إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الرب هو الطبيب العظيم الذي يشفي الجروح ، سيشفي كل جروحك مهما كان عمقها أو اتساعها أو قدمها

الأنبا انطونيوس

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 6 جـ2 PDF Print Email
ثالثًا: إذ أراد الرسول تأكيد حقيقة القيامة لم يقل "نصير أيضًا بشبه قيامته" بل "بقيامته" عينها، قدّم لنا عربون هذه القيامة المقبلة خلال حياتنا الزمنيّة، قائلاً: "عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه، ليبطل جسد الخطيّة، كي لا نعود نُستعبد أيضًا للخطية، لأن الذي مات قد تبرّأ من الخطيّة، فإن كنّا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضًا معه" [6-8]. لنمت هنا عن الخطيّة فنحيا للبرّ. هذه هي القيامة الأولى التي يدعوها الرسول "جدّة الحياة" [4]، عربون القيامة الأخيرة.

"جسد الخطيّة": الذي يبطل هو شرور الإنسان وآثامه التي عاشت فيه فمات روحيًا. بالمعموديّة يموت الإنسان القديم بهذا الجسد، أي "الآثام"، ليُمارس قوّة القيامة كحياة جديدة، بفكرٍ جديدٍ وتسبحةٍ جديدة.

يقول القدّيس جيروم: [حتى التسبحة التي نتغنًى بها جديدة (رؤ 14: 3) إذ نخلع الإنسان القديم (أف 4: 22)، فلا نسير في عتق الحرف بل في جدة الروح (رو 7: 6)... أنه لا يسعفني الوقت لأحاول تقديم كل عبارات الكتب المقدّسة الخاصة بفاعلية المعموديّة شارحًا لك التعاليم السرية الخاصة بهذا الميلاد الجديد الذي هو ميلاد ثانِ لكنه يُحسب الأول في المسيح.]

حاول كثير من الآباء تأكيد أن الذي يموت في المعموديّة ليس "الجسد" إنما "جسد الخطيّة"، مظهرين خطأ بعض الأفكار الغنوسية التي تنظر إلى الجسد (الجسم) كعنصر ظلمة يجب الخلاص منه ومقاومته. فإننا نؤمن بأن الله لم يخلق فينا عنصر ظلمة، ولا شرًا، وأن الجسد بأحاسيسه وعواطفه وقدراته هو من صنع الله الصالح. إنما نحن أفسدناه بانحراف الأحاسيس والعواطف عن غايتها وانحراف الحب إلى الشهوة والدنس. وكما يقول العلامة ترتليان في مقاله عن "قيامة الجسد": [الجسد ليس مضادًا للخلاص بل أعمال الجسد (المنحرفة). عندما تُنزع عنه هذه الأعمال المسببة للموت يظهر الجسد في آمان ويتحرّر من كل علّة الموت.] ويكمل حديثه بإفاضة مؤكدًا أن الذي يصلب مع المسيح ليس هيكل الجسد ولا كيانه الذاتي، إنما سلوكه الأخلاقي (أو الطبيعة الفاسدة) وأحاسيس الخطيّة التي طرأت عليه، مدلّلا على ذلك بأن الرسول لم يقل: "كي لا نعود نستعبد أيضًا للجسد" بل قال: "للخطية" [6]. وأيضًا لم يقل: "احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الجسد" وإنما قال: "عن الخطيّة" [11]. وقد سبق لي معالجة هذا الموضوع في مقدّمة كتاب "العفة" للقديس أغسطينوس الذي سبق لي ترجمته ونشره.

رابعًا: إن كنّا نقبل أن نبقي في حالة "موت عن الخطيّة" فما هي المكافأة؟ "فإن كنّا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضًا معه" [8]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه إذ يطلب الرسول منّا أن نقوم بهذا الدور البطولي أن نموت عن الخطيّة، فنصير بالنسبة لها كمن هو مُلقي جامدًا بلا حراك، فلا نشوّه عطيّة الله التي وُهبت لنا في المعموديّة يقدّم لنا الأكاليل: "الحياة مع المسيح"، قائلاً "سنحيا أيضًا معه". [حقًا حتى قبل نوالنا الإكليل، فإن الشرّكة مع سيدنا هي في ذاتها أعظم إكليل.]

خامسًا: لئلاّ يستثقل المؤمن هذا الطريق: "الموت مع المسيح"، خاصة وأنه يطالبنا به كل أيام غربتنا بعد تمتّعنا بالدفن معه في المعموديّة، أوضح الرسول جانبين: الأول أن هذا الموت هو "مع المسيح"، يرافقنا الطريق بكونه الحياة والقيامة، فلا يستطيع الموت أن يحطمنا، والثاني أن المسيح مات مرة واحدة عن خطايانا وقام، فلا يعود يموت ثانية، هكذا يهبنا قوّة القيامة والغلبة على الخطيّة. بهذا لا يكون موتنا عن الخطيّة حرمانًا أو خسارة، بل ممارسة لقوّة الغلبة والنصرة التي لنا بالمسيح غالب الخطيّة والموت. هذا هو ما قصده الرسول بقوله: "عالمين أن المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت أيضًا، لا يسود عليه الموت بعد، لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة، والحياة التي يحياها فيحياها لله، كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطيّة، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا" [9-11].

أكد الرسول أن السيد المسيح لم يمت عن ضعف خاص به، إنما "للخطية"، لكي يحطم خطايانا ويبدّد قوّتها، لهذا لم يعد لها سلطان علينا مادمنا في اتحاد معه. حقًا الخطيّة خاطئة جدًا وعنيفة، بسببها مات المسيح عنّا مرة واحدة، لكنه بموته هدم سلطانها، فلا نخاف من السير معه في هذا الطريق.

لقد مات المسيح مرة واحدة بلا تكرار، لأنه لم يمت عن ضعف بل عن قوّة الحب الباذل، لكي إذ لا يموت مرة أخرى يهبنا أن نشترك معه في موته وأن نشاركه قيامته التي لا يغلبها الموت.

- هذه هي نعمة الله، وهذه هي طرق الله في إصلاح بني البشر، فإنه تألم ليحرّر الذين يتألّمون فيه،

نزل لكي يرفعنا،

قبل أن يولد حتى نحب ذلك الذي هو ليس (بإنسان مولود عادي)،

نزل إلى حيث (الموت) ليهبنا عدم الموت،

صار ضعيفًا لأجلنا حتى ننال قوة...

أخيرًا صار إنسانًا حتى نقوم مرة أخرى نحن الذين نموت كبشر، ولا يعود يملك الموت علينا، إذ تعلن الكلمات الرسولية قائلة: "لا يسود علينا الموت بعد" [راجع 9، 14].

القدّيس البابا أثناسيوس الرسولي

لقد أكد الرسول أن المسيح مات مرة واحدة عن الخطيّة، لهذا ففي سرّ الإفخارستيا نقبل السيد المسيح الذي مات مرة على الصليب، فنقبل ذات عمل الصليب الذي لا يتكرّر، إنما هو ممتدّ في حياة الكنيسة كسرّ غلْبتها على الخطيّة والموت، ويبقى سرّ تسبيحها الذي لا ينقطع حتى في الأبدية.

مات السيد المسيح مرة واحدة عن الخطيّة، مقدمًا ذبيحة الحب باسمنا، هذه التي يشتهي أن يقدّمها في حياة شعبه وخدامه. يروي لنا القدّيس أمبروسيوس قصة لقاء السيد المسيح مع القدّيس بطرس عند أبواب روما وهو خارج تحت ضغط المؤمنين ليهرب من الاستشهاد، فرأى السيد حاملاً صليبه، فعرف أنه يريد أن يُصلب في شخص خادمه، لهذا عاد إلى روما، وقدم نفسه للموت من أجل المسيح، وتمجّد ربنا يسوع بصلبه.

سادسًا: إن كان المسيح قد مات "للخطية" كي لا يكون لها سلطان علينا، فإنه لا يليق بنا إلا أن نسلِّم القلب عرشًا له، بعد أن ملَكت عليه الخطيّة زمانًا. لنمت عن الخطيّة، فلا تملك علينا بعد. ولنحيا لله بالمسيح يسوع ربنا الذي يملك فينا، ويقيم مملكته داخل قلوبنا، مقدّمين كل أعضاء جسدنا وطاقاتنا وعواطفنا لحساب ملكوته، كآلات برّ لله بعد أن كانت خاضعة للشهوات كآلات إثم للخطية.

هذا ما عناه الرسول بولس بقوله: "كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطيّة ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا. إذن لا تملكنّ الخطيّة في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته، ولا تقدّموا أعضائكم آلات إثم للخطية، بل قدّموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات، وأعضاءكم آلات برّ لله، فإن الخطيّة لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" [11-14].

يوضّح الرسول أن المسيح يسوع ربنا هو الذي يهبنا الموت عن الخطيّة والحياة للآب كأبناء له؛ وهو الذي يحطم الشهوة الشرّيرة لا الجسد ذاته، محوِّلاً أعضاء الجسد من آلات إثم للخطية إلى آلات برّ لله، لهذا وجب أن يملك هو فينا لا الخطيّة.

يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في قول الرسول "لا تملكن الخطيّة" إعلانًا عن استعباد الخطيّة لإنسان، إذ تودّ أن تحكمه بالقوّة والقهر. لذا من يعود إليها بعدما تمتّع بنعمة المسيح يكون كمن قذف بالتاج من على رأسه ليحني رقبته لعبودية امرأة مجنونة مهلهلة الثياب وعنيفة. أمّا قوله "في جسدكم المائت" إنما لكي يوضّح الرسول أن الجهاد مؤقت وله نهاية مادام مرتبط بجسدنا الزمني.

فيما يلي بعض مقتطفات للآباء بخصوص ملكية المسيح فينا وملكية الخطيّة علينا:

- لا يجسر أحد أن يقول: "ملكي وإلهي" (مز 5: 1) إلا ذلك الذي لا تملك الخطيّة في جسده المائت...

أنت تملك فيّ، أمّا الخطيّة فلا تملك، لأنك أنت إلهي!

أنت هو إلهي، لأن بطني ليست إلهًا لي، ولا الذهب ولا الشهوة!

أنت هو الفضيلة، أودّ أن أقتنيك!

أنت هو إلهي، أنت هو فضيلتي!

القدّيس جيروم

- إنها كرامة عظيمة وشرف كبير أن يكون الإنسان عبدًا للرب لا للخطية.

- "قلب الملك في يدّ الرب" (أم 21: 1). لنكن ملوكًا فنحكم جسدنا (من الخطيّة) ونخضعه، فيكون قلبنا في يد الله.

القدّيس جيروم

- هذا هو عملنا الحالي مادامت حياتنا مستترة، ألا نملك الخطيّة أو شهوة الخطيّة في جسدنا المائت، فإننا إن كنّا نطيع شهوتها تملك علينا.

شهوة الخطيّة فينا، لكنّنا لا نسمح لها أن تملك علينا. ورغبتها موجودة، لكن يلزم ألا نطيعها حتى لا تسيطر علينا. فإذ لا نسمح للشهوة أن تغتصب أعضاءنا بل للعفة أن تطلبها كحق لها، بهذا تكون أعضاؤنا آلات برّ لله وليست آلات إثم للخطية. بهذا لا تسودنا الخطيّة، لأننا لسنا تحت الناموس الذي يأمر بما هو للخير دون أن يهبه، بل تحت النعمة التي تحببنا بما يأمر به الناموس، وهي قادرة على السيطرة على (الإرادة).

- مادامت الخطيّة بالضرورة موجودة في أعضائك فلا تجعل لها سلطان عليك لتملك، وإنما على الأقل اطردها ولا تطع متطلباتها.

هل يثور فيك الغضب؟ لا تُخضِع له لسانك بالنطق بكلمة شريرة، ولا تُخضع له يدك أو قدمك كأن تضرب بهما. ما كان يمكن للغضب غير المتعقل أن يثور فيك لو لم توجد الخطيّة في أعضائك، ولكن اُطرد قوّتها الحاكمة، فلا يكون لها أسلحة لمحاربتك، عندئذ تتعلم هي ألا تثور فيك إذ تجد نفسها بلا أسلحة...

هكذا يليق بكل أحد أن يجاهد إذ يبغي الكمال، حتى إذ تجد الشهوة نفسها بلا استجابة من الأعضاء تقل يومًا فيومًا خلال رحلتها.

القدّيس أغسطينوس


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


29 بؤونه 1736 ش
06 يوليو 2020 م

استشهاد القديس اباهور ، أبا بيشاى
استشهاد السبعة نساك بجبل تونه

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك