إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إذا ضعفت عن أن تكون غنيا لله فإلتصق بمن يكون غنيا به لتسعد بسعادته

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

مقدمة الرسالة


يمثل هذا الأصحاح مقدمة للرسالة، فيها يكشف الرسول عن جوهر الرسالة كلها، إذ لا يقدم افتتاحية شكلية تحمل مجاملة لطيفة لأهل رومية، وإنما يكتب بحكمة ليكشف في كلمات قليلة عن "إنجيل الله"، وفاعليته في حياة المؤمنين. كما يعلن خلالها عن مركز الرسول في الرب وفكره وحكمته ورسالته واشتياقاته الروحية. ولما كان الرسول يود أن يقاوم حركة التهوّد، لا في هجوم سلبي، وإنما بفتح كل قلب إيجابيًا لحب خلاص كل الأمم يبدأ بإبراز أخطاء الأمم أولاً ليعطي فرصة لأصحاب حركة التهوّد (أي للمطالبين بالعودة إلى أعمال الناموس الموسوي الحرفية) ألا يشعروا أنه إنسان متحيز للأمم على حسابهم، إنما هو محب للكل.

1. البركة الرسولية 1-7.

2. افتتاحية تشجيعية 8-17.

3. شرور الأمم 18-32.

1. البركة الرسولية

لم يقدم الرسول بولس "البركة الرسولية" كأكلشيه يختم به مقدمة الرسالة، وإنما قدم البركة في المسيح يسوع بما يليق ببنيان من يتحدث معهم وموضوع حديثه لهم، إذ نلاحظ فيها الآتي:

أولاً: يبدأ الرسالة بدعوة نفسه بثلاثة ألقاب، قائلاً: "بولس عبد ليسوع المسيح، المدعو رسولاً، المفرز لإنجيل الله" [1].

اللقب الأول هو "عبد doulas"، ولعله ابتدأ بهذا اللقب لأنه يكتب إلى أناسٍ يثيرون تفرقة عنصرية بين اليهود المتنصرين والأمميين المتنصرين، فإن كان هو عبدًا ليسوع المسيح، ففي هذا يتساوى جميع المؤمنين، إذ الكل عبيد للسيد المسيح، أيّا كان أصلهم أو ديانتهم السابقة.

كان أتقياء العهد القديم يعتزون بهذا اللقب بكونهم "عبيد يهوه" (مز 27: 9؛ 31: 16؛ 89: 50)، والآن إذ صار الكل في المسيح يسوع يتمتعون ببرّه وتقواه، يتأهلون لهذا اللقب "عبيد ليسوع المسيح"، ويفخرون به دون سواه، الأمر الذي يشترك كل الأعضاء فيه.

هذا وقد كان هذا اللقب يُنسب بالأكثر لمن قاموا بدور في تاريخ الخلاص خلال خدمتهم ليهوه، مثل موسى (2 مل 18: 12)، ويشوع (قض 2: 8)، وإبراهيم (مز 105: 42). وكأن بولس كرسول وهو مفرز لإنجيل الله يقوم بدور في تاريخ الخلاص، هو امتداد للدور الذي قام به آباء وأنبياء العهد القديم، لذا يليق باليهود المتنصرين أن يسمعوا ويتقبلوا رسالته بلا غضاضة.

أما اللقب الثاني فهو: "المدعو رسولاً"... لم يقل "رسول" بل "المدعو رسولاً"، لأن موضوع هذه الرسالة هو "دعوة الأمم للإيمان" كما سبق فدُعي اليهود قديمًا للإيمان؛ فإن كان القديس بولس يشعر بالفضل لله الذي دعاه للرسولية، فإنه حتى في إيمانه القديم كان مدعوًّا، وفي قبوله الصليب يحسب نفسه"مدعوٌا"... كأن لا فضل لنا في إيماننا كما في شهادتنا للرب، أيّا كان مركزنا الكنسي، إنما يرجع الفضل للذي دعانا.

اللقب الثالث: "المفرز لإنجيل الله". هذا اللقب "المفرز" في الأرامية "برسي" أو "فريسي"، وتعني "منفصل"، وكأن فريسيته الأولى قد مهدت لفريسية من نوع جديد، لا فريسية الحرف القاتل القائمة على الاعتداد بالذات والكبرياء، إنما "فريسية روحية" تقوم على التكريس والفرز للتفرغ للكرازة لحساب إنجيل الخلاص للعالم كله.

بهذه الألقاب الثلاثة يعلن القديس بولس أنه "عبد"، حياته هي امتداد لحياة عبيد الله العاملين في العهد القديم خلال تاريخ الخلاص، يقوم بالعمل الرسولي بدعوة إلهية وليس من عندياته، لا عمل له ولا هدف سوى تقديم إنجيل الله لكل أحد إن أمكن!

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه الألقاب الثلاثة، قائلاً:

["بولس عبد ليسوع المسيح"... إنه يدعو نفسه عبدًا للمسيح، ليس بطريقة واحدة، إذ توجد أنواع من العبودية.

توجد عبودية أساسها الخلقة، كما قيل: "لأن الكل عبيدك" (مز 119: 91)، وأيضًا: "نبوخذراصر عبدي" (إر 25: 9)، لأن المخلوق عبد لخالقه أو صانعه.

توجد أيضًا عبودية من نوع آخر تنبع عن الإيمان، إذ قيل: "فشكرٌا لله أنكم كنتم عبيدًا للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها، وإذ أُعتقتم من الخطية صرتم عبيدًا للبرّ" (رو 6: 17-18).

نوع آخر يقوم على الخضوع للعمل، كما قيل: "موسى عبدي قد مات" (يش 1: 2). حقًا كان كل الإسرائيليين عبيدًا، لكن موسى كان عبدًا بطريقة خاصة يتلألأ ببهاءٍ شديدٍ في الجماعة.

هكذا كان بولس عبدًا بكل هذه الأشكال (الثلاثة) من العبودية العجيبة، وقد وضعها كلقبٍ مكرمٍ، قائلاً: "بولس عبد ليسوع المسيح"... "المدعو رسولاً"، معطيًا لنفسه هذا الطابع في كل رسائله: "المدعو"، مظهرًا إخلاصه، وأنه قد وُجد ليس خلال سعيه الذاتي، إنما دُعي فجأة وأطاع.

هكذا أيضًا يعطي نفس الطابع للمؤمنين بقوله أنهم "مدعوون قديسين". ولكن بينما هم مدعوون ليصيروا مؤمنين نال هو بجانب هذا أمرًا مختلفًا يسمى "الرسولية"؛ هذا الأمر مشحون بالتطويبات غير المحصية، أعظم وأسمى من كل العطايا... إذ يتحدث بولس بصوت عال،ٍ ويمجد العمل الرسولي، قائلاً: "إذًا نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا" (2 كو 5: 20)، بمعنى أننا نحمل دور المسيح (سفراء عنه). "المفرز لإنجيل الله"، كما في البيت يقوم كل واحد بعمل مغاير، هكذا في الكنيسة، توجد خدمات متنوعة تُوزع. وهنا يبدو لي أنه يلمح إلى أنه لم يُقم لهذا العمل باختيار الجماعة فحسب، وإنما عُيّن منذ القديم لهذا العمل، الأمر الذي يتحدث عنه إرميا قائلاً بأن الله قال عنه: "قبلما خرجت من الرحم قدستك، جعلتك نبيًا للشعوب" (إر 1: 5). فإذ يكتب الرسول إلى مدينة تتسم بالمجد الباطل، كل واحد فيها يفتخر متعاليًا، لذلك يكتب بكل وسيلة ليظهر أن اختياره (للرسولية) كان من قبل الله؛ الله هو الذي دعاه وهو الذي أفرزه].

ثانيًا: يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على قوله: "المفرز لإنجيل الله"، قائلاً: [إنه يقول "إنجيل الله" لكي يفرح السامعين منذ البداية (لأن كلمة إنجيل تعني بشارة مفرحة)، فقد جاءهم بأخبار لا تحزن ملامحهم كما سبق ففعل الأنبياء خلال التوبيخات والاتهامات والانتهار، إنما بأخبار سارة، أي "إنجيل الله"، الحاوي للكنوز غير المحصية ذات البركات الثابتة غير المتغيرة.]

ثالثًا: يستخدم القديس أمبروسيوس هذه العبارة مع عبارات أخرى (2 كو 13: 14) للرد على الأريوسيين الذين نادوا بأن الآب أعظم من الابن مدللين على ذلك بأن الآب يُذكر أولاً في الترتيب، وههنا الرسول يذكر الابن قبل الآب، إذ يقول: "عبد ليسوع المسيح" أولاً ثم "المفرز لإنجيل الله"، هذا علامة على وحدة اللاهوت.

وفي نفس المقال يقول بأن الرسول بولس الذي يمنعني من التعبد للخليقة أجده هنا يحثني على التعبد للسيد المسيح، إذ يدعو نفسه "عبد ليسوع المسيح"، مظهرًا أنه الخالق وليس مخلوقًا.

رابعًا:
إن كان الرسول يلتزم بصد حركة التهوّد المُعطلة لإنجيل الله وسط الأمم، فقد أراد أن يؤكد لليهود المتنصرين أنه لا يحمل أفكارًا غنوصية كتلك التي حملها البعض والتي ظهرت بالأكثر في مرقيون فيما بعد في القرن الثاني، حيث تجاهل العهد القديم، بل واستخف به. لقد أراد الرسول أن يُبرىء نفسه من هذه الأفكار الخاطئة، فأعلن أن "إنجيل الله" الذي أُفرز له ليس إلا تحقيقًا لخطة الله الخلاصية القديمة التي يمثل العهد القديم جزءًا منها، إذ يقول: "الذي سبق فوعد به بأنبيائه في الكتب المقدسة" [2]؛ فما يكرز به إنما هو شهوة رجال وأنبياء العهد القديم وتحقيق لنبواتهم المقدسة.

إن كان محور إنجيله هو "المسيح ابن الله"، فإن هذا القدوس هو أيضًا مركز خدمة رجال العهد القديم، عنه تنبأ الأنبياء، وبه جاءنا الوعد في الكتب المقدسة (العهد القديم). أو ربما أراد أن يؤكد لهم أنه لن ينسى أن منهم جاء الأنبياء، ولهم قد سُلمت الشريعة والكتب المقدسة التي هيأت الطريق للمسيًا المخلص.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [إذ يريدا أن يصنع أعمالاً عظيمة علانية يسبق فيُعلن عنها زمانًا طويلاً ليُهييء مسامع البشر لقبولها عندما تتحقق. يقول "في الكتب المقدسة"، لأن الأنبياء لم يتكلموا فقط وإنما كتبوا ما نطقوا به، بل وقدموا ظلالاً لها خلال الأعمال مثل إبراهيم الذي رفع اسحق، وموسى الذي رفع الحيّة، وبسط يديه ضد عماليق، وقدم خروف الفصح.]

خامسًا: لما كانت الرسالة في مجملها هي إعلان عن "إنجيل الله"، لذلك عرّفه هنا في المقدمة بقوله: "عن ابنه، الذي صار من نسل داود من جهة الجسد، وتعيّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات، يسوع المسيح ربنا". إنجيلنا إذن هو قبول "ربنا يسوع المسيح"، الذي يكرر الرسول مؤكدًا أنه "ابن الله"، إذ خلاله ننال البنوة لله. هو الابن الذي باتحادنا فيه ننتقل من مركز العبيد إلى "الأبناء" بالمعمودية، لنُحسب موضع رضا الآب وسروره، وهذا هو مركز الرسالة كلها.

هذا أكد نسب المسيح لداود من جهة الجسد، أولاً لكي يشجع اليهود على متابعة حديثه، إذ لا يتجاهل أن مخلص العالم كله جاء متجسدًا منهم، ومن جهة أخرى ليؤكد أن فيه تحققت النبوات خاصة بكونه ابن داود الملك ليجلس على كرسي أبيه خلال ملكوت روحي سماوي (مت 21: 9؛ يو 12: 13؛ لو 1: 32؛ 2 تى 2: 8). وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [تقبل إذن المولود من ذرية داود وأطع النبوة القائلة: "ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب، إيّاه تطلب الأمم" (إش 11: 10) .]


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


10 توت 1736 ش
21 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة مطرونة
استشهاد القديس يؤانس المصري وزملائه
استشهاد القديسة باسين وأولادها الثلاثة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك