تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 2 جـ2 Print


خامسًا: إذ يتحدّث عن دينونة الله للبشر يبدأ أولاً بالحديث عن الصالحين الذين يكافئون بالحياة الأبدية، وبعد ذلك يتحدّث عن الذين يسقطون تحت الغضب، إذ يقول: "وأما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء فبالحياة الأبدية، وأمّا الذين هم من أهل التحزب ولا يطاوعون للحق بل يطاوعون للآثم فسخط وغضب، شدة وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشرّ، اليهودي أولاً ثم اليوناني. مجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح، اليهودي أولاً ثم اليوناني" [7-10].

كأن الله يودّ أن يتمتّع الكل بنوال الحياة الأبدية خلال صبرهم في العمل الصالح، فينالون مجدًا وكرامة وخلودًا مع سلام أبدي، لذلك بدأ بهذه الفئة، أمّا الفئة الثانية التي تسقط تحت السخط والغضب التي تئن من الشدة والضيق فهي تحكم على نفسها بهذا خلال إطاعتها للإثم، الأمر الذي يودّ الله ألا يسقط أحد تحته. في هذا يختلف حكم الله عن حكم الناس، الله يتطلّع أولاً إلى الصالحين والأمور الصالحة، أمّا الإنسان فينظر الشرّ أولاً ويحكم سريعًا على الآخرين متطلعًا بالأكثر إلى عيوبهم.

لاحظ القدّيس إيريناؤس أن الرسول بولس قد ركّز على حريّة الإرادة الإنسانيّة في هذه الرسالة (رو 2: 4-5، 7)، لذلك يعطى الله خيرات للذين يعملون الصالح، كما يقول الرسول، فينالون المجد والكرامة لأنهم يمارسون العمل الصالح مع أنه كان في سلطانهم ألا يفعلوه فيسقطون تحت حكم الله العادل.

سادسًا: يؤكّد الرسول أن الله في حكمه لا يحابى: "لأن ليس عند الله محاباة" [11]، فإن كان يكافئ اليهودي أولاً سواء في الخير أو الشرّ، فلأن الله يدين بالأكثر من نال معرفة أوفر أو احتمل مركز القيادة والخدمة. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [من العدل أن من يستمتع بنصيب أوفر من المعرفة ينال نصيبًا أشد من العقاب أن تعدى الناموس. ومن ثمة، يكون عقابنا أشد كلما ازددنا في الحكمة والسلطان. إن كنت غنيًا يُطلب منك العطاء أكثر من الفقراء، وإن كنت صاحب حكمة أوفر تلتزم بالطاعة أكثر من غيرك، وإن نلت سلطانًا يلزمك تقديم أعمال أكثر بهاءً.]

المحاباة هي من سمات البشر، الذين ينحرفون عن الحق في الحكم مراعاة لحسب الإنسان أو نسبه أو غناه أو طلبًا لمنفعة ما، إذ يقول الرسول: "يحابون بالوجوه من أجل المنفعة" (يه 16)، وقد كان ذلك محظورًا على القضاة (لا 19: 15؛ تث 10: 17). يحذرنا الرسول يعقوب منها، قائلاً: "لا يكن لكم إيمان ربنا يسوع المسيح رب المجد في المحاباة" (يع 2: 1)، أمّا الله فيستحيل أن يحابى أحدًا (أف 6: 9؛ كو 3: 25). وقد ظهر عدم محاباة الله على الصليب، إذ "هكذا أحب الله العالم (بلا محاباة) حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16)، كما يقول الرسول: "الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين" (رو 8: 32).

2. الناموس والحياة العمليّة

تحوّل الناموس في حياة اليهود عن غايته الإلهية، فعِوض أن يكون علّة إدراكهم لخطاياهم وشعورهم بالحاجة إلى عمل الله الخلاصي، تحوّل إلى تشامخ وكبرياء بأنهم عارفو الحق ومعلموه، فصاروا ديّانين للأمم، الأمر الذي أسقطهم تحت دينونة الله. إذن فالناموس ليس غاية في ذاته، إنما يليق أن نحتضنه ونحفظه لا خلال المعرفة الفكرية النظرية، وإنما خلال معرفة الحياة العمليّة والخبرة المُعاشة يوميًا، فيصير علّة تكليلنا، لهذا يقول الرسول:

أولاً: "لأن كل من أخطأ بدون الناموس فبدون الناموس يهلك، وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يُدان" [12].

الناموس ليس مجالاً للافتخار بل للعمل، فإن كان الناموس يهب معرفة لوصية الله وإرادته، يلتزم أصحاب الناموس أن يمارسوا الوصيّة، وإلا سقطوا بالناموس تحت الدينونة، فيصيروا ليس كالأمميّين الذين يخطئون بدون الناموس يهلكون وإنما أشر منهم لأنهم يخطئون بمعرفة وهم تحت الناموس. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا لا يُظهر المساواة بين اليهودي والأممي فحسب، وإنما يوضّح كيف أثقل الناموس كاهل اليهودي. لأن الأممي يُدان بدون الناموس؛ هنا "بدون الناموس" تعبير عن تخفيف للعقوبة، إذ لا يقف الناموس شاهدًا عليه... إنما ينال جزاءه بناءً على منطق الطبيعة والعقل. أمّا اليهودي فيُدان بالناموس، أي تكون محاكمته بالطبيعة والمنطق وبجانبهما الناموس، لأن ما ناله من عناية يزيد من مسئوليته. تأملوا إلى أي مدى يجعل اليهودي يسرع بالضرورة نحو النعمة يستنجد بها. لأنهم أن احتجّوا بأنهم يكتفون بالناموس بلا حاجة إلى النعمة، يظهر لهم أنهم في حاجة إلى النعمة أكثر من الأمميّين، لأنه بالناموس يكون عقابهم أشد.]

يقول القدّيس أغسطينوس: [الذين لم يسمعوا الكلمة (كلمة الإنجيل) يدانون بطريقة غير التي يُدان بها الذين يسمعونها ويستخفون بها.]

يقول أيضًا أن الذين هم بلا ناموس يهلكون، الأمر الذي له صداه المرهب، أمّا الذين تحت الناموس، فيُدانون بمعنى أنهم بلا عذر، وتكون دينونتهم هي الهلاك، بهذا فدينونتهم أصعب.

ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا تكون العقوبات واحدة في كل الخطايا بل هي متعددة ومتنوعة حسب الأوقات والأشخاص ورتبهم وفهمهم وظروفهم... فإن ارتكب كاهن زنًا تكون عقوبته مضاعفة جدًا بسبب الكرامة التي نالها.]

ولعلّ الرسول قصد بذلك سقوط الكل تحت الدينونة، الأمم واليهود، ليُعلن حاجة الكل إلى الخلاص.

ثانيًا: من يُخطي في الناموس تكون عقوبته أشد، لأن الناموس أو المعرفة تشهد عليه في يوم الدين، لذلك فالناموس لا يُبرّر الإنسان لمجرد سماعه أو حفظه، وإنما بتنفيذه كله، الأمر الذي يحسب مستحيلاً على البشر، "لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله، بل الذين يعملون بالناموس هم يبرّرون" [13].

لاحظ دقّة حديث الرسول بولس، إذ يقول: "هم أبرار عند الله"، فإن كثيرين يسمعون الناموس ويتلونه على لسانهم فيتبرّرون أمام الناس كمتديّنين، لكن الله لا يدين الإنسان حسب مظهره، إنما حسب برّ قلبه الداخلي. فبسماعنا للوصية يمكننا أن نخدع إخوتنا وربّما أنفسنا، لكن هل نقدر أن نتبرّر أمام الله؟

لقد طالبت الشريعة بالطاعة الكاملة (تث 4: 1؛ لا 18: 5)، وهو أمر مستحيل إذ لا يوجد إنسان بلا خطيّة... إذن فالحاجة ماسة إلى الذي يبرّر.

ثالثًا:
في الوقت أظهر فيه الناموس كثقلٍ على اليهودي، إذ يكون شاهدًا عليه يوم الدين، معلنًا أن الاستماع له بالأذن دون القلب والعمل لن يبرّره أمام الله، رفع من شأن الأممي الذي لم ينل الناموس المكتوب، وإنما خلال الطبيعة جاهد ليمارس ما جاء فيه، إذ يقول: "لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، شاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة، في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح" [14-16].

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً:

[كأنه يقول: أنا لا أرفض الناموس، لكنني بسببه أبرّر الأمميّين... مظهرًا أنهم أفضل منهم، بل يمتازون عنهم بعملهم الصلاح، مع أنهم لم يأخذوا الناموس الذي يتشامخ به اليهود. في هذا كان الأمميّيون جديرين بالإعجاب، لأنهم تمّموا صلاح الناموس بأعمالهم لا بكلمات سمعوها... انظروا إذن كيف يلوم اليهود هكذا هادمًا غرورهم، مظهرًا أن الأمميّين الذين سعوا باجتهاد لإتمام الناموس، مع أنهم بدون الناموس، هم أولى بالكرامة منهم. هنا تزداد عجبًا بحكمة الرسول الذي أظهر تفوق الأممي على اليهودي دون أن ينطق بذلك صراحة.]

[ولكي يزيد من مخاوفهم لا يكتفي بالقول: "خطايا الناس" بل يقول: "يدين الله سرائر الناس"، كي لا تظن أنه في مقدورك الهروب من دينونة الله... لأن الناس يقيمون القضاء لمحاكمة الأعمال العلنية (أما الله فيدين السرائر)... إذن ليدخل كل إنسان إلى أعماق ضميره ويحاسب نفسه بكل تدقيق، "لكي لا ندان مع العالم" (1 كو 11: 32)، لأن تلك المحاكمة رهيبة، وذلك الكرسي مخوف، والحساب يكون مرعبًا، لأن "الأخ لا يفدي" (مز 49: 8)،... ماذا يكون شعورنا حينما نقف أمام العالم بأسره وتعلن كل سرائرنا في مسرح مُضاء فسيح يضم من نعرفهم ومن لا نعرفهم؟]

ويرى ابن كاتب قيصر أنه يقصد بالأمم الذين ارتفعوا، بحياتهم مع الله، فوق اليهود هم "الآباء السابقون" قبل استلام الناموس الموسوي على يديّ موسى مثل إبراهيم وأيوب ويوسف، آمن إبراهيم بالله وقدّم ابنه ذبيحة مُحرقة، وقرّب أيوب عن بنيه ذبائح، خشية أن يكون أحدهم قد نطق بكلمة باطلة، أو أضمر في داخله ما يغضب الله (أي 1: 5)، ويوسف مارس حياة الطهارة ممتنعًا عن الشرّ لئلا يخطيء قدام الرب (تك39 : 5)... [هؤلاء عملوا بالطبيعة ما بالناموس ولم يحتاجوا إلى ناموسٍ مكتوبٍ، إذ لم يدعوا نيّاتهم تبكّتهم بل عملوا بما توجبه من الصلاح، وتركوا ما تنكره من القبائح، وهم في هذا ليسوا مثلنا نحن الذين تبكّتنا نيّاتنا وكتبنا.]

يُعلّق أيضًا ابن كاتب قيصر على العبارات السابقة موضحًا أن أفكارهم مشتكية [15]. بمعنى أنها توبّخهم أن فعلوا أمرًا غير حسن، إذ كانت تقوم مقام الناموس.

ويرى الأب سيرينوس في هذه العبارة تأكيدًا لسلطان الإنسان على فكره، وإلا ما كانت أفكارنا وضمائرنا تشتكي علينا، إذ يقول: [إذا ما جاهدنا كبشر ضد الاضطرابات والخطايا، تصير هذه تحت سلطاننا وفق إرادتنا، فنحارب أهواء الجسد ونهلكها، ونأسر حشد خطايانا تحت سلطاننا، ونطرد من صدورنا الضيوف المرعبين، وذلك بالقوّة التي لنا بصليب ربنا، فنتمتع بالنصرة التي نراها في مثال قائد المئة (مت 8: 9) روحيًا.]

ويرى الأب يوسف في هذه العبارة إعلانًا عن [أن نية الإنسان هي التي تجعله يُكافأ أو يعاقب.]

ويُعلّق العلامة أوريجينوس على التعبير: "حسب إنجيلي" [16]، قائلاً: [الآن ليس لدينا عمل كتابي لبولس يدعى إنجيلاً، وإنما كل ما كرز به وما قاله هو الإنجيل، وما كرز به وما قاله كان أيضًا في حكم المكتوب؛ وما كتبه كان الإنجيل. وإن كان ما كتبه بولس إنجيلاً، فإن ما كتبه بطرس أيضًا هو إنجيل؛ وفي كلمة كل ما قيل أو كُتب ليُخلِّد معرفة حلول المسيح على الأرض، ويهيء لمجيئه الثاني أو ليقدّم ذلك كحقيقة قائمة في تلك النفوس التي تريد أن تتقبّل كلمة الله الواقف على الباب يقرع ويطلب أن يدخل فيها.]

3. الناموس والتعليم

عرض الرسول بولس في الأصحاح السابق شرور الأمم مؤكدًا حاجتهم لنعمة الله المجانية لكي تسندهم وتدخل بهم إلى خلاص الله. أمّا في هذا الأصحاح فإذ يوجّه الحديث لليهود يكشف لهم أنهم أكثر احتياجًا إلى النعمة الإلهية من الأمم، إن صح هذا التعبير. فإن الناموس الذي وُهب لهم لمعاونتهم استخدموه في إدانة الآخرين لا في توبتهم، وعِوض العمل به اكتفوا بالاستماع إليه، الأمر الذي جعل بعض الأمميّين المجاهدين داخليًا في ممارسة الحياة النقيّة يسبقونهم، إذ فعلوا خلال الطبيعة والمنطق بما هو في الناموس، فظهر الناموس مكتوبًا في قلوبهم وضميرهم وأفكارهم، بينما بقي أصحاب الناموس يسمعون له بآذانهم دون قلوبهم أو سرائرهم الداخليّة. والآن لكي يوضّح الرسول بشاعة ما بلغ إليه اليهود، يُعلن أنهم عِوض أن يكرزوا بالناموس حيًا في حياتهم، صاروا معلّمين به بالكلام ومقاومين له بالعمل. حسبوا أنفسهم قادة الفكر الروحي، ونورًا للعالم، ومهذِّبين للأغبياء، ومعلِّمين للأطفال، لهم صورة العلم والحق في الناموس، بينما تُقدّم حياتهم وسلوكهم خلاف هذا تمامًا.

ويلاحظ في هذا الحديث الآتي:

أولاً: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس يستخدم أسلوبًا يناسبهم كأناس يدعون العلم والمعرفة، ويقيمون أنفسهم كمعلِّمين للعالم، يتهكَّمون بالكل ويسخرون بهم، إذ يقول:

[إنه لا يقول: "هوذا أنت يهودي"، إنما "هوذا أنت تسمى يهوديًا"، "وتفتخر بالله" [17]، أي تظن أنك محبوب لدى الله، ومكرم فوق جميع الناس. يُخيَّل إليّ أنه هنا يسخر برفق بقلّة منطقهم، وجنون شهوتهم وراء المجد، إذ أساءوا استخدام هذه العطية، فعِوض استخدامها كوسيلة لخلاصهم جعلوها علّة للتشامخ على الآخرين والازدراء بهم... كما يقول: "تثق أنك قائد للعميان"، وهنا أيضًا لا يقول: "أنت قائد" بل "تثق أنك قائد" بمعنى أنك تنتفخ، وهذا لأن كبرياء اليهود كان متشامخًا جدًا. يستخدم معهم ذات الكلمات المتداولة بينهم، والتي كانوا يردّدونها في زهوِهم. اسمعوا ما يقولونه في الإنجيل: "في الخطيّة وُلدتِ أنت بجُملتك وأنت تعلمنا" (يو 9: 34). بهذا الاستخفاف المتعالي كانوا يتطلّعون إلى جميع الناس.]

[يستخدم الرسول ذات كلماتهم: "قائد للعميان، ونور للذين في الظلمة، ومهذّب للأغبياء، ومعلم للأطفال"، الألفاظ التي كان اليهود يطلقونها على من يتتلمذون لهم. تكراره هنا للعبارات هدفه أن يدركوا أن ما زعموه ميزة يفتخرون به هو علّة دينونتهم بالأكثر.]




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +