تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 7 جـ4 Print

مرة أخرى يود الرسول أن يؤكد أن الجسد ليس في ذاته شرًا ولا النفس أيضًا، وإنما الإنسان في كليته إذ قبل الشر في حياته بإرادته، أفسد حياته، وحطم قوة الإرادة الصالحة، لتعمل الخطية فيه، وتقوده حسب هواها، إذ يقول:

"لأني لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل، فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل، فلست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة فّي" [19-20].

فالمشكلة ليست في الجسد، وإنما في الخطية التي سكنت فّي، فأفسدت النفس والجسد معًا. لذلك إذ جاء السيد المسيح حملني معه ليصلب الخطية التي سكنت فّي، ويسكن هو في داخلي. فعوض الأنين والصراخ: "لست بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة فّي" أقول: "فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فّي" (غل 2: 20). فإن كنا قد سبق فسلمنا أعماقنا للخطية لنمت مع غالب الخطية، يملك هو فينا ونستتر نحن فيه، كقول الرسول: "لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله، متى أُظهر المسيح حياتنا، فحينئذ تظهرون أنتم أيضًا في المجد" (كو 3: 3-4).

هذا وقد أكد آباء الكنيسة أن الإنسان مادام في زمان الجهاد لن يُعصم من الخطأ، إنما يبقى بنعمة الله مجاهدًا لينطلق من نصرة إلى نصرة، صارخًا إلى الله بلا انقطاع ليعينه من ضعفه، حتى يكمل أيام غربته بسلام. ويحدثنا الأب بينوفيوس كيف تسند نعمة الله المؤمنين المجاهدين فيتخلصون من خطاياهم السابقة، بل ويليق بهم ألا يذكروها، لكن يبقى المؤمنون تحت الضعف في بعض الأمور كالتي يدعوها النبي بالسهوات والخطايا المستترة (مز 19: 12)، لذا يقول الحكيم: "الصديق يسقط في اليوم سبع مرات ويقوم" (أم 14: 16)، فالتوبة عنها لا تنتهي. [لأنه سواء عن جهل أو نسيان أو بالتفكير أو الكلام أم بمجرد الاشتياق أو عن ضرورة أو عن ضعف الجسد أو نجاسة في حلم... هذه الأمور غالبًا ما نسقط فيها كل يوم بغير إرادتنا أو بإرادتنا.]

أخيرًا، إذ يستبعد الرسول كل اتهام ضد الناموس وأيضًا ضد طبيعة جسده، ويجعل من الخطية التي سيطرت عليه وغلبته وسكنت فيه مقاومًا للناموس، أعلن تهلله بالناموس بالرغم من هزيمته بناموس الخطية، مقدمًا الشكر للسيد المسيح الذي يهبه النصرة على ناموس الخطية، إذ يقول:

"فإني أسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن، ولكني أرى ناموسًا آخر في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت. أشكر الله بيسوع المسيح ربنا. إذًا أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله، ولكن بالجسد ناموس الخطية" [22-25].

ماذا يعني أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية؟ بالنعمة الإلهية التي صارت لي في المسيح يسوع تقدست حياتي، وإن كانت الخطية لا تكف عن محاربتي مادمت بعد في الجسد... هذا هو مفهوم النصرة بالنعمة الإلهية، النصرة المرتبطة بجهاد لا ينقطع مادمنا في الجسد. لكنه جهاد بالرب الساكن فينا.

- إن كان (الرسول) يخاف إغراءات الجسد فهل نحن في آمان؟

- أتريد أن تعرف أن لنا أجسادًا هي بعينها كأجساد القديسين... كلنا نلتزم بالمصارعة ليتقبل كل مكافأته حسب جهاده.

القديس جيروم

- حتى الرسول كان يقمع جسده ويضبطه لئلا بعدما كرز للآخرين يصير هو نفسه مرفوضًا (1 كو 9: 27)، وإذ يشعر بعنف الأهواء الحسية يتحدث باسم الجنس البشري، قائًلا: "ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت؟"

- إن كان الرسول الإناء المختار، المفرز لإنجيل المسيح (غل 1: 15) بسبب وخزات الجسد وإغراءاته للرذيلة يقمع جسده ويضبطه لئلا بعدما كرز للآخرين يصير هو نفسه مرفوضًا، ومع هذا نجده يرى ناموسًا آخر يعمل في أعضائه ضد ناموس ذهنه، ويسبيه في ناموس الخطية [23]، وإن كان وهو في عري وصوم وجوع وسجن وجلدات وعذابات كثيرة يعود إلى نفسه ليصرخ: أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت؟ فهل تظن أنه يليق بك أن تترك حذرك؟

القديس جيروم

- كلنا نشعر بهذا، لكن ليس كلنا نخلص.

يا لي من إنسان شقي ما لم أطلب الدواء! ....

لنا طبيب، فلنطلب الدواء. دواؤنا هو نعمة الله، وجسد الموت هو جسدنا. لنكن غرباء عن المسيح. فإننا حتى وإن كنا في الجسد لكننا ليتنا لا نتبع أمور الجسد... إنما نطلب عطايا النعمة: "أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا، ولكن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم" (في 1: 23-24)

القديس أمبروسيوس

- يقول الرسول "أنا نفسي" [25]، إذ لا يوجد اثنان من طبيعتين مختلفتين (واحد بطبعه صالح وآخر بطبعه شرير)، إذ لم يأتيا عن مصدرين مختلفين.

يقول: "بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية" [25]، مادمت أكون مسترخيًا إذ يحارب (ناموس الخطية) الخلاص.

القديس أغسطينوس

- عندما يشعر القديسون أن ثقل الأفكار الأرضية يضايقهم، وإنهم يرتدون بعيدًا عن سمو أذهانهم منقادين بغير إرادتهم أو بالحري لاشعوريًا إلى ناموس الخطية والموت، وتعوقهم الأعمال الأرضية التي هي نافعة وصالحة عن معاينة الله، فإنهم يئنون إلى الله باستمرار، معترفين بانسحاق قلب لا بالكلام بل بقلوبهم أنهم خطاة. وبينما هم بغير انقطاع يلتمسون من رحمة الله الصفح عما يقترفونه يومًا فيومًا بسبب الضعف الجسدي، يزرفون دموعًا حقيقية للتوبة بغير انقطاع...

كذلك يدركون بالخبرة أنه بسبب ثقل الجسد يعجزون بقوتهم البشرية أن يبلغوا النهاية المطلوبة، وأن يكونوا متحدين، حسب اشتياق قلوبهم، بذلك الصلاح الرئيسي الأسمى، وإذ ينقادون بعيدًا عن رؤيته مأسورين بالأمور العالمية يتوجهون إلى مراحم الله "الذي يبرر الفاجر" (رو 4: 5)، ويصرخون مع الرسول: "ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت؟ اشكر الله بيسوع المسيح ربنا" ( رو 7: 24-25). لأنهم يشعرون بأنهم على الدوام لا يستطيعون أن يكملوا الصلاح الذي يريدونه، وإنما يسقطون في الشر الذي يكرهونه، أي الأفكار الزائفة والاهتمام بالأمور الجسدية.

إنهم بالحقيقة يسرون بناموس الله بحسب الإنسان الباطن الذي يسمو فوق كل المنظورات، ويسعون على الدوام ليكونوا متحدين بالله وحده، لكنهم "يرون ناموسًا آخر في أعضائهم"، أي منغرس في طبيعتهم البشرية "يحارب ناموس ذهنهم" (رو 7: 22-23)، أي يأسر أفكارهم إلى ناموس الخطية العنيف، ويلزمهم أن يتخلوا عن ذلك الصلاح الأعظم ويرضخوا للأفكار الأرضية التي وإن ظهرت هامة ومفيدة ونحتاج إليها في العبادة... إلا أنها تقف عائقًا عن التأمل في ذلك الصلاح الذي يسحر أنظار القديسين، فيرونها شريرة ويحاولون تجنبها...

إنني أقول أن هذا الناموس المنغرس في أعضاء البشر جميعًا الذي يحارب ناموس أذهاننا ويعوقها عن رؤية الله.

الأب ثيوناس

- أخيرًا يعبر الرسول الطوباوي بوضوح أنه قال هذا عن المقدسين والكاملين ومن كان على شاكلته، فيشير بإصبعه إلى نفسه، ويتدرج في الحال: "إذا أنا نفسي" [25]، أي أنا الذي أقول هذا أقدم أسراري الخاصة مكشوفة، لا سريرة شخص آخر. اعتاد الرسول أن يستعمل هذا الأسلوب بغير كلفةٍ كلما أراد أن يشير بالأخص إلى نفسه (2 كو 10: 1 ، 12: 13، 16 ؛ غل 5: 2 ؛ رو 9: 2).

إذًا "أنا نفسي" تحمل بالتأكيد: أنا الذي تعرفونه بأنه رسول المسيح، الذي تبجلونه بأعظم احترام، والذي تعتقدون بأنه من أسمى الشخصيات وأروعها كشخصٍ يتكلم فيه المسيح، مع أني أخدم ناموس الله بالذهن أعترف بأنني بالجسد أخدم ناموس الخطية، بمعنى أن حالتي البشرية تجذبني أحيانًا من الأشياء السماوية الأرضية، وينحدر سمو ذهني إلى الاهتمام بأمور تافهة. وبناموس الخطية هذا أجد بأنني في كل لحظة أُخذ هكذا مأسورًا بالرغم من مثابرتي باشتياق راسخ نحو ناموس الله، ولكنني لا أستطيع بأية وسيلة أن أنجو من سلطان هذا الأسر ما لم أهرب دائمًا إلى رحمة المخلص.

لذلك يحزن جميع القديسين بتنهدات يومية من أجل ضعف طبيعتهم هذا. وبينما هم يستقصون أفكارهم المتنقلة ومكنونات ضمائرهم وخلواتهم العميقة يصرخون متضرعين: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حيّ" (مز 143: 2)....

ها أنت ترى إذن كيف يعترف جميع القديسين بصدق أن جميع الناس كما هم أيضًا خطاة، ومع ذلك لا ييأسون أبدًا من خلاصهم، بل يبحثون عن تطهير كامل بنعمة الله ورحمته...

لا يوجد أحد، مهما كان مقدسًا، في هذه الحياة بلا خطية. وقد أخبرنا أيضًا تعليم المخلص الذي منح تلاميذه نموذج الصلاة الكاملة...، إذ يقول: "وأغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا" (مت 6: 12).

إذن إذ قدم هذه كصلاة حقيقية يمارسها قديسون، كما يجب أن نعتقد دون أدنى شك، ممن يمكنه أن يبقى عنيدًا ووقحًا ومنتفخًا بكبرياء الشيطان، فيظن أنه بلا خطية.

الأب ثيوناس




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +