إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

نحن لا نحطم الطاقة الغضبية إنما نحسن توجيهها ، لأن الطاقة الغضبية يمكن أن تنتج الحماس والغيرة المقدسة والنخوة وإن تحطمت صار الإنسان خاملاً

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

حاجة اليهودي للخلاص


إن كان الأممي قد سقط في شرور كثيرة ونجاسات، مقاومًا الناموس الطبيعي، فإنه لا يليق باليهودي أن يدينه، لأن الأول أخطأ بدون الناموس المكتوب، أمّا الثاني فبالناموس تعدى الوصيّة، وكأنه لم يخطيء فقط ولكنه أيضًا "تعدّى"، فصارت مسئوليته أعظم وعقابه أشد. وبهذا فإن الناموس لا يُبرّر من يسمعه بأذنيه، وإنما من يمارسه ويحفظه ويحياه [13]. اليهودي ليس يهوديًا في الظاهر [28]، ولا الخِتان في اللحم ختانًا، إنما اليهودي من عاش بالحق رجل الله الروحي، وكأن قلبه لا جسده مختونًا بالروح.

هذا ما أوضحه الرسول في هذا الأصحاح، وهو حديث نافع لنا نحن كمؤمنين، لأنه إن كان اليهودي الظاهر يُدان على حرفيته القاتلة بدون روح، فبالأولى المسيحي أن تمسّك بالشكل والاسم دون الحياة، يكون أشر من اليهودي وأبشع، مستهينًا بالدم الكريم.

هذا الحديث يمس بالأكثر حياة الخدام والرعاة، إذ يقدّم تحذيرًا لهم لئلاّ يسحبهم المجد الزمني وتلهبهم الكرامات عن الحياة الداخليّة الملتهبة بالروح والحق.

1. الناموس وإدانة الآخرين 1-11.

2. الناموس والحياة العمليّة 12-16.

3. الناموس والتعليم 17-29.

1. الناموس وإدانة الآخرين

يعالج الرسول بولس موضوع اعتداد اليهودي بنفسه لأنه مستلم الناموس دون سواه من بقية الأمم، ولم يدرك أن الناموس هو مرآة تفضح الخطيّة وتكشف عن الضعف. للأسف بدلاً من أن يستخدمه اليهودي لاكتشاف ضعفاته، فيصرخ إلى الله بالتوبة، طالبًا عمل المخلص، تقسّى قلبه مستخدمًا الناموس لفضح خطايا الآخرين. هكذا بدلاً من أن يدخل به الناموس إلى التوبة اغتصب مركز الديّان، وأقام نفسه لمحاكمة الآخرين، تحت دعوى معرفة إرادة الله ومشيئته. استخدم الناموس لطلب المتكآت الأولى، ليُقيم نفسه ديّانًا للغير.

إدانة الآخرين هي في ذاتها إعلان عن التعب الداخلي، كما فعل اليهود عندما أمسكوا بالزانية فأرادوا أن يتشفّوا فيها برجمها، أمّا الديّان فستر عليه بحبه، لكنه لم يتركها في خطيتها، إنما خلال محبته الحازمة أوصاها: "ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطيء أيضًا". هكذا شتان بين تصرف الإنسان الذي يدين أخاه مع أنه مشترك معه في الضعفات، وبين حكم الله الذي يطيل أناته علينا، لعلّنا نتوب فنفلت من الديونة.

هكذا يربط الرسول بولس بين إدانتنا نحن للآخرين وإدانة الله الديّان لنا، مبرزًا النقاط التالية:

أولاً: إذ نقيم أنفسنا ديّانين للإخوة ونحن مشتركون معهم في الضعف، نحكم على أنفسنا بأنفسنا خلال حكمنا على الغير، إذ يقول: "لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين، لأنك في ما تدين غيرك تحكم على نفسك، لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها... أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه وأنت تفعلها أنك تنجو من دينونة الله؟" [1-3].

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [كأن منطقه يُعلن: يا مَن تدين الزاني وأنت نفسك ترتكب ذات الخطيّة، ألست تدين نفسك بنفسك، حتى وإن لم يدنك أحد؟... أن كنت تعاقب إنسانًا يرتكب ذنبًا أقل منك، فكيف لا يأخذك الله بجريرتك ويدينك بقسوة، خاصة وأنك تحكم على نفسك بنفسك؟]

ثانيًا: بحكمك على أخيك ليس فقط تحكم على نفسك بذات تصرفك، وإنما غالبًا ما تخطئ أنت في الحكم، لأنك تحكم حسب الظاهر ولا تعرف أعماق الآخرين ودوافعهم، أمّا الله فيحكم عليك بحق، لأنه عالم بكل أسرارك. بمعنى آخر حتى أن حسبت نفسك أبرّ من أخيك فتحكم عليه وتدينه، فغالبًا ما يكون هذا الحكم ظالما، أمّا الله فهو وحده يدين البشر عن حق، إذ يقول الرسول: "ونحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق على الذين يفعلون مثل هذه" [2].

هذا وقد أبرز الرسول بولس سمات دينونة الله التي تختلف تمامًا عن إدانتنا نحن للآخرين، ألا وهي:

أ. أنها "حسب الحق" [2]، لأنه هو "الحق" عينه.

ب. أنه لا يودّ العقوبة، إنما في غنى لطفه وإمهاله وطول أناته يودّ أن "يقتادك إلى التوبة" [4].

ج. إنها عادلة [5].

د. "سيجازي كل واحد حسب أعماله" [6].

ه. بدون محاباة [11].

د. ليست حسب ما يعلمه الإنسان بل حسب ما يعمله ويحياه [13].

ز. يدين الأعماق الداخليّة للضمير والفكر، أي سرائر الناس [15-16].

ط. حسب حقيقة الإنسان الداخلي، لا مظهره كمتدينٍ أو كمعلمس [17-29].

ثالثًا: أخطأ اليهود، خاصة قادتهم من الكتبة والفرّيسيّين أولاً بتحويل الناموس لا إلى مجال للحياة والعمل الروحي، وإنما لنقد الناس وإدانتهم بروح العجرفة والكبرياء، وثانيًا بكونهم إذ أدركوا لطف الله وطول أناته أساءوا استخدام هذه المعرفة. بمعنى آخر بينما هم يقسون على الآخرين ويدينونهم إذا بهم يستهينون بحب الله وصلاحه، إذ يقول الرسول: "أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة" [4]. لكن طول أناة الله علينا بالرغم من تسرّعنا نحن في الحكم على الآخرين لا يعني إعفائنا من العقاب، إنما حفظه للوقت المعيّن "ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب، تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب، واستعلان دينونة الله العادلة، الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله" [5-6].

الله يطيل أناته لعلّنا نتوب، فإن تمسكنا بالشر زاد العقاب حيث يمتلئ كأس شرّنا، لهذا يرتعب الآباء من عدم التأديب في هذا العالم، حاسبين أن عدم تأديبنا هنا، إنما يحمل غضب الله في يوم الدينونة، عِوض العلاج الخفيف والسريع في هذا العالم بالتأديبات الزمنيّة.

- ليت الذين يحبون حنوه يهابون أيضًا حقه (عدله)، فإن "الرب صالح (حلو) ومستقيم (حق)" (مز 25: 8).

إنك تحب فيه أنه صالح (حلو)، فلتخشه بكونه الحق...

الرب لطيف، طويل الأناة، حنان، وهو أيضًا البارّ والحق.

منحك فرصة للإصلاح، لكنك تحت تأجيل الدينونة أكثر من إصلاحك طرقك. هل كنت بالأمس شريرًا، فلتكن اليوم صالحًا!

القدّيس أغسطينوس

- كثيرًا ما أحدثكم عن صلاح الله، لا لتستهينوا به وتفعلون ما هو على هواكم، وإلا صار صلاحه هذا مؤذٍ لخلاصنا، وإنما لكي لا نيأس من خطايانا بل نتوب.

صلاح الله يقودك للتوبة لا لصنع شر أعظم، فإن فسدت بسبب صلاحه تهين الله أمام الناس.

- طول الأناة تقدّم لنا منافع فإن لم نستفد منها نسقط تحت دينونة أشد.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

- [يستخدم الله أحيانًا التأديب وتارة الرحمة لحساب الصالحين:]

طول أناة الله تدعو الأشرار للتوبة، كما أن تأديب الله يدرب الصالحين على الاحتمال.

تحتضن أيضًا رحمة الله الصالحين لتثقيفهم كما أن حزم الله يصد الأشرار بسقوطهم تحت العقوبة.]

القدّيس أغسطينوس

بمعنى آخر إن كان الإنسان يميل بطبعه إلى القسوة على أخيه، حتى أن قدّم الله له كل حب وطول أناة فيدين الغير ويعنفه، فإن الله على النقيض يودّ خلاص الجميع ويطيل أناته لعل الكل يرجع إليه بالتوبة.

لعلّه أيضًا أراد أن يؤكّد أن الله إن كان يطيل أناته عليهم فليس ذلك علامة رضاه عنهم، وإنما علامة صلاحه ينتظر توبتهم.

رابعًا:
إن كان الله هو الديّان، لكنّنا نحن الذين "نذخر لأنفسنا غضبًا"... إذ يريد الله الرحمة مقدمًا كل وسيلة لعلّنا نقتنيها، أمّا الإنسان غير التائب فيحفظ لنفسه الغضب. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظوا دقة التعبير: "تذخر لنفسك غضبًا"، موضحًا أن الدينونة لا تصدر عن الديّان إنما هي نتيجة لعمل الخاطيء، إذ لا يقول "يذخر الله لك" وإنما "تُذخّر لنفسك"... أنه يحاول اجتذابك بكل وسيلة، فإن ظللت على عنادك تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة. ولكن لا يتبادر إلى ذهنك أن غضبه انفعال عنيف إنما هو العدالة، هو "استعلان"، حيث ينال كل إنسان ما يستحقه.]


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك