إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

المسيح على الصليب أكثر جمالاً وجلالاً من كل أصحاب التيجان فلنغنى له ونقول " الرب قد ملك لبس الرب الجلال "

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 10 جـ1 PDF Print Email

سرّ الجحود


إذ يعالج الرسول بولس مشكلة "اختيار شعب الله" التي أساء اليهود استخدامها، فعِوض شعورهم بحب الله الفائق لهم، والتزامهم بمسئولية الكرازة بين الأمم، تحجّرت قلوبهم بالجحود، وتعثروا في السيد المسيح "حجر الزاوية"، الذي صار لهم حجر صدمة وصخرة عثرة (9: 22-23). بينما قبله المؤمنون حجرًا كريمًا مختارًا (مز 118: 22؛ 1 بط 2: 6-7). الآن يكتب لنا عن "سرّ جحودهم" حتى لا نسقط نحن أيضًا فيما سقطوا فيه بطريق أو آخر.

1. غيرة اليهود بلا معرفة 1-5.

أ. جهلهم برّ الله 3.

ب. جهلهم غاية الناموس 4-5.

2. رفضهم بساطة الإيمان 6-11.

3. رفضهم حب الله الشامل 12-13.

4. رفضهم الالتزام بالكرازة 14-18.

5. شهادة الأنبياء عن جحودهم 19-21.

1. غيرة اليهود بلا معرفة

إذ يعالج الرسول موضوعًا شائكا للغاية، يمكن خلاله أن يُتهم بالخيانة لأمّته، يُعلن من حين إلى حين مدى حُبّه لإخوته حسب الجسد، وعن عدم تجاهله لما نالوه من امتياز دون سائر الأمم في عصري الآباء والأنبياء، وأيضًا عن غيرتهم الدينيّة، وإن كانت بلا إدراك روحي حقيقي، إذ يقول:

"أيها الإخوة إن مسرة قلبي وطلبتي إلى الله لأجل إسرائيل هي للخلاص، لأني أشهد أن لهم غيرة لله، ولكن ليس حسب المعرفة" [1-2].

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية موضحًا أن الرسول وهو يستعد لتوبيخهم بأكثر صرامة يودّ أن يقول لهم: لا تلتفتوا إلى الألفاظ، ولا إلى الاتهامات، كأني اتهمكم بروح عدائي، فإن "خلاصكم" هو موضوع سرور قلبي وصلاتي لله.

يا له من روح إنجيلي ملتهب بالحب، فمقاومة اليهود المستمرّة له لم تجرح مشاعر محبّته، إذ لا يجد ما يسرّ قلبه مثل خلاص الآخرين حتى المقاومين له. هم في قلبه، يشتهي خلاصهم، ولا يكفّ عن الطلبة من أجلهم. هذه الأبوّة الحانية نجدها في خدام الله الحقيقيّين، الذين من الأعماق يصرخون مع صموئيل النبي: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطىء إلى الرب، فأكف عن الصلاة من أجلكم، بل أعلمكم الطريق الصالح المستقيم" ( 1صم 12: 23).

علامة الحب الصراحة والوضوح، إذ يشهد لغيرتهم لله، لكنها غيرة ليست حسب المعرفة، سقط فيها هو من قبل، إذ كان في غيرته "ينفث تهددًا وقتلاً على تلاميذ الرب" (أع 9: 1). يقول القدّيس أغسطينوس: [كانوا يظنّون أنهم يقدّمون خدمة لله بذبحهم خدّامه! يا له من خطأ مريع، عندما تودّ أن تسرّ الله بضربك محبوبيه حتى الأرض، وهدم مذبح الله الحيّ لتأتي به أرضًا كي لا يُهجر الهيكل الحجري، يا له من عمى لعين! هذا هو ما حدث مع إسرائيل من أجل ملىء الأمم، أقول أنه حدث جزئيّا وليس للكل، فلم تقطع كل الأغصان، وإنما بعضها، لكي تتطعّم أغصان الزيتونة البريّة (رو 11: 25، 17) .]

ما سقط فيه اليهود يمكن أن يسقط فيه بعض المسيحيين، إذ تكون "لهم غيرة لله ولكن ليس حسب المعرفة"، كأن يسلك الإنسان بفكر متعصّب دون إدراك روحي للإيمان المستقيم أو اتساع قلب لمحبّة الغير؛ أو كأن يجاهد في طريق الفضيلة غير متكىء على صدر الله بل على ذراعه البشري وقدراته الخاصة ومعرفته الزمنيّة.

سر جحود اليهود جهلهم أمرين؛ أولاً: برّ الله، ثانيًا: غاية الناموس. يقوم الأول على جهلهم عمل الله في حياة المؤمن، فطلبوا برّ أنفسهم، لا برّ الله، فصار ذلك عائقًا عن خلاصهم، والثاني جهلهم غاية الناموس وأحكامه فتمسّكوا بالحرف القاتل دون الروح الذي يحيي.

أولاً: جهلهم برّ الله

"لأنهم إن كانوا يجهلون برّ الله، ويطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم، لم يخضعوا لبرّ الله" [3].

يحاول أن يعطيهم عذرًا: "جهلهم برّ الله"، لكنه يحوّل العذر إلى اتهام ضدّهم يقوم على كبريائهم واعتداءهم بالذات: "برّ أنفسهم". جهلهم لا يقوم على ظروف خارجية قهريّة، وإنما على فساد داخلي يدبّ في النفس.

حينما تتضخم "الأنا ego" تملأ القلب، فلا تطيق آخر في داخله، حتى إذ تديّنت تعمل لحساب ذاتها المغلقة، فتطلب تثبيت "برّ نفسها" عِوض اتساعها بالحب لتقبل نعمة الله واهبة البرّ بالإيمان. يحدّثنا إشعياء النبي عن هذا البرّ الذاتي، قائلاً: "قد صرنا كلنا كجنس، وكثوب عُدة كل أعمال برنا، وقد ذبلنا كورقة وآثامنا كريحٍ تحملنا" (إش 64: 6).

- يقول الرسول بولس أن المسيح بالنسبة لنا برّ (1 كو 1: 30)؛ وبالتالي من يجوع إلى هذا الخبز إنما يجوع إلى البرّ النازل من السماء، الذي يهبه الله، وليس الذي يصنعه الإنسان لنفسه. فلو أن الإنسان لا يصنع لنفسه برًا لما قال الرسول نفسه لليهود: "إذ كانوا يجهلون برّ الله، ويطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم، لم يخضعوا لبرّ الله" [3]... برّ الله لا يعني أن الله بارّ، وإنما يعني البرّ الذي يهبه الله للإنسان فيجعله بارًا بالله. مرة أخرى، ما هو برّ هؤلاء اليهود؟ البرّ الذي هو من عمل قوتهم والذي افترضوه، فحسبوا أنفسهم كما لو كانوا مكمِّلين للناموس بفضائلهم الذاتيّة.

القدّيس أغسطينوس

- الله وحده هو البارّ والذي يبرّر، يهب الإنسان البرّ.

إنهم يطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم، بمعنى أنهم يظنّون بأن الصلاح هو من عندهم لا عطيّة إلهية. بهذا "لم يخضعوا لبرّ الله"، لأنهم متكبرون ويحسبون أنهم قادرون على إرضاء الله بذواتهم لا بما لله.

القدّيس أغسطينوس

- قال هذا عن اليهود الذين في اعتداءهم بذواتهم احتقروا النعمة، ولم يؤمنوا بالمسيح أنه يقول بأنهم أرادوا أن يُقيموا برّهم، هذا البرّ الذي من الناموس، لا أنهم ينفّذون الناموس، بل يقيمون برّهم في الناموس، عندما يحسبون في أنفسهم أنهم قادرون على تنفيذ الناموس بقوتهم، جاهلين برّ الله، لا البرّ الذي لله بل البرّ الذي يمنحه الله للإنسان.

القدّيس أغسطينوس

ثانيًا: جهلهم غاية الناموس

إن كانت "الأنا" قد حجبت عنهم الالتقاء مع الله بعمله فيهم، فصار برّهم الذاتي المزعوم عائقًا عن تمتّعهم ببرّ الله، فإن تمسكهم بحرفيّة الناموس وشكليّاته أفقدهم المتعة بغاية الناموس الحقيقية، ألا وهو الالتقاء بالمخلّص. يقول الرسول: "لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ، لكل من يؤمن، لأن موسى يكتب في البرّ الذي بالناموس، أن الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها" [4-5].

اقتبس الرسول بولس من موسى العبارة: "تحفظون فرائضي وأحكامي التي إذا فعلها إنسان يحيا بها" (لا 18: 5). وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الإنسان لا يمكن أن يحيا ولا أن يتبرّر ما لم يتمّم كل الفرائض وأحكام الناموس، الأمر الذي يعتبر مستحيلاً. لهذا فإذ أراد اليهود أن يتبرّروا بالناموس فالناموس عينه يُعلن عن العجز التام لكل إنسان أن يحقّق البرّ والحياة... بهذا يدفعنا إلى الإيمان بربنا يسوع المسيح الذي وحده غير كاسرٍ للناموس، بل وقادر على تبرير مؤمنيه. بهذا لم يترك الرسول بولس لليهود عذرًا يلتمسونه، فإن الناموس نفسه يُعلن عن المسيح بكونه وحده يتركّز فيه البرّ؛ من ينعم بالبرّ الذي قصده الناموس، ومن يرفضه إنما يرفض البرّ حتى وإن ظنّ في نفسه أنه بالناموس يتبرّر.

- المسيح هو غاية الناموس للبرّ، الذي أنبأنا عنه بالناموس لكل من يؤمن.

القدّيس إكليمنضس السكندري


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 10 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


5 توت 1736 ش
16 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة صوفيا
استشهاد القديس ماما

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك