لقد لاق جدًا أن يحتمل الرب هذا الموت، فبرفعه (على الصليب) طهر الهواء من شر إبليس وكل أنواع الشياطين، إذ يقول: "رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء" (لو ١٠: ١٨)، بهذا صنع افتتاحًا جديدًا لطريق السماء، إذ يقول أيضًا: "ارفعوا أبوابكم أيها الرؤساء ولترتفع الأبواب الدهرية" (مز ٢٤: ٧ - السبعينية). فإن الكلمة لم يكن في حاجة إلى فتح الأبواب إذ هو رب الكل، ولا يُغلق شيء من أعماله أمامه، إنما نحن الذين في حاجة إلى فتح الأبواب، إذ حملنا في جسده. لقد قدم الموت لحسابنا، ممهدًا لنا الطريق إلى السماوات.]

يرد القديس أثناسيوس على الأريوسيين الذين يدعون أن السيد المسيح مخلوق بسبب جسده، قائلاً بأن هذا الجسد الذي أخذه الكلمة يخلص البشر من الموت، ويفديهم من الخطايا، ويفتح لهم أبواب السماء. [الذين لا يريدون أن يعبدوا الكلمة الذي صار جسدًا يجحدون تأنسه... لا يمكن فصل الكلمة عن الجسد.] كأنه إذ يقول الرسول أن طريق الأقداس قد فتح بجسده، لا يمكن أن تعزل الجسد عن الكلمة، إذ هو شخص واحد، كلمة الله المتجسد.

هذا الطريق المفتوح لنا ننعم به في مياه المعمودية حيث نتحد مع مسيحنا كأعضاء في جسده، إذ يقول: "لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ" [٢٢].

الجهاد المستمر

إيماننا بدم السيد المسيح هو الطريق الذي يهبنا الرجاء اليقين لدخولنا الأقداس، هذا الرجاء ينبغي أن يكون ملتحمًا مع ضميرنا الصالح بعيدًا عن الشر، مع الالتزام بالجهاد المستمر في حياة البرّ خاصة المحبة. وكأن الإيمان ليكون حيًا وفعّالاً يلزم أن يكون ملتحمًا بالرجاء مع المحبة، إذ يقول: "لنتقدم في يقين الإيمان... لنتمسك بإقرار الرجاء راسخًًا... ولنلاحظ بعضنا بعضًا للتحريض على المحبة" [٢٢-٢٤]. الإيمان يهبنا الدخول إلى الطريق، والرجاء يفتح القلب لمعاينته بفرح، والمحبة هي سمة الطريق ذاته!

من أعمال المحبة: "وَلْنُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضًا لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ" [٢٤]. أي يسند أحدنا الآخر خلال المحبة وأعمال الخير. فالجهاد يكون قانونيًا باجتماعنا معًا بروح المحبة كأعضاء بعضنا لبعض، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بهذا يكون اجتماع الكنيسة كلها قويًا، إذ ما لا يستطيع الإنسان أن يفعله بمفرده يقدر أن يتممه خلال التصاقه ببقية الكنيسة. لهذا فالصلوات (الجماعية) المرتفعة هنا عن العالم وعن الكنيسة من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها لأجل سلام الذين هم في ضيقة أمر ضروري.]

يعود فيؤكد الرسول ضرورة الجهاد بروح جماعية، قائلاً: "غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ، بَلْ وَاعِظِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَبِالأَكْثَرِ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ الْيَوْمَ يَقْرُبُ" [٢٥]. وقد استخدم القديس يوحنا الذهبي الفم هذه العبارة في مدح الكنيسة الجماعية ونبذ روح العزلة عن الجماعة، قائلاً: [ليس شر عظيم هكذا مثل العزلة وبقاء الإنسان خارج الجماعة بلا اتصال.] حقًا ما أنفع الروح الجماعية، فإنها تسند كل عضو دون أن تفقده علاقته الشخصية مع إلهه!

أخيرًا يحذرنا الرسول نحن الذين تمتعنا بفاعلية دم السيد المسيح من السقوط في العصيان، لأن: "مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى فَعَلَى شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَمُوتُ بِدُونِ رَأْفَةٍ. فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟!" [٢٨-٢٩] ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص بقوله:

[كيف تدوس ابن الله؟... الذين يخطئون لا يعطون المسيح اعتبارًا... لقد صرت جسد المسيح، فهل تسلم نفسك للشيطان، ليطأ عليك تحت قدميه؟!]

كما يقول: [مثل هذا الإنسان يستحق عقابًا أعظم، ومع هذا فإن الله يفتح له أبواب التوبة ويقدم له وسائل كثيرة لغسل معاصيه.]

إن كان السيد المسيح بدمه فتح لنا باب الرجاء على مصراعيه، فلا يعني هذا استهانتنا بالمراحم الإلهية وطول أناة الله علينا. وكما يقول الرسول بولس: "أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة؛ ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تدخر لنفسك غضبًا في يوم الغضپ وإستعلان دينونة الله، الذي سيجازي كل واحدٍ حسب أعماله" (رو ٢: ٤ - ٦).

بعد أن قدم الوصايا كشف لهم جانبًا من جوانب جهادهم لأجل تشجيعهم، كعادة الرسول الذي يقرن توبيخاته بالمدح، وحزمه بالحب وشدته بالرجاء، إذ يقول: "وَلَكِنْ تَذَكَّرُوا الأَيَّامَ السَّالِفَةَ الَّتِي فِيهَا بَعْدَمَا أُنِرْتُمْ صَبِرْتُمْ عَلَى مُجَاهَدَةِ آلاَمٍ كَثِيرَةٍ" [٣٢]. بعدما نالوا المعمودية أي سرّ الاستنارة صبروا على الجهاد في آلام كثيرة خاصة من بني جنسهم اليهود، وقد قبلوا الآلام ليس بجهادٍ وصبرٍ فحسب، وإنما بفرح روحي، إذ يقول: "لأَنَّكُمْ رَثَيْتُمْ لِقُيُودِي أَيْضًا، وَقَبِلْتُمْ سَلْبَ أَمْوَالِكُمْ بِفَرَحٍ، عَالِمِينَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنَّ لَكُمْ مَالاً أَفْضَلَ فِي السَّمَاوَاتِ وَبَاقِيًا" [٣٤].

علامة تقدمهم الروحي أنهم قبلوا الآلام بفرح وكما يقول العلامة أوريجينوس: [الفرح هو أحد ثمار الروح الواردة في الكتاب المقدس؛ ففي الرب تبتهج نفسي؛ إذ تبتهج نفسي بالرجاء، تبتهج باحتمال الظلم لأجل اسمه في كل المناسبات، مقدمًا باكورة الفرح لله بواسطة الكاهن الأعظم الحقيقي.]

أما سرّ فرحهم في احتمال الظلم وسلب أموالهم فهو التمتع بالمكافأة السماوية. لقد وضعوا ثقتهم بإيمان في الأقداس السماوية متمسكين بإقرار الرجاء راسخًا إلى النهاية. لقد احتملوا آلام الحب الحاضرة بصبرٍ وفرحٍ، منتظرين سرعة مجيء السيد المسيح الآتي ليأخذهم معه إلى الأقداس.



1 لان الناموس اذ له ظل الخيرات العتيدة لا نفس صورة الاشياء لا يقدر ابدا بنفس الذبائح كل سنة التي يقدمونها على الدوام ان يكمل الذين يتقدمون
2 و الا افما زالت تقدم من اجل ان الخادمين و هم مطهرون مرة لا يكون لهم ايضا ضمير خطايا
3 لكن فيها كل سنة ذكر خطايا
4 لانه لا يمكن ان دم ثيران و تيوس يرفع خطايا
5 لذلك عند دخوله الى العالم يقول ذبيحة و قربانا لم ترد و لكن هيات لي جسدا
6 بمحرقات و ذبائح للخطية لم تسر
7 ثم قلت هانذا اجيء في درج الكتاب مكتوب عني لافعل مشيئتك يا الله
8 اذ يقول انفا انك ذبيحة و قربانا و محرقات و ذبائح للخطية لم ترد و لا سررت بها التي تقدم حسب الناموس
9 ثم قال هانذا اجيء لافعل مشيئتك يا الله ينزع الاول لكي يثبت الثاني
10 فبهذه المشيئة نحن مقدسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة
11 و كل كاهن يقوم كل يوم يخدم و يقدم مرارا كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة ان تنزع الخطية
12 و اما هذا فبعدما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس الى الابد عن يمين الله
13 منتظرا بعد ذلك حتى توضع اعداؤه موطئا لقدميه
14 لانه بقربان واحد قد اكمل الى الابد المقدسين
15 و يشهد لنا الروح القدس ايضا لانه بعدما قال سابقا
16 هذا هو العهد الذي اعهده معهم بعد تلك الايام يقول الرب اجعل نواميسي في قلوبهم و اكتبها في اذهانهم
17 و لن اذكر خطاياهم و تعدياتهم في ما بعد
18 و انما حيث تكون مغفرة لهذه لا يكون بعد قربان عن الخطية
19 فاذ لنا ايها الاخوة ثقة بالدخول الى الاقداس بدم يسوع
20 طريقا كرسه لنا حديثا حيا بالحجاب اي جسده
21 و كاهن عظيم على بيت الله
22 لنتقدم بقلب صادق في يقين الايمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير و مغتسلة اجسادنا بماء نقي
23 لنتمسك باقرار الرجاء راسخا لان الذي وعد هو امين
24 و لنلاحظ بعضنا بعضا للتحريض على المحبة و الاعمال الحسنة
25 غير تاركين اجتماعنا كما لقوم عادة بل واعظين بعضنا بعضا و بالاكثر على قدر ما ترون اليوم يقرب
26 فانه ان اخطانا باختيارنا بعدما اخذنا معرفة الحق لا تبقى بعد ذبيحة عن الخطايا
27 بل قبول دينونة مخيف و غيرة نار عتيدة ان تاكل المضادين
28 من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين او ثلاثة شهود يموت بدون رافة
29 فكم عقابا اشر تظنون انه يحسب مستحقا من داس ابن الله و حسب دم العهد الذي قدس به دنسا و ازدرى بروح النعمة
30 فاننا نعرف الذي قال لي الانتقام انا اجازي يقول الرب و ايضا الرب يدين شعبه
31 مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي
32 و لكن تذكروا الايام السالفة التي فيها بعدما انرتم صبرتم على مجاهدة الام كثيرة
33 من جهة مشهورين بتعييرات و ضيقات و من جهة صائرين شركاء الذين تصرف فيهم هكذا
34 لانكم رثيتم لقيودي ايضا و قبلتم سلب اموالكم بفرح عالمين في انفسكم ان لكم مالا افضل في السماوات و باقيا
35 فلا تطرحوا ثقتكم التي لها مجازاة عظيمة
36 لانكم تحتاجون الى الصبر حتى اذا صنعتم مشيئة الله تنالون الموعد
37 لانه بعد قليل جدا سياتي الاتي و لا يبطئ
38 اما البار فبالايمان يحيا و ان ارتد لا تسر به نفسي
39 و اما نحن فلسنا من الارتداد للهلاك بل من الايمان لاقتناء النفس




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 10 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسبر رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 11 جـ1 PDF Print Email

الإيمان

يعتبر هذا الأصحاح تطبيقًا عمليًا من واقع رجال العهد القديم المؤمنين، فبعد أن تحدث الرسول عن السيد المسيح كرئيس الكهنة الذي فتح الأقداس السماوية، مقارنًا بين خدمة الكهنوت اللاوي والكهنوت الجديد، يؤكد ضرورة الإيمان كطريق للتمتع بهذه المقادس السماوية المفتوحة للبشرية كلها في المسيح يسوع.

1. ما هو الإيمان؟ ١ - ٣.

2. رجال الإيمان ٤ - ١٢.

3. الإيمان بالوطن السماوي ١٣ - ١٥.

4. رجال الإيمان (يتبع) ١٦ - ٣٩.

1. ما هو الإيمان؟

"وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى. فَإِنَّهُ فِي هَذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ" [١-٢].


الإيمان هو الثقة بالمقدسات الإلهية غير المنظورة كحقائق واقعة وحاضرة، فيحيا الإنسان في يقين من جهة الأمور غير المنظورة ولا ملموسة بالحواس.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الإيمان هو رؤية واضحة للأمور وتأكد كامل من جهة غير المنظورات كأنها من المنظورات.] كما يقول: [سأوضح الأمر بأمثلة... فقد قال الرب أن من يترك أبًا أو أمًا أو إخوة أو أخوات يصير له أباء وأمهات، فنرى ذلك القول أنه يتحقق فعلاً. وأيضًا إذ يقول: "في العالم يكون ضيق لكن ثقوا (افرحوا) أنا قد غلبت العالم" (يو ١٦: ٣٣)، بمعنى أنه لا يغلبك أحد، هذا يدركه (المؤمن) أنه حقيقة واقعة. وأيضًا عندما يقول أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة (مت ١٦: ١٨) حتى وإن كانت مُضطهدة، وأنه لا يستطيع أحد أن يوقف الكرازة، يدرك أن هذه النبوة حقيقة واقعة مع أن هذا قيل في وقت كان يصعب فيها تصديقها.] بالإيمان قبلنا وصايا الله الصعبة ومواعيده التي يبرهن على صدقها لا بكلمات وإنما بخبرة عملية عند ممارستها. بالإيمان نسلكها ونتقبل مواعيدها التي تبدو غير معقولة لكننا نكتشف صدقها خلال الخبرة. لهذا [يتطلب الإيمان نفسًا نشطة ومملوءة غيرة، تسمو فوق الأمور الحسية وتعبر فوق كل تعقلات بشرية، فإنه لا يمكن أن تصير مؤمنة إن لم ترتفع فوق العادات العامة التي للعالم.]

ولما كان الرسول يتحدث إلى مسيحيين من أصل عبراني لهذا قال: "فَإِنَّهُ فِي هَذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ" [٢]؛ وكأنه يقول لهم إن هذا الأمر ليس بغريبٍ عنكم، فقد اختبره آباؤكم. تاريخهم العبراني هو خير شاهد لحياة الإيمان. كأن الرسول يضع أمامهم أسفار العهد القديم ليتصفح معهم حياة الإيمان كما عاشتها كنيسة العهد القديم.

لقد بدأ العهد القديم بإعلان الله كخالق "بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ" [٣]. فإن رجال العهد الجديد لا يستطيعوا أن يتقبلوا السيد المسيح "كلمة الله المتجسد" كمخلص ومجدد طبيعتهم الداخلية بروحه القدوس، ما لم يتقبلوا الأساس الأول أن الله هو الخالق بكلمته. فالكلمة الذي يخلق هو وحده يقدر أن يجدد الخلقة بعد أن فسدت.

يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [الله صالح، أو بالحري الصلاح في جوهره... خلق كل شيء من العدم بكلمته الذاتية، يسوع المسيح ربنا.] وبه أيضًا جدد الخلقة وخلصها ويرى أيضًا في هذه العبارة الرسولية أن الله هو الخالق ليس من يبلغ قياسه، كائن قبل كل الدهور، به جاء الزمن.

2. رجال الإيمان

ينتقل من الأساس الأول للإيمان بكلمة الله الخالق الأزلي، إلى أمثلة عملية لرجاء الإيمان في العهد القديم، وكأن إيمان الكنيسة ما هو إلاَّ امتداد لرجال الكنيسة الأولى قبل التجسد. ولعله ذكر هذه الأمثال لأن الرسول بولس - كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم - أراد أن يعلن لهم أن العبرانيين قد بدأوا حياتهم مع الله بالإيمان خلال أشكال مختلفة، لكن للأسف كملوا في ضعف بقلوب فاترة في الإيمان.

وقد لاحظ القديس أثناسيوس الرسولي الذي قضى أغلب حياته الرعوية في جهاد من أجل الإيمان المستقيم، وغالبًا ما كان يضطر أن يترك كرسيه ويهرب من الأريوسيين الذين صمموا على قتله، أن الجهاد من أجل الإيمان لا يقل عن الاستشهاد. وأن رجال الإيمان الذين ذكرهم الرسول هنا غالبيتهم لم يستشهدوا لكنهم عاشوا رجال إيمان. يقول القديس: [لا تقوم تزكية الشهيد على مجرد رفضه للتبخير للأوثان وإنما على رفضه إنكار الإيمان، فإن هذا يمثل شهادة واضحة عن الضمير الصالح. هذا ولا يُدان فقط الذين ينجرفون إلى عبادة الأوثان كغرباء وإنما يُدان أيضًا الذين يخونوا الإيمان.] كما يمتدح الإيمان قائلاً: [إبراهيم الأب البطريرك قد قبل الإكليل ليس لأنه تألم حتى الموت، وإنما لأنه آمن بالله، وأيضًا القديسون الذين ذكرهم بولس من جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والبقية لم يتكملوا بسفك دمائهم، إنما تبرروا بالإيمان، إذ كانوا مستعدين أن يحتملوا الموت من أجل التقوى نحو الله.]

قدم بولس الرسول الأمثلة التالية من عظماء المؤمنين والمؤمنات:

أ. هابيل

إنه المثل الأول لرجال الإيمان، لا يقوم على أساس حياته الخاصة وإنما يقول الرسول: "بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ لِلَّهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ، فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!" [٤] لقد شهد الله ببره ليس لأفضلية حياته أو أعماله الخاصة عما لقايين، وإنما لأفضلية ذبيحته عن قرابين قايين. لقد قدم قايين من ثمرات الأرض قربانًا، لكن الله اشتم رائحة الرضا في الذبيحة الدموية التي لهابيل. كانت تحمل رائحة السيد المسيح على الصليب وظلالها. هذا هو أساس إيماننا أن كلمة الله الخالق يجددنا نحن خليقته خلال الدم الثمين، فنقدم حياتنا ذبيحة حب خلال إتحادنا بالذبيح الحق، بهذا نصير كهابيل الذي صار هو نفسه كذبيحة وهو مرفوض من أخيه.

كأن الرسول يحدث المسيحيين العبرانيين المطرودين من الهيكل، أنهم قد صاروا كهابيل المرفوض من أخيه من أجل الذبيحة المقبولة لدى الله الآب، ذبيحة السيد المسيح. لهذا وإن حاول إخوتهم أن ينهوا حياتهم لكن صوتهم يبقى مدويًا، وشهادتهم لا يمكن كتمانها بالموت، ولا للزمن أن يحطمها. لا يزال صوت هابيل عاليًا يعلن عن قبول الله ذبيحته الدموية، ويبقى صوت المؤمنين المرذولين والمضطهدين صارخًا يشهد للحق بغير انقطاع.

ب. أخنوخ:

"بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ - إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ" [٥]. إن كان هابيل بإيمانه أعلن عن سرّ ذبيحة المسيح المقبولة عنده، وقبولنا الموت معه كل يوم، فإن حياة أخنوخ حملت بالإيمان صورة حية للكنيسة السماوية الفائقة، والتي تعلو فوق الحياة البشرية الطبيعية، تشهد لسيرتها أمام العالم، لهذا ينقلها الرب إليه لتحيا معه شريكة في أمجاده. يقول الرسول: "فإن سيرتنا نحن هي في السماوات، التي منها ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع، الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده".

بالإيمان نتمتع بالحياة السماوية كأعضاء في كنيسة الله المقبولة لدى عريسها، "وَلَكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ" [٦].

ليت قلبنا يكون بحق كأخنوخ يؤمن بالله فيُنقل إلى فوق لينتظر المجازاة للذين يطلبونه، التي هي بحق اقتناء ربنا يسوع. هذه هي مكافأة النفس التي تطلبه... إنها تناله وتوجد معه في سماواته وأمجاده الأبدية في حضن الآب السماوي.

ج. نوح:

إن كان هابيل يعلن في إيمانه الذبيحة الفريدة التي لا تصمت قط عن الشهادة للحق فينا، وأخنوخ يمثل الكنيسة المرتفعة إلى عريسها لكي تحيا في السماويات عبر وجودها بالجسد على الأرض، فإن نوحًا يمثل إيمانه إدانة العالم الذي رفض الدخول في الفلك، فإنه لا خلاص خارج الفلك، ولا تمتع بالحياة الجديدة إلى خلال مياه المعمودية. "بِالإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تُرَ بَعْدُ خَافَ، فَبَنَى فُلْكًا لِخَلاَصِ بَيْتِهِ، فَبِهِ دَانَ الْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الإِيمَانِ" [٧]. إن كانت الكنيسة تمتع بالخلاص في الصليب كما في فلك نوح وسط مياه المعمودية، فإن هذا الخلاص إنما يدين العالم.

لقد اعتاد الآباء أن يقيموا الكنيسة غالبًا على شكل فلك نوح علامة العبور من العالم القديم إلى الحياة الجديدة... وقد سبق لنا الحديث في شيء من التفصيل عن الكنيسة وعلاقتها بفلك نوح، مستندًا على كتابات الآباء الأولين.

د. إبراهيم:


قدم كل أب من الآباء جانبًا من جوانب الإيمان، هابيل قدم الجانب الإلهي وهو تقديم الذبيحة المقدسة، أي تقديم حمل الله، وأخنوخ كشف عن طبيعة الكنيسة المؤمنة ألا وهو الجانب السماوي، ونوح أعلن أنه لا خلاص خارج الكنيسة المقدسة، أما إبراهيم فقدم الجانب العملي للإيمان وهو الطاعة لله بجانب جوانب متفاعلة معًا. لقد آمن إبراهيم أب الآباء عمليًا فترك الملموسات والمنظورات في ثقة في وعود الله التي لم تكن ملموسة ولا منظورة. يقول الرسول: "بِالإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي. بِالإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ الْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهَذَا الْمَوْعِدِ عَيْنِهِ. لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ" [٨-١٠]. لقد أطاع أن يخرج الذي كان عتيدًا أن يتمتع بالميراث، فخرج وهو لا يعلم إلى أين يذهب. الإيمان هو الذي قاده! لم يسمع من قبل عن أمثلة إيمانية حيَّة يقتدي بها إلاَّ ما قد تسلمه بالتقليد عن هابيل وأخنوخ ونوح، ليس بين يديه كتاب مقدس ولا شريعة مستلمة ولا من يرشده أو نبي أو كاهن، لكن الإيمان أنار له الطريق؛ وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان أبوه أمميًا وعابد وثن، ولم يسمع أنبياء ولا عرف أين يذهب.] بالإيمان لم ينل أرض موعد، لكنه وثق أن نسله يرث الأرض التي يسير عليها كغريبٍ هو وابنه إسحق وحفيده يعقوب، وكان غير مضطرب وبلا هم، متأكدًا من تحقيق مواعيد الله في الأجيال القادمة الخارجة من صلبه.

ه. سارة:

كما قدم لنا الرسول رجال إيمان هكذا يقدم لنا أمثلة حية لنساء مؤمنات مثل سارة التي تمثل الكنيسة المؤمنة بالله واهب القيامة. "بِالإِيمَانِ سَارَةُ نَفْسُهَا أَيْضًا أَخَذَتْ قُدْرَةً عَلَى إِنْشَاءِ نَسْلٍ، وَبَعْدَ وَقْتِ السِّنِّ وَلَدَتْ، إِذْ حَسِبَتِ الَّذِي وَعَدَ صَادِقًا. لِذَلِكَ وُلِدَ أَيْضًا مِنْ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ مِنْ مُمَاتٍ، مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ، وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُعَدُّ" [١١-١٢].

إن كان رجال الإيمان قد ابتدأوا بهابيل الصديق ليعلن الوحي الإلهي ذبيحة السيد المسيح التي لن تصمت بل تبقى عاملة عبر الأجيال، فإن النساء المؤمنات يبتدئن بسارة الأم المباركة التي كانت في حكم الموت، كانت أحشاؤها عاقرًا غير قادرة على الإنجاب ويؤكد موتها شيخوختها! لقد نالت بالإيمان قوة القيامة لتنجب من الأحشاء الميتة أولادًا لله مثل نجوم السماء ورمل شاطيء البحر الذي لا يُعد! لقد قال القديس يوحنا المعمدان لليهود: "لا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا، لأني أقول لكم ان الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم" (مت ٣: ٩). هذا القول لم يكن حديث مبالغة فقد أقام الله بالفعل من الحجارة أولادًا لإبراهيم، إذ كانت أحشاء سارة أشبه بالحجارة التي لا تنجب، في حكم الجماد من جهة إمكانية الإنجاب، وبالإيمان وهبها الله أن يقيم لها من الحجارة أولادًا لإبراهيم. هذا هو إيمان سارة في قيامة السيد المسيح الذي بقيامته أقام من الحجارة أولادًا لإبراهيم ولا يزال يقيم! لقد كان آباؤنا من الأمم كالحجارة إذ يعبدون الوثن الحجري، وتحولوا إلى أولاد إبراهيم بل أولاد الله! لقد حوَّل الإيمان القلوب الحجرية إلى أولاد الله الحيّ!).




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 11 جـ2 PDF Print Email

3. الإيمان بالوطن السماوي:

إذ طُرد المؤمنون من الهيكل اليهودي وحرموا من ممارسة العبادة الجماعية مع إخوتهم، فإن الرسول يرفع أعينهم إلى هيكل آخر سماوي وعبادة على مستوى ملائكي، ليدركوا أن ما فقدوه من منظورات لا يقارن أمام ما يتمتعون به في عالم غير المنظورات. هذا ليس بأمر خيالي، إنما هو حياة إيمانية تمثل امتدادًا للحياة التي عاشها آباؤهم، محتملين الحرمان من الكثير، لينعموا بالمواعيد السماوية. يقول الرسول: "فِي الإِيمَانِ مَاتَ هَؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ. فَإِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِثْلَ هَذَا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ وَطَنًا. فَلَوْ ذَكَرُوا ذَلِكَ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، لَكَانَ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلرُّجُوعِ. وَلَكِنِ الآنَ يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا. لِذَلِكَ لاَ يَسْتَحِي بِهِمِ اللهُ أَنْ يُدْعَى إِلَهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ مَدِينَةً" [١٣-١٦].

هكذا يؤكد الرسول أن رجال العهد القديم، ليس كما يظن البعض قد وضعوا رجاءهم في مواعيد زمنية، وإنما رأوا الوطن السماوي والمواعيد الأبدية مختفية وراء المواعيد الزمنية. لقد تطلعوا بالإيمان إلى وعود الله الأبدية فصدقوها بالإيمان وحيّوها بالعمل الجاد للتمتع بها ولهيب قلبهم الذي لا ينقطع في الشوق إليها. لقد أحسوا أمام هذه الوعود أنهم بحق هم غرباء ينتظرون العبور إلى وطنهم السماوي للتمتع بها، ليس من أمر زمني - مهما كانت قدرته - يستحق أن يسحب القلب إلى الوراء نحو الأرضيات. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا كانوا في أوجاع الطلق كل يوم، مشتاقين إلى التحرر من هذا العالم ليرجعوا إلى وطنهم. أما نحن فعلى العكس متى أصابتنا حمى نهمل كل شيء ونبكي كأطفالٍ صغار خائفين من الموت. لسنا بلا سبب نفعل هذا، فإننا إذ لا نعيش هنا كغرباء ولا نسرع نحو وطننا نكون كمن يذهب لينال العقوبة لهذا نحزن. إننا لا نسلك كما ينبغي لكننا نقلب الأوضاع رأسًا على عقب. نحزن حينما يليق الفرح، ونرتجف كالمجرمين ورؤساء العصابات عندما يُقدمون إلى كرسي القضاء، متذكرين ما ارتكبوه فيخافون ويرتعبون.]

يشتهي رجال الإيمان وطنهم السماوي، لهذا يُسر الله بهم، فيدعى إلههم لأنه أعد لهم المدينة السماوية التي فيها يجتمعون معه ويسكن هو في وسطهم إلى الأبد، يفرح بأولاده ويفرحون بأبيهم السماوي. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [آه! يا لعظم الكرامة! لقد وهبهم أن يدعى إلههم... فإنه يتمجد عندما يدعى إلها للصالحين والمترفقين والذين يهتمون بالفضيلة.] لقد سبق في دراستنا للعهد القديم أن رأينا الله يعتز بنسب نفسه إلهًا للمباركين ولا ينسب نفسه إلهًا للأشرار مع أنه إله الكل! ويحسب الشعب "شعبه" حينما يكون مقدسًا، أما عند صنعه الشر فلا يدعوه "شعبي" بل "الشعب" أو "شعبك" (شعب موسى

4. رجال الإيمان (يتبع):

إذ قطع الرسول حديثه عن أمثلة من رجال الإيمان ليؤكد غايتهم وهو التمتع بالوطن السماوي عاد ليعطي أمثلة من رجال ونساء العهد القديم:

أ. إبراهيم:

عاد الرسول يتحدث عن إبراهيم ليعلن إيمانه العجيب في مواعيد الله التي وُهبت له والتي جاءت كأنها متضاربة مع الأوامر الإلهية الصادرة إليه. لقد أعطاه الله وعدًا أن يبارك إسحق ابنه ليقيم منه نسلاً بلا عدد، وفي نفس الوقت يطلب إليه تقديم هذا الابن الوحيد والحبيب ابن الموعد ذبيحة. بالإيمان قبل أبونا إبراهيم الوعد بثقة وأطاع الأمر بغير اضطراب أو شك. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [سمع إبراهيم ما يضاد المواعيد من ذاك الذي وهبه إياها، ومع هذا لم يضطرب بل نفذ الأمر غير المنسجم مع المواعيد. حقًا طبقًا للحسابات البشرية الأمر غير منسجم مع المواعيد، لكن بالإيمان تظهر منسجمة معًا. كيف حدث هذا؟ لقد علمنا الرسول نفسه هذا بقوله: "حاسبًا أن الله قادر على إقامته من الأموات"، وذلك بذات الإيمان الذي كان له بأن الله يهبه (إسحق) مما لم يكن ويقيمه من الموت (إذ وهبه إياه خلال رحم سارة الميت فأقامه من العدم ووهبه حياة عوض الموت). لقد آمن أيضًا أنه سيقيمه بعد تقديمه ذبيحة. طبقًا للحسابات البشرية الأمران مستحيلان: أي إنجاب طفل من رحم ميت عقيم ومتقدم في الأيام، وإقامة إنسان ذبيح. إيمانه السابق قد أعد الطريق للأمور المقبلة.]

يعلق القديس أثناسيوس الرسولي على إيمان إبراهيم أب الآباء في تقديمه إسحق للرب قائلاً: [في تقديم ابنه تعبد لابن الله، إذ مع تقديم إسحق ذبيحة رأى المسيا في الكبش (تك ٢٢: ١٥) الذي قُدم ذبيحة لله عوضًا عنه، لقد جُرب الأب البطريرك في إسحق، لكنه على أي الأحوال لم يقدم ذبيحة من عيّن ذبيحة في إشعياء: "كشاة تُساق إلى الذبح، وكنعجة صامته أمام جازيها فلم يفتح فاه" (إش ٥٣: ٧)... لقد قبل الله إرادة (نية) مقدم الذبيحة لكنه منع الذبح، لأنه ما كان موت إسحق يقدر أن يهب للعالم الحرية وإنما هو موت المخلص وحده الذي َبِحُبُرِهِ شُفِينَا (إش ٥٣: ٥).]

هكذا بالإيمان قدم إبراهيم ابنه ذبيحة حب لله فرأى في الحمل الموثق بقرنيه صورة الفداء في حمل الله الذي يحمل خطية العالم. هذا ومن جانب آخر رأى في إسحق نفسه أيضًا صورة حية لعمل المسيح الفدائي، وقد اعتادت الكنيسة في كل خميس للعهد إذ تذكر تأسيس سرّ الإفخارستيا، تصلي بقسمة "ذبح إسحق" كرمز لذبيحة السيد المسيح على الصليب.

ب. إسحق:

"بِالإِيمَانِ إِسْحَاقُ بَارَكَ يَعْقُوبَ وَعِيسُو مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ عَتِيدَةٍ" [٢٠]. بارك إسحق المتغرب ابنيه يعقوب وعيسو ناظرًا إلى الأمور المستقبلة بوضوح. فقد قدّم ابنه يعقوب عن عيسو البكر جسديًا، لأن الأول قد صار في عيني الله بكرًا، مع أنه حسب الجسد هو الثاني. لقد حمل بهذا رمزًا لما هو عتيد أن يحدث فإن يسوع المسيح، آدم الثاني، صار بكرًا للبشرية وخسر آدم الأول البكورية، لأن آدم بعد سقوطه لم يكن قادرًا أن يرضي الله، أما رب المجد يسوع فهو موضع سرور الآب، فيه ننعم برضا الآب ويسر الآب بنا.

ج. يعقوب:

"بِالإِيمَانِ يَعْقُوبُ عِنْدَ مَوْتِهِ بَارَكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنِ ابْنَيْ يُوسُفَ، وَسَجَدَ عَلَى رَأْسِ عَصَاهُ" [٢١]. عندما بارك ابني يوسف وضع يعقوب يمينه على رأس الأصغر (إفرايم) ويساره على رأس الأكبر (منسي)، فصارت يداه أثناء تقديم البركة على شكل صليب، الأمر الذي أحزن قلب والدهما يوسف وحاول تصحيح الوضع، لكن يعقوب أصر على موقفه. بهذا وضع يمين البركة على الأصغر إفرايم، وليس على رأس البكر جسديًا منسى... وكأن البكورية لا تعطى حسب الجسد وإنما هي عطية توهب مجانًا لمن يستحقها روحيًا. كأن يعقوب يكرر ما فعله أبوه إسحق حين باركه وهو الأصغر. ومن ناحية أخرى أعلن أبونا يعقوب أن كل بركة روحية تحل علينا إنما هي خلال علامة الصليب وكما يتحدث القديس هيبوليتس عن فاعلية الصليب وبركته فينا: [الصليب هو سلم يعقوب، هذه الشجرة ذات الأبعاد السماوية ارتفعت من الأرض حتى السماء، أقامت ذاتها غرسًا أبديًا بين السماء والأرض، لكي ترفع المسكونة... وتضم معًا أنواعًا مختلفة من الطبيعة البشرية.]

أما سجوده على رأس عصاه فكان إشارة إلى سجوده للصليب.

د. يوسف:

"بِالإِيمَانِ يُوسُفُ عِنْدَ مَوْتِهِ ذَكَرَ خُرُوجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَوْصَى مِنْ جِهَةِ عِظَامِهِ" [٢٢]. سمع يوسف الوعد الإلهي لجده إبراهيم فآمن أن الله لن يترك شعبه متغربًا، لهذا بالإيمان أوصى بعظامه عند الخروج إعلانًا عن شوقه للدخول إلى مواعيد الله خلال عظامه اليابسة. كان يوسف في مصر يعيش في مجدٍ، بكونه الرجل الثاني بعد فرعون، لكن القصر لم يشغله عن الوعد الإلهي، مشتركًا بالإيمان مع الشعب في الخروج خلال النية، كرمز للخروج من عبودية الخطية إلى الحياة الجديدة في المسيا المخلص.

ه. والدا موسى:

"بِالإِيمَانِ مُوسَى، بَعْدَمَا وُلِدَ، أَخْفَاهُ أَبَوَاهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، لأَنَّهُمَا رَأَيَا الصَّبِيَّ جَمِيلاً، وَلَمْ يَخْشَيَا أَمْرَ الْمَلِكِ" [٢٣]. لم ينسَ الرسول عند حديثه عن موسى النبي كرجل إيمان عظيم أن يبرز أولاً إيمان والديه. لقد قدم الرسول لنا والدين كمثالٍ بين أمثلة الإيمان حتى ندرك خطورة دور الأسرة في الحياة الإيمانية وعمل الوالدين الجسديين مع الأب الروحي في تهيئة الأجيال المؤمنة بحق. هذا أيضًا أبرزه الرسول حين كتب إلى تلميذه تيموثاوس يقول له: "أتذكر الإيمان العديم الرياء الذي فيك، الذي سكن أولاً في جدتك لوئيس وأمك أفنيكي، ولكن موقن أنه فيك أيضًا" (٢ تي ١: ٥).

لقد ظهر إيمان والدي موسى في إخفائهما الطفل ثلاثة أشهر، "لأنهما رأيا الصبي جميلاً"، وكما يقول الشماس اسطفانوس: "كان جميلاً جدًا". ماذا رأيا في وجهه إلاَّ انعكاس مجد السيد المسيح المقام من الأموات. فقد كان الطفل تحت حكم الموت، لأن فرعون طلب قتل كل الأطفال الذكور، لكن الوالدين استبقياه بإيمان أن جمالاً داخليًا يكمن فيه. لقد بقى ثلاثة شهور، ونحن نعلم أن رقم ٣ يشير إلى القيامة (حيث قام السيد في اليوم الثالث)، ليظهر بعد الشهور الثلاثة على وجه المياه، مقدسًا المياه لتهب المؤمن قوة القيامة معه.

لقد كان موسى جميلاً في أعينهما، لذا احتفظا به ثلاثة أشهر، وهكذا بالإيمان نحمل في داخلنا لا موسى بل ربه، مدركين أنه "أبرع جمالاً من بني البشرية"، نخفيه فينا ثلاثة أشهر حتى ننعم بالقيامة معه، فلا نوجد محمولين على مياه النهر بل على البحر الزجاجي في أورشليم العليا.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 11 جـ3 PDF Print Email


و. موسى

"بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية..." [٢٤]. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [إذ وُضعت السماء أمام موسى صار الإعجاب بقصر مصري أمرًا تافهًا... لقد حسب العار من أجل المسيح أفضل من الحياة السهلة، وهذا في ذاته يحمل مكافأة... لقد ألقى موسى بنفسه في مخاطر كثيرة بمحض اختياره في الوقت الذي كان في إمكانه أن يعيش متدينًا وهو يتمتع بالخيرات...، لكنه حسبه خطية ألاَّ يكون مستعدًا لاحتمال الآلام مع الغير، فصار احتماله للآلام خيرًا عظيمًا، ملقيًا بنفسه فيها تاركًا القصر الملكي. لقد فعل هذا لأنه رأى أمامه أمورًا عظيمة، حاسبًا عار المسيح أفضل من خزائن مصر.]

بالإيمان ترك موسى مصر غير خائف من غضب الملك، لقد هرب أولاً خائفًا من الملك لكي لا يجرب الرب وسط المخاطر بلا هدف، وعندما دُعي للعمل أطاع وعاد ليواجه فرعون بلا خوف.

"بِالإِيمَانِ صَنَعَ الْفِصْح،َ وَرَشَّ الدَّم،َ لِئَلاَّ يَمَسَّهُمُ الَّذِي أَهْلَكَ الأَبْكَارَ" [٢٨]. لقد قام موسى بهذا العمل بكونه رمزًا لعمل السيد المسيح الخلاصي، أي الفصح الحقيقي الذي عبر بنا من عبودية إبليس إلى حرية مجد أولاد الله، وقد سبق لنا الحديث عن ذلك بشيءٍ من التوسع في دراستنا لسفر الخروج.

"بِالإِيمَانِ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ الأَحْمَرِ كَمَا فِي الْيَابِسَةِ، الأَمْرُ الَّذِي لَمَّا شَرَعَ فِيهِ الْمِصْرِيُّونَ غَرِقُوا" [٢٩].
هنا يقارن شعبًا بشعبٍ، فقد قاد موسى الشعب كله بالإيمان ليجتازوا البحر كيابسة. إن كان موسى بشعبه يمثل مملكة الله التي ينفتح لها الطريق خلال مياه المعمودية، فإن فرعون بجيشه يمثل مملكة إبليس التي تتحطم خلال نفس مياه المعمودية. في المعمودية تقوم مملكة السماوات فينا وتتحطم مملكة إبليس ولا يكون لها موضع فينا.

ز. يشوع:

"بِالإِيمَانِ سَقَطَتْ أَسْوَارُ أَرِيحَا، بَعْدَمَا طِيفَ حَوْلَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ" [٣٠]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بالتأكيد لا تستطيع أصوات الأبواق أن تسقط الحجارة (التي للأسوار)... لكن الإيمان يقدر أن يفعل كل شيء.]

ط. راحاب الزانية:

"بِالإِيمَانِ رَاحَابُ الزَّانِيَةُ لَمْ تَهْلِكْ مَعَ الْعُصَاةِ، إِذْ قَبِلَتِ الْجَاسُوسَيْنِ بِسَلاَمٍ" [٣١]
. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً:

[من العار أن تظهر في عدم إيمان أكثر من زانية!

لقد سمعت ما رواه الرجلان وآمنت!

وكانت النتيجة هلاك الكل بينما حُفظت وحدها من الهلاك.

لم تقل في نفسها: أني أبقى مع أصدقائي الكثيرين،

ولا قالت: هل أنا أكثر حكمة من هؤلاء الرجال العقلاء الذين لا يؤمنون، وأنا أؤمن؟!

لم تقل شيئًا من هذا بل آمنت بما سيحدث وما سيعانيه (الكنعانيون).]

انتقل الرسول من الآباء البطاركة إبراهيم وإسحق ويعقوب إلى يوسف فموسى كأول قائد للشعب ثم تلميذه يشوع الذي دخل بالشعب أرض الموعد، وهنا يتوقف أمام امرأة زانية غريبة الجنس "راحاب" نالت ما لم يستطع كثير من العبرانيين أن ينالوه، فقد استحقت أن تُحسب في نسب السيد المسيح (مت ١: ٥)، ثم يبلغ بنا إلى رجال إيمان من القضاة مثل جدعون وباراق وشمشون ويفتاح، والملوك مثل داود، والأنبياء كصموئيل. هكذا يجول بهم خلال كل تاريخهم ليقدم أمثلة من كل حقبة فقد وُجد شهود حق لله حتى في أحلك العصور.

انتقل الرسول من أمثلة رجال ونساء للإيمان إلى أمثلة للأعمال الإيمانية منها:

* قهر المالك بالإيمان.

* صنع البرّ.

* نوال المواعيد.

* سد أفواه الأسود.

* إطفاء قوة النار.

* النجاة من حد السيف.

* نوال قوة من ضعف.

* التشدد في الحرب.

* أخذت نساء أمواتهن بقيامة كما فعلت الأرملة مع إيليا النبي.

* احتمال العذاب ورفض النجاة الزمنية من أجل نوال قيامة أفضل.

* الدخول في تجارب من هزء وجلد وقيود وحبس.

* احتمال الموت من نشر وقتل بالسيف.

* الطواف في جلود غنم وجلود معزي في عوز مكروبين ومذلين.

هذه مجرد أمثلة حية واقعية لأعمال إيمانية عاشها رجال العهد القديم، ويعيشها المؤمن في العهد الجديد بفهمٍ روحيٍ جديدٍ، فبالمسيح يسوع يقهر المؤمن ممالك إبليس والخطية ومحبة العالم، وبه يمارس البرّ ليحيا كشبه إلهه، وينعم بالمواعيد الإلهية. بالإيمان نسد أفواه أسود الشر والرجاسات التي تود افتراسنا، ونطفئ لهيب الشهوات الجسدية النار الداخلية. بالإيمان بالسيد المسيح ننعم بالنجاة من كل سيف أو سهم شرير، ونتمتع بالقوة بالرغم مما لنا في ذاتنا من ضعف، ونتشدد كجنود روحيين في حربنا ضد العدو غير المنظور. بالإيمان تتقدم النفس كالأرملة التي مات وحيدها، فيقيم مسيحنا النفس الميتة. بالإيمان نحتمل الآلام بفرحٍ ولا نطلب خلاصًا زمنيًا بل المكافأة الأبدية.

في اختصار نردد ما قاله القديس يوحنا الذهبي الفم عما يفعله الإيمان في حياة المؤمنين وما يهبهم من قوة روحية وغلبة: [لو وضعت العالم كله ضدهم، أجدهم راجحين في الميزان، ذوي قيمة عظيمة.] إن كانوا قد عاشوا في عوز ومذلة، لكن "لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ" [37].

1 و اما الايمان فهو الثقة بما يرجى و الايقان بامور لا ترى
2 فانه في هذا شهد للقدماء
3 بالايمان نفهم ان العالمين اتقنت بكلمة الله حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر
4 بالايمان قدم هابيل لله ذبيحة افضل من قايين فبه شهد له انه بار اذ شهد الله لقرابينه و به و ان مات يتكلم بعد
5 بالايمان نقل اخنوخ لكي لا يرى الموت و لم يوجد لان الله نقله اذ قبل نقله شهد له بانه قد ارضى الله
6 و لكن بدون ايمان لا يمكن ارضاؤه لانه يجب ان الذي ياتي الى الله يؤمن بانه موجود و انه يجازي الذين يطلبونه
7 بالايمان نوح لما اوحي اليه عن امور لم تر بعد خاف فبنى فلكا لخلاص بيته فبه دان العالم و صار وارثا للبر الذي حسب الايمان
8 بالايمان ابراهيم لما دعي اطاع ان يخرج الى المكان الذي كان عتيدا ان ياخذه ميراثا فخرج و هو لا يعلم الى اين ياتي
9 بالايمان تغرب في ارض الموعد كانها غريبة ساكنا في خيام مع اسحق و يعقوب الوارثين معه لهذا الموعد عينه
10 لانه كان ينتظر المدينة التي لها الاساسات التي صانعها و بارئها الله
11 بالايمان سارة نفسها ايضا اخذت قدرة على انشاء نسل و بعد وقت السن ولدت اذ حسبت الذي وعد صادقا
12 لذلك ولد ايضا من واحد و ذلك من ممات مثل نجوم السماء في الكثرة و كالرمل الذي على شاطئ البحر الذي لا يعد
13 في الايمان مات هؤلاء اجمعون و هم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها و صدقوها و حيوها و اقروا بانهم غرباء و نزلاء على الارض
14 فان الذين يقولون مثل هذا يظهرون انهم يطلبون وطنا
15 فلو ذكروا ذلك الذي خرجوا منه لكان لهم فرصة للرجوع
16 و لكن الان يبتغون وطنا افضل اي سماويا لذلك لا يستحي بهم الله ان يدعى الههم لانه اعد لهم مدينة
17 بالايمان قدم ابراهيم اسحق و هو مجرب قدم الذي قبل المواعيد وحيده
18 الذي قيل له انه باسحق يدعى لك نسل
19 اذ حسب ان الله قادر على الاقامة من الاموات ايضا الذين منهم اخذه ايضا في مثال
20 بالايمان اسحق بارك يعقوب و عيسو من جهة امور عتيدة
21 بالايمان يعقوب عند موته بارك كل واحد من ابني يوسف و سجد على راس عصاه
22 بالايمان يوسف عند موته ذكر خروج بني اسرائيل و اوصى من جهة عظامه
23 بالايمان موسى بعدما ولد اخفاه ابواه ثلاثة اشهر لانهما رايا الصبي جميلا و لم يخشيا امر الملك
24 بالايمان موسى لما كبر ابى ان يدعى ابن ابنة فرعون
25 مفضلا بالاحرى ان يذل مع شعب الله على ان يكون له تمتع وقتي بالخطية
26 حاسبا عار المسيح غنى اعظم من خزائن مصر لانه كان ينظر الى المجازاة
27 بالايمان ترك مصر غير خائف من غضب الملك لانه تشدد كانه يرى من لا يرى
28 بالايمان صنع الفصح و رش الدم لئلا يمسهم الذي اهلك الابكار
29 بالايمان اجتازوا في البحر الاحمر كما في اليابسة الامر الذي لما شرع فيه المصريون غرقوا
30 بالايمان سقطت اسوار اريحا بعدما طيف حولها سبعة ايام
31 بالايمان راحاب الزانية لم تهلك مع العصاة اذ قبلت الجاسوسين بسلام
32 و ماذا اقول ايضا لانه يعوزني الوقت ان اخبرت عن جدعون و باراق و شمشون و يفتاح و داود و صموئيل و الانبياء
33 الذين بالايمان قهروا ممالك صنعوا برا نالوا مواعيد سدوا افواه اسود
34 اطفاوا قوة النار نجوا من حد السيف تقووا من ضعف صاروا اشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء
35 اخذت نساء امواتهن بقيامة و اخرون عذبوا و لم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة افضل
36 و اخرون تجربوا في هزء و جلد ثم في قيود ايضا و حبس
37 رجموا نشروا جربوا ماتوا قتلا بالسيف طافوا في جلود غنم و جلود معزى معتازين مكروبين مذلين
38 و هم لم يكن العالم مستحقا لهم تائهين في براري و جبال و مغاير و شقوق الارض
39 فهؤلاء كلهم مشهودا لهم بالايمان لم ينالوا الموعد
40 اذ سبق الله فنظر لنا شيئا افضل لكي لا يكملوا بدوننا




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 12 جـ1 PDF Print Email

الجهاد

 

لما كان "كهنوت المسيح" هو الموضوع الرئيسي لهذه الرسالة، حيث يقدم لنا الرسول السيد المسيح بكونه رئيس الكهنة الأعظم، جالسًا عن يمين الآب في السماء بكونها قدس الأقداس، يشفع فينا بدمه، ليدخل بنا إلى حضن أبيه، فقد ختم حديثه مؤكدًا أن هذه الشفاعة العجيبة لا توهب للمتكاسلين والمتراخين. لهذا بعد أن حدثنا عن الإيمان مقدمًا لنا أمثلة حية لرجال الإيمان، صار يحدثنا حديثًا مباشرًا عن التزامنا الحيّ، الذي بدونه لن ننعم بعمل السيد المسيح الكفاري.

1. الجهاد وسحابة الشهود ١.

2. الجهاد والتأمل في آلام المسيح ٢ - ٣.

3. الجهاد حتى النهاية ٤.

4. قبول التأديب الإلهي ٥ - ١١.

5. مساندة الآخرين ٢ - ١٧.

6. الناموس القديم والملكوت الجديد ١٨ - ٢٩.

1. الجهاد وسحابة الشهود

"لِذَلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هَذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ" [١].


إذ يحيط بنا الضعف فيمثل ثقلاً على النفس، تهاجمنا الخطية من كل جانب، لهذا يليق بنا أن نجاهد بغير انقطاع متطلعين إلى سحابة الشهود المحيطة بنا فنتمثل بهم في شهادتهم للحق. هذه السحابة هي "لنا" ليس فقط كمثالٍ نقتدي به لكنها "لنا" تسندنا بالصلاة لحسابنا.

يشبه الرسول القديسين بالسحابة لأنها مرتفعة إلى فوق، تتحول إلى مطرٍ لتروي الأرض. هكذا المؤمن الحقيقي يحيا في السماويات لكنه لا يتجاهل النفوس الضعيفة الملتصقة بالأرض والتي لها طبيعة التراب، إنما يصلي من أجلها لكي يستخدمه الله كمطر يروي الأرض بالبركات العلوية، فتأتي بثمر روحي كثير.

حينما يتحدث السيد المسيح عن مجيئه الأخير يؤكد أنه سيأتي على السحاب، وكأنه يأتي الرب جالسًا في قديسيه، السحاب الروحي المحيط به والحامل إياه. لنحيا كسحاب يطلب السماويات، دون تجاهل للأرض فنحمل ربنا يسوع فينا ونعلنه من يومٍ إلى يوم حتى يتجلى فينا بالكمال يوم مجيئه الأخير!

لكي تكون لنا شركة مع "السحابة من الشهود" التي لم يستطع الرسول أن يحدد قياسها، قائلاً: "مقدار هذه"، ولكي نصير نحن أنفسنا جزءًا لا يتجزأ من هذه السحابة الإلهية يلزمنا أن "ِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا"، الأمور التي تفسد طبيعتنا وتحرمنا من التمتع بالخلقة الجديدة التي صارت لنا في المعمودية. ففي سفر إشعياء يتحدث النبي عن السيد المسيح القادم من مصر على سحابة خفيفة وسريعة (١٩: ١ - الترجمة السبعينية)، هذه التي تشير إلى السيدة العذراء عند هروبها إلى مصر حاملة السيد المسيح في حضنها، كما يقول القديس كيرلس الكبير، وفي نفس الوقت تشير إلى كل نفسٍ نقية وورعة تحمل يسوعها في داخلها وتسير به كسحابة سريعة خفيفة، لا يهدم ثقل الخطية طبيعتها ويعوق مسيرتها.

نشتهي أن نلتصق بالسحابة العظيمة من الشهود، الخفيفة والسريعة التي تحمل مخلصها مسرعة به، لا بالكلام والعاطفة فحسب، وإنما بالجهاد في الرب، إذ يكمل الرسول حديثه، قائلاً: "وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا" [١]، أي لنسرع بالصبر إلى السباق الذي وُضع أمامنا لننال المكافأة. وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [مع وجود ضيقات مستمرة فإن "الضيق ينشئ صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاءً، والرجاء لا يخزي" (رو ٥: ٤). فإذ كان النبي إشعياء يتوقع مثل هذا الضيق صرخ بصوت عالِ وحثنا: "هلم يا شعبي ادخل مخادعك وأغلق أبوابك خلفك، اختبئ نحو لحيظة حتى يعبر الغضب" (إش ٢٦: ٣٠).]

يقول القديس چيروم: [في الوقت الحاضر نحن في وادي الدموع! هذا العالم هو موضع البكاء لا البهجة؛ يليق بنا ألاَّ نضحك. هذا هو العالم، إنه زمن الدموع، أما العالم العتيد فهو عالم الفرح... لقد دخل بنا الله كمصارعين في حلبة سباق حيث يكون نصيبنا على الدوام هو الصراع... إذن هذا الموضوع إنما هو وادي الدموع فلا نكون في أمانٍ (تراخٍ) بل كمن في حلبة صراع واحتمال للآلام.]

2. الجهاد والتأمل في آلام المسيح

"َلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا، نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ. فَتَفَكَّرُوا فِي الَّذِي احْتَمَلَ مِنَ الْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هَذِهِ، لِئَلاَّ تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ" [١-٣].

إن كانت شهادة القديسين هي عون لنا في جهادنا، نمتثل بهم وننتفع بصلواتهم، مقاومين كمن في حلبة صراع لنلقي عنا كل ثقل أرضي وخطية محيطة بنا لنرتفع مع السحابة الإلهية إلى فوق، ويكون لنا شرف حمل الرب في داخلنا. فإن آلام السيد المسيح من أجلنا حتى الموت موت الصليب هي ينبوع نعم إلهية تسندنا في هذا الجهاد؛ أو كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كانت آلام من هم قريبين منا تثيرنا للجهاد فأية غيرة لا يقدمها لنا سيدنا! أي عمل لا يحققه فينا!... حقًا إن آلام المسيح وآلام الرسل هي تعزية عظيمة حقيقية!... أيها الأحباء، الألم هو أمر عظيم يحقق أمرين عظيمين: يمسح خطايانا ويعطي قوة للرجال (الروحيين).]

دعا الرسول السيد المسيح "رئيس الإيمان ومكمله"، فهو قائد المؤمنين في طريق الكمال الوعر، يدخل بهم إلى نفسه، لكي يعبر بهم من مجدٍ إلى مجد، فينعمون بالكمال أمام الآب خلال إتحادهم به.

آلام الصليب لا تُحتمل، وخزيه مرّ، لكنه في عيني السيد المسيح هو موضوع سرور وفرح، إذ يراه الطريق الذي به يحملنا إلى قيامته، ليجلسنا معه وفيه عن يمين العرش الإلهي. بالمسيح يسوع ربنا نفرح بالألم - بالرغم من مرارته القاسية - إذ نرى طريق الأقداس مفتوحًا أمامنا. احتمل السيد آلامه من أجلنا نحن الخطاة وليس من أجل نفسه، فكم بالحري يليق بنا أن نقبلها من أجل نفوسنا، خاصة وأننا نتقبلها في المسيح المتألم!

3. الجهاد حتى النهاية

"لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" [٤].

لم يقدم لنا الرسول هذه الوصية الخاصة بالجهاد الروحي حتى النهاية إلاَّ بعد أن قدم لنا أمثلة عملية وحية لمؤمنين مجاهدين من آباء بطاركة وأنبياء وقضاه وملوك، وأوضح لنا إمكانية الجهاد، إذ نحن محاطون بسحابة الشهود العاملين معنا، وفوق الكل أوضح عمل السيد المسيح المصلوب في حياتنا. لقد قبل الآلام بسرور مستهينًا بخزي الصليب، الأمر الذي يجعل جهادنا الروحي حتى الموت مقبولاً ومفرحًا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إلى الآن لم تحتملوا الموت، إنما امتدت خسارتكم عند المال والكرامة والطرد من موضع إلى آخر. على أي الأحوال، لقد بذل المسيح دمه من أجلنا، أما أنتم فلم تفعلوا هذا لأجل أنفسكم. لقد صارع من أجل الحق حتى الموت من أجلكم، أما أنتم فلم تدخلوا بعد في المخاطر التي تهدد بالموت.]

4. قبول التأديب الإلهي

مادمنا أولاد الله، فإن الله يسمح لنا بالتجارب والضيقات أثناء الجهاد على الأرض، لا للانتقام ولا للدينونة وإنما لمساندتنا. فهو يعيننا لا بلطفه بنا فحسب خلال الترفق، وإنما أيضًا بتأديبنا لأجل نفعنا الروحي. فالضيقة بالنسبة للمؤمن الحقيقي المجاهد قانونيًا هي علامة حية لاهتمام الله به من أجل بنيانه.

"وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ: يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُزْ إِذَا وَبَّخَكَ. لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ" [٤-٦].

كثيرًا ما علق آباء الكنيسة على هذه العبارة الرسولية نقتطف منها:

- مغبوط هو الإنسان الذي يؤدَب في هذه الحياة، فإن الرب لا يعاقب عن الشيء مرتين (نا ١: ٩ - الترجمة السبعينية).

القديس چيروم

- عندما يوبخ الله، وإنما لكي يصلح، ويصلح لكي يحفظنا (له) .

القديس كبريانوس

- لا ترجع النفس إلى الله إلاَّ إذا انتزعت عن العالم، وليس شيء ينتزعها عنه بحق إلاَّ التعب والألم؛ حين تكون النفس ملتحمة بملذات العالم التافهة الضارة والمهلكة... نتحول بسبب هذه التأديبات عن ضعفنا، إذ يليق بالإنسان أن يدرك أنه يتألم بسبب الخطية. ليته يرجع إلى نفسه ويقول: "أنا قلت في قلبي: ارحمني يا رب، اشفِ نفسي، فإني أخطأت إليك" (مز ٤١: ٤). بالضيق يا رب دربني، إذ تجلد كل ابن تقبله، ما عدا الابن الوحيد الذي وحده بلا خطية... أما أنا فأقول لك: "يا رب أخطأت".

القديس أغسطينوس

- الأب لا يهذب ابنه لو لم يحبه، والمعلم الصالح لا يصلح من شأن تلميذه ما لم يرَ فيه علامات نوال الوعد. عندما يرفع الطبيب عنايته عن مريض، يكون هذا علامة يأسه من شفائه.

- أيهما أفضل أن ندخل معركة (التأديب) إلى حين ونحمل أوتاد الحسكة (أسياخ من الخوازيق)، وتكون معنا أسلحة، ونرهق من حمل التروس الثقيلة، لكي نفرح بعد ذلك خلال الغلبة، أم نبقى عبيدًا إلى الأبد، لأننا لم نقدر أن نحتمل ساعة واحدة.

القديس چيروم

- لا تستطيع القول بأن إنسانًا بارًا يعيش بلا ضيق، حتى وإن لم يظهر عليه الضيق... إذ يلزم بالضرورة لكل بار أن يجتاز الطريق. هذا هو إعلان المسيح، أن الطريق الواسع العريض يؤدي إلى الهلاك، أما الضيق الكرب فيؤدي إلى الحياة (مت ٧: ١٣ - ١٤)... هل لأنك تعاني من أتعاب كثير تظن أن الله تركك، وأنه يبغضك؟! إن كنت لا تتألم يكون بحق قد تركك، لأنه إن كان الله يؤدب كل ابن يقبله، فمن لا يسقط تحت التأديب لا يكون ابنًا... ماذا نقول؟ ألا يسقط الأشرار تحت الضيق؟ حقًا يسقطون... هم ينالون عقاب شرهم ولا يؤدبون كأبناء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

التأديب هو علامة البنوة، فالآب يهتم ببنيان ابنه الشرعي، ولا يبالي بالنغول: "وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ" [٨]. وكما قال القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان عدم التأديب علامة خاصة بالنغول، إذن يليق بنا أن نفرح بالتأديب كعلامة شرعية بنوتنا.]

يقارن الرسول بين التأديب الذي نخضع له من آبائنا في الجسد والتأديب الذي يقع علينا من أبينا السماوي موضحًا النقاط التالية:

أولاً:
أن التأديب يُعطي للآباء الجسديين مهابتهم، فالطفل يهاب والده بكونه المربي الحازم؛ "ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلاَ نَخْضَعُ بِالأَوْلَى جِدًّا لأَبِي الأَرْوَاحِ، فَنَحْيَا؟" [٩]. هنا يؤكد الرسول عنصرًا هامًا وهو "المخافة الأبوية" فإننا وإن كنا أبناء الله، بذل الله أبونا ابنه الوحيد فدية عنا، وارتفع الابن عن يمينه ليشفع فينا، هذا يبعث فينا الدالة القوية لدى الله، فإن التأديب يهب الابن مخافة نحو أبيه تمتزج بالدالة، حتى لا تتحول الدالة إلى استهتار. لكن شتان بين المخافة التي تنطلق في قلب الابن والمخافة الممتزجة بالرعب في قلب الأجير أو العبد. الابن يخاف أباه لئلا يجرح مشاعره ويسيء إلى أبوته، أما الأجير فيخاف لئلا يُحرم من الأجرة، والعبد يخاف من العقاب.

ثانيًا: آباؤنا الجسديون يؤدبوننا أيامًا قليلة حسب استحسانهم [١٠]، مشتاقين أن يروننا ناجحين في هذا الزمان الحاضر، نحقق أمنياتهم الزمنية فينا، أما الله فيؤدب لهدف أعظم: لأجل المنفعة لكي نشترك في قداسته. هذه هي غاية تأديبه لنا، إذ يود أن يرانا شركاء في حياته المجيدة، نحمل سماته فينا، نتشبه به. هذه هي غاية الله من الإنسان، أن يراه كابن يحمل صورة أبيه.

ثالثًا: " كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ" [١١]. فالابن يئن تحت ألم التأديب، لكن متى بلغ النضوج أدرك أن التأديب هو سرّ نجاحه وبهجة قلبه الأكيدة. هكذا تأديب الله لنا يقدم لنا في البداية نوعًا من الحزن، لكنه في نفس الوقت يهب ثمر برّ السلام. به ندخل إلى برّ المسيح المجاني فيمتلئ قلبنا سلامًا فائقًا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الذين يتناولون الدواء المرّ يخضعون أولاً لشيء من الامتعاض لكنهم يشعرون بالراحة بعد ذلك... هذا أنتم تتألمون، هكذا هو التأديب في بدايته... فإنه كل تأديب يبدو للحزن مع أنه في حقيقته غير ذلك.]




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 12 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 12 جـ2 PDF Print Email

5. مساندة الآخرين

أحد العناصر الهامة في الجهاد الروحي هو مساندة الأعضاء بعضها لبعض، فالحياة مع الله وإن كانت تمثل علاقة شخصية خفية بين الله والمؤمن لكن ليس في فردية منعزلة، إنما هي حياة شركة بين الله وكنيسته الواحدة. كل عضو يسند أخاه في الرب، لكي يتشدد الكل معًا كعروسٍ واحدة. يقول الرسول: "لِذَلِكَ قَّوِمُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ" [١٢]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [ليس شيء يجعل البشر ينهزمون سريعًا في التجارب وينهارون مثل العزلة. اخبرني، بعثر فرقة في حرب، فإن العدو لا يقلق في سبيهم وأسرهم كفرادى.]

الآخرون بالنسبة لك كما يشبههم الرسول هم الأيدي والركب، فإنك لا تستطيع أن تقاوم العدو الشرير إبليس إن كان الأيدي مسترخية والركب مخلعة، فكل مساندة من جانبك لأخيك إنما هي مساندة لك أنت شخصيًا لأنه يمثل يديك وركبك! لهذا لا عجب إن ضعف الرسول بولس مع كل ضعيف، والتهب قلبه محترقًا مع عثرة كل إنسان، ويفرح ويتهلل مع توبة الغير!

تقويم الأيادي المسترخية والركب المخلعة لا يكون بمساندة الآخرين بالكلمات النظرية وإنما بالحياة العملية الداخلية والسلوك الروحي الحيّ، إذ يكمل الرسول قائلاً: "اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ. مُلاَحِظِينَ لِئَلاَّ يَخِيبَ أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ. لِئَلاَّ يَطْلُعَ أَصْلُ مَرَارَةٍ وَيَصْنَعَ انْزِعَاجًا، فَيَتَنَجَّسَ بِهِ كَثِيرُونَ" [١٤-١٥]. هنا يركز الرسول على سمتين هامتين في الجهاد، تسندان النفس وتعينا الآخرين، هما إتباع السلام مع الجميع والتمتع بالحياة المقدسة. فمن جهة إتباع السلام، فالمؤمن إذ يدرك مركزه كعضوِ في الجسد المقدس بل وفي البشرية كلها يعمل بروحٍ متناسقٍ مع الجميع خلال الرأس المدبر، يحتمل ضعف الآخرين من أجل بنيان الجماعة وسلامه الداخلي ولدفع الضعيف بالحب نحو التوبة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [احتمال الشر هو أعظم سلاح في التجارب. به يجعل المسيح تلاميذه أقوياء، إذ يقول: "هذا أنا أرسلكم كغنم وسط ذئاب، فكونوا حكماء كالحيات، وبسطاء كالحمام" (مت ١٠: ١٦)... فإنه ليس من شيء يُخجل من يصنع معنا شرًا مثل احتمالنا ما يجلبه علينا بلطف وعدم النقمة بكلمةٍ أو فعلٍ. هذا يجعل منا فلاسفة (حكماء)، ويجلب لنا مكافأة عظيمة، وفي نفس الوقت ينفع من صنع معنا شرًا.] أما من جهة الحياة المقدسة، فهي ترتبط بإتباع السلام وتلازمه. الحب الحقيقي الذي يعمل فينا لإتباع السلام هو بعينه يعمل فينا للتقديس بالرب يسوع القدوس. من يحب إخوته بصدقٍ في المسيح يسوع مشتهيًا خلاصه، لا يمكن أن يقبل الحياة الشريرة، بل يحب القداسة ويتفاعل معها. حبنا لإخوتنا أيضًا يفتح أبواب النعمة أمامنا لننهل منها شركة الحياة المقدسة في الرب.

ما هو إتباع السلام إلاَّ دخول في شركة عملية مع السيد المسيح محب البشر وملك السلام! هذه الشركة هي بعينها الحياة المقدسة. يقول القديس چيروم: [المسيح هو القداسة التي بدونها لا يقدر أحد أن يعاين وجه الله. المسيح هو خلاصنا، إذ هو المخلص والفدية في نفس الوقت. المسيح هو كل شيء بالنسبة لنا، فمن يترك شيئًا من أجله يجده مقابل ما قد تركه، فيستطيع في حرية أن يقول "نصيبي هو الرب" (مز ١٢٣: ٦).]

أما علة السقوط في الحياة الروحية والعجز عن الجهاد فهو الاستباحة والاستهتار، فيكون مصير الإنسان هو مصير عيسو الذي طلب أن يرث البركة بدموع، لكن لم تجد التوبة لها مكانًا في قلبه الذي تدرب على الاستباحة، فقد تبلدت حواسه ولم يجد للندامة موضعًا فيه، يقول الرسول: "لِئَلاَّ يَكُونَ أَحَدٌ زَانِيًا أَوْ مُسْتَبِيحًا كَعِيسُو، الَّذِي لأَجْلِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَ بَكُورِيَّتَهُ. فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرِثَ الْبَرَكَةَ رُفِضَ، إِذْ لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَانًا، مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ" [١٦-١٧]. كما أن كل حب يوّلد حبًا وكل جهاد روحي يلهب القلب إلى جهاد أعظم في الرب، فإنه كل استباحة تود استباحة، وكل تهاون يخلق تهاونًا... حتى تفسد حياة المؤمن تمامًا وتفتر أحاسيسه الداخلية، ويشتهي الحياة المقدسة السابقة، لكن في تراخِ بلا توبة صادقة. هذه الخبرة حدثنا عنها الآباء فحذرونا من الثعالب الصغيرة والخطايا التي تبدو تافهة، فإن عدو الخير لا يحارب الإنسان المؤمن بخطايا واضحة إلاَّ بعد أن يتسلل إلى قلبه خلال التهاون في الصغائر، حتى متى أفسد القلب الداخلي يهاجمه بكل أنواع الخطايا، فيسقط فيما كان يظن أنه يستحيل ارتكابه. فداود النبي العظيم صاحب القلب النقي والمرتل لله على الدوام استهان قليلاً، فخرج على السطح عوض أن يشترك مع جيشه في الحرب بالصلاة والتذلل؛ هذا التهاون البسيط فتح المجال للنظر إلى امرأة أخيه في الرب وقائد جيشه، وهكذا انخرط من ضعفٍ إلى ضعف حتى سقط تمامًا في فخ إبليس... لكن الرب لم يتركه!

كما يتسلل العدو إلى قلبك خلال الصغائر، اسحب قلبك إلى الجهاد الروحي خلال الصغائر... فمن التداريب الجميلة الروحية حينما يشعر المؤمن بالتراخي أنه يقول في نفسه لأجاهد اليوم وأستريح غدًا، وإذ يقضي يومه يلتهب قلبه بالأكثر نحو الله، فيعود يكرر نفس القول وهكذا يسحب قلبه إلى الحياة السماوية العالية خلال جهاد بسيط في اللحظة الحاضرة، ولا يضع أمام نفسه خططًا لفترة طويلة، كما لا يؤجل للغد عمل الرب.

6. الناموس القديم والملكوت الجديد

إذ أراد الرسول تأكيد فاعلية وصية العهد الجديد وبركات الملكوت الجديد قارن بين طريق استلام الناموس في العهد القديم على يديّ موسى النبي على جبل سيناء وتقبل الكلمة الإلهي ذاته في العهد الجديد.

أولاً:
عندما تسلم موسى الناموس اضطرم الجبل الملموس بالنار بطريقة مادية واضحة وظلام وحدثت زوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات، الأمر الذي جعل الشعب يستعفي من السماع لله مباشرة، ولم يكن ممكنًا حتى للحيوانات أن تقترب من الجبل وإلا رُجمت أو رُميت بالسهام دون أن يلمسها أحد! هكذا كانت العلاقة بين الله والإنسان مرعبة وغامضة، أما في العهد الجديد فلا نرى شيئًا من هذا إذ التحم كلمة الله بنا خلال تجسده فلم يعد هناك رعب ولا غموض.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [لم يُعط العهد الجديد ومعه هذه الأمور (النار والضباب والعاصف وأصوات البوق) وإنما قُدم إلينا حديثًا بسيطًا من قبل الله... كانت هذه الأمور مرعبة حتى لم يحتملوا سماعها، ولا تتجاسر حتى أية بهيمة أن تصعد؛ أما ما جاء بعد ذلك فلم يكن هكذا، لأنه ماذا تكون سيناء بالنسبة للسماء؟ والنار الملموسة بالنسبة لله الذي لا يُقترب إليه، إذ هو نار آكلة؟]

هذه الأمور التي ظهرت مع استلام الناموس تكشف عن سماته؛ فالنار تشير إلى عقاب العصاة الرهيب، والضباب والظلام علامة الغموض وعدم الكشف عن الحق في كماله وإنما خلال الظل والرمز. وأصوات الأبواق تشير إلى طبيعته كإعداد لمجيء الملك السماوي كما في اليوم الأخير (١ كو ١٥: ٥٢). ويشير العاصف إلى الشعب المستكين المحتاج إلى عاصف ليوقظه من سباته الروحي وتراخيه.

في دراستنا لسفر الخروج تحدثنا في أكثر من تفصيل عن رموز هذه الأمور الروحية لحالة النفس الداخلية حين تتقبل كلمة الله فيها. تصير كالجبل الراسخ الملتهب بالنار الإلهية المتقدة، تحيط بها الأسرار الإلهية كضباب، ويُسمع فيها أصوات البوق معلنة الحق بحياتها الداخلية وسلوكها الَظاهر، تهب فيها عواصف الروح التي تحطم كل شرٍ تسلل إليها؛ هذا وكل بهيمة، أي كل فكر حيواني يقترب إليها يُرجم بحجارة الحق ويُضرب بسهم الصليب فلا يكون له موضع في داخلها.

ثانيًا: لم تقف حالة الرعب عند الشعب وإنما مست موسى النبي نفسه، إذ "قَالَ مُوسَى: أَنَا مُرْتَعِبٌ وَمُرْتَعِدٌ!" [٢١]. أما الآن فالكلمة قريبة منا، في داخل القلب، إذ دخل "الكلمة الإلهي" في حياتنا، وصار له مسكنًا فينا.

ثالثًا: عند استلام الشريعة الموسوية كان الشعب في البرية عند سفح الجبل، وكأن الناموس قد عجز عن أن يقدم للشعب الحياة السماوية المرتفعة، ويدخل بهم إلى أورشليم العليا، أرض الموعد. أما في العهد الجديد، فدخل بنا كلمة الله إلى السماوات عينها، وجعل منا محفل ملائكة: "بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ: أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ، وَكَنِيسَةِ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ" [٢٢-24].

يرى العلامة أوريجينوس في السماء التي ننعم بها أربع رتب هي: جبل صهيون، مدينة الله أورشليم السمائية، ربوات هم محفل ملائكة، كنيسة أبكار مكتوبين في السماوات. أعلى هذه الدرجات هي العضوية في كنيسة الأبكار حيث ينعمون بالشركة مع المسيح البكر. إذ يقول: [اجتهد بكل قوتك أن تنمو وتتقدم في أعمالك وحياتك وعاداتك وإيمانك وطريقة تصرفاتك حتى تبلغ كنيسة الأبكار المكتوبين في السماوات، فإن لم تستطع فلتبلغ إلى درجة أقل... وإن كنت لا تقدر أن تقترب من الربوات الذين هم محفل ملائكة وتصعد إلى هذه الدرجة فعلى الأقل تبلغ مدينة الله الحيّ أورشليم السماوية، وإن كنت غير قادر على بلوغ هذه فحاول على الأقل أن تتجه نحو جبل صهيون لكي تخلص على الجبل (تك ١٩: ١٧). يكفي أنك لا تبقى على الأرض ولا تسكن الوديان ولا تبطئ في المناطق المطمورة.]

على أي الأحوال في العهد الجديد دخلنا إلى ملكوت الله المجيد، حيث يرتفع بنا إلى جبل صهيون الحق، وننعم بأورشليم العليا ونُحسب محفل ملائكة وأبكار للرب. وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [من لا يرغب في التمتع بالصحبة العلوية مع هؤلاء! من لا يرغب في تسجيل اسمه معهم، لكي يسمع معهم: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم" (مت ٢٥: ٣٤).]

ويلاحظ أن الملكوت الذي بلغناه في المسيح يسوع يقدم لنا ثمانية أمور: جبل صهيون، مدينة الله، محفل ملائكة، كنيسة أبكار، الله ديان الجميع، أرواح أبرار مكملين، وسيط العهد الجديد يسوع، دم رش يتكلم أفضل من هابيل. نحن نعلم أن رقم ٨ يشير إلى ما وراء الزمن (٧ أيام الأسبوع)، أو إلى الحياة الانقضائية الأخروية، فالملكوت الجديد هو ملكوت سماوي يرفع الإنسان إلى الحياة الفائقة السماوية.

ركز كثير من الآباء على "كنيسة أبكار مكتوبين في السماوات"، إذ صرنا في المسيح يسوع البكر أبكارًا. بكورية السيد المسيح ليست كالبكورية الجسدية، صاحبها يحرم الآخرين من التمتع بها، إنما بالعكس تهب الآخرين شركة فيها. هذه البكورية التي صارت لنا ليست جسدية، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [الذين اعتبروا أبكارًا أمام الله ليس هم الأبكار حسب الميلاد الجسدي، إنما اختارهم الله بسبب حسب استعدادهم. هذا ما حدَث بالنسبة ليعقوب الرجل الثاني إذ حسبه الله بكرًا ونال بركة البكورية (تك ٢٧: ١١). بفضل إصابة أبيه بالعمى بسماح إلهي، وذلك لحسب استعداد قلبه الذي رآه الله فيه، إذ قيل: "وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرًا أو شرًا... مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو" (رو ٩: ١١، ١٢؛ ملا ١: ٢، ٣). هكذا لم يكن اللاويون أبكارًا حسب الجسد لكنهم ثبتوا كأبكار.]

مرة أخرى إذ أدرك الرسول كيف تمررت نفوس المسيحيين الذين هم من أصل عبراني لأنهم حُرموا من جبل صهيون ومدينة أورشليم والناموس المُسلَم بيد ملائكة، لهذا كشف لهم عن الملكوت الجديد الذي صار فيهم، بكونه مشبعًا لاحتياجاتهم ويعوضهم بأكثر مما فقدوا، فقد دعاه:

أ. جبل صهيون، فإن كانوا قد صاروا مضطهدين يُحرمون من السكنى في جبل صهيون الذي اعتز به اليهود، فإن رب المجد يرتفع بهم إلى جبل صهيون الحقيقي الداخلي، يرفع النفس إلى الجبل العالي لتنعم بالحياة السماوية.

ب. مدينة الله الحيّ أورشليم السماوية، عوض أورشليم الأرضية حيث الهيكل الذي يعتز به اليهود صارت النفس عينها مدينة الله، أورشليم الجديدة، لا يُقام فيها هيكل الله بل هي بعينها الهيكل المقدس، كقول الرسول بطرس: "الذي إذ تأتون إليه حجرًا حيًا مرفوضًا من الناس، ولكن مختار من الله كريم، كونوا أنتم أيضًا مبنيين كحجارة حية بيتًا روحيًا كهنوتًا مقدسًا لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (١ بط ٢ : ٤، ٥).

ج. ربوات هم محفل ملائكة، إن كان اليهود قد فقدوا حرفية الناموس الذي سلم بيد ملائكة، فقد صاروا هم أنفسهم محفل ملائكة! وكما يقول القديس إكليمنضس السكندري إن المؤمنين الحقيقيين أصحاب المعرفة الروحية (الغنوسيين) ليس فقط يكونون في صحبة الملائكة، بل يصيرون هم أنفسهم كالملائكة. هذا أيضًا ما تحدث عنه كثير من الآباء بشيء من الإفاضة مثل العلامة أوريجينوس القديس يوحنا الذهبي الفم.

د. كنيسة أبكار، كان لليهود أبكارهم الروحيين أي سبط لاوي، يتقبلهم الله عن كل الجماعة المقدسة عوض الأبكار حسب الجسد. والآن صاروا كنيسة أبكار، خلال إتحادهم مع الابن البكر الحقيقي.

هـ. الله ديان الجميع، كان اليهود في حرفيتهم يتطلعون إلى الله كإله اليهود وحدهم، أما وقد قبلوا الإيمان بمخلص العالم فقد أدركوا الله كديان البشرية كلها.

و. إلى أرواح أبرار مكملين، صار لهم في المسيح أن يتبرروا ويصيروا كاملين في عيني الآب.

ز. وسيط العهد الجديد يسوع، إن كان رجال العهد القديم يطلبون المسيا وينتظرونه، فإن رجال العهد الجديد تمتعوا به، هذا الذي وهبهم "العهد الجديد" يدخل بهم إلى ملكوته السماوي.

ح. إلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل، هكذا يختم حديثه عن بركات العهد الجديد بمقارنته مع العهد القديم بالدم المرشوش في القلب، الذي يصرخ فينا شاهدًا للحق ومقدسًا إيانا... لا يمكن للزمن أن يخفته!

بعد المقارنة بين العهدين دخل إلى جانب عملي، وهو التزامنا لا بالافتخار بما نلناه، وإنما بالتجاوب معه عمليًا: "اُنْظُرُوا أَنْ لاَ تَسْتَعْفُوا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أُولَئِكَ لَمْ يَنْجُوا إِذِ اسْتَعْفَوْا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الأَرْضِ، فَبِالأَوْلَى جِدًّا لاَ نَنْجُو نَحْنُ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ، الَّذِي صَوْتُهُ زَعْزَعَ الأَرْضَ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ وَعَدَ قَائِلاً: إِنِّي مَرَّةً أَيْضًا أُزَلْزِلُ لاَ الأَرْضَ فَقَطْ بَلِ السَّمَاءَ أَيْضًا. فَقَوْلُهُ مَرَّةً أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى تَغْيِيرِ الأَشْيَاءِ الْمُتَزَعْزِعَةِ كَمَصْنُوعَةٍ، لِكَيْ تَبْقَى الَّتِي لاَ تَتَزَعْزَعُ. لِذَلِكَ وَنَحْنُ قَابِلُونَ مَلَكُوتًا لاَ يَتَزَعْزَعُ، لِيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ بِهِ نَخْدِمُ اللهَ خِدْمَةً مَرْضِيَّةً، بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى. لأَنَّ إِلَهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ" [٢٥-٢٩].

بمقدار ما تزداد العطية وتعظم تزداد المسئولية أيضًا. فإن كان الذين استهانوا بالناموس الذي عند تسلمه تزعزعت الأرض (إذ حدثت نار وأصوات رعود وزلزلة) لم ينجوا، فكيف ينجو من يستهين بالكلمة الإلهي السماوي، الذي قال أنه يزلزل الأرض والسماء أيضًا؟ في العهد القديم كانت الأرض تتزلزل إذ كان الناموس يمس الجسد الترابي، لكن العهد الجديد يمس الأرض والسماء، أي الجسد والروح معًا؛ لذا فعقوبة كاسر الناموس كانت بالأكثر تمس حياتنا الأرضية، لكن كاسر الوصية ومحتقر العهد الجديد فيسقط تحت العقوبة هنا على الأرض وفي الحياة الأخرى. من ناحية أخرى إن كنا قد قبلنا ملكوتًا لا يتزعزع يهب الجسد والنفس خلودًا، فلنشكر الرب ونخدمه بخشوعٍ وتقوى، مدركين أن إلهنا نار آكلة، قادر أن يلهب الجسد والنفس معًا بالروح الناري، فنصير بحق خدام الله الناريين! وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [لأنه يليق بخادم الرب أن يكون يقظًا وحريصًا، نعم بل وكلهيب نار، حتى أنه إذ بالروح الملتهب يبدد كل خطية جسدانية يقدر أن يقترب إلى الله الذي يُدعى نارًا آكلة كما يعبِّر القديسون.]

1 لذلك نحن ايضا اذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا لنطرح كل ثقل و الخطية المحيطة بنا بسهولة و لنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع امامنا
2 ناظرين الى رئيس الايمان و مكمله يسوع الذي من اجل السرور الموضوع امامه احتمل الصليب مستهينا بالخزي فجلس في يمين عرش الله
3 فتفكروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه لئلا تكلوا و تخوروا في نفوسكم
4 لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية
5 و قد نسيتم الوعظ الذي يخاطبكم كبنين يا ابني لا تحتقر تاديب الرب و لا تخر اذا وبخك
6 لان الذي يحبه الرب يؤدبه و يجلد كل ابن يقبله
7 ان كنتم تحتملون التاديب يعاملكم الله كالبنين فاي ابن لا يؤدبه ابوه
8 و لكن ان كنتم بلا تاديب قد صار الجميع شركاء فيه فانتم نغول لا بنون
9 ثم قد كان لنا اباء اجسادنا مؤدبين و كنا نهابهم افلا نخضع بالاولى جدا لابي الارواح فنحيا
10 لان اولئك ادبونا اياما قليلة حسب استحسانهم و اما هذا فلاجل المنفعة لكي نشترك في قداسته
11 و لكن كل تاديب في الحاضر لا يرى انه للفرح بل للحزن و اما اخيرا فيعطي الذين يتدربون به ثمر بر للسلام
12 لذلك قوموا الايادي المسترخية و الركب المخلعة
13 و اصنعوا لارجلكم مسالك مستقيمة لكي لا يعتسف الاعرج بل بالحري يشفى
14 اتبعوا السلام مع الجميع و القداسة التي بدونها لن يرى احد الرب
15 ملاحظين لئلا يخيب احد من نعمة الله لئلا يطلع اصل مرارة و يصنع انزعاجا فيتنجس به كثيرون
16 لئلا يكون احد زانيا او مستبيحا كعيسو الذي لاجل اكلة واحدة باع بكوريته
17 فانكم تعلمون انه ايضا بعد ذلك لما اراد ان يرث البركة رفض اذ لم يجد للتوبة مكانا مع انه طلبها بدموع
18 لانكم لم تاتوا الى جبل ملموس مضطرم بالنار و الى ضباب و ظلام و زوبعة
19 و هتاف بوق و صوت كلمات استعفى الذين سمعوه من ان تزاد لهم كلمة
20 لانهم لم يحتملوا ما امر به و ان مست الجبل بهيمة ترجم او ترمى بسهم
21 و كان المنظر هكذا مخيفا حتى قال موسى انا مرتعب و مرتعد
22 بل قد اتيتم الى جبل صهيون و الى مدينة الله الحي اورشليم السماوية و الى ربوات هم محفل ملائكة
23 و كنيسة ابكار مكتوبين في السماوات و الى الله ديان الجميع و الى ارواح ابرار مكملين
24 و الى وسيط العهد الجديد يسوع و الى دم رش يتكلم افضل من هابيل
25 انظروا ان لا تستعفوا من المتكلم لانه ان كان اولئك لم ينجوا اذ استعفوا من المتكلم على الارض فبالاولى جدا لا ننجو نحن المرتدين عن الذي من السماء
26 الذي صوته زعزع الارض حينئذ و اما الان فقد وعد قائلا اني مرة ايضا ازلزل لا الارض فقط بل السماء ايضا
27 فقوله مرة ايضا يدل على تغيير الاشياء المتزعزعة كمصنوعة لكي تبقى التي لا تتزعزع
28 لذلك و نحن قابلون ملكوتا لا يتزعزع ليكن عندنا شكر به نخدم الله خدمة مرضية بخشوع و تقوى
29 لان الهنا نار اكلة



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 12 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 13 جـ1 PDF Print Email

وصايا ختامية

يختم الرسول بولس رسالته بحديث عملي كعادته في كل رسالته الأخرى، وقد جاء الحديث هنا مطابقًا للفكر الروحي الذي أعلنه في صلب الرسالة. إن كان في الأصحاح السابق قد تحدث عن الالتزام بالجهاد الحيّ للتمتع بشفاعة السيد المسيح الكفارية أو دخولنا إلى الإتحاد مع الآب فيه، أما هنا فيترجم هذا الجهاد إلى بعض جوانبه العملية التطبيقية مثل المحبة والتسبيح والطاعة... الخ.

1. المحبة الأخوية ١.

2. محبة الغرباء ٢ - ٣

3. المحبة الزوجية ٤ - ٦

4. محبة الرعاة ٧

5. الهروب من الهرطقات ٨ - ١١

6. التألم مع المسيح ١٢ - ١٤

7. التسبيح ١٥ - ١٦

8. الخضوع للمرشدين ١٧ - ٢٢

9. ختام الرسالة ٢٣ - ٢٥

1. المحبة الأخوية:

لكي ننعم بعمل السيد المسيح الكفاري بكونه رئيس الكهنة الأعظم السماوي، يلزمنا أن نعلن محبتنا للآخرين، لا كشرطٍ نبدأ نحن به، وإنما كالتحام حيّ للحب الإلهي بالحب الأخوي. فإنه بالحق كلما اتسع قلبنا خلال عمل الله أو محبته أحببنا نحن أيضًا إخوتنا، وكلما أحببنا الإخوة أعلن الله بالأكثر حبه فينا.

يوصينا الرسول: "لِتَثْبُتِ الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ" [١]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [انظر كيف يأمر بالثبات فيما هم عليه فعلاً... إذ لم يقل لهم "كونوا محبين للإخوة"، بل قال "لتثبت المحبة الأخوية".] هكذا يتكلم الرسول بحكمة الروح، فيشجعهم على النمو في المحبة، لا كأمرٍ جديدٍ لم يتذوقوه، وإنما كحياة هم بالفعل يمارسونها. وكأنه يكرر ما يقوله لأهل تسالونيكي: "وأما المحبة الأخوية، فلا حاجة لكم أن أكتب إليكم عنها لأنهم أنفسكم متعلمون من الله أن يحب بعضكم بعضًا" (١ تس ٤: ٩). وكأن الرسول قد أدرك أن المؤمنين لا يمكن أن يكونوا خالين من المحبة وإنما يحملون بذارها على الدوام، وهم في حاجة إلى النمو والثبات فيها.

2. محبة الغرباء

يترجم الرسول المحبة الأخوية إلى جوانب عملية يبدأها بإضافة الغرباء، وللمرة الثانية لا يقدم الوصية في صيغة أمرٍ، إنما في شكل تذكير لعمل يمارسونه هم وقد سبق فمارسه آباؤهم، ونالوا عليه مكافأة عظيمة، إذ يقول: "لاَ تَنْسُوا إِضَافَةَ الْغُرَبَاءِ، لأَنْ بِهَا أَضَافَ أُنَاسٌ مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ" [٢]. يعود بفكره إلى أبينا إبراهيم حيث استضاف ثلاثة عابرين عند باب خيمته في ممرا ثم اكتشف أنهم ظهور للرب وملاكين معه، كما عاد إلى لوط الذي استضاف ملاكين.

يليق بنا كغرباء على الأرض أن نهتم بالغرباء، وكأناس معرضين للسقوط تحت الضيق أن نسند المتضايقين، إذ يقول الرسول: "اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ" [٣]. لا نشاركهم بالرثاء المجرد بل بالحب العامل، نشعر بالشركة الحقيقية مع كل عضو. "فإن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه" (رو ١٢: ١٥). هذه الشركة عاشها أولاد الله في العهدين القديم والجديد، فيقول إرميا النبي وهو يرى شعبه منسحقًا بسبب السبي رغم مقاومة الشعب له: "من أجل سحق بنت شعي انسحقت، حزنت، أخذتني دهشة" (إر ٨:٢١)، ويقول الرسول: "من يضعف وأنا لا أضعف، من يعثر وأنا لا ألتهب؟!" (٢ كو ١١: ٢٩). وتظهر شركة الحب العملي في كلمات آباء الكنيسة المحبين فيقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس شيء أحب إلىّ أكثر منكم، لا، ولا حتى النور! إني أود أن أقدم بكل سرور عيني ربوات المرات وأكثر - ما أمكن - من أجل توبة نفوسكم!... إني أحبكم، حتى أذوب فيكم، وتكونون لي كل شيء، أبي وأمي وإخوتي وأولادي.]

3. المحبة الزوجية

"لِيَكُنِ الزِّوَاجُ مُكَرَّمًا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْمَضْجَعُ غَيْرَ نَجِسٍ. وَأَمَّا الْعَاهِرُونَ وَالزُّنَاةُ فَسَيَدِينُهُمُ اللهُ" [٤].

إذ يكون الزواج مكرمًا في عيني إنسان بحق لا يطيق الدنس والنجاسة. فالمسيحي الحقيقي يعيش في طهارة ونقاوة غير منغمسٍ تحت عبودية الشهوات الجسدية.

يؤكد الرسول "لِيَكُنِ الزِّوَاجُ مُكَرَّمًا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ"، أي في عيني المتزوج كما في عيني البتول، فقد خشي الرسول من تسلل الأفكار الغنوسية التي تعادي الجسد وتشوه الزواج بكونه دنسًا. هذا ما اهتم به حتى آباء البرية تأكيده للرهبان والراهبات، فإن اختيارهم لحياة البتولية ليس إلاَّ رغبة في تكريس كل الطاقات للعبادة أو الخدمة، وليس بغضًا أو تدنيسًا للحياة الزوجية.

كتب القديس أثناسيوس الرسولي إلى الأب آمون هكذا: [يوجد طريقان للحياة... الواحد عفيف وعادي أقصد به الزواج، والآخر ملائكي وفائق للطبيعة أقصد به البتولية، إن اختار إنسان طريق العالم أي الزواج فبحق لا يُلام لكنه لا ينال المكافأة كالآخر، إذ هو يثمر ثلاثين ضعفًا، إما إن قبل إنسان الطريق المقدس غير الأرضي - إن قورن بالسابق - فهو طريق وعر يصعب تحقيقه، لكن عطاياه أكثر عجبًا إذ ينتج ثمارًا أكمل أي مئة ضعف.]

يقول القديس چيروم: [بينما نحن نسمح بالزواج لكننا نفضل البتولية التي تنبع عن الزواج... هل تُحسب إهانة للشجرة إن فضل تفاحها عن جذورها وأوراقها؟ وهل يتأذى القمح لأنك تعطي الأولوية للسنبلة عن الساق والنصل؟ كما أن التفاح هو من الشجر وحبوب الحنطة من السنبلة هكذا البتولية هي من الزواج. قد تتحقق المحاصيل مئة ضعف وستون وثلاثون عن تربة واحدة وزرع واحد، لكن الاختلاف هو في الكمية. الثلاثون ضعفًا يشير إلى الزواج... والستون ضعفًا يشير إلى الترمل حيث يوجد الأرامل في شيء من الضيق والتعب... والمئة ضعف يشير إلى إكليل البتولية.]

ينتقل الرسول من الحديث عن قدسية النظرة إلى الزواج مع الهروب من العهارة والزنا إلى الحديث عن عدم محبة المال والاتكال على الله بلا خوف ولا قلق إذ هو يهتم بنا ويعولنا. "لِتَكُنْ سِيرَتُكُمْ خَالِيَةً مِنْ مَحَبَّةِ الْمَالِ. كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لأَنَّهُ قَالَ: لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ، حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ: الرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟" [٥-٦]. الزنا ومحبة المال مرتبطان معًا، فإن كليهما يصدران عن فراغ القلب، ولا يكون لهما موضع للقلب الشبعان بمحبة الله، إذ هو ليس في عوز لا إلى لذة جسدية تهب راحة وقتية ولا مال يتكيء عليه! محبة الله تشبع الإنسان فيستريح جسديًا وروحيًا ونفسيًا تحت كل الظروف.

4. محبة الرعاة:

"اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ، فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ" [٧]. لنذكر الآباء الرعاة الذين يختفون وراء كلمة الله، فيشهدون لا بما لهم بل بالكلمة الإلهي المعلن في كرازتهم وفي سلوكهم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أي نوع من الإقتداء هو هذا؟ بالحق نتمثل بما هو صالح فيهم. إذ يقول: "انظروا حياتهم، فتمثلوا بإيمانهم". فإن الإيمان إنما يعلن في الحياة النقية.] وقد سبق لنا في كتابنا "الحب الرعوي" أن تحدثنا عن التزام المؤمنين بإعلان الحب للكاهن من أجل كلمة الله التي كرس حياته لها واختفى فيها وعاشها. ومن جانب الكاهن ألا يكرز بالكلام فحسب، وإنما بحياته التي يلزم أن تكون مضيئة وشاهدة للحق.

5. الهروب من الهرطقات

"يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ. لاَ تُسَاقُوا بِتَعَالِيمَ مُتَنَّوِعَةٍ وَغَرِيبَةٍ" [٨-٩].

إذ أراد أن يوصيهم بعدم الانسياق وراء التعاليم الغريبة المتنوعة أكد لهم أن "يسوع المسيح هو أمس واليوم وإلى الأبد". إنه ابن الله الحيّ الذي لم ولن يتغير، نقبله كما قبله آباؤنا بالأمس، ونسلم الإيمان به للأجيال المقبلة بلا انحراف.

إنه رئيس الكهنة السماوي الذي عمل في آبائنا، ولا يزال يعمل لحسابنا، ويبقى عاملاً إلى الأبد حتى يدخل بالكنيسة كلها إلى مجده الأبدي.

إذ نتمسك بالسيد المسيح نرفض البدع والهرطقات، لا نطلب جديدًا، إذ مسيحنا لا يشيخ ولا يقدم، بركاته جديدة في حياتنا كل يوم.

هنا أيضًا يلمح إلى الهرطقات التي ظهرت في عهده، إذ حملت فكرًا غنوسيًا يحرم الأطعمة لا لأجل النسك الروحي، وإنما كدنسٍ يلزم الامتناع عنها كما يدنسون الزواج. يقول الرسول: "لأَنَّهُ حَسَنٌ أَنْ يُثَبَّتَ الْقَلْبُ بِالنِّعْمَةِ، لاَ بِأَطْعِمَةٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا الَّذِينَ تَعَاطَوْهَا" [٩]. حتى في تلميحه يتحدث الرسول بلطف لينزع عنهم النظرة الغنوسية، مقدمًا إليهم نظرة مقدسة إلى كل شيء حتى الطعام.




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 13 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين اصحاح 13 جـ2 PDF Print Email

6. التألم مع السيد المسيح

انتقل بهم الرسول من عدم الانسياق وراء البدع والهرطقات إلى ضرورة التأمل في آلام السيد المسيح المصلوب، وعوض الانشغال بالأطعمة الزمنية يليق بنا أن نرفع قلوبنا إلى الذبيح السماوي القدوس!

لقد أراد الرسول بالتأمل في الصليب أمرين: نزع المرارة التي لحقت بالعبرانيين الذين آمنوا بالمسيح لأنهم حُرموا من الطقوس اليهودية وطردوا من المحلة، وقبول الآلام مع المصلوب بفرح وسرور. يقول الرسول: "لَنَا مَذْبَحٌ لاَ سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَخْدِمُونَ الْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ. فَإِنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يُدْخَلُ بِدَمِهَا عَنِ الْخَطِيَّةِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِيَدِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ تُحْرَقُ أَجْسَامُهَا خَارِجَ الْمَحَلَّةِ" [١٠-١١]. وكأنه يقول إن كان في الطقس اليهودي يحرم على الكهنة الأكل من الحيوانات التي يُدخل بدمها عن الخطية بيد رئيس الكهنة وتحرق أجسامها خارج المحلة، فبالأولى جدًا ألاَّ يقدر كهنة اليهود أن يتمتعوا بذبيحة السيد المسيح الذي صُلب خارج المحلة وارتفع إلى السماوات! حُرموا مما ننعم به، جسد الرب ودمه المبذولين من أجلنا، حرموا من سرّ الإفخارستيا الواهب التقديس! هنا يطمئنهم الرسول أنهم ليسوا هم محرومين بل أصحاب الطقس اليهودي الذين لا يزالوا في الظل والرمز محرومين من أكل الذبائح الحيوانية التي يقدسها رئيس الكهنة عن الخطية ومن الذبيحة الحقيقية التي وهبها السيد لمؤمنيه.

هذا العمل الطقسي أيضًا حمل رمزًا أن السيد المسيح يُطرد خارج المحلة ويُصلب خارج أورشليم، حتى نلتزم بالخروج معه وإليه لنحمل عار صليبه، ونشترك معه في آلامه خلال طردنا من أورشليم. "لِذَلِكَ يَسُوعُ أَيْضًا، لِكَيْ يُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ، تَأَلَّمَ خَارِجَ الْبَابِ. فَلْنَخْرُجْ إِذًا إِلَيْهِ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ حَامِلِينَ عَارَهُ" [١٢-١٣]. إن كان هؤلاء العبرانيون قد طردهم مجلس السنهدرين كمرتدين، لا يخجلوا، فقد سبق أن طُرد مسيحهم قبلهم. إنه لمجد عظيم أن نُطرد معه، ونبقى خارج المحلة عربون خروجنا من هذا العالم وتمتعنا بالمدينة العتيدة؛ "لأَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لَكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ" [١٤]. الطرد من أورشليم الأرضية عربون الدخول إلى أورشليم العليا.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد صلب خارجًا كمدين، فلا نخجل نحن من طردنا خارجًا.] بخروجه كمذنبٍ صار لنا شرف الطرد خارجًا؛ وإن لم يخرجنا الناس خلال مضايقتهم لنا، نخرج نحن عن محبة الزمنيات، حاملين الصليب في داخلنا، مشتهين المجد السماوي.

7. التسبيح

"فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ لِلَّهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ" [١٥].


الخروج خارج المحلة لا يخلق في النفس تبرمًا، وإنما يحول الإنسان إلى قيثارة إلهية تبعث الفرح وتنطق بالتسبيح، مادام الإنسان لا يخرج بمفرده، وإنما مع السيد المسيح وفيه. يتحول الألم والطرد إلى حالة فرحٍ داخليٍ هو ثمر الروح القدس الذي يبهج المؤمن بتقديم نفسه ذبيحة حب لله في ابنه. هذه البهجة تعلن بالتسبيح خلال الشفاه المعترفة باسمه، وخلال القلب الداخلي، كما خلال العمل بتنفيذ الوصية، إذ يكمل الرسول، قائلاً: "وَلَكِنْ لاَ تَنْسُوا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ، لأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هَذِهِ يُسَرُّ اللهُ" [١٦]. كأن التسبيح ليس مجرد كلمات تنطق بها الشفاه وإنما هي طبيعة يعيشها المؤمن، يعلنها في قلبه بالمشاعر المملوءة حبًا لله، وبالشفاه خلال كلمات التسبيح، وبالعمل الصالح الروحي. يعلق القديس چيروم على كلمات المرتل "لتصفق الأنهار بالأيادي" قائلاً: [إن المؤمنين وقد صاروا أنهارًا تفيض عليها المياه من النهر الأصلي ربنا يسوع تصفق بالعمل الروحي المستمر كما بالأيدي، تسبح للثالوث القدوس بالسلوك الحيّ.]

8. الخضوع للمرشدين

"أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ، كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا، لِكَيْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِفَرَحٍ، لاَ آنِّينَ، لأَنَّ هَذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ" [١٧].

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن أهمية الخضوع للإرشاد الروحي، قائلاً: [إن عدم الرئاسة لأمر رديء، يسبب مصائب جمة! إنه بداية الاضطراب والشغب وسوء النظام! وكما أنه إذا نُزع الرئيس عن الخورس لا يبقى ما عليه من لحن ونظام، وإذا أُبعد عن الجيش قائده لا يثبت في استقامة ترتيبه... وإذا ما عدمت السفينة مدبرها تغرق، هكذا إذا أُبعدت الراعي عن المرعى تسيء إليه وتهلكه... إذن فعدم الرئاسة أمر رديء ومسبب للفساد، وأما ما هو أردأ منه فهو عصيان المرؤوسين... فإذ لا يرضخ الشعب لرسم رئيسه يكون حاله أشبه بمن لا رئيس لهم، بل وأكثر شرًا. لأن الذين ليس لهم رئيس معذورون في سوء نظامهم... أما من لهم رئيس ولا يطيعونه فلا عفو لهم وإنما يعاقبون.]

ليست طاعة المرشدين تعني أرستقراطية الرعاة أو أفضليتهم عن الشعب، فإن الرسول بولس نفسه يشعر بعوزه إلى صلوات شعبه، قائلاً: "صَلُّوا لأَجْلِنَا، لأَنَّنَا نَثِقُ أَنَّ لَنَا ضَمِيرًا صَالِحًا، رَاغِبِينَ أَنْ نَتَصَرَّفَ حَسَنًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَلَكِنْ أَطْلُبُ أَكْثَرَ أَنْ تَفْعَلُوا هَذَا لِكَيْ أُرَدَّ إِلَيْكُمْ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ" [١٨-١٩]. يعلن الرسول بولس علاقة الحب المتبادل بين الراعي ورعيته. الراعي يصلي عنهم وهم عنه. هو يشتاق أن يلتقي بهم سريعًا، فيطلب صلواتهم لتسنده ويحقق اشتياق قلبه من نحوهم.

9. ختام الرسالة

يختم الرسول بولس حديثه بالبركة الرسولية: "وَإِلَهُ السَّلاَمِ الَّذِي أَقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ، بِدَمِ الْعَهْدِ الأَبَدِيِّ، لِيُكَمِّلْكُمْ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ لِتَصْنَعُوا مَشِيئَتَهُ، عَامِلاً فِيكُمْ مَا يُرْضِي أَمَامَهُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ" [٢٠-٢١].

جاءت البركة الرسولية متناغمة مع صلب الرسالة، إذ يطلب الرسول لهم من الله الآب أن يهبهم الحياة الكاملة في كل عملٍ صالح ليصنعوا مشيئته، عاملاً فيهم خلال رئيس الكهنة السماوي، راعي الخراف العظيم يسوع المسيح. فإن كان السيد قد تقدم عنا كذبيحة كاملة، خاضعًا لأبيه في طاعة كاملة هكذا يشتهي الرسول أن نحمل سماته فينا.

أخيرًا يطلب الرسول منهم أن يحتملوا كلمة الوعظ [٢٢]. كأن الرسالة هنا موجهة للشعب، إذ يقول لهم: "سَلِّمُوا عَلَى جَمِيعِ مُرْشِدِيكُمْ وَجَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ" [٢٤].

1 لتثبت المحبة الاخوية
2 لا تنسوا اضافة الغرباء لان بها اضاف اناس ملائكة و هم لا يدرون
3 اذكروا المقيدين كانكم مقيدون معهم و المذلين كانكم انتم ايضا في الجسد
4 ليكن الزواج مكرما عند كل واحد و المضجع غير نجس و اما العاهرون و الزناة فسيدينهم الله
5 لتكن سيرتكم خالية من محبة المال كونوا مكتفين بما عندكم لانه قال لا اهملك و لا اتركك
6 حتى اننا نقول واثقين الرب معين لي فلا اخاف ماذا يصنع بي انسان
7 اذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله انظروا الى نهاية سيرتهم فتمثلوا بايمانهم
8 يسوع المسيح هو هو امسا و اليوم و الى الابد
9 لا تساقوا بتعاليم متنوعة و غريبة لانه حسن ان يثبت القلب بالنعمة لا باطعمة لم ينتفع بها الذين تعاطوها
10 لنا مذبح لا سلطان للذين يخدمون المسكن ان ياكلوا منه
11 فان الحيوانات التي يدخل بدمها عن الخطية الى الاقداس بيد رئيس الكهنة تحرق اجسامها خارج المحلة
12 لذلك يسوع ايضا لكي يقدس الشعب بدم نفسه تالم خارج الباب
13 فلنخرج اذا اليه خارج المحلة حاملين عاره
14 لان ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة
15 فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح اي ثمر شفاه معترفة باسمه
16 و لكن لا تنسوا فعل الخير و التوزيع لانه بذبائح مثل هذه يسر الله
17 اطيعوا مرشديكم و اخضعوا لانهم يسهرون لاجل نفوسكم كانهم سوف يعطون حسابا لكي يفعلوا ذلك بفرح لا انين لان هذا غير نافع لكم
18 صلوا لاجلنا لاننا نثق ان لنا ضميرا صالحا راغبين ان نتصرف حسنا في كل شيء
19 و لكن اطلب اكثر ان تفعلوا هذا لكي ارد اليكم باكثر سرعة
20 و اله السلام الذي اقام من الاموات راعي الخراف العظيم ربنا يسوع بدم العهد الابدي
21 ليكملكم في كل عمل صالح لتصنعوا مشيئته عاملا فيكم ما يرضي امامه بيسوع المسيح الذي له المجد الى ابد الابدين امين
22 و اطلب اليكم ايها الاخوة ان تحتملوا كلمة الوعظ لاني بكلمات قليلة كتبت اليكم
23 اعلموا انه قد اطلق الاخ تيموثاوس الذي معه سوف اراكم ان اتى سريعا
24 سلموا على جميع مرشديكم و جميع القديسين يسلم عليكم الذين من ايطاليا
25 النعمة مع جميعكم امين الى العبرانيين كتبت من ايطاليا على يد تيموثاوس




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 13 من رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى العبرانيين +
 



12 مسرى 1733 ش
18 أغسطس 2017 م

التذكار الشهري لرئيس الملائكة الجليل ميخائيل
تملك الملك البار قسطنطين الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك