إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إن الضيقة سميت ضيقة لأن القلب ضاق عن أن يتسع لها , أما القلب الواسع فلا يتضايق بشئ , حقا إن القلب الكبير يفرح بكل شئ و يشكر الله علي كل شئ و لا يتضايق أبدا من شئ مهما كانت الأمور

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل فيلبى اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email

3. شوق وصلاة

"فإن الله شاهد لي كيف اشتاق إلى جميعكم،في أحشاء يسوع المسيح" [8].

يدعو الرسول بولس الله نفسه ليكون شاهدًا لما في أحشائه من حب نحو أهل فيلبي، هذا الحب ليس لأنهم يعملون معه كشركائه في نعمة تثبيت الإنجيل، وإنما يحبهم في أحشاء المسيح لأجل أنفسهم حسب المسيح.

"فإن الله شاهد لي": لسنا نظن أن بولس الرسول ظن أنهم يشكون في محبته لهم حتى يستشهد بالله نفسه، القادر وحده أن يرى ما في قلبه. لكنه يُشهد هنا الله الذي يُسر بأن يجد الشعب كله مع الكهنة لهم موضع خاص في قلب خادمه. مسرة الله أن تتمتع الكنيسة كلها بالحب العملي والشركة في النعمة الإلهية.

إذ يفتح كلمة الله المتجسد قلبه للعالم كله، فيبذل حياته ذبيحة حب عن البشرية، يجد مسرته أن يرى خدامه يتشبهون به، فتتسع قلوبهم لإخوتهم، مقدمين حياتهم مبذولة عنهم، فيرددون "أنسكب أيضا على ذبيحة إيمانكم وخدمته" (17:2).

"في أحشاء يسوع المسيح": الخادم الحقيقي يحمل الشعب في أحشائه، يفرح بخلاصهم، ويتوجع لضعفاتهم. لذا كان إرميا النبي يصرخ: "أحشائي، أحشائي، توجعني جدران قلبي، يئن فيّ قلبي، لا أستطيع السكوت". (إر 19:4). توجعت جدران قلب إرميا، إذ يدرك شوق الله أن يحمل شعبه في أحشائه: "حنت أحشائي إليه، رحمة أرحمه، يقول الرب" (إر 2.:31). ويقول الرسول بولس: "في أحشاء يسوع المسيح". فالحب الملتهب في أحشاء الرسول، هو حب السيد المسيح الساكن فيه والملتهب نحو البشرية. فالحب الرعوي ليس إلا حب المسيح نفسه العامل في قلب الراعي أو الخادم

يُشهد القديس بولس الله نفسه على مدى تأجج عواطفه نحوهم، فقد التهب بالشوق إليهم جميعًا، بغير استثناء. أحب الكل، غير متطلعٍ إلى أية عوامل خاصة بكل واحد منهم، إنما يتطلع إلى عاملٍ واحدٍ، وهو أن عواطفه المتأججة تنطلق خلال السيد المسيح الساكن فيه، فهو يحملهم في أحشائه، وبالتالي في أحشاء المسيح الذي فيه. وذلك كما أحب أبونا إبراهيم ابنه اسحق، لكن أحبه في الرب.

"كيف اشتاق إلى جميعكم في أحشاء يسوع المسيح"... ما أجمل وما أحلى هذه العواطف الرقيقة التي يقدمها بولس إلى أولاده؟! لقد تطابقت مشاعر بولس مع مشاعر سيده المسيح, ومن فيض هذه المشاعر الغزيرة اشتاق بولس أن يرى كل واحد من أولاده، ولخص كل هذه المشاعر في كلمة واحدة "أحشائه"، أي كل ما يحويه قلب يسوع المسيح تجاه أبنائه.

- لم يقل "في الحب"، بل قال بتعبير أكثر دفئًا: "في أحشاء (حنو لطف) المسيح"، وكأنه يقول لهم: "إذ صرت لكم أبًا خلال العلاقة التي بيننا في المسيح، فإن هذا يهبنا أحشاء دافئة متقدة. يهب السيد مثل هذه الأحشاء لخدامه الحقيقيين. "في هذه الأحشاء"، كأنه يقول أحبكم ليس في أحشاء طبيعية، بل خلال أحشاء أكثر دفئًا، أعني أحشاء المسيح.

- إنني عاجز عن أعبر لكم عن شوقي إليكم في كلمات. إنه يستحيل عليٌ أن أخبركم بها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- قدمْ ابنك (اسحق) ليس في أعماق الأرض، ولا في وادي الدموع (مز 84: 6)، وإنما على الجبال المرتفعة العالية (تك 22: 2)، لتظهر أن إيمانك بالله أقوى من عواطف الجسد. يقول النص أن إبراهيم أحب اسحق ابنه، لكنه وضع حب الله قبل حب الجسد، وقد وُجد ليس في أحشاء الجسد بل في أحشاء المسيح، أي في أحشاء كلمة الله والحق والحكمة.

العلامة أوريجينوس

"وهذا أُصلّيه أن تزداد محبتكم أيضًا،أكثر فأكثر في المعرفة،وفي كل فهم" [9].

جوهر موضوع صلاة الرسول أن يتمتع مخدوميه بالحب لله، ولبعضهم البعض، كما لكل البشرية، وأن ينمو في هذا الحب المثلث الجوانب بلا توقف. فيكونوا أشبه بنهرٍ لا تتوقف أمطار النعمة عن أن تنسكب عليه بفيض، لكي يفيض النهر دومًا بالمياه المتجددة على مجاريه وشواطئه وعلى السهول. إذ تمتعوا بفيض النعمة اشتاق أن تلتهب قلوبهم أكثر فأكثر لينالوا بلا توقف. فالنعمة الإلهية تولد عطشًا أعظم نحوها؛ كلما ذاقها المؤمن أراد المزيد. "من أكلني عاد إليّ جائعًا، ومن شربني عاد ظامئا" (سيراخ 24: 29).

لا يعرف الرسول السكون، بل يود النمو الدائم بلا توقف، فإن كان شعب فيلبي مملوء حبًا، فإنه يشتهي لهم أن يزدادوا في الحب كما في المعرفة والتمييز. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه لا يود أن يقفوا عند قياسٍ معين.

"تزداد محبتكم... في المعرفة وفي كل فهم": المحبة مرتبطة بالمعرفة, فعندما يحب الإنسان موضوعًا يبحث فيه وعنه حتى يلم بكل جوانبه، وعندما يحب شخصًا معينًا يجب أن يعرف كل شيءٍ عنه, وهكذا عندما يحب الإنسان الله تزداد معرفته عنه.

"في المعرفة وفي كل فهم": لا يطلب لهم الحب العاطفي المجرد، أو ما يدعوه البعض بالحب الأعمى، بل الحب المستنير بالمعرفة والفهم، حب المسيح حكمة الله. فتكون لهم معرفة أسرار الله وفهم لكلمته، حتى يذوقوا بحق عذوبة الحياة والشركة معه.

- قياس الحب لا يقف عن حد معين، إذ يقول: "أن تزداد محبتكم أيضًا أكثر فأكثر". لتراعوا سمو التعبير، إذ يقول: "تزداد محبتكم أكثر فأكثر في المعرفة وفي كل فهم". فإنهم لا يقفوا عند الصداقة وحدها، ولا عند المحبة وحدها، بل أن يأتوا إلى المعرفة. فلا يُقدم ذات الحب للكل، فإنه مثل هذا لا ينبع عن الحب، بل عن عدم الفهم. إنه يعني أن يكون الحب بتعقلٍ وتمييزٍ. إذ يوجد خطر لمن يحب بدون تعقل يحب أيا كان الأمر.... يوجد خطر من أن يُفسد البعض بحبه للهراطقة.... إذ يجب أن تكونوا مخلصين، فلا تقبلوا تعليمًا خاطئًا تحت ستار الحب... كيف يقول: "إن كان ممكنًا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس" (رو 18:12)؟ إنه لم يقل: "حبوا حتى يصيبكم أذى من الصداقة، إذ قيل: "فإن كانت عينك اليمنى تعثرك، فأقلعها وألقها عنك" (مت 29:5).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"حتى تميّزوا الأمور المتخالفة،لكي تكونوا مخلصين وبلا عثرة إلى يوم المسيح" [10].

الترجمة الحرفية تعني "الأمور المتباينة" أو المختلفة فيما بينها، مما قد يسبب نوعًا من الارتباك، لذا يطلب لهم "روح التمييز". ويترجمها البعض "الأمور السامية" excellent. يرى البعض أن الرسول يقصد أن أمور السيد المسيح سامية وفائقة تحتاج إلى التمييز لكي يختبرها المؤمنون بإخلاص، فينعموا بإنجيل الخلاص، ليحيوا في الكمال. بهذا يُحضروا يوم الرب حاملين برّ المسيح. ففي اليوم الأخير إذ يأتي شمس البرّ، يُفحصون ببهائه، ويوجدوا طاهرين بلا عثرة.

"لكي تكونوا مخلصين وبلا عثرة": مخلصين، أي لنا القلب الواحد، فلا نعرج بين الفرقتين.

كلمة "مخلصين" في اليونانية مشتقة من كلمتين: eille وتعني بهاء (سمو) الشمس، krino وتعني "أحكم". وكأن معناها أن أحكم على الشيء أو أفحصه على ضوء الشمس الساطعة، فلا مجال للخطأ، بل يظهر كل شيء بوضوح، أنه طاهر ونقي لا يخفي أي نقص. وكأنه يقول لهم أنهم إذ ينموا في النعمة، يصيروا بلا لوم حتى في نظر الرب شمس البرّ.

وجاءت الكلمة ذاتها باللاتينية تعني "بدون شمع"، حيث يتنقى عسل النحل من الشمع، ولا يكون فيه أي أثر له.

"بلا عثرة"، فالحياة المسيحية كما يراها القديس بولس أشبه بسباق جري للبلوغ إلى النهاية والتمتع بالمكافأة. ففي المسيح يسوع لن توجد عثرات تعطل المؤمن عن جريه.

المحبة الحقيقية تمنح الإنسان الذهن المستنير بالروح القدس ليميز الأمور المتخالفة, والمحبة تضيء القلب، فيستطيع أن يميز صوت الراعي عن صوت الغريب, ويميز مشيئة الله عن مشيئته الخاصة, ويميز الأمور المتخالفة، فيختار الصالح ويترك الطالح.

- "لكي تكونوا مخلصين أمام الله، وبلا عثرة أمام الناس، إلى يوم المسيح، فإن صداقات كثيرة للبشر يمكن أن تضرهم، حتى وإن كانت لا تضركم أنتم، فقد يتعثر بها الغير. "إلي يوم المسيح"، أي حتى توجدوا أتقياء، غير معثرين لأحد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"مملوءين من ثمر البرّ،الذي بيسوع المسيح لمجد الله وحمده" [11].

البرّ هو السيد المسيح. فالإنسان المسيحي لابد أن يثمر، ويُثمر في هدوء وسلام، أما ثمر البرّ فهو الأعمال الصالحة. إذ نُغرس في المسيح يسوع، ونُطعم فيه لا نعود نكون بعد أغصان برية، بل أغصان الكرمة الإلهية الحاملة ثمر الروح. هذه الثمار الفائقة والمشبعة موضع اعتزازنا، لكن ليست علة كبرياء وتشامخ، إذ هي هبة إلهية لمجد الله والتسبيح له. كما يُقصد بكلمة "البرّ" هنا كل أعمال الروح القدس الذي يهبنا برّ المسيح، والشركة في الطبيعة الإلهية.

يقول "ثمرة البرّ"، وليس "ثمار البرّ". جاءت الكلمة اليونانية في المخطوطات القديمة بصيغة الفرد لا الجمع. وجاءت نفس الكلمة في المفرد في غل 22:5 ؛ أف 9:5 ؛ يع 18:3 ؛ عب 11:12 ؛ رو 22:6، لأن ثمر الروح مع تنوعه من حب وفرح وسلام وصلاح الخ. في تناغم معًا، كأنه ثمرة واحدة.

- يقول: "مملوءين من ثمر البرٌ"، إذ بالحق يوجد برٌ ليس حسب المسيح، على مستوى الحياة الأخلاقية. "الذي بيسوع المسيح لمجد الله وحمده". أنظروا فإنني لست أتكلم عن مجدي، بل عن برّ الله... يقول: "لا تجعلوا محبتكم تضركم بطريقة غير مباشرة، بأن تعوقكم عن ادراك الأمور النافعة. احذروا لئلا تسقطوا خلال محبتكم لأي أحد. فبالحق أود أن تزداد محبتكم لكن دون أن يصيبكم ضرر منها.

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل فيلبى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل فيلبى +
 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك