تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل فيلبى اصحاح 3 جـ3 Print

"بل إني أحسب كل شيء أيضًا خسارة، من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي، الذي من أجله خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح" [8].

إذ التقى بالرب ورآه وفتح قلبه لسكناه، سقطت كل هذه الامتيازات كنفاية لا تستحق أن يشغل فكره بها. هذه النفاية لا يليق بالمؤمن أن يحتفظ بها، بل يلقيها خارجًا لتلهو بها الكلاب الضالة. ما كان يعتز به قبلاً صارت نفسه تمقته ليعتز بعار الصليب، وفقر المسيح، وذبيحته الفريدة القادرة أن تفتح أبواب السماء ليدخل كل مؤمن ويستقر في الأحضان الإلهية في مجد أبدي.

"من أجل معرفة فضل المسيح يسوع ربي" بعدما نهض شاول من سقطته بعد سماعه صوت ربنا يسوع عرف جيدًا أن كل ما كان له ربحًا هو في حقيقته خسارة من أجل معرفة المسيح يسوع.

"من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية"... خسر شاول كل امتيازاته السابقة, وخسر وضعه كشخصٍ مقربٍ من القيادات الدينية, وخسر وضعه كقائدٍ غيورٍ مشهورٍ, وخسر وضعه بين أصدقائه ومعارفه، وخسر وضعه وسط أسرته المتدينة. خسر كل هذه الامتيازات وهو يعتبرها نفاية, والحقيقة أن القديس بولس مارس عملية استبدال، فاستبدل هذه الأرباح الوهمية المؤقتة الزائلة بأرباح حقيقية تبقى معه إلى الأبد.

- أقول: لماذا يعني هنا الناموس؟ أليس العالم صالحًا؟ أليست الحياة الحاضرة صالحة؟ لكن إن سحبتني هذه عن المسيح أحسب كل هذه الأشياء خسارة. لماذا؟ "من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي". فإنه إذ تشرق الشمس، يحسب الجلوس بجوار شمعة خسارة. فالخسارة تقوم علي المقارنة، علي السمو علي الأمور الأخرى... لاحظوا كيف يدعو كل شيء خسارة، ليس في ذاتها، وإنما من اجل المسيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لقد قرأ (الرسول) أن إبراهيم إذ اعترف أنه تراب ورماد وجد نعمة الله في تواضعه الشديد (تك 27:18). وقرأ أن أيوب إذ جلس في المزبلة (أي 8:2) استرد كل ما فقده (أي 42-17:10). وقرأ في نبوة داود أن الله يقيم المسكين من التراب والبائس من المزبلة (مز 7:113).

القديس أمبروسيوس

- إنني لست أهرب منها (وصايا الناموس) كأمور دنيئة، لكنني أفضل ما هو أسمي. فإنني إذ أتذوق الحبوب ألقي النفاية (غطاء البذور). لأن النفاية هي الجزء الكثيف من القش. إنها تحمل الحبوب، لكن ما أن تُجمع الحبوب حتى تُطرح النفاية.

ثيؤدورت أسقف قورش

- ليس من فقدان لطوباوية الفضيلة بسبب الألم، أيضًا ملذات الجسد لا تضيف شيئًا للمتعة.

- عظيم هو الربح الذي نقتديه بالصلاح، الذي هو الغنى بالله، وليس الغنى الزائل، إنما بالعطايا الأبدية حيث لا تحارب بل نعمة دائمة لا تنتهي.

القديس أمبروسيوس

- من منكم يتوقع أن يسمع صوت ملاك يقول له: "الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك عني" (تك 12:22)، أو ابنتك أو زوجتك، ولم تمسك مالك أو كرامة العالم، أو طموح العالم، بل احتقرت كل الأشياء وحسبتها نفاية لكي تربح المسيح. لقد بعت كل شيء وأعطيت للفقراء واتبعت كلمة الله؟ (مت 21:19). من منكم تظنون أنه يسمع كلمة كهذه من الملائكة؟ لقد سمع إبراهيم هذا الصوت.

العلامة أوريجينوس

"وأوجد فيه، وليس لي بري الذي من الناموس، بل الذي بإيمان المسيح، البرّ الذي من الله بالإيمان" [9].

"لكي أربح المسيح وأوجد فيه" [8-9] أي اتحد به. بقوله: "أوجد فيه" يكشف أنه كان ضالاً لم يكن له مكان لراحته واستقراره، فوجده الرب يسوع ودخل به كما إلى أحشاء محبته ليستقر في بيته في أمان. فحين كان يظن أنه بار بحسب الناموس كان بالحقيقة تائهًا وضالاً، وإذ تمتع بالإيمان صار في المسيح مستقرًا ومختفيًا يرتدي بره برًا له. هذا هو الإيمان بالمسيح كعطية إلهية.

- إن كان ذاك الذي كان له برّه جرى نحو هذا البرّ الآخر، إذ برّه الخاص به هو كلا شيء، كم بالأولى الذين ليس لهم برّ يلزمهم أن يجروا إلى المسيح؟ حسنًا قال: "لي بري"، ليس الذي اقتنيه بتعبي وكدحي، وإنما وجدته من النعمة. إن كان الذي كان بهذا السمو العظيم قد خلص بالنعمة، فكم يليق بنا نحن. كان يبدو أنهم سيقولون بأن البٌر الذي يأتي بالتعب أعظم، لذا أظهر أنه نفاية أن قورن بالبرّ الآخر... وما هو البرّ الآخر؟ الذي من الإيمان بالله، أي يمنحه الله. هذا هو برّ الله. هذا بكليته هو هبة. هبات الله لا تقارن بالأعمال الصالحة التي بلا قيمة الصادرة عن جهادنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأعرفه، وقوّة قيامته، وشركة آلامه، متشبهًا بموته" [10].

وضع الرسول القيامة قبل الآلام، لماذا؟ لأنه عاين السيد المسيح القائم أولاً في حياته ثم دخل إلى حلبة الآلام. أعلن له السيد المسيح عن أمجاد قيامته أولاً، ثم أخبر حنانيا عن آلام الرسول. لا يوجد فاصل بين لأعرفه وقوة قيامته لأن أهم شيء في معرفة المسيح هي قوة قيامته التي كانت لأجلنا نحن وليس لأجله.

"شركة آلامه": بولس المتألم في سجنه وقيوده وهو بريء يعرف أن آلامه هذه ما هي إلا شركة مع المسيح المتألم.

عوض الانشغال بالحرفيات القاتلة والتي كان يظنها طريق البرّ، دخل في المسيح وحلّ المسيح فيه بالإيمان. بهذا صارت له معرفة فائقة. تعرف عليه، ويبقى ينهل من ينبوع المعرفة والحكمة ليدرك عمليًا قوة قيامته، ويختبر شركة آلامه، ويسعد بالتشبه بآلامه. لا يحتمل أن يفسد وقته بحوارٍ جدليٍ حول ما يخص الجسد، ويترك تمتعه الدائم بمعرفة متجددة لا تنقطع للسماوي القادر أن يبرر الجميع بدمه الثمين وببهجة قيامة المسيح برًا له (رو 4: 25 ؛ 1 كو 17:15).

- ماذا يعني "بالإيمان لأعرفه" بالإيمان نعرفه، وبدونه يستحيل معرفته. لماذا؟ وكيف؟ بالإيمان نعرف قوة قيامته... فإن كانت قيامة المسيح حسب الجسد تُعرف بالإيمان، كيف يمكن بالعقل إدراك ولادة كلمة الله؟ لأن القيامة أقل من الولادة... لأنه يُوجد للقيامة أمثلة كثيرة، أما الميلاد فلن يوجد له مثيل قط. لم يولد أحد قط من عذراء.

- هذه الأمور (الولادة من عذراء والقيامة) تهب البرّ، هذا ما يليق بنا أن نؤمن به أنه قادر أن يفعله، أما كيف كان قادرًا هذا ما لا نستطيع برهنته. فإنه بالإيمان ندخل في شركة آلامه، لكن كيف؟ إن لم نؤمن لا نقدر أن نحتمل الآلام. إن لم نؤمن بأننا إن كنا نتألم معه فسنملك أيضًا معه (2 تي 12:2) لما يمكننا أن نحتمل الآلام... من يؤمن أن المسيح قام يسلم نفسه للمخاطر، ويشاركه آلامه. إذ تكون له شركة مع ذاك الذي قام، مع ذاك الحي.

- الاضطهادات والأحزان والشدة يلزم ألا تجعلنا مضطربين، فإننا بها نتشبه بموته. وكأنه يقول إننا نتشكل بشبهه. وكما يقول في موضع آخر: "حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع" (2 كو 10:4). هذا يأتي من الإيمان العظيم. فإننا لسنا نؤمن فقط أنه قام، وإنما حتى بعد قيامته له سلطان عظيم، فنرحل في ذات الطريق الذي سافر فيه، أي نصير إخوته في هذا الأمر أيضًا. كأنه قال: صرنا مسحاء في هذا الأمر! يا لعظمة كرامة الآلام! إننا نؤمن أننا نصير في شبه موته خلال الآلام!

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لعلّي أبلغ إلى قيامة الأموات" [11].

ما يشغل الرسول بولس على الدوام هو انطلاقه اليومي في طريق القيامة خلال شركته مع السيد المسيح في آلامه وصلبه، حيث ينعم بكرامة الشركة معه، والدخول إلى الأمجاد الأبدية.

قيامة الأموات التي يقصدها الرسول هنا هي القيامة الواحدة الوحيدة العامة الشاملة لجميع الأموات، الأبرار والأشرار، وهي تتم في لحظة واحدة يعقبها الجزاء والعقاب.

"لعلي" التي استخدمها الرسول لا يقصد منها الشك في أمر قيامته، لكنه يقصد بها صعوبة الوصول إلى هذا الأمر. إنه يحتاج إلى جهاد العمر كله.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن كل البشر سيقومون، فماذا يعني الرسول بقوله: "أبلغ إلى قيامة الأموات"؟ [البعض بالحق يقوم ليُكرم، وآخرون لكي يُعاقبوا... ماذا يعني ببلوغ القيامة التي تشير إليها هنا؟ القيامة التي تقود إلى المسيح نفسه.]

- هذا لأن بولس لا يزال يثابر في شركة الآلام التي كادت أن تكون علي شبه الموت نفسه حتى يقول: "لعلي أبلغ قيامة الأموات". لم يكن لديه أدنى شك أنه يبلغ قيامة الأموات. ولكن ما هو بلوغ قيامة الأموات؟ إنها الحياة الكاملة التامة لكل شخص، والنابعة عن شركة آلام المسيح بكل وسيلة، والتي تتجلى بوضوح في نهاية الزمن عندما تتحقق قيامة الأموات، أي عندما يعود الأموات إلى الحياة.

ماريوس فيكتورينوس

- يقودنا نشيد الأناشيد الآن إلى الرغبة في التفكير بعمق في الحُسن العظيم. لكن تتألم نفوسنا عندما نعرف أنه لا يمكننا الإلمام بهذا الحُسن. كيف لا يأسف أي شخص عندما يكتشف أن الارتقاء إلى هذا الحُسن صعب المنال، إذ ترتفع النفس الطاهرة النقية بواسطة الحب لكي تشارك في هذا الحُسن، ولكن يظهر أنها للآن لم تتمكن من الحصول على ما تبحث عنه، كما يقول القديس بولس (في 11:3).

القديس غريغوريوس النيسي

2. سباق لبلوغ الكمال

"ليس إني قد نلت أو صرت كاملاً، ولكني أسعى لعلّي أُدرك الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع" [12].

سرّ قوة الرسول بولس إدراكه عدم بلوغه بعد الكمال، لا بروح اليأس والتهاون، وإنما بالسعي والجهاد مدركًا أن السيد المسيح نفسه يطلبه ويسعى إليه لكي يفديه ابنا له. بينما يود أن يدرك المسيح يعلم تمامًا أن المسيح أدركه. فغيرة الرسول على خلاص نفسه لا تقارن بغيرة السيد المسيح على اقتنائه له.

"أسعى لعلي أدرك" لم ينل بعد الرسول المكافأة، ولا تمتع بعد بكمال المجد، ولا أنهى بعد سباقه، لكن ما يسنده أن السيد المسيح هو العامل فيه بنعمته. يبدأ معه، ويسير معه في طريق جهاده، ويكون هو غايته. فالزمن مقصر، والجهاد طويل، لكن الإمكانيات التي له جبارة وقديرة، لأنها إمكانيات عمل الله فيه. إنه تعبير واضح وقوي عن حياة الجهاد "الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع". لقد أدرك السيد المسيح شاول الطرسوسي وهو في طريقه إلى دمشق ممتطيًا جواده، متكبرًا متعجرفًا مملوءً غضبًا وحقدًا ليكمل معصيته باضطهاد يسوع المسيح في شخص أولاده. أدركه فهرب الشر من داخله وفر الكبرياء واختفى الحقد.

- يوجد شكلان للكمال، شكل عادي، وآخر علوي. واحد يُقتني هنا، والآخر فيما بعد. واحد حسب القدرات البشرية، والآخر خاص بكمال العالم العتيد، أما الله فعادل خلال الكل، حكيم فوق الكل، كامل في الكل.

القديس أمبروسيوس

- نحن جميعًا الآن غير كاملين، هناك سنكون كاملين حيث يصير كل شيء كاملاً. يقول الرسول بولس: "ليس إني قد نلت أو صرت كاملاً" [12]، فهل يجسر أحد أن ينسب لنفسه الكمال؟ نعم بالأحرى لندرك عدم كمالنا، فننال الكمال.

القديس أغسطينوس




السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل فيلبى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل فيلبى +