تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 6 جـ1 Print

بنوّة المؤمنين لله


فنّد الرسول بولس حجة اليهود من جهة بنوّتهم لإبراهيم الحرّ جسديًا، موضحًا أن إبراهيم قد تبرّر وهو في الغُرْلة بالإيمان، كما تبرّر بذات الإيمان وهو في الخِتان، لذا فهو أب أهل الغُرْلة كما هو أب أهل الخِتان، هو أب الجميع. فإن أردنا البنوّة لإبراهيم نلتزم أن نتبرّر معه بالإيمان. الآن يرفعنا الرسول من البنوّة لإبراهيم إلى البنوّة لله نفسه في مياه المعموديّة التي يتمتّع بها الأممي المتنصر كما اليهودي المتنصر، ليعيش الكل كأبناء الله في جدّة الحياة، يمارسون حياة المسيح المُقامة، مقدّمين أجسادهم آلات برّ لله، بعد أن كانت آلات إثم للخطية. هذا هو مفهوم الحرّية الجديد: ليس الانتساب جسديًا لإبراهيم، وإنما ممارسة الحياة المقدّسة بالنعمة الإلهية بروح البنوّة.

1. الحياة الجديدة بالمعموديّة 1-14.

2. الحرّية في المسيح يسوع 15-23.

1. الحياة الجديدة بالمعموديّة

سبق أن تحدث في الأصحاح السابق عن فيض نعمة الله المجّانية التي لا تقف عند غسلنا من الخطيّة ومحو آثارها، أي الموت، إنما تفيض فينا بغنى عطايا إلهية بلا حصر. إذ تهبنا برّ الله، وتقدّم لنا الحياة أبديًا بشركة أمجاد إلهية وميراث سماوي فائق. بهذا أكدّ الرسول ليس فقط تفَّوق آثار النعمة على أثر الخطيّة، وإنما أكدّ التزامنا ونحن نتمسك بالنعمة أن نحيا كما يليق بمن نالها، مقدّسين في الرب. هذا ما عاد ليؤكّده بأكثر وضوح في هذا الأصحاح مبرزًا بنوّتنا لله التي ننالها خلال نعمة المعموديّة، إذ يقول:

"فماذا نقول؟ أنبقى في الخطيّة لكي تكثر النعمة؟ حاشا! نحن الذين مُتنا عن الخطيّة، كيف نعيش بعد فيها؟ أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته؟ فدفنا معه بالمعموديّة للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضًا بجدة الحياة" [1-4].

إن كان الله بكثرة رحمته أفاض بنعمته علينا لينزع عنّا كل أثر للخطية، فتمجّد فينا نحن الخطاة، هذا لا يدفعنا للاستهتار بالخطيّة أو التهاون في الجهاد ضدّها، إنما يليق بنا أن نتركها سالكين كما يليق بنا كأولاد لله، نلنا بنعمته البنوّة له. هكذا يضع الرسول بولس "المعموديّة" أمامنا لندرك مركزنا الجديد خلال النعمة فنحيا في جدة الحياة كأولاد لله.

هذا هو عمل الكنيسة تجاه المؤمنين، كأم نحو أولادها، تأكيد نعمة الله المجّانية كباعثٍ حقيقي للجهاد بلا انقطاع، وتذكير الكل بمركزهم الجديد خلال مياه المعموديّة، ليعيشوا كل زمان غربتهم سالكين بقوّة القيامة كأولاد لله، في جهادٍ غير منقطعٍ.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن المعموديّة قد أماتت الخطيّة فينا، ولكي تظلّ الخطيّة ميّتة يليق بنا أن نجاهد بلا انقطاع، فلا نُطيع الخطيّة بالمرّة، بل نقف أمامها جامدين كالموتى.

- ماذا يعني"اعتمدنا لموته"؟ يقصد موتنا نحن كما مات هو. فالمعموديّة هي الصليب، وما كان الصليب والدفن بالنسبة للمسيح تكون المعموديّة بالنسبة لنا، ولو أن التطابق ليس تمامًا. لأنه هو مات ودُفن بالجسد، أمّا نحن فنمارس الاثنين (الموت والدفن) بالنسبة للخطية.

لم يقل "متّحدين معه بموته" وإنما قال "بشبه موته" [5]، فإن هذا وذاك هما موت، لكن موضوع الموت مختلف، المسيح مات بالجسد، أمّا نحن فنموت عن الخطيّة التي من عندياتنا.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

- واضح أن من يعتمد يُصلب فيه ابن الله، فإن جسدنا لا يقدر أن يطرد الخطيّة ما لم يصلب مع يسوع المسيح.

القدّيس أمبروسيوس

- لندفن مع المسيح بالمعموديّة لنقوم معه!

لننزل معه لكي نرتفع أيضًا معه!

لنصعد معه، فنتمجّد أيضًا معه!

القدّيس غريغوريوس النزينزي

- الآن إن كنّا نتمثل بموته، فالخطيّة التي فينا تكون بالتأكيد جثمانًا ميتًا، تُجرح برمح المعموديّة كما ضرب فينحاس الغيور الزاني بالرمح (عد 25: 6-15).

القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص

ويلاحظ في حديثه عن تمتّعنا بالحياة الجديدة في مياه المعموديّة الآتي:

أولاً: يربط الرسول بين الصلب والدفن والقيامة، أو بين الموت مع السيد المسيح والحياة معه بقوّة قيامته. فإن كانت المعموديّة هي دفن، فهي في نفس الوقت قيامة، بهذا نفهم طريق المسيح كطريق كرْب، وفي نفس الوقت طريق مُبهج، لأنه طريق الألم مع المسيح والقيامة معه. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن تمتّعنا بقيامته ليس أمرًا مستقبليًا فحسب، إنما هي حياة حاضرة نعيشها في حياتنا اليومية.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ يلمح هنا عن التزامنا بالسلوك المدقق يُشير إلى موضوع القيامة... فإنه يقصد بكلماته هكذا: أتؤمن أن المسيح مات وقام؟ آمن بهذا من جهة نفسك، فالقيامة كالصلب والدفن هي خاصة بك. إن كنت تشترك في الموت والدفن فبالأولي أن تشترك في القيامة والحياة. إن كانت الخطيّة، الأمر الأصعب، قد أُزيلت فبلا شك يُنزع الموت الأمر الأقل (فتنال القيامة) الآن. إذ يقدّم لنا القيامة فإنه يسألنا أمرًا آخر هو تغيير (تجديد) عاداتنا هنا (بكونها قيامة عاملة فينا). فعندما يصير الزاني عفيفًا والطماع رحيمًا والعنيف مطيعًا، بهذا تكون القيامة عاملة هنا كعربون للقيامة الأخرى. كيف يُحسب هذا قيامة؟ لأن الخطيّة تموت والبرّ يقوم، الإنسان القديم ينتهي، والجديد الملائكي يعيش.]

يكمل القدّيس يوحنا الذهبي الفم حديثه عن الموت مع المسيح والقيامة معه في جرن المعموديّة، مبرزًا دورنا الإيجابي في "الإماتة". فإن كان السيد المسيح يهبنا أن نموت معه في المعموديّة، إنما ليقدّم لنا إمكانية السلوك والجهاد كل أيام غربتنا بلا توقف، حتى لا نفقد نعمة المعموديّة أو ثمرها فينا، أي حتى لا نفقد تمتّعنا بالموت مع المسيح. يقول القدّيس الذهبي الفم:

[يتحدّث الرسول عن نوعين من الإماتة والموت، الأولي هي عمل المسيح (فينا) في المعموديّة، والثاني نمارسه بشغف بعد المعموديّة؛ فدفن خطايانا السابقة هو هبة منه، لكن أن نبقى أمواتًا عن الخطيّة بعد المعموديّة، فيلزم أن يكون موضع شغفنا لنجد الله نفسه معينًا لنا. فإن سلطان المعموديّة لا يقف عند محو معاصينا السالفة، إنما تهبنا أمانًا من جهة المعاصي اللاحقة. بالنسبة للخطايا السابقة نساهم نحن بالإيمان لكي تُمحى، وهكذا أيضًا بالنسبة للخطايا اللاحقة يلزمك إظهار تغيير نيّتك مؤكدًا أنك لا تدنّس نفسك بعد. هذا هو ما يُشير به عليك الرسول بقوله: "إن كنّا قد اتحدنا (زرعنا) معه في شبه موته نصير أيضًا بقيامته" [5]. ألا تلاحظ كيف يستثير سامعه ليقوده إلى سيده محتملاً آلامًا كثيرة ليصير على شبهه؟ لهذا لم يقل: "اتّحدنا (زُرعنا) معه في موته" لئلاّ تعارضه بل قال: "في شبه موته". لأن جوهرنا لا يموت بل "إنسان الخطيّة" أي "الشرّ" هو الذي يموت.

"إن كنّا قد زرعنا معه"؛ فبإشارته للزرع هنا يلمح إلى الثمر الذي ينتج عنه، فكما أن جسد (المسيح) بدفنه في الأرض قدّم لنا ثمر الخلاص للعالم، هكذا نحن أيضًا إذ ندفن في المعموديّة نحمل ثمر البرّ والتقديس والتبنّي وبركات بلا حصر، كما نحمل بعد ذلك عطيّة القيامة.

نحن دفنا في المياه، أمّا هو ففي الأرض. نحن دُفنا عن الخطيّة، أمّا هو فمن جهة الجسد، لذلك لم يقل: "زُرعنا معه في موته" وإنما "في شبه موته"... لكنه لم يقل: "نصير أيضًا في شبه قيامته" بل "بقيامته" ذاتها.]

ثانيًا: غاية المعموديّة إننا إذ نُصلب مع السيد المسيح ننعم بالحياة المُقامة الجديدة، فنعيش هنا بفكر سماوي متمتعين بعربون الميراث الأبدي.

- الغنوسي (صاحب المعرفة الروحيّة الحقيقية) لن يضع غايته الرئيسية في الحياة (الزمنيّة) إنما يبقي على الدوام سعيدًا ومطوّبًا وصديقًا ملوكيًا لله.

القدّيس إكليمنضس السكندري

- يتقبل المعمدون الميراث، هؤلاء الذين يعتمدون بموت المسيح ويدفنون معه ليقوموا معه. لذا فهم ورثة الله ووارثون مع المسيح (رو 8: 17)، ورثة الله لأن نعمة المسيح توهب لهم؛ وورثة مع المسيح، لأنهم يتجدّدون بحياته، وهم أيضًا ورثة المسيح إذ وهبهم الميراث بموته، كما لو كانوا ورثة للموصي.

القدّيس أمبروسيوس


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +