تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل فيلبى اصحاح 4 جـ1 Print

فرح في كل حين

بعد هذا الحديث الشيق عن فرح الأسير بولس، معلنًا أنه ليس من سجن، ولا من تخطيط الأشرار ضده، ولا من غضب الإمبراطور يقدر أن ينزع فرحه الداخلي منه، لذا ختم رسالته عن الفرح الدائم. قدم لنا مقومات هذا الفرح، كما أوضح أنه فرح كنسي شعبي مشترك.

1. مصدر الفرح 1-4.

2. سرّ الفرح 5-9.

أ. عدم الارتباك بشيءٍ.

ب. صلاة عن كل شيءٍ.

ج. شكر من أجل كل شيءٍ.

3. فرح مشترك عملي 10-20.

4. تحية ختامية 21-23.

1. مصدر الفرح

"إذًا يا إخوتي الأحبّاء والمشتاق إليهم، يا سروري وإكليلي، اثبتوا هكذا في الرب أيها الأحبّاء" [1].


"إذًا": تربط ما بعدها بما قبلها. وبما أنكم يا إخوتي الأحباء تنتظرون مجيء الرب فلابد أن تثبتوا في الرب حتى النفس الأخير.

في وسط السباق يثبت المؤمن في المسيح المصلوب لكي لا ينحرف يمينًا أو يسارًا، ولا يمكن لكائنٍ أو لحدثٍ أو لظرفٍ ما أن يسحب عينيه عن الجعالة العليا، بل يحيا في السماويات، ويمارس مواطنته فيها. هذه العلاقة الشخصية مع محب البشر تفتح قلبه ليتمثل بمخلصه، فيحمل إخوته في قلبه بالحب ليجد فيهم سروره وإكليله، لكن ليس خارج مخلصه.

إذ يتحدث الرسول عن سباق وجهاد معركة يدعو المؤمنين إخوته الأحباء المشتاق إليهم ليسندهم بالحب والحنو. ففي وسط الآلام يحتاج الإنسان إلى مساندة المخلصين له في الرب.

يدعوهم سروره وإكليله، ليس فقط لأنه بخلاصهم يتمتع بإكليل سماوي من أجل محبته وجهاده لأجلهم، وإنما كأبٍ حقيقيٍ يرى في سرورهم الأبدي سروره، وفي تمتعهم بالإكليل السماوي تمتعه هو به.

ما يبهج قلبه أن يكون هو آخر الكل، حتى في السماء، فيفرح بسموهم وسرورهم وإكليلهم. لهذا يوصيهم: "اثبتوا هكذا في الرب أيها الأحباء"، لأن ثبوتهم هذا كأنه ثبوته هو في الرب!

- الحب، هو ذروة كل فضيلة بالنسبة للمسيحي، لا يتحقق كما يليق إن لم يثبت المؤمنون متحدين معًا كشخصٍ واحدٍ، يفكرون معًا في توافقٍ. هذا ما عناه الرسل هنا بقوله: "اثبتوا هكذا في الرب أيها الأحباء". لنفهم أنه يود منهم أن يتحدوا في الفهم، إذ بالحقيقة يدعوهم "إخوتي الأحباء جدًا". الحب المشترك هو ثمرة التفكير المتناسق والوقوف معًا في المسيح. حينما يكون للكل إيمان متساوي في المسيح، فنقف جميعًا معًا فيه.

الأب ماريرس فيكتورينوس

- انظروا كيف يضيف مديحًا لهم بعد التحذير. "يا سروري وإكليلي". لم يقل فقط "سرور"، بل ومعه "مجد". ليس فقط "مجد"، وإنما أيضًا "إكليلي". أي مجد يمكن أن يعادل ذلك، إذ هو إكليل بولس.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- افتخر الحكيم جدًا بولس بالذين دُعوا بواسطته، قائلاً: "يا سروري وإكليلي" [1]، أما التلاميذ فلم يقولوا شيئًا من هذا، ولكنهم فرحوا فقط بسبب أنهم استطاعوا أن يسحقوا الشيطان (لو 10: 17).

القديس كيرلس الكبير

"أطلب إلى أفوديّة، وأطلب إلى سنتيخي، أن تفتكروا فكرًا واحدًا في الرب" [2].

بعد أن قدم الرسالة باسم الكنيسة كلها، شعبًا وكهنة، أوصى أشخاصًا معينين، غالبًا لهم دورهم القيادي. بدأ بسيدتين هما أفودية وسنتيخي، كانتا على خلاف إما فيما بينهما أو بينهما وبين الكهنة أو الخدام. ويرى البعض أنهما كانتا شماستين في كنيسة فيلبي. يسألهما أن تتحدا معًا في الفكر في الرب، وأن تعيشا في سلام الرب وفي محبته. يدعوهما للوفاق حتى تتمتعا مع أهل فيلبي بفرح المسيح.

معنى كلمة أفودية "رحلة مؤقتة" ومعنى سنتيخني "سعيدة الحظ"، وهما عملتا مع بولس في خدمة الإنجيل كغيرهما غير إنه وقع الاختلاف بينهما وعطلتا عملهما.

- يطلب من هاتين السيدتين أن تلتزما بالفهم المشترك في الرب. يلزمهما خلال إيمانهما في المسيح أن يكون لهما التفكير والفهم لما يقوله الإنجيل عن المسيح. لكنه يقول "أطلب"، لأن هذا لنفعهما؛ "إنني لست أصدر أمرًا بل أطلب".

الأب ماريرس فيكتورينوس

"نعم أسألك أنت أيضًا يا شريكي المخلص، ساعد هاتين اللتين جاهدتا معي في الإنجيل مع إكليمنضس أيضًا، وباقي العاملين معي الذين أسماؤهم في سفر الحياة" [3].

هنا يوجه حديثه غالبًا إلى تلميذه تيموثاوس أو سيلا (أع 15: 40؛ 19:16) اللذين خدما معه في فيلبي، أو أسقف فيلبي والمسئول عن رعاية الكنيسة فيها.

كما اشترك معه في الخدمة فليشترك في حمل النير، فيسند هاتين الشماستين. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن هاتين السيدتين كان لهما دورهما القيادي في الكنيسة، وفي خدمة الإنجيل مع إكليمنضس وباقي العاملين مع الرسول بولس.

يلاحظ أن أول الذين قبلوا الإيمان في فيلبي سيدة، وهي ليدية بائعة الأرجوان (أع 14:16)؛ وربما كانت هاتان الشماستان من بين الحاضرات عند النهر حيث يقول الإنجيلي لوقا: "كنا نكلم النساء اللواتي اجتمعن" (أع 13:16)، ومن بين هؤلاء النساء من آمن، وربما اختيرت هاتان السيدتان للعمل كشماستين تخدمان كلمة الرب وسط النسوة.

كما طالبه الاهتمام باكليمندس الذي صار فيما بعد أسقفًا على روما، وله رسالة موجهة إلى أهل كورنثوس، سبق لي ترجمتها ونشرها.

أيضًا يسأله بصفة خاصة أن يهتم بالخدام العاملين مع الرسول بولس الذين لم يذكر أسماءهم هنا، لكن أسماءهم مسجلة في سفر الحياة بالروح القدس.

- كان من الضروري أن يسجل يسوع المسيح (عند ميلاده) اسمه في إحصاء كل العالم. سُجل مع كل أحد، وقدَّس كل أحد. لقد ارتبط مع العالم في الإحصاء، وقدم للعالم أن يرتبط به. بعد الإحصاء استطاع أن يسجل أسماء أولئك الذين من كل العالم "في سفر الحياة" معه. من يؤمن سينقش اسمه مؤخرًا في السماء مع القديسين.

العلامة أوريجينوس

افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا" [4].


إذ يشير إلى علاقة الأسقف بالخدام والخادمات يسأل جميع العاملين أن يمارسوا الفرح الدائم في الرب. مؤكدا ضرورة الفرح، إذ هو طريق الخدمة الروحية الناجحة. المسيح هو فرحنا الحقيقي، فيه نجد حياتنا وقيامتنا وشبعنا ومجدنا، وبالتالي فرحنا الدائم. وإذ لا يستطيع أحد ولا حدث ما أن يعزلنا عنه، لا يمكن أن يُنزع فرحنا من داخلنا.

من يلصق فرحه بالزمنيات يفقد فرحه مع تغير الظروف والأحداث، ومن يربط فرحه بثبوته في المسيح يتمتع بالفرح الدائم فيه.

"افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضا افرحوا" يعود الرسول في نهاية الرسالة ويؤكد أن هدف الرسالة هو الفرح, أفراح الملكوت مستمرة في كل حين... في السعة وفي الضيق، في الراحة وفي الشقاء، في الظروف السعيدة وفي الظروف التعسة، في الغنى العظيم وفي الفقر المدقع، في الصحة التامة وفي المرض القاتل. أفراح الملكوت تمنح القوة لمواجهة المشاكل والآلام.

- يطوب (السيد المسيح) الذين ينوحون ليس علي فقدانهم أقربائهم، وإنما الذين تنخسهم قلوبهم، الذين يحزنون علي أخطائهم ويهتمون بخطاياهم أو بخطايا الآخرين. أما الفرح هنا فليس مضادًا لهذا النوح إنما يتولد منه. لأن من يحزن علي خطاياه ويعترف بها يفرح. علاوة علي هذا يمكننا الحزن علي خطايانا مع الفرح في المسيح.

gقد عانوا من الآلام: "لأنه قد وُهب لكم... لا أن تؤمنوا به فقط، بل أيضًا أن تتألموا لأجله" (29:1)، لهذا يقول لهم: "افرحوا في الرب". هذا يعني إن أظهرتم مثل هذه الحياة تفرحون. أو عندما لا تُعاق شركتهم مع الله تفرحون...

إن كانت الجلدات والقيود التي تبدو أكثر الأمور خطورة تجلب فرحًا، فأي شيء يمكنه أن يسبب لنا حزنا؟

"وأقول أيضًا افرحوا"، حسنًا يكرر القول. لأن طبيعة هذه الأمور تجلب حزنًا، لذا بتكراره يؤكد الالتزام بالفرح بكل وسيلة.

- الفرح الحقيقي هو فرح الحياة الأخرى، حيث لا تتعذب النفس، وتتمزق الشهوة بسعادة المسيحي سعادة حقيقية وليست بلذة محمومة، إنها تعطي الحرية للنفس وهي حربة جذابة وغنية باللذات الحقيقية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- عندما تتحدون قلبيًا تفرحون في الرب، وعندما تفرحون في الرب تتحدون قلبيًا معًا في الرب.

الأب ماريرس فيكتورينوس

2. سرّ الفرح

"ليكن حلمكم معروفًا عند جميع الناس، الرب قريب" [5].


كلمة "الحلم" هنا تحمل معنى اللطف وطول الأناة والرقة في التعامل وعدم الجدال الجاف والإذعان للغير، فهي تعبير عام شامل كما يقول آدم كلارك.

الإنسان الحليم يأخذ في اعتباره الآخرين فلا يتصلف في آرائه، بل يسمع وينصت ويقدر الرأي الآخر مادام في الرب.

بقوله: "الرب قريب" يكشف أن ما يمارسه الخادم أو المؤمن من حلم ينال مكافأته سريعًا من الرب نفسه الوديع والمتواضع القلب. إنه قادم سريعًا ليكافئ من شاركوه سماته، وحملوا صليبه بفرحٍ.

"الرب قريب"... هذه الحقيقة هي حصانة لكل نفس ضد الخطية، لأنه مادام الرب قريب فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إليه؟

- سبق فقال: "آلهتهم بطونهم، ومجدهم في خزيهم" (في 19:3). فيُحتمل أنهم أرادوا ان يدخلوا في عداوة مع الأشرار، لهذا يحثهم ألا تكون لهم شركة معهم، بل يلزمهم أن يحتملوهم بكل حلمٍ، يحتملوا ليس فقط إخوتهم بل وأعداءهم والمقاومين لهم.

الرب قريب، فليس من مجالٍ للقلق... هل ترون (الأشرار) يعيشون في ترفٍ وأنتم في ضيق؟ الدينونة قريبة، وقريبًا سيعطون حسابًا عن أعمالهم... ستنتهي الأمور قريبًا.

هل يخططون ضدكم ويهددونكم؟ "لا تقلقوا في أي شيء". فإنك أن تعاملت برفقٍ مع الذين يدبرون شرورًا، فإن هذا ليس لنفعهم (ماداموا لم يتوبوا). المكافأة علي الأبواب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ يطالبهم الرسول أن يكون حلمهم معروفًا عند جميع الناس، لا يبغي مدحهم من الناس، وإنما أن يكونوا قدوة للغير. ليس شيء يجتذب النفوس للإيمان مثل طول أناة المؤمنين وحلمهم.

- إنهم يطوَّبون ليس فقط عندما يمارسون الأعمال الصالحة، وإنما أيضًا يُلهمُون الآخرين لفعل الأعمال الصالحة.

الأب أمبروسياستر




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الى أهل فيلبى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل فيلبى +