إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أقوال الأنبا باخوميوس اب الشركة

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 1 جـ4 PDF Print Email

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [كلمة "أولاً" ليست إلا تعبيرًا عن الناحية الزمنيّة فقط، إذ لا يوجد امتياز في مقدار البرّ الذي يحصل عليه، ولكن كمن ينزل في جرن المعمودية أولاً ثم يليه الآخر نعمة أعظم من التالي له، إنما ينعم الكل بنعمة واحدة. هكذا يتساوى اليهودي واليوناني في مواهب النعمة متى قبِلوا الإنجيل.]

و. ماذا يعني بقوله: "إيمان لإيمان؟" يرى العلامة ترتليان والعلامة أوريجينوس وابن كاتب قيصر أن برّ الله بإيمان الناموس حين نُقل المؤمنين إلى الإيمان بالإنجيل، وكأن الثمر الذي يشتهيه الرسول لكل عالم هو ذات الثمر الذي ترجّاه رجال الإيمان في العهد القديم، وقد حلّ الوقت المعيّن لينعم العالم به خلال الإيمان بالإنجيل الإلهي. يقول القدّيس إكليمنضس السكندري: [يعلّمنا أن خلاصًا واحدًا من الأنبياء إلى الإنجيل يحقّقه الرب الواحد عينه.] ويري القدّيس أمبروسيوس أن برّ الله يُعلن خلال أمانة الله في مواعيده، فتنتقل أمانته إلى إيمان الإنسان الذي ينعم ببرّ الله.

يقدّم لنا الرسول مفتاح كل عطيّة صالحة إلهية: "أما البارّ فبالإيمان يحيا" [17]. فالإنسان الذي يرتبط بالله يحمل برّ المسيح فيه، لكنه لا يعني هذا أنه يصير معصومًا من الخطأ كما يظن البعض، إنما يتمتّع بالنمو المستمر في برّ المسيح بلا توقف. وقد حذّرنا القدّيس أغسطينوس من فهم هذه العبارة بمعنى أننا نصير بلا خطيّة.

ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة بالقول:

[مادامت عطيّة الله تفوق الإدراك تمامًا فمن المنطق أننا نحتاج إلى الإيمان.

أما ترون أن عدم الإيمان هو هوّة سحيقة، أمّا الإيمان فحصن حصين. لأن عدم الإيمان أهلك الآلاف بينما الإيمان لم يُؤدِ إلى خلاص الزانية وحدها بل جعلها أيضًا أمّا لكثيرين.

إننا نستضيف برقةٍ أم كل البركات، وهو الإيمان، لكي نكون كمن هم يسيرون في ميناء هادئ مستقر تمامًا، محافظين على إيماننا الأرثوذكسي، فنقود سفينتنا باستقامة ونحظى بالبركات بالنعمة ومحبة البشر التي لربنا يسوع المسيح.]


3. شرور الأمم

إذ يواجه القدّيس بولس حركة التهوّد ليُعلن عن عمومية الخلاص لليوناني كما لليهودي، لم يبدأ بضعفات اليهود وشرورهم، بل بالعكس يتحدّث بصراحة ووضوح عن شرور الأمم، لكي يكون ذلك مدخلاً لنقد اليهود أيضًا، في صراحة وتفنيد كل حججهم دون اتهامه بالمحاباة. فقد وُجّه إليه هذا الاتهام: "إنك تعلم جميع اليهود الذين بين الأمم الارتداد عن موسى، قائلاً أن لا يختنوا أولادهم، ولا يسلكوا حسب العوائد" (أع 21: 21). هذا ما دفع الرسول إلى البدء بإعلان شرور الأمم ومسئوليتهم عنها، ليس تشهيرًا بهم ولا تحقيرًا، وإنما كمدخل لاجتذاب اليهود المتنصّرين لقبولهم معهم في العضوية في الجسد الواحد على قدَم المساواة، إذ يُعلن أن الأممي كاسر للناموس الطبيعي واليهودي كاسر للناموس الموسوي، لذلك صار الكل في حاجة إلى تدخل إلهي كي يتبرّروا لا بالناموس الطبيعي ولا بالناموس الموسوي، وإنما بالإيمان بالمسيح يسوع مخلص الجميع.

في حديثه عن شرور الأمم أصحاب الناموس الطبيعي يبرز الرسول الآتي:

أولاً: إن كان الله قد أعطى اليهود الناموس الموسوي، فإنه لم يهمل الأمم ولا تركهم بلا شاهد لنفسه بينهم، فقد أعلن نفسه خلال الطبيعة المنظورة، إذ يقول: "إذ معرفة الله ظاهرة فيهم، لأن الله أظهرها لهم، لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى أنهم بلا عذر" [20].

"الله لم يترك نفسه بلا شاهد فإن السماء تحدِّث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه" (مز 19: 1). يُعلن قدرته السرمدية ولاهوته خلال أعمال الخليقة الفائقة، التي أقامها بكلمته، لا لاستعراض إمكانياته، وإنما من أجل أعماق محبته لنا. فحب الله الفائق غير المنظور نلمسه خلال رعايته العجيبة، إذ قدّم لنا هذه المصنوعات لراحتنا.

بينما يتهم الرسول بولس البشر أنهم يحجزون الحق بالإثم [18]، وكأن الإنسان يتفنن في اختراع الطرق الأثيمة المتنوعة ليحجز "الحق" فلا يُعلن، إذ بالله يُعلن "الحب" لنا بطرق متنوعة خلال المصنوعات المباركة التي هي من عمل يديه. الإنسان يستميت في حجز الحق، والله يبذل لإعلان الحب السرمدي!

يرى القديس أغسطينوس في هذا القول الرسولي أن الله يقدم لنا العالم كعطية نستخدمها و ليس نتلذذ بها، فنرى خلالها أموره غير المنظور، نمسك بالروحيات والسماويات خلال الماديات والزمنيات.

يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على التعبير "قدرته السرمدية"، قائلاً: [إن كان المسيح هو قدرة الله السرمدية، فالمسيح إذن سرمدي.]

هذا وإذ يحجز الإنسان الحق بالإثم يسقط تحت الغضب الإلهي [18]، أمّا من يرجع إليه بالتوبة فيسمع الصوت الإلهي: "هلم يا شعبي أدخل مخادعك وأغلق أبوابك خلفك، اختبئ نحو لُحيظة حتى يعبر الغضب، لأنه هوذا الرب يخرج من مكانه، ليعاقب إثم سكان الأرض فيهم، فتكشف الأرض دماءها ولا تغطي قتلاها فيما بعد" (إش 26: 20-21). ما هي المخادع التي تدخل فيها إلا الحياة السرية في المسيح يسوع حيث فيه نختبئ من الغضب، ونصير موضع سرور الآب! وأمّا قوله "هوذا الرب يخرج من مكانه ليعاقب..." إنما يعني أنه يودّ أن يبقى في مكانه يُعلن حُبّه ورحمته، لكن إصرار سكان الأرض على الإثم تلزمه أنه يعاقب!

ثانيًا: لم يستطع الأممي خلال هذه المعرفة المعلَنة بالناموس الطبيعي، والمُسجلة خلال المنظورات أن يخلص، بل على العكس أخذ موقف المقاومة التي تظهر في الآتي:

أ. "لأنهم لما عرفوا الله، لم يمجّدوه أو يشكروه كإله، بل حمَقوا في أفكارهم، واِظلمّ قلبهم الغبي، وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء، وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات" [21-23].

هذا الاتهام كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أخطر من الاتهام السابق، فإن الأمر لم يقف عند رفض الله الذي أعلن عن محبته وقدرته خلال مصنوعات يديه، وإنما لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه، بل استبدلوا عبادة الله الحيّ بالعبادة الوثنيّة. وكما قال الله على لسان إرميا: "لأن شعبي عمل شرين: تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة لينقروا لأنفسهم أبارًا أبارًا مشققة لا تضبط ماءً" (إر 2: 13). أمّا علّة انحرافهم فهو اتكالهم على الفكر البشري المجرد دون عون الله، "وبينما هو يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء"، فصاروا كما يقول الذهبي الفم كمن يبحِّرون في مياه مجهولة، فتتحطم سفينتهم على صخور صلدة، إذ حاولوا بلوغ السماء بعدما أطفأوا النور المضيء في داخلهم، متّكلين على ظلمة أفكارهم.

يرى القدّيس أغسطينوس أن سرّ هلاكهم هو جحودهم وعدم شكرهم، إذ يقول: [بجحودهم صاروا أغبياء، فما يهبه الله مجانًا (أي الحكمة) ينزعه عن غير الشاكرين.] كما يقول: [لقد رأوا إلى أين يجب أن يذهبوا، لكنهم بجحودهم نسبوا هذه الرؤية التي وهبهم الله إيّاها لأنفسهم، وإذ سقطوا في الكبرياء فقدوا ما قد رأوه، وارتدّوا إلى عبادة الأوثان والتماثيل والشياطين، يعبدون المخلوق ويحتقرون الخالق.]

هذا ويرى القدّيس أغسطينوس أن هؤلاء الذين نسبوا لأنفسهم الحكمة فسقطوا في العبادات الرذيلة هم الرومان واليونان والمصريّون الذين مجدوا أنفسهم تحت اسم الحكمة.

ب. إذ تركوا الله الذي يُعلن ذاته لهم خلال الطبيعة تخلَّى هو أيضًا عنهم كشهوة قلوبهم، هذا هو ما عناه الرسول بقوله: "لذلك أسلمهم الله أيضًا في شهوات قلوبهم إلى النجاسة، لإهانة أجسادهم بين ذواتهم" [24]. تركوه بإرادتهم، وإذ هو يُقدر الحرّية الإنسانيّة ويكرمها، أعطاهم سؤل قلبهم وهو تركهم، فمارسوا شهوات قلوبهم الشرّيرة، حيث ارتكب الرجال والنساء قبائح لا تليق حتى بالطبيعة [26-27].

ويرى القدّيس يوحنا كاسيان أن الإنسان إذ يسقط في الكبرياء حتى وإن كان طاهرًا جسديًا، يسمح الله بالتخلّي عنه لكي إذ يسقط في شهوات جسديّة ظاهرة أمام عينيه يقدر أن يدرك الكبرياء الخفي الذي لا يراه.

لهذا السبب نجد كثير من الشباب يسقطون في الرجاسات الجسديّة بالرغم من مواظبتهم على وسائل الخلاص، من دراسة في الكتاب وتقديم صلوات، وربّما اعتراف وتناول، لكن العلّة الرئيسية لسقوطهم هو كبرياء قلوبهم. بالكبرياء يفقد الإنسان نعمة الله التي تهبه القداسة، فينهار تحت ثقل شهوات جسده وفساده.

ويحدّثنا القدّيس بفنوتيوس عن سماح الله لنا بهذا الانحراف، معلنًا أننا نحن السبب في هذا الفساد، إمّا بسبب كبريائنا أو إهمالنا، إذ يقول: [علينا أن نعرف أن كل شيء يحدّث، إمّا بإرادته أو بسماح منه، فكل ما هو خير يحدّث بإرادة الله وعنايته، وكل ما هو ضدّ ذلك يحدّث بسماح منه، متى نُزعت حماية الله عنّا بسبب خطايانا أو قسوة قلوبنا أو سماحنا للشيطان، أو للأهواء الجسديّة المخجلة أن تتسلط علينا، ويُعلمنا الرسول بذلك، مؤكدًا: "لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان" (رو 1: 25)، وأيضا: "كما لم يستحسنوا أن يُبقوا الله في معرفتهم، أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق" (رو 1: 28). ويقول الله بالنبي: "فلم يسمع شعبي لصوتي، وإسرائيل لم يرضَ بي، فسلّمتهم إلى قساوة قلوبهم، ليسلكوا في مؤامرات أنفسهم" (مز 81: 11-12).]




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك