إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

التكريس هو نمو فى الحب حتى يصبح القلب كله لله فى مناجاته أو خدمته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 8 جـ4 PDF Print Email
2. تجديد الخليقة وعمل الروح

سبق فحدثنا عن "ناموس الروح" مبرزًا عمل الله فينا، أنه يعتقنا من الدينونة إن سلكنا بالروح القدس وليس حسب شهوات جسدنا، ويهبنا اهتمام الروح الذي هو الحياة والسلام، وننعم بسكنى السيد المسيح فينا فيهبنا برّه، وننعم بعربون القيامة عاملاً فينا، ونشعر بالدين نحو الروح الذي يهبنا البنوة لله والميراث مع المسيح والشركة معه. الآن يحدثنا عن عمل الروح فينا وأثره حتى على الخليقة غير العاقلة، مبرزًا ترقب العالم المخلوق من أجلنا لعودتنا إلي الأحضان الإلهية كأبناء لله بعد أن تركناه زمانًا فسببنا للأرض اللعنة وللخليقة فسادًا. هذا من جانب، ومن جانب آخر إذ نعود الآن لنختبر عربون الروح بقيامة نفوسنا من موت الخطية تتمتع أيضا أجسادنا بهذه القيامة مترقبة يوم الرب العظيم بصبرٍ ليعيش الإنسان بكليته، نفسًا وجسدًا، في كمال قوة القيامة أبديًا. ولئلا يستصعب المؤمن هذا أكدّ دور الروح القدس نفسه، واهتمامه بنا، لتحقيق هذا العمل فينا.

أولاً: بدأ الرسول حديثه بالقول: "فإني أحسب أن الآم الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا" [18].

وضع هذه العبارة كخاتمة للحديث السابق وافتتاحية للحديث الجديد، فإنه إذ كان يتحدث عن "برّ المسيح" وارتباطه بناموس الروح، كاشفًا عن عمل الروح فينا، خاصة البنوة لله والتمتع بالميراث أراد أن يوضح أن حياتنا مع الله ليست هروبًا من الضيق والألم الحاضر، وإنما هي ارتفاع على الآلام الحاضرة خلال انفتاح القلب علي المجد الأبدي. وكأن الرسول بعد أن عرّفنا علي عطايا الله غير المدركة إذا به يقودنا بثقة وسط آلام هذا الزمان وأخطاره، معلنًا أن اتحادنا مع الله بروحه القدوس في ابنه لا يغير الظروف المحيطة بنا بل يهبنا اتساعًا في القلب والفكر وقوة للنفس لتجتاز كل الظروف بنبلٍ من أجل الأمجاد الأبدية.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم علي هذه العبارة قائلاً: [لاحظ كيف يهدئ روح المصارعين ويرفعها في نفس الوقت، فإنه بعد ما أظهر أن المكافآت أعظم من الأتعاب، يحثهم لاحتمال متاعب أكثر دون أن يستكبروا، إذ لا يزالوا يغلبون لنوال الأكاليل كمكافأة لهم. في موضع آخر يقول: "لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجًد أبديًا"(2 كو 4: 17). هنا لم يقل إن الآلام خفيفة، لكنه يربط الآلام بالراحة خلال إعلان المكافأة بالصالحات العتيدة. "فإني أحسب أن الآلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا" [18]... لم يقل "المجد الذي سيكون لنا" وإنما "يُستعلن فينا"، كما لو كان المجد فينا فعلاً لكنه لم يستعلن بعد... هذا أوضحه أكثر في موضع آخر: "حياتنا مستترة مع المسيح في الله" (كو 3: 3)... هذه الآلام ـ أيًا كانت ـ مرتبطة بحياتنا الحاضرة، أما البركات القادمة فتبلغ عصورًا بلا حدود.]

هذا الحديث الرسولي عن المجد الأبدي الذي يُستعلن فينا خلال الآلام الزمنية المؤقتة ألهب قلب المؤمنين للانطلاق بالحب الإلهي على مستوى سماوي يرفع نفوسهم فوق كل ألم وضيق أو طلب خير زمني أو بركة مؤقتة:

- المحبة لا تجد شيئا ثقيلاً؛ الغيور لا يعرف عملا صعبًا. تأمل ما احتمله يعقوب من أجل راحيل المرأة التى وُعد بها، إذ يقول الكتاب المقدس: "فخدم يعقوب براحيل سبع سنين، وكانت في عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لها" (تك 29: 20). لقد أخبرنا بنفسه بعد ذلك عما احتمله: "كنت في النهار يأكلني الحرّ في الليل الجليد" (تك 31: 40). هكذا يليق بنا أن نحب المسيح ونطلب على الدوام قبلاته، وعندئذ يبدو كل صعب سهلاً لنا، وما هو طويل يصير قصيرًا.

لنُضرب بسهام حبه (مز 120: 5) فنقول في كل لحظة: "الويل لي فإن غربتي قد طالت عليّ" (مز 120: 5).

- إن تطلعت أن ترث خيرات العالم لا تقدر أن تكون شريكًا مع المسيح في الميراث.

- إنك طماع للغاية يا أخي، إذ تود أن تبتهج بالعالم هنا وتملك مع المسيح هناك.

القديس جيروم

- [إلى المُقدمين للاستشهاد في المناجم:]

إنكم تنتظرون كل يومٍ بفرحٍ يوم رحيلكم المنقذ.

ها أنتم قد تركتم العالم بالفعل، وتسرعون نحو مكافاءات الاستشهاد، نحو المنازل الإلهية، لكي تروا

بعد ظلمة العالم هذه النور اللائق، وتتقبلون مجدًا أعظم من كل الآلام والأحزان.

الشهيد كبريانوس

- "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" [18]. أنظر فإن النير هين والحمل خفيف (مت 11: 29). فإنه وإن كان عسيرًا علي القليلين الذين اختاروه، لكنه سهل بالنسبة للذين يحبونه. يقول المرتل: "علي حسب كلامك شفتيك لزمت طرقًا وعرة" (مز 26: 4).

القديس أغسطينوس

ثانيًا: إذ يعلن الرسول أن الروح لا ينزع عن المؤمن الآلام والضيقات إنما يهبه مجدًا خفيًا في الداخل وسط الآلام الخارجية، يُستعلن هذا المجد في يوم الرب العظيم، ينتقل من حياة المؤمن الداخلية إلي الخليقة عينها، قائلا:"لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله" [19].

ماذا يقصد بالخليقة التي تترقب في شوقٍ إعلان بنوتنا لله؟

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يقصد بالخليقة هنا العالم كله بما فيه من جمادات. فإن كان الله قد خلق العالم كله من أجل الإنسان ليحيا سيدًا فيه يحمل صورته الإلهية ومثاله، فإن فساد الإنسان انعكست آثاره حتى علي الخليقة، فعندما سقط آدم جاء الحكم: "ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكًا وحسكًا تنبت لك" (تك 3: 17-18). قاوم الإنسان إلهه، فأثمرت مقاومته مقاومة الخليقة له، لكنها حتى في هذه المقاومة كأنها تترجى عودته إلى حضن الله كابن له فتعود هي متهللة من أجل الإنسان الذي خلقت لأجله.

صوّر الرسول بولس الخليقة كشخصٍ يئن ويتمخض معًا يترجى صلاح الحياة كلها. غير أن هذا لا يُفهم بصورة حرفية مادية وإلا توقعنا أن تعود البشرية كما مع آدم في الفردوس الأول الأرضي المادي ويبقى الفردوس خالدًا، الأمر الذي يتنافى مع فكر المسيح وروح الإنجيل، إنما أراد الرسول أن يبرز فاعلية عمل السيد المسيح في حياة الإنسان، حتى تكاد الخليقة غير العاقلة أن تنطق متهللة من أجل المصالحة مع الله وعودته إلى الأحضان الأبوية.

في أوضاع استثنائية سمح الله للطبيعة العنيفة أن تخضع للمؤمن، كملاطفة الحيوانات المفترسة الجائعة للشهداء في الساحات الرومانية، وعدم فاعلية السم علي بعضهم، وسكنى بعض المتوحدين والسواح مع الحيوانات البرية، وإعالة البعض في الصحراء بواسطة غربان الخ. هذا كله لم يكن قاعدة عامة إنما تحققت بفيض خاصة في عصور الضيق الشديد لمساندة الإيمان بطريقة ملموسة، ولتأكيد العطايا الإلهية الداخلية غير المنظورة والأمجاد السماوية المترقبة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[يجعل (الرسول بولس) من العالم كله أشبه بشخصٍ، كما سبق ففعل الأنبياء عندما قدموا الأنهار تصفق بالأيادي (مز 98: 8)، والتلال تقفز، والجبال تتحرك، لا لنتخيل هذه الكائنات الجامدة أشخاصًا حية، فننسب لها قوة العقل، وإنما لكي ندرك عظمة البركات وكأنها قد أثارت الخليقة غير الحسية أيضًا. يستخدمون ذات الأسلوب أيضا في الظروف المؤلمة حيث يصورون الكرمة تنتحب والخمر يبكي والجبال وعوارض الهيكل تصرخ، لندرك مدي بشاعة الشر. هكذا امتثل الرسول بالأنبياء فجعل من الخليقة هنا أشبه بكائن حي يئن ويتمخض، لتظهر عظمة الأمور المقبلة…

ما معنى أن الخليقة أخضعت للباطل [20]؟ لماذا صارت فاسدة؟ وما هو السبب؟ بسببك أنت أيها الإنسان، فإنك إذ حملت جسدًا ميتًا قابلا للآلام تقبلت الأرض لعنة وأنبتت شوكا وحسكًا.

حتى السماء إذ تبلى مع الأرض ستتحول إلي حالة أفضل، اسمع ما ينطق به النبي: "من قدم أسست الأرض، والسماوات هي عمل يديك؛ هي تبيد وأنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، كرداء تغيرهن فتتغير" (مز 102: 25ـ26). ويعلن إشعياء ذات الأمر، بقوله: "ارفعوا إلى السماوات عيونكم وانظروا إلى الأرض من تحت، فإن السماوات كالدخان يضمحل، والأرض كالثوب تبلى، وسكانها يموتون (مثلها)" (إش 51: 6).

ها أنت ترى بأي معنى سقطت الخليقة في عبودية الباطل، وكيف تتحرر من حالة الفساد؟...

لقد حاصرها الشر لأجلك وصار مفسدًا، مع أن (الخليقة) لم ترتكب خطأ من جانبها، ولأجلك أيضًا سيحدث عدم الفساد. هذا هو معنى "علي الرجاء" [20].

عندما يقول أنها أخضعت "ليس طوعًا" لا ليظهر أن ما قد حدث لها وإنما لكي نتعلم عناية المسيح للكل، فإن إصلاح الخليقة لا يكون من ذاتها.]



السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 8 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


6 توت 1736 ش
17 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس أشعياء النبي بن آموص سنة 913 ق م
استشهاد القديسة باشيليا (باسيليا)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك