إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى

+ تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +



تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

المسيح هو العمق

كعادته يبدأ الرسول افتتاحيّته بالشكر لله من أجل عمله مع شعبه، خاصة الذين يبعث إليهم الرسول رسالته. وهو في هذا يعبّر عن شوقه الدائم لحياة الشكر والتسبيح، كما يسند الكنيسة في ضعفاتها ويبعث فيهم روح الرجاء.

يكشف لنا عن سمو شخصية السيّد المسيح، موضّحًا مركزه بالنسبة للآب ومركزه بالنسبة للخليقة، وأخيرًا بالنسبة للكنيسة. وأن هذا الكشف هو لحساب الكنيسة التي هي جسده، تتمتّع بما هو لرأسها. وحين يتحدّث عن الكنيسة يهدف نحو كل عضوٍ فيها، فإن غاية الرسالة، بل وغاية كل عمله الرسولي هو اكتشاف المؤمن وإدراكه إمكانيّاته ليحيا كاملاً في المسيح، وفي هذا كمال الكنيسة.

السيّد المسيح هو العمق، كيف؟

- هو وحده القادر أن يدخل إلى أعماقنا، فيحل مشاكلنا في أعماقها، حلاً جذريًا، لا بتغيير الظروف الخارجيَّة، بل بمصالحتنا مع الآب، فننعم بالأحضان الإلهيَّة، فلا يردّنا إلى جنّة عدن، بل إلى خالق الفردوس نفسه.

- هو وحده بكونه واحدًا مع الآب السماوي، في ذات الجوهر، قادر أن يهبنا الملء. ينزع فسادنا ويهبنا عدم فساده، ويغفر خطايانا، ويهبنا برّه.

- يعالج مشكلة الألم في أعماقها التي أفسدت الحياة البشريَّة في كل الأجيال، لا بإزالة الألم، بل بدخوله طريق الآلام، فنجد لذّة وفرحُا في شركتنا معه وسط الآلام.

1. بولس وأهل كولوسي 1-14.

أ. التحيّة 1-2.

ب. ما سمعه عنهم 3-8.

ج. ما يصليه لأجلهم 9-14.

2. تسبحة لرئيس خلاصنا؟ 15-19.

أ. أصل كل خليقة 15-17.

ب. رأس الكنيسة 18.

ج. فيه يحلّ كل الملء 19.

3. دور رئيس خلاصنا 20-29.

أ. صالحنا بدمّه 20-21.

ب. يؤسّسنا في برّه 22-23.

ج. يهبنا الفرح وسط الآلام 24-25.

د. يكشف لنا السرّ المكتوم 26-27.

ه. يحضرنا كاملين فيه 28-29.

1. بولس وأهل كولوسي

أ. التحيّة

"بولس رسول يسوع المسيح بمشيئة الله، وتيموثاوس الأخ" [1].

غالبًا لم تكن كنيسة كولوسي قد تعرّفت على الرسول بولس بالوجه، وها هو يكتب لهم كرسولٍ مرسلٍ لا من إنسانٍ، بل حسب مشيئة الله. فهو ليس بمتطفّل، لكنه يكتب خلال دوره كرسولٍ من قِبل الله.

"وتيموثاوس الأخ": وإن كان القدّيس تيموثاوس لم ينل نعمة الرسوليّة، لكن قد وُهب له أن يكون شريكًا للقديس بولس في خدمته وجهاده. اشترك معه في كثير من رحلاته الكرازيّة، كما ناب عنه فيها، واشترك معه في كتابة عدّة رسائل، وهو في العشرين من عمره، وتحمّل مسئوليّة الأسقفيّة في أفسس، وسُجن معه. كتب عنه: "أُرسل إليكم سريعًا تيموثاوس... لأن ليس أحد نظير نفسي يهتم بأحوالكم بإخلاص، إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم، لا ما هو ليسوع المسيح. وأمّا اختباره فأنتم تعرفونه أنه كولدٍ مع أبٍ خدم معي في الإنجيل" (في2: 2-19).

إلى القديسين في كولوسي،والإخوة المؤمنين في المسيح.نعمة لكم وسلام من الله أبينا، والرب يسوع المسيح" [2].

هنا يدعوهم "إلى القديسين في كولوسي" [2]، بينما يعود فيكتب إليهم: "فاطرحوا عنكم أنتم أيضًا الكل: الغضب، السخط، الخبث، التجديف، الكلام القبيح من أفواهكم" (3: 8)؛ فكيف يدعوهم قديسين؟

1. كلمة "مقدس" معناها مُفرز لعمل معين، أي مُفرز من بين الآخرين ليُنسب لله القدوس. فمع ما لهم من ضعفات، لكن الرب أفرزهم لحساب ملكوته، ويلزمهم أن يحرصوا بالنعمة الإلهية أن يحملوا السمات اللائقة بهم كقديسين.

2. كلمة "مقدس" تحمل معنى النقاوة والطهارة، حيث يتأهل المؤمن لرسالته كشخصٍ مفرزٍ لعمل إلهي. هذه القداسة هي عطية إلهية وليس من عندنا. "لكن اغتسلتم، بل تقدستم، بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا" (1 كو 6: 11). ونحن ملتزمون أن نجاهد بالنعمة حتى ننمو في الحياة المقدسة وإلا نفقدها.

يرى العلامة أوريجينوس أن تعبير قديسين يُستخدم ليس فقط لمن بلغ القداسة، وإنما لمن يشتهي القداسة، ويسعى وراءها بإخلاص، طالبًا أن تعمل نعمة الله فيه.

- اخبرني، منذ متى صرت قديسًا؟ أليس ذلك لأنك آمنت بالرب يسوع، ومتى صرت أخًا مؤمنًا؟ بالحقيقة لم تظهر نفسك حافظة للأمانة، لا بالقول ولا بالفعل ولا بما بلغت إليه. ومتى صرت موضع ثقة حتى يستودعك الرب أسراره تلك التي لم تعرفها الملائكة من قبل؟

- كل مؤمن هو قديس بالرغم من كونه إنسانًا يعيش في العالم، إذ يقول (الرسول) "لأن الرجل غير المؤمن مقدس في المرأة، والمرأة غير المؤمنة مقدسة في الرجل" (١ كو -: ١٤). انظر كيف يقيم الإيمان القداسة؟ فإن رأينا علمانيًا (واحدًا من الشعب) في ضيقة يلزمنا أن نمد يدنا إليه، فلا نكون غيورين تجاه سكان الجبال وحدهم، فإن هؤلاء بحق هم قديسون في سلوكهم كما بالإيمان، أما الأولون فقديسون بإيمانهم والكثير منهم بالسلوك أيضًا. إذن ليتنا لا نذهب إلى راهب ملقى في السجن بينما نمتنع عن الذهاب إلى واحد من الشعب. فالأخير قديس وأخ.]

- هو نفسه جعلنا قدّيسين، لكنّنا مدعوّون أن نبقى قدّيسين. القدّيس هو من يحيا في الإيمان، بلا لوم ويسلك حياة بلا لوم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- من يتنقّى من الشر والخطية (خلال الصليب) يدعى قديسًا. وهكذا فإن غياب الشر عن الإنسان هو كمال أعظم للنفس ويرضى الله جدًا.

القديس أنطونيوس الكبير

هذا ويلزمنا التمييز بين استخدام هذا التعبير للمجاهدين بالنعمة ليصيروا قديسين، وبين استخدامه بالنسبة للذين تمموا خلاصهم فعلاً بالنعمة وانطلقوا إلى الفردوس، بعد أن بلغوا النصرة النهائية. كما يلزمنا التمييز بين القداسة وبين السلوك بلا عيب عن ضعفٍ.

- الأطفال (الصغار) هم بلا عيب، لأن أجسادهم طاهرة، ولا يرتكبون خطيّة، لكنّهم ليسوا قدّيسين، لأن القداسة لا تتحقّق بدون إرادة وجهاد. من لا يفعل خطيّة هو بلا لوم، لكن الشخص القدّيس هو من يمتلئ بالفضائل.

القديس جيروم

"وإلى... الإخوة المؤمنين"، يعنى بالإخوة حافظي الإيمان، أو الثابتين فيه.

"من الله أبينا، والرب يسوع المسيح" [2]، هكذا يعلن الرسول أن الله الآب والرب يسوع المسيح هما واحد في اللاهوت، وهما مصدر ذات النعمة والسلام. ليس كما ادّعى بعض الغنوسيّين أن يسوع المسيح جاء ليخلّص العالم من إله العهد القديم العنيف، خالق المادة. إنّما هو واحد معه.


السابق 123456789التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسي اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email

 

ب. ما سمعه عنهم

"نشكر الله وأبا ربنا يسوع المسيح، كل حين مصلين لأجلكم" [3].

ما كان يشغل الرسول بولس وأيضًا من معه حتى في سجنه أن يقدموا تسبحة شكر لله من أجل امتداد ملكوته في العالم.

الشكر بالنسبة للرسول بولس ليس بندًا من بنود العبادة فحسب، لكنّه يمثّل خطًا جوهريًّا في كل حياته. فمع التزاماته الكثيرة ومشاركته لآلام مخدوميه سواء بسبب الاضطهادات من الخارج أو الانقسامات في الداخل أو المعاناة من أصحاب الأفكار الخاطئة إلاّ أن رسائله تحمل دومًا رائحة الشكر والتسبيح والفرح. بل وفي أكثر من موضع يوصي بالشكر الدائم كما بالصلاة بغير انقطاع. الشكر بالنسبة له ذبيحة حب مقدّمة دومًا باسم ربّنا يسوع المسيح، يشتمّها الآب رائحة رضا وسرور.

إن عُصر الرسول بولس تفيض عروقه شكرًا وفرحًا وتسبيحًا لا ينقطع!

خدمة التسبيح والشكر هي طعام النفس الدسم المشبع لها. "شفتاي تسبحانك. هكذا أباركك في حياتي، باسمك أرفع يدي، كما من شحم ودسم تشبع نفسي" (مز 63: 3-5). وهي أنشودة النصرة على العدو الحقيقي الذي يطلب تحطيم الإنسان بروح اليأس: "من أفواه الأطفال والرضع هيأت سبحًا لإسكات عدو ومنتقم" (مز 8: 2).

يقدّم الكاتب التشكّرات (في صيغة الجمع كما في 1 تس 1: 2)، وقد اعتاد الرسول في أغلب رسائله أن يفتتحها بتسبحة الشكر لله (رو 1: 8، 1 كو 1: 4؛ أف 1: 16؛ في 1: 3؛ 2 تس 1: 3؛ 2 تي 1: 3؛ فل 4).

بدأ بالشكر لله من أجل عمله معهم: إيمانهم به، وحبّهم للقدّيسين، ومن أجل رجائهم في السماويّات. هكذا يتطلّع الرسول إليهم بروح إيجابي مفرح؛ فلا يبدأ بالحديث عن السلبيّات المحزنة، بل بالإيجابيّات المفرحة. بهذا يدفعهم للاستماع إليه بقلب مفتوح، ويملأهم رجاء في النموّ الدائم بلا يأس.

إذ وجد في السجن، مقيدًا في حركته جسديًا، تبقى نفسه منطلقة للعمل بالصلاة الدائمة في يقظة، تطلب خلاص كل نفس. كان في السجن كأسدٍ غالب، كما جاء في إشعياء النبي: "ثم صرخ كأسدٍ: أيها السيد أنا قائم على المرصد دائمًا في النهار، وأنا واقف على المحرس كل الليالي" (إش 21: 8)

ما سمعه عنهم من أبفراس ألهب قلبه بالفرح من أجل ما تمتّعوا به روحيًا، وحثه على الصلاة والشفاعة من أجلهم حتى يصيروا كاملين، مدركين مشيئة الله، ومتمتّعين بالمعرفة الإلهيَّة.

ليس بالأمر العجيب أن يربط الرسول بين شكره لله وصلاته الدائمة من أجل شعبه، فإن كان الله يطلب منّا ذبيحة الشكر والتسبيح، كذبيحة مقبولة لديه، فإن محبّتنا له وتسبيحنا لا ينفصل عن حبّنا لإخوتنا وصلواتنا من أجلهم بلا انقطاع.

حمل الرسول أبوّة صادقة نحو كل مخدوميه، فكان باسمهم لا يكف عن أن يقدّم الشكر لله من أجل عمله معهم.

- وضع (بولس) نفسه في مركز الأب، الشاكر كل حين من أجل أولاده، من أجل ما يمارسونه.

العلامة أوريجينوس

- كل صلاة نقدّمها لله إمّا تُقدّم بشكر لما نلناه، أو بتوسّل لننال ما هو أكثر. لكي يشجعنا أن نطلب عن أنفسنا وعن من نحبّهم، يقول بولس: "ذاكرًا إيّاكم في صلواتي" (أف 1: 16).

الأب ماريوس فيكتورينوس

"إذ سمعنا إيمانكم بالمسيح يسوع،ومحبتكم لجميع القديسين" [4].

إن كان الابن الوحيد الجنس قد تجسد، وقدم نفسه ذبيحة عن حياة العالم، فإننا نقدمها للابن الوحيد الذي أحبنا وأسلم نفسه لأجلنا. فالخلاص هو عمل الثالوث القدوس.

سمع الرسول عن إيمانهم الذي هو ثمرة جهاد تلميذه أبفراس، فقدم ذبيحة الشكر لله، لأن هذا الإيمان ليس هو عمل الرسول بولس ولا تلميذه، بل عطية الله. "لأنكم بالنعمة مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله" (أف 2: 8). "ونحن بقوة الله محرسون بإيمان لخلاص مستعد أن يُعلن في الزمان الأخير" (1 بط 1: 5)

"ومحبتكم لجميع القديسين" [4]: لم يكن إيمانهم عقيدة ذهنية مجردة أو فكرًا فلسفيًا جافًا، لكنه إيمان حي عامل بالمحبة. إيماننا بالمخلص محب البشرية يترجم عمليًا بحبنا لإخوتنا في الرب: "بهذا قد عرفنا المحبة، أن ذاك وضع نفسه لأجلنا، فينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة" (1 يو 3: 16). حمل المؤمنون الحب لجميع القديسين ليس ثمرة روابط بشرية اجتماعية، إنما بكونه أول ثمر الروح (غل 5: 22). المحبة التي تتغنى بها العروس المؤمنة: "قوية كالموت، وسيول كثيرة لا تقدر أن تطفئها" (نش 8: 6-7)

""من أجل الرجاء الموضوع لكم في السماوات،الذي سمعتم به قبلاً في كلمة حق الإنجيل" [5]

إن كنا نسبح الله ونشكره على عطية الإيمان الذي يسحب قلوبنا وأذهاننا لندرك خطة الله الأزلية من نحونا، قبلما أن نوجد، ونسبحه على عطية الحب لكي نمارسها بروحه القدوس في حاضرنا العملي، فإننا أيضًا نشكره على عطية الرجاء الذي لا يعنى أمنية نشتهيها قد تتحقق أو لا تتحقق، إنما الرجاء الذي يفتح أبواب السماء لنختبر عربونها، وندرك حقيقة الأبدية والمجد المُعد لنا، وسرور الله بشركتنا فيه. نرى مسيحنا يحدث الآب: "أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا" (يو 17: 24). هذا هو رجاؤنا الذي لا يخزى (رو 5: 2-5).

"الموضوع لكم في السماوات" [5]، أي محفوظ ومحروس ومضمون "ميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل، محفوظ في السماوات" ( 1 بط 1: 4). هذا الرجاء يتثبت فينا خلال الخبرة السماوية التي نعيشها الآن.

"الذي سمعتم به قبلاً في كلمة حق الإنجيل" [5]: لم يكن بعد قد تسلموا الإنجيل مكتوبًا، لكنهم تسلموه شفاها، نقله إليهم ابفراس فتمتعوا بكلمة الحق الإنجيلي. "لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله، قبلتموها لا ككلمة أناس، بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله، التي تعمل أيضًا فيكم أنتم المؤمنين" (1 تس 2: 13).

 -أعدّ المسيح حياة أخرى لمن لهم رجاء فيه. لأن هذه الحياة معرّضة للخطيّة، أمّا الحياة العليا فمحفوظة كمكافأة لنا.

القديس أمبروسيوس

- لكي ما تبلغوا الخيرات السماوية يجب التمسك بالرجاء الثابت في هذه الخيرات وتدعيمه, مزودًا بأن تكون كل التصرفات الصادرة عنكم متناغمة مع هذه الخيرات.

الأب ثيئودور أسقف المصيصة

- إنّه ليس بدون جهاد نعرف رجاء دعوتنا وغنى ميراث اللَّه في القدّيسين. هذا الجهاد يأتي حقيقة كرد فعل للعطيّة المتجدّدة التي يهبها اللَّه نفسه في قيامة ابنه المجيدة. هذه العطيّة لا يقدّمها مرّة واحدة بل هي عطيَّة مستمرّة... في كل يوم يقوم المسيح من الأموات. في كل يوم يقوم في التائبين.

القديس جيروم

- يكشف لهم بولس أن تدبير الملائكة لا يحقق الرجاء الموضوع أمامنا في القيامة والملكوت, إنما يتحقق بظهور ربنا يسوع المسيح.

الأب سفيريان أسقف جبالة

- إننا فعلاً نرى السماء بعيني الإيمان, إذ نُعد لها في الحاضر بروح غيور.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- نبلغ هذه الرؤيا الإلهية التأملية للسماويات بدقة عندما نمارس التداريب الجسمانية والعقلية, فتتقبل المجد الأزلي غير المنطوق به الذي يعزلنا عن هذا العالم وعن أفكارنا فيه. بهذا نحقق الرجاء الموضوع أمامنا ونثبت فيه بكل يقين.

القديس مار اسحق السرياني

-ليس لنا رجاء في المسيح في هذه الحياة وحدها، حيث يمكن للأشرار أن يفعلوا أكثر من الصالحين، والتي فيها يكون الأكثر شرًا أكثر سعادة، والذين يمارسون حياة أثيمة يعيشون في أكثر غنى.

الأب مكسيموس أسقف تورينو

السابق 123456789التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +

 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email

"الذي قد حضر إليكم كما في كل العالم أيضًا،وهو مثمر كما فيكم أيضًا منذ يوم سمعتم وعرفتم نعمة الله بالحقيقة" [6].

ما تسلموه من أبفراس هو "الحق"، أو "حق الإنجيل"، أي الحق المُفرح. إنه الحق الذي يُبشر به فيهب فرحًا سماويًا. هذه البشارة مقدمة للعالم كله، وليس لفئةٍ معينةٍ من الناس "كما في العالم أيضًا" [6]. الحق الإنجيلي المفرح الذي لا تقف أمامه عقبات الثقافات المتنوعة في العالم ولا عنصرية معينة هو زرع دائم الإثمار متى غُرس في تربة صالحة (مت 13: 23) وهو "مُثمر فيكم منذ سمعتم وعرفتم نعمة الله" [6]

حقا لقد أحب الناس الظلمة أكثر من النور (يو 3: 19)، لكن يبقى الحق عاملاً في الذين تمتعوا به، ولا يستطيعوا أن يحبسوه داخلهم دون الشهادة له، والشوق العملي الحقيقي أن يختبر كل إنسان بهجة الخلاص الإنجيلي.

هذه هي خبرة ارميا النبي القائل: "كلمة الرب صارت لي للعار وللسخرة كل النهار، فقلت لا أذكره، ولا أنطق باسمه، فكان في قلبي كنارٍ محرقةٍ محصورةٍ في عظامي، فمللت من الإمساك ولم استطع" (إر 20: 8-9). هذه هي نار الروح القدس الذي يلهب القلب بالحب المفرح الذي لا يمكن حبسه، بل يفيض بغير انقطاع.

-ليس فقط يُعرف الإيمان في كل العالم, بل وينمو كل يوم... وإذ ينمو ممتدًا كل يوم ينمو أيضًا في العمق بينكم.

الأب ثيؤدور أسقف المصيصة

- يشير ثمر الإنجيل إلي أولئك الذين يسمعون الإنجيل، ويتجاوبون معه بالحياة المستحقة للمديح.

الأب ثيؤدورث أسقف قورش

- مع أن الإنجيل لم يكن بعد قد ضم العالم كله يقول (الرسول) أنه يثمر وينمو في كل العالم ليُظهر إلى أي مدى سيمتد حاملاً ثمارًا ونموًا. إن كان مخفيًا عنا حتى سيمتلئ كل العالم بالكنيسة مثمرًا وناميًا, فإنه دون شك مخفي عنا متى ستكون النهاية, لكن ما هو أكيد أن النهاية لن تأتي قبل كون العالم يمتلئ بالكنيسة.

القديس أغسطينوس

يري العلامة ترتليان وهو يقاوم مرقيون أنه مهما فعل الهراطقة فإن إنجيلنا هو الذي ينتشر في كل موضع وليس إنجيل الهراطقة. ويري القديس أغسطينوس أن هذا الرجاء الثابت في تمتع العالم كله بالإنجيل يتحقق بناء على قول ابن الله بفمه الإلهي: "وتكونوا لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض" (أع 1: 8).

- كرِّم الكنيسة المقدسة وحبها وأمدحها, أمك أورشليم السماوية, مدينة الله. إنها تلك التي في هذا الإيمان الذى تقبله تحمل ثمرًا وتنتشر في كل العالم. إنها كنيسة الله الحي, عمود الحق وقاعدته (1 تي 3: 15), التي في منحها للأسرار تحتمل الأشرار الذين في وقت ما يُعزلوا ويُستبعدوا.

القديس أغسطينوس

"كما تعلمتم أيضًا من أبفراس العبد الحبيب معنا،الذي هو خادم أمين للمسيح لأجلكم" [7]. "الذي اخبرنا أيضا بمحبتكم في الروح" [8].

يقدم لنا الرسول خطوات عملية للصعود إلى التمتع ببهجة الخلاص وقوته، أو لنوال خبرة المجد، هذا السلم الذي يليق بنا أن نصعد عليه درجاته هي الآتي:

1. الشكر مع الصلاة بلجاجة من أجل الكنيسة لدخول كل مؤمنٍٍ إلى المجد [9].

2. الامتلاء بمعرفة مشيئة الله [ المعرفة - الحكمة - الفهم الروحي].

3. السلوك بما يليق بأولاد الله بسرور [10]

4. النمو الدائم في العمل والمعرفة الروحية [10]، أو الثمر المتكاثر.

5. خبرة قوة الله المجيدة العاملة فينا.

6. إدراك حياة النصرة على عدو الخير.

7. الدخول في ملكوت ابن محبته.

8. في المسيح ننعم ببهجة الفداء ومغفرة الخطايا.

ج. ما يصليه لأجلهم

"من أجل ذلك نحن أيضًا منذ يوم سمعنا،لم نزل مصلين وطالبين لأجلكم،أن تمتلئوا من معرفة مشيئته،في كل حكمةٍ وفهمٍ روحيٍ" [9].

إذ سمع القديسان بولس وتيموثاوس عن قبولهم الإيمان على يد ابفراس قدما الشكر لله وتهللت نفسيهما بالتسبيح [1]، لكنهما شعرا بالالتزام من نحوهم، ألا وهو الصلاة الدائمة والطلبة عنهم حتى يصعدوا على سلم الخلاص المفرح بلا توقف، والذي يقوم لا على الجهالة بل على الامتلاء المستمر بمعرفة مشيئة الله، والتمتع بالحكمة السماوية والفهم الروحي الصادق. هذا الدور حيوي في خدمة الرسول من أجل كل الشعوب إذ يقول: "أحنى ركبتي لدى ربنا يسوع المسيح" (أف 3: 14).

كثيرًا ما يشير القدّيس بولس عن نفسه كرجل صلاة من أجل خلاص الناس. لا يقف الأمر عند الرغبة في خلاصهم، وإنّما يحني ركبتيه ويتوسّل بقلبه وفكره كما بكل كيانه لأجلهم. هنا يعلّق الأب ماريوس فيكتورينوس قائلاً: [بالركوع نحقق الشكل والكامل للصلاة والتضرّع. لذا نحني ركبنا. يلزمنا أن نميل إلى الصلاة ليس فقط بأذهاننا وبأجسادنا. حسنًا نحني أجسامنا لئلاّ نخلق فينا نوعًا من التشامخ ونحمل صورة الكبرياء.]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس يكرر كلمة "كل"، لكي يدرك المؤمنون أنهم لن يكفوا عن النمو الدائم حتى يبلغوا كل حكمة وبكل رضا (سرور)، ويمارسوا كل عمل صالح.

ما معنى الامتلاء من معرفة مشيئته؟ أي إدراك سرّ المسيح، الذي وحده يعرف الآب ويعلن معرفته لمن يريد. لا يكف المؤمن عن الطلب حتى ينال ملء المعرفة، باكتشافه سرّ المسيح؛ وبكل حكمة حيث يتحد مع المسيح حكمة الله؛ ويكون له كل فهمٍ روحيٍ حيث يقوده الروح القدس ويدخل به إلى حضن الآب.

-هذه هي مشيئة الله أن نعرفه ونعرف أنه لا يمكننا أن نخلص بواسطة الملائكة وإنما فقط بيسوع المسيح. إذن كيف يمكننا أن نعرف ذلك؟ بالحكمة الروحية لا الزمنية.

الأب سفيريان أسقف جبالة

-ليست بركة ما يُمكن أن تكمل إلا بإلهام الروح القدس. لذلك لم يجد الرسول شيئًا أفضل يتمناه لنا أكثر من هذا, إذ يقول: "لم نزل مصلين وطالبين لأجلكم أن تمتلئوا من معرفة مشيئته في كل حكمة وفهم روحي, لتسلكوا كما يحق للرب". لقد علمنا أن هذه هي مشيئة الله إنه بسلوكنا في أعمال وكلمات ومشاعر صالحة نمتلئ بمشيئة الله الذي يضع روحه القدوس في قلوبنا.

القديس أمبروسيوس

"لتسلكوا كما يحق للرب في كل رضى،مثمرين في كل عمل صالح،ونامين في معرفة الله" [10].

يطلب منّا الرسول ترجمة إيماننا إلى سلوك حيّ. هذا السلوك ليس مجرد فضائل اجتماعيّة نلتزم بها، لكنه سلوك من نوع فريد:

1. سلوك "كما يحق للرب" [10]، نمارسه بكوننا أولاد الله، أيقونة المسيح، حاملين روح الرب فينا. دافعه أننا سفراء المسيح ونحمل وكالة السماء.

2. "في كل رضى"، خلال سلوكنا هذا نرى في الطريق الضيق الذي للصليب مسرّة الله ومسرّتنا نحن، إذ نشارك مسيحنا صليبه، وننعم بشركة الطبيعة الإلهية.

3. "مثمرين في كل عملٍ صالحٍ"، ليس فقط في العطاء المادي والمعنوي للآخرين، إنما في ممارستنا عمل الرب محب كل البشريَّة، الباذل حياته لخلاص العالم. "كل ما فعلتم، فاعملوا من القلب، كما للرب ليس للناس" (كو3: 23). بهذا ندرك إن أكلنا أو شربنا فلمجد الله، وفي نومنا قلبنا متيقّظ، حياتنا بكل الكبائر والصغائر تحمل مسحة الروح لحساب ملكوت الله.

-لقد أُمرنا أن نفعل الخير عندما يُقال: "أترك الشر واصنع الخير" (مز 27:37), لكننا نصلي، لكي نفعل الخير إذ قيل: "لم نزل مصلين وطالبين", ومن بين الأمور التي يسألها بولس يشير إلى: "لتسلكوا كما يحق لله في كل رضى, مثمرين في كل عمل صالح" فكما عرفنا الدور الذى تقوم به الإرادة عندما أُعطيت لنا هذه الأوامر ليتنا نعرف الدور الذي تقوم به النعمة عندما تقدم هذه الطلبات.

القديس أغسطينوس

السابق 123456789التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى اصحاح 1 جـ4 PDF Print Email

"متقوين بكل قوة،بحسب قدرة مجده،لكل صبر وطول أناة بفرح" [11].

تبدو الوصيَّة الإلهيَّة صعبة وطريق الصليب ضيّق للغاية، لكننا إذ نعبر فيه مع مسيحنا المصلوب نختبر قوّة قيامته وبهجتها (أف 1: 19-20). نمارس طول الأناة التي ليست منا، بل هي عمل الله الطويل الأناة فينا، ونفرح ونتهلّل لأننا نحمل شركة سماته. هذه هي خبرة الرسل الذين حين جُلدوا ذهبوا فرحين، لأنهم حُسبوا مستأهلين أن يُهانوا من أجل اسمه (أع 5: 40-41).

في حديث القديس أغسطينوس عن مدينة اللَّه يوضّح أنّه يمكن حتى للأصحّاء عندما يصابون بمرضٍ فلا يقدرون أن يكملوا الطريق إلى مدينة اللَّه، لهذا يسمح اللَّه لهم بالضيقات والمتاعب ومقاومة الناس لهم حتى يتسلّحوا بالصبر وطول الأناة. هذا هو الدواء الذي يقدّمه اللَّه لمواطني مدينة اللَّه لكي يسندهم في الطريق.

- "فاشترك أنت في احتمال المشقّات كجندي صالح" (2 تي 2: 3)... لاحظوا أيّة كرامة عظيمة تحسب أن تخدم ملوكًا على الأرض. فإن كان جندي الملك يلتزم أن يحتمل مشقّات. فعدم احتمال المشقّات ليس هو دور أي جندي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يلزم جنود المسيح الحقيقيّون أن يكونوا دومًا حصونًا للحق ولا يسمحوا مطلقًا لأية إغراءات باطلة قدر المستطاع.

العلامة أوريجينوس

"شاكرين الآب الذي أهلنا لشركة ميراث القديسين في النور" [12].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذا القول يتفق مع طبيعة الله الذي لم يقدّم لنا الميراث فحسب وإنما يؤهلّنا أيضًا له. ويقدّم لنا مثلاً بملكٍ يقيم حاكمًا على مقاطعة ما، فإنه لا يكفي أن يهبه هذا المركز، وإنما يلزمه أن يؤهّل الشخص حتى يمكنه على ملء منصبه فيقوم بمهمته بكفاءة. أما أن يهب الولاية على المقاطعة لشخصٍ دون تدريبه، تنتهي حياة الشخص بطريقة مؤسفة.

إنه يقدّم ميراثًا ويهيّئنا لهذا الميراث. أما دعوته ميراثًا، فلأنه لا يقدر أحد أن يقتنيه بجهاده الذاتي وقدرته وتدابيره، إنما هو عطيَّة مقدّمة من الآب لأولاده كنصيب ميراث لهم.

"في النور" [12]: هذا الميراث هو في المسيح يسوع، شمس البرّ، وسراج أورشليم العليا. فإن أورشليم الجديدة لا تحتاج إلى الشمس والقمر ليضيئا فيها، لأن مجد الله قد أنارها، والخروف سراجها، وهكذا تمشي شعوب المخلّصين في نورها" (رؤ 21: 23-24). إنه النور الإلهي الذي يعكس بهاءه على مؤمنيه فيصيروا كواكب منيرة. "والفاهمون يضيئون كضياء الجلَد، والذين ردوا كثيرين إلى البرّ كالكواكب إلى أبد الدهور" (دا 3:12). "حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم" (مت 13: 43).

يرى القديس أغسطينوس في تقديم الشكر لله الآب الذي أهلنا لشركة ميراث القديسين في النور علامة أن الله الذي أهلنا مشيئة التى تحررنا ليست مشيئتنا بل هي مشيئته.

- يمتلئ المسرح العظيم بالمشاهدين ليتابعوا صراعكم واستدعاءكم للاستشهاد, كما لو كنا نتحدث عن جمهور عظيم قد اجتمع ليتابعوا صراعات المصارعين الذين يُنتظر أن يكونوا أبطالاً.... هكذا العالم كله, وكل الملائكة من على اليمين وعلى اليسار, وكل البشر الذين هم من نصيب الله (تث 32: 9) والذين من غيره, هؤلاء يكونون كمشاهدين عندما نصارع من أجل المسيحية. حقًا فإن الملائكة في السماء تفرح بنا, والفيضانات تصفق معًا بالأيادي... لكن القوات التى من أسفل التي تفرح بالشر لا تتهلل.

العلامة أوريجينوس

"الذي أنقذنا من سلطان الظلمة،ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته" [13]

من الجانب السلبي ينقلنا من العبوديَّة للظلمة التي أفسدت بصيرتنا، ومن الجانب الإيجابي يدخل بنا إلى حريّة مجد أولاد الله، كأبناء للنور. ينتزعنا من الفريق الحامل العداوة لله، مملكة الظلمة، إلى فريق النور والاتحاد مع الله.

جاءت كلمة "سلطان" باليونانيّة معناها "الحق الشرعي". فإن من يعطي ظهره للنور، ويلقي باختياره في هوة الظلمة، يصير لمملكة الظلمة الحق الشرعي لامتلاكه وتشكيله حسب سماتها وطبيعتها الفاسدة. يصير لعدو الخير كرئيس سلطان الظلمة المطالبة بامتلاك مثل هذه النفس واستعبادها لحساب مملكته.

-"الذي أنقذنا من سلطان الظلمة" أي من الخطأ، من طغيان الشيطان. لم يقل فقط "سلطان" بل "سلطان الظلمة"، لأن لها سلطان عظيم علينا يسيطر علينا بقوّة حقَا، إنّه يصعب تمامًا أن نكون تحت الشيطان، أما أن يكون له سلطان علينا هكذا، فهذا أصعب. "ونقلنا إلى ملكوت ابن محبّته". هكذا إذن ليس فقط خلّصنا من الظلمة، وإنّما أظهر محبّته للبشر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- خدمت الملائكة الله لأجل خلاصنا قبل الناموس وفي الناموس, لكن الله لم يحضرنا إلى ملكوته خلالهم. الآن خلال ربنا، ابنه الوحيد الجنس, أُعطي لكم الملكوت.

سفيريان أسقف جبالة

- ليس الناموس بل المسيح الرب الذي حمل الناموس هو الذي أعطانا الخلاص خلال المعمودية المخَّلِصة عندما قدم بولس ذلك بيانًا عن الله مظهرًا إياه أنه صانع كل الأشياء.

ثيؤدورت أسقف قورش

-نفهم من هذه الكلمات أنه يوجد ملك واحد وهو خالق الكون كله. بينما على الجانب الآخر يوجد رئيس هذا العالم الذي يسمى نفسه ملك الظلمة. تخدم ربوات من الملائكة الملك الحقيقى، بينما يلتف حول رئيس قوى الظلمة ربوات من الشياطين (كو 13:1). تتبع الرئاسات والسلاطين والفضيلة ملك الملوك ورب الأرباب. وفي الآخرة حين يُسلم المسيح المُلك للّه الآب بعد أن يكون قد أباد كل رئاسة وكل سلطان وكل قوة للعدو، فإنه لابد أن يملك إلى أن يضع جميع الأعداء تحت موطئ قدميه (1 كو 24:15، 25).

القديس غريغوريوس النيسي

- ليس شيء ينقذ الإنسان من قوة الملائكة الأشرار هذه سوى نعمة الله التي يتحدث عنها الرسول: "الذي أنقذنا من سلطان الظلمة، ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته".

قصة إسرائيل توضح هذه الصورة, عندما أُنقذوا من قوة المصريين، ونقلوا إلى ملكوت أرض الموعد التى تفيض لبنًا وعسلاً إشارة إلى عذوبة النعمة.

القديس أغسطينوس

"نقلنا": يرى القديس أغسطينوس أن شعب الله عبر من مصر خلال البحر الأحمر, هذا العبور أو الفصح (معناه عبور) هو نقل. هكذا نحن أيضًا ننتقل أو نعبر من الشيطان إلى المسيح, ومن العالم الزائل إلى المملكة الثابتة تمامًا. نعبر إلى الله الذي يدوم حتى لا نعبر نحن أيضا من العالم العابر. هنا يسبح الرسول بولس الله من أجل هذه النعمة الممنوحة لنا.إننا نخلص ونجحد الشيطان أفلا نجاهد ألا نسلم منه (لو 12: 56-58) ولا يجعلنا خطاة مأسورين مرّة أخرى؟

"الذي لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا" [14].

يرى العلامة أوريجينوس أن السيّد المسيح سلّم نفسه للعدو في الجحيم ليفدي مؤمنيه، وكان يظن العدو أنّه قادر أن يمسك به هناك، لكنّه لم يدرك أنّه هو وحده القادر أن يحطم المتاريس، لا لينطلق وحده، بل ليحمل على ذراعيه المسبيّين، ويدخل بهم إلى حضن الآب. يقول الرسول: "إذ صعد إلى العلاء سبى سبيًا" (أف 4: 8). لقد اشترانا بدمه وردّنا إلى حضنه.

ويرى القديس مار إفرآم السرياني أن الكلمة صار حملاً فأراد إبليس الذئب أن يفترسه، فهجم عليه وابتلعه، لكن معدته لم تقدر أن تحبسه فيها، بل فجَّرها الحمل الإلهي وأنقذ من كان بداخلها.

-"فداء" هي كلمة مستخدمة عن ما يُعطى للأعداء مقابل خلاص الأسرى وإعادتهم إلى حرّيتهم. لذلك إذ سقطت الكائنات البشريَّة أسرى بواسطة أعدائهم جاء ابن اللَّه الذي صار لنا ليس فقط حكمة اللَّه وبرًّا وقداسة (1 كو 1 : 30) بل و"فداء". سلّم نفسه كفدية عنّا، أيّ سلّم نفسه لأعدائنا وسكب دمه على الذين يتعطّشون إليه. بهذا تحقّق الفداء للمؤمنين.

العلامة أوريجينوس

-المسيح هو فداء، إذ قدّم نفسه كفّارة لحسابنا، وذلك عندما منحنا عدم الموت قنية لنا، لقد افتدانا من الموت بحياته.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- لم يجعلنا اللَّه فقط حكماء وأبرارًا وقدّيسين في المسيح، وإنّما وهبنا المسيح حتى لا يعوزنا شيء لأجل خلاصنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الشخص الذي يترقّب الفداء أسير. لم يعد بعد حرًّا وذلك بخضوعه لسلطان العدو. لذا نحن أسرى في هذا العالم، مربوطين بنير العبوديَّة للرئاسات والقوّات، عاجزين عن تحرير أيادينا من القيود. لهذا نرفع عيوننا إلى فوق حتى يصل الفادي.

القديس جيروم

السابق 123456789التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى اصحاح 1 جـ5 PDF Print Email



2. تسبحة لرئيس خلاصنا؟

أ. أصل كل خليقة

اقتبس الرسول بولس هذه التسبحة الخاصة بشخص السيّد المسيح، رئيس خلاصنا، وهي تتغنّى بمركزه الذي من خلاله يقدّم لنا إمكانيّاته الإلهيَّة. وسواء اقتبسها الرسول كما هي، أو هو واضعها، أو أعطى لمساته التفسيريّة واللاهوتيّة، فإنّها تعتبر من أهم القطع التي وردت في العهد الجديد بخصوص شخص السيّد المسيح.

"الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة" [15].

"صورة الله غير المنظور"، إن كانت الخطية قد حجبت عن الإنسان رؤية مجد الله، فقد جاء الكلمة المتجسّد لا ليقدّم لنا أفكارًا عقلانيّة نظريّة عن المجد الإلهي، وإنما أزال بصليبه الخطية، فانشق الحجاب وصار لنا حق رؤية الله خلال الصليب. لقد أشرق السيد المسيح بنوره الإلهي على شاول الطرسوسي وهو في طريقه إلى دمشق، فأصيبت عيناه الجسديّتان بنوعٍ من العمى، لعجزهما عن رؤية الله، بينما انفتحت بصيرته الداخليَّة وتمتّع بولس الرسول بالنور الحقيقي. هذه الخبرة تمتّع بها الرسل بطرس ويعقوب ويوحنّا على جبل طابور حيث تغيّرت هيئته قدّامهم، وأضاء وجهه، وصارت ثيابه كالنور (مت17: 1-5).

كلمة "صورة"، وفي اليونانيَّة "أيقونة" تعني الإعلان الكامل المنظور للإله غير المنظور، وهو الذي يحمل طبيعة جوهره ورسم بهائه، وهذا هو ما قاله الرب عن نفسه: "من رآني فقد رأى الآب".

جاء السيد المسيح، الكلمة المتجسّد، ليحقق الرغبة التي أوجدها عميقة في قلب الإنسان، ألا وهي الحنين إلى رؤية الله. فكانت شهوة قلب موسى النبي بعد كل ما ناله من أعمال عجيبة هي: "أرني مجدك" (خر33: 18). أيضًا يقول داود المرتل: "أدخل إلى مذبح الله تجاه وجه الله الذي يفرّح شبابي" (مز 43: 4 LXX). بل هذه هي مسرّة الله نفسه أن يتراءى لمحبوبه الإنسان، كما كان يفعل مع آدم في الجنة عند هبوب ريح النهار (تك3: 8-9). لقد جاء ليتمتّع الإنسان بالشركة معه على الأرض، لكي يحمله بالصليب إلى حضن الآب ويتمتّع بالرؤية الإلهية أبديًا.

- يمكن أن توجد صورة بين الآباء والأبناء ومساواة وتشابه لو كان فارق السن غير قائم. لأن تشابه الطفل يأتي من الوالد حتى يُدعي بحق صورة... على أي الأحوال في الله لا يوجد عامل الزمن، فلا يمكن تصور إن الله ولد الابن في زمن هذا الذي خلاله أوجد الأزمنة. لهذا ليس فقط الابن صورته لأنه منه (الله), والشبه لأجل الصورة, بل والمساواة عظيمة هكذا حيث لا يوجد أي تمييز مؤقت يقف حائلاً بينهما.

القديس أغسطينوس

- لنتبصر أولاً وقبل شيءٍ ما هي الأشياء التى تدعي صورًا في الحديث البشري العادي. أحيانًا يستخدم تعبير "صورة" على رسم أو نحت على مادة ما مثل الخشب أو الحجارة. أحيانًا يُقال عن الطفل إنه صورة الوالد (أو الوالدة) عندما يحمل شبهًا لملامح والده في كل جانب... بخصوص ابن الله الذي نتحدث عنه الآن, فإن الصورة يمكن أن تقارن بالتوضيح الثاني هنا, فهو الصورة غير المنظورة لله غير المنظور.

العلامة أوريجينوس

- الصورة العادية صورة جامدة لكائن متحرك. هنا لدينا صورة حية لكائن حي, ومتميزة عنه، مصدرها إلى درجة عالية أكثر مما لشيث الصادر من آدم, وأي نسل من والديه.

القديس غريغوريوس النزينزي

-يعلن الرب: "إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي" (يو 37:10). من ثم إنه يُعَلِم إن الآب يُري فيه إذ هو يتمم أعماله, حتى إن قوة الطبيعة المُدركة تعلن طبيعة القوة غير المدركة, لذلك إذ يشير الرسول أن هذا هو صورة الله فيقول: "الذى هو صورة الله غير المنظور... وأن يصالح به الكل لنفسه". بهذا فإنه هو صورة الله بقوة هذه الأعمال.

القديس هيلارى أسقف بواتييه

- إنه يدعو المسيح الصورة غير المنظورة، ليس لأن الله يصير منظورًا فيه, بل بالأحرى لأن عظمة الله تظهر فيه. من ناحية نحن نرى طبيعة الله غير المنظورة في المسيح كالصورة, بمعنى إنه وُلد من الله... وأنه سيدين كل الأرض عندما يظهر في طبيعته اللائقة به في وقت مجيئه الثاني. هكذا من أجلنا يأخذ حالة "الصورة" المنظورة والتي تنتمي ليسوع الأرضى, لوضعه البشري, وذلك لكي نقدر أن نستدل على طبيعته الإلهية.

الأب ثيؤدور أسقف المصيصة

- إذ هو نفسه صورة الله غير المنظور غير الفاسد, فليشرق عليكم كما في مرآة الناموس. اعترف به في الناموس حتى يمكنك أن تعرفه في الإنجيل.

القديس أمبروسيوس

ذ كان الرسول يكشف عن غاية التجسد الإلهي ويعالج مشكلة الغنوسيين الذين نادى بعضهم بعبادة الملائكة كوسطاء أو أيونات أو شفعاء، يحملون المؤمنين إلى المعرفة الحقيقية للكائن الأسمى، نادى آخرون بأنه ثمة تعارض بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد. لهذا استخدم الرسول تعبير: "صورة الله غير المنظور" ليؤكد أنه الكلمة المتجسد، وهو الخالق الذي به كان كل شيء، ولأجله كان، وفيه تقوم كل الخليقة، هو وحده إذ تجسد وأعلن بالصليب المحبة الإلهية قادر أن يعلن معرفة الآب. نرى الآب وندرك أسراره في الابن المتجسد كما في صورة ليست جامدة لكنها حية قادرة على الكشف عن الآب.

"بكر كل خليقة" [15]

دعوته "بكر كل الخليقة" أو رئيسها، فلا تعني أنه أحد المخلوقات السامية، إنما وقد تجسد صار بإرادته أخًا ليضم الخليقة إليه، فيحملها إلى حضن أبيه. وأنه وحده قادر بدمه يتمم المصالحة بين الآب والبشرية.

يقول البابا أثناسيوس الرسولي أنه لم يرد قط عن السيد المسيح أنه "بكر من الله" أو "خليقة من الله"، إنما كُتب عنه أنه الوحيد الجنس، الابن، الكلمة، والحكمة، هذه كلها تمس علاقة الأقنوم الثاني بالأول، أما قوله "بكر كل خليقة" فهي تسمية تختص بتنازله وتفضّله من أجل الخليقة

 

"فإنه فيه خلق الكل ما في السماوات، وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين، الكل به وله قد خلق" [16].

 

إذا كانت كل الخليقة قد خًُلقت فيه، وهو قبل كل خليقة [17]، إذن فهو ليس بالخليقة بل خالق الخليقة. إذن قيل عنه أنه البكر، ليس لكونه من الآب، لكن لأن كل الخليقة به ظهرت إلى الوجود، وهو لم يزل الابن الوحيد الجنس للآب.

"فيه قد خُلق الكل" [16]، وبه، وله. خُلقت فيه أي في محيط التدبير العقلي للابن، أي خلال حكمة الله، الابن الكلمة والحكمة. وبه خُلقت إذ تحقّقت خطة الخلقة به، حين قال الله فكان. "كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو1: 3).

تأكيد أن فيه خُلق الكل ما في السماوات... مقدمًا بين المخلوقات أعلى الطغمات السمائية" العروش والسيادات والسلاطين" [16]، فلكي يعلن ضرورة التمييز بين الخالق والخليقة، حتى وإن كانت أسمى المخلوقات السماوية، فهو ليس واحدًا منهم، ولا هم شركاء معه في الوساطة أو الشفاعة الكفارية، ورفع الإنسان إلى حضن الآب.

كان لابد للقديس بولس أن يؤكد مرارًا وتكرارًا أن كل الخليقة - ما في السماوات وما على الأرض - مدينة بوجودها لكلمة الله المتجسّد، يسوع المسيح ليطمئن المؤمنين أنه ليس من وجه للمقارنة بين السيد المسيح والملائكة، ردًا على أولئك الذين ادّعوا وساطتهم لدى الله عن البشريَّة دون المسيح.

- "كل شيءٍ به كان وبغيره لم يكن شيءٍ مما كان" (يو 3:1). لا يوجد استثناء واحد من هذا "الكل". الآن إنه الآب الذي صنع كل الأشياء به, سواء المنظور أو الغير المنظور, الحسي والعقلي, الوقتي من أجل تدبير ما أو الأبدي. هذه لم توجد خلال ملائكة ما أو قواتٍ ما, منفصلة عن فكره.

القديس إيريناوس

- لو أنه وُجد شيء قبل الابن, يتبع هذا فورُا أن كل الأشياء في السماء وعلى الأرض لم تُخلق فيه, ويظهر الرسول مخطئ في قوله هذا في رسالته. على أي الأحوال, إن كان لا يوجد شيء قبل مولده, فإنني أفشل في رؤية كيف يُقال عن ذاك المولود قبل الدهور قد جاء بعد وجود أي شيءٍ.

القديس أمبروسيوس

-لا يوجد شك في أن كل الأشياء هي بالابن, إذ يقول الرسول: " به كان كل شيء", وكل الأشياء قد جاءت من العدم, ولا يوجد استثناء في وجود الكل به, فإني أسأل كيف ينقصه شيء من طبيعة الله وقوته؟ فقد استخدم قوة طبيعته لكي توجد هذه الأشياء التي لم تكن موجودة, وإن هذه الأشياء توجد وهي موضوع مسرته.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

- المسيح هو ابن الله الوحيد خالق العالم، لأنه "كان في العالم والعالم به كونّ" و"إلى خاصته جاء" كما علمنا الإنجيل (يو 10:1، 11). لقد خلق المسيح كأمر الآب ليس فقط الأشياء التي تُرى بل وما لا يُرى، إذ يقول الرسول: "فإن فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يُرى وما لا يرى سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق. الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل".حتى إن تحدثت عن العوالم فإن يسوع المسيح أيضًا هو خالقها بأمر الآب، إذ "كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثًا لكي شيء الذي به أيضًا عمل العالمين" (عب 2:1). هذا الذي له المجد والإكرام والقدرة الآن وإلى أبد الأبد آمين.

القديس كيرلس الأورشليمي

- لم يصر كلمة الله من أجلنا بل بالحري نحن قد صرنا من أجله. وبه خلقت كل الأشياء. وليس بسبب ضعفنا نحن كان هو قويًا وصائرًا من الآب وحده، لكي يخلقنا بواسطته كأداة! حاشا! فالأمر ليس كذلك لأنه حتى لو لم يستحسن الله أن يخلق المخلوقات، فالكلمة مع ذلك كان عند الله وكان الآب فيه. وفى نفس الوقت كان من المستحيل أن تكون المخلوقات بغير الكلمة لأنها قد صارت به؛ وهذا هو الصواب. وحيث أن الابن هو الكلمة ذاته حسب الطبيعة الخاصة بجوهر الله، وهو منه وهو فيه كما يقول هو نفسه، لذلك لم يكن ممكناً أن تصير المخلوقات إلا به. لأنه مثلما يضيء النور كل شيء بأشعته وبدون إشعاعه ما كان شيء قد أضاء- هكذا أيضًا فإن الآب خلق كل الأشياء بالكلمة كما بواسطة يد، وبدونه لم يخلق شيئًا.

للقديس أثناسيوس الرسولي

- إذ هو نفسه صورة الله غير المنظور غير الفاسد, فليشرق عليكم في مرآة الناموس. اعترف به في الناموس حتى يمكنك أن تعرفه في الإنجيل.

القديس أمبروسيوس

 

السابق 123456789التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +

 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى اصحاح 1 جـ6 PDF Print Email

"سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين،الكل به وله قد خلق" [16].

يقول القديس أنبا أنطونيوس الكبير أنه توجد أنواع من الملائكة والشياطين:

- أُعطيت لهم أسماء مختلفة حسب نوع كل واحدٍ منهم. فالبعض من الملائكة يُسمون رؤساء ملائكة، والبعض منهم كراسي وربوبيات، والبعض رئاسات وسلاطين والشاروبيم. أُعطيت هذه الأسماء لهم حين حفظوا مشيئة خالقهم.

ومن الجهة الأخرى فإن شر الآخرين جعل من الضروري تسميتهم بأسماء: إبليس والشيطان، بسبب حالتهم الشريرة، والبعض منهم دُعوا شياطين، والبعض أرواح الشريرة وأرواح نجسة، والبعض مُضلّة، والبعض دعوا باسم رؤساء هذا العالم. وتوجد أنواع أخرى كثيرة منهم.

القديس أنبا أنطونيوس الكبير

- كما سبق أن قلت أنه إن كان الكلمة مخلوقًا فلم يكن من اللازم أن يكون هو أولها بل يكون مع سائر القوات الأخرى، حتى وإن تفوق في المجد عن الآخرين بدرجة أكبر. وهذا ما يمكن أن نجده في القوات الأخرى، لأنها وإن كانت قد خُِلقت كلها في نفس الوقت، ولا يوجد أول أو ثانِ، إلا أنها تختلف بعضها عن بعض في المجد، فيقف البعض عن اليمين والبعض حول العرش والبعض الآخر عن اليسار، والجميع يسبحون معًا ويقفون في خدمة الرب.

للقديس أثناسيوس الرسولي

يرى القدّيس ديوناسيوس الأريوباغي أنّه توجد 9 طغمات سمائيّة، يقسّمها في ثلاث مجموعات أو ثلاث رتب كل رتبة تضم ثلاث طغمات.

الرتبة الأولى: يسكنون أبديًا وعلى الدوام في حضرة الله، أكثر التصاقًا بالله، وفوق كل الرتب الأخرى. تضم هذه الرتبة الطغمات: الكراسي (العروش)، والشاروبيم والسيرافيم المملوئين أعيُنًا، وذوي أجنحة كثيرة. وهم متساوون في الرتبة، كاملون أكثر من غيرهم في تشبههم بالله، ومتحدون مباشرة بالنور الأول للاهوت.

الرتبة الثانية: تضم القوات والسلاطين Dominions والربوبيات Virtues.

الرتبة الثالثة: تضم الملائكة ورؤساء الملائكة والرئاسات Principalities.

ويرى ابن العبري أن هذه المجموعات الثلاث هي أشبه بكنائس سمائية ثلاث:

الكنيسة الأولى تضم السيرافيم والكاروبيم والكراسي، هؤلاء الطغمات الثلاث يمثلون معًا العرش الإلهي، فيظهر في حزقيال أن السيرافيم هم مركبة الله الحاملة له، وجاء في المزامير: "أيها الجالس على الكاروبيم". ويحمل اسم الكراسي أو العروش معنى العرش الإلهي.

الكنيسة الثانية: تضم الطغمات: السيادات ثم القوات، فالسلاطين.

الكنيسة الثالثة: تضم الرئاسات، فرؤساء الملائكة ثم الملائكة.

وفي العهد القديم كان رئيس الكهنة يرتدي الصدرية وهي تحمل 12 حجرًا كريمًا، منها تسعة تمثل هذه الطغملت الملائكية، وهي:

الصف الأول: عقيق أحمر يرمز للسرافيم الناريين، وياقوت أصفر يمثل الكاروبيم أصحاب المعرفة، وزمرد يمثل الكراسي.

الصف الثاني: بهرمان وياقوت أزرق وعقيق أبيض.

الصف الثالث عين الهر ويشم وجمشت.

أما الصف الرابع فهو يمثل كنيسة بني البشر المنضمة إلى الكنائس السمائية، وتضم زبرجدًا وجزعًا ويشبًا، إشارة إلى درجات الكهنوت الثلاث: رؤساء الكهنة، والكهنة والشماسة.

"الذي هو قبل كل شيء،وفيه يقوم الكل" [17].

"فيه يقوم الكل" [17]: لم يكن الابن مجرد أداة لتحقيق الخلقة، لكنه كمالكٍ ومحبٍ لها يرعاها ويهتم بها، يعمل على استمرار ديناميكيتها، إذ هو "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب1: 3). تُقدّم له التسبحة السماويّة: "أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة، لأنك خَلقت كل الأشياء، وهي بإرادتك (لمسّرتك) كائنة وخُلقت" (رؤ4: 11). كل الأمور خاضعة له، وخلال قوّته الإلهيَّة الخلاّقة على الدوام تمتّع الخليقة بالاستمراريّة. أنّه ضابط الكل ومدبّر كل شيء. ليس شيء ما في العالم أو في الحياة وليد الصدفة، بل هي تحت سيطرة المسيح.

-إن كانت الخليقة قد خُلقت عن طريق الابن، وأن "فيه تثبت (تقوم) كل الأشياء في الوجود" [17]، فإن الذي يتأمّل الخليقة بطريقة مستقيمة، لابد أن يرى أيضًا بالضرورة الكلمة الذي خلقها، ومن خلال الكلمة يبدأ أن يُدرك الآب.

-لم يُلقّب بكرًا كمساوٍ للمخلوقات، أو أولهم زمنيًا [لأنه كيف يكون هذا وهو نفسه الوحيد الجنس بحق؟] لأنه بسبب تنازل الكلمة إلى المخلوقات، صار أخًا لكثيرين. وهو يعتبر وحيد الجنس" قطعًا، إذ أنه وحيد وليس له إخوة آخرون، والبكر يُسمّى بكرًا بسبب وجود اخوة آخرين... إن كان بكرًا لا يكون وحيدًا (1يو 4: 9)، لأنه غير ممكنٍ أن يكون هو نفسه وحيدًا وبكرًا إلا إذا كان يشير إلى أمرين مختلفين. فهو الابن الوحيد بسبب الولادة من الآب، لكنه يُسمّى بكرًا بسبب التنازل للخليقة ومؤاخاته للكثيرين... فهو مرتبط بالخليقة التي أشار إليها بولس بقوله: "فيه خُُلق الكل" [16]. فإن كانت كل الخليقة خُلقت بواسطته فإنه مختلف عن المخلوقات، ولا يكون مخلوقًا بل هو خالق المخلوقات.

- "فيه يقوم الكل"، من الواضح أن الابن لا يمكن أن يكون "عملاً" لكنه هو يد الله وحكمته.

البابا أثناسيوس الرسولي

ب. رأس الكنيسة

"وهو رأس الجسد الكنيسة،الذي هو البداءة، بكر من الأموات، لكي يكون هو متقدمًا في كل شيء" [18].

"وهو رأس الجسد الكنيسة" حرف العطف "واو" يوضّح أن رعاية السيد المسيح للعالم تقوم على محبّته للبشريَّة، التي يشتهي أن تكون بأجمعها كنيسته الواحدة، بكونها جسده، وهو الرأس.

إنه يرعى العالم، كما يسمح بالتجارب بكل أنواعها لصالح جسده، لأجل تنقية الكنيسة وتمتّعها بشركة مجده. كل الأحداث بما فيها من آلام وافراح تعمل لبنيان الكنيسة، ملكوت الله على الأرض، لتحقّق رسالتها كنورٍ للعالم، وملحٍ للأرض (مت5: 13-15).

بكونها جسده الواحد، يفيض عليها بقدراته وإمكانيّاته بكونه القدّوس، البار، حكمة الله، كلمة الله، الحق، الحياة، والقيامة. فيصير هو سرّ قداستها وبرّها وحكمتها وتمتّعها بالحق كما بالحياة المُقامة. إنه غذاؤها الروحي. هذا ما يعنيه الرسول بولس بقوله: "فإنه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربّيه، كما الرب أيضًا للكنيسة" (أف5: 29)، "هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا لأجل مسرّته" (في2: 13).

"بكر من الأموات"، لا يعني هذا أنه مات كما مات كل واحدٍ من البشر، لكنه قبل الموت في الجسد القابل للموت، قبله بإرادته كاستعارة لكي يحطّم الموت بموته. فلما قام صار المتقدّم، أول القائمين بغير عودة إلى الموت، ودون أن يُصبغ بصبغة الفساد التي حلّت بنا بسبب الخطية. لقد لبس السيد المسيح طبيعتنا ليحملنا فيه، ولبس موتنا دون أن يضرب الموت بسهام الفساد في جسده. بهذا وهبنا حق القيامة والتمتّع بقوّتها، إذ صار لنا بكرًا، وأتى بنا كأبناء كثيرين إلى المجد (عب2: 10). وهو القيامة قدّم لجسده الخاص به خبرة القيامة، مع أنّه لم يكن ممكنًا لجسده أن يحل به الفساد لأنّه واحد مع لاهوته. هذه الخبرة قبلها فيه لكي يكون متقدّمًا في كل شيء، يقدّم لنا خبرته لكي نعيشها، فلا تكون القيامة أو الأمجاد السماويّة والخلود وعودًا مجرّدة، بل تصير بالنسبة لنا حقائق نتلمّسها فيه بكونه قد سبقنا.

"الذي هو البداءة" [18]

كلمة "البداءة" مأخوذة من Arche، وهي في اليونانيَّة تحمل معنيين: الأولويّة أو الأسبقيّة، والأصل. فالسيد المسيح هو بداءة الخليقة، بمعنى أنه أصلها: "في البدء كان الكلمة... كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو1: 1-3)، وهو بداءة الكنيسة، أي أصل الخليقة الجديدة (رؤ 3: 13).

"لكي يكون هو متقدّمًا في كل شيء" [18]: إذ أخلى نفسه آخذًا صورة عبدٍ، وأطاع حتى الموت موت الصليب، "لذلك رفّعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسانٍ أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله" (في 2: 7-11).

- بكونه ذاك الذي فيه خُلقت كل الأشياء يوُصف هنا أنه رأس الكنيسة, التى وُجدت في جسده خلال الميلاد الجديد الروحي, والتي تحمل شكل القيامة المقبلة. التي نرجو أن نشاركه فيها كشركاء في الخلود وذلك عندما نعتمد.

الأب ثيؤدور أسقف المصيصة

-المسيح هو رأس الكنيسة وبكر الراقدين خلال ناسوته، إذ يعبر هنا بولس من الحديث عن اللاهوت إلى التأمل في تدبير الخلاص.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

 

السابق 123456789التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى اصحاح 1 جـ7 PDF Print Email

 نحن المسيحيون نعرف أن القيامة عبرت بالفعل في رأسنا، وأما في الأعضاء فلم تحدث بعد. رأس الكنيسة هو المسيح, وأعضاء المسيح هم الكنيسة. ما حدث قبلاً في الرأس سيحدث تباعًا فى الجسد. هذا هو رجاؤنا, وهكذا نؤمن, من أجل هذا نحتمل ونثابر وسط مقاومات هذا العالم العنيد, مترجين الراحة قبل أن يتحول الرجاء إلى حقيقة.

- "وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيحي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم" (رو 11:8). لهذا فإن الكنيسة الجامعة التي هي في سياحة الحياة الميتة، تنتظر في نهاية الزمن ما قد ظهر أولاً في جسد ربنا يسوع المسيح, الذي هو "بكر الراقدين", لأن الكنيسة هي جسده, وهو رأسها.

القديس أغسطينوس

-كإنسانٍ هو بكر الراقدين, فإنه أولا حطم غُصة الموت وأعطى الكل الرجاء العذب في الحياة الأخرى. إذ قام هكذا تألم. كإنسان إذن تألم، ولكنه بكونه الله المرهوب بقي بلا تغيير.

ثيؤدورت أسقف قورش

-أي نفع نقتنيه من الاعتقاد بأنه هو البداية؟ نحن أنفسنا نصير ما نعتقد به أنه كان عليه البداية.

القديس غريغوريوس النيسي

-أنت تعلم بالحقيقة أن كثيرين ولدوا من جديد وكان هو بكرًا بينهم (رو 29:8)، "هو البداءة، بكر من الأموات" (كو 18:1)، هو الذي هزم ضربة الموت ورتب الميلاد من الأموات بقيامته (أع 24:2). كان المسيح أب لكل هذه الولادات رغم أنه لم يعاين هو نفسه من الآم الولادة. فلم يُجرب الولادة بالماء أو الولادة من الموت أو الولادة كأول مولود من هذا الخلق المقدس بل كانت ولادته خالية من الألم. لهذا السبب تقول العروس "مُختار بين ربوة".

القديس غريغوريوس النيسي

- هذا أيضًا يؤيد اعترافنا هذا, بينما هذا هو الجسد الطبيعي الحقيقي وليس جسدًا آخر يقوم, إلا أنه يقوم متطهرًا من كل أخطائه وتاركًا فساده, إذ قول الرسول هو حق: "يُزرع في فسادٍ ويقوم فى غير فسادٍ, يُزرع في هوان ويقوم في مجد. يُزرع جسمًا طبيعيًا ويقام جسمًا روحانيًا" (1 كو 15: 42-44). فإذ هو جسم روحاني ومجيد وغير فاسد فإنه يجهز ويزين بأعضائه اللائقة به, ليس بأعضاء تؤخذ من موضع آخر, وذلك حسب الصورة المجيدة التي أظهرها المسيح كنموذجٍ دائمٍ... وذلك بالنسبة لرجائنا فى القيامة. لقد أظهر المسيح الكل مثل النموذج, حيث هو بكر القائمين وهو رأس كل خليقة.

روفينيوس أسقف إكويلا

- يملك مثل هؤلاء المسيحيّون مع الملك السماوي في الكنيسة السماويّة، "وهو بكر من الأموات" [18]، وهم أيضًا أبكار، ولكن بالرغم من أن هذه هي حالتهم وهو مختارون ومقبولون أمام الله، فإنهم يعتبرون أنفسهم أقل الكل وليس لهم أي استحقاق. وقد صار أمرًا طبيعيًا عندهم أن يعتبروا أنفسهم كلا شيء.

القديس مقاريوس الكبير

- حينما يُدعى "الابن الوحيد"، فإنه يُدعى هكذا دون أن يكون هناك أي سبب آخر لكونه الابن الوحيد إذ هو الإله الوحيد الجنس الذي في حضن الآب (يو 1: 18). ولكن حينما تدعوه الكتب الإلهية بالبكر فإنها تضيف حالاً عنه السبب الذي من أجله حمل هذا اللقب، فتقول الكتب: "البكر بين إخوة كثيرين" (رو 8: 29). وأيضًا "البكر من الأموات" (كو 1: 18). ففي المرّة الأولى دُعي بكرًا بين اخوة كثيرين بسبب أنه صار مثلنا في كل شيء ما عدا الخطية. وفي المرّة الثانية دُعي "البكر من الأموات" لأنه هو الأول الذي أقام جسده إلى حالة عدم الفساد.

القديس كيرلس الكبير

- تترجم الجلجثة "موضع الجمجمة". إذ هكذا دُعيت بروح نبوية، لأن المسيح هو الرأس الحقيقي قد احتمل الصليب هناك. وكما يقول الرسول: "الذي هو صورة الله غير المنظور" (كو 15:1، 18). وبعد ذلك بقليل يقول: "وهو رأس جسد الكنيسة". وأيضًا: "رأس كل رجل هو المسيح" (1 كو 3:11). وأيضًا: "الذي هو فوق كل رياسة وسلطان" (كو 10:2).

تألمت الرأس في "موضع الجمجمة". يا للظهور النبوي العجيب!

كأن هذا المكان يذكرك قائلاً: "لا تظن أن الذي صُلب هنا إنسانًا مجردًا، لكنه هو رأس كل رياسة، رأسه الآب؛ لأن رأس الإنسان المسيح ورأس المسيح الله (1 كو 3:11).

القديس كيرلس الأورشليمي

ج. فيه يحلّ كل الملء

"لأنه فيه سرّ أن يحل كل الملء" [19].

"لأن فيه سُرّ أن يحل الملء" [19]: هذه هي مسرّة الآب أن يتجسّد الابن الكلمة فيصير إنسانًا كاملاً وهو الإله الكامل "ملء اللاهوت".

"فيه سر أن يحل كل الملء" [19]، فإنه إذ صار إنسانًا، واتحد اللاهوت بالناسوت، لم يتغير لاهوته ولا انفصل عنه الناسوت، ولكن يعلن أن من يتحد معه يتمتع بالملء في كل شيء، لا يصير إلهًا، بل يحمل من سمات الكلمة المتجسد ما يجدد طبيعته، وذلك بعمل روحه القدوس فيتأهل للمجد السماوي. وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي أن كلمة الله صار إنسانًا وبقي هو الله، ويهب الإنسان شركة سماته ويبقى إنسانًا.

أساء ثيؤدورت أسقف كورش وأتباعه وتلميذه نسطور تفسير هذه العبارة، فظنّوا أن يسوع المسيح يحمل شخصيّتين، فهو يسوع الإنسان، وقد حلّ ملء اللاهوت فيه ليصير الإله الكامل، وكأنه وجد زمن أيّا كان قدره كان يسوع إنسانًا بدون اللاهوت.

وقد ردّ القديس كيرلس الكبير على ذلك موضّحًا أنه لم يكن زمن ما ولو إلى طرفة عين وُجد فيه الناسوت دون اللاهوت، وأنه لا يمكن قبول طبيعتيّ المسيح الناسوتيّة واللاهوتية إلا في الفكر فحسب في صفرٍ من الزمن، لأنه لم يقم ناسوت المسيح في زمن ما ولو إلى طرفة عين ليحلّ فيه بعد ذلك اللاهوت. الاتحاد الأقنومي بين ناسوت السيد ولاهوته تحقّق في لحظة التجسّد دون زمن ما يفصل بينهما.

- في الرسالة إلي أهل أفسس يدعو بولس الكنيسة "الملء", لأنها مملوءة بالمواهب الإلهية. بعناية الله تحل في المسيح, وترتبط به, تحت سلطته, وتتبع ناموسه.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- بالنسبة للاهوته فإن لابن الله مجده الذاتى, فإن مجد الآب والابن هما واحد. إذن فهو ليس بأقلٍ في السمو, لأن المجد واحد, ولا أقل في اللاهوت, لأن ملء اللاهوت في المسيح.

القديس أمبروسيوس

3. دور رئيس خلاصنا

أ. صالحنا بدمّه

"وأن يصالح به الكل لنفسه، عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته، سواء كان ما على الأرض أم ما في السماوات" [20].

إذ دخلت الخطية إلى حياة الإنسان أفسدت طبيعته، فحملت عداوة نحو الله. أحيانًا لا يطيق الإيمان حتى بوجود الله، بل ويحاربه ويقاومه، كما يستبدله بالمخلوقات. وإن اعتقد بوجوده لا يقبل وصيّته، وينكر عناية الله ورعايته، ويحسبه كمن يستعبده ليقيّد حريّته ويفقده شخصيّته. "كل تصوّر أفكار قلبه إنما هو شرّير كل يوم" (تك6: 5).

لم يكن ممكنًا للإنسان من جانبه أن يطلب المصالحة، بل أصرّ ان يعطيه القفا لا الوجه (إر 2: 27). فأعدّ الله خطة المصالحة بالصليب، قاتلاً العداوة به (أف2: 16).

1. بالصليب أعلن الله مبادرته بالحب بلا حدود.

2. بالصليب قتل العداوة ونقض حائط السياج المتوسّط بين الإنسان والله، كما بين الإنسان وأخيه (أف2: 14-17).

3. بالصليب أعطى إمكانيّة الإنسان للتمتّع بطبيعة الحب.

تصالحت السماء مع الأرض، إذ أمكن للإنسان الترابي أن يلبس عدم الفساد ويوجد في حضن الآب السماوي القدّوس.

وتصالح الإنسان مع الملائكة، إذ طال انتظار الملائكة لرؤية خلاص الإنسان، فقد بعثهم الله برسائل سماويّة إلى رجال الله، وقد حملوا لهم حبًا كرسل للحب ذاته. وإذ تمّت ذبيحة الصليب تكشّف لهم السرّ المكتوم قبل الدهور من جهة خلاص الإنسان.

- كان ضروريًا لربي ومخلصي ليس فقط أن يولد إنسانًا بين البشر، بل وأن ينزل إلى الجحيم, كإنسانٍ مستعدٍ أمكنه أن يطلق نصيب (قرعة) الكفارة في برية الجحيم. وإذ عاد من ذاك الموضع كمل عمله, واستطاع أن يصعد إلى الآب, وقد تمم التطهير بالكامل على المذبح السماوي, وأمكنه تقديم عربون جسده الذي أخذه معه في طهارة دائمة. هذا هو اليوم الحقيقى للكفارة عندما صار الله كفارة عن البشر. وكما يقول الرسول أيضًا: "إن الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه" (2 كو 19:5). ويتحدث عن المسيح في موضع آخر: "عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته سواء كان ما على الأرض أم ما في السماوات".

العلامة أوريجينوس

- كما بدأ السلام أن يستتب أعلن الملائكة: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام" (لو 14:2). وعندما تقبلت الكائنات الأدنى السلام من الكائنات الأسمى "صرخوا: مجد على الأرض، وسلام في السماوات" (راجع لو 38:19). في ذلك الحين عندما نزل اللاهوت والتحف في الناسوت صرخت الملائكة: "على الأرض السلام", وعندما صعد الناسوت لكي ما يُبتلع باللاهوت (دون زوال الناسوت) ويجلس على اليمين- "سلام في السماء" - صرخ الأطفال أمامه: "أوصنا فى الأعالي" (مت 9:21). لهذا تعلم الرسول أنه يلزم القول: "عاملاً الصلح بدم صليبه سواء كان ما فى السماوات أم ما على الأرض".

القديس مار افرآم السرياني

-السلام الحقيقي علوي. مادمنا مرتبطين بالجسد نحمل نيرًا لأمور كثيرة تتعبنا. ابحثوا إذن عن السلام, وتحرروا من متاعب هذا العالم. اقتنوا ذهنًا هادئًا، ونفسًا هادئة غير مرتبكة, لا تثيرها الأهواء، ولا تجتذبها التعاليم الباطلة, فتتحدى اغراءتها لقبولها حتى يمكنكم أن تنالوا "سلام الله الذي يفوق كل فهم يحفظ قلوبكم" (في 7:4). من يطلب السلام يطلب المسيح, لأنه هو نفسه سلامنا, الذي يجعل الاثنين إنسانًا جديدًا واحدًا (أف 14:2), عاملاً سلامًا, وعاملاً سلامًا بدم صليبه سواء ما كان علي الأرض أم ما كان في السماوات.

القديس باسيليوس الكبير

- احتمل المخلص هذا كله "عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته سواء كان ما على الأرض أم في السماوات" (كو 20:1). لأننا كنا أعداء الله خلال الخطية وحكم الله على الخاطي هو الموت. لهذا كان لابد من تحقيق أحد أمرين: أما أن الله في عدله يبيد كل البشرية، أو في محبته المترفقة يزيل الحكم!

أنظر حكمة الله، فقد حفظ الحكم وفي نفس الوقت حقق محبته! لقد حمل المسيح آثامنا في جسده على الخشبة لكي "نموت عن الخطايا، فنحيا للبرّ" (1 بط 24:2). إنه لم يكن بالهيّن ذاك الذي مات عنا، فليس هو مجرد حمل حرفي ولا إنسان عادي، بل أعظم من ملاك، أنه الإله المتأنس، لم تكن خطايا البشر أعظم من برّ الذي مات بسببها.

لم تكن هذه الآثام كثيرة بالنسبة لبرّ ذاك الذي بإرادته وضع نفسه وبإرادته أخذها.

القديس كيرلس الأورشليمي

"وأنتم الذين كنتم قبلا أجنبيين، وأعداء في الفكر في الأعمال الشريرة، قد صالحكم الآن" [21].

إذ بسط السيد المسيح ذراعيه على الصليب ضمّ في أحضانه كل من يؤمن به من كل الأمم والشعوب، ليحملهم معًا بروح الحب إلى حضن الآب. لهذا يقول الرسول: "لستم إذًا غرباء ونزلاء، بل رعيّة مع القدّيسين" (أف2: 19).

- بقوله:"أعداء في الفكر" يوضح الرسول بولس أن العداوة التي من جانبهم نحو الله لم تكن عن ضرورة أو ألزام، إنما كانت "في الفكر" وعدم الرغبة في العودة لله.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- إذ يستدعي عطايا الله للأمم يظهر بولس كم هم مدينون بكل تقدير لنعمة الله. فقد كانوا أعداء مشورته التي بها قرر أن يفتقد الجنس البشري خلال عبده موسى. لم يستلموا تعليمه وقوته بل عبدوا آلهتهم ومارسوا أعمالهم الشريرة. عبدوا الأعمال التي هم صانعوها.

أمبروسياستر




السابق 123456789التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى اصحاح 1 جـ8 PDF Print Email
ب. يؤسّسنا في برّه.

"في جسم بشريته بالموت، ليحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه" [22].

إذ أحضرنا إليه كأعضاء في جسده، حملنا سماته، فصرنا به قديّسين وبلا لوم، لنا حق الوجود أمام العرش الإلهي دون قيام شكوى علينا.

- مرة أخرى يشير إلى الصليب، ويقدم نفعًا آخر... يقول بموته "يحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه". بالحق ليس فقط ينقذنا من الخطايا، بل ويجعلنا مزكين. احتمل هذا كله ليس فقط لينقذنا من الشرور، وإنما لكي ننال مكافآت، وذلك كمن لا يحرر مجرمًا من العقوبة فحسب، بل ويقدم له كرامة. أنه يضمكم إلى الذين ليس فقط لم يخطئوا بل بالحري الذين صنعوا برًا عظيمًا بحق. أنه يهبكم القداسة أمامه وتكونوا غير ملومين.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- إذ أراد الرسول في رسالته إلى أهل كولوسي أن يظهر أن جسم المسيح هو جسدي وليس روحي مادته أثيريّة، قال بطريقة لها مغزاها: "وأنتم الذين كنتم قبلاً أجنبيّين وأعداء في الفكر في الأعمال الشريرة قد صالحكم في جسم بشريّته بالموت". مرّة أخرى في نفس الرسالة يقول: "وبه أيضًا ختنتم ختانًا غير مصنوع بيد بخلع جسم الجسد" (راجع كو 2: 11).

القديس جيروم

- في المسيح إذ نزع موتنا بعطيّة الخلود... حتى أن كل عمل مستقيم صنعه يُحوى في الوعود التي تُعلن مقدمًا عن التجديد المقبل في وقت مقبل.

ثيؤدور أسقف المصيصة

"إن ثبتم على الإيمان،متأسسين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل الذي سمعتموه،المكروز به في كل الخليقةالتي تحت السماء،الذي صرت أنا بولس خادما له" [23].


يقف القديس يوحنا ذهبي الفم في دهشة أمام هذه العبارة الرسولية الرائعة. فإذ يتمتع الإنسان بموت المسيح على الصليب يصير كمن في سفينة لا تستطيع رياح العالم أن تهزها، بل تكون متأسسة وراسخة وغير متزعزعة (غير منتقلين)، هذه السفينة حاملة بضائع إلهية فائقة منها الإيمان "ثبتم في الإيمان" والرجاء في الإنجيل.

- ما هو رجاء الإنجيل إلا المسيح؟ فإنه هو سلامنا، الذي يعمل كل هذه الأمور...ومن لا يؤمن بالمسيح يفقد كل شيءٍ.

القديس يوحنا ذهبي الفم

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم عن مدى ارتباط هذه العبارات بالحديث السابق، وهل يفتخر بأنه يتألم لأجلهم. ويجيب أنه يوجد ارتباط قوي مع الحديث السابق، حيث أبرز الرسول أن السيد المسيح وحده دون الملائكة هو الذي يقوم بالمصالحة بدمه على الصليب، وأن بولس نفسه كرسول لا دور له، لأنه ما يتألم به إنما هي آلام المسيح العامل فيه وبه. يقول: [أنظروا كيف يربطنا (المسيح) به، لماذا تجعلون من الملائكة وسطاء (للمصالحة مع الآب)؟... يقول: "صرت أنا خادمًا"، فلماذا تًدخلون الملائكة؟ "أنا خادم". لقد أظهر أنه ليس بشيء سوى أنه خادم.]

ج. يهبنا الفرح وسط الآلام


"الذي الآن افرح في آلامي لأجلكم، وأكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي، لأجل جسده الذي هو الكنيسة" [24].

يعلن القدّيس بولس شوقه نحو تكميل آلام المسيح، ليست آلامه الكفّاريّة هذه التي لا يشاركه فيها كائن ما، إذ اجتاز المعصرة وحده، هذه التي لا يمكن أن يقدّمها إلا من كان بلا خطية ما، قادر أن يقدّمها ذبيحة كفّاريّة عن العالم كله. إنّما هي آلام لامتداد ملكوت الله، يحتملها السيد المسيح الساكن في حياة خدّامه وشعبه بكونها آلام هو. هذا ما أوضحه السيد المسيح نفسه لشاول الطرسوسي، حين قال له: "لماذا تضطهدني؟" (أع9: 4). فما وُجّه من اضطهاد ضد المؤمنين حسبه السيد موجّه ضدّه شخصيًّا.

كان الرسول بولس يتهلّل بالآلام لأنها شركة في آلام المسيح، وأيضًا لأنها ضروريّة لبنيان الكنيسة. إنها هبة إلهيّة تقدّم للخدّام كما للشعب: "لأنه قد وُهب لكم... لا أن تؤمنوا به فقط، بل أيضًا أن تتألّموا لأجله، إذ لكم الجهاد عينه الذي رأيتموه فيّ، والآن تسمعون فيّ" (في1: 29-30).

لم يشعر في آلامه من أجل الكنيسة أنه متفضّل على الشعب بهذا، إنّما يحسبها أمرًا لازمًا وضرورة يلتزم بها إذ يحسب نفسه عبدًا لمؤمنين: "فإنّنا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع ربًا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع" (2كو4: 5).

- جسده الآن هو الكنيسة، وقليلون الذين يلمسونها، وكثيرون يضيقون عليها ويزحمونها (لو 8: 45)، فبكونكم أبناء لها قد سمعتم أن جسد المسيح هو الكنيسة، وأيضًا: "وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" (1 كو 12: 27). إن كنا جسده فإن ما يتحمّله جسده في الزحام تتحمّله الكنيسة الآن. كثيرون يضيقون عليها ويزحمونها، وقليلون هم الذين يلمسونها. الجسد يضغط عليها، والإيمان يلمسها. أنصحكم أن ترفعوا أعينكم، يا من لكم العيون التي ترون بها، لأن أمامكم أمورًا تُرى. ارفعوا أعين الإيمان. المسوا هدب ثوبه، فإن هذا يكفي ليهبكم الصحة.

القديس أغسطينوس

- إني أومن هكذا أن ما أتألم به فهو من أجله، وليس فقط أتألم، وإنما أفرح في الألم، متطلعًا إلى الرجاء العتيد، وأنا لا أتألم من أجل نفسي وإنما من أجلكم.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- كيف هذا؟ لأنه لكي أكرز لكم يلزمني أن أتألم. حيث أن المسيح هو رأس الجسد، تتولّد المتاعب خلال كلمة الحق للذين هم في الكنيسة. هذه تُدعى طبيعيًا آلام المسيح.

الأب سفيريان أسقف جبالة

- يملأ (يكمل) بولس آلام المسيح بمعنى أنه يحتمل الآلام لكي يكرز بالخلاص للأمم.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- يعترف بولس أنه يفرح في الآلام التي يحتملها، لأنه يرى نموًا في إيمان المؤمنين. هكذا آلامه ليست فراغًا، حيث بما يتألم به يُضاف إلى حياته. إنه يحسب تلك الآلام مرتبطة بآلام المسيح، للذين يتبعون تعليمه.

إمبروسياستر

"التي صرت أنا خادما لها، حسب تدبير الله المعطى لي لأجلكم لتتميم كلمة الله" [25].

إحساس أبوي رائع من جانب الرسول بولس، فإنّه وإن نال كرامة شركة الآلام مع المسيح، فإنّه وهو يتألّم يحسب نفسه خادمًا للشعب، قدّمه الله لهم بتدبيره الفائق لا كصاحب سلطان بل كخادمٍ وعبدٍ لهم. ما يمارسه هو جزء من خطًة الله من نحوهم، فهو لا يتألّم لأنّه أفضل منهم أو أقدر منهم على احتمال الألم، وإنّما بتدبير الله الذي يحبّهم.

في إسهاب يعلق القديس الذهبي الفم على هذه العبارة مظهرًا أن ما يمارسه الرسول من خدمة للأمم ليس من فكره الخاص، ولا بفضلٍ منه، ولا حدث فجأة، لكنها أمور كانت في خطة الله، أعلنت وتحققت في الوقت المعين.

د. يكشف لنا السرّ المكتوم

"السرّ المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال، لكنه الآن قد أُظهر لقديسيه" [26].

خلال الألم انكشف له السرّ المحتجب منذ الدهور، سرّ حب الله الفائق لخلاص العالم كله. هذا السرّ كان محتجبًا ومخفيًا حتى عن السمائيّين، فلم يكن ممكنًا لطغمة ما سماويّة مهما سمت أن تدركه أو تتخيّل مدى حب الله الفائق للإنسان. هذا السرّ اُظهر لقدّيسيه [26]، حيث رأوا ولمسوا عمل نعمة الله في حياة الأمم حين آمنوا بالخلاص. فصار هذا السرّ هو موضوع شهادة الكل وكرازتهم ليتمتّع البشر بالمجد المُعدّ لهم [27]. بهذا تعرف الرؤساء والسلاطين في السماويّات عليه بواسطة الكنيسة (أف 3: 10).

-إذ تحدث بما بلغنا إليه، مظهرًا رأفات الله والكرامة بعظمة الأمور الموهوبة، قدم اعتبارًا آخر وهو علو هذه الأمور حتى أننا لا نجد أمامنا من يقدر أن يعرفه (المسيح). وذلك كما قال في الرسالة إلى أهل أفسس أنه ولا الملائكة ولا الرئاسات أو أيه قوة أخرى مخلوقة تستطيع ذلك، إنما ابن الله وحده يعرف ذلك (أف 5:3، 10،9).

-إلى الآن لا يزل هذا السرّ مكتومًا حيث أعلن لقديسيه وحدهم.

القديس يوحنا ذهبي الفم

السابق 123456789التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +

 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى اصحاح 1 جـ9 PDF Print Email

"الذين أراد الله أن يعرفهم ما هو غنى مجد هذا السرّ في الأمم، الذي هو المسيح فيكم رجاء المجد" [27].

وسط آلامه يعلن السيد المسيح غنى مجده الفائق ورحمته المقدّمة للأمم، المنسكبة على الجميع بلا تمييز بين يهودي وأممي، دون أدنى استحقاق من جانب الإنسان.

بقوله "المسيح فيكم" يُعلن الرسول لهم أنّه أقرب إلينا من أيّ كائن سماوي، فمع كونه خالق السمائيّين، إلاّ أنّه في داخلنا، ليس ببعيدٍ عنّا، نلتقي معه مباشرة دون حاجة إلى وساطة أيونات كما ادّعى الغنوسيّين.

هو فينا يهبنا كل شيء، هو "رجاء المجد"، فيه نتمتّع بعربون الأمجاد السماويّة. هو حكمتنا وحياتنا ورجاؤنا. فيه ندرك ما نعيشه، إنّنا وسط آلام الصلب معه ممجّدون فيه!

- "غنى مجد هذا السرّ في الأمم". فإنه قد صار ظاهرًا بالأكثر بين الأمم، حيث يقول في موضع آخر: "وأما الأمم فمجدوا الله من أجل الرحمة" (رو 9:15) فإن عظمة مجد هذا السر قد ظهرت بين آخرين أيضًا لكن بالأكثر في هؤلاء. فحدث فجأة تحول الذين كانوا أكثر جمودًَا من الحجارة إلى كرامة الملائكة. وباختصار في بساطة بالكلمات والإيمان دون متاعب ظهر السر وغناه. وذلك كما لو أخذ انسان كلبًا يموت جوعًا ومملوء جربًا في بشاعة ورائحته كريهة وجعله دفعة واحدة إنسانًا لكي يحتل العرش. كانوا قبلاً على الأرض، لكنهم تعلموا أنهم هم أنفسهم أفضل من السماء والشمس وأن العالم في خدمتهم. لقد كانوا أسرى إبليس وفجأة صاروا فوق رأسه، يأمرونه ويجلدونه. تحولوا من أسرى وعبيد للشيطان إلى جسد سيد الملائكة ورؤساء الملائكة. تحولوا من عدم معرفتهم لله إلى أن صاروا فجأة شركاء حتى في عرش الله. أتريدون أن تروا الخطوات العديدة التي وثبوها؟

أولاً: تعلموا أن الحجارة ليست آلهة

ثانيًا: أنها ليست فقط ليست آلهة بل وأقل من البشر.

ثالثًا: أنها أقل من الحيوانات غير العاقلة.

رابعًا: أنها أقل من النباتات.

خامسًا: أنهم سقطوا في المبالغات.

إذ أدركوا هذا كما إلى شيءٍ من العمق كان يلزمهم أن يعلموا أن رب الكل هو الله، وله وحده ينبغي العبادة. وأن الحياة الفاضلة أمر صالح، وأن الموت الحاضر ليس موتًا، ولا الحياة الحاضرة هى حياة. التزموا أن يعلموا أن ذاك الذي هو فوق الكل والذي يحكم الملائكة والسلاطين وكل القوات الأخرى نزل وصار إنسانًا وتألم كثيرًا وقام وصعد.

هذا كله هو السر، وضعه معًا ومدحه قائلاً: "الذي هو المسيح فيكم". فإن كان فيكم، لماذا تطلبون الملائكة؟

القديس يوحنا ذهبي الفم

ه. يحضرنا كاملين فيه

 "الذي ننادي به منذرين كل إنسانٍ،ومعلمين كل إنسان بكل حكمة،لكي نحضر كل إنسان كاملاً،في المسيح يسوع" [28].

لم تقف رسالة القدّيس بولس والعاملين معه عند الكرازة والشهادة للسد المسيح كمخلّصٍ للعالم، بل تمتد أيضًا إلى التعليم بالحكمة الكائنة في المسيح يسوع، هذه التي لا أحد من حكماء هذا الدهر أن يبلغ إليها، لأنها ليست حكمة فلسفيًّة نظريّة، لكنّها قادرة أن تحمل المؤمن إلى الحياة الكاملة الفائقة، الشركة في الطبيعة الإلهيّة. وهي حكمة لا تقتصر على فئة معيّنة كالفلاسفة وتلاميذهم، وإنّما مقدّمة لكل إنسانٍ ليفتح بالروح القدس قلبه ويغرف من الحب الإلهي، بقبوله "المسيح الذي هو حكمة الله هو للجميع" (1كو1: 24، 31). هذا القبول حركة دائمة لا تتوقّف لعلّ المؤمن يبلغ إلى الإنسان الكامل، أيقونة المسيح التي بلا عيب، فيعبر الإنسان من الطفولة إلى النضوج الكامل.

- نحن وليس الملائكة نعلم وننذر، دون غطرسة ولا قهر، فإنه هذا أيضًا من لطف الله للبشر إلا نحضرهم له كمن هو طاغية. يقول: "معلمين" و"منذرين" وذلك كأبٍ أكثر منه معلم.

القديس يوحنا ذهبي الفم

-"نحضر كل إنسان كاملاً في المسيح يسوع"، وليس في الناموس، ولا في الملائكة، لأن هذا ليس كمالاً.

"في المسيح"، أي في معرفة المسيح، لأن من يعرف ما يفعله المسيح تصير له أفكار أعلى ممن يكتفي بالملائكة.

القديس يوحنا ذهبي الفم

"الأمر الذي لأجله أتعب أيضًا،مجاهدا بحسب عمله الذي يعمل فيّ بقوة" [29].

- إن كنت أتعب لأجلكم، لاحظوا كم يلزمكم أن تتعبوا أنتم بالأكثر. مرة أخرى لكي يظهر أن هذا من عند الله يقول: "حسب عمله الذي يعمل فيّ بقوة". إنه يظهر أنه عمل الله.

القديس يوحنا ذهبي الفم

من وحي كو 1

لأدخل بك إلى الأعماق!

- بك وحدك أستطيع أن أدخل إلى أعماق الحب.

مع بولس الرسول يتسع قلبي بالحب.

أحب كل البشرية، لأنك محب للبشر!

أقدم لك مع كل نسمة تشكرات لا تنقطع، من اجل عملك مع البشرية.

وأقدم صرخات لا تتوقف،

مترجيًا قيام الكل وخلاصهم بك.

-بك أدخل إلى الأعماق،

أتلامس معك، فأتعرف على الآب خلالك.

فأنت صورة الآب غير المنظور.

صورة الوحدة معه في ذات جوهره.

أراك فأراه.

أتعرف عليك، فامتلئ من كنوز الحكمة والفهم.

- بك أتعرف عليك،

يا خالق المسكونة وضابط الكل،

والمعتني بكل صغيرة وكبيرة.

- أدخل إلى سرّ كنيستك،

فأكتشف قيادتك لها، يا أيها الرأس المحب لجسده.

تهبها روحك القدس، ليهيئها للقاء الأبدي معك.

تصير بالحق العروس السماوية التي بلا عيب ولا لوم.

يصير لها حق الشركة في المجد، لأنها جسدك المقدس.

تتمتع مع كل لحظة بملء أكثر فأكثر،

حتى تصير أيقونتك الحية.

- بدمك صالحتنا مع الآب.

وبآلامك حولت آلامنا إلى أمجاد.

بصليبك كشفت السرّ الأزلي المكتوم.

بقيامتك دخلت بنا إلى الكمال.

 هب لي أن تنطلق بي من عمق إلى عمق!

فإنني كلما التقيت بك،

يلتهب عطشي إليك!

1 بولس رسول يسوع المسيح بمشيئة الله و تيموثاوس الاخ
2 الى القديسين في كولوسي و الاخوة المؤمنين في المسيح نعمة لكم و سلام من الله ابينا و الرب يسوع المسيح
3 نشكر الله و ابا ربنا يسوع المسيح كل حين مصلين لاجلكم
4 اذ سمعنا ايمانكم بالمسيح يسوع و محبتكم لجميع القديسين
5 من اجل الرجاء الموضوع لكم في السماوات الذي سمعتم به قبلا في كلمة حق الانجيل
6 الذي قد حضر اليكم كما في كل العالم ايضا و هو مثمر كما فيكم ايضا منذ يوم سمعتم و عرفتم نعمة الله بالحقيقة
7 كما تعلمتم ايضا من ابفراس العبد الحبيب معنا الذي هو خادم امين للمسيح لاجلكم
8 الذي اخبرنا ايضا بمحبتكم في الروح
9 من اجل ذلك نحن ايضا منذ يوم سمعنا لم نزل مصلين و طالبين لاجلكم ان تمتلئوا من معرفة مشيئته في كل حكمة و فهم روحي
10 لتسلكوا كما يحق للرب في كل رضى مثمرين في كل عمل صالح و نامين في معرفة الله
11 متقوين بكل قوة بحسب قدرة مجده لكل صبر و طول اناة بفرح
12 شاكرين الاب الذي اهلنا لشركة ميراث القديسين في النور
13 الذي انقذنا من سلطان الظلمة و نقلنا الى ملكوت ابن محبته
14 الذي لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا
15 الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة
16 فانه فيه خلق الكل ما في السماوات و ما على الارض ما يرى و ما لا يرى سواء كان عروشا ام سيادات ام رياسات ام سلاطين الكل به و له قد خلق
17 الذي هو قبل كل شيء و فيه يقوم الكل
18 و هو راس الجسد الكنيسة الذي هو البداءة بكر من الاموات لكي يكون هو متقدما في كل شيء
19 لانه فيه سر ان يحل كل الملء
20 و ان يصالح به الكل لنفسه عاملا الصلح بدم صليبه بواسطته سواء كان ما على الارض ام ما في السماوات
21 و انتم الذين كنتم قبلا اجنبيين و اعداء في الفكر في الاعمال الشريرة قد صالحكم الان
22 في جسم بشريته بالموت ليحضركم قديسين و بلا لوم و لا شكوى امامه
23 ان ثبتم على الايمان متاسسين و راسخين و غير منتقلين عن رجاء الانجيل الذي سمعتموه المكروز به في كل الخليقة التي تحت السماء الذي صرت انا بولس خادما له
24 الذي الان افرح في الامي لاجلكم و اكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي لاجل جسده الذي هو الكنيسة
25 التي صرت انا خادما لها حسب تدبير الله المعطى لي لاجلكم لتتميم كلمة الله
26 السر المكتوم منذ الدهور و منذ الاجيال لكنه الان قد اظهر لقديسيه
27 الذين اراد الله ان يعرفهم ما هو غنى مجد هذا السر في الامم الذي هو المسيح فيكم رجاء المجد
28 الذي ننادي به منذرين كل انسان و معلمين كل انسان بكل حكمة لكي نحضر كل انسان كاملا في المسيح يسوع
29 الامر الذي لاجله اتعب ايضا مجاهدا بحسب عمله الذي يعمل في بقوة

السابق 123456789التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

المسيح هو العلو


في الأصحاح السابق حدّثنا الرسول عن عظمة شخص السيّد المسيح، وبالتالي عظمة عمله في حياة البشريَّة. رأيناه هو العمق الذي بدخل بنا إلى معرفة سرّ الحكمة الأزلية المكتومة، ويهبنا رجاءً للتمتّع بالسماويّات الفائقة. الآن في هذا الأصحاح يحدّثنا عنه بكونه العلو. فإذ نتأسس ونتأصّل فيه لا يمكن أن يهتز بناء نفوسنا، ولا نشعر بعوزٍ إلى شيء.

إنّه يسمو بنا فوق تقاليد الناس الكاذبة، ويرفعنا فوق الحكمة الباطلة والفلسفات الخادعة. يرفعنا فوق الحرف اليهودي، فنتمتّع فيه بالختان الروحي الذي يتحقق بالمعمودية لننال البنوّة للآب. يمحو الخطية فينا وآثارها، فنعيش بروحه القدّوس وننال حكمة الغلبة والنصرة على قوّات الظلمة.

أمّا غاية الكتابة في هذا الأمر فهو تمتّع الكل بسرّ معرفة الآب والابن لنوال كنوز الحكمة في داخلنا.

هكذا يكتب الرسول ويعمل مجاهدًا من أجل محبّته لمخدوميه.

1. الحب هو الدافع، وغنى المعرفة هو الغاية 1-5.

2. المعرفة الإلهيَّة والسلوك 6-7.

3. التحفّظ من خداع الفلاسفة 8.

4. حياة الملء في المسيح 9-10.

5. الختان الروحي والمعموديّة 11-13.

6. الغلبة على الظلمة 14-15.

7. لا عودة للظلال 16-17.

8. عبادة الملائكة 18-19.

9. عظمة الموت مع المسيح 20-23.

1. الحب هو الدافع وغنى المعرفة هو الغاية

يكشف القديس بولس عن اهتمامه العظيم بالكنيسة في كولوسي كما بكل الكنائس، فهو يشتاق أن يتثبت المسيحيون ويترسخون في إيمانهم، وأن يحذروا من جهة الفلاسفة ورجال الناموس المخادعين. أما أفضل الطرق للتحفظ من مهالك شباك العالم وفلسفاته ومن الحرف القاتل للناموس فهو فهم سرّ المسيح؛ لأنه هو الكل في الكل. لذلك يسألهم الرسول أن يتأصلوا في الكلمة "اللوغوس" لئلا يجرفكم المعلمون الزائفون.

كان بعض الفلاسفة المعروفين آنذاك يُعلَّمون بأن الإنسان لا يستحق أن يصل إلى الله مباشرة، بل يحتاج إلى الملائكة للبلوغ إليه (18:2). لم يدركوا حقيقة قوة السيد المسيح أنه الوسيط الوحيد بين الله والإنسان، القائل: "أنا هو الطريق... ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي" (يو 6:14) وقد وبخ القديس بولس أهل كولوسي لإخفاقهم في التعرف على شخص السيد المسيح، وإدراك أنه الرأس الأعلى للكنيسة والوسيط الوحيد بين الله والإنسان.

فإني أريد أن تعلموا أي جهاد لي لأجلكم،ولأجل الذين في لاودكية،وجميع الذين لم يروا وجهي في الجسد" [1].

بالرغم من وجود القديس بولس في السجن، لم يعقه شيء عن الصلاة الحارة لأجلهم، ومع صلواته الكثيرة من أجلهم بعث إليهم برسالةٍ، وبأحد معاونية في الخدمة "تيخيكُس" ليشجعهم (4: 7-8).

لاودكية أو اللاذِّقية وهي مدينة على بعد 10 أو 12 ميلاً من كولوسي وأكثر اتساعًا وازدهارًا، وهي غير اللاذِّقية الميناء السوري المعروف حاليًا.

تُستخدم كلمة "جهاد" الواردة هنا في الأصل اليوناني في تصوير المصارعة في حلبة الوحوش المفترسة. هكذا دخل الرسول كما في حلبة الصراع ضدّ التعاليم الكاذبة، فكان كمن يصارع وحوشًا فتّاكة. ما يقوم به من صراع هو من أجل أبوّته لهم، معرّضًا حياته للموت لأجل إنقاذهم من الضلال.

"وجميع الذين لم يروا وجهي في الجسد" [1]. وكما كتب إلى أهل كورنثوس: "كأني غائب بالجسد، ولكن حاضر بالروح" (1 كو 5: 3). بهذا يشير إلى وحدة المسيحيين في جسد المسيح، الكنيسة، حيث لا يستطيع البعد المكاني عن عزلهم عن بعضهم البعض. وكأنه يقول: "وإن كنتُ غائبًا عنكم في الجسد، لكنني معكم في الروح، فرحًا وناظرًا ترتيبكم ورسوخ إيمانكم في المسيح [5].

- حبه لكل كنيسة وشوقه لحل مشاكلهم، جعله حاضرًا روحيًا مع جميعهم (1 كو 5 :3).

- إن صلاتي بحرارة هي أن تتثبت صداقتنا ثبوتا متينًا كما في المسيح، فلا تهتز بسبب بعد الزمان أو المكان.

القديس جيروم

- لماذا يقول: "إن كثيرين لم يروا وجهي في الجسد"؟ إنه يوضح بطريقة إلهية أنهم يرونه على الدوام بالروح (القدس)، وأنه يشهد لحبهم العظيم.

القديس يوحنا ذهبي الفم

لكي تتعزى قلوبهم، مقترنة في المحبة لكل غنى، يقين الفهم لمعرفة سرّ الله الآب والمسيح" [2].

القُلب هو عرش المشاعر. إن كانت الشهوات الشريرة تقود الذهن إلى مسالك وعرة ونتائج سيئة وانقسامات، فإن تعزية القلب تتحقق بالاتحاد معًا. فالحب مع التواضع يحفزاننا على الجهاد، ليتصالح الكل معًا، ويحملون فكرُا إيمانيًا واحدًا صادقًا.

موضوع جهاد الرسول خاصة في الصلاة من أجلهم، ومن أجل إخوتهم الذين في لاودكيّة والذين لم يرهم ولم يعرفهم بالاسم، هو تمتّعهم بتعزيات إلهيّة داخليّة، وحب صادق، فيدركوا غنى الفهم لسرّ اللَّه الفائق، وينالوا معرفة صادقة لسرّ خطة اللَّه الآب والابن الوحيد الجنس. فلا يكون للشك أو الارتياب أي موضع فيهم.

إن كانت عاصفة هؤلاء المعلّمين الكذبة غاية في الخطورة، لكنّها فرصة لطلب غنى نعمة اللَّه، فيقف الكل كما بقلبٍ واحدٍ محبٍ لمواجهة قوّات الظلمة. خلال هذا الحب وتلك الوحدة الصادقة يتأهّلون لإعلان الحق الإلهي دون مباحثات ومماحكات غبيّة (1 تي 6: 4).

مفتاح ذخائر المسيح هو الإيمان العامل بالمحبّة، فإنّهم إذ يمارسون الحب لا يُحرمون من الدخول إلى المسيح مصدر كل غنى حقيقي وحكمةٍ وفهمٍ.

كثيرًا ما يقدّم لنا الرسول بولس الحب كمفتاح للإعلانات الإلهيّة والتمتّع بالملء. "وأنتم متأصّلون ومتأسّسون في المحبّة، حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القدّيسين... وتعرفوا محبّة المسيح الفائقة المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كل ملء اللَّه" (اف3: 18-19).

عاش شاول الطرسوسي زمانًا تحت الظلال، ظانًّا أن ناموس موسى فيه كل الكفاية. لكن إذ التقى بالسيد المسيح، والذي رفعه من الظل إلى الحق، صارت له معرفة بأسرار عجيبة يشتهي أن يتمتّع الكل بها.

في هذه الرسالة يحدّثنا الرسول عن سرّ له جوانب ثلاثة، تتكامل معًا في حياة المؤمن:

ا. سرّ الكنيسة جسد المسيح (1: 24)، حيث ينفتح باب الإيمان للأمم أيضًا.

ب. سرّ الحياة في المسيح: "المسيح فيكم، رجاء المجد" (1: 27).

ج. سرّ اللَّه الآب والمسيح (2: 2). فإنّه يحلّ في المسيح كل ملء اللاهوت، وهو الذي يهبنا حياة الملء. ما هو سرّ اللَّه الآب والمسيح؟ هو سرّ خطة عمله، موضوع مسرّة الآب والابن معًا، وسرّ معرفة الأب خلال إعلان الابن عنه لمؤمنيه. وكما يقول السيد المسيح: "اللَّه لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر" (يو1: 18). قبل الصليب ما كان يمكن للبشر إدراك سرّ العلاقة بين الآب والابن، التي انكشفت بالصليب والقيامة.

- يقول "أجاهد" - لأية غاية؟ أن تجمعكم أواصر الائتلاف معًا، وما يعنيه هو شيء من هذا القبيل أن يرسخوا في الإيمان ثابتين... وأن يتحدوا بالحب لا بالقسر ولا بالإلزام... أريدكم أن تبلغوا غاية اليقين الكامل، لا "بالغنى" فقط بل "بكل غنى" حيث يكون يقينكم الكامل يقينا عظيمًا، كما في كل شيء.

القديس يوحنا ذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 2 جـ2 PDF Print Email

"المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" [3].

كل من الحكمة والعلم أو المعرفة هو من إعلان الله عن ذاته لنا، نقتنيه فنحمل الحكمة الإلهية والمعرفة السماوية. يرى القديس أغسطينوس أن الحكمة هي القدرة على تذوق الحقائق الروحية، والتمتع بالحق يؤدي إلى مجد الله والتعبد له بمخافة البنين. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم الحكمة هي الإنجيل، أي التمتع بخطة الله الخلاصية المفرحة. أما العلم فهو الحيدان عن الشر (أي 28: 28)، وتقديم كلمة الخلاص للبشر.

هنا يصحح الرسول بولس مفاهيم الفلاسفة الذين يظنون أنهم قادرون بجهادهم البشرى البحت، وقدراتهم الفكرية الذاتية أن يتعرفوا على الحق ويبلغوا الخلاص. فالإنسان عاجز بذاته أن يدرك الله وتدبيره، ما لم يعلن هو عن ذاته. وكما يقول السيد المسيح: "الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر" (يو 1 : 18). وقد وعد تلاميذه بإرسال روحه القدوس الذي يأخذ مما له ويخبرهم ( يو 16: 14- 15).

كشف العهد الجديد عن الحكمة التي صارت لنا في المسيح يسوع التي من بينها الأمور الآتية:

1. دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية (1 يو 1: 7).

2. كلما كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا" (رو 5: 20).

3. الإيمان العامل بالمحبة (غل 5: 6).

4. يخبرنا بأمور آتية ( يو 16: 13).

5. السماء الجديدة والأرض الجديدة، وأورشليم أمنا العليا (رؤ 21).

- يقول: "المذخر" أو "مخبأ"، حتى لا تظنوا أنكم قد أدركتم كل الحقيقة، فإن الحق مَّخبأ حتى عن الملائكة، وليس عنكم وحدكم، حتى تسألوه عن كل شيء فهو وحده يعطي الحكمة والمعرفة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- تلك الأشياء يهبها المخلَّص نفسه إذ يقول: "أُعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات". ويقول الإنجيل إن المخلص قال للرسل الكلمة في سرٍ. إذ تقول النبوة عنه" يفتح بالأمثال فمه وينطق بأسرار منذ تأسيس العالم".

القديس إكليمنضس السكندري

- اعلموا إذن من هو هذا الفقير والمحتاج. إنه المسيح! واعلموا أن فيه مذخر كل أمور الغنى، ذاك الذي ترونه أنتم فقيرًا.

- إذا أخذ لنفسه فقرنا لم يفقد غناه، إذ فيه "مذخر كل كنوز الحكمة والمعرفة". فإن جعتُ لن أسألكم شيئا لأن لي العالم كله وملئَه أيضًا. فلا تجتهدوا أن توفروا لي ما تعطونه، والذي بدونه لا يكون لي ما أريد.

- نحن نعلم أنه ما من شهادات عن الله أسرع ولا أضمن ولا أقصر ولا أعلى أكثر مما في المسيح، "الذي فيه مذخر كل كنوز الحكمة والمعرفة"... في ، إذ يحاول عن طريق هذه الشهادات أن يبرهن لنا كيف يحبنا حبًا عظيمًا.

القديس أغسطينوس

في حوار جرمانيوس مع الأب نسطور ببربة مصر أكد الأخير أن هذه المعرفة يمنحها السيد المسيح لأنقياء القلب.

جرمانيوس: إن كان من الواضح أن كل الذين لم يتقبلوا الإيمان بالسيد المسيح أو الذين فسدوا بتعاليم الهراطقة الشريرة قلوبهم غير نقية، فكيف نجد أن كثير من اليهود والهراطقة وبعض المؤمنين "التابعين للكنيسة الجامعة" الذين لهم خطايا واضحة، لهم معرفة بالكتاب المقدس، ويفخرون بعظمة تعليمهم الروحي، بينما نجد من الجانب الآخر حشود لا حصر لها من القديسين الذين تنقت قلوبهم من كل وصمات الخطية، قانعين بالتقوى الذي للإيمان البسيط دون أن تكون لهم معرفة بأسرار المعرفة الحقيقية؟! كيف تستقيم هذه الفكرة التي تنادي بها ناسبًا المعرفة الروحية لأنقياء القلب وحدهم؟

نسطور: لا يقدر أن يكتشف قيمة ما أكدته إلا الذين يزنون كل كلمة ننطق بها بميزان دقيق. فقد بدأنا الحديث عن أناس ماهرين في النقاش لكنهم عاجزين عن الدخول إلي عمق الكتاب المقدس واكتشاف معانيه الروحية. لأن المعرفة الروحية يطلبها عابدو الله وحدهم، ولا ينالها الذين قيل عنهم: "اسمع هذا أيها الشعب الجاهل والعديم الفهم الذين لهم أعين ولا يبصرون، لهم آذان ولا يسمعون" (إر 21:5). وأيضاً: "قد هلك شعبي من عدم المعرفة، لأنك أنت رفضت المعرفة، أرفضك أنا حتى لا تكهن لي، ولأنك نسيت شريعة إلهك أنسى أنا أيضًا بنيك" (هو 6:4).

فكما قيل أنه في السيد المسيح تكمن كل كنوز الحكمة والمعرفة (كو 3:2)، فكيف يمكننا أن نقول بأن الذي يحتقر التعرف على السيد المسيح، أو عندما يجده يجدف عليه بشفتيه المدنستين، أو على الأقل يدنس بأفعاله الشريرة إيمانه الذي حسب الكنيسة الجامعة، كيف يقدر أن ينال معرفة روحية؟!

"إن الحكمة لا تلج النفس الساعية بالمكر، ولا تحل في الجسد المسترق للخطيئة، لأن روح التأديب القدوس يهرب من الغش، ويتحول عن الأفكار السفيهة، وينهزم إذا حضر الإثم" (حك 4:1، 5).

إذن لا يوجد طريق لبلوغ المعرفة الروحية غير ذلك الطريق الذي وصفه النبي بدقة قائلاً: "ازرعوا لأنفسكم بالبرّ، احصدوا بحسب الصلاح، احرثوا لأنفسكم حرثًا، فإنه وقت لطلب الرب حتى يأتي ويعلّمكمْ البرّ" (هو 12:10). يلزمنا أولاً أن نزرع بالبر، أي بأفعال البر نوسع الكمال العملي. بعد ذلك يجدر بنا أن نحصد رجاء الحياة، أي عن طريق نزع الخطايا الجسدية نجمع ثمار الفضائل الروحية. وهكذا سوف ننجح في إضاءة أنفسنا بنور المعرفة.

يرى المرتل بالمزامير أيضًا أن هذا النظام يلزمنا إتباعه إذ يقول "طوباهم الذين بلا عيب في الطريق، طوباهم الذين يفحصون عن شهاداته" (مز 1:119، 2). فإنه لا يقول في الأول "طوبى للذين يفحصون عن شهاداته" وبعد ذلك "طوباهم الذين هم بلا عيب"، إنما يبدأ بالقول "طوباهم الذين هم بلا عيب"، مظهرًا أنه لا يستطيع الإنسان أن يأتي إلى فحص شهادات الله بلياقة ما لم يسلك في طريق المسيح بلا عيب بحياته العملية.

الأب نسطيروس Nesteros

إن كان السيد المسيح هو"المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة"، فلماذا يقول أنه لا يعلم اليوم ولا الساعة إلا الآب وحده؟

- يمكن لنا أن ندرك لماذا قال إنه لا يعلم اليوم (ولا الساعة). إن كنا نؤمن حقًا إنه كان يجهل فعلاً، فنحن نناقض الرسول الذي يقول: "المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة" [3]. ففيه معرفة مخبأة، وإذ يجب أن تظل مُذخرة فيه، ينبغي لهذا القصد أحيانا أن يُعبر عنها بأنها جهالة (أو هكذا تبدو)، لأنها إن أُعلنت جهارًا ما بقيت سرًا. ولكي تظل المعرفة مخبأةً يعلن أنه لا يعلم، لكن إن كان لا يعلم، لتبقى المعرفة مخفية فيه، فليس ذلك الجهل من صميم طبيعته، إذ هو العالم بكل شيءOmniscient لأنه يجهل فقط لتبقى المعرفة مذخرة فيه (سرًا فيه)، لا لأنه من الصعب عليه تحديد اليوم والساعة، بل ليحثنا دومًا أن نسهر دون فتور وفي إيمان لا يهدأ. وهو يخفي عنا بعض المعرفة يحفظها بمنأى عنا لتظل أذهاننا منشغلةً عن التعلق بأهداب غير اليقين. فتسرع متلهفة عن يوم مجيئه الثاني، وتسهر في رجاء. وهكذا إذ نعلم أن اليوم قريب ولابد آتٍ، فإن عدم تيقننا منه تمامًا يجعلنا منتبهين غير غافلين، ساهرين، لهذا يقول الرب: "كونوا مستعدين (أسهروا) لأنكم لا تعرفون متى يأتي ابن الإنسان" (مت 24: 44) وأيضا "طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا" (مت 24: 46).

القديس هيلاري أسقف بواتييه

- أي سبب حقا يجعلنا نتعجب إن كان حكمتهم العالية أخفق الناس في إدراك سرّ الله الآب والرب يسوع المسيح، الذي فيه تذخر كل كنوز الحكمة والمعرفة، (كو2: 3) هذا السرّ الذي لم يقدر حتى الملائكة علي معرفته، إلا بالاستعلان؟

القديس أمبروسيوس

- من يجد صلاحًا ما إنما يجده في المسيح الذي يحوي كل صلاح.

القديس غريغوريوس النيسى

-المسيح هو الذي يعلن المخفي والمستور (مت 11: 25-27) ويزرع الفهم في قلوبنا، لأن فيه وبه "مذخر كل كنوز الحكمة والمعرفة" (كو 2: 3) وبه ومعه المجد والقدرة من الآب مع الروح القدس من جيل إلي جيل والى أبد الآبدين آمين.

القديس كيرلس السكندري




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 2 جـ3 PDF Print Email

وإنما أقول هذا لئلا يخدعكم أحد بكلام ملق (ناعم أملس)" [4].

أخبرهم أن يحترسوا من أي شخصٍ يريد أن يأسرهم بحكمة زائفة وخداع باطل حسب تقليد الناس، تلك الحكمة المؤسسة علي عناصر كونية، بدلاً من ارتكازها علي المسيح.

بدلاً من إفساد الوقت بأن نتدارس فيه الفلسفات الباطلة والتعاليم الكاذبة والأناجيل المزيفة، يجدر بنا دراسة الحق ومعرفته جيدًا لنعرف كيف نميز أي انحراف عنه.

عانت الكنيسة منذ القرن الأول من الهجمات الشرسة من الداخل (أع 15، 2 بط 2: 1-3، يه 3، 4) وينكر كثيرون الحق بأن يحذفوه سرًا.

يقوم إيماننا الأقدس على أساس الرسل والأنبياء، ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية (أف 2: 20). فلا يليق بنا أن نُخدع بالفلسفات الباطلة. وكما يقول القديس جيروم بأنه إن وعدك أحد بأن المسيح يوجد في برية الوثنيين أو خيام الفلاسفة أو في مجالس الهراطقة السرية، وأنه هناك تقدم معرفة أسرار الله، فلا تصدق. وإنما ليكن لك إيمان الكنيسة الجامعة الذي يضيء في الكنائس من الشرق إلى الغرب. "هكذا قال الرب: قفوا على الطرق وانظروا واسألوا عن السبل القديمة، أين هو الطريق الصالح، وسيروا فيه فتجدوا راحة لنفوسكم " (إر 6: 16).

"ملق" pithanologia، تستخدم هذه الكلمة عن دفاع بعض المحامين بأسلوب جذاب، حيث يمكنهم أن يظهروا الباطل كأنه حق. لذا يليق بالمؤمن أن يكون له روح التمييز فيفرز كلام الحكمة الإنسانية المقنع من برهان الروح المشبع للأعماق (1 كو 2: 4).

-نحترس، بوجه خاص، لئلا ونحن نجاهد في طلب للحكمة، التي هي كائنة في المسيح وحده المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة - أقول نحترس لئلا باسم المسيح ذاته، يخدعنا الهراطقة أو أية أحزاب فاسدة الذهن ومُحبة لهذا العالم.

القديس أغسطينوس

- لا يفتخرن أحد إذن بأنه يعلم ووثيق بالمعرفة البشرية، إذ مكتوب حسنًا في سفر إرميا: "لا يفتخر الحكيم بحكمة ولا يفتخرن القوي بقوته ولا يتفاخر الغنى بغناه، بل من يفتخر فليفتخر بهذا، أنه يفهم ويعرف أنني أنا الرب الذي يتراحم ويدين بالبرّ فوق الأرض" حتى لا نتكل علي ذواتنا بل علي الرب الذي يقيم الميت" يقول الرسول: "الذي خلصنا من موت هذا ثقله حتى لا نتكل علي حكمة الناس، بل علي قوة الله" لأن الروحي يحكم في كل شيء ولكن لا يُحكم عليه في شيء" وأيضًا أنصتُ إلي كلماته هذه: "إنما أقول هذا لئلا يخدعكم أحد بكلام ملِق (مخادع) أو يتسلل أحد ليتلفكم.

القديس إكليمنضس السكندري

فإني وإن كنت غائبًا في الجسد، لكني معكم في الروح، فرحًا وناظرًا ترتيبكم ومتانة إيمانكم في المسيح" [5].

إن كان الرسول بولس غائبًا عنهم بالجسد لكنه كان حاضرًا معهم بالروح، يتهلل بترتيبهم وعدم تشويشهم، كما يفرح بثبات إيمانهم في المسيح يسوع. هذا ليس بالأمر الغريب، فقد كان قلب اليشع النبي يئن وهو يرافق جيحزي عندما لحق بنعمان السرياني يطلب منه هدية (2 مل 5: 20- 27). مرة أخرى يؤكد الرسول بولس لأهل كورنثوس: "فإني أنا كأني غائب بالجسد، ولكن حاضر بالروح... إذ أنتم وروحي مجتمعون" (1 كو 5: 3-4).

-ما أعظم قوة الموهبة التي تؤهلهم أن يعرفوا الأشياء البعيدة حتى يتسنى بذلك أن يجتمع البعيدون ويصيروا واحدًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الكلمتان "ترتيب" و"متانة" اصطلاحان عسكريان يستخدمان في وصف الجيوش في الحرب. فالترتيب يشير إلى دقة النظام والتدبير، فيدرك كل جندي موقعه ودوره، ويتحمل مسئوليته في طاعة كاملة للقيادات. المتانة تفيد الاستعداد العسكري لمواجهة ضربات العدو الخاطفة، كجيشٍ يقظٍ متماسك، له قدراته الهجومية والدفاعية. هكذا يليق بالمؤمن أن يكون جندي المسيح الصالح الذي ينتمي إلى جيش الخلاص، لا ليقاوم إخوته في البشرية، بل عدوه الحقيقي إبليس بكل جنوده الروحيين الأشرار، وقواته وحيله وكل خداعاته.

"إيمانكم في المسيح" ؛ تعبير يتكامل مع تعبير "إيمانكم بالمسيح" (كو 1: 3). فالإيمان موضوعه هو السيد المسيح، وغايته التمتع بالمسيح ذاته. هو بداية الإيمان وطريق الإيمان ونهاية الإيمان. فيه يتهلل المؤمنون، كما تتهلل نفس الرسول بولس كشركة حية معهم في بهجة خلاصهم وتهليل نفوسهم بالشركة مع المسيح.

-كأن القول المباشر هنا هو "حتى وإن كنتُ غائبا بالجسد فأنا أعرف المخادعين". لكن عوضًا عن ذلك يختم عبارته بالمديح: "فرحًا وناظرًا ترتيبكم ورسوخ إيمانكم في المسيح" وبقوله "ترتيبكم" يعنى ترتيبكم الصالح، ورسوخ إيمانكم في المسيح، أي إنكم لا تزالون في طريق الشركة ولم يقل إيمانكم "بل رسوخ إيمانكم كما لجنود واقفين في ترتيب ونظام حسن وفي ثبات. وما هو راسخ لا يهتز لا للخداع ولا للتجربة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

-اكتبوا أسماءكم جميعًا في سفر الحياة ولا تمسحوها أيضًا (لأن أسماء الكثيرين تًمحى بسقوطهم).

ليهبكم جميعًا أن تؤمنوا بالذي قام، وتتطلعوا إلى الذي صعد وسيأتي (ولكن ليس من الأرض، إذ يلزمك أن تحترس من الكذابين الذين سيأتون)، إنما يأتي ذاك الذي يجلس في العلا وهو معنا جميعًا، "ناظرًا ترتيبكم ومتانة إيمانكم" (كو 5:2).

فلا تظنوا أن بغيابه بالجسد غائب عنا بالروح، بل هو موجود في وسطنا يسمع ما يُقال عنه، متطلعًا إلى أفكاركم الداخلية فاحصًا القلوب والكلى" (مز9:7)، الذي هو الآن مستعد أن يُحضر الآتين إلى العماد بل ويُحضركم جميعًا في الروح القدس للآب قائلاً: "ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم اللَّه" (عب 13:2، إش 18:8).هذا الذي له المجد إلى الأبد آمين.

القديس كيرلس الأورشليمي

2. المعرفة الإلهيَّة والسلوك

"فكما قبلتم المسيح يسوع الرب، اسلكوا فيه" [6].
"اسلكوا فيه" من يقبل السيد المسيح يسلك فيه بكونه الطريق الإلهي، فيستطيع أن يجتاز العالم بقلبه وفكره، ويعبر كما إلى حضن الآب، لتستقر أعماقه هناك على رجاء قيامة الجسد والوجود الدائم في المجد الأبدي.

حيث أن يسوع المسيح هو الفائق الكل، أيقونة الله، خالق الجميع. فلماذا يوجد فيكم اشتياق أن تطلبوا وسطاء آخرين؟ يسوع هو المسيا، مسيحُ الله، هو الكلمة، رسالة الله للإنسان، هو الرب أيضا يهوه إله العهد الجديد (فى 2: 11).

لقد قبلوا الرب بإيمان بسيط، قبلوه مخلصًِّا، مصدر الحياة والغبطة وإن كنا نحتاج إليه لينقذنا من الهلاك الأبدي فإننا نحتاجه أيضًا ليرشدنا ويوجهنا في كل جوانب الحياة (يو 6: 39، رو 8: 35-39). أوصينا أن "نسلك فيه"، فنحن جميعنا نحيا ونتحرك ونوجد في المسيح، جميعنا مسندون به (1: 17) وفي كولوسي 3: 5-17 يوضح القديس بولس كيف ينبغي أن يسلك المسيحي.

إذ قد وثقتم الآن بالمسيح ليخلصَّكم، ثقوا به، أيضًا لأجل حل المشاكل اليومية، عيشوا في اتحاد عميق حيوي معه، ولتتأصل جذوركم فيه وتقتات منه.

-"اسلكوا فيه"، لأنه الطريق الذي يقودنا إلي الآب، وليس في الملائكة، فإنهم لا يقتدرون أن يبلغوا بنا إليه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"قبلتم" جاءت نفس الكلمة في قول الملاك ليوسف: "لا تخف أن تأخذ مريم" (مت 1: 20). وكأن قبول المسيح هو اتحاد دائم في حياة مشتركة.

كان بولس دائمًا إنسانًا عمليًا، إذ يقول: نفذَّوا ما تؤمنون (به) ها قد بدأتم حسنا، فاستمروا كما بدأتم! نحن قد وثقنا بالمسيح وثبتنا فيه راسخين (23:1). لهذا عيشوا في اتحادٍ حيويٍ معه. يريد القديس بولس دومًا أن تتناغم حياتنا مع إيماننا. ومن المحزن أن يؤمن مسيحي بالمسيح ويسلك كشيطانٍ.

إن كنا نؤمن بالمسيح ونثق فيه، فلنحيا كما يريدنا هو أن نحيا. وإن كنا متأصلين فيه فلننموا أيضًا فيه. علينا أن نبذل أكثر من مجرد أن نؤمن بحقائق عن المسيح. يجب أن نثق بالمسيح إن كنا نريد الحياة ولا يمكننا أن نكتسبها أو نشتريها فهي هبة مجانية (6:2). فنحن متأصلون في المسيح، وهذا يعني أننا نقتات عليه. فلا يمكن لنباتٍ أن ينمو دون أن يرتبط بالتربة الواهبة الحياة. تبدأ الحياة المسيحية في المسيح ثم لا تلبث أن تنمو في نعمته وعطاياه. لذلك يجب علينا أن نتكل على المسيح لأجل ثبات حياتنا، إذ هو يقيننا من جهة خلاصنا.

 




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 2 جـ4 PDF Print Email

متأصلين ومبنيين فيه، وموطدين في الإيمان،كما علمتم،متفاضلين فيه بالشكر" [7].

"متأصلون" لا يطالب بمجرد السلوك بل التأصل، حيث تتحول حياة المؤمن إلى هيكلٍ، له أساساته الخفية التي يقوم عليها البناء الروحي الشاهق الذي يعبر إلى السماء عينها. علينا أن نطلبه، ففيه وحده إشباع كل احتياجنا الروحي وكفايتنا.

-بهذا الإيمان البسيط الثابت ينبغي أن نثبت في اللََّه، حتى يكشف لمؤمنيه بنفسه كل أسراره، إذ يقول الرسول نفسه: "المذخّر فيه جميع كنز الحكمة والعلم" [3].

القديس أغسطينوس

- ما يتأصل لا يمكن زعزعته. تأملوا كم يختار من عبارات مناسبة. "ومبنيين" أي في الفكر عنه (عن المسيح) و"ثابتين" فيه، أي راسخين فيه (ممسكين به)، مبنيين كما علي أساس. إنه يكشف لهم أنهم قد انهاروا، لأن الكلمة "مبنيين" لها هذه القوة، لأن الإيمان هو في الحقيقة بنيان، يحتاج إلي أساس متين وبناء مأمون (تشييد مضمون) لأنه إن لم يُبنَ الإنسان علي أساس مضمون يهتز البناء... فإن لم يكن راسخا لن يصمد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- هيا أيها الأحباء التفتوا إلى ما يقدمه لكم الرسول من نصح غالٍ، فهو يقول: "كما قبلتم المسيح يسوع ربنا، هكذا اسلكوا فيه، متأصلين ومبنيين فيه، وراسخين في الإيمان". ففي هذا الإيمان البسيط والمؤكد يجدر بنا أن نمكث راسخين فيه، حتى يفتح هو ذاته للمؤمنين المخبأين فيه، إذ يقول نفس الرسول: "المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة"، وهو لم يخفها عن أحد لكي يرفضوها، بل ليثير فيهم الاشتياق للأمور المذخرة.

القديس أغسطينوس

- تأسيس الكنيسة هو خلق للعالم وبحسب النبي إشعياء (إش 65: 17) تُخلق سماء جديدة فيها (الإيمان بالمسيح هو الجلد، كما يقول بولس في كو 2: 5).

القديس غريغوريوس النيسي

3. التحفّظ من خداع الفلاسفة

انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة، وبغرور باطل، حسب تقليد الناس، حسب أركان العالم، وليس حسب المسيح" [8].
بعد أن أعلن الرسول بولس فرحه بتمسكهم بالتقليد الذي تسلموه من الرسل بخصوص شخص ربنا يسوع المسيح أخذ يحذرهم من خداع الفلسفات الكاذبة. بقوله: "انظروا" يقدم تحذيرًا من السقوط في سبي الفلسفة أو الاستعباد لها. يرى في المعلمين الكذبة أشبه بتجار العبيد الذين يحملون أسرى الحرب قسرًا إلى أسواق العبيد تحت ستار الكلمات المعسولة الملقة، فيحرمونهم من حرية مجد أولاد الله.

يدعوها "غرور باطل"، لأنها جوفاء لا تقدم إلا الفراغ، لأنها تصدر عن العالم والفكر البشري البحت، فلا تحمل قوة الله للخلاص. كان العالم أسيرا لفكرة أن أمور البشر تسير قصرًا حسب تحركات الأفلاك لذا يقول: "أتحفظون أيامًا وشهورًا وأوقاتًا وسنين؟" (غل 4: 10). وكانت الفلسفات تدعي أنها قادرة أن تخلص الإنسان من شر هذه القوات.

يقوم هذا الجزء من الرسالة علي تحذيرات ثلاثة:

أولاً: لا تنجذبوا لأية فلسفة دنيوية، تحل محل المسيح. لا تسمحوا لأي شيء يحل محل المسيح الفائق الكل، ولا تدعوا أحدًا يجعلكم تنكرونه. افتحوا عيونكم جيدًا وراقبوا واسهروا (حز 3: 17-21)، فلا يُسرق إلا الغافلون والحمقى (لو 12: 39)، ضحايا الغفلة.

الفلسفة جهد بشري لفهم الله والوصول إليه ولإدراك الكون الذي خلقه بقدرته، لكنها غالبًا ما تخفق في قصدها (1 كو 1: 21) ومن ثم فهي في نهاية الخطورة (ا تي6: 20).

"حسب تقليد الناس": التقليد ليس بالضرورة شرًا في ذاته. فالكلمة تشير أساسًا إلي مجموعة من الأقوال أو التعاليم المسَّلمة من واحد إلي آخر (غل 1: 14؛ 1كو11: 2)، قد تكون صالحة (2 تس 2: 15؛ 3: 6) أو عديمة النفع (1 بط 1: 18)، أو حتى شريرة للغاية إذا ما تعارضت مع كلمة الله (مت 15: 1-9) وفي حالة كولوسى 2: 8 فإن التقليد هنا علي وجه التحديد هو هذا النوع الأخير، إذ هو مناقض للتعليم الصحيح كما أعلنه في المسيح. ومن الآية 20 نكتشف أن "العناصر" أو "الأركان" إنما تشير إلى الترتيبات الدينية من أوامرٍ ونواةٍ (2: 20-23) ومهمة الإنسان أن يصل إلى الله بإنكاره للذات وبالأعمال الصالحة. والخط الكامن في كل الفلسفات أننا نقترب من الله ليست بحسب المسيح مع أنه كان يجب أن نتذكر أنه في المسيح وبالمسيح وحده يمكننا بلوغ الآب.

- تأملوا كيف يُظهره لصًا وشخصًا غريبًا يتسلل خلسة؟... لأن لفظة "فلسفة" لها مظهر الكرامة، فيضيف "وغرور (خداع) باطل" إذ يوجد أيضًا خداع حسن، قد انخدع به كثيرون، وهو ما لا يمكن للمرء أن يطلق عليه وصف "خداع" أبدًا إذ يقول إرميا النبي: "قد أقنعتني (حرفيا غررت بي) "يا رب فاقتنعت (حرفيا فانخدعت)" (إر7:20) ومثل هذا لا يمكن لنا أن نسميه خداعًا على الإطلاق، لأن يعقوب أيضًا خدع أباه، لكن لم يكن ذلك خداعًا، بل كان تدبيرًا.

ويقول القديس بولس: "بالفلسفة وخداع باطل بحسب تقليد الناس، بحسب مبادئ العالم، وليس بحسب المسيح"، وها هو يوبخهم لحفظهم أيامًا بعينها، إذ يقصد بأركان العالم أو عناصره أو مبادئه: الشمس والقمر. كما يقول أيضًا في الرسالة إلى أهل غلاطية فكيف ترحبون أيضًا بالأركان الضعيفة الفقيرة؟ (راجع غل 9:4) وهو لم يقل: حفظ أيام، بل حفظ أمور العالم الحاضر عمومًا ليكشف عن تفاهته. لأنه إن كان العالم الحاضر لا شيء فكم بالحري عناصره (من أيام وشهور وسنين)، وإذ يكشف أولاً من مدى ما نالوه من منافع عظيمة وحنوٍ، يبدأ بعدها في توجيه اتهامه ليظهر مدى خطورته وليقتنع سامعيه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إنه بعد ذلك يدمغ الفلسفة ويدينها، ليس بصفة شاملة بل يدين الفلسفة الأبيقوريّة التي يذكرها بولس الرسول في سفر أعمال الرسل (17: 18)، تلك التي تجحد اللََّه القدير وتؤلّه اللذّة.

القديس إكليمنضس السكندري

- هذا الإنسان إنسان عالمي ينتبه لتعاليم الناس، ضحية الفلسفة، لأنه لا يتصرف في المسيح بملء اللاهوت.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

- لئلا تضل النفس وتقع في خداع الفلسفة الوثنية، فإنها تقبل الدرس الأفضل الذي للولاء الأكمل للإيمان المقدس الذي علَّم به الرسول في كلمات موصى بها.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

- احذروا لئلا يفسدكم أحد عن الإيمان بالمسيح بفلسفة وخداع باطل الذي يهمل تدبير العناية الإلهية "بحسب تقليد الناس". لأن الفلسفة التي هي بحسب التقليد الإلهي إنما تطابق وتتبع تدبير العناية الإلهية، والذي إذ أُهملِ ظهور المخلص بتدبير خلاصه في الزمن كنا منقادين بحسب "أركان العالم وليس بحسب المسيح".

- لأن القديس بولس أيضًا، في رسائله لا يهاجم الفلسفة، بل يراها تنزل بمستوى الإنسان ليبلغ المعرفة الخاصة بالعالم. لا يليق به أن ينحدر إلى الفلسفة الهيلينية والتي يسمَّيها بشكل رمزي قائلاً إنها أركان العالم الحاضر، إذ هي ناقصة لم تكتمل بعد، وهي مجرد مبادئ تمهيدية للحق.

- هل يقول أحدكم إن الفلسفة التي اكتشفها أهل اليونان قد جاءت نتيجة الفهم البشري، إلا أني أجد الكتاب المقدس يقول إن الفهم هو من الله ذاته. فالمرنم يعتبر الفهم أعظم هبة مجانية ويحث المؤمنين قائلاً، بأن داود بالرغم من فيض تجاربه، ومعرفته، يكتب: "علمني الرقة والحكمة والمعرفة، لأنني آمنت بوصاياك".

- بقول الرسول: "بحسب أركان العالم وليس بحسب المسيح" يؤكد أن التعليم الهيليني (اليوناني) تعليم أوليَّ، أما تعليم المسيح فكامل.

القديس إكليمنضس السكندري

4. حياة الملء في المسيح

"فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا" [9].

يرى البعض كلمة اللاهوت Theotes هنا وليس Theiotes (رو 1: 2)، فالأولى لم تتكرر في العهد الجديد، وهي تعنى الله بجوهره هذا الذي اتحد مع الناسوت، أما الثانية فتعني إشراق مجد الله الذي يمكن أن ينعكس على الخليقة.

يعلن الكاتب بأكثر وضوح أن في المسيح يحل "ملء" اللاهوت جسديًا (1 :19)، وأن المسيح هو الرأس (18:1)، رأس كل رياسة وسلطان (1: 16)، وكل ذلك له نتائجه في مجتمع الكاتب فهم يشتركون في ملء المسيح (9:1) لأنهم جسده. وكما أن الختان علامة عهد مع الله بالنسبة لليهود هكذا في معمودية الأمم صار المسيحيون شعب عهدٍ. فالمعمودية للأمم هي رمز للختان غير البدني (الروحي) الذي بها يتشبهون بالمسيح إذ يشاركونه ختانه ومعمودية موته مدفونين ومشتركين أيضًا في قيامته (رو 6: 3-5).

-هو ذراع الآب، لأنه خلق الجميع، وهو الحكمة (1 كو 30:1) حكمة الآب... وهو قدرة الآب، لأن فيه يحل ملء اللاهوت جسديًا.

القديس أمبروسيوس

يميز القديس كيرلس بين ملء اللاهوت بالنسبة للسيد المسيح وبين حلول الروح القدس في القديسين.

- إننا نؤمن بأن العماد الذي تمّ في المسيح هو الاتّحاد الأكمل... وأما فينا نحن فمع أنه قيل أنه "حلّ فينا" إلا أن حلوله فينا هو حلول نسبي، أي بالمشاركة والنعمة، لأن فيه وحده "يحل كل ملء اللاهوت جسديًا" [9]، أي أن الحلول الكائن فيه ليس مجرد حلول نسبي أو بالمشاركة مثلنا... بل هو اتحاد حقيقي بين طبيعة الإلهية غير المحدودة وهيكل جسده المولود من العذراء.

- كإنسانٍ قد صار الممسوح بيننا، بالرغم من أنه هو الذي يعطي الروح القدس للمستحقين قبوله (أع 38:10) وليس بمكيال، كما يقول المغبوط القديس يوحنا الإنجيلي (يو 34:3). ولا نحن نقول إن كلمة الله حل كما في إنسانٍ عادٍ (مجرد إنسان) في المولود من العذراء القديسة (مريم) لئلا يفتكر أحد في أن المسيح مجرد إنسان حاملٍ لله. حل الكلمة (اللاغوس) بيننا (سكن وسطنا) (يو14:1) وعن المسيح كُتب أن فيه "قد حل كل ملء اللاهوت جسديًا" (كو 9:2) ونحن لا نعتقد نه إذ صار جسدًا، فإن الكلمة (اللوغوس) قد حل فيه كحلوله في القديسين ونحن لا نعتبر أن حلول اللاهوت في المسيح يشبه ذاك الحلول في البشر فإن الله اتحد بالطبيعة ولم يتحول إلى إنسان أو جسد.

إن الكلمة (الذاتي) قد وجد حلول، كما لحلول النفس في الإنسان إذ نقول عن سكناها في جسده.

القديس كيرلس الكبير

- السرّ المكتوم بالحقيقة منذ الدهور ومنذ الأجيال، لكنه أُظهر في الأزمنة الأخيرة بظهور المسيح، فإن السرّ الذي رآه (حزقيال ص 1) هو سرّ النفس التي كانت ستستقبل ربّها وتصير هي ذاتها عرشًا لمجده.

القديس مقاريوس الكبير

- ملء اللاهوت الساكن فيه جسديًا يؤكد حقيقة طبيعته (الإلهية). هي هي (طبيعة الله) الذاتية ووحدة الطبيعة الحية، التي لا يمكن انقسامها بالتمايز لا يمكن انقسامها أيضًا بولادة طبيعة حية.

- ليس الابن بصاحب نصيب أو جزء في الآب، إذ يشهد الابن ذاته أن كل ما للآب هو لي، وكل ما لي هو لك (أيها الآب)، وكل ما لك هو لي. ويشهد الرسول (بولس) أن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا، وبحسب طبيعة الأشياء، فإن الجزء لا يمكن أن يملك الكل، إنه هو الابن الكامل للآب الكامل، لأن من له الكل قد أعطى الكل له، ومع هذا لا يليق أن نتخيل أن الآب لم يعطِ لأنه لا يزال يملك، أو أنه فقد (ما أعطاه) لأنه قد أعطى الابن!
القديس هيلاري أسقف بوايتيه




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 2 جـ5 PDF Print Email

أنتم مملوءون فيه، الذي هو رأس كل رياسة وسلطان" [10].

إذ تحقق التجسد باتحاد اللاهوت مع الناسوت صار لنا حق التمتع بغنى المسيح خلال اتحادنا معه، إذ نصير مملوءين فيه. خلال هذا الملء صار لنا إمكانية القيامة معه، والجلوس معه في السماويات (أف 2: 6)، وأن نملك أيضا معه (2 تي 2: 12)، لا يعوزنا شيء (رو 8: 32)، إذ يصير كل شيء هو لنا (1 كو 3: 21).

يعلق القديس أغسطينوس على العبارة: "ومن ملئه نحن جميعا أخذنا، ونعمة فوق نعمة" (يو 1: 16) قائلاً بان الرب وهبنا نعمة مجانية مقابل استحقاقنا للعقوبة. بهذه النعمة وهبنا الإيمان الذي به ننال مجازاة عظيمة. يقودنا هذا الإيمان إلى معرفة الحق. بالإيمان يهبنا التبرير من خطايانا ويقدم لنا نعمة الخلود. هذا كله بشرط الاحتفاظ بهذه النعم.

- بعد إعلانه أنه في المسيح يحل كلُ ملء اللاهوت جسديًا، يكشف فورًا عن سرّ صعودنا في الكلمات "أنتم مملوءون فيه"، فكما أن ملء اللاهوت هو فيه، فنحن قد صرنا مملوءين فيه (نلنا من ملئه)، ولا يقول الرسول أنكم قد صرتم مملوءين فيه وحسب بل فيه قد صرتم مملوءين، لأن كل من هم الآن أو من سيكونون فيما بعد، المخلوقين من جديد برجاء الإيمان بالحياة الأبدية، يمكثون حتى الآن في جسد المسيح وفيما بعد لن تحيا بعد أن يكونوا مملوءين فيه، بل في أنفسهم، في الزمان الذي يقول عنه الرسول: "الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده (في 21:3). لهذا فقد صرنا مملوءين فيه، أي بصعود جسده، لأن فيه يحل ملء اللاهوت جسديًا فهل رجاءنا أعلى من السلطان الذي فيه؟

القديس هيلاري أسقف بواتييه

- لقد سند المحتاجين وأعطى حياة للمائتين، حتى ندرك أنه من الجسد الذي فيه حلّ ملء اللاهوت، الجسـد الذي سكنت فيه الحياة، قد أعان عوز المعـتازين (كو 2: 9).

القديس افرام السرياني

- كلمة "ملء" تعني "الكل المتكامل The whole... فهو "الرأس" وأنتم مملوءون فيه معناها أن مالكم هو منه وليس بأقل مما له.

القديس يوحنا الذهبي الفم "أنتم مملوءون (مكتملون) فيه، الذي هو رأس كل رياسته وسلطان [10].

من أهم مميزات مفاهيم القديس بولس عبارة كوننا "في المسيح"، فيوجد إحدى وعشرون إشارة إلى علاقتنا بالرب يسوع في الإصحاحين الأول والثاني، بمعدل إشارة واحدة لكل ثاني آية تقريبًا، ومعنى غير المستطاع أن نشرح كلمة "مكتملين" هكذا بكلمة واحدة فهي تعني الامتلاء والكمال والفيض بكل أسلوب ومن كل طريق (انظر متى 48:13).

5. الختان الروحي والمعموديّة

"وبه أيضّا ختنتم ختانًا غير مصنوع بيدٍ، بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح" [11].

بالمسيح نكمل [10]، وبه أيضًا لنا عهد مع الله.

كان الختان الجسدي في العهد القديم علامة تُظهر علاقة عهد الإنسان مع الله (رو 11:4-12). كان أيضًا علامة انقسام بين اليهود والأمم، وعلى الصليب أباد المسيح يسوع هذا الحائط المتوسط، حاجز الانقسام (أف 14:2-18). على أسس الإيمان، نحن جميعًا يهودًا وأممين ندخل في عهد مع الله (رو 29:3، 30؛ غل 6:5).

إذ صرنا مملوءين فيه نتمتع بالختان الروحي، أي العماد، فنخلع الإنسان القديم ونلبس الإنسان الجديد الذي على صورة خالقه. في هذا الختان لا تنزع غرلة الجسد الظاهرة، بل غرلة القلب التي تتعارض مع مشيئة الله والطاعة لوصاياه. لقد وبخ القديس اسطفانوس اليهود لأنهم قساة القلوب وغير مختونين بالقلوب والآذان (أع 7: 51)، وعاد الرسول يوضح مفهوم "اليهودي" كعضو في جسد إسرائيل الحقيقي انه مختون القلب بالروح (رو 2: 28-29).

في الختان الجسدي الحرفي يُنزع جزء من اللحم، أما في ختان المسيح فينزع طبع الخطية فلا يعود الجسد يكون هيكلاً لها، بل يصير هيكلاً للرب. هذا الاستئصال لا يتم بسكين مادية، بل بيد غير بشرية، وهو عمل روح المسيح فينا بالإيمان.

- كان موته من أجلنا، وهكذا أيضًا كانت قيامته، وكان ختانه.

القديس كيرلس الكبير

- أسأل السلام لعفتك بحبٍ عمليٍ. حتى متى تُسمي عبدًا؟ متى ستصبح إنسانًا حرًا؟ متى تصبح سيدًا على الشعوب النجسة المحيطة بك؟ متى تقتل وتبيد أهل الغرلة الذين هم في مدينتك؟ متى تُختن بالختان التي لم تصنعها الأيدي، كل سكان بيتك (تك 17: 27)، بالختان الذي هو في الروح (رو 2: 29)؟ متى ستكون صاحب سلطان وملكًا على مدينة الأبد، ومتى ستخضع لك المدن الخمس والمدن العشر التي سبق ذكرها؟... متى ستبصر في نفسك السماوات الجدد، وهي تعلن فيك بنظام مراتبها "قدوس" الجوهر الخفي؟

القديس يوحنا الدلياتي

- يعني بعبارة "جسد الخطايا" تلك "الحياة العتيقة"، وهو كثيرًا ما يشير إليها بشتى الطرق, كما قال قبلاً "الذي نجانا من سلطان الظلمة, وصالحنا نحن الذين كنا قبلاً غرباء" حتى نصبح "قديسين وبلا عيب"، ولم تعد بحاجة إلى الختان بنصل السكين، بل في المسيح نفسه, لأنه ما من يدٍ بشرية تهب هذا الختان أبدًا بل الروح القدس, وهو لا يختن جزءًا بعينه بل الختان، في واحد جسداني وفي آخر روحاني، لكن ليس كاليهود, لأنكم لم تخلعوا الجسد بل الخطايا, متى وأين؟ في المعمودية. وبماذا يُسِّمى الختان؟ يسميه دفنًا.

- إنه يتكلم عن شيء أعظم من الختان, إذ أنه لا يطرح فقط ما أختنوا لأجله بل يبيده ويفنيه تمامًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- قد خُتنا لا ختانًا جسدانيًا بل في المسيح, أي وُلِدنا من جديد, إذ قد دُفِنا معه بمعموديته, يجب أن نموت عن الإنسان العتيق لأن لتجديد المعمودية قوة القيامة، ولا يضيء ختان المسيح بنزع الجلد بل بالموت بالكامل معه, وبهذا الموت نحيا بالكامل له لأننا نقوم ثانية به بالإيمان بالله الذي أقامه من الأموات. لهذا يجب أن نؤمن بالله الذي بعمله قام المسيحُ من الموت لأن إيماننا يقوم ثانية في المسيح وبه.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

"مدفونين معه في المعمودية،التي فيها أقمتم أيضا معه،بإيمان عمل الله الذي أقامه من الأموات" [12].

يتحقق هذا الختان بسكين الروح بواسطة المعمودية، حيث يُدفن المؤمن مع المسيح ليقوم معه في جدة الحياة المقامة.

بقوله "التي فيها" يؤكد الرسول أن المعمودية ليست رمزًا، بل هي عمل حيث يتم الدفن مع المسيح والقيام معه.

ليس الموت فناءً, بل هو انفصال عن الله. ونحن قد وُلدِنا في الصورة الميتة صورة آدم (كو 15:1؛ تك3:5) ونبقى هكذا حتى "نحيا" بالله.

ومع هذا فإن الجسد غير المختون أفضل من القلب غير المختون (كو 11:2؛ رو 25:2-29). فالروح هو الذي يحيي، أما الجسد فلا يُفيد شيئًا (يو 63:6).

-دُفنا مع المسيح بالمعمودية, وقمنا ثانية بالإيمان بعمل الله الذي أقامه من الموت... إن الوقت يعوزني أن أسرد عليكم كل النصوص من الكتاب المقدس التي تشير إلى فعالية المعمودية أو أن أشرح العقيدة السرية (السرائرية) التي للميلاد الثاني التي وإن كانت بمثابة الميلاد الثاني فهي الميلاد الأول لنا في المسيح.

القديس جيروم

- يتبع إيماننا قبولنا الختم الروحي، إذ نختن بالروح القدس خلال المعمودية، ليس في غرلة الجسد، بل في القلب كقول إرميا: "اختننوا للرب في غرلة قلوبكم". وقول الرسول: "بختان المسيح مدفونين معه في المعمودية..." (كو 11:2، 12)

القديس كيرلس الأورشليمي

تعبير "مدفونون معه في المعمودية" تشهد بالكيفية التي كانت تتم بها آنذاك في عصر القديس بولس، إذ كانت تتم التغطيس فقط (رو 3:6-5). يموت المعمًّدون عن الحياة العتيقة، كما تضمن قيامته قيامتنا (1 كو 20:15-23). دُعي يسوع "بكر الراقدين" أي هو ضمان قيامتنا (1 كو 20:15).

-قد مات حقا مرةً, لكنه يموت عن كل شخص قد اعتمد بموت المسيح, حتى نُدفن مجتمعين معه ونقدم به ونسلك في جِدة حياته.

القديس أمبروسيوس

"وإذ كنتم أمواتًا في الخطايا وغلف جسدكم،أحياكم معه،مسامحًا لكم بجميع الخطايا" [13].

ثمر الخطية هو الموت الناتج عن الانفصال عن الله مصدر الحياة، وأما الإيمان والتمتع بالمعمودية ففيهما خبرة الحياة مع المسيح غافر الخطايا، وبالتالي واهب المصالحة مع الآب.




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 2 جـ6 PDF Print Email

6. الغلبة على الظلمة

"إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض،الذي كان ضدًا لنا،وقد رفعه من الوسط، مسمرًا إياه بالصليب" [14].

الصك الذي محاه السيد هو أشبه بإقرار كتابي يكتبه المدين يعترف فيه بالدين أو المخالفة للقانون الإلهي، ويوقع عليه. هذا الصك يعلن عن مخالفة اليهودي للناموس المكتوب، ومخالفة الأممي للناموس الطبيعي. جاء في ارميا النبي: "خطية يهوذا مكتوبة بقلم من حديد، برأس من الماس، منقوشة على لوح قلبهم وعلى قرون مذابحكم" (إر 17: 1).

إذ صُلب ربنا يسوع أخذ معه هذا الصك وسمره على الصليب، ماحيًا بذلك مفعوله. كانت الصكوك قديما تكتب على رقوق من جلود، وعند سداد الدين تزال الكتابة عنها تمامًا، فلا يكون لها أي أثر.

بدم السيد المسيح الذي رُش رُفع الصك من وسط المشهد، فصار كأن لا وجود له، بهذا سقطت القضية، وزالت العداوة والدينونة.

- ما هو الموت في الحقيقة إلا دفن الرذائل وإحياء الفضائل؟ لهذا كُتب: "فلتمت (ترحل) نفسي موت الأبرار، "أي" فلتُدَفن معهم (عد 10:23, كو 12:2)، لتُدفنَ خطاياها وتلبس نعمة الأبرار الذين "يحملون في أجسادهم سمات موت المسيح" (2كو10:4 ) وأيضا يحملون تلك السمات في نفوسهم.

- النفس التي أوشكت أن تقبل الكلمة اللوغوس, يجدر بها أن تموت عن العالم (غل14:6) وتُدفن في المسيح (رو 4:6, كو 12:2)، فلا تجد إلا المسيحَ، فهذا هو الاستقبال اللائق الذي يطلبه منها لنفسه.

القديس أمبروسيوس

"إذ جرد الرياسات والسلاطين،أشهرهم جهارًا، ظافرًا بهم فيه" [15].

لم يقف الأمر عند رفع الصك الذي سجلناه بعصياننا للوصية الإلهية، وإنما بالصليب زال سلطان قوات الظلمة علينا، فلم يعد لإبليس القتَّال للناس منذ البدء (يو 8: 44) والذي يشتكي على الصديقين أمام إلهنا ليلاً ونهارًا (رؤ 12: 10) قدرة. إذ حطم نفسه بنفسه، حين ظن أنه قادر أن يصوب سهامه ضد يسوع المسيح أثناء محاكمته وصلبه، فارتدت الضربات إليه وصلبته. بموت السيد المسيح أمات ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس (عب 2: 14). وكما ابتلع الحوت يونان دون أن يقدر أن يميته هكذا فقدت الحية القديمة نابها السام، وتجردت من بث سم الموت.

لم يحدث هذا في زاوية، بل علانية، فجرد السيد المسيح إبليس من سلطانه أمام جميع السمائيين. كان الملوك الرومان يقومون بعملية تجريد الملوك المهزومين علانية. إذ كان الملك الغالب وقادة الجيش يرتدون ثيابًا أرجوانية محلاة بالذهب، ويضعون أكاليل النصرة على رؤوسهم، ويحملون أغصانًا في يمينهم وصولجانا في يسارهم. ثم يقومون بتجريد الملوك المهزومين وقادتهم من أسلحتهم ثم يجرونهم في مواكب نصرتهم في مذلة، ويستعرضونهم جهارًا.

هذا ما حدث حين صُلب السيد المسيح، فنزلت نفسه إلى الجحيم، وحملت الغنائم التي كانت تترجاه، وحطم متاريس الهاوية، وأعلن هزيمة إبليس ونزع كل سلطان له على المؤمنين الحقيقيين (أف 4: 8-9). وأما البشر فقد رأوا القبور تنفتح وكثير من القديسين الراقدين قاموا (مت 27: 53). وباسمه كانت الشياطين تخرج من أجسام الكثيرين في مذلة. فلا عجب إن قال الرسول: "أنا آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها، فخرج في تلك الساعة" (أع 16: 18). في يقين النصرة يترنم الرسول: "أين شوكتك يا موت؟ وأين غلبتك يا هاوية" (1 كو 15: 55)، وأيضا: "شكرًا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين" (2 كو 2: 14).

-هذا هو الغرض الذي من أجله جاء الرب (إلى العالم)، لكي ما يطرحهم خارجًا ويسترجع بيته وهيكله، أي الإنسان. لهذا السبب تُسمّى النفس جسد ظلمة الخبث، طالما أن ظلمة الخطية موجودة، فتُهان لأنها تحيا لعالم الظلمة الشرّير، وهي ممسكة بشدّة هناك. لذلك يسمّيها الرسول "جسد الخطية" أو "جسد الموت"، قائلاً: "ليبطل جسد الخطية" (رو 6: 6).

القديس مقاريوس الكبير

- لا يعرف الرسول شيئًا عن الخوف من الألم وهو في المسيح, فحين يريد أن يتكلم عن تدبير الألم، يضمه في سرّ لاهوت المسيح. الذي يغفر لنا كل خطايانا ويمزق صك آثامنا الذي صرنا مسمرين إياه على الصليب, طارحين إياه بعيدًا عنا. وإذ تعرى جسديًا شهَّد بالسلاطين والقوات ظافرًا بهم جهارًا في نفسه.

تأملوا معي أية قوة تلك التي تحتمل جرح المسمار, وتنحني تحت معول المثقاب المؤلم!

أية طبيعة تلك التي تحتمل مثل كل هذا الألم؟

وإذ يتحدث القديس بولس كما على لسان حال المسيح, مظهرًا عمل الخلاص, يصف موت المسيح بأنه عَّرى جسده وفي جسارة (ونصرة) أخزى قوات (الظلمة) منتصرًا عليهم في نفسه.

فلو كان ألمه ضرورة تحتمها طبيعته، وليست هبة مجانية لخلاصكم, ولو كان الصليب مجرد معاناة للآلام والجروح, وليس لقصد أن يسِّمر في ذاته قانون الموت الذي صدر ضدكم، ولو كان موته من جراء عنف الموت وليس تعرية الجسد بقوة الله, أخيرًا لو كان موته نفسه أي شيء عدا أن يكون تشهيرًا وحطًا من كرامة القوات (الشريرة) وعملاً جسورًا وغلبة, فإنه ينسب إلى نفسه عجزًا! لأنه كان تحت سلطان حتمية الطبيعة, حيث يُضرب ويخاف وتمتهن كرامته. لكن إن كان الأمر هو العكس تمامًا فيما يختص بسرّ الآلامات, كما كُرِز لنا به, فمن ذا الذي تصل به درجة انعدام الإحساس، فيرفض الإيمان الذي علمنا إياه الرسل، ويعكس كل مشاعرنا الدينية. وأن نلقي جزافًا بهذا الاتهام المهين للضعف البشري بدلاً من أن نعتبره فعلَ إرادة حرة, وسرًا, وإظهارًا للقدرة والجسارة وانتصارًا؟

أية غلبة أعظم من تلك, حينما قدم ذاته إلى الذين طلبوا أن يصلبوه فلم يقدروا على احتمال وجوده, فإن الذي وقف ممتثلاً لحكم الموت، هو نفسه بعد برهة قصيرة الذي جلس عن يمين القدرة, حينما صلى لأجل مضطهديه بينما المسامير تخترق جسده (المقدس)، وحينما أكمل السرّ إذ ذاق مرارة الخل، وإذ قد أحصي مع أثمه وفي ذات الآن وهب الفردوس. لأنه إذ رُفع على الصليب (الشجرة) تزلزلت الأرض, وحينما عُلِق على الصليب ماجت الشمس وارتعد النهار, حتى أنهما هربا من أمامه, أما هو فترك جسده بينما وهب الحياة لأجساد الآخرين, لقد دُفِن جسديًا وقام إلها.ة

كإنسان تحمل كل الألم والضعفات لأجلنا, وكإله انتصر عليهم جميعا.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

- لأنه هكذا مكتوب, أنه غفر للجميع "كل زلاتهم"، ممزقًا صك الخطايا الذي كان ضدنا، لماذا؟ إذن, نقيد الآخرين ونشتهي أن يوفوا لنا الديون التي لنا, بينما ننعم نحن بالصفح وغفران الخطايا؟ إن الذي غفر للجميع, يطلب من الكل أن يتذكر كل عقل أنه قد غُفِر له وأن يَغَفِر هو أيضا للآخرين.

القديس أمبروسيوس

يكرر مرتين تعبير "كان ضدنا", فالناموس الذي وُهب لنا صار كما لو كان عدونا، كيف؟ لأنه فتح بصائرنا على معنى الخطية, ولم يعطنا قوةً لطاعة متطلباته (رو7:7-25). فيسوع المسيح وحده هو القادر أن يفضح الخطية ويكشف عن أعماقها, ويمنحنا القوة على دحرها. ويقول القديس بولس لنا, جامعًا نفسه مع الذين وُهبوا النعمة, إن الناموس قد بطل حتى بالنسبة لليهود.

وقف الناموس حاجزًا وفاصلاً بين اليهود والأمم, وبينهما كليهما معا وبين الله. كان حاجزًا لا يمكن اختراقه, لكن يسوع المسيح أزاله كعقبة من الطريق, ووحّد اليهود والأمم، ومنحهم إمكانية الوصول إلى الله بالمسيح (أف 14:2-18) وقد تمم ربنا تلك المصالحة بأن سمر (حكم الناموس) في الصليب (كو 20:1). إن المسامير التي اخترقت يدِّي ربنا وقدميه قد سَّمرت أيضا حكم الناموس على الصليب. ولم يعد للناموس سلطان علينا!

- بيع المسيحُ لأنه أخذ وضعنا, ولم يأخذ خطأنا, ولم يُمسك من دين الخطية لأنه لم يفعل إثمًا (2 كو 21:5)، لهذا حرر صكًا بثمن ديوننا, لا لأجل نفسه بل أزال قيد المدين (كو 14:2) واستبعد الدائن.

حرر المدين وهو وحده سَّدد ما كان الكل مدينين به، لم يكن مسموحا لنا أن نتحرر من القيد، فقام هو نيابة عنا بربطه بنفسه, ليرفع عبودية العالم, ويستعيد حرية الفردوس، ويهبنا نعمة جديدة بالكرامة التي نلناها بمشاركته طبيعتنا عن طريق السرّ.

القديس أمبروسيوس

- عند ميلاد الابن, دعا الملك كل الناس لحفل توزيع المال, حتى يصيروا جميعهم مدينين له, وجاء الملك إلينا ليسدد كل ديوننا (كو 14:2) وحرر صكًا آخر باسمه ليسدده عنا لدائننا.

القديس أفرام السرياني

- حسب قول النبي, هو نفسه حمل خطايانا وقد أحصي معنا بين الآثمة (إش 12,4:53؛ كو 14:2) حتى يبررنا بنفسه, ممزقًا الصك الذي كان ضدنا، مسِّمرًا إياه في صليبه, كما قال الكتاب المقدس. وإذ هو بالطبيعة قدوس لأنه الله, وما في البشرية كلها هو شركة الروح القدس الذي يعينهم ويسندهم ويقدسهم, إلا أنه لأجلنا تقدَّس بالروح القدس، لكن ما من أحد آخر قدسَّه بل بالحري هو بذاته يقدس جسده الذاتي.

- تحمل الصليب لأجلنا, حتى بالموت يبيد الموت، وحوكم لأجلنا ليخلص جميع البشر من الحكم بسبب الخطية, فأباد طغيان الخطية بالإيمان، وسَّمر في صليبه الصك (القيد) الذي كان ضدنا, كما مكتوب.

القديس كيرلس السكندري

- فلنتأكد أن "كتاب الصك الذي كان ضدنا" (كو 14:2) وقيد عبوديتنا الذي أمسك بزمامه الشيطان, قد مُزِّق وانحل بدم المسيح.

القديس أغسطينوس

- هكذا بميلاد نسل القديسة المباركة مريم, انتزعت الأشواك وجف الغصن, ولُعنت شجرة التين (مت 19:21)، وصار التراب ملحًا، وسُمِّرت اللعنة على الصليب (كو 14:2) وزال حد السيف أو رفع النصل من أصل شجرة الحياة وأعطي كطعامٍ للمؤمنين, ووُعِد بالفردوس للمطوَّبين والعذارى والقديسين.

الآب أفراحات

- لهذا قال داود قبلاً: "طوبى للذين غُفِرت آثامهم، وسُتِرت خطاياهم. طوبى للرجل الذي لم يحسب الرب له خطية"، مشيرا إلى غفران الخطايا عقب مجيئه الذي به "مزق صك خطايانا وسَّمره على الصليب" فكأننا بشجرة (في جنة عدن) قد صرنا مدينين لله كذلك بشجرة (خشبة الصليب) أيضا ننال غفران خطايانا.

القديس إيريناوس

- قد جُرحت وجَرحت آخرين, لأن دمك, حينما سُفِك ليمحو صَّك خطايانا, ما كان ليَسفك إلا من جُرحك.

القديس أغسطينوس

- أيضًا فلنقدم ذبيحة الحمد أي ثمر الشفاه، وتلك القرابين ليست بحسب الناموس الذي رفع الرب صكه من الوسط وألغاه, لكنها قرابين بحسب الروح القدس, لأننا ينبغي أن نعبد الله بالروح والحق, ومن ثم قربان الإفخارستيا ليس جسديًا بل روحاني ومن ثم فهو طاهر.

القديس إيريناوس

- هذا القيد ضدنا في الحقيقة كما يقول الملهم بولس, قد سمره الرب في صليبه وبه انتصر على الرئاسات والقوات ظافرًا بها (كو15,14:2) وإن لم يكن المسيح نفسه هو الذي سمر اللافتة باللقب على الصليب, بل سمرها عامل بإيعاز من ضابط يهودي إلا أنه عانى منها وكأن به قد كتبها بيده هو - إن حدث التقيد.

القديس كيرلس السكندري

لا ينبغي أن نخشى قوات الشياطين فننحني لهم، ولا أن نقلل من قوتهم. فهم لا يزالون أقوى من أي قديس ينفصل عن قوة الله, لكن شكرًا لله الذي يعيننا على النصرة (رو 37:8).

- اسألوا الشيطان نفسه, اسألوه: "متى لُطِمت بتلك الضربة التي لا علاج منها؟ ألم تعد لك قوة بعد؟ أين أُسِرتَ؟ من أمسك بك وأنت تحاول الهرب؟ فإنه لن يعطيكم سوى هذه الإجابة: "الجسد المصلوب" بهذا تمزقتْ أوصاله, بهذا سُحِقتْ رأسه, بهذا شُهِر بالرياسات والقوات (الشريرة) جهارًا, ظافرا بهم في الصليب. (كو15:2).

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لكن حتى إن هبط إنسان إلى الجحيم (الهاوية), ووقف مرهوبًا من الأبطال الذين انحدروا هناك, ناظرًا إليهم كآلهته, إلا أنه سيدرك حقيقة قيامة المسيح والغلبة على الموت ويشهد أن المسيح وحده هو الله والرب حقيقةً.

- لأن الرب تلامس مع كل جزء من الخليقة وحررها وأعتقها من كل خداعات الزيف والوهم كما يقول القديس بولس إذ جرد بنفسه الرياسات والقوات, ظافرًا بهم على الصليب. حتى لا ينخدع أحد بعده بل يجد في كل مكان كلمة الله الحقيقي.

القديس البابا أثناسيوس الرسول




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى اهل كولوسي إصحاح 2 جـ7 PDF Print Email

 "جرد الرياسات والقوات بنفسه"، معناه أنه جرد قوات الشيطان، لأن الطبيعة البشرية كانت قد خضعت لها, أو إن صح التعبير كان مفروضًا عليها دَين (صك)، فعندما صار إنسانًا لم يكن مدينًا بهذا الصك - لكن ما معنى "شَّهر بهم"؟
معناه أنه حقا قد شُهر بالشيطان الذي جعل من نفسه هزءًا وخزيًا. لأنه إذ توقع أن يظفر بالرب, خسر حتى ما كان لديه, وحينما سُمِّر الجسد (المقدس) على الصليب, قام الموتى.

هكذا تلقى الموت نفسه ضربة قاصمة من جسد ميت. وكبطلٍ مقدام, وحينما عرف أنه طرح عدوه أرضًا, وأمسك به بقبضة مميتة, (مات الموت) هكذا كان موت المسيح إنما هو خزي للشيطان.

لم يختبر الملائكة شيئا من هذا القبيل, فقد قام هو بكل شيء لأجل هذا القصد, مظهرًا أن لموته إنجاز عظيم وقدير - وكان إن صح التعبير - ثمة صراع واحد (اقتتلي):

فقد جرحَ الموتُ المسيحَ - لكن المسيح المجروح أمات الموت.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- إن كان أحد يخجل من صليب المسيح فقد خجل من التدبير الذي به ظفر (المسيح) بالقوات (الشريرة) .

أوريجينوس

7. لا عودة للظلال

"فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب،أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" [16].

الطقوس اليهودية من أكل وشرب وأعياد معينة وهلال وسبت؛ هذه جميعها رموز تشير إلى عمل السيد المسيح الخلاصي. وإذ أكمل السيد هذه الرموز، انتهت مهمتها. جاء النور فزالت الظلال، كمثال إذ جاء المسيح فصحنا الذي ذبح لأجلنا، صرنا لا نعيد بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق (1 كو 5: 7-8).

ليس من عودة إلى الظلال اليهودية الحرفية، مادمنا نتمم ما ورد في الناموس بالروح، إذ صار المسيح هو جوهر خلاصنا وكفايتنا، هو محررنا من عبودية الحرف. "اثبتوا إذا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها، ولا ترتبكوا أيضا بنير عبودية" (غل 5: 1).

من جهة الأطعمة فقد حرمت الشريعة بعض الأطعمة بكونها نجسة، ليس في مادتها، وإنما في رموزها. وقد سبق لنا الحديث عنها في شيء من التفصيل في تفسير سفر العدد. هذا ومن جانب آخر فإن بعض الطرق الغنوسية حرمت أطعمة ما بكونها دنسة. أما امتناعنا عن بعض الأطعمة في الصوم فبعيد كل البعد عن هذه المفاهيم إذ كل الأطعمة طاهرة، لكن امتناعنا هو لضبط شهوة النهم، ولكي نعلن شوقنا لتقديس أجسادنا كي لا تهتم بالأطعمة الدسمة، بل تشارك النفس انطلاقها نحو السماويات.

- ماذا إذن؟ هل نقيِّم أعيادنا بالأكل والشرب؟ لا يحكمَّن عليكم أحد في مأكل عالمين "أن الناموس روحي" (رو 14:7).

القديس أمبروسيوس

- لم يقل: "لا تحفظوها حرفيًا" بل "لا يحكمن عليكم أحد" مبينا أنهم كانوا في تعدٍ وشرور, لكنه (بالرغم من ذلك) يوجه الاتهام ضد آخرين.

لم يقل "طاهرين ودنسين" ولا في أعياد مظال, وخبز غير مختمر وبنطيقسط (يوم الخمسين) بل "في جزء من عيد" لأنهم أرادوا ألا يحفظوا العيد أو الأعياد كلها وإن كانوا يحفظونها فلا لكي يعيِّدوها فيقول "جزءًا من العيد"، مظهرًا أنهم قد تخلوا عن الجزء الأعظم من (الأعياد المقدسة) لأنهم حتى إن حفظوا السبوت فإنهم لا يحفظونها من قبيل الدقة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أوصى الرسول ألا يحكمن علينا أحد في مأكل أو مشرب أو في عيد أو أهلة أو سبوت فلماذا إذن تلك المنازعات؟ ولماذا الانشقاق؟ نحن نحفظ العيد, لكن في ضمير الخبث والشر ممزقين أوصال كنيسة الله. ونحفظ ما هو خارجها (من مظاهر) طارحين عنا الأمور الأفضل, كالإيمان والحب. وسمعنا من الكلمات النبوية أن تلك الأعياد لا ترضي الرب.

القديس ايريناوس

- هو النور الذي جاء وبدَّد الظلام (الظلال)، لأن السبت الذي حفظه الرب الإله هو الذي حفظه المسيح نفسه, الذي كان مع الآب وحينما أُعطى الناس أعطاه هو, لكن في ظل الأمور العتيدة. "فلا يحكمن عليكم أحد من جهة مأكل أو مشرب أو عيد أو هلال أو سبت التي هي ظلال الأمور العتيدة". لقد جاء الآن ذاك الذي أعلنت عنه تلك الأمور فلماذا نجعل الظلال تفرحنا؟

القديس أغسطينوس

"التي هي ظل الأمور العتيدة،وأما الجسد فللمسيح" [17].

الظل مجرد انعكاس للشيء الحقيقي ذاته. فهو يشمل الحقيقة وذو قيمة نبوية (عب 5:8؛ 9:9؛1:10) لكن حينما يتحقق كمال الحق فلا ضرورة للظلال.

- خلاصة الأمر كله, إن أراد البعض أن نقترب إلى الملائكة لا إلى المسيح, وهذا أمر صعب علينا (تصديقه)، لهذا يلفت الرسول أنظارهم إلى ما فعله المسيح "بدم صليبه" (20:1)، وعلى هذا الأساس يقول إنه "تألم لأجلنا"، وأنه "أحبنا" (1 بط 21:2).

القديس يوحنا الذهبي الفم

-الظل يظهر الحقيقة مقدّمًا، لكنّه لا يملك خدمة الروح. فإن موسى لا يستطيع بالجسد أن يدخل إلى القلب، وينتزع ثياب الظلمة الدنسة، ولا يستطيع أن يلاشي ويحل قوّة الظلمة الخبيثة إلا روح من روحٍ، ونار من نارٍ.

القديس مقاريوس الكبير

- جاء نور العالم وأزال الظلال. فإن (وصيّته) السبت أُمرت بواسطة المسيح نفسه الذي كان مع الآب حين أُعطيت الشريعة. لقد أمر بها، ولكنها كانت ظلاً لما يأتي بعد ذلك... لقد جاء الآن الذي بمجيئه أُعلنت هذه الأمور. لماذا نبتهج بالظلال؟ افتحوا أعينكم أيها اليهود، فإن الشمس قائمة.

القديس أغسطينوس

8. عبادة الملائكة

"لا يخسركم أحد الجعالة،راغبًا في التواضع وعبادة الملائكة،منتفخًا باطلاً من قبل ذهنه الجسدي" [18].

تسللت بعض المبادئ الغنوسية إلى اليهود، فجاء في التلمود البابلي تعليقًا على قول الرب: "ها أنا مرسل ملاكا أمام وجهك... احترز منه... لأن اسمي فيه" (خر 23: 20-21), بأن الملاك هو يهوه الأصغر. لذلك تبنى معتنقو الغنوسية اليهودية مبدأ عبادة الملائكة، مدعين أنهم أدركوا هذا خلال فلسفتهم التصوفية، وفي كبرياء كانوا يفتخرون بأنهم يعرفون الملائكة.

- لأنكم إن تمسكتم بالرأس لاهتممتم ألا تهملوا ذاك الذي مات المسيح لأجله. إن تمسكتم بالرأس ما تخليتم عن بقية الأعضاء, بضمهم معًا بدلاً من تفريقهم... وذلك برباط المحبة وخلاص خاطئ (من ضلالة).

القديس أمبروسيوس

- ينادي البعض بأنه ينبغي أن نقترب إلى الله بواسطة الملائكة لا المسيح، وبذلك يهدمون ما صنعه المسيح لأجلنا بدم صليبه وآلامه من أجلنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يلزم ألا يختلط على المسيحي بين هذه الهرطقة التي تقوم على شفاعة الملائكة لدى الله للمصالحة بينه وبين البشر دون دم المسيح، وبين حب الملائكة كخدام للمسيح يخدمون من مات عنهم، ويقدمون صلواتهم ويتوسلون عنهم، دون أن نخلط بين هذا العمل وعمل المسيح الخلاصي الفريد.

ليس للملائكة شفاعة كفارية بل توسلية، كما جاء في سفر الرؤيا: "وجاء ملاك آخر، ووقف عند المذبح، ومعه مبخرة من ذهب، وأعطي بخورًا كثيرًا لكي يقدمه مع صلوات القديسين جميعهم على مذبح الذهب الذي أمام العرش، فصعد دخان البخور مع صلوات القديسين من يد الملاك أمام الله" (رؤ 8: 3-4). ما كان يمكنهم أن يقدموا هذا البخور أو الصلاة عنا إلا في استحقاق دم المسيح، إذ يهتفون بصوت عظيم: "مستحق هو الخروف المذبوح" (رؤ 5: 12).




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى اهل كولوسي إصحاح 2 جـ8 PDF Print Email

وغير متمسكٍ بالرأس،الذي منه كل الجسد بمفاصل وربط،متوازرًا ومقترنا ينمو نموًا من الله" [19].

مع ادعائهم بالتواضع وهم متكبرون، وعبادتهم للملائكة، فقدوا اتحادهم بالرأس ربنا يسوع، ففقدوا حياتهم إذ صاروا كجسم بلا رأس، وبالتالي فقدوا حتى ارتباطهم ببعضهم البعض، لأنه كيف يمكن للمفاصل أن تربط جسمًا بلا رأس؟ وكيف يمكن له أن يحيا؟ وكيف ينمو بدون الرب الإله رأس الجميع؟

عبارة "غير متمسك بالرأس" تساوي "ليس بحسب المسيح" في آية8 , فلا سبيل إلى استبعاد المسيح عن مركز حياتنا. وكلمة "جسد" هنا تشير إلى الكنيسة بوجه عام.

-الرب في هيكل قدسه. الذي يتآلف من أعضاء كثيرين, كل منهم يفي بوظائفه وواجباته المحدودة. بالحب نبني بنيانًا واحدًا.

القديس أغسطينوس

9. عظمة الموت مع المسيح

إذًا إن كنتم قد متم مع المسيح عن أركان العالم، فلماذا كأنكم عائشون في العالم،تُفرض عليكم فرائض" [20].

إذ يتحول القديس بولس عن التحذيرات السلبية [18,16,8] يقدم بعض النواحي الإيجابية لعلاقتنا بالمسيح. فالشركة في آلام المسيح وموته هي اتّحاد مع عمله المصالحة الذي تحقّق بالصليب، والشركة في قيامته هي اتّحاد مع كل أمجاد شخصه.

إن تعاليم الناس قد رُفضت, وزال ثِقل ناموس العهد القديم [14] فهل نحن أحرار أن نطيع أو نرفض كما يحلو لنا؟ كلا! فعوضًا عن أن نتقيد بكمٍ هائل من النواميس, صرنا أحرارًا لكي نحفظ وصايا المسيح (يو 10:15).

"لا تمس ولا تذق ولا تجس" [21].

- حقًا كثيرًا ما يخدعنا النظر، فنرى أشياء غير واقعها في معظم الأحيان, وننخدع بالسمع أيضًا, فإن كنا نريد أن لا ننخدع, فلنتأمل, لا إلى المنظور, بل إلى غير المنظور.

لكن متى لا تنخدع نفوسنا؟ أين تقتنى عرش الحق, إلا حين تنفصل عن الجسد، فلا تنخدع وتضل به؟ لأنها، أي النفس, تُضلل بالنظر وتنخدع وتضل بسماع الأذنين... لهذا ينادي الرسول قائلاً: "لا تلمسوا, لا تذوقوا, لا تأخذوا, الأشياء التي كلها للزوال" (كو 22,21:2) لأن اهتمامات الجسد هي أيضا لفساده. لهذا يرينا أنه يجد الحق، لا من خلال اهتمامات الجسد، بل عن طريق الارتفاع بالنفس والسمو بها وتواضع القلب, ويكمل قائلاً: "أما سيرتنا نحن فهي في السماء" (في 20:3)

القديس أمبروسيوس

- يقول, لستم في العالم, فكيف بكم تخضعون لعناصره, أو لمعاييره؟ تأملوا كيف يهزأ بها: "لا تلمسوا, لا تمسكوا, لا تذوقوا" وكأني بهم جبناء لا ينشغلون بالقضايا الجسام بل بأمور (تافهة) [بتلك الأشياء التي تؤول كلها بالاستعمال إلى الزوال] هكذا حط من كبرياء البعض, وأضاف "بجسد أفكار تقليد الناس"

القديس يوحنا الذهبي الفم

"التي هي جميعها للفناء في الاستعمال، حسب وصايا وتعاليم الناس" [22].

وُضِع الناموس ليُحفَظ, لكن "استعمال" الناموس هو الذي يُهلك! فإنه لا يجدر بحياتنا الروحية أن تعتمد على الأوامر والنواهي، بل عن الحب الذي نكنه للرب يسوع. فعندما يصبح قمع النفس والتداريب والتغصب, غايات في حد ذاتها، نكون قد تجاوزنا عمق القيمة التي فيها وصرنا ننفذ أفكار الهراطقة.

"التي لها حكاية حكمة،بعبادة نافلة وتواضع وقهر الجسد،ليس بقيمة ما من جهة إشباع البشرية" [23].

للتداريب الخاصة بضبط النفس وقمع الجسد لها بركاتها وأهميّتها إن قدمت في المسيح يسوع، لأجل البنيان الداخلي، وخلال الاتكاء على صدر الرب والتمتع بعطية الروح وعمل النعمة الإلهيّة. أما إن تحوّلت إلى "حكاية" (أخذ المظهر الخارجي) للحكمة، مع إذلال الجسد وقهره بالعنف فلا قيمة لها، إذ لا تهب شبعًا داخليًّا.

- لا تستحق البتوليّة المديح في ذاتها إن لم تنبع عن حب الله. يقول الطوباوي بولس عن الذين ينفرون من الزواج: "في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم من الإيمان، تابعين أرواحًا مضلّة وتعاليم شيطانيّة... مانعين عن الزواج" (1 تي 4: 1-3). وأيضًا يقول: "لا تدعوا أحدًا يجرّدكم باستخدام الالتزام بالإماتة جبرًا وقهر الجسد.

القديس إكليمنضس السكندري

يرى العلامة أوريجينوس أن البعض في جهالة يمارسون ما سبق أن فعله سمعان بطرس حين رفض أن تمتد يدا السيد المسيح لغسل قدميه (يو13: 6-8). فكاد أن يفقد نصيبه مع المخلص بسبب اهتمامه بأن ينال غسل قلبه الداخلي. ف نيّة صادقة وفي رغبة صادقة نحو تكريم سيده كاد أن يفق نصيبه مؤديًا نفسه. هكذا ينشغل البعض بالقمع الزائد دون انشغال القلب بالالتصاق بالمخلص نوال نصيب معه.

- وإن كانوا يظهرون كحكماء بقمعهم الجسد بعنف واهتمامهم، فلنحد عنهم. فقد يبدو الشخص متديّنًا ومتواضعًا، ويستخف بالجسد... كتب الرسول أنهم يهينون الجسد، ويحرمونه من الحريّة ويجرّدونه منها، ولا يسمحون لهم أن يضبطونه بإرادتهم. أما اللَّه فيكرم الجسد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

-واضح أن هذا عبوديّة وإفساد للكرامة الموهوبة لنا. يجب أن يكون النسك اختياريّا، ليس لأن الأشياء المخلوقة بغيضة إنما بكل دقة لأنها فيها لذات.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- لكي تكون بتولاً لا يكفي أن تكون غير متزوّج. يجب أن تكون بتوليّة روحيّة، أعني العفّة ليست غيابًا للشهوة الشرّيرة المعيبة، وليست غيابًا للزينة والاهتمامات الكماليّة، وإنما أيضًا غير ملوّثة بهموم الحياة. بدون هذا أي نفع للطهارة البدنيّة؟

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى اهل كولوسي إصحاح 2 جـ9 PDF Print Email

من وحى كو 2

لألتصق بك فتحملني إلى الأمجاد


- هب لي أن التصق بك،

فأرتفع فوق حدود الجسد،

بحبك أكون كمن هو حاضر مع كل إخوته!

لن يقدر الجسد أن يحصرني عن الالتقاء بهم.

بصدقٍ أقول إنني غائب في الجسد،

لكني بك أنا حاضر بالروح!


- التصق بك، فأنعم بك يا حكمة الله،

لن تقدر كل خداعات الفلاسفة أن تسبي فكري.

ولا أجد عذوبة في حكمة البشر.

ولن تقدر خداعات البشر أن تصطادني بشباكها.

بك يتقدس فكري وعقلي،

بك أطير، وأرتفع من مجدٍ إلى مجدٍ!


- من أجلي صرت إنسانًا،

وأنت بلاهوتك تملأ السماء والأرض.

ألتصق بك فأمتلئ بغنى حبك،

تهبني نعمتك فلا يعوزني شيء!


- التصق بك فارتفع فوق حرف الناموس.

لا أطلب ختان الجسد،

بل أحمل بروحك ختم ختان الروح!


- بك أتمتع بالبنوة لله،

وأُنعم بروحك ختمًا ملوكيًا!

أصير بكليتي ملكاً لك،

وجنديًا صالحًا في جيش الخلاص!

لن يقف أمامي إبليس وكل ملائكته،

لأني مستتر فيك!

أطأ بقدمي قوات الظلمة،

لأن نورك مُشرق في أعماقي!


- أنت وحدك تحملني إلى حضن أبيك.

دمك الثمين يشفع فيّ!

وصليبك هو سلم السماء!


- لأصلب معك،

فالصلب معك حياة،

وبقيامتك أقوم فلا يقوى الموت عليّ،

بصعودك يجد قلبي له موضعًا في السماء!

أنت بحق سرٌّ علو كل مؤمن بك!

أنت سرّ شبع كل من ألتصق بك!

كيف أقدر أن أعيش بدونك؟

1 فاني اريد ان تعلموا اي جهاد لي لاجلكم و لاجل الذين في لاودكية و جميع الذين لم يروا وجهي في الجسد
2 لكي تتعزى قلوبهم مقترنة في المحبة لكل غنى يقين الفهم لمعرفة سر الله الاب و المسيح
3 المذخر فيه جميع كنوز الحكمة و العلم
4 و انما اقول هذا لئلا يخدعكم احد بكلام ملق
5 فاني و ان كنت غائبا في الجسد لكني معكم في الروح فرحا و ناظرا ترتيبكم و متانة ايمانكم في المسيح
6 فكما قبلتم المسيح يسوع الرب اسلكوا فيه
7 متاصلين و مبنيين فيه و موطدين في الايمان كما علمتم متفاضلين فيه بالشكر
8 انظروا ان لا يكون احد يسبيكم بالفلسفة و بغرور باطل حسب تقليد الناس حسب اركان العالم و ليس حسب المسيح
9 فانه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا
10 و انتم مملوؤون فيه الذي هو راس كل رياسة و سلطان
11 و به ايضا ختنتم ختانا غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح
12 مدفونين معه في المعمودية التي فيها اقمتم ايضا معه بايمان عمل الله الذي اقامه من الاموات
13 و اذ كنتم امواتا في الخطايا و غلف جسدكم احياكم معه مسامحا لكم بجميع الخطايا
14 اذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدا لنا و قد رفعه من الوسط مسمرا اياه بالصليب
15 اذ جرد الرياسات و السلاطين اشهرهم جهارا ظافرا بهم فيه
16 فلا يحكم عليكم احد في اكل او شرب او من جهة عيد او هلال او سبت
17 التي هي ظل الامور العتيدة و اما الجسد فللمسيح
18 لا يخسركم احد الجعالة راغبا في التواضع و عبادة الملائكة متداخلا في ما لم ينظره منتفخا باطلا من قبل ذهنه الجسدي
19 و غير متمسك بالراس الذي منه كل الجسد بمفاصل و ربط متوازرا و مقترنا ينمو نموا من الله
20 اذا ان كنتم قد متم مع المسيح عن اركان العالم فلماذا كانكم عائشون في العالم تفرض عليكم فرائض
21 لا تمس و لا تذق و لا تجس
22 التي هي جميعها للفناء في الاستعمال حسب وصايا و تعاليم الناس
23 التي لها حكاية حكمة بعبادة نافلة و تواضع و قهر الجسد ليس بقيمة ما من جهة اشباع البشرية




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

المسيح والحياة الداخليَّة


حدّثنا الرسول بولس في الأصحاحين السابقين عن سمو السيّد المسيح، فهو العمق الذي يحملنا بروح الرجاء إلى السماء. وهو العلوّ الذي إذ نتأصّل فيه ونتأسّس فلن يهتز بناؤنا. الآن يحدّثنا عن المسيح السماوي الذي يقيمنا لنختبر السماويّات، وتتجدّد حياتنا فيه كل يوم، ويقود كل مشاعرنا وسلوكنا في البيت كما في الجماعة.

لا يمكن لحياتنا أن تنمو في أعماقها ولا أن ترتفع إلى أعلى ما لم تنمو داخليًا. يجب أن نعرف أن المسيح هو حياتنا، يسكن فينا. السيّد المسيح هو قانون حياتنا والموجّه لسلوكنا الخارجي كما الداخلي.

1. الحياة مع السماوي 1-4.

2. خلع أعمال الإنسان 5-9.

3. التمتّع بالإنسان الجديد 10-15.

4. التسبيح والشكر 16-17.

5. المسيح قانون الأسرة 18-25.

1. الحياة مع السماوي

"فإن كنتم قد قمتم مع المسيح،فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله" [1].

بعد أن حذرهم من البدع التي تحط من شأن السيد المسيح وعمله الخلاصي، كشف لهم عن بركات الاتحاد مع المسيح القائم من الأموات والصاعد إلى السماوات. فالمؤمن يطلب ما هو فوق، أي يشتاق ويسأل ويجاهد بالنعمة الإلهيَّة لكي يتمتّع بما هو لمملكة المسيح. هذا يتطلّب منه رفع فكره ليستقرّ هناك.

رفع القلب والفكر هو عطية إلهيّة، لكن يلزمنا أن نسعى لنوالها. سبق فتحدث عن الدفن مع المسيح في المعمودية، لا لنبقي كما في القبر بل نقوم معه، حسب وعده الإلهي: "لأني أنا حي فأنتم ستحيون" (يو 14: 19). إنه حي قائم في السماوات، يسحب قلوبنا وأفكارنا إليه، فنحيا معه متهللين في السماويات.

إذ رأى التلاميذ الرب صاعدًا إلى السماء رجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيمٍ يسبحون الله ويباركونه (لو 24: 51-53). ونحن إذ نقوم معه ونصعد بقلوبنا إليه نتحرر من سلطان الخطية التي لا موضع لها في السماويات. نترنم مع الرسول قائلين: "لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد اعتقني من ناموس الخطية والموت" (رو 8: 2).

وإذ نحن متأصلوِّن في المسيح وحياتنا هي فيه, فنحن ليس فقط نموت معه, بل نتمتع بالوحدة معه في قيامته وتصعد قلوبنا معه, ففي موت المسيح متنا عن الخطية، وفي قيامته قمنا لنحيا حياة جديدة. وبصعوده نعاين كنوز غنى ومباهج السماويات. حياتنا الجديدة في المسيح تحررنا من الاهتمام بأمور هذا العالم، فنصير "أمواتا عن العالم" ونجد أن حياتنا الحقيقية هي في المسيح الصاعد إلى السماوات ومعه. كلما نعرفه نكتشف تدريجيًا الجمال الكامن في الشركة مع ربنا يسوع، فنتمتع بالشركة في سماته، كالحب والرحمة والرأفة والوداعة والرأفة وطول الأناة [12].

كما دخل يشوع بشعب الله إلى كنعان لينال كل واحدٍ نصيبه في أرض الموعد (يش 11: 23)، هكذا يصعد بنا ربنا يسوع إلى كنعان السماوية كقائدٍ لموكب النصرة، فينال كل مؤمن نصيبه في المجد السماوي.

اُخترعت الغواصةُ لتبحرَ تحت الماء. ومع هذا تزُوِّد الغواصة بمنظارٍ مكبر, به تفتش عن الأشياء التي على سطح المياه, فهي تمخض عباب المياه، لكن سلامتها في الداخل مرتهنة بما يتوفر لديها من معرفة للأمور العلوية. ونحن نعيش في العالم, لكن فلتملاْ السماءُ أَفكارنا. إذ نثبت أنظارنا على المسيح وهو يجتذبنا إلى أَعلى.

المسيحيةُ ليست سلسلةً من أعمال التخلي فقط، بقدر ما هي تمتع بالحياة الجديدة, فكُلَّما عرفنا المسيح أفضل لا تعود أمور كثيرة تجتذب اهتماماتنا. إذ يضيف المسيح الكثير إلى حياتنا فلا تتسع لمزيد من الأمور العتيقة. به فقدنا متعة اللذة بأعمال الإنسان العتيق, وصرنا الآن منشغلين تمامًا بالحياة الجديدة في المسيح.

ربما يتساءل البعض: مادمنا نقوم مع المسيح ونطلب ما هو فوق، فلماذا نسقط في الخطية؟

1. اتكالنا على ذواتنا دون طلب عون النعمة الإلهية خلال الشركة المستمرة مع الله بغير انقطاع.

2. التهاون في الصغائر. إذ نحظى بالنعم الإلهية يبيد أغلبها بسبب إهمالنا.

3. يقول معلمنا يعقوب: "كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته" (1: 14). يجب ألا يكون لنا أي ارتباط بالطبيعة العتيقة, إذ يطالبنا القديس بولس أن نميت شهواتنا الشريرة. فإذ ننال حياتنا الجديدة في المسيح يسوع, نخلع الحياة العتيقة بكل أفعالها. يحثُّنا القديس بولس أن نُميت الطبيعة القديمة، فنكُف عن كل رذائلها والتي ضمها بولس في قائمة واحدة, أي الموت والفساد والنجاسة والشهوة الردية والطمع, ثم الغضب الناجم عن الأهواء الردية والنقمة وخطايا الكلام الكثيرة, فلنكف على الدوام عن تلك الخطايا, وهذا الأمر مستطاع في المسيح. هل تتخيلون كم تكون سخافتنا إِن اشترينا ثوبًا جديدًا، لكننا رفضنا أن نخلع القديم الذي لبسناه, فنصُّر على لبس الجديد دون أن نخلع عنا القديم! إن كثيرين من المسيحيين يفعلون ذلك. إنهم يحاولون أن يلبسوا ثوب الحياة الجديدة فوق طبيعتهم القديمة. وهذا لا يحدث مطلقًا. فعلينا أولا أن نترك الخطية ونحن نلبس الحياة الجديدة.

4. التوقف عن النمو, فمع كل يوم نتمتع بما هو جديد علينا أن نتعلمه. يليق بنا أن نتشبه بالرسول بولس فنشتهي أن ننمو لنبلغ إلى قامة ملء المسيح.

سلوك المسيحي هو ما يراك الناسُ تمارسه, كما تشير الملابس إلى الكثير من طباعك. إن كنت مهملاً أم مهتمًا, إن كنت جنديًا أم مدنيًا, ملكا أم مِن العامة, هكذا فإن التعبير الخارجي يُظهِر لمن تنتمي ومَن تخدم (أع 23:27).

هذه الحياة الجديدة التي نقبلها من المسيح تتجدد دومًا كلما نمونا في معرفة ربنا ومخلصنا. لكن يليق بنا ونحن ننشغل بالامتيازات العظيمة التي لنا في المسيح, لا نهمل واجبنا من نحو رفقائنا. معرفتنا للمسيح تجعلنا نفكر بالأكثر في الآخرين فنتعلم أكثر عن تلك الحياة الجديدة: كاللطف والرأفات والوداعة وطول الأناة والغفران والحب [12-14]. أجل فإن تلك هي الأمور التي يجب أن نتحلى بها. فإن عشنا هكذا نحظى بالكمال ونحن على الأرض. ويقول القديس بولس إن تلك الفضائل تشبه قطعًا من القماش منسوجةً كُلٍ منها في موضعها كما بحزام من حب (1 كو 13). وهذا الأمر يملاْ حياتنا بسلام الله.

يوصي القديس بولس أن "نطلب ما فوق"، أي "الحياة السماوية المتهللة على مستوى عالٍ. فقلب المسيحي قلب مرتل (16:3). ويريدنا المسيح أن نتعلم كلامه, ويريدنا أن نعبِّر عن فرحنا فيه بالتسابيح والترانيم فنشارك السماويين حياتهم.

الحياة السماوية ليست بالأمر الفوري ولا السهل. إنما تتطلب جهادًا مستمرًا وطلبًا له وسعيًا لأجل إتمامها. يلزمنا أن نطلب مشيئة الله السماوي, من أجَّل الله ذاته.

- فلنطلب ملكوته وبره (مت 33:6) لننال اتساعًا في الأرض. فلنفكر في السماويات ونتأمل فيها, حيث رُفِّع المسيحُ وارتفع. لكن هيا بنا نهجر العالم الذي هو ليس عالمنا, لنبلغ الموضع الذي دُعينا إليه, فلنرفع عيوننا عاليًا, لنرى البهاء الذي يُعلن. فلنرفع أجنحتنا كملائكة, لنرى الجسد الموضوع هناك.

الأب أفراحات

- قد قمنا مع المسيح، فلنحيا فيه ونصعد معه, حتى لا تجد الحّيةُ عقبنا لتلدغه على الأرض.

القديس أمبروسيوس

- يا للعجب! أنه قد رفع أذهاننا إلى فوق! وكيف ملأها بالإلهام القدير! فلا يكفي القول, "الأمور التي هي فوق" بل و"حيث المسيح كائن" بل وأكثر "حيث جالس عن يمين الله" ومن هذه النقطة كان يعدهم ليروا الأرض.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يزعم البعض أن القيامة هي للجسد فقط, لهذا يقولون إن تلك القيامة الأولى (التي في سفر الرؤيا) هي قيامةُُُُ جسدانية فقط, لأنهم بحسب زعمهم, يقولون إن الذي يقوم ثانية هو شيء قد سقط, والأجساد الآن تسقط بالموت لهذا لا يمكن أن تكون هناك قيامة للنفوس, بل للأجساد. لكن ماذا هم قائلون للرسول الذي يتحدث عن قيامة النفوس؟ لأن كلامه كان موجهًا إلى الإنسان الداخلي لا الخارجي. بالتأكيد حينما قال "إن كنتم قد قمتم مع المسيح, فاطلبوا ما فوق"، ونفس المعنى نراه في عبارة أخرى "كما قام المسيحُ من الموت بمجد الأب هكذا نسلك نحن أيضًا في جِدة الحياة".

- هو قد سبقنا, ونحن قد قمنا فعلاً معه, لكننا لا نزال على الرجاء.

- "السماوات تعلن مجد الله" من هم السماوات؟ أولئك الذين صاروا كرسيه؛ لأنه كما يجلس الله في السماء, هكذا يجلس في الرسل، وهكذا يجلس في كارزي الإنجيل. حتى أنتم, إن أردتم, تصيرون سماءً.

هل تشتاقون أن تصيروا سماءً؟ طهروا قلوبكم من الأرض! فإذ لا تكون لكم شهوات أرضية, ولا تنطقوا عبثا: "قلوبنا هي فوق"، تصيرون سماءً . "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح" كما يقول الرسول للمؤمنين فتشتهون ما هو فوق، ولا تشتهون ما هو بأسفل على الأرض, أفلا تصيرون سماءً؟ أنتم تحملون جسدًا, لكن بسيرتكم تحيون حياة السماء, وإِذ أنتم هكذا, فأنتم تعلنون المسيح (للناس) لأنه مَن من المؤمنين لا يُعلن المسيح؟

- الكنيسة الآن هي ملكوت المسيح وملكوت السماوات. ومن ثم, فإنه حتى الآن يحكم معه قديسون، وإن كان بشكلٍ مختلفٍ عن حكمهم معه بعد الموت. إذ ينمو الزوان مع القمح في الكنيسة، فإنهم لا يحكمون معه, لأنه لا يحكم معه إلا الذين يقول الرسول عنهم: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح, فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله, ولا تطلبوا ما على الأرض". وعن هؤلاء يقول أيضًا إن سيرتهم هي في السماويات. وفي النهاية فإنهم يحكمون معه الذين هم هكذا في ملكوته فهم أنفسهم ملكوته, لكن بأي مفهوم يُعَّد هؤلاء ملكوت المسيح, إلا أولئك الذين بالرغم من وجود كل الرذائل في العالم وحتى زواله لا يطلبون ما للعالم بل ما للمسيح.

- ليس عبثا ذكَّرهم بأن يرفعوا قلوبهم... ولم يكن عبثا ما قيل: "إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق, حيث المسيح جالس عن يمين الله". اشتهوا الأمور العلوية، ولم يطلبوا ما على الأرض. طالما أن لهم سيرتهم هناك في السماويات، فإنهم يحملون الله، وهم بذلك سماء, إنهم عرش الله وحينئذ يعلنون كلمات الله "السماوات تحدث بمجد الله".

القديس أغسطينوس

- قد دُعيتم لاهتمامات أخرى أكثر نبلاً (شرفا): "اطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس" (كو 1:3). ارفعوا نفوسكم فوق مستوى الأرضيات, ومن السماء تستمدون قاعدة سلوكياتكم. ثبتِّوا سيرتكم في السماء، فإن موطنكم الحقيقي هي أورشليم السماوية (في 20:3) ومواطنوكم وأتباعكم هم "الأبكار المكتوبة أسماءهم في السماء" (عب 23:12).

القديس باسيليوس الكبير


- يقول القديس بولس: "فإن كنتم قد قمتُم مع المسيح فاطلبوا ما فوق". ويضيف: "لأنكم قد مُتم، وحياتكم مستترة مع المسيح في اللَّه. متى أُظهر المسيح حياتنا فحينئذ تُظهرون أنتم أيضا معه في المجد" [1-4]. تختفي فينا الحياة حسب الجسد إذا أمَتْنا طبيعتنا الدنيئة، ثم نقلنا طموح حياتنا من الأرض إلى السماوات. كما يقول المثل: "الحكماء يدَّخرون معرفة" (أم 14:10). ثم ننتظر الحياة الحقيقية، ويظهر المسيح فينا، ونمتلئ بمجده، ونتحول إلى حالة مقدسة. دعونا الآن نستمع إلى كلمات النشيد وكأننا متنا بالجسد، فلا ننجذب إلى الكلمات ذات المعنى الجسدي. فيتحول الشخص الذي مات عن الأهواء إلى حياة القداسة، من المعنى اللفظي لكلمات النشيد إلى معانٍ نقية وغير ملوثة. ولما كان فكره خاليًا من الأمور الأرضية، لذلك يُشغل فكره بالأشياء العليا حيث المسيح الخالي من الهوى، والجالس عن يمين مجد اللَّه (كو 1:3). دعونا الآن نستمع إلى الكلمات التي تصف جمال العروس النقي. ليتنا نستمع وكأننا لا نشارك في طبيعة الجسد وننتقل إلى دائرة الروح.

القديس غريغوريوس النيسي

- عندما يشخص العقل إلى داخله، يراهم (البشر) جميعًا على شكل صورة الله (تك 1: 26- 27) التي خُلقوا عليها. فلا يكن في هذه الرؤيا الخاصة بهذه الحالة بار وخاطي، ولا عبد وحر، ولا ختان وغرلة، ولا ذكر ولا أنثى، بل يرى المسيح الكل في الكل.

القديس يوحنا الدلياتي

"اهتموا بما فوق، لا بما على الأرض" [2].

يمثل أدم الطبيعة البشرية وكل ما هو أرضي, أما المسيح, آدم الثاني، فإنه يمثل السماويات (1 كو 45:15-49)، فعلامَ نثبت فكرنا وقلوبنا؟

يرى القديس جيروم أن الذي يرتفع قلبه وفكره إلى السماء يكون كعصفورٍ طائرٍ في السماء فلا تقدر الحية التي تزحف على الأرض أن تبتلعه. ويرى القديس أغسطينوس أن مثل هذا المؤمن يتحول من ترابٍ إلى سماءٍ، فلا يصير مأكلاً للحية التي تلحس تراب الأرض.

- الجسد أرضي (ترابي), لكن لترفض أَن تكون أرضًا. ما معنى ذلك؟ "اشتهِ ما فوق, لا ما على الأرض". إن كنتم لا تشتهون الأرضيات فلستم أرضًا, وإن لم تكونوا أرضًا, فلن تخدعكم الَّحية, التي طعامها المفضل هو الأرض.

القديس أغسطينوس

إذ ترتفع قلوبنا إلى السماء تسمو كل انفعالاتنا وحواسنا وعواطفنا وكل طاقاتنا لتسبح في السماويات ولا تُمتص في الأمور الجسدانية.

- هكذا إذا ما ساد التعقل تلك الانفعالات كلها, تتحول إلى شكل من أشكال الفضيلة, إِذ يُنتج الغضب شجاعة, والخوف حذرًا، والمخافةُ طاعةً, أما الكراهية فتتحول نحو الرذيلة, وتصير قوة الحب هي الرغبة فيما هو جميل بالحقيقة. إِن روحنا الخفاقة فينا ترتفع فوق أفكارنا وأهواءِنا وتحفظها من العبودية لما هو دنيء, أجل إن الرسول العظيم يمتدح مثل هذه الرفعة الذهنية حينما يحثنا على الدوام أَن "نفتكر فيما هو فوق"، ومن ثم نجد أن كل عاطفة حينما ترتفع وتسمو بسمو عقولنا, فإِنها تماثل جمال الصورة (الأيقونة) الإلهية.

القديس غريغوريوس النيسي

- انظروا كيف انطلق بأحاسيسهم إلى السماويات. لأنه كما قُلت, إذ يكرر دائمًا أن لهم ما للمسيح، وفي كل رسائله ينِّبر على هذا الأَمر, ليوضح أنهم شركاء في كل شيء مع المسيح؛ لهذا يستخدم الألفاظ رأس وجسد، ويبذل كل ما في وسعه ليوصل إليهم (هذا المعنى).

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لكي نتذوق الأمور العلوية, لابد أن نؤمن أن المسيح في جلوسه لا يطيع كواحد يتلقى أوامر أو وصايا، بل هو ممجد باعتباره الابن الحبيب الوحيد. أما بخصوص جسد المسيح فيقول الأب: "اجلس عن يميني، فأضع أعداءك تحت موطئ قدميك".

القديس أمبروسيوس




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 3 جـ2 PDF Print Email

"لأنكم قد متم،وحياتكم مستترة مع المسيح في الله" [3].

الموت الذي يتحدث عنه هنا ليس الموت البدني، ولا هو الانفصال عن الله. فالموت انفصال, لكن الانفصال هنا عن العالم وشروره بل هو أيضًا بمعنى أن ندير ظهورنا إلى أساليب حياتنا القديمة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأن السيد المسيح كاللؤلؤة التي تظل مختفية طالما هي في قلب القوقعة الصدفية.

- لا شيء أكثر بركة من ذلك الدفن (مع المسيح), حيث يفرح الجميع, الملائكة والبشر ورب الملائكة, في هذا الدفن لا حاجة لنا إلى ثياب ولا إلى أية أربطة ولا إلى أي شيء من ذلك, فهل ترون رمز ذلك؟ سأريكم حين دُفن الإنسان وذلك الجرن حيث قام. في البحر الأحمر غرق المصريون في القاع, لكن خرج منه الإسرائيليون سالمين, هكذا أيضًا, فإنه يدفن الواحد ويقوم الآخر. لا تتعجبوا من أن الميلاد والموت يحدثان في آن واحد داخل المعمودية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ضيق هو طريق التوبة (مت 7: 14)، لكنه يقود إلى الملكوت للصيرورة مع المسيح في الله. وواسع هو طريق الراحة والتلهي، لكنه يوصل إلى ظلمة الشيطان للصيرورة معه في جهنم.

القديس يوحنا الدلياتي

- قيل لبطرس "اذبح وكل" ولا تبتلع بسرعة، لأنه ما من إنسان يدخل جسد الكنيسة إلا الذي ذُبح أولاً، أي إلا إذا مات, ليصبح إلى ما لم يكن عليه. فمن لا يّذبح ولا تأكله الكنيسة قد يُحسب مع العدد المنظور من الشعب, لكنه لا يُحسب مع الشعب المعروف لدى الله, حيث يقول الرسول "الرب يعرف خاصته".

القديس أغسطينوس

"وحياتكم مستترة مع المسيح في الله" أية حياة؟ بالتأكيد ليست حياة أجسادنا، بل علاقتنا الروحية بالله، وتنفيذ مشيئته فينا. المسيح هو حياتنا، وعلينا أن نحيا كما يحيا هو (1 يو 6:2).

"متى أٌظهر المسيح حياتنا،فحينئذ تظهرون أنتم أيضا معه في المجد" [4].

- هنا عن الأرض, لم يكن بولس نفسه يحيا في مجدٍ. فقد كان يئن حقيقة في جسد الموت, إذ نسمعه يقول: "لأن حياتنا الآن مستترة مع المسيح في الله, وحينما يظهر المسيح حياتُنا, سنظهر نحن أيضا معه في مجد" [3-4].

القديس أمبروسيوس

- إن كنا نترجى الأمور العتيدة ونئن لأجل السعادة المستقبلة, وإذ لم يظهر بعد ماذا سنكون, بالرغم من أننا فعلاً "أولاد الله" لأن "حياتنا مستترة مع المسيح في الله"، إنه ينتابنا اليأس الشديد بسبب الذين يطلبون أو يتمتعون بالسعادة في العالم.

- يمتد الأصل عميقًا في الداخل, وحيث الجذر فهناك حياتنا أيضًا, فهناك حبنا مُثبَّت "وحياتنا مستترة مع المسيح في الله". فمتى يذبل ذاك من كان هكذا متأصلاً؟ بل أين سيأتي ربيعنا؟ أين صيفنا؟ أين تكسونا كرامة الأوراق حولنا, ويُغنينا فيض الثمار؟ متى يحدث ذلك؟ اسمعوا ما يتبع: "حينما سيظهر المسيح الذي هو حياتنا, حينئذ أيضا تظهرون أنتم معه في مجد" فماذا نفعل نحن إذن الآن؟ "لا تغتاظوا بسبب فاعلي الشر، ولا تحقدوا على عمال الإثم، إذ سرعان ما يذبلون كالعشب ويفنون كزهر العشب"

القديس أغسطينوس

- يقول الرسول: "حياتنا مستترة مع المسيح في الله"، فلا يجاهِّد أحد لكي يضيء، ولا يتكبِّر أحد ولا يفتَخر أحد. فالمسيح لم يشأ أن يكون معروفًا من أحد هنا ولم يطلب أن يُكرز باسمه في الإنجيل وهو لا يزال على الأرض. بل جاء ليختبأ عن هذا العالم. فلنخفِ نحن أيضا كذلك حياتنا كما فعل المسيح (مقتدين بما فعله هو). فلنكف عن الافتخار لنكف عن أن نشتهي أن نكون معروفين. فالأفضل أن نعيش هنا في تواضع, وهناك في مجد. إذ يقول "حينما سيظهر المسيح فحينئذٍ سنظهر نحن أيضا معه في مجد".

القديس أمبروسيوس

- لم يتحدث كثيرًا في الحقيقة عن أمور هذه الحياة, بل كانت معظم تأملاته في أمور السماء. "لأن سيرتنا في السماويات" (في 20:3). إذ يقول "لأن حياتنا مستترة مع المسيح في الله" [3] وأكاليلنا (حرفيا مكافأتنا) هناك. وجهادنا هو لأجل الأكاليل هناك. لأن تلك الحياة لا تنتهي بعد الموت, بل تضيء أكثر فأكثر. وفي الحقيقة فإن الذين يتبعون هذه القاعدة, لهم كرامة أعظم أكثر من الحاملين التيجان، عالمين أنهم رجال أعظم، يسعون لأجل أمورٍ أعظم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ألا يقول المرء (وهذا حق) إن الإنسان يموت عن العالم, إن رفض مباهج العالم لأجل الله؛ هكذا يعلن القديس بولس نفسه لنا, قائلاً: "حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلبَ العالم لي" (غل 14:6) وأنا للعالم, إذ نصير شركاء له بواسطة الروح القدس الذي يختن كل نجاسة فينا بدون أيادٍ, فنصير أمواتًا عن العالم, ونحيا حياة السمو التي لله.

القديس كيرلس السكندري

- في أي مجد؟ مجد القيامة. في أي مجد؟ اسمع الرسول يقول عن هذا الجسم: "يُُزرع في هوان ويقوم في مجد" (1 كو 15: 43).

القديس أغسطينوس

- "فإذ ظهر المسيح الذي هو حياتكم تظهرون أنتم أيضا حينئذٍ معه في المجد" [4]. قد يشير ذلك إلى أيِّ من حادثتين: المجيء الثاني, أو تجليه بمجد في حياة المؤمن. ويعني الفعل "ظهر" أي انكشف أو أتي إلى النور (رو 21:3).

استخدام بولس لضمير (المخاطب أنتم you) لا يدلل على أن الأمر يخص المجيء الثاني, بل بالحري سمو وتمجيد الرب في حياة المؤمن. وهو يستخدم هذا الضمير، لأن القديس بولس قد صار فعلاً متشبها بالمسيح لهذا قال: "تمثلوا بي" (1كو1:11)، وهو الآن يطلب نفس الأمر لأهل كولوسي.

- يقول قائل, لكن أنتم أيضًا, تعطون وعودًا خاصة بهذا العالم, فبماذا وُعِدنا نحن في هذا العالم؟ غفران الخطايا وغسل التجديد. والمعمودية في المقام الأول دورها الرئيسي في الأمور العتيدة, ويتعجب بولس قائلاً: "لأنكم متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله" حين تظهر حياتكم, "فحينئذ أنتم أيضا تظهرون معه في مجد" [4] لكن حياتنا في هذا الزمان أيضا لها مزايا لهذا كان هذا الأمر محل تعجبهم الشديد حتى توفرت لديهم القدرة على إقناع الآخرين الذين مارسوا شرور كثيرة, أن يفعلوا ما لم يفعلوه قبلاً, مغتسلين من خطاياهم كلها، متناسين كل آثامهم, لهذا كان عجيبًا جدًا أنهم اقتنعوا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. خلع أعمال الإنسان

"فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض: الزنى، النجاسة، الهوى، الشهوة الردية،الطمع الذي هو عبادة الأوثان" [5].

"فأميتوا أعضاءكم": لا يعني هنا تدمير الأعضاء الجسدية، بل إماتة الإنسان العتيق أو الطبيعة الفاسدة التي ورثناها عن آدم، وتغلغلت فينا، وملكت على أعماقنا، فأفسدت إرادتنا وأفكارنا وعواطفنا وأحاسيسنا. وظهر آثارها على كل حياة الإنسان الداخلية وسلوكه، لهذا دعيت "الإنسان القديم". إنها الطبيعة الفاسدة التي تثير الزنى والنجاسة والهوى والشهوة الرديئة والطمع، إن لم يكن في السلوك الظاهر ففي الفكر، وإن لم تكن بالفكر، تبقي كامنة في اللاشعور حتى تتحين الفرصة لتسيطر وتوجه كل كيان الإنسان.

ويذكر الرسول تلك الرذائل ويعددها - كما في ا تس3:4-8، لكنه يضيف هنا "عبادة الأوثان". وفي الحقيقة, فإن أي شيء يملاْ قلوبنا وعقولنا ويحل محل الله يمكن أن يُسَّمى الشهوة أو الهوى.

لا يليق بنا أن نتهاون مع أي فكر شرير خاطئ، فهو وإن كان قد مات فإن لبعضها قوة قيامة هائلة. ففي مقدورنا أن نميتها، وفي لحظة تنبعث فيها الحياة من جديد!

- الطمع هو أصل كل الشرور ويُدعى عبادة أوثان (كو 5:3) فلا تفضلوا إذن الأصنام عن المسيح لأجل ربح قليل. ولا تقلدوا يهوذا فتخونوا من صُلِب لأجلنا لأجل حفنة من الفضة (رشوة). لأنه بالمثل تُدعى الأراضي وأيدي الذين اقتنوا مثل ذلك الربح: "حقل دم Aceldawa (أع 19:1)

القديس باسيليوس الكبير

- كتب الطوباوي بولس إلى أهل كورنثوس أنه دائمًا يحمل في جسده إماتة يسوع, ليس افتخارًا بأنه وحده كذلك, بل يحثهم ويحثنا ونحن أيضًا, وفي هذا فلنتبعه يا إخوتي. وليكن هذا دأب افتخارنا جميعًا في كل وقت. وفي هذا اشترك داود قائلاً في المزامير "لأجلك نًمات كل النهار, حُسبنا كغنمٍ للذبح" وقد صار هذا الآن فينا, خاصة خلال أيام العيد, حينما نصنع ذكرى موت مخلصنا. لأن من صار مثله في موته, واجتهد في ممارسة الفضائل، أمات أعضاءَه التي على الأرض، وصلب الجسد مع الشهوات والأهواء ويحيا حياة الروح القدس (في الروح) متمثلاً به.

القديس أغسطينوس

- الذين ماتوا عن العالم ونبذوا تجارته, نالوا موتًا كريمًا لأنه "عزيز في عيني الرب موتُ أتفيائه" (مز 116: 15).

- يقصد بالأعضاء التي على الأرض الضعف البشري، إذ يكمل قائلاً: "الطمع والدنس" وباقي ما ذكره.

القديس أغسطينوس

- الذين صاروا تابعين حقيقيّين للمسيح مخلصنا جميعًا يصلبون أجسادهم ويميتونها، وذلك بانشغالهم دائمًا في أتعاب وجهادات لأجل التقوى، وبإماتتهم شهوة الجسد الطبيعة.

- فيه كياننا جميعًا, إذ قد أعلن ذاته إنسانًا، لكي يميت الأعضاء التي على الأرض, (كو 5:3, رو 23:7) أي شهوات الجسد، ولكي يطفىء نار ناموس الخطية التي تضطرم في أعضائنا، وحتى يقدس طبيعتنا، فيكون لنا نموذجنا الأمثل ومرشدنا في طريق التقوى، ويكملً استعلان الحق بحسب المعرفة وبحسب طريق الحياة التي تفوق إمكانياتنا الخاصة, هذا كله قد أتمه المسيح حين صار إنسانا.

- قد أماتوا أعضاءهم التي على الأرض، واهتموا فقط بتلك الأمور التي لا تغضب الناموس الإلهي, وهو بالحري يستخدم الكلمة التي تحل محل كلمة مجد أو أن الذين يحكمون مع المسيح سيكونون محط حسد الآخرين مستحقين كل إعجاب.

القديس كيرلس السكندري

- ماذا أسوأ من الطمع؟

إنه أسوأ من أية شهوة. إنه مثير للحزن أكثر من الجنون الذي أتحدث عنه, وأخطر من الضعف السخيف أمام الملل إذ يقول: "الطمع الذي هو عبادة الأوثان" أرأيتم إِلام يقود الشر... لا أقول لكم هذا بسبب أحزان الفقراء بل لخلاصكم، لأنه سيهلك أولئك الذين لم يقوتوا المسيح...

أخبروني إذن حينما قال: "أميتوا أعضاءكم التي على الأرض", فهل اتهم الأرض أيضًا؟ أو هل يتكلم عن الأمور الأرضية كأنها خطايا؟

هاهو يسرد كل القائمة معًا, لأن الحسد والغضب والهوى كلها شهوات رديئة ولم يقل "عليكم" بل "على أبناء المعصية" [6].

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الذي يرغب في تكريس حياته لعبادة اللَّه لا يمكن أن يُعطّر بمجموعة الأعشاب العطرة المقدسة إلا إذا تحول هو نفسه إلى مرّ، أي إلا إذا أمات أعضاءه على الأرض (كو 3: 5)، بأن يُدفن مع الذي ذاق الموت لأجلنا، وأن يأخذ المر الذي كان على جسد المسيح في القبر لكي يُحنط به أعضاء جسده. ومتى تم إنجاز ذلك فإن كل العطور التي تنتج من ممارسة الفضيلة أثناء الحياة، تُطحن لكي تعطى "المسحوق العطر"، وكل من يستنشقه يصبح معطرًا ويمتلئ بروح العطر.

القديس غريغوريوس النيسي

- يليق بنا أن نقدم له التقدمة التي يفرح ويسر بها في يوم قيامته مادام لم يعد يسر بالذبائح الحيوانية. يعطينا القديس غريغوريوس الإجابة عن السبب الذي لأجله لم يعد يُسر بالذبائح الحيوانية، وهو قول الرسول بولس: "قدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله، عبادتكم العقلية" (رو 12: 1). لكن كيف نقدم أجسادنا ذبيحة حية لله؟ حين لا نتبع شهواتنا الشريرة وأفكارنا الذاتية، بل نسير في الروح، ولا نكمل شهوة الجسد (غل 5: 16)... وذلك بأن نقمع شهوات أعضائنا الجسدية.

القديس دوروثيوس من غزة

- لهذا وأنتم راقدون على فراشكم, رددوا المرة تلو المرة: "في الليل طلبتَ من تحبه نفسي". ويقول الرسول: "أميتوا أعضاءكم التي على الأرض"، لأنه هو نفسه فعل ذلك, لهذا استطاع أن يقول في ثقة: "أحيا لا أنا، بل المسيح يحيا في" فالذي يميت أعضاءه ويشعر أنه يسير في عرض المبنى, لا يخشى أن يقول: "صرتُ كزقٍ في العاصف". مهما كان في داخلي من رطوبة الشهوة فقد جف فيَّ"، وأيضًا: "ركبتاي ارتعشتا من الصوم, نسيتُ أن آكل خبزي، وبسبب صوت تأوهي التصقت عظامي بجلدي".

القديس جيروم

- هذا نفسه إذن ما جاء المسيحُ ليُحييه, فكما في آدم نموت جميعًا, كما من الطبيعة الحيوانية, هكذا نحن في المسيح نحيا جميعًا, كروحيين, فلا نتخلى عن صنعة يدي الله بل نترك شهوات الجسد ونقبل الروح القدس. كما يقول الرسول في الرسالة إلى كولوسي: "أميتوا أعضاءكم التي على الأرض," والتي كما يشرحها هو نفسه "الزنى والنجاسة والهوى والشهوة الرديئة والطمع الذي هو عبادة الأصنام". ترك هذه الأمور هو ما يكرز به الرسول ويقول إن الذين يمارسونها إنما هم جسدانيون كما من لحم ودم فقط، ولا يمكنهم أن يرثوا ملكوت السماوات. إذ يمثل نفوسهم إلى ما هو أسوأ بانحدارها إلى الشهوات الترابية ومن ثم فهم يوصفون بأنهم أيضًا ترابيون، تلك الأمور الرديئة التي عندما يحثنا الرسول أن نتركها - يقول في ذات الرسالة "تخلعون الإنسان العتيق مع كل أعماله" [9]، لكنه حينما قال ذلك لم يُزل بالشكل القديم للإنسان، وإلا صار من غير اللائق أن نتخلص من حياتنا بالانتحار!

القديس ايريناوس

- عبادة الأوثان ليست قاصرة على ذر البخور على المذبح بالإبهام والسبابة أو صب جرعات من خمر من طاسٍ معين. إنما الطمع هو عبادة أوثان أو بالحري بيع الرب بثلاثين من الفضة (حاسبًا الإنسان) أنه عمل بار!

والشهوة تشمل الدنس، وحينما يسقط الناس مع الداعرات، فيدنسون أعضاء المسيح التي يجب أن تكون "ذبيحة حية مقبولة أمام الله".

والخداع أيضًا عبادة أوثان، وفي سفر الأعمال نقرأ عن الذين تبرعوا بممتلكاتهم، لكن البعض منهم حجزوا جزءًا منها أو من ثمنها، فهلكوا بموت ردي في الحال.

إذن اعلموا جيدا يا إخوتي, أن لا شيء لكم لتحجزوه، إذ يقول الرب: "إن كان أحد منكم لا يترك كل ما له, لا يقدر أن يكون لي تلميذًا" فلماذا تكون مسيحيًا منقسم القلب؟ half - hearted

القديس جيروم

- ينبغي علينا ليس فقط أن نأخذ حذرنا من حيازة المال، بل ننتزع أيضًا من نفوسنا تلهفنا عليه، إذ من واجبنا لا أن نتحاشى نتائج الطمع إنما بالأكثر أن نستأصل جذور كل نزوع إليه، إذ أن عدم امتلاكنا للمال لا يفيدنا مادامت فينا شهوة الحصول عليه.

- من المحتمل أن إنسانًا لا يملك شيئًا يكون مستعبدًا لعلة الطمع، ولا تنفعه نعمة الفقر المدقع، لأنه لم يستطع أن يستأصل من نفسه جذور خطية الشراهة، متقبلاً مزايا الفقر لا لحسن فضائله، وراضيًا بثقل الحاجة إنما في فتور القلب. ذلك لأنه كما تعلن كلمة الإنجيل أن الذين لا يتدنسون بالجسد قد يزنون في القلب، وأن من المحتمل أن الذين لا يثقل كاهلهم عبء المال تلحقهم لعنة نزعة الطمع والاشتياق إليه لأن ما كان يعوزهم هي "فرصة" الامتلاك وليست "إرادته"، لأن الثانية هي التي يُتوجها اللَّه دون جبر، لهذا يلزمنا أن نستخدم كل حصانة، لئلا تتبدد ثمار جهودنا في غير ما يجدي. لأنه من المحزن أن يتحمل المرء أثار الفقر أو العوز، ولكنه يفقد ثماره، بسبب سقوط الإرادة المزعزعة.

- قد نبذ جميع مقتنيات هذا العالم من استأصل تمامًا من قلبه الرغبة في حيازتها وامتلاكها.

القديس يوحنا كاسيان

"الأمور التي من أجلها يأتي غضب الله على أبناء المعصية" [6].

ماذا يعني بغضب الله؟ الله الكلي الحب والقداسة لا يحطم أحدًا، لكن إذ يعطي الإنسان لله القفا لا الوجه، يحطم الإنسان نفسه بنفسه، إذ تثمر الخطية موتًا وفسادًا. هذا ما عبر عنه الكتاب المقدس بغضب الله أو تركه لهم. فإذ يختار الإنسان الفساد يسلمه الله لشهوة قلبه. "أسلمهم الله أيضًا في شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم بين ذواتهم" (رو 1: 24).

لعل أوضح مثل معاصر هو الأمراض الجنسية كالإيدز التي تحطم حياة الإنسان جسديًا ونفسيًا وروحيًا، مالم يقدم الإنسان توبة ورجوع إلى الله مصدر حياته.

تشير الكلمة إلى موقف الله تجاه الذين يتمردون, أولئك الذين يرفضون أعز هباته




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى اهل كولوسي إصحاح 3 جـ3 PDF Print Email

"الذين بينهم أنتم أيضًا سلكتم قبلاً،حين كنتم تعيشون فيها" [7].

يقدم لهم حياتهم قبل الإيمان مثلاً عمليًا حين كانوا يعيشون في الخطية، حتى دخلت نعمة الله في حياتهم وانتشلتهم من قيودها وحررتهم، لكن بقي لهم أن يجاهدوا بالنعمة لكي يعيشوا كما يليق بأبناء الله المقدسين.

- "لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد أخطأ الجميع (صار الكل خطاةً)، هكذا بطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبرارًا" (رو 5: 19). ونحن جميعًا نموت في آدم، وكل واحدٍ منا وُلِد من آدم فليعبر إلى أورشليم. وليخلع القديم ليُبنى جديدًا. بُقال لليبوسيين سكان أورشليم قبلاً: "اخلعوا الإنسان العتيق, والبسوا الجديد". وبالنسبة للمبنيين في أورشليم, والمستنيرين بنور النعمة, قيل عنهم "كنتم قبلاً ظلمة, أما الآن فنور في الرب" لقد انهارت المدينة الشريرة التي كانت منذ البدء, وإلى النهاية, وشُيدت محلها المدينة الصالحة والتي أزالت الشرور. وهاتان المدينتان مختلطتان في آن واحد, لكنهما في النهاية تنفصلان. إنهما تتصارعان الواحدة ضد الأخرى, واحدة لأجل الإثم والأخرى لأجل الحق.

القديس أغسطينوس

وأما الآن فاطرحوا عنكم انتم أيضًا الكل: الغضب، السخط، الخبث، التجديف، الكلام القبيح من أفواهكم" [8].

يطالبهم الرسول أن يطرحوا عنهم ما لا يليق بهم.

"الغضب": هو انفعال الإنسان للأحداث بسبب تطلعه إلى الأحداث المحيطة به عوض الانشغال بالمسيح الساكن فيه، لهذا يفقد سلطانه في المسيح يسوع، مبررًا بأنه إنسان بطبعه انفعالي: "البطيء الغضب خير من الجبار، ومالك روحه خير ممن يأخذ مدينة" (أم 16: 32).

"السخط ": حيث يتحول الغضب إلى ثورة انفعالية.

"الخبث": وهو أخطر من الغضب والسخط، إذ يلبس الإنسان صورة الهدوء والسكون بينما يحمل في داخله روح الكراهية والانتقام، وذلك كما دبر أبشالوم لقتل أخيه أمنون (2 صم 13).

"التجديف": التهجم الكاذب على الله وتدبيره وخطته من جهة البشرية، والأمجاد المعدة للقديسين.

لكلام القبيح": كالهزل والفكاهة غير الهادفة والتهكم على الآخرين. "لا القباحة ولا كلام السفاهة، والهزل التي لا تليق، بل بالحري الشكر" (أف 5: 4).

- يجب قلع سم الغضب القاتل من جذوره في أعماق النفس، لأنه إذا بقي روح الغضب واستقر في قلوبنا أظلمت عقولنا وفقدت قدرتها على الرؤية، لأن الغضب يصيب بالعمى وبظلمة ضارة تجعل الرؤية الروحية مستحيلة. فلا تقدر على الحكم الصائب في أمرٍ من الأمور، بل يتعذر علينا التأمل الصالح الذي ينمي الحكمة فينا، بل لا نقدر أن نثبت في الصلاح، أو نقبل النور الحقيقي الروحي، لأنه مكتوب: "عيني قد تعكرت من الغضب" (مز 6: 7).

وقد يمدحنا الناس كحكماء، ولكننا لن نكون حكماء إذا لازمنا الغضب، لأنه مكتوب: "الغضب يسكن مستريحًا في صدر الأحمق" (جا 7: 9 LXX). وهو ما يعرضنا لفقدان ميراث الحياة الأبدية. وقد يظهر لنا أننا نفهم الطبيعة الإنسانية وندرك أسرارها، ولكن إذا ظل الغضب فينا، تم فينا ما هو مكتوب: "الغضب يدمر الحكماء" (أم 15: 1 LXX). ويحرمنا الغضب من إدراك "برّ الله"، لأننا بسبب الغضب نفقد الإفراز، ومع أن الناس قد يقولوا عنا أننا قديسون وكاملون إلا أنه مكتوب "غضب الإنسان لا يصنع برّ الله." (يع 1: 20).

- يحاول البعض تبرير الغضب، هذا المرض القاتل للنفس، بأدلة من الأسفار الإلهية التي يفسرونها تفسيرًا غير لائق. يقول هؤلاء أن الغضب ليس ضارًا حتى إذا غضبنا على الإخوة الذين يخطئون، لأن الله نفسه يسخط ويغضب على الذين لا يريدون أن يعرفوه، أو يعرفونه ومع ذلك يرفضونه. ومن الأمثلة التي يقدمونها كلمات الأسفار: "غضب الرب واشتعل سخطه على شعبه" (مز 106: 40). أو عندما يصلي النبي ويقول: "يا رب لا توبخني بغضبك، ولا تؤدبني بسخطك" (مز 6: 1). ولا يفهم هؤلاء أنهم عندما يحاولون بهذا الإصرار على تأكيد وتبرير الغضب إنما يقودون غيرهم إلى التمسك برذيلة ضارة وفي نفس الوقت يمزجون ضلال شهوة جسدانية بنقاء الله غير المحدود والذي هو مصدر كل نقاءٍ.

- عندما نقرأ أن الله غضب وسخط فأننا لا يجب أن نفكر في أن هذه انفعالات بشرية. بل يجب أن نفكر فيما يليق بالله الحر من كل هذه الانفعالات، أو بكلمات أخرى يجب أن نراه مثل القاضي الذي يحاكم وينتقم من الأعمال الشريرة ويرد الشر على فاعليه. هنا يُوصف بمفرادات خاصة تولد فينا الخوف من الله الذي سوف يحاكم على كل عمل ضد إرادته. ولكن يجب أن نتذكر أن الطبيعة الإنسانية تعودت على الخوف من الذين يغضبون ولذلك السبب تتراجع عن الشر خوفًا من غضب هؤلاء. وفي حالات القضاة المشهورين بالعدل الصارم، يخاف منهم الأشرار، لأنهم يعرفون أنهم سوف يوقعون بهم عقوبة صارمة وهذا وحده يزرع الخوف والشعور بالندم في قلوب الأشرار. ولكن القضاة العادلون لا يحكمون ولا يصدرون أحكامًا تحت تأثير انفعالات الغضب. بل هذه الانفعالات إذا وجدت فيهم تجعلهم يعجزون عن إصدار الأحكام العادلة. ومع أن القضاة لا يعرفون الغضب، إلا أن الأشرار بسبب ذنوبهم وخوفهم من الحكم، يتوقعون الغضب عندما يحاكمون وبسبب شعورهم بالذنب يخافون حتى من القضاة الودعاء المعتدلين، لأن صدور أي حكم على إنسان شرير يجعل المذنب يشعر بسخط وغضب الحكم ولا يصف قرار القاضي الذي يعاقبه إلا بأنه قرار غضب وسخط.

القديس يوحنا كاسيان

"لا تكذبوا بعضكم على بعض، إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله" [9].

"الكذب": إن كان السيد المسيح هو الحق، فإن إبليس هو الكذاب وأب الكذابين. "لم يثبت في الحق، لأنه ليس فيه حق، متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له، لأنه كذاب وأبو الكذاب" (يو 8: 44).

- ليس للكذب شركة مع الحق، كما ليس للنور شركة مع الظلمة. فإن وجود الواحد يستبعد الآخر.

القديس إيريناؤس

- الحق هو نور، فإن لم نُسر حسب الحق فنحن في الظلمة.

هيلاري أسقف آرل

"خلع الإنسان القديم": جاء فعل "خلع" في اليونانية في الماضي ولكن مفعوله قائم، فقد تم الخلع في المعمودية، ويبقي يمارسه الإنسان بالتوبة بكونها معمودية ثانية. يبقي الإنسان في حالة خلع مستمر لهذه الطليعة الفاسدة كي لا تنحل ربطها وتقوم من جديد، بل على العكس ينمو الإنسان الجديد في برّ المسيح وقداسته.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن العماد هو بداية الطريق لا نهايته. فيه يُولد الإنسان كطفلٍ صغيرٍ، إن لم ينمو يوميًا يموت. العماد أشبه بغرس زرع جديد يحتاج إلى سقي مستمر، لكن الله هو الذي ينمي. "ونحن جميعا ناظرين مجد الرب يوجه مكشوف، كما في مرآة، نتغير إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما من الرب الروح" (2 كو 3: 18).

- إن أردت فحص هذه النقطة، أي أن عماد يوحنا يخلصهم من التهديد بالنار، اسمعوا قوله: "يا أولاًد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي" (مت 7:3) لا تكن بعد أفعى. فإذ لك جلد أفعى قديم، أي حياتك الماضية، اخلعه عنك. لأن كل أفعى تزحف في جحر وتتخلص من جلدها القديم، وبهذا يتجدد شباب جسدها. هكذا ادخل أنت أيضًا من الطريق الكرب الضيق (مت 13:7، 14)، واخلع القديم بالأصوام، واترك ذاك الذي يهلكك. اخلع الإنسان العتيق مع أعماله [9]. وقل مع عروس نشيد الأناشيد: "قد خلعت ثوبي فكيف ألبسه؟!".

القديس كيرلس الأورشليمي

- عندما تشعر الحيّة بشيخوختها، عندما تشعر بثقل السنوات الطويلة تتقلص وتلزم نفسها على الدخول من ثقب، ملقية جلدها العتيق حتى تخرج إلى حياة جديدة. لتقلّدها في هذا أيها المسيحي، الذي تسمع المسيح يقول: "أدخلوا من الباب الضيّق" (مت 7: 13)، ويحدّثنا الرسول بولس قائلاً: "إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد" (كو 3: 9؛ أف 4: 22-24). على هذا فإن الحيّة لديها ما ينبغي أن نقلّدها فيه.

لتمت، لا لأجل الإنسان العتيق، بل لأجل الذي يموت لأجل أمر زمني، يموت من أجل الإنسان العتيق، ولكن عندما تجرّد نفسك من ذلك الإنسان العتيق كله فإنك تقلّد حكمة الحيّة.

القديس أغسطينوس

- لقد لوّث الشرّير الإنسان كلّه، نفسًا وجسدًا، وصار في حالة عداوة مع اللََّه، وليس خاضعًا لناموس اللََّه، بل هو بكلّيته خطية، حتى أن الإنسان لا يعود ينظر كما يشاء هو، بل ينظر بعينٍ شرّيرةٍ، ويسمع بأذنٍ شرّيرةٍ، وله أرجل تُسرع إلى فعل الشرّ، ويداه تصنعان الإثم، وقلبه يخترع شرورًا. لذلك فلنتوسّل إلى اللََّه أن ينزع منّا الإنسان العتيق، لأنه وحده القادر على نزع الخطية منّا.

القديس مقاريوس الكبير

- "إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله" [9]. حينما بليت الخليقة الأولى واعتراها القدم, احتاج البشر أن تتجدد الخليقة في المسيح (كما يقول الرسول, مؤكدا أننا لا يليق أن نرى في الخليقة الجديدة أي أثر للأخرى العتيقة) قائلاً "إذ خلعتم الإنسان العتيق, بأعماله, وشهواته, البسوا الجديد المخلوق بحسب الله" "وإن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة". الأشياء العتيقة قد مضت, هوذا الكل قد صار جديدًا، لأن خالق الطبيعة البشرية في البدء وفي النهاية هو هو واحد لا يتبدل. أخذ من الأرض ترابًا وجبل الإنسان، ثم فيما بعد أخذ من العذراء ترابًا ولم يخلق مجرد إنسان بل صنع لنفسه إنسانًا formed man about himself. في البدء خَلق ثم فيما بعد خُلِقَ إذ أولاً خلق الكلمةُ جسدًا (لآدم), وفيما بعد صار الكلمة جسدًا حتى يغير جسدنا إلى روح، إذ شاركنا الجسد والدم. وعن تلك الخليقة الجديدة إذن في المسيح، والتي بدأها هو بنفسه, دُعي بكرًا, إذ هو بكر الجميع: لكل من المولودين إلى الحياة والذين يحيون بقيامة الموتى.

- هكذا فإن بولس إذ ينصح القادرين من سامعيه على بلوغ الكمال, موضحًا لهم سبيل تحقيق هذا الكمال ولهذا يخبرهم "أن يخلعوا الإنسان العتيق ويلبسوا الجديد الذي تجدد بحسب صورة خالقه" فهلا رجعنا جميعا إلى النعمة الإلهية التي فيها خلق الله أولاً الإنسان, حينما قال "لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا" الذي له المجد دائما أبديا آمين.

القديس غريغوريوس النيسي

- إذ يحب المسيح الكنيسة مقدسةً عفيفةً وبلا دنس, فليحب الأزواج أيضًا زوجاتهم في عفة. وليعلم كل أحد كيف يحفظ إناءه في قداسة وكرامة, وليس في دنس الشهوة الردية كالأمم الذين لا يعرفون الله "لأن الله لم يدعنا (يختارنا) للنجاسة, بل للتقديس عالمين أنكم قد خلعتم الإنسان العتيق بأفعاله ولبستم الإنسان الجديد الذي يتجدد (باستمرار) لمعرفة صورة ذاك الذي خلقه!

القديس جيروم

- إذ يترك (المؤمن) الخطية والإنسان العتيق وراءه, قد صار إنسانًا جديدًا في معرفة الله, وبلغ كمال منتهاه, إذ أنه من خلال معرفة إلهه, يصبح الصورة الكاملة (والأيقونة) معه. وبالصلاح يقتني عدم الموت وبعدم الموت سيحيا إلى الأبد كصورة لخالقه.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

3. التمتّع بالإنسان الجديد


"ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفةحسب صورة خالقه" [10].

تجديد الإنسان الجديد للمعرفة علامة الحياة، فإنه ليس من حياة في المسيح دون نمو، وليس نمو دون استنارة بقوة الروح القدس، حتى يتشكل الإنسان الداخلي على صورة خالقه، فيصير أيقونة حية للسيد المسيح العريس السماوي.

- هذه هي كلمة السرّ حيث بالميلاد الجديد الذي من فوق تتبدل طبيعتنا من الفاسد إلى غير الفاسد, إذ قد تجددت من "الإنسان العتيق" إلى صورة ذاك الذي خلقه في البدء على مثال اللاهوت.

القديس غريغوريوس النيسي

-إن كان بينكم من هو عبد للخطية، فليستعد بالإيمان استعدادًا تامًا للميلاد الجديد في الحرية والتبني. وبخلعه عبوديته لخطاياه المرذولة وارتدائه عبوديته للرب المطوبة يصير أهلاً لميراث ملكوت السماوات.

"اخلعوا الإنسان العتيق الفاسد حسب شهوات الغرور" (أف 22:4) بالاعتراف "حتى تلبسوا الإنسان الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه" [10].

بالإيمان خذوا "عربون الروح القدس" (2 كو 22:1) "لكي يقبلونكم في المظال الأبدية" (راجع لو 9:16).

القديس كيرلس الأورشليمي

- قبول حياة جديدة شيء, ولبسها والسلوك بها شيء آخر (رو 4:6) إن ذلك الإنسان الجديد مخلوق في البرً والقداسة (أف 24:4) يجب أن نحيا بقياس قامة ابن الله (أف 13:4)، والتي بها نُحاسب.

- من مجيء الرب, والذي به صار الانتقال من ختان الجسد إلى ختان القلب، كانت الدعوة أن يحيا الإنسان بحسب الروح, أي بحسب الإنسان الداخلي الذي يُدعى أيضا "الإنسان الجديد" بسبب الميلاد الجديد وتجديد السيرة الروحانية.

القديس أغسطينوس

- هذا المخلوق العاقل على الأرض, أعني الإنسان, قد خُلق من البدء على صورة خالقه (كو 10:3) وبحسب الكتاب المقدس, وللصورة معانٍ عديدة، فقد تكون الصورة لا بحسب نوع معين بل بحسب أنواع كثيرة, بالإضافة إلى عنصر المثال أو الشبه بالله الذي خلق الإنسان, وهو أكثر العناصر كلها وضوحًا واستعلانًا, وهو (عنصر) عدم الفساد وعدم الموت.

القديس كيرلس السكندري




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 3 جـ4 PDF Print Email

حيث ليس يوناني ويهودي،ختان وغرلة،بربري وسكيثي،عبد حر،بل المسيح الكل وفي الكل" [11].

- هذه الطبيعة الجديدة (الإنسان الجديد) التي أعطيت لنا تعلمنا أن نتخطى الحواجز التي تفصل بين البشر، لأن المسيح صار فينا جميعًا، بل بالحري صرنا كلنا واحدًا فيه لأننا جسده.

القديس يوحنا الذهبي الفم

لعل أكثر الحواجز خطورة كان الجنس "اليهودي والأممي" أو "الختان والغرلة"، كما أيضًا الحواجز الطبقية، طبقة السادة الأحرار وطبقة العبيد.

في العهد الجديد تشير كلمة "يوناني" إلى الأمم (رو 16:1). البرابرة هم كل من كان لا يتكلم اليونانية كلغة الثقافة في ذلك الحين، والسكيثيون حسبوا بدائيين وكانوا مشهورين بالخشونة والوحشية، وكانوا موضع سخرية وهزأ من الناطقين باليونانية. الآن وقد جاء السيد المسيح قدم نعمته لكل البشرية دون محاباة

لا عجب إن كانت نعمة المسيح قد أزالت الفوارق، فيكتب القديس بولس رسالة إلى فليمون بخصوص أنسيمس عبده الهارب الذي سرقه "أطلب إليك من أجل ابني أنسيمس، لأنه افترق عنك إلى ساعة لكي يكون لك إلى الأبد، لا كعبدٍ في ما بعد بل أخًا محبوبًا". واستشهدت بلاندينا جنبًا إلى جنب مع سيدتها، وكانت أكثر بطولة منها. واستشهدت فيلتيا العبدة مع سيدتها بربتوا بروح الأخوة المتبادلة.

المسيح هو الكل وفي الكل لا بالمعنى الحرفي لمصطلح الوجودي panlleistic، بل هو كل شيء بالنسبة لنا ولأجلنا: الخالق والمخلص والأخ والشفيع الوسيط والهدف, فلا حاجة لنا أن نطلب آخر سواه.

- لا يفترض أحد أنه بسبب غناه, أن يُعامل بشكلٍ آخر مختلف, ففي الكنيسة الغني هو الغني في الإيمان، لأن المؤمن يملك عالمًا كاملاً من الغنى, فما العجيب في أن يملك المؤمن العالم كله, وهو يمتلك ميراث المسيح الذي هو أكثر قيمة من العالم بما لا يُقاس؟ "قد اُفتديتم بدمٍ ثمين" (1 بط 19,18:1) هي كلمات قيلت للجميع وليس للأغنياء فقط. لكن إن كنتم أغنياء فأطيعوا ذاك الذي يقول، "كونوا قديسين في كل سيرة حياتكم" (1 بط 15:1) وهو لا يتحدث عن الأغنياء فحسب، بل عن الجميع, لأنه يحكم دون النظر إلى الأشخاص وكما يقول الرسول شاهده الأمين.

القديس أمبروسيوس

- فلتكن إذن كل كلماتنا وأفعالنا بحسب المسيح (عن المسيح) الذي أتى بالحياة من الموت وخلق النور من الظلام.

القديس أمبروسيوس

نصائح إيجابية

"فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين، أحشاء رأفات ولطفا وتواضعًا ووداعة وطول أناة" [12].

كمختاري الله الذين في المسيح, هم مقدسَّون ومحبوبون, كما هو أيضًا القدوس موضع سرور الآب وحبه, يتطلب هذا منا لبس ثياب الفضيلة. إن الرسول بصدد تقديم قائمة بالفضائل تكون بمثابة ثوب المسيحي في حياته. بل ويذكر نصائح معينة عن الصبر والغفران، ويشير إلى الحب كأعظم فضيلة, تقيم البنية من الفضائل وتكملها (1 كو 13:13, 1 بط 8:4)

من الجانب السلبي يطالبنا بخلع الإنسان القديم، ومن الجانب الايجابي يأمرنا أن نلبس ما يليق بالإنسان الجديد الذي نلناه في المعمودية، لأننا مؤهلون لنوال نعم متزايدة، فإنه ليس بكيلٍ يعطي الرب الروح. نحن مختارون من الله لنكون قديسين محبوبين فيلزمنا أن نلبس الرب يسوع (رو 13: 14)، نحمل شركة سماته من أحشاء رأفات ولطف وتواضع ووداعة ودول أناة.

"أحشاء رأفات"، تقوم الرأفة على الأحشاء الداخلية، فالحنو نابع عن الطبيعة الجديدة التي صارت لنا، فيتسع قلبنا بالحب والحنو نحو كل بشرٍ كشركة في سمة محب البشر.

- يظهر سهولة الفضيلة, ليقتنوها على الدوام ويستخدمونها كأعظم زينة... يقول: "أحشاء رأفات" ولم يقل "رحمة" بل يؤكد تأكيدًا أعظم باستخدامه اللفظتين ولم يتكلم كما لإخوة بل كآباء نحو أولادهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"اللطف": إن كانت الرأفة تحمل حنوًا وترفقًا على الغير، فإن اللطف يحمل مشاعر الرغبة في الستر على أخطاء الآخرين وخطاياهم، لكن بروح الحكمة، لأجل خلاصهم.

"التواضع": مسيحنا تواضع حين اتحد بناسوتنا وارتضي أن يخفي مجد لاهوته ليكون كأقل من الملائكة (عب 2: 7، 9)، بل وصار عبدا كأقل إنسان (في 2: 6-7). أما بالنسبة لنا فالتواضع هو اكتشاف حقيقتنا، مدركين أننا لا نقدر ان نفعل شيئا بدون النعمة الإلهية.

"الوداعة" هي انعكاس لهدوء النفس الداخلي، متى اتكأت على مخلصها في تسليمٍ كاملٍ لحياتها بين يديه مع ثقة في تدبيره الإلهي. ومن جانب آخر هي شركة مع المسيح يسوع في وداعته حتى في لحظات محاكمته (1 بط 2: 21- 23)، وهو الذي دعانا ان نقتدي به : "تعلموا مني، فإني وديع ومتواضع القلب".

"طول الأناة": أي الشركة مع مسيحنا الطويل الأناة مترقبًا خلاص الخطاة والآثمة.

"محتملين بعضكم بعضًا،ومسامحين بعضكم بعضًا،إن كان لأحد على أحد شكوى،كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم أيضًا" [13].

في طول الأناة نحتمل بعضنا البعض، كما غفر لنا مسيحنا؛ وفي احتمالنا لإخوتنا نحمل ذات غاية المسيح وهو طلب خلاص كل نفسٍ لمجد الآب وبنيانًا نفوسنًا.

إذ نركز أنظارنا على السيد المسيح الذي يشتهي أن يسكن فينا ويحل في وسطنا، لا نجد صعوبة في الاحتمال وطول الأناة، بل نجد فيها مسرة الله ومسرة نفوسنا أن نحتمل المسيئين مهما تكررت الإساءة، مشتهين أن ننال كرامة الشركة مع مسيحنا بأن نضع أنفسنا من أجل الإخوة.

لقد دفع (الرب) ثمنًا باهظًا لغفران خطايانا ولم يلزمه أحد بل فعل ذلك حبًا. سدد الثمن الكامل "للشكوى" المرفوعة ضدنا ومحا الصك واسترددنا إلى يمين الله، ولهذا يسألنا بولس أن نسامح الآخرين بنفس الطريقة: "هكذا اغفروا أنتم".

- عظيم هو المثل! هكذا يفعل هو دائمًا إذ يحضهم على التمثل بالمسيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لديكم القاعدة هنا, لو كان المسيح قد غفر لكم خطاياكم "سبعين مرة سبع مرات" فقط... ورفض أن يسامح أكثر, إذن ابلغوا أنتم هذا الحد ولا تتجاوزوه - لكن إن كان المسيح قد وجد آلاف الخطايا بل وآلاف الآلاف, وقد غفرها جميعها. فلا تحجبوا إذن رأفتكم بل اطلبوا أن تغفروا كل هذا الكم الهائل (من الأخطاء).

- ما دمنا نتحدّث عن غفران الخطايا، لئلا تظنّوا أن هذا الأمر عالٍ العهد جدًا أن تتمثّلوا بالمسيح اسمعوا الرسول يقول: "مسامحين بعضكم بعضًا، كما غفر لكم اللََّه في المسيح" (كو 3: 13؛ أف 4: 32). "كونوا متمثّلين باللَّه كأولاد أحبّاء" (أف 5: 1). أنت دُعيت ابنًا، إن أردت أن ترفض الاقتداء به، فلماذا تطلب ميراثه؟

القديس أغسطينوس

"وعلى جميع هذه البسوا المحبةالتي هي رباط الكمال" [14].

المحبة هي تاج كل الفضائل، والمؤشر الحقيقي لارتداء الإنسان الجديد، هي رباط الكمال. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بدون المحبة تصير كل الفضائل السابقة بلا قيمة ولا منفعة.

تحتضن المحبة كل النعم معًا في الإنسان الجديد وتجذب المسيحي من خلالها إلى الكمال. والكلمة المترجمة "رباط" هي نفسها الواردة في أف 3:4؛ وأع 3:8, وتعني "تضم معًا كما بسلسلة". هكذا عظيمة هي المحبة للغاية، بدونها تصبح الفضائل الأخرى مدعاة للسخرية.

- المحبة أم الفضائل كلها وكلمات الرسول عن الإيمان والرجاء والمحبة هي كالحبل المثلث التي لا يسهل قطعه (1كو4:13-7 ,13). نحن نؤمن ونترجى، ومن خلال إيماننا ورجائنا نرتبط معًا برباط المحبة.

القديس جيروم

- إن ما يريد قوله هو إن تلك الأشياء لا نفع منها, لأن جميعها تتهاوى إن لم تتم بالحب، فهو الذي يربطها جميعا معًا في رباط واحد. فمهما كان ما تفعله صالحًا إن لم يكن بالحب سرعان ما يزول أثره ويصبح كلا شيء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ليس في طبيعتنا رذيلة أو هوى في الأصل، لأن اللََّه لم يخلق الأهواء بل أوجد فينا فضائل طبيعية كثيرة، ومنها بدون شك الرحمة، إذ أن الوثنيّين أنفسهم يتحنّنون ويشفقون. ثم المحبّة، لأن البهائم عديمة النطق كثيرًا ما تحزن على فراق رفيقاتها. ثم الإيمان، لأننا نجد أنفسنا جميعًا مفطورين عليه. ثم الرجاء، إذ أننا على رجاء الانتفاع نعترض ونقترض، ونزرع، ونسافر... فإن كانت المحبّة فضيلة طبيعة فينا على ما تبيّن وهي "رباط الشريعة وكمالها" (أف 4: 3؛ كو 3: 14؛ رو 13: 10) فالفضائل بالتالي ليست بعيدة عن طبيعتنا. فليخز إذن الذين يحتجّون بعدم قدرتهم على اكتسابها.

القدّيس يوحنّا كليماكوس

"وليملك في قلوبكم سلام الله،الذي إليه دعيتم في جسد واحد،وكونوا شاكرين" [15].

إذ نتحلى بالفضائل السابقة، خاصة المحبة، يحل سلام الله الثابت غير المتغير. هذا السلام الذي يحل بين النفس والله، ينعكس على سلام النفس مع الجسد، فيصير الإنسان في تناغم بلا صراع بين الجسد والنفس، وينطلق إلى الآخرين فلا يستطيع المؤمن إلا أن يعيش في سلام مع إخوته تحت كل الظروف.

هذا السلام الذي يتربع في القلب مع الله ومع الجسد ومع البشر بل وكل الخليقة يحول قلب الإنسان إلى قيثارة يعزف عليها الروح القدس تسبحة شكر لا تنقطع.

- "سلام الله" هو السلام الثابت والدائم، فإن كان لك سلام بحسب الناس، فإنه سرعان ما ينحل, لكن إن كان بحسب الله لا ينتهي أبدًا...

لا تغضبوا, كما يقول, بل احكموا في المنازعات, ولا تخضعوا للأحقاد, ولا للسلام البشري, فالانتقام سمة البشر وعواقبه وخيمة, لكنه يقول ليس ذلك ما أقصده بل ذلك السلام الذي تركه لنا الرب بنفسه.

لأننا بواسطة السلام نحن جسد واحد, ولأننا جسد واحد فنحن في سلام... وحسنًا أضاف: "وكونوا شاكرين"، لأن الشاكرين والمملوءين مودة يعاملون رفقاءهم كما يفعل الله معهم, خاضعين للسيد, مطيعين معبرين عن شكرنا في كل شيء حتى إن أهاننا أحد أو اعتدى علينا بالضرب.

- ويقول "كونوا شاكرين" لأن هذا هو ما يطلبه كل إنسانٍ, فالشكر أعظم الأمور الصالحة, فلنشكر إذن في كل شيء مهما يحدث, لأن هذا هو معنى الشكر.

- لا شيءَ أَقدس من اللسان الذي في وقت الشر يشكر الله, فهو لا يقل أبدًا عن الاستشهاد, فلكليهما إكليل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

4. التسبيح والشكر

"لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنىوانتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعضًابمزامير وتسابيح وأغاني روحية بنعمة،مترنمين في قلوبكم للرب" [16].

شهوة قلب الرسول أن تسكن كلمة المسيح أو تستقر بغنى في المؤمنين. فيتقبلون الحق الإلهي، لا ليقتنعوا به فكريًا فحسب، بل ويعيشوا به، فيكون دستور حياتهم وقائدًا داخليًا يوجه الفكر والكلمات والسلوك. وكما يقول المرتل: "خبأت كلامك في قلبي حتى لا أخطئ إليك". تقتني خزانة القلب والفكر بكنز الكلمة. يطالبنا القديس يوحنا الذهبي الفم أن نقتني الكلمة وندخل في أعماقها، وكما يقول أن عدم معرفة الكتاب هي سبب كل الشرور، فيكون الشخص كمن يذهب إلى المعركة بلا سلاح، فهل يرجع سالما؟ سيف الروح هو كلمة الله (أف 6: 17).

إن كانت كلمة الله هي سلاح المؤمن في معركته ضد قوات الظلمة، فإن حياة التسبيح هي الوليمة المشبعة للنفس. تحول حياتنا إلي عيد داخلي مستمر، وتقدس كل أعمالنا وكلماتنا لنقدمها لحساب المسيح [7].

التسبيح يثير في النفس فرح الروح السماوي: "لأن ليس ملكوت الله أكلا وشربا، بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس" (رو 14: 17). يقول القديس انطونيوس الكبير أن النفس تتربي بالفرح الروحي، وتسعد به، وتصعد به إلى السماء. كتب العلامة ترتليان يصف اجتماعات المسيحيين بعدما يغسلون الأيادي (بعد ولائم الأغابي) يأتون بالشموع ثم يدعى كل واحد ليقدم أغنية لله أمام الجميع من تأليفه الخاص يكون قد اقتبسها من كلمات الإنجيل، معبرًا فيها عن مشاعره الخاصة نحو الله.

"فلتسكن فيكم كلمة الرب بغنى"، هذه هي الوصية الأخيرة في نمو الشخصية المسيحية.

يعرض القديس بولس ثلاث طرق بها يمكن أن نعلِّم الآخرين وننذرهم: المزامير والترانيم والأغاني الروحية. وتشير المزامير إلى الأغاني المقدسة, المقتبسة من العهد القديم,خاصة من سقر المزامير. والترانيم تشير إلى أغاني التسبيح والعبادة الكنسية لله (أع 25:16؛ عب 12:2). أما الأغاني الروحية فتشير إلى الأغاني التي تنشد بشكل طبيعي من المؤمن. يطلب الله صدور تلك الترانيم من القلب.

- صالحة هي النفس التي تكون خارج الأبواب والكلمة (اللوغوس) في أعماقها، هي خارج الجسد حتى يسكن (الكلمة) فيها.

القديس أمبروسيوس

-إذ يقول الرسول "فلتسكن فيكم كلمة الرب بغنى" يختار الله الكلمة الأوقات والمراسم المناسبة لسكناه في الأشخاص. ففي حالتنا الراهنة هو ضيف فينا, إذ يضيف الرسول ثانية: "معلميِّن ومنذرين بعضكم بعضًا بكل حكمة بمزامير وترانيم وأغاني روحية مرنمين في قلوبكم لله".

القديس إكليمنضس السكندري

- "فلتسكن كلمة المسيح فيكم بغنى" أي, التعليم والعقائد والنصائح الروحية, حيث يقول إن الحياة الحاضرة لا شيء ولا حتى أمورها الحسنة, فإن عرفنا ذلك, لتخلينا عن إثارة الضيقات لنا (مت 25: 46). يقول "فلتسكن فيكم بغنى" فلا تسكن فقط بل بفيض عظيم... تأملوا حكمة هذا الإنسان المبارك, فلم يقُل "فلتسكن فيكم كلمة المسيح" بل ماذا؟ "لتسكن فيكم" و "بغنى".

هذا هو سبب كل الشرور أن نجهل الكتاب المقدس، فنخرج للقتال بدون أسلحة، فكيف لنا أن نعود سالمين؟...

إنكم تلقون كل شيء علينا, وعليكم وحدكم أن تتعلموا منا, وزوجاتكم منكم, وأولادكم منكم, لكنكم تتركون كل شيء لنا, لهذا تضاعفت متاعبنا.

تأملوا أيضًا مراعاة بولس لمشاعر الآخرين, فإذ يرى أن القراءة مجهدة, تثير الضجر إلى حد بعيد, فإنه لم يوجه أنظارهم إلى بالأسفار التاريخية بل إلى المزامير, حتى تبهجوا نفوسكم بالترنيم وبرقة تسلّون رفقاءكم, إذ يقول "بترانيم وأغاني روحية" لكن أولادكم الآن يتفوهون بأغاني ورقصات الشيطان, فالطهاة والخدم والموسيقيون, ليس منهم أحد يعرف أي مزمور, لكنه أمر يخجلون منه بل ويسخرون منه ويتهكمون عليه. وهنا مكمن كل الشرور...

علِّمه أن يرِّنم تلك المزامير الملآنة بحب الحكمة, إذ تخص العفة أو بالحري ومثل كل شيء لا تجعله يصاحب الأشرار, ما إن يستهل قراءة الكتاب (سفر المزامير)...

وحينما يتعلم بواسطة المزامير, سيعرف الترانيم أيضًا, كشيء مقدس. لأن القوات العلوية تنشد الترانيم، وليس المزامير. إذ يقول الجامعة "أن الترنيمة ليست حلوة في فم الخاطىء"

فما هي ترنيمة العلويين؟ يعرفها المؤمن. ماذا يقول الشاروبيم في العلاء؟ ماذا يقول الملائكة؟ "المجد لله في الأعالي" لهذا بعد الابصلمودية (المزامير) تأتي الترانيم, كشيء أكثر كمالاً...

حتى وإن كنتم في السوق, يمكن لكم أن تتماسكوا وترنموا لله دون أن يسمعكم أحد. لأن موسى أيضا قد صلى هكذا, وسمعه الله إذ يقول له الله, "لماذا تصرخ إلىّ"؟ (خر 15:14) مع أنه لم يقُل شيئًا. بل صرخ بأفكاره، فلم يسمعه إلا الله وحده، إذ كان يصرخ بقلب منسحق. فليس محرمًا أن يصلي الإنسان بقلبه حتى وهو سائر على قدميه, إذ يسكن (بفكره) العلاء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وكل ما عملتم بقول أو فعلفاعملوا الكل باسم الرب يسوع،شاكرين الله والآب به" [17].

جوهر الحياة هو الشركة مع السيد المسيح، فيختم كلماته وأعماله بختم اسم يسوع المسيح لتفوح منه رائحة الشكر، موضع سرور الآب.

"باسم" معناه "لمجد" (يو 13:14).

يليق بنا أن نكون متهللين وشاكرين الله حتى نسلك السبيل الذي يؤهلنا لاستحقاق المسيح (12:1). فبمعزل عن المسيح ليس لنا دخول إلى الله ولا حتى إلى شكره.

حيث ندعو باسم يسوع لا يتدنس شيء ولا يتنجس... فإن كنتم تأكلون, إن كنتم تشربون, وإن تزوجتم، وإن سلكتم, فاعملوا كل شيء باسم الرب, أي تدعونه ليعينكم, مصلين إليه قبل كل شيء... اجعلوا هذا في المقدمة، لهذا فنحن نستهل رسائلنا باسم الرب فحيث اسم الله, يبشر كل شيء بالخير والسعادة. لأنه إن كانت أسماء العظماء تجعل الكتابة ميسرة (تجعل المكاتبات موثقة وأكيدة) فكم بالحري يفعل اسم المسيح. إنكم بعد ذكر اسم الرب قولوا وافعلوا كل شيء ولا تقدموا على اسمه الملائكة!...

وحيث يوضع الاسم في أي مكان, يبشر بكل الخير, فإن كان يطرد الأرواح الشريرة, وإن كان يشفي الأمراض, فكم بالحري يجعل العمل أكثر يسرًا...

انظروا كيف أنه باسم الرب أرسل إبراهيم خادمه وباسم الرب قتل داود جليات. عجيب هو اسمه وعظيم...

لا شيء يعادل هذا الاسم. عجيب هو في كل مكان, يقول: "اسمك دهن مهراق" (نش 3:1) من ينطقه يمتلأ فورا بأريجه ومكتوب" لا أحد يمكنه أن يقول إن يسوع رب إلا بالروح القدس (1 كو 3:12) حقا إن هذا الاسم يصنع أعمالاً عظيمة. فإن قلتم باسم الآب والابن والروح القدس, بإيمان لأنجزتم كل شيء. فما أعظم الأمور التي فعلتموها...

لقد تجددنا بهذا الاسم (خُلقنا من جديد). إن كان لنا هذا الاسم, نشرق أمام الآخرين. إنه يصنع الشهداء والمعترفين. إنه قد وهبنا عطية عظيمة, حتى نحيا في مجد, ونرضي الله. ونُحسب متأهلين للخيرات التي وعد بها الذين يحبونه, بالنعمة والرأفات.

القديس يوحنا الذهبي الفم   




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 3 جـ5 PDF Print Email

5. المسيح قانون الأسرة

"أيتها النساء اخضعن لرجالكن،كما يليق في الرب" [18].

إذ يرفعنا الرسول بولس إلى السماء ليكون لنا عربون السماويات، يترجم هذه الحياة في الواقع الأسري، لتصير الأسرة أيقونة الأسرة السماوية.

يطالب الرسول الزوجة أن تتشبه بالكنيسة الخاضعة لعريسها المسيح، فإن هذا الخضوع ليس مطلقًا، وإنما "كما يليق في الرب".

هذا الخضوع هو مشاركة الكنيسة سماتها الفائقة، وفي نفس الوقت هو رد فعل طبيعي لتكريم رجلها لها وحبه وتقديره لها، إذ يليق بالرجال أن يعطوهن "الكرامة كوارثات معهم نعمة الحياة" (1 بط 3: 7). فإن كان الرجل لا يسلك كما يليق تشعر الزوجة بتكليف من ربنا يسوع للخضوع لا عن خنوع وإنما كشاهدة لإنجيل المسيح، وكما ينصحهن الرسول: "وإن كان البعض لا يطيعون الكلمة، يُربحون بسيرة النساء بدون كلمة" (1 بط 3: 1-2).

- أخضعهن لأجل الرب, لأن هذا الأمر يكرمهن...

ولا أعني ذلك الخضوع كما لعبيد أمام سيدهم، وليست خضوع تحتمه طبيعتهن، بل هو لأجل الرب...

لأنه يمكن للإنسان الذي يحب أن يكون قاسيًا بعض الشيء, وما يقصده إذن هو, لا تتشاجرا, لأنه ما من شيء أحَّر من ذلك الشجار وخاصة حينما يقع من جانب الزوج ضد زوجته...

وإذ تجد الزوجة نفسها محبوبة, فإنها أيضا تحب وتخضع, فيبذل رجلها لأجلها ويرضخ. تأملوا كيف تسير الطبيعة نسقها: أن واحدًا يخضع والآخر يحب. لكن, إذ تخضع لكم زوجاتكم, لا يليق أن تستبدوا, وأنتن إذ يحبكن رجالكن لا تنتفخن متكبرات, وليت حب الرجل لا يصيب المرأة بالخيلاء, ولا خضوع الزوجة يجعل الزوج ينتفخ متغطرسًا... لا تخشين من خضوعكن, لأن خضوعكن لمن يحبكن لا يشكل صعوبة. ولا تخشوا الحب, إذ بالحب ترضخ لكم نساؤكم. وفي كلا الحالين يتوثق رباط (العلاقة الزوجية).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أيها الرجال أحبوا نساءكم،ولا تكونوا قساة عليهن" [19].

يطالب الزوج أن يعامل زوجته كسفير المسيح، ليصير البيت كنيسة مقدسة. خلال هذه الحياة المقدسة يتقدس الاثنان، ويكون لكل منهما أثره على الآخر. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الزوجة المحبوبة تصير محبة، فإن أطاعت رجلها تصيره لينًا.

غالبا ما يخفق خضوع المرأة كميلٍ طبيعي لديها, إذا ما فشل الرجل في استيعاب مضمون هذه الآية. أحبنا المسيح إلى الحد الذي بذل حياته لأجل الكنيسة عروسه. هكذا فليحب الزوج زوجته كنفسه (أف 29,28:5) بل وأكثر من نفسه. ومن يحب زوجته بهذا الشكل لا يقسو عليها ولا يكون خشنًا معها. فكل هذا لا يتفق مع الحب.

"أيها الأولاد أطيعوا والديكم في كل شيء،

لأن هذا مرضي في الرب" [20].

يقوم الأبناء بالطاعة للوالدين ليس إرضاء لهم، وإنما للرب إذ يشاركون السيد المسيح سمة الطاعة. فلا تكون الطاعة بالنسبة لهم مهانة ولا تحطيمًا لشخصياتهم، بل شركة مع المسيح في سماته.

هذا والأبناء الذين يرون في الأم طاعتها للزوج، وفي الأب حب صادق للزوجة، يعيشون كما في السماء، فتصير الطاعة سمة طبيعية للجو السماوي الذين يعيشونه.

يوصي هنا بالاستماع والطاعة في خضوع، وقبول الوصية (أع 7:6؛ 13:12؛ مت 27:8)، ولا يليق بنا أن نطيع في تذمر, بل بالحري يريد الله أن يقدم كل منا طاعته بإرادته وبحب لوالديه.

- أرأيتم كيف يريدنا أن نفعل كل ذلك لا بموجب الطبيعة فقط, بل ما هو أسبق من ذلك, مما يرضي الرب, لننال أيضًا مجازاة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم لئلا يفشلوا" [21].

كان الأب في المجتمعات القديمة هو رأس العائلة بلا منازع, وكل من يعصى أوامره يعتبر مذنبًا.

لا تغيظوا أولادكم, أي لا تضايقوهم فوق احتمالهم أو تثيرونهم. لا تدفعوهم إلى إتيان أفعال عنيفة. عاملوهم ككائنات آدمية, احترموا أفكارهم, فلا تتوقعوا منهم أشياء غير معقولة.

حقا يقول الحكيم: "لا تمنع التأديب عن الولد، لأنك إن ضربته بعصا لا يموت" (أم 23: 13). لكن لا يليق بالوالدين المبالغة في التأديب حتى وإن كان الدافع هو تربيتهم في مخافة الرب. يقول المرتل: "كما يتراءف الأب على البنين يتراءف الرب على خائفيه" (مز 103: 13). لنتشبه بالله في أبوته الحانية حتى في تأديبه لأولاده: "الرب رحيم ورؤوف، طويل الروح، وكثير الرحمة ؛ لا يحاكم إلى الأبد، ولا يحقد إلى الدهر" (مز 103: 8-9). العقاب هو لأجل التعليم وتحسين خصال الطفل, وليس لقهره أو فقدانه ثقة واحترام أبويه.

كلمة "تغيظ" تعنى التحقير أو التشهير أو التهديد أو النقد اللاذع أو الشتيمة أو تحطيم نفسه كفاشلٍ، وهذا يتنافي مع ما تتطلبه "وداعة الحكمة بالتصرف الحسن" (يع 3: 13). قيل عن الآباء المبالغين في الحزم: "وباء الشباب هو انكسار قلوبهم".

- لم يقل "حبوا أولادكم" لأن في هذا نافلة القول أو تحتم الطبيعة عليهم أن يفعلوا ذلك, لكن ما يحتاج إلى تقويم قوَّمه, فلكي يكون الحب هو الأكثر اتقادًا, فتكون الطاعة أعظم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

وصايا للعبيد

"أيها العبيد أطيعوا في كل شيء سادتكم حسب الجسد،لا بخدمة العين كمن يرضي الناس،بل ببساطة القلب،خائفين الرب" [22].

يوجه الرسول وصايا خاصة بالعبيد الذين تحطمت نفوسهم حيث كانوا يُباعون ويشترون كسلعة، ليس لهم أية حقوق، إذ يستطيع سيده إن أراد أن يقتله.

لم يكن يتوقع العبيد أن يجدوا إنسانًا حرًا روماني الجنسية يهتم بأمرهم، ويوجه إليهم حديثًا خاصًا بهم. لكنهم وجدوا في الرسول بولس الحر حامل الجنسية الرومانية يضم نفسه إليهم كواحد منهم. "فإننا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح ربًا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع" (2 كو 4: 5).

مرة أخري إذ يضم الرسول نفسه إلى طبقتهم يرفع أنظارهم إلى السيد المسيح ليدركوا أنهم يطيعون سادتهم ليس إرضاء لهم بل لرب كل البشرية، لا ليقدم لهم أجرة، بل كأبناء ينالون ميراثًا أبديًا. أما السادة الظالمون فيدينهم سيد كل البشرية الذي لا يحابي الوجوه.

"من يرضون الناس" هم الذين لا يهتمون بالوظيفة ذاتها. فكل مقصدهم أن يروا أن عملهم ظاهر، وفي نفس الوقت ينجزونه بأقل قدر مستطاع.

- ما يتحدث عنه إلى العبيد ليس لأجل سادتهم فحسب, بل لأجلهم هم أيضًا ليكونوا موضع حب وود سادتهم, لكنه لم يعلن ذلك صراحة, لكيلا يجعلهم فاتري الهمة (نحو سادتهم)

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ولكي لا يتألم أحد, أضاف "سادتكم حسب الجسد" أما نفوسكم وهي الجزء الأفضل فهي حرة, وهو يقول إن خدمتكم لها سببها, ولهذا أنتم تخضعون.

اسمعوا النبي يقول: "بدد الله عظام الذين يرضون الناس" (مز 6:53 سبعينية) فهل رأيتم كيف يحافظ على مشاعرهم وكيف يوصيهم بالنظام. وكيف يحدث ذلك (بوحدانية القلب) "خائفين الرب"، لأن ما فعلته لم يكن بوحدانية القلب بل عن الرياء أن تتمسك بشيء وأنت تمارس شيئا آخر. وأن تظهر بمظهر حينما يأتي السيد, ثم لا يلبث أن تنقلب مواقفك إذا ما غاب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وكل ما فعلتم فاعملوا من القلب،كما للرب ليس للناس" [23].

قد يكون شخص ما هو رئيس العمل أو قاض اليوم وغدًا, لكن الله هو رأسنا وهو قاضينا إلى الأبد، فهو إلى الأبد على العرش وهذا هو محور اهتمامنا.

- إنه يرغب أن يتحرروا لا من الرياء فقط, بل ومن تكاسلهم, لقد صيرهم أحرارًا بدلاً من عبيد, حين لا يحتاجون إلى إشراف سادتهم, لأن التعبير "من القلب" يعني "بإرادة صالحة" وليس كحتمية بسبب العبودية، بل بحرية وبملء الإرادة والاختيار.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"عالمين أنكم من الرب ستأخذون جزاء الميراثلأنكم تخدمون الرب المسيح" [24]. "وأما الظالم فسينال ما ظلم به وليس محاباة" [25].

ليس عند الله محاباة. فالخطية هي الخطية, حتى إن اقترفها مؤمن (عب29,28:12).

- لكن ماذا لو كنتَ عبدًا (خادمًا)؟ ليس في هذا ما يخجلك. ونفس القول يوجهه أيضًا للسادة, كما في رسالته إلى أهل أفسس (أف 9:6) لكن يبدو هنا أنه يلمح إلى السادة اليونانيين (الأمميين), لأنه ماذا لو كان هو يونانيا, وأنت مسيحي؟ فإن ما تُفِحص ليس الأشخاص بل الأفعال, هكذا فإنه في هذه الحالة يجب أن تخدموا بإرادة صالحة ومن القلب.

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 3 جـ6 PDF Print Email

من وحي كو 3

لأخلع رداء الذل،

وألبس ثوب العرس!


- التحفت يا كلمة الله السماوي بناسوتنا!

وأنت السماوي لم تستكنف من بشريتنا.

قدمتك ذاتك لباسًا إلهيًا بهيًا!


- بروحك القدوس اخلع الإنسان القديم.

ليس لأعماله لذة في داخلي،

ولا لشهواته سلطان على أعماقي.

أنت قوتي وخلاصي!

أنت قاطن في أعماقي.


- لأخلع الثوب الذي نسجته بفساد إرادتي.

لأبقى بطبيعتي الفاسدة تحت قدميك.

لأهرب إليك يا أيها الجبل الفريد،

أهرب لحياتي فلا أهلك مع سدوم وعمورة.


- أنت ثوب عرسي.

أرتديك فأختفي فيك.

عوض ترابي يشرق بهاؤك فيّ!

عوض الأرض بوحلها،

أنعم بالسماويات بمجدها.


- بروحك أرتدي ثوب الفرح،

عوض القلق والإحباط والفشل،

تتهلل نفسي بالتسبيح والشكر!


- أقدم لك تسبحة لن يسمعها أحد سواك!

يلهج قلبي بلغة الشكر التي لن يفهمها غيرك!

أشارك طغمات السمائيين تسابيحهم،

وأنطق في أعماقي بلغة السماء!


- إذ تسكن فيٌ تصير ناموس حياتي.

في كل تصرف تقودني بنفسك!

أراك في أسرتي، كنيستك المقدسة.

أسلك فيك ولأجلك،

فتتحول حياتي إلى سماءٍ جديدةٍ!


1 فان كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله
2 اهتموا بما فوق لا بما على الارض
3 لانكم قد متم و حياتكم مستترة مع المسيح في الله
4 متى اظهر المسيح حياتنا فحينئذ تظهرون انتم ايضا معه في المجد
5 فاميتوا اعضاءكم التي على الارض الزنا النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع الذي هو عبادة الاوثان
6 الامور التي من اجلها ياتي غضب الله على ابناء المعصية
7 الذين بينهم انتم ايضا سلكتم قبلا حين كنتم تعيشون فيها
8 و اما الان فاطرحوا عنكم انتم ايضا الكل الغضب السخط الخبث التجديف الكلام القبيح من افواهكم
9 لا تكذبوا بعضكم على بعض اذ خلعتم الانسان العتيق مع اعماله
10 و لبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه
11 حيث ليس يوناني و يهودي ختان و غرلة بربري سكيثي عبد حر بل المسيح الكل و في الكل
12 فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين احشاء رافات و لطفا و تواضعا و وداعة و طول اناة
13 محتملين بعضكم بعضا و مسامحين بعضكم بعضا ان كان لاحد على احد شكوى كما غفر لكم المسيح هكذا انتم ايضا
14 و على جميع هذه البسوا المحبة التي هي رباط الكمال
15 و ليملك في قلوبكم سلام الله الذي اليه دعيتم في جسد واحد و كونوا شاكرين
16 لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى و انتم بكل حكمة معلمون و منذرون بعضكم بعضا بمزامير و تسابيح و اغاني روحية بنعمة مترنمين في قلوبكم للرب
17 و كل ما عملتم بقول او فعل فاعملوا الكل باسم الرب يسوع شاكرين الله و الاب به
18 ايتها النساء اخضعن لرجالكن كما يليق في الرب
19 ايها الرجال احبوا نساءكم و لا تكونوا قساة عليهن
20 ايها الاولاد اطيعوا والديكم في كل شيء لان هذا مرضي في الرب
21 ايها الاباء لا تغيظوا اولادكم لئلا يفشلوا
22 ايها العبيد اطيعوا في كل شيء سادتكم حسب الجسد لا بخدمة العين كمن يرضي الناس بل ببساطة القلب خائفين الرب
23 و كل ما فعلتم فاعملوا من القلب كما للرب ليس للناس
24 عالمين انكم من الرب ستاخذون جزاء الميراث لانكم تخدمون الرب المسيح
25 و اما الظالم فسينال ما ظلم به و ليس محاباة




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

المسيح والحياة الخارجيّة


السيّد المسيح هو قانون حياتنا، والموجّه لسلوكنا الخارجي كما الداخلي. يقدم الأصحاح الأخير من هذه الرسالة مرحلة أخرى من حياتنا في المسيح، الحياة الخارجية، وقد وجدنا أَن علينا أن ننمو داخليًا، وفينا تثمر فضائل الحياة الجديدة في المسيح، لكن ثمة شيء أكثر. نريد لحياتنا الجديدة أن يراها الآخرون ويشعروا بها (4: 5) بهذا نقدم السيد المسيحَ للعالم. فإن الاسم "مسيحي" معناه: "مسحاء صغار متحدون بالسيد المسيح". لم تنتهِ حياة المسيح بإتمام كتابة الأناجيل، فالمسيح يحيا فينا نحن. وحياته اليوم هي بالأحرف الحية التي يعرفها ويقرأها جميع الناس.

1- وصية للسادة 1.

2- الصلاة من أجل الخدمة 2-4.

3- الاهتمام بالذين في الخارج 5-6.

4- تشجيع العاملين معه 7-14.

5- الختام 15-18.

1. وصية للسادة

أيها السادة قدموا للعبيد العدل والمساواة،عالمين أن لكم أنتم أيضا سيدًا في السماوات" [1].

إذ تحدث مع العبيد لخدمة سادتهم، في طاعة لهم من أجل الرب، يوصي الآن السادة أن يسلكوا لا بروح السلطة، بل في خضوع لسيد الكل، متذكرين أنهم سيقدمون حسابا له. "لآن فوق العالي عاليًا يلاحظ والأعلى فوقهما" (جا 5: 8). يليق بهم في معاملتهم مع العبيد أن يتعرفوا على القانون السماوي: "بالكيل الذي به تكيلون، يكال لكم" (مت 7: 2)، "لأن الحكم بلا رحمة لمن لم يعمل الرحمة" (يع 2: 13).

- ما هو "العدل" وما هي "المساواة"؟ أن نجعلهم في وفرة، غير معوزين شيئًا من الآخرين، بل أن نعوضهم عن تعبهم وعملهم. ولأنني قلت إن لهم مجازاة عند الله، فلا تحرموهم أنتم منها. ويقول في موضع آخر "تاركين التهديد" (أف 6: 9) راغبين أن تصيروهم أكثر لطفًا، فهكذا يكون دأب الكاملين، أي "بالكيل الذي به تكيلون، يُكال لكم" (مت 7: 2).

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. الصلاة من أجل الخدمة

"واظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر" [2].

يقدم لنا الرسول أربع سمات هامة للصلاة:

1. المثابرة أو الاستمرارية، أو الصلاة بلا انقطاع، فهي أشبه بالمحرقة الدائمة المقدمة صباحًا ومساءً، يشتمها الرب رائحة سرور وقود للرب (خر 29: 38-39)، هي أشبه بنار المذبح التي لم تكن تُطفأ. "ينبغي أن يًصلى كل حين ولا يمل " (لو 18: 1). مداومة الإكثار من الصلاة تمكنا من بلوغ قصد الله والاتصال به، وتساعدنا في تنامى معرفتنا به، ومعرفته هى الحياة الأبدية، ولاتغيرالصلاة الأشياءَ بل تغيرنا نحن".

2. السهر أو اليقظة الروحية، فتقدم الصلاة بفهمٍ ويقظة. "أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة " (مت 26: 40).

3. الصلاة من أجل الخدام لكي يفتح الرب لهم بابًا للكلام، ويكشفوا سرّ المسيح، أو سرّ حب الله الفائق لكل العالم.

4. الشكر، حيث يقدم المؤمن ذبيحة شكر وتسبيح لله. وكما كتب الرسول: "لا تهتموا بشيءٍ، بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر، لتعلم طلباتكم لدي الله؛ وسلام الله الذي يفوق كل عقل، يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع" (في 4: 6-7).

- لأن الشيطان يعرف مقدار عظمة الصلاة، لهذا يضغط وبشدة. وبولس أيضًا يعرف كم يصلي كثيرون بعدم اكتراث، بهذا يقول: "واظبوا على الصلاة منتبهين مع الشكر"، لأن هذه هي عادة القديسين: أن يصَّلوا وأن يشكروا لنفع الجميع.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ليس للشكر مكان (موضع) في النفس والبركات الروحية فحسب، بل أيضًا للجسد ولصالح الجسد.

القديس إإكليمنضس السكندري

- نقرأ أيضًا في الإنجيل كيف كان الرب يقضى الليالي كلها في الصلاة وكيف أن الرسل حينما سُجنوا كانوا يمضون الليل كله في ترنيم المزامير، حتى تزلزلت الأرض وآمن حارس السجن وامتلآ الحراس والمساجين بفزع كبير. ويقول بولس "واظبوا علي الصلاة منتبهين". ويتحدث عن نفسه في موضعٍ آخر أنه كان "يواظب منتبهًا دائمًا". قد ينام السهران إذا أراد، وقد يكف عن نومه. يعبر مهلك مصر والمصريين لكن فليقل (الساهر) مع داود: "هوذا لا ينعس ولا ينام حافظ إسرائيل" هكذا يأتي إلينا القدوس والحافظ، وإن هو نام بسبب خطايانا، فلنقل له "استيقظ، لماذا تنام يا رب؟" وإذا سفينتنا تلاطمها الأمواج فلنوقظه، ونقول: "يا سيد، أنقذنا إننا نهلك".

القديس جيروم

"مصلين في ذلك لأجلنا نحن أيضًا،ليفتح الرب لنا بابًا للكلام،لنتكلم بسرّ المسيح،الذي من أجله أنا موثق أيضًا" [3].

ألم يكن الرسول بولس ممتلئًا بالروح خبيرًا بأسرار الملكوت؟ ألم يكن مقتدرا في تقديم كلمة الله؟ فلماذا يطلب من أهل كولوسى الصلاة من أجله لكي يعطيه الرب كلمة عند افتتاح فمه؟ كان يؤمن بحاجة كل خادمٍ إلى صلوات الشعب عنه، ولكي يشترك الكل معًا في الكرازة، سواء بالصلاة أو بالكلمة. فالشعب شريك الرسل في هذه النعمة (في 1: 7).

"سرّ المسيح" هو سرّ حكمة الله المكتومة منذ الدهور (1 كو 2: 7-8). كما يقصد به سرّ المسيح المعلن في الرسول نفسه ليبشر به بين الأمم (غل 1: 16). هو سرّ "الكلمة" التي سعى بولس لإعلانها، رسالة الإنجيل عمومًا وشخص المسيح بوجه خاص. يشير بولس هنا إلي الحق المعلن بشكل خاص عن ربنا يسوع، شخصه وعمله كمسيح الله.

"الذي من أجله أنا موثق أيضًا" من أجل هذا السرّ، قاسى الرسول بولس الكثير من اليهود، فصار مقيدًا بسلاسلٍ (أف 6: 20)، لكنه في تواضع يطلب منهم الصلاة من أجله. "فبكل سرورٍ أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل علي قوة المسيح. لذلك أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح، لأن حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (2 كو 12: 9-10).

لم يسألهم بولس أن يصلوا ليخفف (الله) أحماله أو يطلق سراحه (كو 4: 18) ولم يطلب حتى أن تُنقذ حياته (فى 4: 11)، لكن في تلك الساعة الحالكة كان تفكيره منحصرًا فقط في أن "يفتح الله بابًا للكلمة" من أجلنا.

- يا للعجب! لم يقل البطل العظيم "لكي أتحرر من وثقي" بل لأنه كان في القيود كان يحث الآخرين، ويخصهم لأجل قصدٍ عظيمٍ أن تكون له جسارة على الكلام.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"كي أظهره كما يجب أن أتكلم" [4].

إذ شبع القديس بفيض غنى نعمة المسيح التي لا تستقصى (أف 3: 8)، وأدرك قوة الصليب بكونه قوة الله الخلاصي (1 كو 2: 3؛ 1: 18)، وتمتع بالمصالحة مع الله، ورأى أبواب السماء مفتوحة أمامه، وملكوت الله قائم في أعماقه، شعر بالالتزام أن يتكلم ولا يصمت.

- إن قيوده تسنده ولا تعوقه!... أجل، إن قيودي تعطيني جسارة أعظم، لكني أصلي من أجل إعانة الله لي أيضًا، لأنني سمعتُ صوت المسيح يقول: "إذا سلموكم لا تهتموا كيف أو بماذا تتكلمون" (مت 10: 19).

يكون السجين في هلع، حينما لا يكون تحت طائلة من القيود، لكن الذي يحتقر الموت كيف يخشى السلاسل؟ إنهم يفعلون نفس الشيء وكأنهم قيدوا بالوثق بولس وأغلقوا فمه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. الاهتمام بالذين في الخارج

"اسلكوا بحكمة من جهة الذين هم من خارج،مفتدين الوقت" [5].

يرى القديس بولس كل بشر من خلال مسيحه، فكما نزل كلمة الله إليه لكي يدخل به إلى الحياة الجديدة السماوية، هكذا بروح الرب يقول القديس بولس مقتديًا بسيده: "صرت للكل كل شيءٍ، لأخلص على كل حال قومًا" (1 كو 9: 22).

يطالبنا الرسول بولس نحن أيضا أن نسلك مع الغير بحكمةٍ وبتدقيقٍ لكي نقتنيهم لحساب ملكوت الله. فبالسلوك اللائق يمكننا ان نشهد لمسيحنا، ونسحب القلوب إلى الصليب ليتمتع كثيرون بقوة الله للخلاص، وينفتح أمامهم باب الرجاء.

كل لحظة من لحظات عمرنا لها تقديرها، يمكن أن تكون سرّ بركة أو مرارة وهلاك، لهذا يقول: "مفتدين الوقت" [5].

"ليكن كلامكم كل حين بنعمة، مصلحًا بملح،لتعلموا كيف يجب أن تجاوبوا كل واحد" [6].

لنحرص أن تكون كلماتنا مصلحة بملحٍ سماويٍ، ممسوحة بمسحة الوداعة ومخافة الرب. لهذا يصرخ المرتل: "ضع يا رب حافظًا لفمي وبابًا حصينًا لشفتي" (مز 141: 3). لتكن كلماتنا انعكاسًا لتقديس قلوبنا بروح الله القدوس. وكما يقول الحكيم: "للإنسان تدابير القلب، ومن الرب جواب اللسان" (أم 16: 1).

- ما من إنسان أسعد من المسيحي، إذ له أعطي الوعد بملكوت السماوات وما من إنسان يجاهد بجسارة تفوق جسارته، لأنه يجابه كل يوم الخط الذي يحدد حياته، وما من إنسان أقوى منه، لأنه يغلب الشيطان.

- المِلح جيد، وكل تقدمة يجب أن تملحَّ بملح. لهذا أوصى الرسول قائلاً: "فليكن كل كلامكم بنعمة، مملحًا كما بملح". لكن إن فسد الملح فإنه يُطرح ولا يصلح بعد لشيء إلا لأن يُداس من الناس ويُلقى في الهاوية (الفرن) لهذا يلزم أن يسعى المؤمنون للسماء لتخصيب تربة نفوسهم.

القديس جيروم

4. تشجيع العاملين معه

"جميع أحوالي سيعرفكم بها تيخيكس،الأخ الحبيب، والخادم الأمين، والعبد معنا في الرب" [7].

كان القديس بولس في السجن يتحرك بكل كيانه الداخلي في كمال حرية مجد أولاد الله للعمل الكنسي الكرازي والرعوي.

يكشف الرسول بولس في كل رسائله التي سجلها في السجن، أنه لم يكن السجن بالنسبة له عائقًا بل فرصة للرعاية والكرازة وتشجيع تلاميذه للعمل لحساب الملكوت في بلاد كثيرة,

-يا للعجب! ويا لعظم حكمة القديس بولس! تأملوا كيف لم يودع رسائله كل شيء، بل الضروري والمِّلح، ففي المقام الأول لا يريد تشتيت أذهانهم بالإسهاب، وثانيًا يريد أن يجعل رسوله (تيخيكس) محاطًا بالتوقير بإصباغ عبارات الإقدام عليه، وثالثًا، تظهر مدى حبه ووده له، وإلا ما ائتمنه علي تلك الاتصالات.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يدعو بولس العبدَ أخًا، ولهذا إذ يصف نفسه بأنه عبد المؤمنين (2 كو 4: 5) يليق بنا أن نهبط نحن جميعًا بكبريائنا ولنطأ بأقدامنا ما لنا من افتخار.

- يظهر هنا حبه العظيم، عالمًا أنه قد أرسله لهذا القصد عينه، وكان ذلك سبب رحلته، هكذا أيضا حينما كتب إلي أهل تسالونيكى، قال: "لذلك إذ لم نحتمل أيضًا استحسنا أن نُترك في أثينا وحدنا، فأرسلنا تيموثاوس أخانا " (1 تس 3: 1، 2) وقد أرسل نفس الشخص إلي أهل أفسس ولنفس القصد، "ليتعرف علي أحوالكم، وليعزى قلوبكم" (أف 6: 21، 22) تأملوا، ماذا يقول؟ لم يقل: "لتعرفوا أحوالي" بل "لأعرف أنا أحوالكم" ولم نره في أي موضع ينشغل بأحواله هو ويذكرها، ويوضح أنهم أيضًا كانوا في متاعب، بتعبير "ويعزي قلوبكم".

القديس يوحنا الذهبي الفم

"الذي أرسلته إليكم لهذا عينه ليعرف أحوالكم ويعزي قلوبكم" [8].

يبعث إليهم الرسول أخاه الحبيب تيخكس، شريكه في العمل ليهتم برعايتهم ويعزي قلوبهم. إن كان في سجنه كتب رسائل لأهل أفسس وكولوسي كما كتب رسالته الثانية إلى تلميذه تيموثاوس، ورسالته إلى فليمون لتبقي هذه الرسائل سرّ تعزية للكنيسة في العالم كله عبر كل الأجيال، فقد بعث أيضًا رسائل شفوية استودعها مع تيخكس وأنسيمس.

"مع أنسيمس الأخ الأمين الحبيب،الذي هو منكم،هما سيعرفانكم بكل ما ههنا" [9].

توصية القديس بولس بأنسيمس في الرسالة إلى فليمون تيسِّر عودة هذا العبد الهارب، وتذكر القارئ أنه الآن أخ في المسيح.

- يضيف أيضًا مديحًا لمدينتهم لكي يكفُِّوا عن الخجل، ليس هذا فحسب، بل ليكفوا عن التشامخ عليه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

أنسيمس:، عبد فليمون اختلس من أموال سيده وهرب إلى روما حيث التقى بالرسول بولس الذي بشره بالإنجيل، وولده ثانية وهو في قيود الإنجيل (فل 10) وتأهل أن يكون أسقفًا. أرسله إلى سيده ومعه رسالة إليه (راجع الرسالة إلى فليمون). يدعو العبد أخًا أمينًا، إذ يشهد لشعب كولوسي عن غنى نعمة الله التي حولته من عبدٍ هاربٍ ولص إلى ابن لله مقدس يحمل طبيعة جديدة.

"يسلم عليكم أرسترخس المأسور معي، ومرقس ابن أخت برنابا، الذي أخذتم لأجله وصايا أن آتى إليكم فأقبلوه" [10].

سجن الرسول لم يجعله في عزلة عن الكنيسة، فبالروح كان في وحدة مع كل الأعضاء بكونهم جسد المسيح الواحد. وفي السجن التف حوله خدام أمناء.

أرسترخس: من تسالونيكي تعرض لوحوش أفسس كما لأخطار البحر الهائج. خاطر بمواجهة وحوش في أفسس حين اضطربت المدينة بسبب القديس بولس، واندفعت الجموع بنفسٍ واحدةٍ إلى المسرح خاطفين غايس وأرسترخس المكدونيين رفيقي بولس في رحلته من أورشليم إلى رومية، ثم تطوع أن يخدمه في السجن. يرى البعض أنه ليس هذا هو نفس أرسترخس المذكور في سفر أعمال الرسل (20: 4، 27: 2) فذاك الشخص كان مقدونيًا من تسالونيكي، أما هذا الشخص هنا فهو يهودي، وسواء صاحب بولس إلي روما أو أسر إليها سجينًا في زمن لاحق، فنحن لا نعلم. علي أية حال، فمن زنزانة في روما، يرسل أرق تحياته الطيبة إلي الإخوة في كولوسى.

انحصر أرسترخس بمحبة المسيح، ولم تكن نفسه ثمينة عنده حتى أكمل سعيه بفرحٍ، والخدمة التي تقبلها من ربنا يسوع، متمثلاً بصديقه القديس بولس.

"مرقس ابن أخت برنابا": وهو القديس مرقس الرسول كاروز الديار المصرية. انحدر عن أسرة يهودية عريقة في أورشليم وقد عرف الإنجيل مبكرًا (أع 12: 5، 12)، وكشابٍ صغيرٍ التحق بالخدمة برفقة بولس وبرنابا في أولى رحلاتهما، لكنه سرعان ما عاد من برجة بمفيلية (أع 12: 25؛ 13: 5، 13)، وقد تسبب هذا في خلاف بين الرسولين بولس وبرنابا، فأخذ الأول سيلا والثاني مرقس (أع 15: 38). وإن كان قد تصالح أخيرًا مع القديس بولس. قال عنه لتلميذه تيموثاوس: "نافع لي للخدمة" (2 تي 4: 11). طلب من أهل كولوسي أن يقبلوه، ربما لأنهم عرفوا منذ حوالي عشرة سنوات رفض الرسول بولس أن يأخذه معه في رحلته الكرازية الثانية.

-لا شيء يفوق هذا المديح، عن ذاك الذي أتى خادمًا معه من أورشليم، فقد قال هذا الرجل أشياء أعظم من التي قالها الأنبياء، لأنهم كانوا يدعون أنفسهم "غرباء وأجانب" لكن هذا الإنسان يسمى نفسه "سجينًا" وكسجين حرب كان يُجَّر هنا هناك وحسب هوى كل فرد يعاني شرًا، بل وتساء معاملته أكثر من السجناء.

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 4 جـ2 PDF Print Email

"ويسوع المدعو يسطس الذين هم من الختان،هؤلاء هم وحدهم العاملون معي لملكوت الله،الذين صاروا لي تسلية" [11].

"يسوع المدعو يسطس": وهو ليس يسطس نفسه المذكور في أع 1: 23. جندي مجهول، اسمه مثل كثيرين محفوظ في سجلات السماء وإن كنا لا نعلم عنه شيئًا.

يحدثنا القديس بولس عن التعزية (التسلية) التي تلقاها من معاونيه. فالرسول بولس الذي في وسط أحلك اللحظات يقول: "سلمنا فصرنا نحمل" (أع 27: 15)، والذي كثيرًا ما يؤكد أن يسوع المسيح هو قوته وسرّ تعزيته ومسرته، لن ينكر دور الأحباء العاملين معه. عندما استقبله المسيحيون في فورت أبيوس بجوار مدخل روما، شكر الله وتشجع (أع 28: 15). مرة أخرى توقع أن يرى تلميذه تيطس، وإذ لم يجده لم يحتمل بالبقاء في المدينة فاضطر أن يتركها (2 كو 2: 13). تكشف رسائله، خاصة ص 16 من رسالته إلى أهل رومية، عن دور أحبائه ومعاونيه في حياته وفي خدمته.

- يذكر ثلاثة أسماء يهودية (أرسترخس ومرقس ويسطس)، وثلاثة أسماء أممية (أبيفراس ولوقا وديماس)، أما تيموثاوس فكان خليطًا.

- يقول: "العاملين معي، لملكوت الله"، فإنهم شركاؤه في التعب والكد، فهم شركاء (أيضًا) في الملكوت.

القديس يوحنا الذهبي الفم


"يسلم عليكم أبفراس الذي هو منكم،عبد للمسيح،مجاهد كل حين لأجلكم بالصلوات،لكي تثبتوا كاملين وممتلئين في كل مشيئة الله" [12].

أبفراس: رجل صلاة يجاهد معه بالصلوات من أجل نمو ملكوت الله. بالنسبة له الصلاة ليست عملاً روتينيًا، وليست واجبًا يلتزم به، لكنها معركة ضد قوات الظلمة، حيث يطلب غنى نعمة الله لتعمل في حياة الكثيرين. الله يطلب رجل صلاة: "وطلبت من بينهم رجلاً يبني جدارًا ويقف في الثغرة أمامي عن الأرض لكيلا أفنيها، فلم أجد، فسكبت سخطي عليهم". مع جهاده في الصلاة كان خادما أمينا للمسيح بشر كنائس نهر اللوكس (كولوسي ولاودكية وهيرابوليس كو 1: 7). الآن وهو في زيارة للرسول بولس في رومية لم يشغله هذا عن جهاده بالصلاة من أجل مخدوميه.

- وُصفت صلوات كلمة الله المتجسد نفسه أنها قدمت بصراخٍ شديدٍ ودموعٍ وطلباتٍ وتضرعاتٍ (لو 22: 41، 44 ؛ عب 5: 7).

لم يكف رجال الله عن الصلاة من أجل الشعب (عز 9: 5-7؛ خر 32: 11-14؛ إر14: 7-9).

في بداية هذه الرسالة أيضًا، يوصى بهذا الرجل الذي أحبه، لأن المدح علامة حب، لهذا قال في البداية: "الذي أيضًا أطلعنا علي ما أنتم عليه من المحبة بالروح" (كو 1: 8) والصلاة لأجل إنسان هي أيضا علامة حب، بل وتعيد الحب من جديد... وهو يقول: "لا ينفك يجاهد عنكم في صلواته"، ولم يقل فقط: "يصلي" بل "يجاهد في الصلاة" في خوفٍ ورعدةٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فإني أشهد فيه أن له غيرة كثيرة لأجلكم، ولأجل الذين في لاودكية، والذين في هيرابوليس" [13].

المدن الثلاث، كولوسى واللاذقية وهيرابوليس، كانت قريبة جدًا من بعضها البعض ويمكن أن يزورها المرء في يومٍ واحدٍ. وقد أرسلت تلك الرسالة إلي أهل كولوسى ولاودكية (4: 15) ولم ترسل إلي أهل هيرابوليس، مما يدل علي أن ما كان في المدينتين لم ينتشر في الأخيرة آنذاك.

"يسلم عليكم لوقا الطبيب الحبيب وديماس" [14].

لوقا الطبيب الحبيب: رافق القديس بولس في رحلتيه الثانية والثالثة، وها هو بجانبه في الرحلة الأخيرة قبل محاكمته أمام قيصر. " لوقا وحده معي" (2 تي4: 11). وقد خدم الرب باستقامة، وكان ممتلئًا بالروح القدس وتنيح في الرابعة والثمانين من عمره.

5. الختام

"سلموا على الإخوة الذين في لاودكية،وعلى نمفاس، وعلى الكنيسة التي في بيته" [15].

يختم الرسول رسالته بتحياته وبركاته.

من كان نِمفاس؟ وأين عاش؟ من المحتمل أن الكنيسة التي في بيته، هي نفسها كانت في هيرابوليس، طالما أن تلك المدينة لم يورد ذكرها هنا.

وكان من المألوف في أزمنة العهد الجديد أن يفتح أخ غنى بيته الواسع لأجل استقبال المؤمنين (وقت الاجتماعات).

وكانت رسالة القديس يوحنا إلي أهل اللاذقية، والتي كتبت بعد 30 سنة فيما بعد، تكشف عن تلك الكنيسة في المراحل الأخيرة للارتداد (رؤ 3: 14-19).

- تأملوا كيف يوحدهم معًا، لا بالتحية فقط بل بتبادل الرسائل أيضًا. ثم يبعث إليهم بتحية مرة أخرى، إذ يخاطبهم فردًا فردًا. وهو لا يفعل ذلك بدون سبب، بل ليقود الآخرين أيضا ليتمثلوا بغيرته المتقدة، لأنه ليس شيئًا تافهًا أن يُهمل ذكرك بين الآخرين. تأملوا أيضًا كيف يكشف عن عظمة دور هذا الإنسان إذ كان بيته كنيسة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ومتى قُرئت عندكم هذه الرسالة،فاجعلوها تقرا أيضا في كنيسة اللاودكيين،والتي من لاودكية تقرأونها أنتم أيضًا" [16].

كان القديس بولس يهتم اهتمامًا خاصًا بتلك الكنائس، حتى وإن لم يكن يعرف غالبية شعبها (2: 1).

كانت "رسالة بولس إلي اللاذقية" محل العديد من الجدل، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [يقول البعض إن تلك لم تكن رسالة بولس إليهم، بل رسالتهم إليه، لأنه لم يقل الرسالة إلي أهل لاودكية بل التى "من لاودكية ".]

يرى البعض أن الرسالة إلى لاودكية هي الرسالة إلى أهل أفسس بكونها عاصمة آسيا، وهي رسالة دورية لكل الكنائس في المقاطعة بما فيها لاودكية.

"وقولوا لارخبس،انظر إلى الخدمة التي قبلتها في الرب، لكي تتممها" [17].

لم يكن أرخبُّس في كولوسى، بل بالحري كان خادمًا في الكنيسة التي في بيت فليمون (فل 2)، لكنه كان قريبًا منهم بالدرجة التي تجعل نقل الرسالة إليه أمرًا سهلاً للغاية. ذكر أيضًا في فل 2 "أرخبس المتجند معنا"، وها هو يذكره هنا بالخدمة التي تسلمها وقبلها في الرب. اعتاد الرسول أن يذكر تلاميذه والخدام العاملين معهم بدعوتهم لكي لا تفتر محبتهم ولا تضعف أمام مقاومة عدو الخير المستمرة لهم. هذا ما فعله مع تلميذه الصريح في الإيمان تيموثاوس: "وأما أنت فأصح في كل شيء. احتمل المشقات، أعمل عمل المبشر، تمم خدمتك " (2 تي 4: 5). وفعله أيضًا مع قسوس أفسس (أع 20: 18- 32).

- لماذا لم يكتب إليه؟ ربما لأنه لم يكن يحتاج إليها، بل ما يحتاج إليه مجرد تذِكرة ليصبح أكثر اهتمامًا ونشاطًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

بقوله "في الرب" يذكِّر القديس بولسُ أرخيبُّس أن خدمته هي هبة روحية وليست وظيفة رسمية (قابل رو 12: 6-8، 1 كو 12: 5، أف 4: 12).

"السلام بيدي أنا بولس،اذكروا وثقي،النعمة معكم. آمين" [18].

يكتب الرسالة والقيود في يديه، يسجلها لا بقلمه كفكرٍ فلسفيٍ، ولكن بقيوده كخادمٍ متألمٍ محبٍ لخلاص الكل. فما يطلبه من القراء قد تممه واختبره وسط الضيقات المستمرة, وكأنه يكتب: "لست أكتب إليكم من فراغ، ولكن من منبر الصليب العملي، حيث أختبر نعمة المسيح المصلوب الغنية. ليتكم تتمتعون بنعمته كما اختبرها حتى في قيودي". يذكِّر القديس بولس من يقرأ له بأن من يتألم لأجل المسيح له الحق في أن يتكلم نيابة عن المسيح، بهذه الملحوظة يختتم الرسول رسالته.

بعد إملاءه الرسالة، كان بولس يذكر مصداقيتها كعادته (قابل 1 كو 16: 21، غل 6: 11، 2 تس 3: 17، فل 19)، وذلك بكتابته بيده سلامًا إليهم.

- هذا دليل علي إخلاصهم ومودتهم، أنهم كانوا يتطلعون إلي كتابة خط يده بكل الود...

"اذكروا قيودي. النعمة معكم" لقد حررهم من الخوف، فبالرغم أن معلمهم في قيود، فإن "النعمة" تسند خوفهم. وهذا أيضًا بسبب النعمة، أعني أن يوثق بسبب الخدمة. اسمعوا لوقا يقول: "وأمّا هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع، لأنهم حُسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه" (أع 5: 41)...

هل ارتفعت بسبب أعمالكم الحسنة؟ تذكروا قيود بولس وأنكم لم تعانوا مثلما عانى، وحينئذ لن تتشامخوا ثانية...

تذكروا سلاسل بولس، وسوف ترون كم يبدو الأمر غير معقول أنه وهو في الضيقات، تكونون أنتم في سرورٍ. أيضًا هل تورطت قلوبكم في الانغماس في اللذات؟ تذكروا سجن بولس، فأنتم تلاميذه وجنود مقاتلون معه، كيف يُعقل أن تكونوا أنتم رفقاؤه في جهادٍ مكبلين بالقيود، بينما آخرون في رفاهية؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

اعتاد القديس بولس أن يذكِّر شعبه بمواظبته علي الصلاة الدائمة والبكاء بدموع لأجلهم، ومن يتمثل ببكائه لأجل خلاص الآخرين، يمتدح القديس يوحنا الذهبي الفم قيود القديس بولس ودموعه، فيقول في عظته الأخيرة على هذه الرسالة:

- تذكروا دموعه، لمدة ثلاث سنوات، ليل نهار لم يكف عن البكاء (أع 20: 31) وبهذا تفحصون الأمر، إن تلك الدموع تشرق لا أعنى أن تبكوا لأجل الآخرين (وأنى لأود أن تفعلوا ذلك، لكن ذلك أعلى منكم) بل البكاء لأجل خطاياكم أنتم وإني أنصحكم أن تفعلوا ذلك.

- أي نبع تشبهونه بتلك الدموع التي في الفردوس، التي تسقى الأرض كلها، لكنكم لن تذكروا شيئًا من هذا القبيل، لأن نبع الدموع هذا يغسل النفوس، وليس الأرض، فإن أرانا أحد بولس وقد اغتسل في دموعه، وهو يئن، لن يكون ذلك بأفضل من رؤية جوقات لا تُحصَى تنال الأكاليل في فرحٍ زائدٍ؟

-هذا الأمر يجعل أعين النفس أكثر جمالاً. إنه يكبح البطن، ويملأ بكل محبة الحكمة، بكل لطف، بل إنه قادر حتى أن يلطف نفس الحجر الصلد. بهذه الدموع ترتوي الكنيسة، بها تزرع الأغصان أجل منهما كانت الانفعالات الحية والجوهرية فإن تلك الدموع تطفئها؛ إن تلك الدموع تطفىء الأدران الدنسة التي للشرير.

- إذا ما تذكرنا نحن دموعه، نضحك ونحتقر الأمور الحاضرة، تلك الدموع التي طوبها المسيح قائلاً: "طوبى للذين يبكون وينوحون، لأنهم سيضحكون" (مت 5: 4، لو 6: 21). هذه الدموع التي بكى بها إشعياء النبي وإرميا أيضًا: إذ قال إشعياء "أتركوني وحدي، سأبكي بمرارة" (إش 22: 4 السبعينية) وأما ارميا النبي فقال: "من يعطيني أذنِّي مياها وعيني ينابيع دموع كثيرة؟ (إر 9: 1) وكأن النبع الطبيعي (للبكاء) لم يكن بكافٍ.

- ما من شيءٍ أحلى من تلك الدموع. أنها أحلى من الضحك، ان الذين يتعرضون عليه لا يعرفون مدى التعزية التي لها، لا تظنوا أننا نزعم أن هذا الأمر مستنكر، بل هو أمر يجب الصلاة لأجله كثيرًا، لا لكي يخطىء الآخرون، بل، لكي حينما يخطئون، نحزن بانكسار قلب لأجلهم.

- هاتان العينان (للقديس بولس) رأتا الفردوس، رأتا السماء الثلاثة، لكنني لا أحسبهما مطوبتين بسبب تلك الرؤية، إذ بسبب تلك الدموع قد رأتا المسيح. حقا طوبى لذلك المشهد، لأنه هو نفسه تمجد به، قائلاً: "ألم أرى أنا يسوع المسيح ربنا" ( 1كو 9: 1) لكي أطوب أن نبكي.

- هكذا (بكى) المسيح أيضًا، لكي بسعادة يجب أن يِّوفر دموعه.

- فلنتذكر نحن هذه الدموع، ولنأتِ نحن ببناتنا وكذا أولادنا ونبكي نحن حين نراهم في شر.

-هكذا الدموع ليست مؤلمة، أجل، الدموع التي تنهمر بسبب مثل هذا الحزن هي أحلى من الدموع المنسابة بسبب اللذة العالمية. اسمعوا النبي يقول: "سمع الرب صوت بكائي، سمع الرب صوت تضرعي" (مز 6: 8).

- حينما نعامل إنسانًا خاطئًا، يجب أن نبكي حزانى ومتنهدين، وإذا ما نصحنا أحدًا ولم يستجب، بل يمضي إلى الهلاك، يجب أن نبكي. فهذه هي دموع الحكمة السماوية، وحينما يكون إنسان في فقرٍ، أو في مرض جسماني، أو ميتًا، لا نبكي، لأن تلك أمور لا تستحق الدموع.

- لا شيء يمسح الخطايا هكذا كالدموع.

- ما من شيء أحلى من الدموع، لأنها هي أشرف عضو تعرفه وأجمل الأعضاء وهى بنت النفس. لهذا ننحني لها، كأننا رأينا النفس ذاتها تنوح.

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي إصحاح 4 جـ3 PDF Print Email

كُتبت إلى أهل كولوسي من رومية بيد تيخيكس وأُنسيمس.

حقا إنه يعني توقيعه، بعد اكتشاف أن آخرين قد كتبوا رسائل باسمه (2 تس 2: 2) وقد أعتاد بولس أن يوقع بنفسه في نهاية رسائله (2 تس 3: 17).


من وحي كو 4

حلولك فيٌ يشهد لإنجيلك!


- حلولك يعطي عذوبة للجميع!

يراك الزوج في زوجته، والزوجة في رجلها!

يراك الوالدين في أبنائهما، وهم في والديهم!

تتحول حياة العبيد إلى العذوبة،

إذ يروك وأنت سيد الكل صرت لأجلهم عبدًا.

اشتهى تلاميذك ان يستعبدوا من أجلهم!

يراك السادة، أنك سيد السادات.

يسلكون مع عبيدهم بالحب،

فيشتهون أن يجدوك فيهم!

بالحق والحب نزعت الحواجز بين البشرية،

وعوض الطبقات المتفاوتة صار الكل سمائيين!


- هب لي روح الصلاة،

فلست أطلب ما هو لنفسي، بل خلاص كل البشر!

تئن نفسي في داخلي،

حتى تتوقف أنات كل النفوس.

وتتهلل أعماقي حين تتهلل أعماق الكل بخلاصك.


- بنعمتك هب لي أن أعمل في كرمك.

هب لي أن اعمل مع خدامك بروح الحب والتواضع!

هب لي أن أراك في الكل!

 

المحتويات


المقدمة 7

الأصحاح الأول: المسيح هو العمق 25

الأصحاح الثاني: المسيح هو العلو 69

الأصحاح الثالث: المسيح والحياة الداخليَّة 110

الأصحاح الرابع: المسيح والحياة الخارجيّة 152


 1 ايها السادة قدموا للعبيد العدل و المساواة عالمين ان لكم انتم ايضا سيدا في السماوات
2 واظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر
3 مصلين في ذلك لاجلنا نحن ايضا ليفتح الرب لنا بابا للكلام لنتكلم بسر المسيح الذي من اجله انا موثق ايضا
4 كي اظهره كما يجب ان اتكلم
5 اسلكوا بحكمة من جهة الذين هم من خارج مفتدين الوقت
6 ليكن كلامكم كل حين بنعمة مصلحا بملح لتعلموا كيف يجب ان تجاوبوا كل واحد
7 جميع احوالي سيعرفكم بها تيخيكس الاخ الحبيب و الخادم الامين و العبد معنا في الرب
8 الذي ارسلته اليكم لهذا عينه ليعرف احوالكم و يعزي قلوبكم
9 مع انسيمس الاخ الامين الحبيب الذي هو منكم هما سيعرفانكم بكل ما ههنا
10 يسلم عليكم ارسترخس الماسور معي و مرقس ابن اخت برنابا الذي اخذتم لاجله وصايا ان اتى اليكم فاقبلوه
11 و يسوع المدعو يسطس الذين هم من الختان هؤلاء هم وحدهم العاملون معي لملكوت الله الذين صاروا لي تسلية
12 يسلم عليكم ابفراس الذي هو منكم عبد للمسيح مجاهد كل حين لاجلكم بالصلوات لكي تثبتوا كاملين و ممتلئين في كل مشيئة الله
13 فاني اشهد فيه ان له غيرة كثيرة لاجلكم و لاجل الذين في لاودكية و الذين في هيرابوليس
14 يسلم عليكم لوقا الطبيب الحبيب و ديماس
15 سلموا على الاخوة الذين في لاودكية و على نمفاس و على الكنيسة التي في بيته
16 و متى قرئت عندكم هذه الرسالة فاجعلوها تقرا ايضا في كنيسة اللاودكيين و التي من لاودكية تقراونها انتم ايضا
17 و قولوا لارخبس انظر الى الخدمة التي قبلتها في الرب لكي تتممها
18 السلام بيدي انا بولس اذكروا وثقي النعمة معكم امين كتبت الى اهل كولوسي من رومية بيد تيخيكس و انسيمس
 




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسى +
 



12 مسرى 1733 ش
18 أغسطس 2017 م

التذكار الشهري لرئيس الملائكة الجليل ميخائيل
تملك الملك البار قسطنطين الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك