تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 6 جـ3 Print

- "إذن لا تملكن الخطيّة في جسدكم المائت" [12]... لم يقل: "لا تدعها توجد هناك" لأنها هي موجودة فعلاً.

- ما دمت تحمل جسدًا قابلاً للموت تحاربك الخطيّة؛ لكن ليتك لا تجعلها تملك... أي اقطع رغباتها. فإن بدأتَ تطيعها تملك عليك.

ماذا يعني "تطيع"؟ تخضع أعضاؤك كآلات إثم للخطية.

القدّيس أغسطينوس


سابعًا:
مرة أخرى يؤكّد الرسول أن الدعوة للموت مع المسيح لا تعني تحطيم كيان الجسد بل تقديسه، فقد رأينا في الحديث عن المعموديّة أن الإنسان العتيق الذي يُصلب [6] إنما يبطِل جسد الخطيّة لا أعضاء الجسد في ذاتها، والآن إذ يتحدّث عن الجهاد بعد المعموديّة خلال إمكانيات المعموديّة أو خلال "عمل النعمة" فينا يؤكّد أن الدعوة للموت مع المسيح ليست دعوة سلبيّة للخسارة والتبديد، وإنما دعوة إيجابيّة للربح. فالموت هنا هو ربح، إذ فيه تمتّع بالمعيّة مع المسيح المصلوب القائم من الأموات، القادر لا على تحطيم أعضاء الجسم كآلات إثم للخطية وإنما بالأحرى يقيمها آلات برّ لله، واهبًا إيّاها تقديسًا من عنده.

يقول الرسول: "ولا تقدّموا أعضاءكم آلات إثم للخطية، بل قدّموا ذواتكم للَّه كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات برّ لله" [13].

والعجيب قبل أن يطالبنا بتقديم أعضاءنا آلات برّ لله يطالبنا بتقديم "ذواتنا لله كأحياء من الأموات"، بمعنى أنه لن تتقدّس أعضاؤنا الجسديّة ما لم يتقدّس كياننا ككل، ونقبل القيامة عاملة في نفوسنا كما في فكرنا وجسدنا الخ...

- الأعضاء عينها التي اعتدنا أن نخدم بها الخطيّة ونجلب بها ثمرة الموت يريدنا الله أن نستخدمها للطاعة للبرّ فنثمر للحياة.

القدّيس إيريناؤس

يرى القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص أنه إذ يتقدّس الإنسان في كُلّيته، خاصة النفس، تتحوّل الأعضاء الجسديّة من آلات إثم إلى آلات برّ لمجد الله. فتكون النفس كالمرأة التي وجدت الدرهم المفقود (لو 15)، فدعت جيرانها ليفرحوا معها ويشاركونها بهجتها بالدرهم. هكذا أعضاؤنا أشبه بالجيران، ندعوها لتمارس فرحنا بخلاص الرب عمليًا!

ثامنًا:
يختم الرسول بولس حديثه عن عمل المعموديّة الملتحم بالجهاد الروحي، قائلاً: "فإن الخطيّة لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" [14]، مؤكدًا الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا خلال النعمة، التي تعمل فينا في مياه المعموديّة كما في جهادنا اليومي، الإمكانيات الواهبة للغلبة والنصرة.

2. الحرّية في المسيح يسوع

إذ ركّز الرسول بولس أنظارنا نحو المعموديّة كأبناء لله، نمارس هذه البنوّة خلال موتنا مع المسيح وحياتنا معه كل أيام غربتنا، أراد أن يصحّح مفهومًا خاطئًا استقر في ذهن اليهود، ألا وهو أنهم أحرار لمجرد انتسابهم لإبراهيم جسديًا، الأمر الذي وضح في حوارهم مع السيد المسيح حين أعلن لهم: "أنكم إن ثبتّم في كلامي، فبالحقيقة تكونون تلاميذي، وتعرفون الحق، والحق يحرركم" (يو 8: 31-32)، "أجابوه: إننا ذُرّية إبراهيم ولم نُستعبد لأحد قط، كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحرارًا؟ أجابهم يسوع: الحق الحق أقول لكم أن كل من يعمل الخطيّة هو عبد للخطية، والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أمّا الابن فيبقى إلى الأبد، فإن حرّركم الابن، فبالحقيقة تكونون أحرارًا" (يو 8: 33-36).

يلاحظ في حديث الرسول بولس هنا عن الحرّية التي صارت لنا في المسيح يسوع الآتي:

أولاً: يستخدم الرسول أسلوب التشجيع، إذ يقول: "فشكرًا للَّه أنكم كنتم عبيدًا للخطية، ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلّمتموها، وإذ أُعتقتم من الخطيّة صرتم عبيدًا للبرّ" [17-18]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه يعود فيُدخل الثقة في نفوسهم بعد أن أزعجهم بالخزي وأرعبهم بالعقاب، مظهرًا لهم أنهم بالفعل نالوا الحرّية من شرورٍ كثيرة بفضل النعمة الإلهية، لذا وجب عليهم تقديم الشكر لله على هذه العطية. بمعني آخر، إن كان الرسول يدعونا للحرية، فإنه يدعونا لحياة نمارسها بالنعمة، يجب أن تزداد وتلتهب فينا.

ثانيًا: بقوله "أطعتم من القلب" يُشير إلى أن الحرّية التي نمارسها لا تتحقق عن اضطرار، إنما تُمارس خلال الحب "من القلب" بكمال إرادتنا. فالحرّية في المسيح هي عبودية للبرّ [18] لكنها عبودية الحب الاختياري وليس عبودية العنف الإلزامي؛ عبودية النضوج والالتزام بلا استهتار أو تسيّب!

- لا يقل المسيحي أنني حرّ، أفعل ما يحلو لي، ليس لأحد أن يكبح إرادتي مادمت حرًا. إن كنت بهذه الحرّية ترتكب خطيّة فأنت عبد للخطية.

لا تفسد حريتك بالتحرّر للخطية، إنما لاستخدامها في عدم ارتكاب الخطيّة. "فإنكم إنما دُعيتم للحرّية أيها الإخوة، غير أنه لا تُصيِّروا الحرّية فرصة للجسد بل بالمحبّة اخدموا بعضكم بعضًا" (غل 5: 12) .

القدّيس أغسطينوس

ثالثًا: ما هي صورة التعليم التي تسلّمناها لنطيعها من القلب؟ "إذ أعتقتم من الخطيّة صرتم عبيدًا للبرّ"... أي خروج بالنعمة من حالة العبوديّة القاسية التي أذلتنا بها الخطيّة إلى حالة عبودية للبرّ يبتهج بها قلبنا بالحب الداخلي.

رابعًا : يقول الرسول: "أتكلم إنسانيًا من أجل ضعف جسدكم" [19]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يتكلّم معهم بكونه إنسانًا، يشاركهم ذات العمل، فهو لا يتحدّث متعاليًا عن أمر عسير صارم، إنما يوصيهم كإنسان يحمل معهم ذات طبيعتهم، وله خبرة عمليّة أنه كان قبلاً يستخدم أعضاءه لخدمة الإثم وقد تحررت، فصارت أعضاؤه متعبدة للبرّ.

خامسًا: يقارن الرسول بين العبوديّة للإثم والعبوديّة للبرّ، فيرى الأولي قاسية ومخزية، إذ يقول "تستحون منها" [21] ونهايتها الموت [21]، أمّا الثانية فعلى العكس تهب تقديسًا ونهايتها حياة أبدية [21]. فإن كانت الأولي تثمر عارًا وموتًا، فالثانية تثمر قداسة وحياة أبدية. ويرى الأب موسى أن الثمر الثاني يحمل مستويين: الهدف النهائي وهو الحياة الأبدية، وأمّا الهدف الحالي فهو "القداسة" التي هي "نقاوة القلب" والتي بدونها لن ننعم بالحياة الأبدية. وكأن العبوديّة للبرّ تسندنا في زماننا الحاضر بثمرها الذي للبرّ حيث تهب القلب نقاوة، فيقدر على معاينة الله، وتدخل بنا إلى العالم الأبدي، إذ تهبنا "الحياة الأبدية".

سادسًا: إذ يتحدّث الرسول بولس هنا عن "الحياة الأبدية" [24] كعطيّة مجّانية للنعمة، يتساءل القدّيس أغسطينوس: كيف يمكن أن تكون "الحياة الأبدية" جزاءً لأعمال صالحة (مت 16: 27) وفي نفس الوقت عطيّة مجّانية للنعمة؟ وقد جاءت إجابته بإسهاب في كتابه عن "النعمة والإرادة الحرة"، نقتطف منها الآتي:

[يبدو لي أن هذا السؤال لا يمكن حلّه مطلقًا ما لم نفهم أنه حتى الأعمال الصالحة التي نجازى عنها بالحياة الأبدية هي من عمل نعمة الله، لأنه عن ماذا قال الرب يسوع: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا"؟ (يو 15: 5)

والرسول نفسه بعدما قال: "لأنكم بالنعمة مخلَّصون بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطيّة الله، ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد" (أف 2: 8-10) رأي بالطبع أن البشر يمكنهم أن يفهموا من هذه العبارة أن الأعمال الصالحة ليست هامة للمؤمنين، إنما يكفيهم الإيمان وحده، وفي نفس الوقت يرى أولئك المفتخرون بأعمالهم كما لو أنهم قادرون وحدهم على تنفيذها، لهذا وفّق بين هذه الآراء بعضها البعض... مكملاً: "لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيه"...

اسمع الآن وافهم إن عبارة: "ليس من أعمال" قيلت عن الأعمال التي تظن أن مصدرها هو أنت وحدك. لكن لتفتكر في الأعمال التي يشكِّلها الله فيك. عن هذه يقول: "نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع" "لأعمال صالحة قد سبق فأعدها الله لكي تسلك فيها"...

علي أي الأحوال تُعطى الحياة الأبدية هكذا، كجزاء لأعمال صالحة، لأن الله يعمل أعمالاً صالحة في أناس صالحين، قيل عنهم: "الله هو العامل فيكم أن ترّيدوا وأن تعملوا من أجل مسرّته"، حتى أن المزمور المطروح أمامنا يقول: "الذي يكلّلك بالرحمة والرأفة" (مز 103: 4)، إذ من خلال رحمته تنفذ الأعمال الصالحة التي بها تنال الأكاليل.]

1 فماذا نقول انبقى في الخطية لكي تكثر النعمة
2 حاشا نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها
3 ام تجهلون اننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته
4 فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما اقيم المسيح من الاموات بمجد الاب هكذا نسلك نحن ايضا في جدة الحياة
5 لانه ان كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير ايضا بقيامته
6 عالمين هذا ان انساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نستعبد ايضا للخطية
7 لان الذي مات قد تبرا من الخطية
8 فان كنا قد متنا مع المسيح نؤمن اننا سنحيا ايضا معه
9 عالمين ان المسيح بعدما اقيم من الاموات لا يموت ايضا لا يسود عليه الموت بعد
10 لان الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة و الحياة التي يحياها فيحياها لله
11 كذلك انتم ايضا احسبوا انفسكم امواتا عن الخطية و لكن احياء لله بالمسيح يسوع ربنا
12 اذا لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته
13 و لا تقدموا اعضاءكم الات اثم للخطية بل قدموا ذواتكم لله كاحياء من الاموات و اعضاءكم الات بر لله
14 فان الخطية لن تسودكم لانكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة
15 فماذا اذا انخطئ لاننا لسنا تحت الناموس بل تحت النعمة حاشا
16 الستم تعلمون ان الذي تقدمون ذواتكم له عبيدا للطاعة انتم عبيد للذي تطيعونه اما للخطية للموت او للطاعة للبر
17 فشكرا لله انكم كنتم عبيدا للخطية و لكنكم اطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها
18 و اذ اعتقتم من الخطية صرتم عبيدا للبر
19 اتكلم انسانيا من اجل ضعف جسدكم لانه كما قدمتم اعضاءكم عبيدا للنجاسة و الاثم للاثم هكذا الان قدموا اعضاءكم عبيدا للبر للقداسة
20 لانكم لما كنتم عبيد الخطية كنتم احرارا من البر
21 فاي ثمر كان لكم حينئذ من الامور التي تستحون بها الان لان نهاية تلك الامور هي الموت
22 و اما الان اذ اعتقتم من الخطية و صرتم عبيدا لله فلكم ثمركم للقداسة و النهاية حياة ابدية
23 لان اجرة الخطية هي موت و اما هبة الله فهي حياة ابدية بالمسيح يسوع ربنا




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +