إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لعل إنساناً يسأل بأيهما نبدأ بخشوع الجسد أم خشوع الروح ؟ إبدإ بأيهما ، إن بدأت بخشوع الروح سيخشع الجسد معها وإن بدأت بخشوع الجسد سيخشع الروح معه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 15 جـ1 PDF Print Email

المؤمن والضعفاء


"سرّ المسيح" عند الرسول بولس هو انفتاح باب الإيمان للعالم كله، لتتمتّع جميع الشعوب بخلاص المسيح المجّاني. وقد جاءت هذه الرسالة في مجملها تُعلن هذا السرّ، فتتحدث عن عمومية الخلاص. والآن يقدّم لنا الرسول هذا الأصحاح العملي متناغمًا مع فكر الرسالة كلها، ألا وهو التزام الكنيسة ككل وكل عضو فيها بانفتاح القلب نحو خلاص الجميع، محتملين الضعفاء، مهتمّين بالأمم أيّا كان ماضيهم، يسندون الرسول بصلواتهم ليحقّق في حياته وكرازته إعلان هذا السرّ، بالرغم من مقاومة بعض اليهود المتعصبين له:

1. احتمال الضعفاء 1-7.

2. اتساع القلب للأمم 8-13.

3. مساندته في خدمة الأمم 14-21.

4. شوقه لخدمتهم في روما 22-24.

5. فهمه لعطاء الأمم 25-28.

6. جهادهم معه بالصلوات 29-30.

7. مقاومة غير المؤمنين له 31-32.

8. خاتمة 33.

1. احتمال الضعفاء


"فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء ولا نرضي أنفسنا، فليُرضِ كل واحدٍ منّّا قريبه للخير لأجل البنيان، لأن المسيح أيضًا لم يرضي نفسه، بل كما هو مكتوب تعييرات معيّريك وقعت عليّ" [1-3].

هذا هو "سرّ المسيح" أن كلمة الله أعلن قوته بنزوله إلينا يحمل ضعفنا لكي يرفعنا إلى كمال قوّته وبهائه ومجده؛ فالمؤمن إذ يحمل فيه "سرّ المسيح" أو فكره إنما يُدرك القوّة الحقيقية باحتماله بالحب ضعفات الضعفاء، مهتمًا بخير قريبه لأجل بنيانه، ولا يطلب ما هو لذاته. هذا العمل ليس من عنده، إنما هو عمل المسيح الساكن فيه، والذي يشتاق إلى خلاص الكل.

ويلاحظ في هذه الوصيّة الرسولية تجاه الضعفاء الآتي:

أولاً: يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:[انظر كيف يثير اهتمامهم بمديحه لهم لا بدعوتهم أقوياء فحسب وإنما بضمهم إليه كأقوياء..."فيجب علينا نحن الأقوياء"]

هذا هو منهج الرسول بولس في كل كرازته وفي كل رسائله، قبل أن يوصي ويشجّع، وقبل أن يكشف الجراحات يُعلن الأمور الصالحة والفاضلة فيهم؛ فعِوض أن يوبّخهم هنا لأنهم يحتقرون الضعفاء ويستخفّون بالأمم، يُعلن لهم أنهم بالمسيح أقوياء فيُلزمهم أن يمارسوا عمل المسيح، الفاتح أحضانه لكل ضعيف وكل أممي بالحب لا بالإدانة!

هذا وحديث الرسول يُعلن أن في الكنيسة يوجد على الدوام أقوياء وأيضًا ضعفاء، وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [لا توجد الكنيسة بدونهما]. إذ يحتمل الأقوياء الضعفاء، فيتزكّون على عظيم محبتهم، ويمتثّل الضعفاء بالأقوياء دون حسدٍ فينمون على الدوام.

ثانيًا: بقوله "لأن المسيح لم يُرضِ نفسه، بل كما هو مكتوب: تعييرات معيّريك وقعت عليّ" يودّ أن يُعلن لهم بطريقة غير مباشرة، إنهم إن كانوا أقوياء، إنما لأن السيد المسيح حمل ضعفهم، فتعييراتهم وقعت عليه، إذ حمل عار خطاياهم ليُقيمهم أقوياء بعد الضعف. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هل أنتم أقوياء؟ رُدّوا هذا لله الذي جعلكم هكذا، وذلك إن رأيتم ضعف المرضى بحق. فإننا نحن كنّا ضعفاء أيضًا، وبالنعمة صرنا أقوياء. لنعمل أيضًا بالنسبة بالضعفاء (أي نسندهم بالنعمة).]

ثالثًا: إن كنّا بالنعمة الإلهية نلنا القوّة في المسيح يسوع، يليق بنا ترجمة هذه القوّة عمليًا، وكما يقول الرسول: "فليُرضِ كل واحد منّا قريبه للخير لأجل البنيان" [2]. في هذا يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هل أنت قوي؟ ليختبر الضعيف قوّتك. ليأت وليعرف قوّتك، إرضه. لم يقل "إرضه" هكذا بطريقة مجرّدة وإنما "لخيره"، وليس فقط "لخيره" مجرّدة، لئلاّ يقول الشخص المتقدّم: انظر ها أنا أسحبه لخيره! إنما يضيف الرسول: "لأجل البنيان"... هذا التصرّف يلزم أن يفعله "كل واحد".]

هذه هي "القوّة" الحقيقية في المسيح يسوع، أن ننزل إلى الضعيف مع مسيحنا لنحمله على منكبي الحب، ونرتفع معه لنحيا معًا سالكين الحياة الصالحة لبنيان نفوسنا ونفوسهم، أو لبنيان العالم كله في الرب. بهذا نرضي الآخرين للخير للبنيان، مقدّمين لا أموالنا وطاقاتنا لخدمتهم، وإنما أيضًا نقدّم قلوبنا ومشاعرنا وأحاسيسنا، نشاركهم آلامهم وأتعابهم وضيقاتهم.

رابعًا : يقدّم لنا الرسول بولس السيد المسيح مثلاً نقتدي به، إذ لم يُرضِ نفسه بل من أجلنا حمل تعييراتنا التي كنّا نستحقها ليهبنا برّه. هذه هي عادة الرسول أنه يقدّم لنا السيد المسيح في كل شيء مثلاً.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ كان (الرسول) يتحدّث عن الصدقة، قدّم لنا المسيح (مثلا): "فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم افتقر وهو غني" (2 كو 8: 9). وإذ كان يحث على المحبّة حثّنا به قائلاً: "كما أحبّنا المسيح" (أف 5: 25). وعندما نصحنا على احتمال الخزي والمخاطر قدّمه ملجأ لنا: "من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي" (عب 12: 2). هكذا في هذه العبارة (رو 15: 3) يفعل ذات الشيء، موضّحًا أن النبي سبق فأعلن عن ذلك قديمًا، بقوله: "تعييرات معيّريك وقعت عليّ" (مز 69: 9). لماذا لم يقل: "أخلى نفسه" (في 2: 7)؟ لأنه لم يرد أن يشر فقط إلى تأنّسه، وإنما أيضًا إلى إساءة معاملته واتهامه بواسطة كثيرين، والنظر إليه كضعيف. فقد قيل: "إن كنتَ ابن الله فانزل عن الصليب" (مت 27: 40)، وأيضا: "خلَّص آخرين وأمّا نفسه فما يقدر أن يخلِّصها" (مت 27: 40)... وهنا أيضًا يظهر إن المسيح لم يُعيَّر وحده وإنما الآب أيضًا، إذ يقول "تعييرات معيّريك وقعت عليّ". فما يقوله تقريبًا هو هذا: ما يحدث الآن ليس بالأمر الجديد أو الغريب، فإنهم في العهد القديم اعتادوا أن يعيِّروا (الآب)، وهاهم الآن ثائرون على ابنه. لكن هذه الأمور كُتبت لكي نتمثّل بهما.]

خامسًا: إن كان ما قد كُتب في العهد القديم (مز 69: 9) أن التعييرات قد سقطت على الأب والإبن، إنما لأجل نفعنا، لكي يبعثنا ذلك على احتمال الضعفات والتعييرات حتى بالصبر مع التعزية يكون لنا رجاء إننا نتمثّل بالله نفسه محتمل الضعفاء. هذا ما أعلنه الرسول بقوله: "لأن كل ما سبق فكتب، كُتب لأجل تعليمنا، حتى بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاء" [4].

غاية الكتاب المقدس أن يحثّنا على الاحتمال بصبر، ليهبنا تعزية في وسط الآلام، الأمر الذي يفتح لنا باب الرجاء. لأننا إن كنّا نتعزّى وسط آلامنا، فماذا يكون حالنا حين ننطلق من العالم بآلامه؟

سادسًا: إذ يحثّنا الرسول بولس على احتمال ضعفات الضعفاء لخيرهم لبنيانهم، وهو يقدّم لنا السيد المسيح مثلاً حيًا في هذا العمل، بل وعاملاً فينا لتحقيق ذلك، يرفع الرسول صلاة لله كي يسندنا، قائلاً:

"وليعطكم إله الصبر والتعزية أن تهتمّوا اهتمامًا واحدًا فيما بينكم بحسب المسيح يسوع، لكي تمجّدوا الله أبًا ربنا يسوع المسيح بنفسٍ واحدةٍ وفمٍ واحدٍ" [5-6].

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هذا ما يودّ الحب أن يفعله أن يهتم الإنسان بالآخرين كما بنفسه، ولكي يظهر أن ما يطلبه ليس حبًا مجردًا يضيف: "بحسب المسيح يسوع". هذا ما يفعله في كل موضع، إذ يوجد نوع آخر من الحب. فإنه أي نفع للاتفاق معًا (إن لم يكن بحسب المسيح يسوع)؟]

هذا الحب في المسيح يسوع يمجّد الله الآب لا خلال وحدة الفم فقط أي بالكلام، وإنما وحدة الإرادة أيضًا (نفس واحدة)...

هذا الحب في المسيح يسوع واهب الوحدة هو طريق تنفيذ الوصيّة: "لذلك اقبلوا بعضكم بعضًا كما أن المسيح أيضًا قبلنا لمجد الله" [7].


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 15 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك