إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أن ضعفت يوماً فاعرف أنك نسيت قوة الله

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية

+ تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +



تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

إنجيل واحد


يبدأ القديس بولس رسالته بمقدمة تضم تحية تحمل الفكر اللاهوتي للرسالة في مجملها، يلحقها بالكشف عن سبب الكتابة، حاثًا إياهم على الرجوع إلى إنجيل المسيح الواحد بعيدًا عن فكر المتهودين، مؤكدًا صدق رسوليته.

1. التحية 1-5.

2. ظروف الكتابة 6-10.

3. دفاعه عن رسوليّته 11-23.

1. التحية

يقول Lighfoot G.A.: [ارتبط الخطان الممتدان خلال هذه الرسالة - دفاع الكاتب عن رسوليته وتأكيده عقيدة النعمة - معًا في التحية الافتتاحية.]

1. "بولس رسول، لا من الناس، ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح واللَّه الآب" [1.] يوضح القديس بولس كمال سلطانه الرسولي من الكلمة الأولى للرسالة، إذ لم يُرسل بناء على دعوة بشرية، ولا تلقى تعليماته بطريقٍ بشريٍ،، بل اختاره اللَّه مباشرة بطريقة إلهية كسائر الإثنى عشر.

- لقد عمده حنانيا، لكنه ليس هو الذي خلصه من الطريق الخاطئ ولا هو الذي حثه على الإيمان، بل المسيح نفسه بعث إليه صوته العجيب من الأعالي وطوقه في شبكته...

يُعلن لوقا بكلماته: "وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس: افرزوا لي برنابا وشاول" (أع 13: 2). واضح - في هذه العبارة - أن سلطان الابن والروح واحد، فعندما يقول إنه مرسل من الروح إنما يقول إنه مرسل من المسيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. إذ تركز الرسالة على الحرية العملية في المسيح، يشير هنا إلى الآتي:

أ. أنه مُعّين بربنا يسوع المسيح [1]، لهذا لا يُخضع نفسه لعبودية إرضاء الناس.

ب. يُشير إلى يسوع القائم من الأموات [1]، إذ يهبنا بقيامته التحرر من الموت. الآب الذي أقام السيد المسيح المصلوب من أجل خطايانا يقيمنا نحن من خطايانا (مصدر الموت الأبدي). خلال الحياة المقامة في المسيح ننعم بطهارة الجسد، ونتحرر من عبودية شهوات الجسد.

قامت رسوليته على دعوة من المسيح المُقام؛ فإن كان لم يُختر من بين التلاميذ (أثناء وجود السيد المسيح على الأرض)، لكن الرب نفسه اختاره بعد قيامته كشاهدٍ حقيقيٍ للقيامة.

ج. يُشير الرسول إلى العالم الحاضر الشرير [4]، لأن فادينا يحررنا من عبودية ما نظنه ذا قيمة في هذا العالم. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول لا يقصد بقوله "الحاضر" الزمن، إنما يعني الأعمال والظروف المحيطة. [إنه يظهر لنا بأن المسيح يخلصنا ويهبنا طمأنينة من جهة المستقبل... لم يحقق الناموس شيئًًا من هذين الأمرين، إنما النعمة هي التي كان لنا فيها الكفاية لإشباع احتياجاتنا.]

د. يُشير إلى اللَّه بكونه أبانا [4]، الذي له المجد إلى أبد الآبدين [5.] فإننا ندرك الحرية خلال بنوتنا له، فنجد موضعًا لنا في أحشائه المجيدة، لنعيش فيها أبديًا.

- هكذا في كل حنايا الرسالة، حتى في المقدمة، ينشر (الرسول) صلاح اللَّه لندرك كلماته هكذا: يا من كنتم قبلاً عبيدًا وأعداء وأجنبيين، من أعطاكم أن تكتسبوا حق دعوة اللَّه أبًا لكم فجأة؟ لم يهبكم الناموس هذه العلاقة، فلماذا تهجرون (المسيح) الذي جاء بكم إلى القربى للَّه وتعودون إلى معلمكم (الناموس)؟

- لم يقل فقط "الآب" بل قال "أبوكم"، حتى يؤثر عليهم، مُظهرًا أن المسيح جعل أباه أبانا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ه. الحرية المسيحية حب، لذا نراه يتحدث بلغة الجماعة، علامة حبه للجميع، فيرسل إليهم لا تحيته وحده بل تحية الإخوة الذين معه، ربما يقصد الشعب كله حيث كان يكتب، أو مجموعة الرفقاء الذين كان يرتحل معهم. جاءت تحيته هنا فريدة من جهة ذكره هذا التعبير، ربما لكي يُعلن أن ما يكتبه هنا لا ينبع عن فكرٍ شخصيٍ خاص، إنما هو عقيدة الكنيسة (الجماعة المقدسة). يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: ]أراد أن ينزع عنهم تشككهم (إنه كان بمفرده في كرازته)K ولكي يظهر أن كثيرين يعضدونه في عقيدته بمعنى أن ما يكتبه إنما كان بموافقتهم.]

و. الحرية هي نتاج النعمة الإلهية، إعلان الحب الإلهي نحو المؤمنين ليهبهم سلامًا داخليًا، كحالة تمس العقل، ثمرة لهذا الحب. لهذا نراه يُشير إلى النعمة وبعد ذلك السلام. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان (الغلاطيون) في خطر السقوط من النعمة، لهذا يصلي بولس من أجل استرجاعها ثانية، وإذ صاروا في حالة حرب مع اللَّه يتضرع إلى اللَّه بأن يرد إليهم ذات السلام (الذي فقدوه).]

ز. صرنا أحرارًا بالصليب [4]؛ إذ هو الجسر الواحد الوحيد الذي يؤدي إلى المصالحة بين اللَّه والإنسان. فقد أخلى ذاته عن مجد العرش ليحرر نفوسنا الملوثة بالخطية ويهبنا برّه، مقدمًا الثمن عن البشرية. ليس أحد بارًا أمام اللَّه، إنما البرّ هي عطية إلهية كلفت الآب ابنه مبذولاً.

- يقول الرسول "لأجل خطايانا" [1]؛ فقد طعنا أنفسنا بربوات الشرور، واستحققنا أشد العقوبات؛ ولم ينقذنا الناموس بل أداننا، جاعلاً الخطية أكثر وضوحًا، دون أن تكون لديه إمكانية خلاصنا منها أو منع غضب اللَّه عنا. لكن ابن اللَّه جعل المستحيل ممكنًا، لأنه غفر خطايانا، وردنا من حالة العداوة إلى الصداقة، مانحًا إيانا بركات مجانية بلا حصر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ح. «آمين»: لقد ختم تحيته بذكصولوجية (تسبحة شكر للَّه) تتجلى فيها طبيعة ملكوت اللَّه الأبدية بالمقابلة مع العالم الحاضر الشرير.

- لن نجد في مقدمة أية رسالة كلمة "آمين"، إنما استخدم هذه الكلمة في بداية الرسالة ليظهر أن ما قاله قبلاً فيه الكفاية ضد اتهامات الغلاطيين، وأن مجادلاته قد كملت. فإن الخطأ الواضح لا يحتاج إلى تجريم مفصل. تحدث (في المقدمة) عن الصليب والقيامة والخلاص من الخطية، وتأمين المستقبل، وغاية الآب، وإرادة الابن، والنعمة والسلام وكل عطاياه الكاملة، خاتمًا كلامه بالتسبيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

هكذا، يُعلن الرسول في تحيته الرسولية بطريقة غير مباشرة عن حريتنا المسيحية من عبودية إرضاء الناس، ومن الموت والخطية والشهوات الجسدية والعالم الحاضر الشرير ومن الشيطان.

"إلى كنائس غلاطية" [2.]

- هكذا يتضح أن لهيب الخطأ قد امتد ليشمل كل شعب غلاطية وليس فقط إلى مدينة أو مدينتين.

لاحظ أيضًا ما حملته العبارة من إهانة خطيرة ضدهم... إذ لم يقل "إلى المحبوبين" ولا "إلى القديسين"، حاذفًا كل لقبٍ يمكن أن يحمل مشاعر حب أو احترام لهم، مخاطبًا إياهم كجماعة مجردة دون ذكر "كنائس اللَّه"، معبرًا بهذا عن عمق حزنه وأسفه عليهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. ظروف الرسالة [6-11]

1. يتعجب الرسول أن الذين قبلوا الإيمان على يديه في غلاطية يتحولون هكذا سريعًا عن الإنجيل الذي قبلوه بنعمة المسيح كما إلى إنجيل آخر، وهو ليس آخر، إنما يضيفون إليه حفظ طقوس الناموس الحرفية كمصدر خلاصهم. أما هو فقد كرز فقط بالإنجيل (الأخبار السارة) لأهل الختان كما لأهل الغرلة.

- كلمة "(إنجيل) آخر" يعني بها السلوك الذي تأمر به (الشريعة)، لا من جهة العبادة، وإنما من جهة النظام نفسه (حرفية ممارسة الطقس كختان الجسد وحفظ السبت بطريقة ناموسية الخ.)؛... عمل المسيح هو دعوة الناس من الناموس إلى النعمة.

العلامة ترتليان

- لقد نادوا في الواقع بوصية أو وصيتين - الختان وحفظ الأيام - لكنه بقوله أن الإنجيل قد تحول يعني أن الانحراف البسيط يفسد الكل... الافتقار إلى الحماس في الأمور الصغيرة يسبب كل الكوارث التي تحل بنا، فإننا إذ نهمل تصحيح أخطائنا الهينة كما يليق نعطي الفرصة للأخطاء الجسيمة أن تتسلل داخلنا. كما يحدث بالنسبة للجسد فإن إهمال الجراحات يسبب حمى ثم موتًا، هكذا في النفس تفتح الشرور الهينة الباب للخطيرة... بهذا تدرك لماذا يدعو بولس الختان تحولاً عن الإنجيل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. ما يثير الدهشة في افتتاحية الرسالة خلوها من تقديم "الشكر" للَّه، الأمر الذي اعتاده الرسول في رسائله الأخرى حيث يقدم شكرًا من أجل إيمان قارئيه أو حبهم. ربما تعمد ذلك ليكشف عن قلقه وغضبه، ليس فقط من جهة المعلمين الكذبة ولكن من أجل قارئيه أيضًا.

3. بالمقابلة مع ما ورد في الرسالة إلى أهل فيلبي (9: 20-23)، يفرح الرسول لأن مقاوميه يكرزون بالإنجيل، أما هنا فلا يظهر أي استعداد للتساهل معهم. المقاومون في فيلبي بشروا بالإنجيل الحق بالرغم من عدم إخلاصهم، أما هنا فالمقاومون لا يكرزون بالإنجيل الحق، ويلزم ألا يلتفت إليهم بغض النظر عن إخلاصهم أو عدمه، ومهما كان موقفهم الشخصي منه.

4. "ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم، فليكن أناثيما". [8-9]

- تأمل حكمة الرسول، كيف يضم نفسه في الأناثيما حتى يتحاشى الاعتراض بأنه متعال بالمجد الباطل في مدحه لتعليمه الخاص. هنا أيضًا يذكر الملائكة، لأن (المعلمين الكذبة) التجأوا إلى السلطة، أي إلى سلطان يعقوب و يوحنا... وقد أضاف "من السماء" عمدًا، لأن الكهنة أيضًا يدعون "ملائكة".

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يذكر نفسه أولاً (في الأناثيما)، معبرًا عن نفسه هو كمثال. فإن كان بالنسبة له هو لا يقدر أن يكرز بإنجيل آخر، فإنه ولا حتى ملاك يقدر أن يفعل ذلك.

العلامة ترتليان

- لا توجد أية شركة بين كلمات القديسين واختراعات البشر المبتكرة من خيالتهم، لأن القديسين خدام الحق، يكرزون بملكوت السموات، أما السالكون في الاتجاه المضاد فليس لديهم أفضل من الأكل حاسبين أن نهايتهم فناء.

القديس أثناسيوس السكندري



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email


5. "أفأستعطف الآن الناس أم اللَّه؟ أم أطلب أن أرضي الناس؟ فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح" [10.]

يدرك القديس بولس أن ربنا يسوع المسيح هو محررنا من عبودية طلب مديح الناس والمجد الباطل. بمثل هذه الحرية يتحدث إليهم أنه يرضى محرره ومخلصه وليس أي مخلوق.

- يقول القديس بولس: لنفترض أنني أخدعكم بهذه التعاليم، فهل أستطيع أن أغش اللَّه العارف أفكاري التي لا ينطق بها، فإنني أرضي من أسعى إليه بلا توقف؟ أنظر الروح الرسولية، السمو الإنجيلي!... فإنه إذ كان مضطرًا أن يبرر نفسه أمام تلاميذه بكونه معلمهم، فهو يخضع لهم (طالبًا حكمهم عليه)...

- واضح أنني أكتب إليكم لا من منطلق حب السلطة أو لكي أقتنى لي تلاميذ، أو حتى لأجد كرامة لديكم، إنما أسعى لأرضي اللَّه لا إنسانًا، وإلا كنت قد بقيت في توافق مع اليهود اضطهد الكنيسة. إنني قد هجرت وطني ورفقائي وأصدقائي وأنسبائي وكل صيتي، وعِوض هذا كله قبلت اضطهادات وعداوة ونضالاً ضدي وتهديدات يومية بالموت؛ هذه جميعها برهان واضح أنني لا أتكلم حبًا في مديح الناس.

القديس يوحنا الذهبي الفم

-يقول الرسول: "فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح"، بينما يقول في موضع آخر: "كما أنا أرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا"(1 كو 10: 33)... يقول إنه لا يرضي الناس، لأنه اعتاد أن يسلك بالحق، لا ليرضي الناس وإنما لكي يرضي اللَّه، وذلك بحبه لأولئك الذين يشتهي تغيير قلوبهم، عاملاً ما يرضيهم. لهذا فهو على صواب عندما يقول ما يقول إنه لم يرضِ الناس لأنه بهذا هدف إلى إرضاء اللَّه، وهو أيضًا على حق عندما علّم بسلطان أنه يجب إرضاء الناس، لا لكي نظن أن في هذا مكافأة على أعمالنا الصالحة وإنما لأن من لا يبذل نفسه ويتشبه بمن يشتهي خلاصهم لا يقدر أن يرضي اللّه.
القديس أغسطينوس

- لقد كفَ عن إرضاء الناس عندما صار خادم المسيح، جندي المسيح يسير في صيت رديء وصيت حسن (2 كو 6: 8)،... لا ينتفخ بالمديح، ولا يحطمه التوبيخ. لا يتعالى بالغنى، ولا يتقوقع على نفسه بسبب الفقر. يحتقر الفرح والحزن على السواء.

- الفضيلة الأولى للراهب هي الازدراء بحكم الناس عليه.

القديس جيروم

- لقد زُفت (نفسك) للمسيح فلا تستهن به؛ لقد صيّرك الروح كاملاً، فلا تساوي نفسك به.

يقول بولس: "فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح"... إنني أكرّم بطرس، لكنني لا أُدعى بطرسيًا، وأمدح بولس لكنني لا أُدعى قط بولسيًا. لا أسمح لنفسى أن أُلقب منتسبًا لإنسان مولود من اللَّه (بالتبني).

إن كنت تُدعى مسيحيًا، لأنك تؤمن بالمسيح أنه اللًّه، فليبق لقبك إلى الأبد، ولتتمسك بالإثنين: اللقب والإيمان، أما إن كان ارتباطك باسم المسيح ينبع عن مشاعر مجردة، فإنك تُنسب إليه كما إلى أسماء أخرى اكتسبتها عن ممارسة أو وقائع.

القديس غريغوريوس النزينزي

3. دفاعه عن رسوليته (11:1،2: 14)

قال المتهودون إن بولس لم يكن رسولاً حقيقيًا، فهو لم يرَ المسيح ولا رافقه؛ إنما الإثنا عشر وحدهم هم بالحقيقة تلاميذ، وهم لم يشيروا إلى إلغاء الناموس بالمسيح. لم يرسل المسيح بولس للتبشير، إنه مجرد ممثل للرسل الأصليين الذين تعلم منهم واعتمد عليهم. وقد جاء دفاع بولس عن رسوليته نابعًا لا عن شعوره بجرح كبريائه، وإنما من أجل قارئيه الذين يتوقف قبولهم لتعاليمه على ثقتهم في موقفه الرسولي.

1. تعليمه مخوّل له من الله نفسه [10-24.] الله وحده هو الذي استطاع أن يحوله من مضطهد للكنيسة إلى كارزٍ في وقت قصير. لقد قبل إنجيله من الرب مباشرة، الذي تنازل وأعلن له كل معرفة دون وساطة بشرية. لقد أخذ الرسول موقفًا حازمًا، وهو أن كل من تجاسر بالكرازة بإنجيل آخر غير الذي بشر به هو في زيارته الأولى التأسيسية لهذه الكنائس فليكن محرومًا، إذ هم بالحق مدانون من قبل الله. ما بشر به هو الأخبار السارة، لا توجد غيرها أخبار سارة!

- إن سُئِلَ بولس أن يثبت بأن اللَّه نفسه هو الذي أعلن له أسراره غير المنطوق بها مباشرة، وهو يقدم حياته الماضية مثالاً مبرهنًا أنه لو لم يكن تحوّله بإعلان إلهي لما حدث ذلك بطريقة مفاجئة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. يُذَّكر القديس بولس قارئيه بالخلفية اليهودية التي عاشها، وأسلوب حياته قبل تمتعه بخبرة التحول في الطريق إلى دمشق. كان قائدًا في الديانة اليهودية يحتل مقامًا عظيمًا، الأمر الذي يجاهد المتهودون الناموسيون المقاومون له أن يبلغوه بمزج إنجيل النعمة بالأفكار اليهودية الحرفية. كان يضطهد المسيحيين بإفراطٍ شديدٍ، وكان يتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابه من بني جنسه، إذ كان أوفر غيرة في تقليدات آبائه، وأكثرهم عملاً وحماسًا. لكنه ترك هذا من أجل ما هو أفضل. لقد أخذ إعلان النعمة بطريقة إلهية، وصرح به قبلما يرى أحدًا من الرسل الآخرين بزمنٍ طويلٍ.

- هذا هو بُرهانه؛ إن كانت جهودي ضد الكنيسة نبعت عن باعث ديني لا بشري، مع أن غيرتي كانت خاطئة، فكيف يحركني المجد الباطل وأنا أناضل لحساب الكنيسة وقد اعتنقت الحق؟... ما أن اجتزت إلى تعاليم الكنيسة حتى تخلصت من تعصبي للديانة اليهودية، مظهرًا بهذا غيرة أكثر اتقادًا كدليل على إخلاصي في تحولي، وأن الغيرة التي تملكتني هي من فوق. أية دوافع أخرى إذن أمكنها أن تدفعني إلى هذا التغيير، إذ قايضت الكرامة بالازدراء، وعِوض الطمأنينة دخلت في ضيقات؟ حقًا لا شيء سوى محبة الحق.

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. حقًا حدث تحوله وهو في الطريق إلى دمشق حين كان يضطهد كنيسة المسيح، بل يضطهد المسيح نفسه من أجل "التهوّد". لكن دعوته بواسطة النعمة الإلهيّة بدأت وهو في بطن أمه [15]، كما فعل اللَّه مع إرميا (1: 5) وإشعياء (42: 1). لقد أفرزه لمهمة خاصة، دعاه، ثم أعلن له عن حقيقة الابن وعمله الفدائي على الصليب، لكي يبشر العالم غير اليهودي.

- لماذا يقول: "أن يُعلن ابنه فيّ" [16] ولم يقل "لي"؟ لكي يُشير إلى أنه لم يتقبل تعليم الإيمان خلال الكلمات فقط وإنما بغنى الروح الذي وهب له - الإعلان الذي أنار نفسه كلها، وأن المسيح صار يتكلم فيه.

"لأبشر به بين الأمم" [16]، فإنه ليس فقط إيمانه، بل واختياره للعمل الرسولي قد انبثقا من اللَّه... كان يجب أن يوجد تمايز بين الكرازة لليهود والكرازة للأمم


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى العلامة أوريجينوس في كلمات الرسول الخاصة بفرزه للعمل وهو في بطن أُمه [15] برهانًا على إرسال اللَّه ملائكة حراسًا لنا حتى قبل ولادتنا.

4. حياته الكنسية: لم يتجاهل القديس بولس الذي قبل الإنجيل من السيد المسيح نفسه المجتمع الكنسي، كما سنرى في لفاءاته مع القديس بطرس وغيره من قادة الكنيسة.

5. تظهر سلطة أو قانونية إنجيل القديس بولس في توبيخه للقديس بطرس (2: 11-12)، مبرهنًا بذلك أن القديس بطرس لم يكن أعظم منه كرسولٍ، فقد أشار إلى كيفية توبيخه له جهرًا، إذ سلك بوجهين بخصوص التقاليد اليهودية حين كان في أنطاكية.

يُشير القديس بولس إلى ثلاثة لقاءان مع القديس بطرس وغيره من الرسل، ليؤكد أن اتصالاته الأخوية معهم لم تكن بغرض أخذ تفويض منهم للكرازة.

اللقاء الأول مع القديس بطرس (1: 18-24): يؤكد القديس بولس نوعًا من استقلاله عن رسل أورشليم (عدم الاعتماد عليهم كوكيلٍ عنهم كما ادعى المتهودون)، لكن ليس بأسلوب فردي. فقط بعد عبور ثلاث سنوات من تحوله عن الفريسية اليهودية إلى الكرازة بيسوع بكونه المسيا، ذهب إلى أورشليم "ليتعرف" على بطرس [18.] يقول: "ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي" [17]. يُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [هكذا لا يتحدث بعجرفة إنما ليظهر كرامة مهمته، إذ تكرارًا قالوا بأن الرسل جاءوا قبله، وكانت دعوتهم سابقة له، لهذا يجيب: "ولا صعدت إليهم". لو كان لزامًا عليه أن يتصل بهم لكان قد أمره المسيح بذلك عندما أعلن له عن مهمته.]

قبل صعوده إلى أورشليم انطلق إلى العربية [17]، ثم رجع أيضًا إلى دمشق [17]. تشير "العربية" غالبًا إلى مدينه جنوب دمشق، في مملكة الـNabataeans وليس إلى منطقة سيناء. لم يسجل الرسول لنا ما فعله خلال هذه السنوات الثلاث. إن كان قد رأى بعض الآباء أن الرسول قد بدأ بالكرازة في الحال لكن كثيرين الآن يفضلون الاعتقاد بأنه كرس حياته في ذلك الوقت للصلاة والتأمل.

v لاحظ هنا تواضعه، إذ لم يتحدث عن نجاحه (في العربية)، ولا عن من هم الذين علمهم وما عددهم. إنما هكذا كانت غيرته (للخدمة) في الحال بعد عماده، إذ حير اليهود، وأثار سخطهم ضده فتربّصوا له مع اليونانيين لقتله، الأمر الذي ما كان يحدث (أي كراهيتهم له) فلجأوا إلى القتل. هذه علامة تظهر تفوّق بولس عليهم. لم يذكر (الرسول) شيئًا عن هذا النجاح، وهكذا في كل أعماله لم يكن الطموح دافعه، ولا نوال كرامة أعظم من الرسل، ولا استمات لينال تقديرًا ساميًا، إذ يدعو نفسه سقطًا، أول الخطاة، آخر الرسل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

زار أورشليم ليلتقي بالقديس بطرس [18]، وهناك رأى القديس يعقوب أخا الرب وأسقف أورشليم. كانت مهمته الكبرى أن يعلن بأنه لا يعمل بروح فردي، منفصلاً عن قادة الكنيسة، وأن يؤكد لهم أن تحوله حقيقي. لقاءات القديس بولس المتتالية مع الرسل لم تضف شيئًا إلى إعلان إنجيل النعمة الإلهية له، إنما اعترفوا تمامًا برسوليته ورسالته.

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم الملاحظات التالية:

أ. يقول القديس بولس إنه "رأى" القديس يعقوب [19]، ولم يقل إنه تعلم منه. ويمكننا القول إنه ذهب هناك "ليتعرف" على القديس بطرس [19] لا ليتعلم منه.

ب. يذكر القديس يعقوب بوقار إذ يقول: "أخا الرب" [19]، فهو خالٍٍ من كل حسد.

ج. خلال شفافية نفسه المقدسة المتواضعة، جاء تبريره لنفسه عظيمًا كمن يقدم حسابًا عن أعماله، مدافعًا عن نفسه كمن في دور العدالة [20.]

د. يُشير إلى رحلته التبشيرية للكرازة في المناطق القريبة من موطنه الأصلي "مدينة طرسوس"، في أقاليم كيليكية وسوريا [21] (بأنطاكية)، ليُعلن أن إرساليته كانت للأمم، وأنه لم يعزم أن يبني فوق أساس أقامه غيره (رو 15: 20).

ه. يقول بولس: "ولكنني كنت غير معروف بالوجه عند كنائس اليهودية التي في المسيح. غير أنهم كانوا يسمعون أن الذي كان يضطهدنا قبلاً يبشر الآن بالإيمان الذي كان قبلاً يتلفه" [22-23]. في تواضعه ذكر حقيقة اضطهاده للكنيسة، وعند تحوله وتبشيره لم يعجبوا به شخصيًا ولا نال إطراءهم أو دهشتهم، إنما مجدوا الله فيه [24]، ناسبًا كل شيء إلى النعمة الإلهية.

"مجدوا الله"، بمعنى أنه أراد أن يعرّفهم بأنه لا توجد عداوة بينه وبين الكنائس التي هي من أصل يهودي، فإنه وإن كان لم يبشرهم لكنهم فرحوا بعمل اللَّه به في المجتمعات الأممية. يرى القديس أغسطينوس أنهم مجدوا اللَّه لأنهم اعتادوا الصلاة من أجل أعدائهم ومضطهديهم لكي يحولهم السيد المسيح إلى الإيمان. سألوا هذا من الله قبلما يتحقق.

1 بولس رسول لا من الناس و لا بانسان بل بيسوع المسيح و الله الاب الذي اقامه من الاموات
2 و جميع الاخوة الذين معي الى كنائس غلاطية
3 نعمة لكم و سلام من الله الاب و من ربنا يسوع المسيح
4 الذي بذل نفسه لاجل خطايانا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير حسب ارادة الله و ابينا
5 الذي له المجد الى ابد الابدين امين
6 اني اتعجب انكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح الى انجيل اخر
7 ليس هو اخر غير انه يوجد قوم يزعجونكم و يريدون ان يحولوا انجيل المسيح
8 و لكن ان بشرناكم نحن او ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن اناثيما
9 كما سبقنا فقلنا اقول الان ايضا ان كان احد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن اناثيما
10 افاستعطف الان الناس ام الله ام اطلب ان ارضي الناس فلو كنت بعد ارضي الناس لم اكن عبدا للمسيح
11 و اعرفكم ايها الاخوة الانجيل الذي بشرت به انه ليس بحسب انسان
12 لاني لم اقبله من عند انسان و لا علمته بل باعلان يسوع المسيح
13 فانكم سمعتم بسيرتي قبلا في الديانة اليهودية اني كنت اضطهد كنيسة الله بافراط و اتلفها
14 و كنت اتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من اترابي في جنسي اذ كنت اوفر غيرة في تقليدات ابائي
15 و لكن لما سر الله الذي افرزني من بطن امي و دعاني بنعمته
16 ان يعلن ابنه في لابشر به بين الامم للوقت لم استشر لحما و دما
17 و لا صعدت الى اورشليم الى الرسل الذين قبلي بل انطلقت الى العربية ثم رجعت ايضا الى دمشق
18 ثم بعد ثلاث سنين صعدت الى اورشليم لاتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يوما
19 و لكنني لم ار غيره من الرسل الا يعقوب اخا الرب
20 و الذي اكتب به اليكم هوذا قدام الله اني لست اكذب فيه
21 و بعد ذلك جئت الى اقاليم سورية و كيليكية
22 و لكنني كنت غير معروف بالوجه عند كنائس اليهودية التي في المسيح
23 غير انهم كانوا يسمعون ان الذي كان يضطهدنا قبلا يبشر الان بالايمان الذي كان قبلا يتلفه
24 فكانوا يمجدون الله في




 

السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

دفاع عن رسوليته

من بين البراهين التي قدمها الرسول بخصوص رسوليته لقاءاته مع الرسل. في الأصحاح الأول تحدث الرسول عن اللقاء الأول مع القديس بطرس، الآن يحدثنا عن اللقاءين الثاني والثالث.

1. اللقاء الثاني مع القديس بطرس 1-10.

2. اللقاء الثالث مع القديس بطرس 11-21.

1. اللقاء الثاني مع القديس بطرس

حث اللَّه القديس بولس لزيارة قادة أورشليم مرة أخرى بعد مرور أربعة عشر عامًا على تحوله، أو ربما بعد زيارته الأولى. يرى بعض الدارسين أن هذه الزيارة تطابق ما ورد في (أع11: 29-30) حيث قام الرسول بها ليسد احتياجتهم أثناء المجاعة.

تختلف هذه الزيارة عن السابقة من عدة أوجه:

1. رافق القديس بولس برنابا (اليهودي) وتيطس (الأممي) [1]، ليُعلن حبه لكل المؤمنين، أيا كان أصلهم، ولكي يحملا شهادة جديرة بالثقة ضد متهميه، بأن الرسل لم يجدوا تعارضًا في كرازته بل أمَّنوا عليها.

2. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن رحلته الأولى كانت بناء على رغبة الرسول لزيارة بطرس، أما هذه الرحلة فكانت بناء على إعلان الروح. فلماذا هذا الإعلان بعد أربع عشرة سنة ليصعد ويتشاور مع الرسل لئلا يكون على أي حال قد سعى أو يسعى باطلاً ؟]

- لو أنه صعد دون إعلان، لكان التصرف فيه جهالة... يقول: قد صعدت وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به، ليس لأتعلّم، وإنما لأقنِع المتشككين إنني لا أسعى باطلاً. إذ سبق فرأى الروح أن هذا الخلاف سيحدث، لهذا دبر أن يصعد الرسول ويتصل (بالرسل).

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. لم يكن هذا اللقاء مع صفا وحده، بل ومع المعتبرين أيضًا؛ تحقق هذا اللقاء لا بطريقة عامة بل انفراديًا [2]؛ لماذا؟

- لو أنه أنتهك (طقس) الناموس أو مُنع الختان لاستاء كل من في أورشليم؛ كما يقول يعقوب: "أنت ترى أيها الأخ كم يوجد رَبوة من اليهود الذين آمنوا وهم جميعًا غيّورون للناموس، وقد أُخبروا عنك أنك تُعلّم... ألا يسلكوا حسب الناموس" (راجع أع 21: 20). إذ كانوا (اليهود المتعصّبون) يقاومونه، لهذا لم يطرح أمر تعليمه على الجماهير، لكنه تشاور بالإفراد مع المعتبرين...

القديس يوحنا الذهبي الفم

4. يُشير إلى هدف زيارته ونتيجتها. هدفها هو عرض الإنجيل الذي يبشر به بين الأمم لمدة 17 (أو 14) عامًا على المعتبرين أعمدة، ليس لأنه كان متشككًا من جهة تعليمه، وإنما من أجل نفع قابلي الإيمان، فيجد سندًا له من القادة ولا يضايقهم المتهودون ( الإخوة الكذبة) [4].

- عظيمة هي رغبته أن يكون حاملاً تصديقًا ومساندة من أولئك الذين تحت كل الظروف ينظر إليهم كمتحالفين مع التهود.

العلامة ترتليان

- هنا يبرز سؤال في غاية الأهمية: من كان هؤلاء الإخوة الكذبة؟ إن كان الرسل قد سمحوا بالختان في أورشليم، فلماذا يدعى الذين يشتركون معهم ويتفقون معهم في الحكم الرسولي "إخوة كذبة"؟

أولاً، لأنه يوجد فارق، بين الأمر بشيء لكي يتم وبين السماح به بعدما تم... أظهر (الرسل) سماحًا به كنوعٍ من التنازل لليهود، أما الإخوة الكذبة فقد أرادوا أن يحرموهم من النعمة ويخضعوهم تحت نير العبودية من جديد.

ثانيًا، سلك الرسل هكذا في اليهودية حيث كان الناموس نافذًا، أما الإخوة الكذبة فسلكوا في كل مكان، وتأثر الغلاطيون بهم، بهذا بدت نواياهم لا للبناء بل لهدم الإنجيل تمامًا...

أشار إلى عدائهم بدعوتهم جواسيس [4]، لأن هدف الجاسوس الأوحد هو أن يهيئ لنفسه ما يدمر ويخرب بمعرفته مركز عدوه المضاد؛ هذا ما فعله الذين أرادوا العودة بالتلاميذ إلى العبودية. هكذا يظهر كيف كان غرضهم مضادًا تمامًا لهدف الرسل. قدم الأخيرون امتيازًا بأن يحرروهم من عبوديتهم بالتدريج، أما الأولون فقد خططوا أن يخضعوهم لعبودية أكثر حدة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

أصر القديس بولس ألا يخضع للإخوة الكذبة، بقوله: "الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة" [5].

- لاحظ هنا قوة العبارة وتأكيدها. لا يقل "بالحوار"، وإنما "بالخضوع"، لأن هدفهم لم يكن تعليم العقائد الصالحة، وإنما إخضاعهم واستعبادهم، لذلك يقول إننا نذعن للرسل(6) وليس لهم...

"وأما المعتبرون أنهم شيء مهما كانوا لا فرق عندي. الله لا يأخذ بوجه إنسان" [6]. هنا ليس فقط لا يدافع عن الرسل؛ وإنما أيضا يهاجم هؤلاء القديسين من أجل نفع الضعفاء...

"فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا عليّ بشيء" [6]... لم يعارضني الرسل بل تآلفت آراؤنا وتوافقت. هذا يظهر من التعبير "أعطوني يمين الشركة" [9].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لم تنحصر هذه المقابلة في عدم إضافة شيء إلى إنجيله فحسب، وإنما أخذوا قرارات خاصة بتقسيم حقل الخدمة إلى كرازة لليهود وأخرى للأمم. فصارت كرازة القديس بولس الرئيسية وسط الشتات، أي للأمم (واليهود) الساكنين خارج فلسطين. أما القديس بطرس ورفقاؤه فيستمرون في مزاولة عملهم الكرازي في فلسطين (أورشليم) [7-9]. لاحظ مرة أخرى مدى حرص القديس بولس على تقديم نفسه كرسولٍ على نفس المستوى تمامًا مع الرسول بطرس, وإنه لا يوجد إنجيلان، إنما هما إرساليتان لإنجيلٍ واحدٍ حق، وذلك بمثابة إعلان عن وحدة الكنيسة والوحدانية في المسيح للاثنين معًا اليهود والأمم مبنيين على وحدة الإيمان.

يرى كثير من المفسرين أن (أع 15: 1-29) يقابل ما ورد هنا حيث يحسب ما جاء هنا تكملة لما حدث في مجمع أورشليم.

أشار القديس بولس إلى تيطس الأممي غير المختون ذاكرًا أن المعتبرين أعمدة لم يُلزموه بالختان [3-5]. يعتقد بعض المفسرين أن التشديد هنا على كلمة "يلزموه"، وأن تيطس حقًا قد وافق أن يختتن بناء على حوار مع بولس يخص علاقته بأورشليم، فصار موقف تيطس شهادة على إقراره الأعمدة في الكنيسة على إنجيل بولس .

أما "يمين الشركة" التى أعطيت لبولس فيراها القديس أغسطينوس تعنى: [علامة التناغم والتوافق، أن ما أخبرهم به لا يختلف عن (منهجهم) بأي وجه من الوجوه .]

يذكر القديس بولس اعتناءه بالفقراء من اليهود [10]. فإن كان من جهة الكرازة قسّم العالم بينهم، فصار هو كارزًا للأمم وهم لليهود، لكن بخصوص الاهتمام بالفقراء من اليهود ساهم بنصيبه (رو25:15).

2. اللقاء الثالث مع القديس بطرس

تم هذا اللقاء بعد عام 50م, قبل كتابة هذه الرسالة. فقد جاء القديس بطرس إلى أنطاكية وهى مركز عمل كرازي مسيحي أممي واختلط في حرية مع جميع المؤمنين القادمين من الوثنية كما من اليهودية. ولكن عندما وصلت مجموعة من المتهودين قادمين من أورشليم بدء بطرس يتراجع عن الرفقاء وشركة الطعام. لاحظ القديس بولس إن كثيرين من اليهود المسيحيين بدأوا يحتذون به لذلك واجهه كرسول مثله ووبخه علانية. هنا يستشهد القديس بولس بكلماته التي وجهها للقديس بطرس [15-16] عندما وبخه، ليؤكد حقيقة توافقهم المشترك، أن التبرير بالنعمة لا بطقوس ناموس موسى، وأيضا ليُظهر أن سلوك القديس بطرس لم يقم على تغير فكري جوهري بخصوص طبيعة الإنجيل ومضمونه، إنما بسبب انضمامه برياء ليمثل أناسًا معينين. هدف القديس بولس في رسالته إلى غلاطية ليس سردًا تاريخيًا وإنما الإرشاد.

يرى العلامة ترتليان والقديسون أغسطينوس وكبريانوس وأمبروسيوس وكيرلس الاسكندري أن القديس بطرس سلك هكذا عن ضعف؛ أما القديسان جيروم ويوحنا الذهبى الفم فلهما رأي مخالف، وهو أنه سلك هكذا ليعطي القديس بولس رسول الأمم الفرصة ليشرح أن التبرير بالإيمان لا بأعمال الناموس.

- كثيرون عند قراءتهم السطحية لهذا الجزء من الرسالة يظنون أن بولس قد اتهم بطرس بالرياء. لكن الأمر غير هذا؛ حقًا لم يكن هكذا، بل كان مختلفًا تمامًا. فستكتشف حكمة عظيمة من جهة الاثنين: بولس وبطرس مختفية هنا لأجل منفعة السامعين...

صرح الرسل في أورشليم كما قلت سابقًا أن قطع أعمال الناموس بطريقه مفاجئة أمر غير عملي؛ لكنهم عندما جاءوا إلى أنطاكية لم يستمروا في حفظها، بل عاشوا دون تمييز بين المؤمنين القادمين من الأمم، هذا ما فعله بطرس أيضًا في ذلك الحين. ولكن عندما جاء البعض من أورشليم، وسمعوا عن التعليم الذي نُودي به هناك توقف (بطرس) خوفًا من أن يربكهم، مغيرًا تصرفاته، واضعًا سرًا أمام عينيه أمرين: هما تجنب الإساءة إلى اليهود وإعطاء الفرصة لبولس بحجه معقولة أن يوبخه. لقد سمح بالختان عند تبشيره في أورشليم ثم غير مسلكه في أنطاكية، لأن مسلكه كان يبدو لدى هؤلاء المتهودين ناشئًا عن خوفه من بولس، وبهذا كان تلاميذه يدينونه على تهاونه الشديد. هذا (أي بقاؤه يأكل مع المؤمنين من الأمم غير المختونين) كان يخلق عثرة ليست بقليلة، أما بالنسبة لبولس الذي كان على علمٍ يقينٍ بكل الحقائق، فإن انسحاب بطرس ما كان يسبب تشككًا فيه، إذ هو عارف ما هيّة دوافعه في هذا التصرف. لهذا قام بولس بالتوبيخ وخضع بطرس حتى إذ يُلام السيد ويصمت تمكن للتلاميذ أن يتقبلوا الموقف...

كما خضع بولس للرسل في أورشليم، خضعوا هم له بالمثل في أنطاكية.

- لم يكن هدف بولس إصلاح بطرس، لكنه قصد بالنقد القاسي الموجه إليه إصلاح التلاميذ، ليس فقط الذين في غلاطية بل وكل الذين يشتركون في ذات الخطأ.

القديس يوحنا الذهبى الفم

ذُكرت هنا كلمات التحذير والإرشاد الموجه إلى القديس بطرس بقصد نفع الغلاطيين. في هذه الكلمات يصف القديس بولس نفسه كيهودي بالميلاد أو بالطبيعة [15]، ثم يسترسل مؤكدًا أن هذا الميراث اليهودي في ذاته ليس طريقًا للتبرير (انظر في 2: 3 - 11)، فالأمم في نظر اليهود خطاة [15]، لأنهم لم يشاركوا في الميراث اليهودي القومي ممثلاً في الناموس والعهد. أما بالنسبة لبولس فاليهود كما الأمم خطاة (رو 3: 2223). الجميع على حد سواء يحتاجون إلى نعمة الله التي يتقبلونها خلال الإيمان (رو 24:3 - 25) .

في نظر القديس بولس، الأبعاد الجذرية للخطية هي الكبرياء والافتخار، الأمر الذي إستُعبِد له كل من اليهود (رو 17:2، 23) والأمم (1 كو 19:1-31).

 

السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email

عبرَّت الآيات (19-21) عن الأوجه الأساسية للحياة الجديدة:

1. "لأني مُت بالناموس للناموس لأحيا لله" [19], يموت المسيحي للناموس إذ يشارك المسيح في صلبه وقيامته [20]، فيبلغ بهذا الحياة الجديدة، الحياة المقامة، وهكذا يتجرد حكم الناموس من قوته.

- يمكن أن يُفهم بمعنى آخر: يطالب الناموس بتنفيذ كل وصاياه، معاقبًا من يعصيها، لهذا صرنا نحن جميعًا أمواتًا للناموس، إذ لا يوجد من يتمم كل الوصايا. لاحظ هنا قوله: "لأني مت"، إذ لم يقل: "مات الناموس لي"، إنما "مت أنا للناموس"، بمعنى أنه كما يستحيل على جسد ميت أن يطيع أوامر الناموس، هكذا بالنسبة لي أنا الذي هلكت بلعنته وقتلتني كلمته (حكمت علىٌ بالموت).

- لئلا يعترض أحد قائلاً إنه يجب أن أكون موضوعيًا: كيف أنت حي مع إنك قد "مُت"؟ لذلك يضيف علة حياته، مظهرًا أنه حين كان حيًا قتله الناموس، وإذ صار ميتًا أحياه المسيح بالموت.

- "لأني مت بالناموس للناموس، لأحيا لله" [19]، بمعنى أنه بالتفسير الروحي للناموس مات عن التفسير الحرفي (الجسدي) له. ونحن بناموس ربنا يسوع صرنا أمواتًا للناموس الذي يعاقب بهذه الأحكام المهلكة.

القديس أمبروسيوس

2. "مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيٌ؛ فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني، وأسلم نفسه لأجلى" [20]. لقد صُلب ربنا لا لأنه خاطىء وإنما لكي يفدي بحبه الخطاة. ونحن، كأعضاء جسده يليق بنا أن نشاركه حبه العملي خلال:

* صلبنا معه (20).

* صلب الجسد (24:5).

* صلب العالم لنا (6: 14).

* صلبنا نحن للعالم (14:6).

بهذا الصلب أقبل (السيد المسيح) بكونه قيامتي وحياتي، قائلاً إنني مع المسيح صُلبت، لكنني أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيٌ (كو 4:3).

"مع المسيح صلبت" [20]0 يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه الكلمات تشير إلى ألمعمودية. بالشركة مع المسيح في صلبه وموته يموت الشخص عن إنسانه القديم، ويتحرر من طاغية الماضي ومن (محبة) العالم ومن الأنا ego0 وبالشركة في قيامة المسيح يعيش الإنسان لله متحررًا من أجل ممارسة الحياة الملتزمة وقبول الطاعة بشكر.

"مع المسيح صلبت"؛ الصيغة اليونانية (فعل تام) تشير إلى أن الحالة التي اكتسبها الإنسان يوم تبريره بالمعمودية لا تزال قائمة.

- "مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيٌ"، حياتنا يا إخوتي ما هي إلا جحد للجسديات، والاستمرار بثبات فيما يخص مخلصنا وحده.

- لأن هذه هي الحياة الحقة التي يعيشها الإنسان في المسيح، فبالرغم من أن (المؤمنين) أموات عن العالم لكنهم يعيشون كمن هم في السماء، مهتمين بالأمور العلوية. من يحب مثل هذه السكنى يقول: "إن كنا نسير على الأرض لكننا نقطن في السماء".

البابا أثناسيوس الرسولى

- التعبير"أحيا لا أنا" يصدر عن صوت من يجحد نفسه؛ يلبس المسيح ويلقى ذاته جانبًا، وذلك لكي يسكن المسيح فيه بكونه البرّ والحكمة والتقديس وسلامنا (1 كو 30:1؛ أف 14:2)، وقوة الله، الذي يعمل كل شيء فيه.

العلامة أوريجينوس

يقول العلامة أوريجينوس: [أن السيد المسيح يحيا فينا [20]، لهذا عند صلبه قال لأمه بخصوص القديس يوحنا: "يا إمرأة هوذا ابنك " (لأن السيد المسيح ساكن فيه)، وهكذا كل من يصير كاملاً لا يحيا لذاته بل يحيا المسيح فيه.]

3. تُمارس الحياة الجديدة ونحن في الجسد [20]، أي ونحن بعد في العالم. لا يفترض القديس بولس مطلقًا أن الحياة المسيحية تستوجب الانسحاب من العالم، إنما بالإيمان يشترك المؤمن وهو في العالم في صلب السيد المسيح و قيامته، فيموت عن الإنسان العتيق و يحيا لله في المسيح.

4. يُعرف القديس بولس مضمون هذا الإيمان ودافعه إنه إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي. فالصلب هو عمل قراري فيه عطاء الذات (النفس) للغير من أجل الحب (4:1). أننا ننتفع بآلام السيد المسيح بالإيمان، حيث ننالها في طاعة شاكرة لوصية الحب (6:5؛ 13=25؛ يو 13:9). الحب هو تسليم كامل غير مشروط لإرادة الله وهو عطاء النفس للغير؛ هذا ما يعلنه حب الله الذبيحي على الصليب.

براهين القديس بولس في سطور

* يرى اليهود أنهم ليسوا خطاة كالأمم [15]. لهذا كانوا في حاجة إلى أعمال الناموس، ليكتشفوا إنهم خطاة، وفي حاجة إلى مخلص الخطاة. أما الأمم الذين لم ينكروا أنهم خطاة فليسوا في حاجة إلى الناموس.

* عندما آمن اليهود بالسيد المسيح مخلص الخطاة اعترفوا أنهم خطاة؛ وعودتهم إلى أعمال الناموس بعد قبولهم بالإيمان يعنى عجز المسيح عن أن يبررهم فيرجعون إلى الناموس كي يبررهم. وكأنهم يرجعون إلى الناموس كخطاة، فيُحسب المسيح خادم الخطية؛ حاشا! بمعنى آخر كأنهم يُعلنون أنهم بالمسيح اكتشفوا أنهم خطاة ويحتاجون إلى الناموس ليبررهم.

يجدر بنا ملاحظة أن القديس بولس لم يرفض التقليد اليهودي بكليته. فقد اقتبس في هذه الرسالة من التقليد اليهودي، بل واستخدم هذه الاقتباسات ليؤكد أنه ليس فقط الأمم وإنما اليهود أيضًا يجب أن يتبرروا بالإيمان. استخدم الاقتباسات ضد المتهودين أنفسهم، كما سنرى في الأصحاحين الثالث والرابع.

القديس بولس والحياة الكنسية

كما سبق فرأينا، أكد القديس بولس أنه لم يكن تلميذًا لأي رسول، وإنما كان مساوٍ لهم، وذلك لأجل نفع سامعيه. هذا لا يعنى أنه حمل اتجاهًا فرديًا منعزلاً. فقد دعاه السيد المسيح نفسه ومع ذلك وجهه إلى حنانيا، لا ليعتمد فحسب وإنما لكي يتعلم (أع 6:9). وهبه الله استنارة الذهن والقلب، وأعلن له أسراره من أجل الطريق الجديد: التبشير بين الأمم. حتى في هذا كان على اتصال بالرسل أيضًا، لا عن تشكك، وإنما لإعطاء قوة لرسالته، وللدفاع عن نفسه أمام الإخوة الكذبة.

- عندما دعا المسيح بشخصه بولس وتحدث معه، كان يمكنه أن يفتح أمامه طريق الكمال مباشرة، لكنه بالحرى اختار أن يوجهه إلى حنانيا، وأوصاه أن يتعلم منه طريق الحق (أع 6:9).

يقول "وإنما عرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم، ولكن بالإنفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً" [2]. ولكن إذن يعتمد على نفسه وحده ويكون أعمى إذ يتجاسر ويثق في حكمه الذاتي وتمييزه، بينما يعترف الإناء المختار أنه كان في حاجة إلى الاجتماع مع رفقائه الرسل! هكذا نرى بوضوح أن الرب نفسه لا يُظهر طريق الكمال لمن أُعطيت له فرصة التعلم، لكنه يحتقر تعاليم الشيوخ واختباراتهم، غير مبالٍ بالقول: "اسأل أباك فيخبرك وشيوخك فيقولون لك " (تث 7:32).

الأب موسى

1 ثم بعد اربع عشرة سنة صعدت ايضا الى اورشليم مع برنابا اخذا معي تيطس ايضا
2 و انما صعدت بموجب اعلان و عرضت عليهم الانجيل الذي اكرز به بين الامم و لكن بالانفراد على المعتبرين لئلا اكون اسعى او قد سعيت باطلا
3 لكن لم يضطر و لا تيطس الذي كان معي و هو يوناني ان يختتن
4 و لكن بسبب الاخوة الكذبة المدخلين خفية الذين دخلوا اختلاسا ليتجسسوا حريتنا التي لنا في المسيح كي يستعبدونا
5 الذين لم نذعن لهم بالخضوع و لا ساعة ليبقى عندكم حق الانجيل
6 و اما المعتبرون انهم شيء مهما كانوا لا فرق عندي الله لا ياخذ بوجه انسان فان هؤلاء المعتبرين لم يشيروا علي بشيء
7 بل بالعكس اذ راوا اني اؤتمنت على انجيل الغرلة كما بطرس على انجيل الختان
8 فان الذي عمل في بطرس لرسالة الختان عمل في ايضا للامم
9 فاذ علم بالنعمة المعطاة لي يعقوب و صفا و يوحنا المعتبرون انهم اعمدة اعطوني و برنابا يمين الشركة لنكون نحن للامم و اما هم فللختان
10 غير ان نذكر الفقراء و هذا عينه كنت اعتنيت ان افعله
11 و لكن لما اتى بطرس الى انطاكية قاومته مواجهة لانه كان ملوما
12 لانه قبلما اتى قوم من عند يعقوب كان ياكل مع الامم و لكن لما اتوا كان يؤخر و يفرز نفسه خائفا من الذين هم من الختان
13 و راءى معه باقي اليهود ايضا حتى ان برنابا ايضا انقاد الى ريائهم
14 لكن لما رايت انهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الانجيل قلت لبطرس قدام الجميع ان كنت و انت يهودي تعيش امميا لا يهوديا فلماذا تلزم الامم ان يتهودوا
15 نحن بالطبيعة يهود و لسنا من الامم خطاة
16 اذ نعلم ان الانسان لا يتبرر باعمال الناموس بل بايمان يسوع المسيح امنا نحن ايضا بيسوع المسيح لنتبرر بايمان يسوع لا باعمال الناموس لانه باعمال الناموس لا يتبرر جسد ما
17 فان كنا و نحن طالبون ان نتبرر في المسيح نوجد نحن انفسنا ايضا خطاة افالمسيح خادم للخطية حاشا
18 فاني ان كنت ابني ايضا هذا الذي قد هدمته فاني اظهر نفسي متعديا
19 لاني مت بالناموس للناموس لاحيا لله
20 مع المسيح صلبت فاحيا لا انا بل المسيح يحيا في فما احياه الان في الجسد فانما احياه في الايمان ايمان ابن الله الذي احبني و اسلم نفسه لاجلي

21 لست ابطل نعمة الله لانه ان كان بالناموس بر فالمسيح اذا مات بلا سبب

 

السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

التبرير بالإيمان

يبدأ القديس يوحنا الذهبي الفم تعليقه على هذا الأصحاح بالقول: [هنا يَعبر (الرسول) إلى موضوع آخر؛ ففي الإصحاحين السابقين أوضح أنه رسول لا من الناس ولا بإنسان ولا في حاجة إلى إرشاد رسولي. الآن إذ أكد سلطانه كمعلمٍ يسترسل في الحديث بأكثر ثقة، مقارنًا بين الإيمان والناموس.]

يمكن أن يُعفي عن مجرم، لكنه لا يُحسَب بارًا. أما التبرير فهو عمل الله الذي لا يغفر آثامنا فحسب، وإنما يقدم برّ المسيح لحسابنا. يهبنا برًا ليس من عندياتنا بل هو برّ المسيح. الله يبرر الخاطئ التائب ولا يبرر خطاياه.

1. خبرة الغلاطيين بالإنجيل 1-5.

2. خبرة إبراهيم 6-9.

3. لعنة الناموس 10-14.

4. الناموس لم يبطل الوعد لإبراهيم 15-18.

5. غاية الناموس 19-25.

6. أبناء بالإيمان 26-29.

1. خبرة الغلاطيين بالإنجيل

يبدأ القديس بولس حديثه بخصوص الإيمان كمصدر للتبرير بالإشارة إلى خبرة الغلاطيين أنفسهم. لقد دعاهم أغبياء [1]، ليس "باطلاً " مت (22:5). وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لأنه بعدما أظهر أنهم رفضوا الإيمان، وحسبوا موت المسيح بلا هدف، قام بتوبيخهم الذي مهما بدا عنيفًا، فهو أقل مما يستحقون!] دعاهم أغبياء لأنهم تجاهلوا خبرتهم الشخصية مع المخلص وعمله الفدائي، وكما يقول القديس أغسطينوس: [نحن ندافع عن الرسول الذي دعا الغلاطيين أغبياء، وقد دعاهم أيضًا إخوة، ذلك لأنه لم يقل هذا باطلاً .]

أ. لقد رسُم المصلوب بوضوح أمام عيونهم [1]: بالإيمان يرى الغلاطيون المسيح المصلوب أكثر وضوحًا من كثير من اليهود الذين كانوا في أورشليم منهمكين في أعمال الناموس الحرفية؛ فكيف يقللون الآن من شأن الإيمان في غباوة بقبولهم خداع هؤلاء الذين يتكلمون على أعمال الناموس؟

- لم يصلب (السيد المسيح) في غلاطية بل في أورشليم، ومع هذا يقول: "بينكم" ليعلن عن قوة الإيمان في رؤية أحداث تمت على بعد مسافات (حدث الصلب)... لقد رأوا بعيني الإيمان بأكثر وضوح من بعض الذين كانوا حاضرين ومشاهدين للصلب...

هذه الكلمات تحمل مديحًا ولومًا؛ تمدحهم لقبولهم الحق المطلق، وتلومهم لأنهم تركوا المسيح الذي شاهدوه عاريًا، مطعونًا، مسمرًا على الصليب من أجلهم، ولجأوا إلى الناموس، دون أن يخجلوا من هذه الآلام (التي احتملها عنهم).]

القديس يوحنا الذهبي الفم

ب. لقد اختبروا نعمة الروح القدس [2] بالإيمان وليس بأعمال الناموس. لقد نالوا بالفعل قوة الروح العظيمة ومزاياها في حياتهم اليومية وسلوكهم، فلماذا يتركون هذا ويرتدون إلى الناموس العاجز عن أن يهبهم شيئًا كهذا؟

ج. هم أغبياء، لأنهم بدأوا بالروح، بالأمور العليا، وانحدروا إلى الأسفل، أي إلى أعمال الناموس الخاصة بالجسد [3]. يبدأ الإنسان الحكيم عادة ببدايات صغيرة ثم يتقدم إلى الأمور العليا، أما هم ففعلوا العكس. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بعدما تتفرسون في الشمس تطلبون شمعة؟ بعدما تأكلون طعامًا قويًا تجرون وراء اللبن؟]

د. لقد احتملوا الكثير من أجل إيمانهم، فهل كان هذا عبثًا؟ [4]. لقد تألمتم كثيرًا بسبب إيمانكم، فلا تخافوا من هؤلاء المخادعين، لئلا يجردونكم من إكليلكم ويسرقونه منكم.

ه. لقد نلتم الروح القدس الذي يعمل عجائب بينكم، وذلك بخبر الإيمان وليس بأعمال الناموس.

- يقول: هل نلتم عطية عظيمة كهذه، وتممتم مثل هذه العجائب، لأنكم حفظتم الناموس أم لأنكم التصقتم بالإيمان؟ واضح أن هذا تحقق بسبب الإيمان.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. خبرة إبراهيم

التبرير بالإيمان ليس خبرة جديدة، فإنه حتى قبل الناموس كان لإبراهيم أب الآباء ذات الخبرة. يؤكد القديس بولس خبرة إبراهيم لأن له قدره العظيم عند اليهود، كما يترجى الأمم أن يُحسبوا أولاده بالإيمان وليس حسب الجسد. يقدم القديس بولس البراهين على أن إنجيل الحرية يتفق مع وعود العهد القديم، مبرزًا التناغم الكامل بين تعليم العهد القديم والإنجيل. لقد أساء المتهودون فهم علاقة المسيحية بالعهد القديم، لذلك فهو يلفت الإنتباه إلى الأساس التعليمي لعقيدته بخصوص تحرر الأمم من الناموس الموسوي، مظهرًا أنهم ورثة المواعيد والبركات التي أُعطيت لإبراهيم قبل الناموس وقبل الختان .

أ. بحسب التقليد اليهودي نفسه جاء في عظة مدراشية ("مدراش" تعني تفسيرًا) أن إبراهيم حسب بارًا أمام الله بالإيمان [6]. وليس بحفظ طقوس ناموسية.

ب. بالمنطق، يليق بأولاد إبراهيم من اليهود أو الأمم أن يتشبهوا به؛ أي أن يعيشوا بالإيمان، فيشاركوه في المواعيد. أبناء إبراهيم الحقيقيون هم فقط الذين يتمثلون بإيمانه. فضيلة الإيمان تأتى بالأمم إلى الالتصاق بإبراهيم أكثر من اليهود نسله حسب الجسد. الذين يتكئون على الإيمان بالمسيح يسوع لتبريرهم سوف يتباركون مع إبراهيم المؤمن.

- يعلمنا الرسول بكمال خلال كلماته الواردة في رسالته إلى أهل غلاطية أن إيماننا كان مرموزًا إليه في إبراهيم باعتباره بطريرك (أب) إيماننا ونبيًا له [59]...

يعلن الرسول أن هذا الرجل لم يكن نبيًا للإيمان فحسب، وإنما كان أبًا للأمم الذين يؤمنون بيسوع المسيح، لأن إيمانه واحد مع إيماننا.

- نحن أبناء إبراهيم بسبب تشابه الإيمان والوعد بالميراث.

القديس إيريناؤس

- إن كان ذاك الذي كان قبل النعمة قد تبرر بالإيمان مع أنه كان غنيًا بالأعمال، فبالأولى نحن (نتبرر بالإيمان). لأنه أية خسارة لحقت بإبراهيم بكونه ليس تحت الناموس؟ لا شيء؛ فإن إيمانه كان كفيلاً للتمتع بالبرّ.

- إذ اعتمدوا كثيرًا على أنهم من نسل إبراهيم، وخشوا من تخليهم عن الناموس لئلا يجعلهم غرباء عنه، لذلك حوٌل بولس ذلك إلى برهان ضدهم، مُثبتًا أن الإيمان على وجه الخصوص هو الذي يربطهم بإبراهيم .

القديس يوحنا الذهبي الفم

ج. اعتاد المعلمون الكذبة أن يربكوا الغلاطيين بقولهم إن الناموس جاء أولاً ثم الإيمان. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الآن يزيل هذا المفهوم بإظهار أن الإيمان سبق الناموس، كما يتضح في حالة إبراهيم الذي تبرر قبل استلام الناموس.] تبرر إبراهيم قبل وضع ناموس الختان بخمسة عشر عامًا.

د. بشٌر مُعطى الناموس إبراهيم بأن الأمم تتبرر بالإيمان [8]. لو أن التبرير يتحقق بأعمال الناموس لبشر الله إبراهيم بإعطاء الناموس، لا بتقديم بركة الإيمان.

- "الله" نفسه الذي أعطى الناموس قد وضع أن يتبرر الوثنيون بقبولهم الإيمان. لم يقل "أعلن" بل "بشر بالإنجيل" ليشير أن الأب (إبراهيم) كان مبتهجًا بأسلوب التبرير هذا وكان له رغبة عظيمة لإتمامه (الكرازة بالإنجيل تعنى الكرازة بالأخبار السارة أو المبهجة).

القديس يوحنا الذهبي الفم

ه. يتحقق الخلاص من لعنة الناموس خلال السيد المسيح الذي فيه تحققت بركة إبراهيمم [10-14].




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email


3. لعنة الناموس

يشهد الناموس ذاته (تث 26:27) أن الذين يسعون أن يتمموه هم تحت اللعنة، لأنه يطالبنا أن نعمل به مُفترضًا أن ننال البرّ بذلك بينما في الواقع تقودنا هذه الأعمال إلى الكبرياء عندما نُتممها، وهذا هو جوهر الخطية.

لا يقدر الناموس أن يهب البرّ بل يجلب موتًا على كل من لا يحفظونه (10:3). اللعنة هي حكم صادر ضد كل كاسرٍ للناموس بينما تحل البركة على كل من يعيش بالنعمة. بمعنى آخر من يحسبون أنفسهم أبرارًا بسبب أعمال الناموس يسقطون في الكبرياء، ويصيرون تحت اللعنة، والذين يعجزون عن تحقيق كل أعماله هم أيضًا تحت اللعنة، والآن كيف ينتشلنا السيد المسيح من هذه اللعنة؟

يمكننا القول بأننا خلال الخطية صرنا تحت اللعنة، بينما صار مخلصنا الذي بلا خطيه لعنة لأجلنا [13]، لا بارتكابه خطية ما، وإنما بتعليقه على خشبة، وهكذا احتضننا ونحن تحت اللعنة، وأنقذنا منها بنعمته. خلصنا المسيح المصلوب من اللعنة، إذ حقق في شخصه كل متطلبات الناموس بالكامل، وفي الوقت نفسه صنع كفارة كاملة وتامة عن كل تعديات اليهود (والبشرية بوجه عام) ضد الناموس. هكذا صار الناموس مرضيًا لا يطالب السيد المسيح ولا بقية الجنس البشري بشيء ماداموا متحدين معه بالمعمودية.

يقول القديس يوستين في حواره مع (تريفو اليهودي) أن العائلة البشرية كانت في حاجة أن تُفتدى من اللعنة بواسطة الصليب. [إن ظهر الذين هم تحت الناموس أنهم تحت اللعنة لعدم ملاحظتهم كل متطلباته، كم بالأكثر تكون كل الشعوب التي تمارس الوثنية ويُغوون الشباب ويرتكبون جرائم أخرى؟ إن كان أب الكل قد أراد لمسيحه أن يحمل لعنة الكل من أجل كل البشرية، عالمًا أنه يقيمه بعد صلبه وموته، فلماذا تجادلون بخصوصه هذا الذي خضع للأمم هكذا حسب مشيئة الآب وقبل اللعنة عوض أن تبكوا على أنفسكم؟]

- ها أنتم ترون كيف يبرهن أن الذين يلتصقون بالناموس هم تحت اللعنة، إذ يستحيل عليهم أن يتمموه [10-11]؛ ثم كيف جاء الإيمان يحمل قوة التبرير هذه…

مادام الناموس عاجزًا تمامًا عن أن يقود الإنسان للبر، فالإيمان هو العلاج الفعّال الذي يجعل ما كان مستحيلاً بالناموس ممكنًا (رو 8: 3)...

استبدل المسيح هذه اللعنة بلعنةٍ أخرى، "ملعونّ كل من عُلِّق على خشبة". إن كان مَنْ يُعلَّق على خشبة ومن يتعدّى الناموس كلاهما تحت اللعنة، وإنه كان من الضروري لذاك الذي يحرر من اللعنة أن يكون هو حرًا منها، إنما يتقبل لعنة أخرى (غير لعنة التعدي)، لذلك قُبِل المسيح في نفسه هذه اللعنة الأخرى. (خلال التعليق على خشبة) لكي يحررنا من اللعنة... لم يأخذ المسيح لعنة التعدي، بل اللعنة الأخرى، لكي يَنتزع اللعنة عن الآخرين. "على أنه لم يعمل ظلمًا ولم يكن في فمه غش" (إش 9:53). إذ بموته خلص الأموات من الموت، هكذا بحمله اللعنة في نفسه خلصهم منها.]

القديس يوحنا الذهبي الفم

- عند سماعنا "المسيح قد صار لعنة لأجلنا" [13]، و"لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا" (2 كو 5: 21)، لا نفهم من هذا ببساطة أن المسيح بكُليته صار خطية أو لعنة، إنما حَمل اللعنة التي علينا (إش 53: 4؛1 بط 2: 24).

- كما أن المسيح بذاته لم يصر لعنة، إنما قيل هذا لأنه أخذ على عاتقه اللعنة لحسابنا، هكذا صار جسدًا لا بتحوله إلى جسد، إنما اتخذ جسدًا من أجلنا وصار إنسانًا.

- إنه يُرشد اليهود وأهل غلاطية أن يضعوا رجاءهم لا في الناموس بل في الرب مُعطى الناموس.

البابا أثناسيوس الرسولي

- صار خطية ولعنة لا لحسابه بل لحسابنا... صار لعنة لأنه حمل لعناتنا.

القديس أمبروسيوس

- كيف يمكن أن يكون خطية ذاك الذي يحررنا من الخطية؟ وكيف يمكنه أن يكون لعنة ذاك الذي يفدينا من لعنة الناموس؟ حدث هذا ليمارس تواضعه إلى هذه الدرجة، ولكي يُشكِلنا نحن بالتواضع الذي يجلب مجدًا.

- دُعي لعنة من أجلي، هذا الذي حطم لعنتي... صار آدم الجديد ليحتل مكان آدم الأول، وبهذا فقط يجعل عصياني عصيانه هو بكونه رأس الجسد كله.

القديس غريغوريوس النزينزي

- صار مطيعًا ذاك الذي "أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا" (راجع مت 8: 17)، فشفي عصياننا؛ إذ بجلداته شَفي جراحاتنا وبموته طرد الموت العام الذي سيطر على كل البشرية. من أجلنا أطاع حتى صار "خطية" و"لعنة" بتدبيره لحسابنا؛ لم يكن هكذا بالطبيعة، إنما صار كذلك من أجل حبه للإنسان.

القديس غريغوريوس النيسي

- بالناموس صرنا تحت اللعنة، بينما بنعمة المسيح خلصنا منها.

- النعمة عادةً تُعلِن عما يفعله الله لأجلنا (1 كو 15: 3- 4)؛ أما الناموس فيُعلن عما يطلبه الله منا (خر 20: 1- 7).

- النعمة تهبنا حياة وقوة لكي نطيع الوصية ( يو 14: 23 ) ونتقدس ( رو 6: 14-22 )، أما الناموس فيأمر بالطاعة والقداسة الكاملة (تث 6: 24- 25) وإلا سقطنا تحت الموت (يع 2: 10).

- النعمة غالبًا ما تكشف عن حب الله لنا ( يو 3: 16)، أما الناموس فغالبًا ما يأمرنا بحب الله (مت22 : 37).

- بالنعمة أُعلِن لنا عن البركات الإلهية (غل 4:3)، بينما أُعلِنت اللعنة ونحن تحت الناموس (غل 3: 10).

- النعمة تهبنا الحرية في المسيح (غل 5: 1)، أما تحت الناموس فكنا عبيدً للخطية (غل 4: 1-3).

- النعمة هي قوة الله (رو 1: 16)، أما الناموس فقوة الخطية (1 كو 15: 56).

- بالنعمة نلنا البنوة للآب (غل 4)، أما الناموس فيحرم الإنسان من الحضرة الإلهية (خر 18: 12-24).

- تُعِلن النعمة عن صورة الصالحات عينه، أما الناموس فله ظل الخيرات العتيدة (عب 10: 1).

- بنسل إبراهيم (يسوع المسيح) تصير البركة للأمم (14) (تك22: 18؛ 26: 4)

4. الناموس لم يبطل الوعد لإبراهيم

بعد أن قدم براهين كثيرة تقوم على أساس التقليد اليهودي والكتاب المقدس استخدم الرسول مثلاً بشريًا، بقوله: "أيها الإخوة بحسب الإنسان أقول، ليس أحد يبطل عهدًا قد تمكن ولو من إنسان أو يزيد عليه" [15]. بمعنى آخر يجب احترام العهود البشرية، فلا يُزاد أو ينقص شيء من شروطها، والآن قد أُقيم عهد مع إبراهيم قبل استلام الناموس بحوالي 430 عامًا، لم يُذكر فيه حفظ أعمال الناموس، بل ذكر فيه الإيمان. فإذا ما أُضيف هذا الشرط (حفظ أعمال الناموس) بعد ذلك يُساء إلى العهد الإلهي.

أِستُلِم الناموس بعد نوال وعد الله لا ليبطل الوعد، إنما ليمهد للإيمان. فإن كانت أعمال الناموس هي منبع الخلاص لما أخذ إبراهيم الوعد بالبركة بنسله وإنما باستلام الناموس.

- خلال رمز ديمومة العهد الإنساني يدافع الرسول عن العهد الإلهي.

العلامة ترتليان

- "أيها الإخوة بحسب الإنسان أقول ليس أحد يبطل عهدًا قد تمكّن ولو من إنسان أو يزيد عليه" [15].

هكذا يقول: "أيها الإخوة"... لقد دعاهم قبلاً "أغبياء" وها هو يدعوهم "إخوة"، وذلك لتوبيخهم في نفس الوقت...

يقول: إن أقام إنسان عهدًا فهل يجرؤ مَن يأتي بعده من يُغيره أو يزيد عليه؟ هذا ما يعنيه بـ "يزيد عليه". بالأولى عندما يُقيم الله عهدًا؛ ومع مَنْ أقام عهدًا؟... أقام الله عهدًا مع إبراهيم، إذ وعده بأن تتبارك جميع الأمم في نسله، هذه البركة لا يمكن للناموس أن يُلقي بها جانبًا... أخذ إبراهيم وعدًا أن تتبارك الأمم في نسله، ونسله حسب الجسد هو المسيح [16-18].

القديس يوحنا الذهبي الفم

أعطى الله وعده لإبراهيم ونسله قبل إعطائه الناموس بـ 430 عامًا. هذا الوعد السابق للناموس تحقق في يسوع، نسل إبراهيم. ذكر الرسول 430 عامًا عن الترجوم الفلسطيني (في التعليق على خر 12: 40)، وهي إعادة صياغة (تفسير) للنص الكتابي الذي يُتلى في الخدمات المقامة في المجمع أيام القديس بولس.

يقول القديس أغسطينوس: [إن إبراهيم نال وعدًا ليس فقط في المسيح، نسل إبراهيم الذي يبارك الأمم [16]، بل وفي جسده، أي في كنيسة المسيح [28]. إن كان نسل إبراهيم يُفهم عن المسيح وحده، فإنه ينطبق علينا نحن أيضًا، أي على المسيح بأكمله: الرأس والجسد، المسيح الواحد.]

5. غاية الناموس

أثُير السؤال الذي في افتتاحية هذا القسم (فلماذا الناموس؟) في سياق البرهان الذي يقدمه القديس بولس؛ حيث لم يُذكر بعد إلا الجانب السلبي للناموس وأعماله (رو 7: 25-27). يرفض القديس بولس فهم الناموس بكونه مضادًا لوعود الله، بل بالأحرى يؤكد أن عمل الناموس هو تحديد الوضع القانوني للإنسان أمام الله، وإن كان عاجزًا عن تقديم البرّ أو تغيير علاقة الإنسان بالله.

سلطان حفظ أعمال الناموس الحرفية كأداة فعالة في تحقيق خطة الله محدود حتى يُعلن الإيمان ويأتي المسيح.

- "وأما الوسيط فلا يكون لواحدٍ" [20]، ولكن الله واحد. لا انقسام بين الأقانيم كما تعلمنا في الإيمان (لأن اللاهوت واحد في الآب والابن والروح القدس). يصير الرب وسيطًا مرة بين الله والإنسان، فيربط الإنسان باللاهوت به.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 3 جـ3 PDF Print Email


ما هو هدف الناموس الموسوي [19]؟

السيد المسيح قادر أن يخلص الخطاة، فلا تقدر النعمة أن تبدأ عملها حتى يُبرهن الناموس أننا مخطئون كما تظهر الرسالة إلى رومية لكل واحدٍ منا. يستطيع الناموس فقط "أن يُغلِق على الكل تحت الخطية" [22]، كما في سجنٍ؛ عندئذ جاء السيد المسيح ليهبنا الحرية ويقدم لنا برّه.

الناموس روحي، لكنه لا يحمل قوة الخلاص أو إمكانية التبرير. غايته أن يُظهِر للجنس البشري الساقط مدى فساد الطبيعة البشرية الخاطئة التي بلا شفاء. يكشف للإنسان عن خطيته وعماه واستخفافه بالله وأنه ساقط تحت الغضب الإلهي. هكذا يقودنا الناموس إلى السيد المسيح بإبرازه حاجتنا إليه كمخلصٍ وطبيبٍ.

- لم يُعْطَ الناموس لشفاء الضعفاء، وإنما للكشف عن ضعفهم وإظهاره... لقد تسلموا الناموس الذي لم يستطيعوا أن يتمموه؛ لقد عرفوا داءهم، والتمسوا عون الطبيب، مشتاقين أن يبرأوا إذ عرفوا أنهم في كربٍ، الأمر الذي ما كانوا ليعرفوه لولا عجزهم على تتميم الناموس الذي تسملوه.

القديس أغسطينوس

طالما يظن الإنسان أنه بريء، يُصيبه الكبرياء ويحتقر نعمة الله. لهذا فالناموس يذل هذا الكبرياء ويطرحه خارجًا، إنه معلم صالح عمله أن يُقنع المتكبرين بالحاجة إلى إصلاح، ويقود الأطفال كما إلى المدرسة، ويتأكد من تركيز انتباههم، وعند الضرورة يؤدبهم، ويطمئن على سلامتهم سلوكيًا وجسديًا. هذا المؤدب يتعهد الأطفال، فيقودهم في الشوارع ليُحضِرهم إلى المدرسة، ويدربهم على إيجاد متعة في قبول الأخبار السارة (الإنجيل) وخبرة الحياة المسيحية. عمله يتلاءم مع الطفولة حيث يدخل بالمؤمن من الطفولة إلى النضوج الروحي في المسيح (3: 25-29)، الذي يمنحه القدرة على ضبط النفس وإنكار الذات.

يُصلح الله قلوبنا باستخدام إبرة حديدية (الناموس) أولاً، ليمد بعد ذلك خيط الإنجيل الدائم والحب والسلام والفرح. في السيد المسيح تحققت كل مواعيد الله.

- يقول (بولس) إن الناموس كان مؤدبنا إلى المسيح يسوع... لم يَعُقهم الناموس قط عن الإيمان بإبن الله، لا بل بالأحرى حثهم على ذلك بقوله إنه لا خلاص للإنسان من جرح الخطية القديم إلا بالإيمان به، هذا الذي أخذ شِبه جسد الخطية، وارتفع عن الأرض على خشبة الاستشهاد، جاذبًا الكل إليه (يو12: 32 ؛ 3: 14)، ومقيمًا الأموات.

القديس ايريناؤس

- إذ لم يدرك اليهود خطاياهم، وبالتالي لم يشتاقوا إلى المغفرة؛ أُعطِي لهم الناموس ليتحسسوا جراحاتهم، لعلهم يتوقون إلى طبيب...

الآن لا يتعارض المؤدب (الناموس) مع المعلم (السيد المسيح)، بل يتعاون معه، ينطلق بالشاب الصغير من كل رذيلة، ويُعِدُّه بكل رفق لكي يتقبل إرشادات معلمه. ولكن عندما تتشكل عادات الشاب حينئذ يتركه مُرشده كما يقول الرسول.

إذن، كان الناموس مرشدنا، وكنا نحن خاضعين؛ لم يكن عدوًا لنا بل كان عاملاً مع النعمة في تعاون؛ ولكن إن دُفِعْنا إلى أسفل بعد قبول النعمة يصير بهذا مضادًا لنا، لأنه يُقيد أولئك الذين يجب أن يتقدموا في النعمة، ففي هذا تحطيم لخلاصنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إله العهدين واحد؛ في العهد القديم أنبأنا عن المسيح الذي ظهر في العهد الجديد؛ الذي قادنا إلى مدرسة المسيح بواسطة الناموس والأنبياء... إن سمعت أحد الهراطقة ينطق بالشر على الناموس أو الأنبياء، أَجِبْهُ بصوت المخلص قائلاً أن المسيح لم يأتِ لينقض الناموس بل ليكمله (مت 5: 17).

القديس كيرلس الأورشليمي

إذ يقرأ القديس أثناسيوس كلمات القديس بولس أن الناموس المُعْطَى لليهود كمرشدٍ يتضمن الإيمان بالمسيح يوضح أنهم لم يفهموا ذلك ولا استطاعوا التلامُس مع الحق الذي نقتنيه والكامن في الناموس، لأنهم تمثلوا بالحرف ولم يخضعوا للروح.

يقول Dom B. Orchard: [الحياة الدينية في العالم - في نظر القديس بولس مَرَّت بثلاث مراحل من أيام إبراهيم مؤسس جنس اليهود:

1. مِنْ إبراهيم إلى موسى: خلال هذه الفترة كان التبرير يتحقق خلال الإيمان بالمواعيد، دون وجود ناموس بالمعنى الإيجابي (ما عدا الختان وحده الذي وُجِد في العهد الإلهي مع إبراهيم - تك17: 11).

2. مِنْ موسى إلى المسيح: خلالها كان التبرير يتحقق خلال الإيمان بالمواعيد، مع الالتزام بحفظ الناموس الذي تسلموه في سيناء بطريقة إيجابية (الذي يبرر هو الإيمان لا الناموس).

3. منذ عهد المسيح: يتحقق التبرير بالمسيح وبحفظ الإنجيل (وهو أسمى من أن يكون مجرد تجديد للتهود).]

6. أبناء بالإيمان

مهّد الناموس الطريق للإيمان، وكمرشدٍ جاء بنا إلى السيد المسيح حتى نتبرر بالإيمان [24]. فما هو دور الإيمان في حياتنا؟ إياه يقودنا إلى الإنسان الكامل [25]، فإننا جميعًا أبناء الله بالإيمان بيسوع المسيح. التبرير (dikaiosune)، الذي يعني في نظر القديس بولس عبورًا من حالة العداوة مع الله كثمرة للخطية الأصلية ومِنْ الخطية الفعلية إلى البنوة التي بها نقتني حياة المسيح الإلهية داخلنا، هي دائمًا هبة الله المجانية بمقتضى عطية الإيمان العامل بالمحبة (غل 5: 6).

"التبني" كلمة قانونية رومانية تعني "احتلال مركز الابن" في وضع شرعي. جاء السيد المسيح ليفتدينا حتى لا نظل بعد عبيدًا تحت الناموس، وإنما نملك كل امتيازات الأبناء والورثة البالغين، فندعو الله "آبا الآب" (4: 6).

- لم نعد بعد تحت مؤدب [25]، "لأنكم جميعًا أبناء الله" [26]. يا للعجب! انظر! يا لعظمة الإيمان! ها يوضح الرسول ذلك تدريجيًا! قبلاً أظهر أن الإيمان يجعل منهم أبناءً لإبراهيم... الآن يبرهن أنهم أبناء الله أيضًا... بعد ذلك إذ يقول أنه لأمر عظيم ومدهش يوضح كيفية تبنيهم للَّه: "لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" [27]... ما دام المسيح هو ابن الله وأنتم قد لبستموه، واقتنيتموه داخلكم، وتشكلتم على مثاله، صرتم أقرباء له واحدًا معه في طبيعته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- مع أن الكتاب المقدس يشهد بأن ربنا يسوع المسيح هو إبن الله الوحيد، يقول إن المسيح منحنا أن نصير إخوة وشركاء معه في الميراث، بهذا نلنا نوعًا من التبني خلال النعمة الإلهية .

- "آبا" بالعبرية تطابق"Pater" في اللاتينية... كما أن العبارة "آبا الآب" تتضمن فكرة الجنسين: (الإسرائيليون والأمم)، فإن كلمة "أب" نفسها بمفردها تشير إلى قطيع واحد يتكون من الاثنين معًا.

القديس أغسطينوس

البسوا المسيح

- لا تسمح لدنس أو غضن يدنس نقاوة ثوب الخلود، بل احفظ قداسه كل أعضائك، إذ تلبس المسيح؛ إذ يُقال: "لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (أف 3: 27). لتكن أعضاؤكم جميعًا مقدسة فتكون كمرتدية ثوبًا من القداسة والنور.

القديس باسيليوس الكبير

- قد لبسنا المسيح بواسطة الماء والروح وإن كنا لم ندرك مجده.

القديس اسحق السرياني

- إذ اعتمدتم في المسيح، ولبستم المسيح، تصيرون على شكل ابن الله.

القديس كيرلس الأورشليمي

واحد في المسيح!

يظهر شمول الإنجيل خلال الإشارات إلى العماد بكونه نتيجة لعمل الإيمان. فالمعمدون الجدد لا يلبسون المسيح فحسب (رو 4:13، أف 24:4)، وإنما يصيرون أيضًا واحدًا معه، يشتركون في صلبه ويتمتعون بالحياة الجديدة معه (20:2). مادام العماد يوّحد كل الأشخاص مع المسيح (1 كو 13:12) كما يربطهم أيضًا ببعضهم البعض، لأن جميعهم إخوة مات "المسيح لأجلهم" (1 كو 11:8؛ 15:14). لجميع المؤمنين رب بلا تمييز بينهم (رو 12:10-13؛ أف 11:2-22؛ كو 11:3).

بالمعمودية نلبس المسيح [27] ونتحد كأعضاء معًا كأبناء لله فيه. "ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح" [28]. نصير كلنا واحدًا، لنا ذات الميراث الذي وعد به ابراهيم. "فإن كنتم للمسيح فأنتم إذًا نسل إبراهيم وحسب الموعد ورثة" [29].

- هذا هو هدف السر العظيم من أجلنا. هذا هو غرض الله من أجلنا، هذا الذي صار إنسانًا وافتقر (2كو8: 9)، لكي يُحْيى أجسادنا (رو 11:8)، ونستعيد صورته (1كو15: 48)، ويتجدد الإنسان (كو3: 11) فنصير واحدًا في المسيح، الذي يعمل بكمال في جميعنا حتى إنه هو نفسه يكون حاضرًا، فلا يكون ذكر أو أنثى، بربري أو سكيثي، عبد أو حر، إنما تحمل ختم الله في أنفسنا، الذي به وله قد خُلِقْنا وأخذنا صورته ومثاله لكي نُعْرف بهذا وحده.

القديس غريغوريوس النزينزي

يقول القديس غريغوريوس النيسي: [إن خلقة طبيعتنا لها معنى ثنائي: طبيعة خُلِقتْ على مثال الله أفسدتها الخطية وجددها ربنا، وطبيعة تنقسم حسب تمايزنا (ذكر وأنثى).]

1 ايها الغلاطيون الاغبياء من رقاكم حتى لا تذعنوا للحق انتم الذين امام عيونكم قد رسم يسوع المسيح بينكم مصلوبا
2 اريد ان اتعلم منكم هذا فقط اباعمال الناموس اخذتم الروح ام بخبر الايمان
3 اهكذا انتم اغبياء ابعدما ابتداتم بالروح تكملون الان بالجسد
4 اهذا المقدار احتملتم عبثا ان كان عبثا
5 فالذي يمنحكم الروح و يعمل قوات فيكم اباعمال الناموس ام بخبر الايمان
6 كما امن ابراهيم بالله فحسب له برا
7 اعلموا اذا ان الذين هم من الايمان اولئك هم بنو ابراهيم
8 و الكتاب اذ سبق فراى ان الله بالايمان يبرر الامم سبق فبشر ابراهيم ان فيك تتبارك جميع الامم
9 اذا الذين هم من الايمان يتباركون مع ابراهيم المؤمن
10 لان جميع الذين هم من اعمال الناموس هم تحت لعنة لانه مكتوب ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به
11 و لكن ان ليس احد يتبرر بالناموس عند الله فظاهر لان البار بالايمان يحيا
12 و لكن الناموس ليس من الايمان بل الانسان الذي يفعلها سيحيا بها
13 المسيح افتدانا من لعنة الناموس اذ صار لعنة لاجلنا لانه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة
14 لتصير بركة ابراهيم للامم في المسيح يسوع لننال بالايمان موعد الروح
15 ايها الاخوة بحسب الانسان اقول ليس احد يبطل عهدا قد تمكن و لو من انسان او يزيد عليه
16 و اما المواعيد فقيلت في ابراهيم و في نسله لا يقول و في الانسال كانه عن كثيرين بل كانه عن واحد و في نسلك الذي هو المسيح
17 و انما اقول هذا ان الناموس الذي صار بعد اربع مئة و ثلاثين سنة لا ينسخ عهدا قد سبق فتمكن من الله نحو المسيح حتى يبطل الموعد
18 لانه ان كانت الوراثة من الناموس فلم تكن ايضا من موعد و لكن الله وهبها لابراهيم بموعد
19 فلماذا الناموس قد زيد بسبب التعديات الى ان ياتي النسل الذي قد وعد له مرتبا بملائكة في يد وسيط
20 و اما الوسيط فلا يكون لواحد و لكن الله واحد
21 فهل الناموس ضد مواعيد الله حاشا لانه لو اعطي ناموس قادر ان يحيي لكان بالحقيقة البر بالناموس
22 لكن الكتاب اغلق على الكل تحت الخطية ليعطي الموعد من ايمان يسوع المسيح للذين يؤمنون
23 و لكن قبلما جاء الايمان كنا محروسين تحت الناموس مغلقا علينا الى الايمان العتيد ان يعلن
24 اذا قد كان الناموس مؤدبنا الى المسيح لكي نتبرر بالايمان
25 و لكن بعدما جاء الايمان لسنا بعد تحت مؤدب
26 لانكم جميعا ابناء الله بالايمان بالمسيح يسوع
27 لان كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح
28 ليس يهودي و لا يوناني ليس عبد و لا حر ليس ذكر و انثى لانكم جميعا واحد في المسيح يسوع
29 فان كنتم للمسيح فانتم اذا نسل ابراهيم و حسب الموعد ورثة




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

أبناء وورثة


إذ قارن القديس بولس بين نير الناموس وإدراك عمل الإيمان بالسيد المسيح يرفعنا إلى التمسك بالبنوة لله، الأمر الذي لم يكن ممكنًا للناموس أن يقدمه.

1. التمتع بنوال التبني 1-11.

2. الحرية العملية للأبناء 12-20.

3. ابن الحرة وابن الجارية 21-31.

1. التمتع بنوال التبني

اُستخدمت كلمة "وارث" في (غل 29:3؛ 7:4) حسب العادات الفلسطينية؛ حيث كان الوالد يعين في وصيته وصيًا لابنه؛ وعلى الوصي بعد وفاة الأب أن يدير شئون ميراث الإبن حتى يبلغ سن الرشد. لهذا يُعتبر الإبن أثناء مدة الوصاية في حكم العبد الذي ليس له حرية التصرف، ولو كان من أغنى الأغنياء. هكذا الإنسان البعيد عن السيد المسيح، الخاضع تحت الناموس يُحسب قاصرًا، ينال ميراثه في المستقبل. مثل هذا الإنسان لا يفضل عن عبد، ليس بمقدوره أن يرث ما وُعد به. هنا يتحاشى القديس بولس وصف الناس خارج المسيح كعبيد للناموس.

يوضح القديس بولس كيف صار ابن الله ابنًا للإنسان، إذ وُلد من امرأة، حتى نصير نحن - أبناء البشر - أبناء اللَّه.

- يقول القديس بولس "أرسل الله ابنه" لا مولودًا من رجل وامرأة بل "مولودًا من امرأة " [4] وحدها، أي من عذراء... فإن ذاك الذي يجعل النفوس عذارى وُلد من عذراء.

القديس كيرلس الأورشليمي

"ملء الزمان" [4] يقابل الزمن الذي حدده الآب، معبرًا به عن تحقيق غاية إرسال الله ابنه لإتمام الوعد الذي أعطاه لإبراهيم [3-14]. نجد هنا أقوى تعبير عن التجسد ورد في رسائل القديس بولس إذ يورد العبارتين "مولودًا من امرأة"، و"مولودًا تحت الناموس"، مؤكدًا غايتين لمجيء السيد المسيح: الأولى أنه يخلص أناسًا من العبودية؛ والثانية إنه يُمكنهم من التمتع بالتبني كأبناء لله.

هنا كما في الرسالة إلى أهل رومية (8: 14-17، 23) يربط الرسول بين التبني وعطية الروح الذي به يستطيع الإنسان أن يضع كمال ثقته في الله الآب ويتمتع بعربون كمال الوعد.

- لسنا أبناء بالطبيعة، إنما الإبن هو فينا؛ أيضًا الله ليس أبانا بالطبيعة بل آب الكلمة الذي فينا وهو فيه وبسببه نصرخ: "يا أبَا الآب" ...

- الإبن الذي فينا يدعو أباه، ويجعله أبانا نحن أيضًا. فمن لا يكون الإبن في قلوبهم بالتأكيد لن يقدروا أن يدعو الله أبًا لهم.

- إننا أبناء وآلهة لأن الكلمة فينا، هكذا سنكون في الابن وفي الآب، وسنحسب واحدًا في الابن وفي الآب...

- روح الكلمة فينا يدعو أباه أبانا من خلالنا.

القديس أثناسيوس الرسولى


- إننا نحن الذين نصرخ، لكنا نصرخ فيه (في روح الابن)، إذ يسكب الحب في قلوبنا، الذي بدونه تصير الصرخات باطلة.

القديس أغسطينوس

يُدعى اللَّه هكذا "أبَا! الآب!" [6]، أي بالآرامية واليونانية؛ وهو تعبير ليتورجى؛ ربما كلمات افتتاحية كان يصليها حديثو العماد لتعبر عن تقربهم الجديد للَّه في المسيح. يستخدم الرسول الآرامية واليونانية في وقتٍ واحدٍ ليُظهر أن اللَّه هو أب اليهود والأمم، وأن النعمة تعمل في حياة الأمم لنوال البنوة للَّه بواسطة المعمودية دون حاجة إلى الختان.

كأبناء للَّه وورثة يلزمهم ليس فقط أن يتركوا عبادة الأوثان [8]، وإنما بقبولهم الإيمان يلزمهم أن ينشغلوا بما يليق بهم، في الأمور الروحية لا الأمور الدنيا.

1. يذكرهم الرسول بمركزهم القديم كانوا عبيدًا، عبدوا الأوثان، وأما الآن فهم أبناء اللَّه. يليق بهم أن يتعرفوا على أبيهم ويتعرف هو عليهم. "وأما الآن إذ عرفتم اللَّه بل بالحري عُرفتم من اللَّه" [9].

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص إن البشرية قبلت الآلهة الباطلة كآباء لها عِوض الآب [8]: [عصى البشر اللَّه وعبدوا من هم بالطبيعة ليسوا آلهة (انظر غل 8:4). ومع كونهم أبناء اللَّه ارتبطوا بمن يُدعى شريرًا باطلاً.]

القول "عُرفتم من اللَّه" هو وصف للحياة المسيحية؛ فإن معرفة اللَّه التي يتحدث عنها القديس بولس هنا تعني حبنا للَّه كاستجابة لمعرفتنا له، أي لحبه لنا (1 كو 8: 2-3). نحن نعرف اللَّه أبًا لنا خلال اتحادنا مع الابن في استحقاقات دمه المخلص، وثبوتنا في هذا الاتحاد. نحن نُعرف من اللَّه بكوننا أبناءه المبررين.

- اللَّه يعرف الذين هم له، بمعنى يعرفهم خلال أعمالهم الصالحة (في المسيح). إنه يقبلهم في شركة عميقة معه.

القديس باسيليوس الكبير

2. يسألهم القديس بولس أن ينشغلوا في حرية البنين، لا في أعمال الناموس كعبيد. "فكيف ترجعون أيضًا إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تستعبدوا لها من جديد؛ أتحفظون أيامًا وشهورًا وأوقاتًا وسنين؟"[9-10] هكذا يسحبهم اللَّه إلى نفسه، فكيف يعطونه ظهورهم منشغلين بالأمور الحرفية؟

نحن لا نحفظ العيد في حرفية كحافظين أيامًا، عالمين أن الرسول يوبخ من يفعل هذا، قائلاً: "أتحفظون أيامًا…؟" إنما نحسب اليوم مكرمًا بسبب العيد وبسبب الرب نفسه. فنجتمع معًا لكي نعبد اللَّه في كل مكان ونقدم صلوات ترضي اللَّه. فإن الطوباوي بولس يُعلن لا عن أيام، بل عن الرب الذي من أجله نحفظ العيد، قائلاً: "لأن فصحنا هو المسيح، قد ذُبح لأجلنا" (1 كو 5: 7)، حتى إذ نتأمل في أبدية "الكلمة" نقترب إليه ونخدمه.

- لا يُحسب العيد هكذا من أجل (حفظ) الأيام بل من أجل الرب الذي تألم لأجلنا. نحن نحتفل به، "لأن فصحنا المسيح قد ذُبح"؛ فإنه حتى موسى علّم إسرائيل ألا يعتبروا العيد انشغالاً بالأيام بل بالرب، قائلاً: "إنه فصح للرب" (خر 12: 11).

القديس أثناسيوس الرسولي

3. إذ ولّوا ظهورهم للَّه فقدوا خلاصهم، وقد حزن الرسول عليهم من أجل حبه لهم. أدرك أن تعبه الذي كلفه عرقًا وآلامًا صار باطلاً: "أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثًا" [11].

- لاحظوا حنو الرسول المترفق، فقد اهتزوا (إيمانا) وها هو يرتعب ويخاف... بقوله: "لئلا أكون قد تعبت فيكم عبثًا" يوحي إليهم بالإنذار مع التشجيع في رجاء صالح...

إنني أخاف لكنني لست يائسًا من جهتكم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. الحرية العملية للأيناء

بعد معالجته موضوع "التبرير بالإيمان العامل بالمحبة" من كل جوانبه، يقدم خبرة عملية في حياته كما في حياتهم، خاصة من جهة الحب المتبادل النابع عن إيمانهم الصادق.

1. لقد أراد من الغلاطيين أن يحذوا حذْوَه، وينسوا عبودية الناموس، من أجل الحرية الجديدة التي ينالونها في المسيح يسوع. فكما جحد القديس بولس مزايا التهود من أجل الكرازة بالإنجيل للأمم، هكذا يسألهم الآن أن يجحدوا المزايا المزعومة التي للتعاليم الباطلة ليصيروا كما هو في المسيح.

- "أتضرع إليكم أيها الإخوة كونوا كما أنا، لأني أنا أيضًا كما أنتم" [12].

هذا الحديث موجه إلى تلاميذه اليهود، مقدمًا نفسه مثالاً لهم لكي يحثهم على ترك عاداتهم القديمة... تأمّلوا فيَّ، فإنني كنت مرة في ذات وضعكم الفكري، خاصة من جهة غيرتي الملتهبة من جهة الناموس. لكنني بعد ذلك لم أخف من ترك الناموس لأنسحب من نظام هذه الحياة. هذا ما تعرفونه جيدًا كيف كنت في عنادٍ متعصبًا لليهودية، وكيف أنني بقوة أعظم تخلصت من هذا.

حسنًا قدم هذا الأمر في النهاية، فإن كثيرين متى قُدِمت لهم آلاف الأسباب والتبريرات يقتنعون بالأكثر بمن كان في نفس وضعهم ويتمسّكون بالأكثر بما يرونه قد تحقّق عمليًا في حياة الآخرين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

أظهر لهم أنهم خُدعوا بواسطة الإخوة الكذبة، لكنهم لا يحملون له بغضة شخصية، إذ يقول: "لم تظلموني شيئًا" [12].

- لاحظوا كيف يتحدث إليهم مرة أخرى ملقبًا إياهم بكرامة "أتضرع إليكم أيها الاخوة" [12]، مذكرًا إياهم بتعليم النعمة... فبعدما قطع الأمر معهم يسكب كالزيت تشجيعه لهم، مظهرًا أن كلماته لم تصدر عن بغضة أو عداوة، مذكرًا إياهم بالحب الذي أظهروه له، مازجًا تبريره لموقفه بمديحهم له، لذا يقول " لم تظلموني شيئًا" [12].

"ولكنكم تعلمون أنى بضعف الجسد بشرتكم في الأول؛ وتجربتي التي في جسدي لم تزدروا بها ولا كرهتموها، بل كملاك من اللَّه قبلتموني، كالمسيح يسوع" [13-14].

- فبالنسبة لكم ليس فقط لم تظلموني، بل أظهرتم لي حنوًا عظيمًا لا يُعبر عنه؛ فمن يُعامل هكذا يستحيل عليه أن يتكلم بدافعٍ شريرٍ. لغتي إذن لا يمكن أن تصدر عن إرادة شريرة؛ إنما تصدر عن حب واهتمام مفرط.

ألم يكن ذلك سخيفًا منهم أن يقبلوه كملاك اللَّه عندما كان مُضطهدًا ومطرودًا، ويرفضوه عندما يلزمهم بما هو مناسب لهم (من تعليم)؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

- هنا (غل 15:4،16) يظهر حيرته وتعجبه طالبًا أن يعرف منهم السبب في هذا التغير، فيقول لهم: من هو هذا الذي خدعكم وغيَّر موقفكم من جهتي؟ ألستم أنتم الذين أصغيتم إلىّ وخدمتموني، حاسبين إياي أثمن من عيونكم؟ فماذا حدث؟... كان يجب عليكم بالحري أن تزيدوني تقديرًا وتعيروني اهتمامكم، عِوض أن تتخذوني عدوًا لكم، لأني أخبركم بالحق، فإني لا أجد علة أخرى لمقاومتكم لي غير هذه (توجيههم للحق وتحذيرهم من الكذبة).

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email

شهادته بأن الغلاطيين أرادوا إن أمكن أن يعطوه عيونهم تشير إلى عمق العاطفة (الحب) السابقة نحوه واتساعهم بقبول إنجيله. يرى البعض أن العبارة [15] تلمح إلى أن المرض الذي أصاب القديس بولس كان يصيب عينيه، لذا أرادوا أن يهبوه أعينهم عِوض عينيه. أما الآن فقد تغيرت العلاقة بين الرسول والغلاطيين.

إشارة القديس بولس إلى تَمخُّضِه بهم [19] تقدمه كأم لهم "إلى أن يتصوّر المسيح فيهم". هذا الفكر الخاص بالميلاد الجديد يقدم تغيرًا جذريًا للكيان نفسه فلا يعود يحيا الإنسان بل المسيح يحيا فيه (20:2).

بعد إظهار الحب المتبادل بينه وبينهم، بكونهم أبناء اللَّه الحقيقيين الذين نالوا حرية وحبًا، يتحدث معهم عن رغبته الداخلية أن يفتقدهم ليروا إلى أي مدى يحبهم كأبٍ لهم يتألم بملء إرادته ليس فقط لكي يلدهم أبناء للَّه بل ويعينهم في نموهم.

- هنا (في العبارة 18) يلمح إلى أن غيابه هو السبب فيما حدث، مع أن البركة الحقيقية للتلاميذ هي تمسكهم بالآراء السليمة ليس فقط في حضرة معلمهم بل وفي غيابه أيضًا...

يُشبّه نفسه بأمٍ ترتعب من أجل أبنائها، "إلى أن يتصور المسيح فيكم" [19].

انظروا محبته الأبوية! تطلعوا إلى حزنه عليهم التي تليق به كرسول!...

لاحظوا إلتهابه [20] وعجزه عن الإحجام عنهم وكبت مشاعره. هذه هي طبيعة الحب، فإن الكلمات لا تكفي إنما يريد أن يكون حاضرًا بينهم، وهكذا - كما يقول - يود أن يغَّير صوته، أي يغيره إلى مرثاة وسكب الدموع، محولاً كل شيء إلى حزن. فإنه لم يستطع أن يظهر دموعه أو صرخات حزنه بكتابته الرسالة، هذا ما ألهب فيه الحنين إلى حضوره في وسطهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- التملق دائمًا غادر ومخادع ولين. حسنًا يصف الفلاسفة المتملق بأنه "عدو مفرح". أما الحق فمُر، له وجه كئيب وجبين مجعد، لا يستسيغه المُبكتون.

القديس جيروم

3. ابن الحرة وابن الجارية

- يعود (القديس بولس) ثانية إلى إبراهيم، لا على سبيل التكرار، وإنما بسبب شهرة هذا الأب (البطريرك) العظيمة لدى اليهود... لقد سبق فأظهر أن الغلاطيين هم أبناء إبراهيم، الآن يظهر أن أبناء هذا الأب ليسوا على مستوى واحد من الكرامة، واحد ابن الجارية، والآخر ابن الحرة. لقد أظهر أنهم ليسوا مجرد أبناؤه وإنما أيضًا أبناء بمعنى أنهم مولودون أحرارًا وشرفاء. هكذا هي قوة الإيمان.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إبراهيم ونسله

* نسل طبيعي - يكون كتراب الأرض (رمل البحار) - (تك 13: 16).

* نسل روحي - يكون كنجوم السماء - (تك 22: 17؛ غل 3: 26، 29).

على غرار النظام الحاخامي تطلع الرسول بولس إلى زوجتيّ إبراهيم بطريقة رمزية (تك 16: 15؛ 21: 1-21).

1. كانت سارة حرة، وُلد ابنها اسحق خلال "وعد" - وقد اُستخدمت هذه الكلمة "وعد" منذ البداية كإشارة إلى الإنجيل (8:3،14 ، 16-18). أما هاجر فجارية، وُلد ابنها حسب الجسد (الطبيعة).

- كن حرًا، وتحرر من كل عبودية مدمرة! إن لم تكن حرًا لا تستطيع أن تعمل لأجل المسيح؛ فإن هذا الملكوت الذي في أورشليم السماوية الحرة لا يتقبل أبناء العبودية. أبناء الأم الحرة هم أحرار (رو 8: 15)، لا يُستعبدون للعالم في شيء [23].

الأب يوحنا المتوحد

2. يمتد القديس بولس بالفكر الرمزي معرفًا الزوجتين بكونهما عهدين أو تدبيرين مختلفين، مفترضًا عهدًا قديمًا والآخر جديدًا. ترمز سارة إلى النعمة، بينما هاجر إلى الناموس.

- للمسيحية ميلادها السامي، رُمز إليه سريًا بابن إبراهيم المولود من الحرة، بينما ابن الجارية يرمز لعبودية اليهوديّة الناموسية.

العلامة ترتليان

3. ترمز سارة إلى الكنيسة، بينما تمثل هاجر مجمع اليهود.

4. كانت سارة رمزًا للحياة بالروح، بينما هاجر للحياة حسب الجسد.

5. تشير سارة إلى أورشليم السماوية، بيت المسيحيين وأمهم، إذ يفرحون في حرية الإنجيل. وتشير هاجر إلى أورشليم الأرضية. تقدم أورشليم الجديدة أكثر جدًا مما تقدمه أورشليم القديمة. تقدم الحرية أمورًا أعظم مما تقدمه العبودية، وما يقدمه الإنجيل أعظم مما يقدمه الناموس.

6. سارة لها أبناء أحرار وورثة، بينما لهاجر عبيد.

7. لم ينعم إسماعيل ببركات الابن في بيت إبراهيم، بل تُرك خارجًا كما في البرد مع كونه البكر جسديًا؛ أما اسحق فدُعي لذا نحن ورثة الوعد الروحي.

[هنا يُنظر إلى اسحق كرمز للمسيحيين وإسماعيل كرمز للمتهودين].

8. يقرر النص العبري لسفر التكوين (9:21)، أن إسمَعيل كان يمزح مع اسحق، وقد جاء في التفسير الحاخامي لسفر التكوين الذي لرابا Rabbah أن الكلمة العبرية التي ترجمت "يمزح، أو يداعب أو يضحك" تحمل معنى رديئًا. بحسب التقليد اليهودي "أمسك إسمَعيل قوسًا وأسهمًا وبدأ يضرب السهام نحو اسحق كمن يمزح". وقد استخدم القديس بولس هذا التقليد لتطبيقه بخصوص خبرة الغلاطيين مع المتهودين.

- وُلد اسحق ليس حسب نظام الطبيعة، ولا بحسب ناموس الزواج، ولا بقوة الجسد، ومع ذلك فهو بالحقيقة ابنه. لقد صدر عن جسدين ميتين، وعن رحم ميت؛ فلم يكن الحبل به بواسطة الجسد، ولا ميلاده حسب البذار، لأن الرحم كان ميتًا بحكم السن والعقر، إنما كلمة اللَّه (الوعد الإلهي) شكلته. لم يكن الأمر هكذا بخصوص الجارية، فقد جاء الابن بحكم ناموس الطبيعة. ومع هذا فإن الذي لم يُولد حسب الجسد كان أعظم كرامة من ذاك الذي وُلد حسب الجسد.

- من هي هذه التي كانت قبلاً عاقرًا ومستوحشة؟ واضح أنها كنيسة الأمم، إذ كانت قبلاً محرومة من معرفة الله. من هي هذه التي لها زوج؟ واضح أنها مجمع اليهود. لكن أولاد العاقر صاروا أكثر من أولادها، لأن الأخيرة ضمت أمة واحدة أما أبناء الكنيسة فملأوا مدن اليونانيين والبرابرة، والأرض والبحر وكل المسكونة.

لاحظ كيف قدمت سارة بأعمالها (إنجاب اسحق) والأنبياء بنبواتهم ما قد تحقق معنا (تمتع الكثيرين بالبنوة للَّه). لاحظ كيف أن الذي دعاها إشعياء عاقرًا برهن بولس أن لها أولادًا كثيرين، الأمر الذي حدث رمزيًا مع سارة، فمع كونها عاقرًا صارت أمًا لأبناء كثيرين.

على أي الأحوال هذا لم يكفِ بولس، بل تتبع بدقة الطريقة التي بها صارت العاقر أمًا، إذ جاء الرمز مطابقًا للحق. لهذا أضاف "وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد" [28]... لقد قصد بذلك الكنيسة التي لم تعرف اللَّه، لكنها ما أن عرفته حتى فاقت المجمع الذي كان مثمرًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم


1 و انما اقول ما دام الوارث قاصرا لا يفرق شيئا عن العبد مع كونه صاحب الجميع
2 بل هو تحت اوصياء و وكلاء الى الوقت المؤجل من ابيه
3 هكذا نحن ايضا لما كنا قاصرين كنا مستعبدين تحت اركان العالم
4 و لكن لما جاء ملء الزمان ارسل الله ابنه مولودا من امراة مولودا تحت الناموس
5 ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني
6 ثم بما انكم ابناء ارسل الله روح ابنه الى قلوبكم صارخا يا ابا الاب
7 اذا لست بعد عبدا بل ابنا و ان كنت ابنا فوارث لله بالمسيح
8 لكن حينئذ اذ كنتم لا تعرفون الله استعبدتم للذين ليسوا بالطبيعة الهة
9 و اما الان اذ عرفتم الله بل بالحري عرفتم من الله فكيف ترجعون ايضا الى الاركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون ان تستعبدوا لها من جديد
10 اتحفظون اياما و شهورا و اوقاتا و سنين
11 اخاف عليكم ان اكون قد تعبت فيكم عبثا
12 اتضرع اليكم ايها الاخوة كونوا كما انا لاني انا ايضا كما انتم لم تظلموني شيئا
13 و لكنكم تعلمون اني بضعف الجسد بشرتكم في الاول
14 و تجربتي التي في جسدي لم تزدروا بها و لا كرهتموها بل كملاك من الله قبلتموني كالمسيح يسوع
15 فماذا كان اذا تطويبكم لاني اشهد لكم انه لو امكن لقلعتم عيونكم و اعطيتموني
16 افقد صرت اذا عدوا لكم لاني اصدق لكم
17 يغارون لكم ليس حسنا بل يريدون ان يصدوكم لكي تغاروا لهم
18 حسنة هي الغيرة في الحسنى كل حين و ليس حين حضوري عندكم فقط
19 يا اولادي الذين اتمخض بكم ايضا الى ان يتصور المسيح فيكم
20 و لكني كنت اريد ان اكون حاضرا عندكم الان و اغير صوتي لاني متحير فيكم
21 قولوا لي انتم الذين تريدون ان تكونوا تحت الناموس الستم تسمعون الناموس
22 فانه مكتوب انه كان لابراهيم ابنان واحد من الجارية و الاخر من الحرة
23 لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد و اما الذي من الحرة فبالموعد
24 و كل ذلك رمز لان هاتين هما العهدان احدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر
25 لان هاجر جبل سيناء في العربية و لكنه يقابل اورشليم الحاضرة فانها مستعبدة مع بنيها
26 و اما اورشليم العليا التي هي امنا جميعا فهي حرة
27 لانه مكتوب افرحي ايتها العاقر التي لم تلد اهتفي و اصرخي ايتها التي لم تتمخض فان اولاد الموحشة اكثر من التي لها زوج
28 و اما نحن ايها الاخوة فنظير اسحق اولاد الموعد
29 و لكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الان ايضا
30 لكن ماذا يقول الكتاب اطرد الجارية و ابنها لانه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة
31 اذا ايها الاخوة لسنا اولاد جارية بل اولاد الحرة




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 5 جـ1 PDF Print Email

الحرية المسيحية


في الأصحاح السابق حثنا القديس بولس على التمسك بالبنوة لله، الأمر الذي لم يكن ممكنًا للناموس أن يقدمه. الآن يوضح مفهوم حرية البنين، حتى لا يُساء فهمها أو استخدامها.

1. خطورة الحرفية على الحرية المسيحية 1-12.

2. حرية الحب والانحلال 13-15.

3. الحرية والسلوك بالروح 16-26.

1. خطورة الحرفية على الحرية المسيحية

قرار الإنسان بخصوص الختان - كعملٍ ناموسيٍ ملزم للخلاص - له مفهومه المتسع. فقبوله أساسًا يعنى أن الإنسان يضع نفسه تحت سلطان الناموس كله بثوبه الحرفي. فإن كانت الحرية المسيحية هي إحدى ثمار الخلاص بالنعمة، يدركها المؤمن في ربنا يسوع المسيح ومن خلاله (4: 3-5)، فإننا بالنعمة نتمتع بالتحرر من نير الناموس الموسوي في ثوبه الحرفي؛ هذا لا يعني أن الحرية هي كسر للناموس أو تهاون في حفظ الوصايا.

السيد المسيح ليس برجل شرطة، بل هو حمل اللَّه الذي يحمل خطايا العالم (يو 1: 29)؛ بالنعمة يصير الإنسان خاضعًا لناموس المسيح ومتممًا له بفرح (2:6)، بكونه ابنًا يسكنه الروح، ويتقوى به (4: 1-7)، يحمل رغبة داخلية وقوة ليظل حيًا، يمارس ناموس اللَّه الأخلاقي. في ظل عهد النعمة الجديد يعمل الروح القدس في طبيعة المؤمن الجديدة، فيجعله مريدًا أن يطيع إرادة اللَّه، ويذعن لناموسه السلوكي (عب 10: 16).

يدرك المؤمن أيضًا أنه سيدان على أعماله كإعداد للتمتّع بالسماء وعليه أن يضع باستمرار في ذهنه أن حريته الحقيقية قد جاءت به إلى الخضوع الكامل للسيد المسيح، وأنه عبد له يلتزم بطاعته على الدوام (رو 12: 1). قد يبدو في هذا تناقض، لكن المسيحي يكتشف أنه يتمتع بأعظم حرية حين يستعبد نفسه بالتمام لربنا يسوع المسيح.

"فاثبتوا إذًا في الحرية التي حررنا المسيح بها، ولا ترتبكوا أيضًا بنير عبودية"[1].

- انظروا، كم من الطرق يقودهم بها بعيدًا عن خطأ التهود!

أولاً: يُظهر أنه غاية الحماقة أن يبتغى أولئك الذين صاروا أحرارًا بعد العبودية العودة إلى العبودية عِوض الحرية.

ثانيًا: أنهم سيدانون على تجاهلهم مصدر النعم التي نالوها وجحودهم إياه، باحتقارهم من يخلصهم وحبهم لمن يستعبدهم.

ثالثًا: بقوله "اثبتوا" يُشير إلى تذبذبهم...

القديس يوحنا الذهبي الفم

- "إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئًا" [2].

"ها أنا بولس أقول لكم" [2]؛ تعبير يقدمه من هو واثق فيما يؤكده...

من يُختتن إنما يختتن لأجل خوفه من الناموس، ومن يخاف الناموس لا يثق في قوة النعمة، ومن لا يثق لا يمكنه أن يتلقى نفعًا مما لا يثق فيه...

إن قال أحد إن في هذا تناقض، مثل هذا لا يؤمن بالمسيح ولا بالناموس أيضًا بل يقف (مذبذبًا) بينهما، راغبًا في الانتفاع بكليهما، بالواحد والآخر، لكنه لا يحصد شيئًًا....

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أجزاء الناموس مرتبطة بعضها ببعض... فبالنسبة (للرسول) إذا ما وضعت على عاتقك جزءًا صغيرًا منه تخضع للنير كله، وتجلب على نفسك سلطانه الكامل عليك... فمثلاً: الختان مرتبط بالذبيحة وحفظ الأيام، والذبيحة أيضًا مرتبطة بحفظ الأيام والمكان وتتضمن تفاصيل خاصة بتطهيرات لا تنتهي تضم حشدًا كاملاً من طقوس متنوعة...

فإن اختتنت، لكن ليس في اليوم الثامن؛ أو كان في اليوم الثامن لكن دون تقديم ذبيحة؛ أو قُدمت الذبيحة لكن ليس في الموضع المحدد لها؛ أو كانت في الموضع المعين لها ولكن ليس حسب الطقوس؛ أو كانت حسب الطقوس لكنك لم تكن طاهرًا؛ أو كنت طاهرًا لكنك لم تتطهر حسب الأحكام السليمة، يُحسب كل شيء لغوًا، لذلك يقول: "إنه ملتزم أن يعمل بكل الناموس" [3].

- إن كان الناموس ضروريًا، يكون هكذا ككلٍ، وليس في جزء منه؛ ليس في وصية واحدة؛ وإن كان ضروريًا ككل ينزع برّ الإيمان شيئًا فشيئًا. إن كنت تحفظ السبت، فلماذا لا تُختتن أيضًا؟ وإن اختتنت فلماذا لا تُقدم ذبائح؟ إن كان يجب حفظ الناموس فليحفظ ككل أو لا يُحفظ ككل.

- في النهاية يُعلن خطورة عقابهم الصارم [4]. عندما يعود إنسان إلى الناموس العاجز عن أن يخلصه، يسقط من النعمة، ماذا يتبقى له سوى الجزاء بلا رحمة، فإن الناموس بلا قوة كي يسنده والنعمة ترفضه؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

هل بالإيمان نكسر الناموس؟

لسنا نكسر الناموس، ولا حتى في طقوسه. فالذبائح على سبيل المثال فد تحققت في ذبيحة المسيح الذاتية الفريدة، المقدمة لحساب كل المؤمنين. والختان تحقق روحيًا بطريقة كاملة في المعمودية. والسبت يحفظ روحيًا كل أيامنا كَسَبْتٍ (راحة) في المسيح.

- نحن نفهم أننا لا نزال ملتزمين بحفظ السبت من كل "عمل عبودي"، نحفظه على الدوام وليس فقط في اليوم السابع، خلال كل الزمن.

العلامة ترتليان

- "فإننا بالروح من الإيمان نتوقع رجاء بره" [5]. يقول إننا لسنا في حاجة إلى حفظ أي طقس ناموسي (حرفي)؛ الإيمان فيه الكفاية لنوال الروح، وبالروح ننال البرّ مع منافع كثيرة وعظيمة.

القديس يوحنا ذهبي الفم

واضح أن حديث القديس يوحنا الذهبي الفم هنا يخص عدم قبول طقوس الناموس الحرفية كالختان وحفظ السبت والذبائح الحيوانية والتطهيرات كطريق الخلاص، إنما الحاجة إلى الإيمان "العامل بالمحبة" الذي فيه الكفاية مرتبطًا بالتوبة والعماد والمحبة، كما هو واضح من تكملة أحاديثه التي يوردها فيما بعد.

ما هو معنى: «السقوط من النعمة «[4]؟

1. تعني إقصاء إنجيل النعمة الحق، عندما يتكل المؤمن على برِّه الذاتي أو يحفظ الناموس الموسوي في ثوبه الحرفي كمصدر الخلاص والبرّ.

2. عندما يستهين المؤمن بالنعمة، بأن يزرع للجسد شهواته الجسدية، فيحصد فسادًا أخلاقيًا عِوض ثمار الروح القدس، لذا يليق بنا تكريم النعمة الإلهية.

الإيمان العامل بالمحبة

الإيمان بالمسيح المحرر العامل بالمحبة [6]. ربما كان في ذهن القديس بولس هنا (المحبة) المتبادلة بين اللَّه والإنسان. حب اللَّه يحرك الإنسان فيستجيب له، مطيعًا الوصية كتعبيرٍ عن الحب.

- لاحظ جرأته العظيمة في مواجهتهم، إذ يقول إن الذي لبس المسيح يلتزم ألا يهتم بهذه الأمور (حفظ الطقس الناموس الحرفي) [6]...

ما هو معنى "العامل بالمحبة"؟ إنه يصفعهم هنا بقوة، مظهرًا لهم أن هذا الخطأ قد زحف إليهم لأن محبة المسيح لم تتأصل في داخلهم. الإيمان ليس هو كل ما يُطلب، إنما يجب أن يثبتوا في المحبة. كأنه يقول: أتحبون المسيح كما ينبغي؟ لا ترتدوا إلى العبودية، وتتخلوا عن ذاك الذي خلصكم؛ لا تزدروا بمن منحكم الحرية.

لقد أراد بهذه الكلمات أيضًا أن يصحح مسار حياتهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- هذا الإيمان يميزنا عن إيمان الشياطين ( يع2: 19)، وعن سلوك الدنسين الفاسدين...

انزع الإيمان يتبدد كل ما تعتقد به! انزع الحب، تتبدد كل أعمالك! فإن عمل الإيمان أن تعتقد والمحبة أن تعمل!

- ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند اللَّه، بل الذين يعملون بالناموس هم يتبررون (رو 2: 13)، "الإيمان العامل بالمحبة"، "سلام عظيم لمحبي ناموسكم، ولا شيء يسيء إليهم!"

- لست أحثكم على الإيمان بل على الحب. فإنكم لا تقدرون أن تقتنوا الحب بدون الإيمان؛ أقصد حب اللَّه والقريب؛ إذ كيف يوجد دون الإيمان؟ كيف يمكن لإنسان أن يحب اللَّه ما لم يؤمن به؟ كيف يمكن للجاهل أن يحب اللَّه، الذي يقول في قلبه ليس إله (مز 53: 1). يمكنك أن تؤمن بأن المسيح جاء دون أن تحبه، لكن لا يمكنك أن تحبه وأنت تقول بأنه لم يأتِ!.

القديس أغسطينوس

الطاعة في الحب

وُصفت الطاعة [7-12] في الحب كطاعة "للحق" الإنجيلي، إذ خشي الرسول لئلا يكون قارئوه نافرين منها.

- الذي دعاكم [8]، لم يدعكم إلى مثل هذه التقلبات، لم يضع ناموسًا أن تتهودوا.

- "خميرة صغيرة تخمر العجين كله" [7]. بهذا يقول إن الخطأ الطفيف - إن لم يصحح - يكون (كالخميرة الصغيرة التي تخمر العجين) قادرًا على قيادتكم إلى تهود كامل.

- في كل موضع يربط شكواه ضدهم بمديحه لهم, هنا [10] يبدو كمن يقول: إنني أعرف تلاميذي، وأدرك استعدادكم للاستقامة. لي رجاء عظيم (فيكم)، جزئيا لأن الرب لا يسمح بهلاك شيء مهما كان تافهًا، ولأنكم ترجعون هكذا إلى إصلاح أنفسكم سريعًا. في نفس الوقت ينصحهم ان يجاهدوا من جانبهم، إذ لا يمكننا التمتع بالمعونة من قبل الله ما لم نجاهد من جانبنا...

يحثهم(الرسول) ليس فقط بكلمات التشجيع وإنما بنطقه باللعنة مع التنبؤ ضد معلميهم (الكذبة). لاحظ أنه لم يشر قط إلى أسماء هؤلاء المتآمرين حتى لا يزداد المتآمرون جسارة (وعنفًا).]

القديس يوحنا الذهبي الفم

- "وأما أنا أيها الإخوة، فإن كنت بعد أكرز بالختان، فلماذا أُضطهد بعد ؟" [11]…

إن كنت بعد أبشر بالختان، فلماذا أُضطهد؟ إن هذا هو الاتهام الوحيد الذي يوجهه ضدي الذين هم من أصل يهودي. لو أنني سمحت لهم بحفظ عادات آبائهم مع قبولهم الإيمان لما نَصبَ لي المؤمنون منهم وأيضًا غير المؤمنين فخاخًا، متطلعين إليّ أنني لم أعق استخدام ممارساتهم.

ماذا إذًا، ألم يكرز (الرسول) بالختان؟ ألم يختن تيموثاوس؟ حقًا، لقد ختنه. فلماذا يقول: "لم أكرز به"؟ لاحظ دِقّته، إذ لم يقل: "إنني لم أقم بالختان" إنما قال: "لم أكرز به"، بمعنى إني لم آمر الناس أن يؤمنوا به. إذًا لا تحسبوا هذا تأكيدًا لتعليمكم، فإني وإن كنت قد اختتنت لكنني لا أكرز به...

عندما جاءوا باسطفانوس أمام المجمع، لم يقولوا: "هذا الرجل يعبد المصلوب"، إنما قالوا إنه "يتكلم كلامًا تجديفًا ضد هذا الموضع المقدس والناموس" (أع 6: 13). هذا هو الاتهام الذي وجهوه أيضًا ضد يسوع: إنه كسر الناموس. لذلك يقول بولس: لو سلمنا بالختان يهدأ النزاع القائم بينكم ولا توجد عداوة للصليب وتستمر كرازتنا...

إنه يدعو (عدم الكرازة بالختان) عثرة الصليب، لأنها ارتبطت بالتعليم به؛ هذا ما أعثر اليهود أساسًا وعامتهم عن قبول الصليب، أعنى الوصية بهجر ممارسات آبائهم.

- لاحظ هنا كيف يتحدث بمرارة ضد مخادعيهم [12]. في البداية وجه الاتهام ضد المخدوعين ودعاهم "أغبياء" مرة ومرات. الآن إذ صحح مسارهم وأرشدهم بما فيه الكفاية تحول إلى المخادعين لهم...

حسنًا يقول: "الذين يقلقونكم"، إذ يلزمونهم على ترك وطنهم وحريتهم وعشيرتهم السماوية، ليتغربوا في أرض أجنبية؛ طردوهم من أورشليم العليا والحرة وألزموهم أن يجولوا كأسرى ومهاجرين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. حرية الحب والانحلال

تكمن الخطورة في أن يقود التحرر من الطقوس الناموسية المؤمنين إلى المبالغة، هذه التي لا يمكننا الاحتماء منها إلا بممارسة أعمال الحب المسيحي. إنجيل النعمة يحمينا ضد التسيب [13-15]، إذ يجب ألا نخلط بين الحرية والانحلال. فالتحرر من الشرائع التي هي تحت الناموس لا تعني التخلي عن الالتزام. ولكن عِوضًا عن ذلك، يدعونا إلى تحمل مسئوليات أعظم للحياة تحت النعمة، فالإنجيل يطالبنا بما هو أكثر وليس ما هو أقل مما يطلبه الناموس، فإنه وإن طالبنا فقط بالحب، لكنه لم يحدد مضمون هذا الطلب الواحد وحدوده مقدمًا.

- "فإنكم إنما دعيتم للحرية أيها الإخوة، غير أنه لا تُصيّروا الحرية فرصة للجسد" [12]...

انكسرت قيود الناموس، أقول هذا لا ليهبط مستوانا بل ليرتفع...

هكذا يقول بولس إن المسيح يرفع عنك النير، لا لتثب وترفس، بل لكي بغير النِير تتقدم سريعًا إلى الأمام، مُظهرًا الكيفية التي بها يتحقق هذا بسهولة؛ ما هي هذه الكيفية؟ يقول: "بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضًا" [13]...
القديس يوحنا الذهبي الفم

السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email

3. الحرية والسلوك بالروح

إننا نسيء إلى حريتنا بالآتي:

1. الافتقار إلى الحب (5: 13-15): إذ تُمارس الحرية بلا حب يحدث دمار مزدوج، شجار وعنف "كل الناموس في كلمة واحدة يَكمل: تحب قريبك كنفسك" [14].

2. تجاهل السلوك بالروح [16]: كما أن الحب هو المحتوى اللائق بالحرية، هكذا الروح هو البيئة المناسبة لها؛ يهب الحرية قوة وإرشادًا. نظن أن الحرية إنما تقودنا لنحيا كما يحلو لنا ونفعل ما يعجبنا، لكن النعمة تقودنا لنحيا بفرحٍ حسبما يُسر اللَّه، ونحب ما يحبه هو. يؤكد الرسول أن غاية الناموس الموسوي أن يجتذب الإنسان إلى السيد المسيح لأجل الخلاص وحياة القداسة العملية. كما يقدم الالتزام البشري بقدسيةٍ عملية، قائلاً: "اسلكوا بالروح " [16]. لنا الخيار أن نسلك بقوة الروح أو نكمل "أعمال الجسد" (5: 9-21). المنافسة في حياة الإنسان قائمة بين شهوات الروح وشهوات الجسد (رو8: 4).

- من يحب قريبه كما يجب يميل أن يصير خادمًا له بأكثر تواضع من أي خادم...

عندما يُرفع نير الناموس عنهم يُوضع نير آخر حتى لا يثبون هنا وهناك؛ نير الحب الأقوى من النير الأول، ومع هذا فهو أخف وأعذب. ولكي يوضح الرسول كيف نطيعه أضاف: لأن كل الناموس في كلمة واحدة يكمل: "تحب قريبك كنفسك" [14]...

يقول: "إن أردت أن تتممه لا تختتن، إذ لا يكمل الناموس بالختان بل بالحب".

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. بالحياة الدنسة [16-26]: منحنا السيد المسيح الروح القدس ليحررنا من الأعمال الشريرة، خاصة الشهوات الجسدية (19-21). دعْ الروح القدس يقود حياتك خلال الحرية، هذا الذي ثمره يقف ضد أعمال الجسد. هذا الثمر (في صيغة المفرد) هو الحصاد الكامل لبرّ المسيح، يتجلى في حياتنا وعلاقتنا مع:

- اللَّه: محبة، فرح، سلام.

- الآخرين: طول أناة، لطف، صلاح.

- أنفسنا: إيمان، وداعة، تعفف.

إن عشنا في المسيح (يو 15) نصير أحرارًا، نحمل ثمرًا من اللَّه. هل نُظهر هذا الثمر في حياتنا؟

- "فإن كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضًا، فانظروا لئلا تفنوا بعضكم بعضًا " [15]...

هذه هي لغة التفهّم والتحذير لا الإدانة... أن تنهشوا تعني إشباعًا لشهوة الغضب، والأكل علامة الوحشية الضارية في أقصى درجاتها...

الخصام والانشقاق يدمران ويهلكان حتى من يستخدمهما، ويأكلان كل شيء أكثر من العث...

إذ يتحدث عن علة المرض هكذا يورد العلاج الذي يرد الصحة. يقول: "اسلكوا بالروح، فلا تكملوا شهوة الجسد" [16]. يتهم البعض الرسول بأنه قسّم الإنسان إلى جزئين... لكن الأمر ليس هكذا، فإنه بالتأكيد لم يقصد بكلمة "الجسد" الجسم فلو كان يعني هذا فما معنى إضافةه تعبير: "شهوة الجسد ضد شهوة الروح"؟... لقد اعتاد أن يدعو الإرادة الفاسدة لا الطبيعة "جسدًا"، مثل قوله: "لكنكم لستم في الجسد بل في الروح" (رو 8: 8-9)، وأيضًا: "الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا اللَّه"...

ماذا إذًا يعني بالجسد؟ الفكر الأرضي، الكسل واللامبالاة، هذا ما يعنيه هنا بالجسد، وهو ليس اتهامًا للجسم إنما هو اتهام ضد النفس الخاملة. الجسد أداة؛ لا يبغض أحد الأداة أو يكرهها، لكن يبغض من يسيء استخدامها…

في استخدامه تعبير "الجسد يشتهي ضد الروح" يعني حالتين للعقل؛ يضاد إحداهما الأخرى، أعني تضاد بين الفضيلة والرذيلة، وليس تضاد بين النفس والجسم...

إنه يُشير إلى الصراع بين المبادئ الشريرة والمبادئ الصالحة؛ إلى الإرادة أو عدم الإرادة التي تخص النفس، لذلك يقول: "وهذان يقاوم أحدهما الآخر" حتى لا تُترك النفس مستمرة في شهواتها الشريرة...

من يبلغ مكانًا رفيعًا ساميًا بدافع داخلي لا يحتاج إلى معلم، ومن كان فيلسوفًا لا يحتاج إلى عالم نحو؛ لماذا إذًا تنزلون بأنفسكم هكذا الآن لتنصتوا إلى الناموس بعدما سلمتم أنفسكم للروح؟…

أجبني الآن، يا من تتهم جسدك وتحسبه عدوًا وخصمًا. لنقبل ما تؤكدونه بأن الزنا والعهارة يصدران عن الجسد، ولكن الكراهية والشقاق والصراع والنزاع والبدع والسحر هذه إنما تنبع عن مجرد اختيار سلوكي فاسد. وهكذا بالنسبة للأخطاء الأخرى أيضًا، كيف يمكن أن ننسبها للجسد؟ ها أنتم تلاحظون أنه لا تتحدث (هذه الرذائل) عن الجسم بل عن أفكار أرضية، تزحف على الأرض...

"وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام..." [22]

لاحظ أن حديثه لا يرتبط بكيان الجسم بل بالاختيار الأخلاقي الذي قد يكون فاسدًا أو غير فاسد.

النفس التي تبلغ إلى السمو بواسطة الروح لا تحتاج إلى تذكير الناموس لها. هنا أيضًا يرفض الناموس تمامًا وبشدة، لا لأنه شرير، وإنما لأنه أقل من الفلسفة (الحكمة) التي أُعطيت بواسطة الروح...

إنه لا يعني أنهم دمروا أجسامهم، وإلا كيف هم عائشون؟…

"إن كنا نعيش بالروح فلنسلك أيضًا بحسب الروح..." "لنسلك"، أي لنكتفِ بقوة الروح ولا نطلب عون الناموس.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يضع (الرسول) أمامنا هذا الصراع. ننشغل في هذا المعركة إن كنا في شهوات الجسد ضد الروح والروح ضد الجسد.

- عندما تنتهي هذه الحرب تتحول كل الشهوات إلى حب، ولا يبقى في الجسد شيء ما يضاد الروح، لا يبقى ما يُروض أو يُكبح جماحه أو يُخضع إنما يسير كل شيء بتناغم مع البرّ وتتم إرادة اللَّه في السماء والأرض.

القديس أغسطينوس

كلمة « جسد »

- تُستخدم كلمة "جسد" في الكتاب المقدس بمعانٍ مختلفة: أحيانًا تعني الإنسان بكلّيته (يو 1: 14)... أحيانًا تُستخدم لتمثل الإنسان الخاطئ الجسداني (تك6 : 3)... أحيانًا تُستخدم لتعبر عن الخطايا نفسها (رو8: 9)... وأحيانًا تمثل القرابة والصلة (1 كو 15: 50)... هنا تستخدم الكلمة ببساطة لتعني الإنسان الخاطئ.

الأب دانيال

- الجسد الذي امتزج بالخطية يجد راحته في أعمال الجسد، أما روح اللَّه فيجد راحته في ثمره.

مار اسحق السرياني

- في الأشرار تملك الخطية على نفوسهم حيث تستقر كما على عرشها الخاص بها في هذا الجسد المائت حيث تطيع النفس (وتستجيب) للشهوات (رو 6: 12)....

العلامة أوريجينوس

الجسد وأعمال الجسد

- طالما نحن مثقلون بهذا الجسد الضعيف، مادام لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية (2 كو 4: 7)، مادام الجسد يشتهى ضد الروح والروح ضد الجسد، لا تتحقق لنا نصرة أكيدة.

القديس جيروم

- فأقول هذا أيها الإخوة إن لحمًا ودمًا لا يقدران أن يرثا ملكوت اللَّه (1 كو 15: 50)... بكلمة "جسد" نؤمر أن نتجنبه؛ لا تجنب المادة بل أعمال الجسد، لذلك فإنه باستخدام نفس الكلمة يتبرأ ملكوت اللَّه من أعمال الجسد لا من كيانه؛ فإنه لا يُدان الجسد الذي حدث فيه الشر... وضع السُم هو جريمة، لكن الكأس الذي اُستخدم لا ذنب له. فالجسد هو إناء لأعمال الجسد بينما النفس هي التي تمزج السم كعمل شرير.

العلامة ترتليان

لا نستطيع تجاهل دور الجسم مع النفس بكونهما يعملان معًا في غير ثنائية، في تصرفات الإنسان الشريرة أو الصالحة.

جدير بالذكر أن نلاحظ الفرق بين الجسم والجسد؛ لأن الجسم هو خلقة صالحة وعطية من قبل اللَّه. إنه ليس إناء أو موضعًا مجردًا للنفس، لأن الكائن البشري وحدة واحدة بلا ثنائية: جسد ونفس. أفكار الإنسان وأقواله وأعماله أو حتى مشاعره تخصه ككائنٍ بشريٍ. الجسد والنفس يعملان معا ويتحملان ذات المسئولية وينالان مكافأة مشتركة. آباء الإسكندرية - ربما فيما عدا أوريجينوس- كانت لهم نظرة قدسية للجسم.

- نظام الجسد المتناغم يساعد على الفهم الذي يقود إلى صلاح الطبيعة...

من يكرس نفسه للحياة الصالحة وهو في الجسد، يدخل إلى حالة خلود.

القديس إكليمنضس السكندري

- (الروح القدس) يحث (المؤمن) على الدوام أن يجاهد جسدًا وروحًا، لكي ما يتقدسا على ذات المستوى، ويستحقا ان يرثا الحياة الأبدية بالتساوي.

- إنه يشعل (في النفس)غيرة لإدراك تطهير كامل للنفس مع الجسد ليصير الاثنان واحدًا في النقاوة. هذا هو هدف تعليم الروح القدس وإرشاده أن يطهرهما تمامًا ويردهما إلى حالتهما الأصلية قبل السقوط، بتدمير كل ما فيهما من نجاسات حلت بهما بسبب حسد الشيطان، حتى لا يوجد فيهما شيء مما للعدو.

- بهذه الطريقة يعتاد الجسد كله على كل صلاح، خاضعًا لقوة الروح القدس، فيتغير تدريجيًا، حتى أنه في النهاية يشترك -إلى حد ما- في سمات الجسد الروحي الذي نتقبله في قيامة الأبرار.

القديس أنبا أنطونيوس الكبير

ثمر الروح

- من ليس له المسيح ليس له ثمر...

لا تتعجب مما يحدث بعد ذلك، عندما تقود المحبة الطريق.

القديس أغسطينوس

- ليس إرادة اللَّه ألا نستفيد من النعمة التي حصلنا عليها؛ إنه يطالبنا أن نتألم (نجاهد) فيهبنا ثماره كما يقول الطوباوي بولس [22].

القديس أثناسيوس السكندري

1 فاثبتوا اذا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها و لا ترتبكوا ايضا بنير عبودية
2 ها انا بولس اقول لكم انه ان اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئا
3 لكن اشهد ايضا لكل انسان مختتن انه ملتزم ان يعمل بكل الناموس
4 قد تبطلتم عن المسيح ايها الذين تتبررون بالناموس سقطتم من النعمة
5 فاننا بالروح من الايمان نتوقع رجاء بر
6 لانه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئا و لا الغرلة بل الايمان العامل بالمحبة
7 كنتم تسعون حسنا فمن صدكم حتى لا تطاوعوا للحق
8 هذه المطاوعة ليست من الذي دعاكم
9 خميرة صغيرة تخمر العجين كله
10 و لكنني اثق بكم في الرب انكم لا تفتكرون شيئا اخر و لكن الذي يزعجكم سيحمل الدينونة اي من كان
11 و اما انا ايها الاخوة فان كنت بعد اكرز بالختان فلماذا اضطهد بعد اذا عثرة الصليب قد بطلت
12 يا ليت الذين يقلقونكم يقطعون ايضا
13 فانكم انما دعيتم للحرية ايها الاخوة غير انه لا تصيروا الحرية فرصة للجسد بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضا
14 لان كل الناموس في كلمة واحدة يكمل تحب قريبك كنفسك
15 فاذا كنتم تنهشون و تاكلون بعضكم بعضا فانظروا لئلا تفنوا بعضكم بعضا
16 و انما اقول اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد
17 لان الجسد يشتهي ضد الروح و الروح ضد الجسد و هذان يقاوم احدهما الاخر حتى تفعلون ما لا تريدون
18 و لكن اذا انقدتم بالروح فلستم تحت الناموس
19 و اعمال الجسد ظاهرة التي هي زنى عهارة نجاسة دعارة
20 عبادة الاوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط تحزب شقاق بدعة
21 حسد قتل سكر بطر و امثال هذه التي اسبق فاقول لكم عنها كما سبقت فقلت ايضا ان الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله
22 و اما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول اناة لطف صلاح ايمان
23 وداعة تعفف ضد امثال هذه ليس ناموس
24 و لكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الاهواء و الشهوات
25 ان كنا نعيش بالروح فلنسلك ايضا بحسب الروح
26 لا نكن معجبين نغاضب بعضنا بعضا و نحسد بعضنا بعضا




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 6 جـ1 PDF Print Email

الحرية والحب العملي

 

قانون السيد المسيح هو الحب، يعلنه عمليًا في صليبه (1 كو 9: 21-23). فإننا إذ نشترك في صليبه نُصلب عن ذواتنا كما عن العالم، لنقدم حياتنا مبذولة مملوءة حبًا لله والناس.

1. اللطف والتواضع في التعامل مع الضعفاء 1-5.

2. المثابرة الروحية 6-10.

3. الافتخار بالصليب لا بأعمال الناموس 11-16.

4. حمل سمات المسيح المصلوب 17.

5. الختام 18.

1. اللطف والتواضع في التعامل مع الضعفاء

"أيها الإخوة، إن سبق إنسان فأُخذ في زلة ما، فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا" [1].

هنا نلاحظ الآتي:

* إذ يسألهم أن يكونوا ودعاء جدًا مع الضعفاء يدعوهم "إخوة".

* لا يقول: "إنسان يرتكب زلة" بل "أُخذ في زلة"، بمعنى أنه إذا ما أُخذ بعيدًا نخسره نحن مع أننا في حاجة إليه كعضو في نفس الجسد.

* يقول: "أنتم الأقوياء (الروحانيين)"؛ فإننا لكي نعين الآخرين يجب علينا أن نهتم أن نكون أقوياء في المسيح لئلا نسقط نحن أنفسنا مع الضعفاء.

- الإنسان الضعيف لن يسند ضعيفًا، ومن يعاني من أمر ما لا يقدر أن يحتمل أو يشفي من كان في هزالٍ؛ أما من كان غير خاضعٍ للضعف، فيستطيع أن يقدم علاجًا للضعيف؛ لهذا قيل بحق: "أيها الطبيب اشفِ نفسك" (لو 4: 23).

الأب يوسف

- بدء الحكمة الرقة واللطف اللذان ينبعان عن عظمة النفس واحتمال ضعفات البشر. لذلك يقول: "يجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء" (رو 1:15).

مار اسحق السرياني

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل (الرسول): "بالوداعة" بل "بروح الوداعة" [1]، مشيرًا بذلك أن هذا مقبول لدى الروح (القدس)، فالقدرة على إصلاح الغير بروح الوداعة هو عطية روحية.]

يقدم الرسول تعليلاً لاستخدام الوداعة مع الغير، بقوله "ناظرًا إلى نفسك لئلا تُجرب أنت أيضًا" [1].

- "احملوا بعضكم أثقال بعض" [2]... من الاستحالة ألا يكون للإنسان سقطات، لذا يحثهم ألا يفحصوا أخطاء الغير بعنفٍ، بل بالحري يحتملون سقطاتهم حتى يحتملنا الآخرون. وذلك كما في بناء بيت ما، لا تكون كل الحجارة في وضع واحد، إنما يصلح حجرًا أن يكون في زاوية وليس في الأساس، وآخر يصلح للأساسات وليس للزاوية؛ هكذا بالنسبة لجسد الكنيسة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

التواضع في تعاملنا مع الغير: "لأنه إن ظن أحد أنه شيء وهو ليس شيئًا فإنه يغش نفسه" [3].

- هنا أيضًا يتحدث عن الافتخار؛ فمن يظن في نفسه أنه شيء فهو لاشيء، مظهرًا بهذا تفاهته.

"ولكن ليمتحن كل واحدٍ عمله" [4]. هنا يظهر (الرسول) أنه يجب أن نكون فاحصين لحياتنا الخاصة بدقةٍ لا باستخفاف، لكي نزن تصرفاتنا. على سبيل المثال، إذا صنعت عملاً صالحًا ضع في اعتبارك ألا يكون قد قمت به من أجل المجد الباطل أو لأجل منفعةٍ خاصةٍ أو بضميرٍ سيءٍ أو برياءٍ، أو لدافع بشري آخر...

"وحينئد يكون له الفخر من جهة نفسه فقط لا من جهة غيره" [4]. الافتخار جمود (للنفس)، فإن أردت أن تفتخر لا تفتخر ضد قريبك كما فعل الفريسي...

يعالج (الرسول) الإنسان المتكبر حتى لا يعود ينشغل بأفكار عالية من جهة نفسه، وذلك بتذكره أخطائه الشخصية، ضاغطًا على ضميره بأنه يحمل خطايا بكونها حملاً ثقيلاً [5].

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. المثابرة الروحية


يضع بذار الروح: "فإن الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضًا" [7]. إن كنا نزرع للروح نحصد ثمرًا روحيًا؛ وإن كنا نزرع للجسد (شهواتنا الخاطئة) نحصد ضعفًا [7-8]. يليق بنا أن نزرع بذار حياتنا في تربة الروح لا تربة الجسد.

العمل المسيحي ليس شراءً وبيعًا بل زراعة وحصادًا، إذ يليق بنا أن نزرع الكلمة الحية.

لا يكون الحصاد حسب ما لدينا من معرفة، بل حسب ما نزرع. قد يكون لدينا قدر كبير من البذار في الذهن، لكن ما لم نزرعها في تربة ملائمة لن تأتي بثمر. ازرع بذار الأفكار في الكلام والعمل، فستعطي كلمة اللَّه ثمارًا من ذات نوعها.

- "من يزرع لجسده، فمن الجسد يحصد فسادًا، ومن يزرع للروح، فمن الروح يحصد حياة أبدية" [8]... من يزرع في الجسد عهارة وسكرًا وشهوة بلا ضابط، يحصد ثمار هذه الأمور. ما هي ثمارها؟ عقوبة وجزاء وخزي وهزء وتحطيم... أما ثمار الروح فهي مضادة لذلك تمامًا.

تأمل، هل بذرت صدقات؟ كنوز السماء ومجد أبدي تنتظرك! هل بذرت الاعتدال؟ تنتظرك الكرامة والمكافأة وتهليل الملائكة وإكليل من قبل الديان.

- يجعل (الرسول) حديثه عامًا، فاتحًا باب الغيرة المملوءة حبًا نحو الجميع، مرتفعًا بها إلى علوٍ هكذا، موصيًا إيانا أن نظهر رحمة لليهود واليونانيين، بدرجات لائقة بحقٍ، لكنه يلزمنا إظهار الرحمة (لجميع البشرية). أي حنو هو هذا؟...

إنه يحررهم من ضيق الأفق الذي لليهود.

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. الافتخار بالصليب لا بأعمال الناموس

يكتب القديس بولس الرسالة كلها بيده [11] دليل إخلاصه العظيم من نحوهم. ففي رسائله الأخرى كان يُملي وآخر يكتب (رو 16: 22). وإن كان الاتجاه العام لدى المفسرين المحدثين أن ما كتبه الرسول بيده هو الختام ابتداء من هذه النقطة.

لقد لفت الأنظار إلى الأحرف الكبيرة (اليد الكبرى) التي كتبها ربما بسبب مرض عينيه. في النصوص اليونانية لا توجد إشارة إلى يد (حروف) كبيرة أو صغيرة؛ لكنه توجد عبارة وردت في حياة قديس قبطي لها أهميتها؛ فقد جاء عن القديس سيمفرونسSymphronius أنه كطفلٍ صغيرٍ تعلم أولاً (اليد الصغرى) وبعد ستة أشهر تعلم (اليد الكبرى)؛ هذا يفترض أنه في القبطية -وهي مشابهة لليونانية - اليد الكبرى أصعب من الصغرى.

ما كان يشغل المعلمون الكذبة أن يكون للمؤمنين "منظر حسن في الجسد" بإلزامهم أن يختتنوا [12]، عِوض افتخارهم بالصليب [14]. لم يفعلوا ذلك تكريمًا للَّه، إنما من أجل الافتخار. هذا العمل لا يقوم على أساس تقوي، إنما من أجل طموحٍ بشريٍ؛ ذلك لكي يبهجوا غير المؤمنين بقطع (ختان) المؤمنين، مفضلين مقاومة اللَّه من أجل إرضاء الناس.

يتجاهل المعلمون الكذبة عظمة الصليب في حين يقول الرسول: "وأما من جهتي، فحاشا لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به قد صُلب العالم لي، وأنا للعالم" [14].

- ما هو افتخار الصليب؟ أن المسيح من أجلي أخذ شكل عبد، (إذ صرت) عدوًا بلا إحساس، نعم أحبني وأُسلم للعنة من أجلي. أي شيء أعظم من هذا؟...

ليتنا إذن لا نخجل من لطفه غير المنطوق به؛ إنه لم يخجل من أن يُصلب لأجلك، فهل تخجل أنت من الاعتراف بعنايته غير المحدودة. كأن إنسانًا مسجونًا لم يكن يخجل من ملكه، وإذ جاء الملك إلى السجن بنفسه وحل قيوده صار يخجل من هذا التصرف. أليس هذا هو قمة الجنون؟ لأن هذا الفعل كان يجب بالحري أن يكون علة الافتخار.

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية اصحاح 6 جـ2 PDF Print Email

- ما يدعوه هنا بالعالم لا يعني السماء ولا الأرض، وإنما يعني شئون الحياة ومديح الناس والأعوان والمجد والغنى وكل هذه الأمور التي تبدو للإنسان سامية. أما بالنسبة لي فكل هذه الأمور ميتة... وأنا ميت عنها، لا تأسرني ولا تغلبني، لأنها ماتت مرة بالنسبة لي وإلى النهاية. إنني لا أشتهيها، لأني أنا ميت عنها. ليس شيء يمكن أن يكون مطوبًا أكثر من هذا الموت (عن هذه الأمور)، فإن هذا هو أساس الحياة المطوّبة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ذاك الذي هو قادر أن يجعل نفسه معروفًا بمعجزات كثيرة وعظيمة، يقول: "حاشا لي أن افتخر إلا بصليب المسيح". كما يقول لأهل كورنثوس أن كلمة الصليب هي "قوة اللَّه للذين يخلصون" (راجع 1 كو 1: 18).

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- إن كان أحد يخجل من صليب المسيح، إنما يخجل من التدبير الذي به تُغلب هذه القوات (كو 2: 15).

العلامة أوريجينوس

- إنه لمدهش حقًا أن المولود أعمى ينال البصر في سلوام، لكن كيف يقاوم هذا أمام عمى العالم كله؟… لقد قاد مجد الصليب أولئك الذين كانوا عميانًا خلال الجهل إلى النور، وحلّ رباطات الذين أُمسكوا في الخطية, وافتدى عالم البشرية كله.

القديس كيرلس الأورشليمي

- ليتنا ننصت إلى التصريح الذي يعلنه حزقيال المدعو "ابن آدم" (2: 1) وذلك بخصوص فضيلة ذاك الذي بحق هو ابن الإنسان، أي الإنسان المسيحي؛ إذ يقول: "وآخذكم من بين الأمم… وأرش عليكم ماءً طاهرًا فتطهرون من كل نجاستكم… وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل روحًا جديدًا في داخلكم" (36: 24-26)... لذلك فإن النشيد الذي ننشده هو تسبحة جديدة (رؤ 14: 3)؛ ننزع الإنسان القديم (أف 4: 22)، ولا نسلك بعتق الحرف لكن في جدة الروح (رو7: 6). هذا هو الحجر الجديد الذي كُتب عليه اسم جديد "لا يعرفه أحد غير الذي يأخذه" (رؤ 2: 17).

القديس جيروم

4. حمل سمات المسيح المصلوب

يسألهم الرسول ألا يضايقه أحد، لأنه يحمل سمات ربنا يسوع المسيح [17].

حمل القديس بولس في جسده علامات عبودية ربنا يسوع. يقول إنه يحملها ولم يقل إنه يمتلكها، إذ يشبه إنسانًا يعتز برايات النصر الملوكية. هذه السمات هي:

1. الملكية: " إنني أنتمي إليه"؛ فإن الكلمة اليونانية Stigma تعني وسمًا أو علامة خاصة بالعبيد أو الجند وذلك بحرق في الوجه أو في الجسد أو على الذراع. ربما يُشير هنا إلى علامات آلامه الرسولية (2 كو 6: 4- 10؛ 11: 23-29).

2. التكريس: إذ يعمل لصالح الغير.

3. ربما عني بالسمات علامات سوء معاملة الغلاطيين له.

تعلن هذه السمات عن إخلاص الرسول. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم على لسان الرسول: [إنني أدافع عن نفسي بهذه الجراحات التي هي أقوى من أية براهين، وأسمى من أية لغة، إذ تنطق كما بصوت أعلى من صوت بوق تجاه المقاومين، وضد القائلين إني مرائي في تعليمي وإنني أتكلم بما يرضي الناس. فإنه لا يرى إنسان ما جنديًا راجعًا من المعركة وقد غاص في الدم وبه آلاف الجراحات، ثم يجرؤ فيتهمه بالجبن والخداع، متطلعًا إلى أن الجندي يحمل في جسده علامات بسالته، هكذا أنتم أيضًا إذ تحكمون عليّ (مع أني أحمل هذه العلامات).]

5. الختام

للمرة الأخيرة يكرر نقده للمتهودين الذين ما زالوا يضغطون على أهل غلاطية لكي يختتنوا، مع أنهم هم أنفسهم فشلوا في إطاعة التوراة ككل. أما فخر القديس بولس أو مجده فهو في الفداء المتحقق بآلام ربنا يسوع وموته. لقد رذل طريق الحياة التي تُقاس بمعايير حفظ الناموس من الجانب الخارجي الحرفي إذ تجددت خلقته.

سطوره الأخيرة هي أشبه بعبارات رائعة خاصة بالتحية. فقد ظهرت على جسده آثار تعبه وآلامه الجسمانية الخاصة بخدمته (2 كو 11: 23-25)، متوسلاً إلى أهل غلاطية ألا يضيفوا إليه أتعابًا جديدة.

- "نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم أيها الإخوة. آمين" [18].

بهذه الكلمة الأخيرة يختم كل ما سبق، فإنه لا يقول "معكم" بل "مع روحكم"، مجتذبًا إياهم من الجسديات، مستعرضًا إحسانات اللَّه، ومذكرًا إياهم بما يتمتعون به من نعمة؛ وبهذا يستطيع أن يجنبهم كل أخطاء المتهودين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

1 ايها الاخوة ان انسبق انسان فاخذ في زلة ما فاصلحوا انتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة ناظرا الى نفسك لئلا تجرب انت ايضا
2 احملوا بعضكم اثقال بعض و هكذا تمموا ناموس المسيح
3 لانه ان ظن احد انه شيء و هو ليس شيئا فانه يغش نفسه
4 و لكن ليمتحن كل واحد عمله و حينئذ يكون له الفخر من جهة نفسه فقط لا من جهة غيره
5 لان كل واحد سيحمل حمل نفسه
6 و لكن ليشارك الذي يتعلم الكلمة المعلم في جميع الخيرات
7 لا تضلوا الله لا يشمخ عليه فان الذي يزرعه الانسان اياه يحصد ايضا
8 لان من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فسادا و من يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة ابدية
9 فلا نفشل في عمل الخير لاننا سنحصد في وقته ان كنا لا نكل
10 فاذا حسبما لنا فرصة فلنعمل الخير للجميع و لا سيما لاهل الايمان
11 انظروا ما اكبر الاحرف التي كتبتها اليكم بيدي
12 جميع الذين يريدون ان يعملوا منظرا حسنا في الجسد هؤلاء يلزمونكم ان تختتنوا لئلا يضطهدوا لاجل صليب المسيح فقط
13 لان الذين يختتنون هم لا يحفظون الناموس بل يريدون ان تختتنوا انتم لكي يفتخروا في جسدكم
14 و اما من جهتي فحاشا لي ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صلب العالم لي و انا للعالم
15 لانه في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئا و لا الغرلة بل الخليقة الجديدة
16 فكل الذين يسلكون بحسب هذا القانون عليهم سلام و رحمة و على اسرائيل الله
17 في ما بعد لا يجلب احد علي اتعابا لاني حامل في جسدي سمات الرب يسوع
18 نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم ايها الاخوة امين




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية +
 



18 بؤونه 1733 ش
25 يونيو 2017 م

نياحة البابا داميانوس ال 35
افتتاح الكاتدرائية المرقسية الجديدة بدير الأنبا رويس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك