إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إذا كان القلب غير كامل فى محبته لله فإن إرادته تكون متزعزعة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 14 جـ1 PDF Print Email

المؤمن والإخوة


الكنيسة مستشفى لعلاج كل مريض وليست محكمة لإدانة الناس، لذا يليق بالمسيحي أن يترفّق بأخيه الضعيف في الإيمان ليسنده بروح الحب لا الإدانة، حتى يسير الكل في طريق الخلاص، وينعم الكل بالشركة مع الله.

1. قبول الضعيف بلا ازدراء 1-9.

2. عدم إدانة الإخوة 10-13.

3. ملكوت الله وعثرة الضعفاء 14-23.

1. قبول الضعيف بلا ازدراء

نود قبل استعراض حديث الرسول بولس أن نفهم ماذا يقصد بالأخ الضعيف.

أ. يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم إن الرسول بولس يعالج هنا مشكلة قامت بين اليهود المتنصّرين وبعضهم البعض. إذ خشي البعض لئلاّ في أكلهم اللحوم يأكلون لحم خنزير وهم لا يدرون فيكونوا كاسرين للناموس، وإذ كان ضميرهم متشككًا تظاهروا بالصوم والتقشّف فامتنعوا عن أكل اللحوم بالكلية، بينما آخرون أدركوا إنهم في المسيح يسوع نالوا الحرّية من هذه الطقوس الحرفيّة، فصاروا يأكلون اللحوم أيّا كانت، ودخلوا في صراع فكري ومناقشات مع إخوتهم المتظاهرين بالصوم، وهم في الحقيقة ضعيفو الإيمان. في حكمة لم يرد الرسول أن يدخل في هذا الصراع وإنما حسب أن أمر الأكل أتفه من أن يشغل فكر المسيحيين ووقتهم، فصار مقاومًا لا لفكر هؤلاء ولا أولئك وإنما يقاوم الصراع ذاته القائم بين الفريقين.

بحكمة أيضًا ظهر الرسول كمن ينتهر الأقوياء الذين لا تتشكّك ضمائرهم من جهة أنواع اللحوم، لازدرائهم بإخوتهم الضعفاء الذين يتشكّكون من أجل أحكام الشريعة الموسويّة التي عاشوا تحت سلطانها زمانًا قبل الإيمان المسيحي ويصعب عليهم التخلص منها. لكنه في انتهاره هذا لم يعْرج عن الحق، إذ كشف بلطفٍ عن ضعف الضعفاء وتشكّكهم، مقدمًا لهم العلاج بطريقة غير مباشرة، بدعوتهم "ضعفاء" مظهرًا أنهم فاقِدو الصحة ومحتاجون أن يستندوا على الروح ليصيروا أقوياء.

ب. يرى البعض إنهم مجموعة من المتنصّرين من الفرقة اليهوديّة التي تسمى بالأسينيّة، وكانوا يميلون إلى قهر الجسد بنسكٍ شديدٍ، وقد أشار إليهم الرسول بولس في كو 2: 16-23. هذا ويقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس في حديثه عن يهود روما، أن بعضهم امتنع عن أكل اللحوم تمامًا خشية أن يتدنّسوا بما هو نجس منه.

ج. يرى البعض إن هؤلاء الإخوة هم الذين حرّموا أكل اللحم وشرب الخمر اللذيّن قُدِّما في الهياكل الوثنيّة أولاً ثم عُرضا في السوق (كو 9: 4-13).

على أي الأحوال فإن ما ورد في هذا الأصحاح هو دستور حيّ للمعاملات بين الإخوة في الكنيسة المتفاوتي القامة الروحيّة، يكشف عن التزام الكل بترك المناقشات الغبيّة في الصغائر، والاهتمام بما هو لبنيان الكل بروح الحب الخالي من كل ازدراء أو إدانة.

ومن هو ضعيف في الإيمان فاقبلوه لا لمحاكمة الأفكار؛ واحد يؤمن أن يأكل كل شيء وأمّا الضعيف فيأكل بقولاً، لا يزدرِ من يأكل بمن لا يأكل، ولا يدن من لا يأكل من يأكل، لأن الله قبله" [1-3].

يلاحظ في هذا النص الرسولي وما يليه في هذا الشأن [1-9] الآتي:

أولاً: إن كان أحد في ضعف إيمانه متشكّكًا من جهة أكل اللحوم التي يحسبها الناموس نجاسة، فهو وإن كان ضعيفًا لكنه مقبول لدى الله، فلا يليق رفضه. تقبله الكنيسة دون أن تحطِّمه بمناقشات تحطِّم حياته.

ثانيًا: يقول الرسول "لا يزدرِ" القوي بالضعيف. قد يوجّهه أو يحثّه على ما هو أفضل، لكن دون تشكيكه في أمر خلاصه، ودون الاستخفاف به. والعجيب إن الرسول بولس وهو يمثل الإنسان القوي الإيمان من جهة عدم تشكّكه، ساميًا فوق الأعمال الناموسيّة الحرفيّة، خضع لهذه الأعمال ليس من أجل ضميره هو وإنما من أجل ضعفاء الإيمان حتى لا يعثروا بسببه. إذ يقول: "فإني إذ كنت حرًا من الجميع، استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين، فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود، وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس... صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء، صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حالٍ قومًا" (1 كو 9: 19-22).

يحدّثنا الأب يوسف في نفس الأمر، قائلاً: [بالتأكيد لم يكن مفيدًا أن يختتن تيموثاوس، ولا أن يحلق (الرسول) رأسه، ولا أن يتبع التطهيرات اليهوديّة، ولا أن يسير عاري القدمين، ولا أن يدفع النذور حسب الشريعة، إنما فعل هذا لأنه يطلب لا ما لنفسه بل ما هو للكثيرين.]

ثالثًا: يقول الرسول: "لا يدن من لا يأكل من يأكل"، فإن الضعفاء في الإيمان الذين تشكّكوا من جهة الأطعمة المحرمة ناموسيًا صاروا يدينون اليهود المتنصّرين، الذين لم يعودوا يخضعون لهذه التشريعات حرفيًا، وحسبوا أنهم نهمون. هكذا صار الضعيف ديّانًا للقوي عِوض مراجعته لنفسه فيما يتصرف.

رابعًا: يرى القدّيس أمبروسيوس أن المؤمن الذي يحيا لا في بتولية الجسد بل يتزوج يكون كمن

يأكل بقولاً؛ فلا يليق بالبتول أن يزدري بالمتزوج، ولا المتزوج أن يدن البتول، لأن الله يقبل هذا وذاك إن سلكا بروح الإيمان المملوء حبًا.

يتحدّث القدّيس إكليمنضس السكندري عن الطعام في حياة المؤمن مظهرًا إنه يليق بنا ألا نهتم بالأطعمة الشهيّة حتى في إضافتنا للغرباء، إذ يقول: [الطعام الحق هو تقديم الشكر. فمن يقدّم التشكّرات لا يشغل وقته بالملذّات. إن أردنا أن نحث أحد ضيوفنا على الفضيلة فلنحجم عن تقديم الأطباق الشهيّة، فنظهر مثلاً بهيًا للفضيلة، إذ نعلن حبنا له في المسيح.]

خامسًا: يكمل الرسول حديثه: "من أنت الذي تدين عبد غيرك؟! هو لمولاه يثبت أو يسقط، ولكنه سيثبت لأن الله قادر أن يثبّته" [4]. هنا يوجّه الحديث للشخص الضعيف الذي يدين أخاه لأنه يأكل متهمًا إيّاه بالنهم، حاسبًا في تصرفاته أنه إنسان ساقط، فيضع نفسه موضع مولاه ليحكم على الآخرين، بينما يهتم المولى نفسه ليثبّت المؤمنين.

بقوله "هو لمولاه يثبت أو يسقط" يعني إن ثبوت الإنسان في الإيمان يحسبه المولي مكسبًا له، وسقوطه يحسبه خسارة، فالأمر خاص بالله نفسه الذي هو سيّد الكل، الذي يشتاق أن يربح لنفسه كل إنسان.

ليتنا ندرك هذا فندرك مدى شوق الله لثبوتنا فيه، وثبوت إخوتنا العبيد معنا فيه. هو المهتم الأول عن خلاص الكل، إن صح هذا التعبير!

سادسًا: "واحد يعتبر يومًا دون يوم وآخر يعتبر كل يوم، فليتيقّن كل واحد في عقله" [5].

ماذا يقصد الرسول باليوم هنا؟ يرى البعض إنه يطبّق ذات المبدأ الخاص بالأطعمة المحلّلة والأطعمة المحرّمة حسب الشريعة اليهوديّة على الأعياد اليهوديّة والمواسم حسب الشريعة، هل يحفظها اليهود كأيام مقدّسة أم يرون كل الأيام مقدّسة؟ هذا ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم إنه يلمح على الأصوام اليهوديّة. على أي الأحوال نجده هنا يطالب كل مؤمن "أن يتيقّن كل واحد في عقله"، بمعنى أن يحكًم عقله وضميره في هذا الأمر.

يتساءل القدّيس يوحنا الذهبي الفم عن السبب لماذا يتحدّث الرسول مع أهل رومية بهذا الأسلوب، فيعطي لكل واحدٍ الحرّية في الحكم في هذا الأمر، مع أنه يشدّد جدًا في إيضاح الحق في رسائل أخرى مؤكدًا عدم الالتزام بالأعياد والمواسم اليهوديّة، إذ يقول: "انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل، حسب تقليد الناس، حسب أركان العالم وليس حسب المسيح... فلا يحكم عليكم أحد في أكلٍ أو شربٍ أو من جهة عيدٍ أو هلالٍ أو سبتٍ" (كو 2: 8، 16)؟ ويجيب بأن كنيسة روما قد وصلتها رسالة الإيمان مؤخرًا ولم يكن المؤمنون هناك قادرون على البت في هذه الأمور، فأراد الرسول ألا يحدث إنشقاقات بسبب حفظ الأعياد اليهوديّة والشرائع الموسويّة أو الامتناع عنها. ويمكننا أن نضيف بأن الرسول أراد أن ينتظروا حتى مجيئه ليكشف لهم أسرار الإيمان المسيحي، فيرتفع بالكل فوق هذه الشرّائع الموسويّة، لا كأمر رسولي يلزم طاعته بلا فهم، وإنما كفكر إنجيلي رسولي يتذوّقونه ويدركوه خلال حديثه معهم فمًا لفمٍ.

هذا ولعلّ الفارق بين حديثه هنا وحديثه في الرسالة إلى أهل كولوسي، أن الرسول هنا يكتب بخصوص الشعب البسيط الذي قد بدأ طريق الإيمان، أمّا في حديثه إلى أهل كولوسي فهو يحذّر من المعلِّمين المنشقّين الذين يبثّون فكر التهوّد عن عمد وبقوّة، فيسبّبون بلبلة فكريّة على نطاق واسع. يوجد فارق بين مؤمن يتشكّك ضميره لأنه عاش زمانه القديم يمارس أعمال الناموس الحرفيّة وبين معلِّم يتحدّث عن عمد ويكرز بالعودة إلى الحياة الناموسيّة في حرفيّتها كفكرٍ تلتزم به الكنيسة.

هذا ونحن لا نريد الدخول هنا في الحديث عن التدبير الكنسي من جهة الأعياد الكنسية والأصوام بفكر إنجيلي، واختلافه تمامًا عن الفكر الناموسي الحرفي. الأمر الذي أتركه للحديث عنه في تفسير الرسالة إلى أهل كولوسي إن شاء الرب وعشنا.

نعود إلى حديث الرسول بولس هنا لنراه يودّ أن يرفع المؤمنين في هذه الكنيسة الناشئة عن الصراع في أمر الأعمال الناموسية الحرفيّة، ليهتم الكل، لا بهذه الأمور وإنما بالشكر لله. يقول الرسول: "الذي يهتم باليوم للرب يهتم، والذي لا يهتم باليوم فللرب لا يهتم، والذي يأكل فللرب يأكل لأنه يشكر الله، والذي لا يأكل فللرب لا يأكل ويشكر الله" [6]. هكذا يظهر الرسول صدق نيّة الكل سواء الذي في ضعف لا يقدر أن يتخلّى عن التزامه بأعمال الناموس، كحفظ الأعياد والأصوام اليهوديّة أو الذي تحرّر عن هذا الحرف، لذا لاق بالكل أن يشكر الله عِوض الدخول في مجادلات.

تكشف هذه العبارة أيضًا عن عادة المسيحيّين منذ العصر الرسولي، وهو تقديم صلاة شكر لله عند تناولهم الطعام.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 14 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


5 توت 1736 ش
16 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة صوفيا
استشهاد القديس ماما

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك