إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لا تيأس ولا تقلق اللَّـه يبحث عن خلاص الخطاة الذين يقدرون والذين لا يقدرون ، فهو يشفق عليك ويمنحــك التوبــة ويقويــك

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل فيلبى اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

فرح في الرب

في الأصحاح الأول كشف الرسول بولس عن الآلام كمناخٍ طيبٍ للتمتع بالفرح، وفي الثاني الخدمة كمصدر فرح حقيقي، وهنا يعلن عن طبيعة هذا الفرح أنه في الرب المتألم القائم من الأموات، وهو فرح على مستوى سماوي.

يخبرنا القديس بولس أن حياة كل إنسان هي عصب خطة الله، الذي يُسر به كابنٍ وأيقونة له حية متهللة. يلزمني أن أحمل هذه الخطة، التي هي حياتي السماوية في المسيح. هذه الحياة لها تكلفتها السلبية كما الإيجابية:

أولاً: التكلفة السلبية للحياة الجديدة المتهللة

1. الحذر من حرفية العبادة [2-3]، أو التخلص من الشكليات التي بلا روح. كان المتهودون يعلمون بأن المؤمنين يحتاجون للخضوع للناموس الموسوي بطريقة حرفية، خاصة طقس الختان، بدونه لن يتحقق الخلاص. هاجم القديس بولس هؤلاء المتهودين بذات اللقب الذي استخدموه للأمم "الكلاب"، وقارن ختانهم ببعض الممارسات الوثنية لبتر الإنسان أعضاءه ودعاه "القطع". كان يمكن للرسول أن يفتخر بحفظه الناموس الموسوي حرفيًا، لكنه بإرادته تخلى عن هذا لأنه أراد أن يعبر بهم إلى إسرائيل الجديد، كنيسة المسيح، يتعبد لله بالروح.

2. عدم الثقة في الجسد بل في الروح.

3. كل ما في هذا العالم نفاية إن قورن بالسيد المسيح [7-9].

4. نسيان ما هو وراء، أي الأمور الحاضرة [13].

5. مجد هذا العالم عار.

أولاً: التكلفة الإيجابية للحياة الجديدة المتهللة

1. العبادة بالروح [3].

2. الرجاء في تغيير أجسامنا الواهية إلى شبه جسد المسيح الممجد [21]. فمع الثقة في الجسد لا نستخف بأجسامنا الواهية. لا تتغير مادتها، إنما ستكون لها خبرة المسيح القائم من الأموات، جسده الممجد. تعبر من الانحطاط إلى المجد، وتتقبل عدم الفساد.

3. قبول المسيح كفايتنا [8]، وبرنا [9].

4. النمو في معرفة المسيح المصلوب القائم من الأموات [10-11]. نشترك في آلامه بفرح، ونتشبه بموته، وتكون لنا قوة قيامته. بهذا نصير مثله. الإيمان [10] يهبنا الشركة في حياة المسيح وقيامته. هو انفتاح على عمل الله في حياتنا، فنتقبل المسيح برّنا. أيضًا يليق بنا أن نجاهد دومًا من أجل بلوغ الجعالة السماوية بدعوة الله في المسيح [12-16]. نجاهد دومًا لأننا لسنا بعد كاملين.

5. مواطنتنا هي في السماء [20]. يليق بنا أن نحيا كمواطني أسمى دولة، مملكة السماء. سكن ربنا بالجسد على الأرض أكثر من 33 عامًا، لكن إقامته على الأرض لم تجعل منه مواطنًا أرضيًا متعلقًا بالعالم. ونحن إذ صرنا أعضاء جسمه يلزمنا ألا ننسى أننا اكتسبنا جنسيته. "لا تشاكلوا هذا العالم، بل تغيروا بتجديد أذهانكم" (رو 12: 2).

1. عجز الناموس عن تحقيق الفرح 1-11.

2. سباق لبلوغ الكمال 12-16.

3. المكافأة: مواطنة سماوية 17-21.

1. عجز الناموس عن تحقيق الفرح "أخيرًا يا إخوتي افرحوا في الرب، كتابة هذه الأمور إليكم ليست عليّ قيلة، وأمّا لكم فهي مؤمنة" [1].

الآن يكتب الرسول بولس إلى محبوبيه شعب الكنيسة التي في فيلبي مطالبًا إياهم بالفرح في الخدمة. والعجيب أن الكاتب يبعث رسالته وهو مقيد بالسلاسل، ويرسلها إلى كنيسة مع كونها أمينة (مؤمنة) ومنتعشة لكن المتهودين يزعجونها. فالمتاعب سواء من الخارج أو من الداخل لا تقدر أن تفقد المؤمن أو الخادم فرحه في الرب. وقدر ما نتهلل داخليًا نكون بالأكثر مستعدين لقبول الألم من أجله، ولا تقدر قوة ما أن تعزلنا عنه.

"أخيرًا": يقصد بها الرسول إنه سيبدأ استكمال رسالته.

- لقد هدأ بولس أهل فيلبي الذين كانوا في حالة كآبة شديدة. كانوا في قنوط، إذ لم يكونوا يعرفون كيف سارت الأمور مع بولس. كانوا في كآبة إذ ظنوا أنها قد تفاقمت جدًا بالنسبة له، وبالنسبة للكرازة ولأبفرودتس. لقد أكد لهم وطمأنهم من جهة كل هذه النقاط، وقال:" أخيرًا يا إخوتي افرحوا". يقول لهم: ليس لكم بعد علة للكآبة معكم أبفرودتس الذي حزنتم من أجله، ومعكم تيموثاوس، وأنا نفسي سآتي إليكم، والإنجيل في حالة تقدم. ماذا يعوزكم بعد؟ افرحوا!

القديس يوحنا الذهبي الفم

"يا إخوتي" يستخدم هذا اللفظ للتعبير عن شدة الحب والاعتزاز والأخوة والمشاركة لأهل فيلبي. لقد دعا الغلاطيين "أولادي" (غل 19:4)، أما هؤلاء فدعاهم "إخوتي"، فعندما يهدف نحو تصحيح أمرٍ ما أو إظهار حنوه يدعوهم أولاده، وعندما يخاطبهم بكرامةٍ عظيمةٍ يلقبهم إخوته.

"افرحوا في الرب": الفرح هو الخيط الذهبي الذي يمر بين طيات هذه الرسالة. أما مصدر الفرح فليس النجاح الظاهر، ولا الإمكانيات الخارجية، إنما "في الرب". ليس من حصنٍ آمنٍ للنفس البشرية أكثر من الفرح في الرب "وأما لكم فهي مؤمنة". ما أروع أن يكتب الرسول لهم عن الفرح وهو في شدة الضيق والألم, فالألم يلازمه الحزن، ولكن اجتماع الألم مع الفرح لا يتحقق إلا في الرب.

افرحوا في الرب... لماذا؟

أ- لأن الرب هو ضابط الكل، وهو محب البشر.

ب- لأن الرب هو الذي يهتم بكل أمورنا، ويهبنا كل شيء.

ج- لأننا نطرح تحت أقدام صليبه خطايانا وآثامنا وهمومنا، فيحملها عنا المصلوب برضا ولطفٍ.

د- لأنه ينقذنا من أعدائنا الخفيين والظاهرين، ويحول الشر إلى خير، والضيقات إلى بركات.

و- لأن الفرح بالرب يهبنا القوة في جهادنا الروحي.

هـ- لأنه هو الذي ينير ظلمتنا.

"أخيرًا يا إخوتي افرحوا في الرب" يقول بحق "في الرب"، وليس "حسب العالم"، فإن هذا ليس بفرحٍ. يقول أن هذه المتاعب التي بحسب المسيح تجلب فرحًا.

- "كتابة هذه الأمور إليكم ليست عليٌ ثقيلة، وأما لكم فهي مؤمنة. احذروا الكلاب". ألا تلاحظوا كيف يتدرع بالصبر لكي يقدم نصيحة في البداية؟ فإنه بعد أن قدم لهم مدحًا عظيمًا، وأظهر إعجابه بهم، عندئذ قدم النصيحة ثم عاد يكرر المديح. فإن هذا الأسلوب من الكلام يبدو أنه كان يحمل صعوبة بالنسبة لهم. لذلك حاول تغطيته من كل جانب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"انظروا الكلاب، انظروا فعلّة الشر، انظروا القطع" [2].

"انظروا": أي النظر بعيونٍ يقظة وحرصٍ شديدٍ. ويكرر الرسول نفس اللفظ ثلاث مرات للدلالة على أهمية وخطورة الأمر. عندما بدأ بولس كرازته بين الأمم هاج عليه المتهودون، وبذلوا كل جهدهم لكي يربطوا المسيحية باليهودية, وكأنها طائفة جديدة من الطوائف اليهودية.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الذين يفسدون الإيمان بالمناداة بضرورة ممارسة أعمال الناموس الحرفية كالختان وحفظ السبت للدخول في طريق الخلاص يشبهون الكلاب التي تنبح وتهاجم لتؤذي. فهي تشوه الإيمان بالمخلص، وتفقد المؤمنين يقينهم في عمله علي الصليب. هذا ويرى الأب فيكتورينوس بأن الكتاب المقدس يشَّبه المدافعين عن بيت الرب بالكلاب التي في أمانة تحرسه من اللصوص والمفسدين.

- تتحدث الأسفار المقدسة عن الكلاب النافعة والمدافعة عن الكنيسة، كما يعلمنا داود في المزمور 68 قائلاً بأن هذه الكلاب تلحس دماء الأعداء في هيكل الله. وهنا يتحدث (بولس) عن نوع مضاد من الكلاب. واضح أنه يتحدث عن اليهود (المقاومين للكلمة) لأنهم عاملون بالشر. فإن الأعمال (الناموسية الحرفية) هي عملهم الوحيد في حياتهم دون معرفة الله، ويترجون الخلاص من أعمالهم.

ماريوس فيكتورينوس

"انظروا الكلاب": كان اليهود يدعون الأمم بالكلاب، وهنا قلب الرسول بولس الصورة حتى أن بولس يضع نفسه في مصاف الأمم ويشبه المتهودين بالكلاب. لماذا يدعو المطالبين بالعودة إلى حرفية الناموس كطريق الخلاص بالكلاب؟ لأنهم عوض الكرازة بلغة الحب، واحتضان النفوس بأبوة روحية ينبحون كالكلاب بأصوات مزعجة للنفس، ومقلقة للجماعة، ويؤذون البسطاء بأفواههم التي لا تكف عن أن تعض وتؤذي. بينما يطالب هؤلاء بحرفية الناموس لكي يتطهروا إذا بهم يتدنسوا كالكلاب (تث 23: 18؛ مز 59: 6، 14، 15؛ 2 بط 2: 22). إنهم يحملون عداوة لصليب المسيح، ينسبون له العجز عن المصالحة مع الله بدون حرفية الناموس. كان اليهود يدعون الأمم كلابًا (مت 15: 26)، لكن بعدم إيمانهم فقدوا سمتهم كإسرائيل الحقيقي، فصاروا أممًا، ونُسب إليهم لقب الكلاب الذي دعوا به الأمم.

- لكن من هم الذين يلقبهم كلابًا؟ كان في ذلك الموضع بعضًا ممن أشار إليهم في كل رسائله، من اليهود...الأردياء والمنحطين الذين يطمعون في الربح القبيح والمغرمين بالسلطة. هؤلاء كانوا يرغبون في جذب كثير من المؤمنين إليهم بالكرازة بخلط المسيحية مع اليهودية في نفس الوقت، مفسدين الإنجيل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"انظروا فعلة الشر": إذ يحرفون الإنجيل بسلبه عمل الصليب، فصاروا بتعاليمهم "فعلة الشر"، مخادعين، يكرزون ولكن لا لحساب مملكة الله، بل لحساب الظلمة والشر.

- "احذروا فعلة الشر"... فإنهم يعملون بقصدٍ شريرٍ، العمل الذي هو أشر من البطالة، إذ يستأصلون ما قد وُضع بتدبير صالح ويقتلعونه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"انظروا القطع": عوض قوله "الختان"، يقول: "انظروا القطع". كان الختان علامة في الجسد على قبول العهد مع الله. وإذ رفضوا العهد الجديد، وبالتالي فقدوا سمتهم كإسرائيل الروحي، تحول ختانهم من علامة العهد مع الله إلى مجرد قطع في الجسم لا معنى له ولا قوة. وهو بهذا يكشف عن إساءتهم لمفهوم الختان، إذ جردوه من مفهومه الروحي وهدفه. صار قطعًا في الجسد، لا يختلف عن الممارسات الوثنية، الأمر الذي يمنعه الناموس (لا 21: 5). وكأنهم فيما هم ينفذون الناموس حرفيًا إذا بهم يتعدونه. يرى البعض أن الرسول غالبًا لم يقصد بالقطع الختان. إنما قصد الجراحات الممنوعة على الكهنة للتعبير عن حزنهم على موت أحد أقربائهم. حتى لو أخذنا المعنى الآخر فإن المتهودين افتخروا بقطع جزء من الجسد، كأن هذا الأمر فقط هو الذي سيصيرهم من شعب الله, بينما اغفلوا المعاني الروحية للختان... فالختان هو ميثاق مع الله وتقديس القلب لله.

- يقول: "احذروا القطع" كان طقس الختان مكرمًا عند اليهود، إذ فتح الناموس له الطريق، وكان السبت يحسب أقل من الختان. فيمكن إتمام الختان مع كسر السبت. فلم يقل أن الختان شر، وأن لا لزوم له، لئلا يرعب الناس. لكنه عالج الأمر بأكثر حكمة، ساحبًا إياهم منه.

- لم يرد حتى أن يشترك في الاسم، بل ماذا قال؟ إن هذا الختان هو "قطع". لماذا؟ لأنهم لا يفعلون شيئًا سوي قطعًا في الجسد. فإنه إذ يُمارس، ولكن ليس حسب الناموس، لا يكون سوى قطعًا من الجسد. لهذا السبب دعاه هكذا. أو ربما لأنهم أرادوا أن يقطعوا الكنيسة إلى شقين، ونحن ندعو الأمر "قطعًا" في الذين يفعلون هذا عشوائيًا، بلا هدف ولا مهارة. يقول: الآن إن كنتم تطلبون الختان، تجدونه عندنا نحن "الذين نعبد الله بالروح"، أي نتعبد روحيًا. أجبني: أيهما أسمى، النفس أم الجسد؟ واضح ان الأولى أسمى. لهذا فإن ذاك الختان (الذي للنفس) هو أسمى أيضًا، أو بالحري ليس أسمى بل هو الختان الوحيد. فإنه إذ يُوقف الرمز يأتي بحق الأمر كتابة: "انزعوا غرل قلوبكم" (إر 4:4). بنفس الطريقة عالج الأمر في الرسالة إلي أهل رومية قائلاً: "لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء (في الداخل) هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالحرف هو الختان" (رو 2: 28-29). أخيرًا نُزع عنه الاسم نفسه إذ لم يعد ختانًا (بل قطعًا) كما يؤكد. فالرمز كان يدعي هكذا (ختانًا) حتى تحل الحقيقة، ولكن متى جاءت الحقيقة لم يعد للرمز ذات الاسم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- "الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالمًا أن مثل هذا قد انحرف، وهو يخطئ، محكومًا عليه من نفسه" (تي 10:3-11). ليتنا كبحارة حكماء نبحر في إيماننا في المسلك السليم حتى نعبر بأكثر أمانٍ، ونتبع سواحل الأسفار المقدسة.

القديس أمبروسيوس




السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل فيلبى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل فيلبى +
 


10 توت 1736 ش
21 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة مطرونة
استشهاد القديس يؤانس المصري وزملائه
استشهاد القديسة باسين وأولادها الثلاثة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك