تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 8 جـ2 Print
ثانيًا: التمتّع بالبرّ

لم يقف الأمر عند حدود العتق من الدينونة، وإنما نحمل البرّ الذي يشتاق الناموس أن نتمتع به لكنه يعجز عن تقديمه.

يقول الرسول: "لكي يتم برّ الناموس فينا، نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" [4].

ماذا يعني أن يتحقّق برّ الناموس فينا؟ يري القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن "البرّ" هنا لا يعني مجرّد عدم وجود خطيّة، وإنما [البر بالنسبة لنا هو التمتّع بالنصرة]، وأن البرّ لا يعني مجرّد الامتناع عن الخطيّة، وإنما التزيّن بالصلاح أيضًا، فلا يقف عند السلبيات، إنما يجب ممارسة الإيجابيات.

مرة أخرى يؤكّد القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن "البرّ" حياة ديناميكية مستمرّة، وعمل روحي غير متوقف، لذا يقول: [في هذه العبارة يظهر بولس أن المعموديّة لا تكفي لخلاصنا ما لم نمارس حياة لائقة بهذه العطيّة بعد نوالها.]

ثالثًا: الانشغال باهتمام الروح لا باهتمام الجسد

"فإن الذين هم حسب الجسد فيما للجسد يهتمون، ولكن الذين حسب الروح فيما للروح، لأن اهتمام الجسد هو موت، ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام، لأن اهتمام الجسد هو عداوة الله، إذ ليس هو خاضعًا لناموس الله، لأنه أيضًا لا يستطيع، فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله، وأمّا أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، أن كان روح الله ساكنًا فيكم..." [5-9].

يلاحظ في حديث الرسول بولس عن اهتمام الروح واهتمام الجسد الآتي:

أ. لا يقارن الرسول هنا بين جوهر الجسد أي الجسم بأعضائه وبين الروح، وإنما بين اهتمام الجسد واهتمام الروح، فيقصد باهتمام الجسد شهوات الجسد واهتماماته واشتياقاته الجسدانيّة، ويقصد باهتمام الروح اشتياقات الروح واهتماماتها الروحيّة.

مرة أخرى نؤكد أن الإنسان بجسده وروحه يمثل وحدة واحدة، إن ترك لجسده العنان يتلذّذ بشهوات جسدانية، يتعدّى الجسد حدوده فيُحسب جسدانيًا، إذ يسلك الإنسان ككل بفكره ونفسه وجسده، بطريقة جسدانيّة، وكأنه قد صار جسدًا بلا روح. وعلي العكس إن سلّم حياته كلها تحت قيادة الروح القدس تتقدّس روحه الإنسانيّة، ويتقدّس جسده بكل أحاسيسه وعواطفه، فيسلك الإنسان ككل، كما لو كان روحًا بلا جسد، إذ يتصرف حتى الجسد بطريقة روحية.

خلال هذه النظرة يمكننا أن نعرف اهتمام الجسد، بمعنى ترك الإنسان الجسد على هواه ليتعدّى حدوده، فتخضع حتى النفس لتحقيق هوى الجسد، أمّا اهتمام الروح فيعني خضوع الإنسان لروح الله، فيسلك كإنسان روحي، يحقّق هوى الروح. الأول يثمر موتًا للنفس والجسد على مستوى أبدي، والثاني يهب حياة وسلاما أبديًا [6]. الأول يخلق عداوة لله [7] إذ يطلب الإنسان ملذاته على حساب صداقته مع الله، أمّا الثاني فيجد رضّا في عيني الله.

بهذا الفهم يفسّر القدّيس يوحنا ذهبي الفم العبارة: "فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله" [8]، قائلاً: هل نقطع جسدنا إربًا حتى نرضي الله، هاربين من طبيعتنا البشريّة؟ هذا التفسير الحرفي غير لائق، فهو لا يقصد الجسم الإنساني ولا جوهره، إنما يعني الحياة الحيوانيّة العالميّة المستهترة التي تجعل الإنسان جسدانيًا، حتى النفس تصير جسدانية، فتتغيّر طبيعتها ويتشوّه نبلها.

وأيضًا حين نسمع: "أمّا أنتم فلستم في الجسد بل في الروح"، لا نفهم بهذا أننا خلعنا الجسم الإنساني، لكنّنا ونحن في هذا الجسم قد تركنا تيّار الشهوات الجسدانيّة، فصرنا كمن هم بلا جسد من جهة الشهوات. استخدم السيد المسيح نفسه هذا التعبير حين قال لتلاميذه: "أنتم لستم من هذا العالم"، بمعنى أنهم لا يحملون فكر العالم الأرضي وشهواته الزمنيّة بالرغم من وجودهم في العالم.

بنفس المعنى يقول القدّيس إيريناؤس: [بهذه الكلمات لا يجحد مادة الجسم، وإنما يظهر ضرورة أن يكون الروح القدس منسكبًا فيه. فهو بهذا لا يمنعهم من الحياة وهم حاملون الجسد، إذ كان الرسول نفسه في الجسد حين كتب لهم هذا، إنما كان يقطع شهوات الجسد التي تجلب الموت للإنسان.] كما يقول: [لا يتحقّق هذا بطرد الجسد وإنما بشركة الروح، لأن من يكتب إليهم ليسوا بدون جسد، إنما تقبّلوا روح الله الذي به نصرخ: "أبا الآب" (8: 15).]

ويرى القدّيس إكليمنضس السكندري أن التعبيرين "في الروح" و"ليسوا في الجسد" إنما يعني أن الغنوسيّين أي أصحاب المعرفة الروحيّة الحقّة يرتفعوا فوق أهواء الجسد: [إنهم اسمى من اللذّة، يرتفعون فوق الأهواء، يعرفون ماذا يفعلون. الغنوسيّيون أعظم من العالم.]

ب. إن اهتمام الروح ليس من عنديّاتنا، إنما هو ثمر سكنى السيد المسيح فينا، الذي بسكناه يُميت الحياة الجسدانيّة الطائشة، فيحيا الإنسان بكلّيّته، جسمًا ونفسًا، في انسجام كعضو في جسد المسيح، إذ يقول الرسول: "وإن كان المسيح فيكم، فالجسد ميّت بسبب الخطيّة، وأمّا الروح فحياة بسبب البرّ [10]

السالك بالروح القدس إنما ينعم بالمسيح أيضًا ساكنًا فيه، إذ يقول الرسول: "وإن كان المسيح فيكم..." وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ينطق (الرسول) بهذا لا ليؤكّد أن الروح هو نفسه المسيح، حاشا، وإنما ليُظهر أن من له روح المسيح، يكون له المسيح نفسه. فإنه لا يمكن إلا حيث يوجد الروح يوجد المسيح أيضًا، لأنه حيث يوجد أحد الأقانيم الثلاثة يكون الثالوث القدوس حالاً، لأن الثالوث غير منقسم على ذاته، بل له وحدة فائقة للغاية... الآن تأمّل عظمة البركات التي ننعم بها بنوالنا الروح: بكونه روح المسيح، يكون لنا المسيح نفسه، ونصير مناظرين للملائكة، وننعم بالحياة الخالدة، ونتمسّك بعربون القيامة، ونركض بسهولة في سباق الفضيلة.]

يكمل القدّيس الذهبي الفم تعليقه على العبارة الرسولية مظهرًا أن الجسد الذي لم يكن خاملاً فحسب بسبب الخطيّة بل كان ميتًا، ها هو بالمسيح الساكن فينا صار رشيقًا يركض بسهولة في ميدان الفضيلة لينال الجعالة... الجسد بذاته ميّت بالخطيّة لكن بالله الروح تمتّع بالحياة التي لا تنحلّ، وصار له برّ المسيح.

هكذا إذ يتحدّث عن سكنى المسيح فينا يُعلن عن "برّ المسيح" الذي لا يقف عند إماتة الحياة الشهوانيّة الجسدانيّة وإنما ينعم بتجلّي الحياة بحسب الروح [10]... يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس يشجّع السامع معلنًا عن البرّ كمصدر للحياة، لأنه حيث لا توجد خطيّة لا يوجد الموت، وحيث لا موت تكون الحياة غير قابلة للانحلال.

رابعًا: التمتّع بالقيامة

إن كان ناموس الخطيّة قانونه الموت الأبدي، فإن ناموس الروح الذي يهبه لنا المسيح قانونه القيامة من الأموات، على مستوى أبدي. يهبنا السيد المسيح روحه القدوس ساكنًا فينا، الروح الذي أقام السيد المسيح من الأموات، إذ هو قادر أن يقيم طبيعتنا الساقطة، فينزع عنها ناموس الخطيّة أو الحياة الجسدانيّة الشهوانيّة ليهبنا الطبيعة الجديدة، الطبيعة المُقامة في المسيح يسوع، يسودها ناموس القيامة والحياة. هذا ما أعلنه الرسول بقوله: "وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات، سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم" [11].

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:

[مرة أخرى يمسّ (الرسول) نقطة القيامة بكونها أكثر الأمور تبعث الرجاء في السامع، وتهبه ضمانًا لما يُحدّث له في المسيح، فلا تخف إذن لأنك مثقّل بجسد مائت. ليكن لك الروح فستقوم ثانية لا محالة...

حقًا سيقوم الكل، لكن لا يقوم الكل ل لحياة، إنما يقوم البعض للعقاب والآخرون للحياة (يو 5: 29)...

أنه لا يعاقبك إن رأى روحه يشرق فيك، بل يوقف العقاب... ويدخل بك إلى حِجال العرس لتكون هناك مع العذارى (تك 25: 12).

ليتك إذن لا تسمح لجسدك (الحياة الجسدانيّة) أن يعيش في هذا العالم، لكي يعيش جسدك هناك.

ليمت كي لا يموت! فإن احتفظت به هنا حيًا لا يعيش، وإن مات يحيا.

هذا هو حال القيامة بوجه عام. إذ يجب أن يموت أولاً ويدفن، عندئذ يصير خالدًا.

ولكن هذا يُحدّث في جرن المعموديّة، حيث يتحقّق الصلب والدفن وعندئذ القيامة. هذا أيضًا ما حدث بالنسبة لجسد الرب، إذ صُلب ودفن وقام. ليحدث هذا أيضًا بالنسبة لنا، فتكون لنا الإماتة المستمدة عن أعمال الجسد. لا أقصد موت جوهر الإنسان، فإن هذا بعيد عن قصدي، إنما موت ميوله نحو الأمور الشرّيرة، فإن هذا هو الحياة أيضًا، بل ما هو هذا إلا حياة.]

يرى القدّيس أمبروسيوس في هذه العبارة الرسولية: "سيحيّ أجسادكم المائته أيضًا بروحه الساكن فيكم" [11]، تأكيدًا لوحدة العمل بين الثالوث القدوس، فإن الآب يحيي من يشاء، وأيضًا الابن (يو 5: 21)، كذلك الروح القدس. وقد جاء في حزقيال: "هلم يا روح من الرياح الأربع وهبّ على هؤلاء القتلى ليَحيوا... فدخل فيهم الروح فحَيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدًا جدًا" (حز 37: 9-10).


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 8 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +