تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 7 جـ3 Print

والآن ماذا فعل ناموس الخطيّة فيَّ؟

أولاً: شوّه معرفتي، إذ يقول الرسول: "لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإيّاه أفعل" [15].

ماذا يقصد الرسول بهذا؟

أ. أفقدت الخطيّة نقاوة البصيرة الداخليّة، فصارت معرفتنا للخطية غير دقيقة، لذا يقول "لست أعرف ما أنا أفعله"... لا بمعنى أن الإنسان يجهل الخطيّة، وإلا لما دين عنها، وإنما قبل الناموس لم يكن قادرًا على معرفتها بدقةٍ، وذلك كما سبق فقال: "فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته" [7]. وكما يقول القدّيس يوحنا ذهبي الفم كان الإنسان قبل الناموس لا يعرف الخطيّة بحقٍ ودقةٍ، لذلك أيضًا كان العقاب أقل قسوة من الذين يخطئون وهم تحت الناموس عارفون الخطيّة.

ب. ربّما يقصد هنا بقوله "لست أعرف" لا معرفة الفكر النظري، فإنه بناموس الطبيعة يعرف الإنسان الخطيّة، لكنه يقصد معرفة الإنسان القادر عن الإحجام عنها ومقاومتها ليعمل البرّ عِوض الشرّ، لهذا يكمل الرسول حديثه: "إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإياه أفعل". وكأنه يقول: صرت كمن بلا معرفة لأنني أمارس ما أبغضه. وذلك كمن يشرب الخمور وهو يعرف إنها مؤذية لصحّته، لكن استعباده لها جعله كمن يجهل آثارها عليه.

ثانيًا: أفقدتني الإرادة الصالحة العاملة، إذ لم يقف الأمر عند تشويه المعرفة، سواء بإفساد البصيرة الداخليّة أو بالعجز عن التمتّع بالمعرفة المقدّسة خلال الخبرة، وإنما أيضًا تسيطر على إرادتي، فتفسد إمكانية العمل الصالح في حياتي، وأحسب كمن يعمل بلا إرادة، إذ سلمت نفسي بنفسي عبدًا لها.

يليق بنا، كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم، ألا نفهم العبارات الواردة هنا حرفيًا، فنظن أن الإنسان مصيّر، يمارس الشرّ إلزامًا، وإلا كان سقوطه تحت الدينونة غير عادل. حينما يقول: "لست أفعل ما أريده" [15] لا ينكر الرسول حريّة الإرادة الإنسانيّة كمن يخطئ قسرًا وجبرًا، وإلا كان الرسول قد أكمل الحديث هكذا: "بل ما أجبر عليه واُلزم به فإيّاه أفعل"، إنما قال: "بل ما أبغضه فإيّاه أفعل"، فإنه لا ينكر ما للخطية من سلطان أفقده قوّة الإرادة لكن في نفس الوقت لا يتصرف جبرًا بغير إرادته.

الخطيّة مخادعة تجتذبه وتجعله يلتزم بممارستها، وإن كان في نفس الوقت يبغضها بحسب الناموس الطبيعي العامل فيه كما بحسب الناموس المكتوب. لهذا يكمل قائلاً: "فإن كنت أفعل ما لست أريده، فإني أصادق الناموس أنه حسن" [16]. كأنه يقول إن كنت بالناموس الطبيعي أكره الخطيّة التي أمارسها فإن الناموس المكتوب أو الموسوي يصادق على الناموس الطبيعي الذي يبغض الخطيّة لذا فالناموس حسن.

ربّما يتساءل البعض: إن كان الإنسان قبل التمتّع بالنعمة يستطيع تحت ظل الناموس المكتوب أو الموسوي أن يقول بأن الخطيّة شوّهت معرفتي، وأفقدتني الإرادة الصالحة والعاملة، حتى كنت لا أفعل ما أريده بل ما أبغضه [15]، فهل ينطبق هذا القول الرسولي علينا ونحن في عهد النعمة؟ أو بمعنى آخر هل هذا القول يناسب الخطاة الذين لم يتمتّعوا بعد بعمل الله فيهم أم يئن منه الجميع؟

يجيب الأب ثيوناس في حديث طويل في مناظرات القدّيس يوحنا كاسيان، موضحًا الآتي:

أ. يرى الأب ثيوناس أن الرسول ينطق بهذه الكلمات عن نفسه حتى بعد تحوّله إلى الإيمان، ليس لأن الوضع لم يتغيّر، إنما لأنه وإن كان قد تمتّع بفيض من الفضائل أشبه بالجواهر وبالبركات الإلهية، لكنه إذ يتطلّع إلى ما سيناله أبديًا يحسب ما لديه تافهًا وقليلاً. فمع ممارسته للحياة المقدّسة في الرب يبغي أن يبلغ رؤية الله وجهًا لوجه، ولا يشغله شيئًا حتى وإن كان أمرًا صالحًا لضروريات الحياة.

ب. إذ يقارن الرسول بولس صلاحه بصلاح الله الفائق يرى أنه "ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله" (لو 18: 19)، فيحسب الرسول نفسه تحت الضعف.

ج. كلما تمتّع الإنسان بالنمو الروحي ازداد نقاوة داخليّة، وفي نفس الوقت ازداد حساسية لأتفه الخطايا، إن صح هذا التعبير. كلما ارتفع الإنسان روحيًا يخشى بالأكثر من السقوط، لا عن يأس أو خوف، وإنما عن حذر لئلاّ تكون سقطته مرّة.

هذا الرأي لا يمثل فكرًا خاصا بالأب ثيوناس وحده، وإنما خاص بالكنيسة الجامعة، فإنها تنظر إلى ما ورد في هذا الجزء من الأصحاح (7: 14-25) أنه وإن كان ينطبق على الإنسان وهو تحت الناموس، لكنه ينطبق بطريقة ما على كل عضو في الكنيسة لا يزال في الجسد، لكن الفارق في الحالتين كبير. فتحت الناموس تعرّف الإنسان على الصلاح ووقف موقف العاجز عن ممارسته، أمّا في عهد النعمة فقد صارت له معرفة أعظم وإمكانيات على مستوى فائق، وقدرة على التحرك بالنعمة الإلهية وعمل الروح القدس فيه، لكنه ليس معصومًا من الخطأ، إنما يبقى يرتفع كما بجناحي الروح منطلقًا من مجدٍ إلى مجدٍ، لعلّه يبلغ قياس قامة ملء المسيح، وفي هذا مع شعوره بعمل الله العظيم فيه يُدرك أنه لم يبلغ بعد تمام اشتياقه في الرب، فيئن في الداخل مقدمًا التوبة بلا انقطاع، شاعرًا مع الرسول بولس أنه أول الخطاة في غير يأس.

- جزئيّا نحن في حرية، وجزئيًا في عبودية.

ليست الحرّية كاملة بعد ولا نقيّة بالتمام، لأننا لم ندخل بعد الأبدية.

نحن لا نزال في الضعف جزئيًا، لكنّنا نلنا الحرّية جزئيًا. ما قد ارتكبناه من خطايا قد غُسل في المعموديّة سابقًا، لكن هل قد محيّ كل الشرّ وبقينا بلا ضعف؟

القدّيس أغسطينوس

- توجد فينا شهوة شريرة، ولكن بعدم موافقتنا لها لا نعيش أشرارًا.

توجد فينا شهوة الخطيّة، وبعدم طاعتنا لها لا نكمل الشرّ، لكن وجودها يعني أننا لم نكمل الخير بعد؛ وقد أظهر الرسول الأمرين:

أ. إننا لن نكمل الخير مادمنا نشتهي الشرّ.

ب. ولم نكمل الشرّ مادمنا لا نطيع مثل هذه الشهوة.

وقد أظهر الأمر الأول بقوله: "لأن الإرادة حاضرة عندي، وأمّا أن أفعل الحسنى فلست أجد" [18]، وأظهر الأمر الثاني بقوله: "اسلكوا بالروح، فلا تكملوا شهوة الجسد" (غل 5: 16). ففي النص الأول لم يقل أن الحسنى (الخير) غير موجودة إنما لم يكملها (أن أفعل لست أجد)، وفي الثاني لم يقل أن شهوة الجسد غير موجودة بل قال "فلا تكمّلوا".

لهذا تجد الشهوات الشرّيرة لها موضعًا فينا حيث توجد اللذّات غير المشروعة، ولكنّنا لا نكمِّل هذه الشهوات عندما نقاومها بالذهن، خادمين ناموس الله.

كذلك فإن الخير يجد له موضعًا فينا حينما لا تكون للذّة الخاطئة مكانًا، وذلك بغلبة اللذّة الصالحة عليها. ولكن تكميل الخير لا يتحقّق تمامًا طالما هذا الجسد - خادم ناموس الخطيّة - يستميل الشهوة الشرّيرة. فمع أننا نقاومها لكنها تتحرك، إن مقاومتنا لها علامة تحركها فينا.

لهذا يكون كمال الخير بهلاك الشرّ تمامًا، فيعلو الواحد ويبيد الثاني.

فإن ظننا أن هذا يتم في هذه الحياة نكون مخدوعين، إنما يتحقّق بصورته الكاملة حينما لا يكون بعد موت، بل حياة أبدية فهناك في الملكوت سيكون الخير في أعلى درجاته، ولا يكون شرّ قط في ذلك الوقت...، وفي ذلك الموضع لا يكون بعد جهاد للعفّة وضبط النفس.

إذن، الجسد ليس شرًا متى تجنب الشر أي الخطأ الذي به يصير الإنسان مخطئًا، إنما هو أوجده. لأن كل من جانبي الإنسان، الجسد والنفس، خلقهما الله الصالح صالحين، أما الإنسان فصنع الشر وبذلك صار شريرًا.

القديس أغسطينوس

- "لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه فإياه أفعل" [15].

لا يُفهم هذا التعبير عن فعل الشر، وإنما عن التفكير فيه، فإنه ليس في سلطاننا أن نفكر في الأمور غير اللائقة أو لا نفكر، إنما سلطاننا أن ننفذ ما بفكرنا أو نمتنع عن التنفيذ. نحن لا نقدر أن نمنع الفكر عن أن يأتينا من الخارج إلى ذهننا، لكننا قادرون أن نمتنع عن طاعته أو ممارسته.

في سلطاننا أن نريد بألا نفكر في هذه الأمور لكننا لا نقدر أن نطردها بحيث لا ترجع إلينا في ذهننا ثانية. لهذا كما قلت ليس في سلطاننا أن نفكر أو لا نفكر فيها؛ هذا هو معنى العبارة: "لست أفعل الصالح الذي أريده". فإنني لا أريد أن أفكر فيما يضرني.... لكن "لست أفعل الصالح الذي أريده بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل". فأنا لا أريد أن أفكر (بالشر) ومع هذا أفكر بما لا أريده.

تأمل أليس عن هذه الأمور عينها يتوسل داود لله في حزن، إذ هو يفكر فيما لا يريده، فيقول: "من الخطايا المستترة يا رب طهرني، من الغرباء احفظ عبدك حتى لا يتسلطوا علّي، فحينئذ أكون بلا عيب وأتنقى من خطية عظيمة" (مز 19: 12-13). كما يقول الرسول في موضع آخر: "هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح" (2 كو 10: 5) .

الأب ميثوديوس

ثالثًا: أفسد جسدي: لم يقف عمل ناموس الخطية عند تشويه المعرفة الروحية وتحطيم قوة الإرادة الصالحة، وإنما بسكنى الخطية في داخلي صار ناموسها عامًلا في أعضائي، فصارت آلات إثم تعمل لحسابه. هذا ما يصرخ منه الرسول طالبًا الخلاص من هذا الفساد لا بتحطيم أعضاء جسده، بل بتقديسها لحساب الله، بعدما عملت لحساب الخطية. هذا الأمر لا يستطيع الناموس الطبيعي ولا الموسوي أن يهبه، إنما هي نعمة الله التي تقدس الجسد مع النفس.

يشكو الرسول حاله، قائًلا: "فالآن، لست بعد أفعل ذلك أنا، بل الخطية الساكنة فّي، فإني أعلم أنه ليس ساكن فّي، أي في جسدي، شيء صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد" [17-18].

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل الرسول أن جسده هو الذي يفعل هذا بل "الخطية الساكنة فّي"، لأن الله خلق الجسد صالحًا، ليس شرًا في ذاته، لكن إذ دخلت الخطية لم يعد يسكن فيه شيء صالح.]

يؤكد نفس القديس أن الجسد وإن كان ليس فيه عظمة النفس، لكنه ليس مضادًا للنفس، ولا هو في ذاته شر، بل يسند النفس، وكأنه بالقيثارة التي في يدّي العازف، والسفينة التي بين يدّي الربان، لا يضاد من يستخدمه، وكأن الجسد مع النفس متحملان المسئولية معًا.




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +