إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان المتضع يشعر أنه لا يستحق شيئاً لذلك فهو يشكر اللَّـه على كل شيء مهما كان قليلاً، ويفرح به، شاعراً فى عمق أعماقه أنه لا يستحقه … أما المتكبر، فإنه على عكس ذلك، يظن فى نفسه أنه يستحق أشياء كثيرة أكثر مما عنده فيتذمر على ما هو فيه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 5 جـ1 PDF Print Email

بنوّتنا لآدم الواحد


إذ يعالج الرسول بولس موضوع انتساب اليهود لأبينا إبراهيم حسب الجسد أبرز أن إبراهيم قد تبرّر وهو في الغُرْلة كما وهو في الخِتان خلال إيمانه، ليحمل أبوة صادقة روحية لكل مؤمنٍ حقيقيٍ. والآن يودّ الرسول بطريقة غير جارحة أن يظهر رجل الإيمان الأعظم إبراهيم، أنه ابن آدم، أحد هؤلاء الذين سقطوا تحت مملكة الموت بسبب عصيان آدم، فكان محتاجًا إلى من يبرّره. بمعنى آخر خلال الظلام والرموز تبرّر إبراهيم نفسه ببرّ المسيح، إذ بدون إيمان لم يكن ممكنًا أن يتبرّر، وكما قال القدّيس جيروم: [قبل مجيء المسيح كان إبراهيم في المواضع السفلية بينما بعد مجيئه صار اللص في الفردوس.]

كأن الرسول يودّ أن يوجّه أنظار الكل، اليهود والأمم، إلى برّ المسيح الذي اشتهاه إبراهيم نفسه (يو 8: 56) عِوض الافتخار بالانتساب لإبراهيم حسب الجسد.

بدأ الأصحاح بالكشف عن ثمر برّ المسيح، ليحدّثنا عن حالنا كأبناء لآدم، من بيننا إبراهيم نفسه، ثم عن حالنا خلال آدم الثاني أو الجديد.

1. ثمار برّ المسيح 1-11.

2. آدم وبنوه تحت الموت 12-14.

3. آدم الثاني والنعمة 15-21.

1. ثمار برّ المسيح


كعادة الرسول بولس قبل أن يبرز الجانب السلبي وهو خضوع آدم وبنيه تحت حكم الموت بسبب العصيان، بما فيهم رجل الإيمان إبراهيم، أبرز في إيجابيّة ثمار برّ المسيح التي يتمتّع بها كل أبناء إبراهيم الروحيين، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أ. التمتّع بالسلام مع الله [1].

ب. نعمة حاضرة ورجاء لمجد أبدي [2].

ج. ارتفاع فوق الضيقات [3-4].

د. عطيّة الروح القدس واهب الحب [5].

ه. اختبار محبّة الله بالصليب [6-11].

ويلاحظ في هذه الثمار الفائقة الآتي:

أ. ننعم بلقاء الثالوث القدوس، ونختبر حُبّه وعمله فينا: (سلام مع الله الآب، انسكاب الحب بالروح القدس الساكن فينا، اختبار للحب الإلهي بصليب ربنا يسوع المسيح).

ب. ثمار على مستوي أبدي، إذ ننعم بمصالحة أبدية ومجد أبدي. لكنّنا ننال العربون حاضرًا الآن في حياتنا: "هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون" [2].

الآن في أكثر تفصيل نتحدث عن هذه الثمار:

أولاً: التمتّع بالسلام مع الله

"فإذا قد تبرّرنا بالإيمان، لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح " [1].

يبدو لي أن "السلام مع الله" هنا يحمل معنى غير السلام من الله (رو 1: 7) أو "سلام الله الذي يفوق كل عقل" (في 4: 7)، فإن السلام الإلهي الذي ننعم به إنما هو "سلامنا الداخلي" الذي يهبه الله كعطيّة روحية، يعطي للإنسان انسجامًا في الغاية والسلوك، فيعمل الإنسان بنفسه كما بجسده بسلام الله لحساب الملكوت، كما يهبه سلامًا مع الآخرين مشتاقًا أن يبذل كل حياته لحسابهم في المسيح يسوع؛ أمّا "السلام مع الله" فيعني تغيير شامل لمركزنا من حالة العداوة التي كنّا فيها إلى حالة بنوّة وحب وصداقة. أو تعني انطلاقنا من حالة الانحدار التي بلغناها بسبب خطايانا وعصياننا، لندخل خلال الدم إلى حالة مصالحة مع الآب، فنُحسب بالمسيح يسوع الابن الوحيد أبناء له، موضع سروره ورضاه. هذا هو أول ثمر "برّ المسيح"، إننا نختفي فيه لنُحسب أبرارًا فيه، ومصالحين، نحيا كأبناء في سلام حقيقي مع الآب. بذات الفكر يقول معلمنا بطرس الرسول: "فإن المسيح أيضًا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البارّ من أجل الآثمة، لكي يقرّبنا إلى الله" (1 بط 3: 18).

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني "لنا سلام"؟ يقول البعض: ألا نكون على خلاف بارتكاب معاصي ضد الناموس، أمّا بالنسبة لي، فأظن أن ما جاء هنا يخص مناقشتنا، لأنه بعدما تحدّث كثيرًا عن موضوع الإيمان، وقد وضعه قبل البرّ بالأعمال، فلئلا يظن أحد أن ما قاله يُحسب أساسًا للتهاون، لذلك قال: "ليكن لنا سلام"، بمعنى "ليتنا لا نخطيء بعد"، "ليتنا لا نعود مرة أخري إلى حالنا القديم"، إذ يسبّب هذا حربًا مع الله. كيف يمكن تحقيق هذا؟ إن كنّا ونحن نحتمل خطايا كثيرة هكذا نتحرر منها جميعًا بالمسيح، فإننا بالأكثر نستطيع أن نبقى على هذا الحال بالمسيح. فإن ثمة فارق بين تقبلنا السلام حيث لم يكن موجودًا، وبين احتفاظنا به حين يكون لدينا، لأن نواله أصعب من الاحتفاظ به بالتأكيد، ومع هذا فإن ما هو أصعب صار ميسورًا وتحقق. لذلك يلزمنا أن نسعى وراء ما هو أسهل بالتصاقنا بالمسيح الذي وهبنا ما هو أصعب... إن كان قد صالحنا في الوقت الذي كنّا فيه في حرب مع الله، فمن المعقول أن نبقى في حالة المصالحة...]

بمعنى آخر نحن الذين كنّا في حالة عداوة مع الآب صرنا في سلام معه بربنا يسوع، فكم بالأكثر وقد تصالحنا معه أن نبقى هكذا، لكن ليس بجهادنا الذاتي وإنما بربنا يسوع نفسه. لنبقى في "سلام" كعطيّة إلهية، وفي نفس الوقت دخول في علاقة قربى معه! يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان قد أحضرنا إليه لنكون قريبين منه عندما كنّا بعيدين، كم بالأكثر يحفظنا الآن ونحن قريبون؟]

ثانيًا: نعمة حاضرة ورجاء لمجد أبدي

"الذي به أيضًا قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون، ونفتخر على رجاء مجد الله" [2].

لم يعد الزمن يمثل رعبًا بالنسبة لنا، فالماضي بالنسبة للكثيرين مفقود والحاضر مؤلم والمستقبل مجهول، أمّا وقد دخلنا بالإيمان إلى "برّ المسيح"، صار الماضي بركة لنا، إذ نرى أحداث الفداء التي عبرت كتاريخٍ لا تزال حيّة وفعُالة في أعماقنا وتصرّفاتنا، وصار الحاضر بالنسبة لنا مفرحًا إذ نسلك "بالنعمة الإلهية" متمتّعين بالسلام مع الله، أمّا المستقبل فمكشوف إذ نعيش على "رجاء مجد الله". هكذا لم يعد الزمن بالنسبة لنا مرعبًا ولا مفقودًا، الماضي حاضر بالنسبة لنا، والحاضر عربون المستقبل، والمستقبل حال خلال عربون الحاضر.

الإيمان بالمصلوب فتح لنا بالـ "النعمة التي نحن فيها مقيمون"، نعمة البنوّة التي نلناها في مياه المعموديّة بالروح (يو 3: 5)، خلالها نختبر أحداث الصلب والقيامة كحياة واقعية حاضرة ونعتزّ بالتمتّع بمجد الله الأبدي، بكوننا "ورثة الله، ووارثون مع المسيح" (رو 8: 17).

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية قائلاً:

[اسمحوا لي أن أسألكم أن تتأمّلوا كيف يؤكّد الرسول في كل موضع نقطتين: جانب الله وجانبنا، فمن جانب الله، كيفما كان، توجد أمور كثيرة، عديدة ومتنوّعة، إذ مات من أجلنا وصالحنا وجبَلنا إليه ووهبَنا نعمة لا ينطق بها. أمّا نحن فمن جانبنا نقدم إيمانًا (حيًا) فقط، لذلك يقول: "بالإيمان إلى هذه النعمة". اخبرني: أيّة نعمة هذه؟ أنك حُسبتَ أهلاً لمعرفة الله، وانتزعت عن الخطأ وتعرفّتَ على الحق ونلتَ كل بركات المعموديّة؟ لأن غاية إحضارنا إليه هو تقبُّل هذه العطايا. فإننا لم ننل غفران الخطايا فحسب لنكون مُصالحين، وإنما لننال بركات لا حصر لها.

لم يقف عند هذا الحد إنما وعدنا ببركات أخرى، بركات لا يُنطق بها، تفوق الإدراك واللغة، لهذا لم يحدّثنا عنها. فبإشارته للنعمة أوضح ما نلناه حاليًا، وبقوله: "ونفتخر (نبتهج) على رجاء مجد الله" [2]. يكشف عن كل الأمور العتيدة.

حسنًا قال: "التي نحن فيها مقيمون" [2]، لأن هذه هي طبيعة نعمة الله، أنها بلا نهاية ولا تعرف الحدود، بل على الدوام ننعم بأمور أعظم، على خلاف ما يُحدّث في الأمور البشريّة. أعطيك مثلاً لما أقصده: إن نال إنسان سيادة ومجدًا وسلطانًا لا يقيم في هذه الأمور على الدوام، إنما سرعان ما تُسحب منه. فإن لم يسحبها منه إنسان آخر يأتيه الموت الذي يسحبها منه بالتأكيد. أمّا عطايا الله فليست من هذا النوع إذ لا يستطيع إنسان ولا ظروف ولا كوارث ولا حتى الشيطان أو الموت أن يسلبها، بل بالعكس عندما يحلّ الموت تتأكد بالأكثر ملكيتنا لها وثبوتنا فيها ويزداد تمتّعنا بها أكثر فأكثر... لهذا يقول: "نبتهج على رجاء مجد الله"، لكي تتعلم ما هي النفس التي يليق بالمؤمن أن تكون له. ليس فقط نعرف ما هي العطايا التي تقدّم وإنما لمن تقدّم، فنمتلئ ثقة أنها قُدِّمت فعلاً، إذ يبتهج الإنسان بكونه قد نالها فعلاً... وقد دعاها "مجدًا"؛ إذ هي شركة في مجد الله.]

هكذا يركّز القدّيس يوحنا الذهبي الفم على تعبير "مقيمون فيها" علامة استمرارية عمل نعمة الله في حياتنا متى خضعنا لها وقبلّناها متجاوبين معها، ولا يقف الأمر عن الاستمرارية، وإنما تزداد قوّة فينا وبهاءً مع الزمن حتى متى بلغنا الخروج من هذا العالم ننعم بالشركة في المجد الإلهي.


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


10 توت 1736 ش
21 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة مطرونة
استشهاد القديس يؤانس المصري وزملائه
استشهاد القديسة باسين وأولادها الثلاثة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك