إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أتحب نفسك ؟ حسناً تفعل بهذه المحبة قومها لترجع كما كانت صورة الله وأحترس من أن تحب نفسك محبة خاطئة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

حاجة الكل للخلاص


بعد عرض الرسول لعلاقة البشريّة بالله انتهي إلى هذا الأصحاح ليُعلن أنه وإن اختلفت خطايا البشر عن بعضهم البعض، لكن النتيجة واحدة، وهي سقوط الكل تحت نير الخطيّة، أي إعلان أن الكل غير بار ويحتاج إلى تبرير حقيقي فعَال. بمعنى آخر جاء هذا الأصحاح أشبه بحكم عام على البشرية كلها أنها بلا برّ حقيقي، في عوز إلى من يبرّرها.

1. الاتهام: عدم أمانتنا مع أمانة الله 1- 8.

2. علّة الاتهام: الكل بلا برّ 9-20.

3. الحكم: دينونة الكل، والحاجة إلى تبرير عام 21-31.

1. الاتهام: عدم أمانتنا مع أمانة الله

الاتهام الموجّه للبشرية كلها: إنها بلا بر،ّ أي بلا أمانة في قبول وعد الله لها، بالرغم من برّ الله في وعده لها؛ في هذا يشترك اليهودي مع الأممي، ويتساوى الكل. هذا الاتهام قد يُسيء اليهود فهمه فيحسبونه مستهينًا بما نالوه من امتيازات، لذلك جاء الاتهام مفصلاً بطريقة لائقة لا تجرح مشاعرهم، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

أولاً: أن كان الأممي قد كسر الناموس الطبيعي فهلك (ص 1)، واليهودي كسر الناموس المكتوب واستهان بالخِتان الروحي فسقط في دينونة أكثر مرارة من التي يسقط تحتها الأممي، فما الحاجة إذن لاختيار الله لشعبه؟ وتقديمه عهد الخِتان والناموس المكتوب؟ هذا هو التساؤل الذي وضعه الرسول بولس في نهاية حديثه عن ما بلغ إليه الأممي واليهودي، ولئلاّ يظن القارئ أن بولس الرسول يستهين بنعم الله وعطاياه في العهد القديم، لذلك يقول الرسول:

"إذًا ما هو فضل اليهودي؟ أو ما هو نفع الخِتان؟ كثير على كل وجه، أمّا أولاً فلأنهم أستؤمنوا على أقوال الله. فماذا إن كان قوم لم يكونوا أمناء؟ أفلعلّ عدم أمانتهم يبطل أمانة الله؟ حاشًا، بل ليكن الله صادقا وكل إنسان كاذبًا، كما هو مكتوب: لكي تتبرّر في كلامك، وتغلب متى حوكمت" [1-4].

خشي الرسول أن يُساء فهم حديثه السابق، فيظنه البعض أنه يقلل من شأن معاملات الله مع شعبه، خاصة تقديمه ناموسه كعطيّة يؤتمنوا عليها، أو اختيارهم كشعبٍ مقدس له، أو دخوله في عهد معهم مقدمًا الخِتان علامة عهد. لذلك أسرع ليؤكّد أن العيب لا في العطيّة ولا في العاطي، وإنما في عدم أمانة من تسلمها. بمعني آخر، إنه ينتقد تصرف اليهود نحو نعم الله لا نعم الله في ذاتها، فإن الله في أمانته قدّم عطايا إلهية ونعم مجّانية مقدّسة، لكن الإنسان في غير أمانة أساء استخدامها، وأفسد عملها في حياته.

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على عبارات الرسول هذه، قائلاً:

[إن كان المقصود هو أن كل هذه الأشياء بلا قيمة، فلماذا دُعي الشعب؟ ولماذا أُقيم عهد الخِتان؟

ماذا يفعل الرسول هنا؟ وكيف يحل هذه المشكلة؟

يحلها بنفس الطريقة التي سبق فاتبعها، إذ تغني بهبات الله لا بفضل اليهود، فبكونهم يهودًا عرفوا إرادة الله، وأدركوا الأمور الأسمى، ذلك ليس بفضل عملهم الذاتي، إنما هو عمل نعمة الله. وكما قال المرتّل في المزمور: "لم يصنع هكذا بإحدى الأمم وأحكامه لم يعرفوها". وكما أعلن موسى بسؤاله: "هل جرى مثل هذا الأمر العظيم؟ أو هل سُمع نظيره؟ هل سمع شعب صوت الله يتكلّم من وسط النار كما سمعت أنت وعاش؟" (تث 4: 32-33). هذا ما يفعله بولس هنا، إذ اتّبع ذات الوسيلة إذ قال بأن الخِتان ذو نفع إن أُقترن بفعل الصلاح (رو 2: 25) ولم يقل أن الخِتان بلا نفع، لذلك تساءل: إن كنت متعديًا الناموس فقد صار ختانك غرلة (رو 2: 25). كأنه يقول: يا من أختتنت صار ختانك غُرْلة، ولم يقل: يا من اختتنت ختانك بلا نفع على الإطلاق. لهذا يطيح بالأشخاص ويؤيد الناموس؛ هذا ما يفعله هنا إذ بعدما تساءل: ما هو فضل اليهودي؟ لم يجب بالنفي، بل أكدَ فضله ليعود فيدحضهم موضحًا عقوبتهم خلال الميزات التي نالوها.

أردف السؤال بسؤال، قائلاً: أو ما هو نفع الخِتان؟

ويجيب على السؤالين، قائلاً: "كثير على كل وجه، أمّا أولاً فلأنهم أستؤمنوا على أقوال الله".

ترون إذن أنه في كل مناسبة يعدد نعم الله لا أفضال اليهود.

ما معني: "استؤمنوا"؟ معناها أن الناموس قد وُضع بين أيديهم، لأن الله جعل لهم قيمة فأقامهم أمناء على أقواله التي نزلت من فوق. بقوله هذا يقيم شكوى ضدهم، إذ يهدف إلى إظهار نكرانهم للفضل بالرغم من المزايا التي وُهبت لهم.

يستطرد فيقول: "فماذا إن كان قوم لم يكونوا أمناء، أفلعلّ عدم أمانتهم تبطل أمانة الله؟ حاشًا" [3-4].

لاحظوا هنا كيف يبرز الاتهام في شكل اعتراض، وكأنه يقول: رب معترض يتساءل: ما نفع الخِتان إذًا ما داموا قد أساءوا استخدامه؟ وهو لا يقف هنا موقف المشتكي العنيف، إنما موقف من يلتزم بتبرير الله من الشكاوى الثائرة ضده، فيحولها من ضد الله إلى ضد اليهود. يقول لهم: لماذا تتذمّرون من أن البعض لم يؤمنوا؟ كيف يؤثر هذا في الله من جهة عطاياه، فهل نكران مستخدميها يغيَر من طبيعتها؟ أو يجعل من الأمر المكرّم هوانًا؟ هذا هو معنى تساؤله: "أفلعلّ عدم أمانتهم يبطل أمانة الله؟" يجيبهم: "حاشا"، وكأنه يقول: لقد أكرمت فلانًا، فلم يقبل إكرامي، فهل يُحسب عدم قبوله الإكرام علّة شكوى ضدي؟ أو يقلّل هذا من إكرامي؟...

تأمّلوا إذن كيف وضعهم الرسول في قفص الاتهام خلال ذات الأمور التي ينتفخون بها!... لقد عمل الله ما في وسعه، أمّا هم فلم يعرفوا أن ينتفعوا بأعماله معهم، إذ يردّد قول المرتّل في المزمور: "لكي تتبرّر في كلامك وتغلب متى حوكمت".]

[انظروا إلى خطّة بولس فإنه لم يَتّهم الكل بعدم الأمانة، بل قال: "إن كان قوم" [3] هؤلاء كانوا غير أمناء، وهكذا يبدو الرسول غير قاسٍ في اتهاماته حتى لا يظهر كعدوٍ.]

هكذا لم يحقِّر الرسول من العطايا الإلهية سواء بالنسبة للختان كعلامة للعهد الإلهي إن فهم روحيًا وأيضًا لعطيّة الأقوال الإلهية، إنما يهاجم عدم أمانة الإنسان، الأمر الذي لا يبطل أمانة الله.

لم يتجاهل رجال العهد الجديد عطايا الله لرجال العهد القديم، خاصة أقوال الله، ففي خطاب الشماس استفانوس جاء حديثه عن موسى النبي هكذا: "الذي قبل أقوالاً حيّة ليعطينا إيّاها" (أع 7: 38).

في حبٍ قدّم الله أقوالاً حيّة تحمل المواعيد الإلهيّة، لكن قابل الإنسان الحب بالجمود، فعصى أقوال الله، وتجاهل حفظها روحيًا وعمليًا بالرغم من افتخاره بها، وتمسكه بحفظها في حرفيتها. ومع هذا يبقي الله أمينًا في تحقيق ما وعد به.

رفض الإنسان اليهودي "الحق" برفضه وعود الله الواردة في أقواله خاصة ما جاء بالنسبة للمسيا المخلص، فحُسب كاذبًا، أمّا الله فيبقي صادقًا يحقّق ما وعد به.

هذا ويقدّم لنا القدّيس جيروم تفسيرًا روحيًا لعبارة: "ليكن الله صادقًا وكل إنسان كاذبًا" [4]، معلنًا أنه ما دام الإنسان يسلك بفكره وإمكانياته البشريّة الذاتية، إنما يعيش بالكذب، لكنه متى التقى بالله "الحق" وحمل سماته ويحسب ابنًا لله، ينعم بالحق فيه، فيكون بالله صادقًا، إذ يقول: [يصير الإنسان بالقداسة إلهًا، بهذا يكف عن أن يكون إنسانًا ينطق بالكذب.]

ويرى القدّيس كبريانوس خلال ذات العبارة أنه لا يليق بنا أن نيأس حين نرى البعض ينحرف عن الإيمان أن ينكره، إنما كرجال الله نتشدّد ونسلك بالحق، حتى وإن سلك كثيرون بالكذب، فمن كلماته:

[إن كان كل إنسان كاذبًا والله وحده صادق يليق بنا نحن خدام الله، خاصة الكهنة، ماذا نفعل سوى أن ننسى الأخطاء البشريّة والكذب، ونستمر في حق الله، ونحفظ وصايا الرب!]

[اختار الرب يهوذا من بين الرسل، وقد خان يهوذا الرب، فهل ضعُف إيمان الرسل أو وَهن ثباتهم لأن يهوذا الخائن قد فشل في تبعيتهم؟ هكذا فإن قداسة الشهداء وكرامتهم لا تنقصان لأن إيمان البعض قد تحطّم.]

[ينصحنا بولس أيضًا ألا نضطرب حين يهلك الأشرار خارج الكنيسة، ولا يضعف إيماننا بمفارقة غير المؤمنين لنا... فمن جانبنا يلزمنا أن نجاهد ألا يهلك أحد تاركًا الكنيسة بسبب خطأ ارتكبناه، لكن أن هلك أحد بإرادته وخطيته ولا يودّ العودة أو التوبة والرجوع إلى الكنيسة، فإننا لا نُلام في يوم الدين، مادمنا كنّا مهتمين بإصلاحه، إنما يسقط هو وحده تحت الدينونة لرفضه العلاج بنصيحتنا الصالحة.]


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك