إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لكى تحتفظ بتواضعك أحتفظ بأستمرار بتلمذتك وإن شعرت أنك صرت صرت معلماً وأصبحت فوق مستوى التلمذة أعرف جيداً أنك بدأت تسقط فى الكبرياء

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email
ويقدّم لنا الأب بولاس أسقف يوبا Bobba بموريتانيا ذات الفكر قائلاً أنه يلزم ألا نضطرب حين يرفض إنسان إيمان الكنيسة.

يرى القدّيس أغسطينوس أن الكذب هنا يعني الفراغ، والصدق أو الحق يعني الملء، إذ يقول: [الله الملء والإنسان فارغ. أن أراد أحد أن يمتلئ فليذهب إلى ذاك الذي هو الملء: "تعالوا إلى واستنيروا" (راجع مز 34: 5). فإن كان الإنسان كاذبًا، فهو بهذا فارغ يطلب أن يمتلئ، فيجري بسرعة وغيرة نحو الينبوع ليمتليء.]

يقول أيضًا: [عندما يعيش إنسان حسب الحق يعيش لا حسب نفسه بل حسب الله القائل: "أنا هو الحق" (يو 14: 6). من يحيا حسب نفسه، أي حسب الإنسان لا الله، فبالتأكيد يعيش حسب الكذب، ليس لأن الإنسان نفسه كذب إذ الله موجده وخالقه، وهو بالتأكيد ليس موجدًا للكذب ولا خالق له، إنما لأن الإنسان الذي خُلق مستقيمًا لكي يحيا حسب الله خالقه لا حسب نفسه، أي يتمّم إرادة الله لا إرادته الذاتية، صار يعيش بغير ما خُلق ليعيش به، وهذا هو الكذب... لذلك لم يقُل أن كل خطيّة هي كذب باطلاً.]

ثانيًا: إذ عالج الرسول المشكلة الأولي وهي: ما نفع بركات الله ونعمه على اليهودي، إن كان اليهودي قد أساء استخدامها، فصارت البركات وهي مقدّسة ومباركة علّة عقوبة أعظم لمن أساء استخدامها؟ إذ أظهر الرسول أن بعضًا منهم كانوا غير أمناء، لكن يبقي الله أمينًا بالرغم من عدم أمانتهم، وأنه لا يليق أن نشين كرامة واهب النعم، إن أساء الذين قبلوها استخدامها. الآن يعالج الرسول مشكلة أخرى مشابهة للأولى ومكمّلة لها، وهي كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الوثنيّين قد استهانوا بكلمات الرسول بولس: "حيث كثرت الخطيّة ازدادت النعمة جدًا"... فحسبوا أن النتيجة الطبيعية لذلك هي أننا نخطيء لكي تزداد النعمة، أو بمعنى آخر لنكن غير أمناء فتتجلي أمانة الله.

يقول الرسول: "ولكن إن كان إثمنا يبين برّ الله، فماذا نقول: ألعلّ الله الذي يجلب الغضب ظالم؟ أتكلم بحسب الإنسان: حاشًا، فكيف يدين الله العالم إذ ذاك؟ فإنه أن كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده، فلماذا أُدان أنا بعد كخاطئ؟ أمّا كان يُفتري علينا، وكما يزعَم قوم أننا نقول: لنفعل السيّئات لكي تأتي الخيرات، الذين دينونتهم عادلة" [5-8].

نستخلص من هذا النص الآتي:

أ. لا يتوقف عدو الخير عن محاربة خدمة السيد المسيح بكل طرق، فإن كان اليهود يهاجمون الكرازة بدعوى أن الرسول بولس يُهين الناموس ويستخفّ بالخِتان، ويقاوم أمة اليهود، فإن الأمم من جانبهم أيضًا يقاومون هذا العمل بإساءة فهمه، حاسبينه أنه ينادي بفعل السيئات لكي تأتي الخيرات، وكأن الشرّ هو علّة الخير، وعدم أمانتنا هو مجد لأمانة الله، وهذا بلا شك افتراء كاذب. لذا إذ يُعلن الرسول عن سقوط العالم كله في الشرّ، ليتحدّث عن حاجة الجميع إلى المخلص، يوضّح أنه لا ينادي بما أُتُّهم به، مُظهرًا أن هذا القول يستلزم أحد أمرين: إمّا أن يكون الله غير عادل، لأنه يجازي الإنسان على شرّه وعدم أمانته، وهو علّة نصرة الله ومجده، أو أنه إن لم يعاقبنا تقوم نصرته على رذائلنا، وكِلا الأمران ممقوتان عند الرسول.

ب. يودّ الرسول تأكيد أن الله الذي يتمجّد حتى في شرّنا بإعلان برّه وحبّه للخطاة لا يعفي الإنسان من مسئوليته عن ارتكابه للإثم. فقد اعتاد الإنسان منذ بدء سقوطه أن يلقي باللوم على غيره، كما فعل آدم الذي ألقى باللوم على المرأة التي جعلها الله معه (تك 3: 12)، وكما فعلت حواء التي ألقت باللوم على الحيّة.

يقول الرسول: "أتكلم بحسب الإنسان" [5] وكأنه إذ يلتزم بتقديم هذا الاعتراض الذي يخطر على فكر البعض، إنما يتكلّم كإنسان متكابر على الله، إذ ينسب لله الظلم في إدانته للإنسان الأثيم ويفتح الباب للإنسان أن يتمادى في ارتكاب الآثام بحجّة إعلان "برّ الله". لهذا جاءت هذه الرسالة تؤكد أن برّ الله وأمانته في مواعيده وفيض نعمته على الخطاة ليست فرصة للشر، إذ يقول: "أنبقى في الخطيّة لكي تكثر النعمة؟ حاشا، نحن الذين مُتنا عن الخطيّة كيف نعيش بعد فيها؟" (رو 6: 1-2).

ج. يُعلّق القدّيس إكليمنضس السكندري على العبارات الرسولية التي بين أيدينا موضحًا أن الله يوقع العقوبة ليس عن انفعال، إنما لتحقيق العدالة، فيختار الأثيم لنفسه أن يسقط تحت العقوبة بكامل حريته، هو الملوم لا الله.

2. علّة الاتهام: الكل بلا برّ

الآن بعد أن ردَ على اليهود الذين اتهموا الرسول أنه يستخف بعطايا الله لهم كيهود أهل الخِتان وأصحاب الناموس، كما ردَ على الأمميّين الذين حسبوه ينادي بفعل الشرّ لكي يجلب الخير، بدأ يؤكّد من جديد فساد البشريّة كلها ليُعلن حاجة الكل إلى طريق واحد للخلاص، هو التمتّع ببرّ المسيح خلال الإيمان بفدائه، إذ يقول:

"فماذا إذًا، أنحن أفضل؟ كلا البتة. لأننا قد شكونا أن اليهود واليونانيّين أجمعين تحت الخطيّة. كما هو مكتوب: أنه ليس بار ولا واحد، ليس من يفهم، ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معًا، ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد. حنجرتهم قبر مفتوح، بألسنتهم قد مكروا. سمَ الأصلال تحت شفاههم، وفمهم مملوء لعنة ومرارة. أرجلهم سريعة إلى سفك الدم، في طرقهم اغتصاب وسحق، وطريق السلام لم يعرفوه. ليس خوف الله قدام عيونهم" [9-18].

الآن إذ يُعلن فساد البشريّة كلها يلجأ إلى رجال العهد القديم ليقتطف كلماتهم التي تؤكد ذلك:

يلجأ إلى داود النبي القائل: "ليس من يفهم، ليس من يطلب الله" (مز 14: 2 الترجمة السبعينيّة)، وقد جاءت الترجمة العبرية: "هل من فاهم طالب الله!" فإذ أخطأ الكل في حق الله، انطمست عيون أذهانهم، فلم تعد تستطيع أن تراه، ولا أن تدرك أسراره الإلهية، كآدم الذي أخطأ، فصار غير قادرٍ على إدراك محبّة الله، وأصبح هاربًا من وجهه لا يقدر أن يطلبه. لكن هل ينطبق هذا على اليهود الذين صارت لهم معرفة الله بالناموس، ويطلبونه خلال طقوسهم وعبادتهم غير المنقطعة؟ يجيب المرتّل: "ليس من يفهم، ليس من يطلب الله"، غير مميّز اليهودي عن الأممي، لأن اليهودي في حرفيته لم يستطع إدراك أعماق الناموس وغايته الإلهية كما تحوّلت الطقوس إلى شكليات لا تمس القلب ليُدرك الله ويعاينه.

ويقتطف من نفس المزمور: "الجميع زاغوا وفسدوا معًا، ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد" (مز 14: 3). مرة أخرى يؤكّد أن "الجميع" بلا تمييز بين يهودي أو أممي إذ لم يفهموا، ولم يعد للصلاح موضع فيهم. هذا أيضًا ما يعلنه إشعياء النبي القائل: " كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحدٍ إلى طريقه" (إش 53: 6).

بعد أن تحدّث عن فساد الكل بوجه عام بدأ يُعلن فساد الإنسان في كُلّيته، فتحوّلت الحنجرة إلى قبر مفتوح (مز 5: 9) تخرج رائحة موت ونتانة، وانشغل اللسان بالمكر، وتحوّلت الشفاه إلى مخزن خفي لسمَ الأصلال (مز 140: 3)، وفمهم ينبوع لعنة ومرارة (مز 10: 7)، وأرجلهم تسرع إلى سفك الدم (إش 59: 7؛ أم 1: 16) لا تعرف طريق السلام، بل طريق السحق والمشقة، أمّا أعماقهم ففقدت البصيرة الداخليّة، فلم يعد خوف الله أمام عيونهم (مز 36: 1). وكأن الفساد قد دبَّ في حياة الإنسان الداخليّة، كما في أعضائه الظاهرة.

3. الحكم: دينونة الكل، والحاجة إلى تبرير عام

إن كان الذين بلا ناموس مكتوب قد سقطوا تحت الهلاك، والذين تحت الناموس قد صاروا تحت الدينونة، فكيف يمكن الخلاص؟ يقدّم لنا الرسول بولس العلاج معلنًا الحاجة إلى المخلص الذي يقدّم حياته فِدْية عن العالم كله، واهبا البرّ الإلهي لمؤمنيه. ويلاحظ في هذا العلاج الآتي:

أولاً: يقول الرسول: "وأما الآن فقد ظهر برّ الله بدون الناموس" [21]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا يكتفي بقوله "البرّ"، إنما يصفه "برّ الله" مظهرًا مدي النعمة وعظمة الوعد مادام الله هو مصدرهما.]

إن كان الإنسان قد فشل في نوال البرّ خلال الناموس الطبيعي أو الناموس المكتوب، إذ ظهر كاسرًا للناموس، فإن الله قدّم برّه لنا، باتحادنا مع الآب في ابنه البارّ الذي بلا خطيّة، نحمله في داخلنا، ويحملنا هو فيه، فنحسب به أبرارٌا. فالبرّ الذي صار لنا ليس وليد جهادنا الذاتي ولا طاعتنا الذاتية، إنما هو ثمرة عمل روحه القدوس الذي يهبنا الشرّكة مع الآب في ابنه، فنحمل سمات الابن فينا، ويصير برّه برًا لنا.

بمعني آخر إذ فقد الكل "البرّ" صارت الحاجة إلى برّ الله، الأمر الذي تحدّث عنه الله بلسان النبي إشعياء:

"اسمعوا لي يا أشدّاء القلوب البعيدين عن البرَّ، قد قربت برّي، لا يبعد، وخلاصي لا يتأخر" (إش 46: 12-13).

"قريب برّي، قد برز خلاصي... أمّا خلاصي فإلى الأبد يكون، وبرَّي لا ينُتقص... أمّا برّي فإلى الأبد يكون، وخلاصي إلى دور الأدوار" (إش 51: 5، 8).

"احفظوا الحق واِجروا العدل، لأنه قريب مجيء خلاصي واستعلان برّي" (إش 56: 1).

ثانيًا: بقوله: "ظهر برّ الله". وليس "قدّم برّ الله" يُعلن أن هذا البرّ الإلهي ليس جديدًا، إنما هو في ذهن الله يودّ أن يقدمه لنا، إنما في الوقت المعيّن، لذا يقول: "مشهودًا له من الناموس والأنبياء". وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [يودّ أن يقول لهم: لا تضطربوا لأنكم لم تنالوا قبل الآن، ولا تفزعوا... لأن الناموس والأنبياء أشاروا إليه منذ القديم.]

هذا البرّ الذي أنبأ الله به على أفواه الأنبياء، أعلنه في ابنه يسوع المسيح البارّ لحسابنا، إذ يقول: "برّ الله بالإيمان بيسوع المسيح، إلى كل وعلي الذين يؤمنون، لأنه لا فرق" [22]. أشار الأنبياء على البرّ من بعيد، أمّا المسيح فهو وحده جاء نائبًا عنّا لكي إذ يحمل المؤمنين فيهن ينعمون ببرّ الآب الذي هو أيضًا برّ الابن. هذا ما أعلنه السيد في صلاته الوداعية: "أنا مجّدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته، والآن مجّدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يو 17: 4-5). هذا المجد الأزلي الذي له، يحمله الآن وهو في الجسد كبَرّ إلهي، ليكون لنا برًا نعيشه ونمارسه، فنقول: "الرب برَنا" (إر 23: 6، 33: 16، 51: 10).

ثالثًا: جاء الحكم: "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" [24]، جاء حكمًا جامعًا وشاملاً لليهود وللأمم.

في موضع آخر يضم الرسول نفسه بين الخطاة بل ويحسب نفسه "أول الخطاة" (1 تي 1: 15)، بينما نجده أيضًا يقول: "من جهة البرّ الذي في الناموس بلا لوم" (في 3: 6). فكيف يحسب نفسه أول الخطاة وفي نفس الوقت بلا لوم من جهة البرّ الذي في الناموس؟ يجيب القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه بالنسبة لبرَ الله يُحسب حتى الذين يتبرّرون في الناموس خطاة. ويشبه ذلك بإنسان جمع مالاً وحسب نفسه غنيًا لكنه متي قارن نفسه بالملوك ظهر فقيرًا للغاية وأول الفقراء. [بالمقارنة بالملائكة يُحسب حتى الأبرار خطاة، فإن كان بولس الذي مارس البرّ الذي في الناموس هو أول الخطاة، فأي إنسان آخر يحسب نفسه بارًا؟]


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك