إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

ان الشياطين توجة هجماتها المنظورة الى الجبناء فارشموا انفسكم بعلامة الصليب بشجاعة و دعوا هؤلاء يسخرون من ذواتهم و اما انتم فتحصنوا بعلامة الصليب . فحيث وجدت اشارة الصليب ضعف السحر و تلاشت قوة العرافة

الأنبا انطونيوس

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية

+ تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +



تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

مقدمة الرسالة


يمثل هذا الأصحاح مقدمة للرسالة، فيها يكشف الرسول عن جوهر الرسالة كلها، إذ لا يقدم افتتاحية شكلية تحمل مجاملة لطيفة لأهل رومية، وإنما يكتب بحكمة ليكشف في كلمات قليلة عن "إنجيل الله"، وفاعليته في حياة المؤمنين. كما يعلن خلالها عن مركز الرسول في الرب وفكره وحكمته ورسالته واشتياقاته الروحية. ولما كان الرسول يود أن يقاوم حركة التهوّد، لا في هجوم سلبي، وإنما بفتح كل قلب إيجابيًا لحب خلاص كل الأمم يبدأ بإبراز أخطاء الأمم أولاً ليعطي فرصة لأصحاب حركة التهوّد (أي للمطالبين بالعودة إلى أعمال الناموس الموسوي الحرفية) ألا يشعروا أنه إنسان متحيز للأمم على حسابهم، إنما هو محب للكل.

1. البركة الرسولية 1-7.

2. افتتاحية تشجيعية 8-17.

3. شرور الأمم 18-32.

1. البركة الرسولية

لم يقدم الرسول بولس "البركة الرسولية" كأكلشيه يختم به مقدمة الرسالة، وإنما قدم البركة في المسيح يسوع بما يليق ببنيان من يتحدث معهم وموضوع حديثه لهم، إذ نلاحظ فيها الآتي:

أولاً: يبدأ الرسالة بدعوة نفسه بثلاثة ألقاب، قائلاً: "بولس عبد ليسوع المسيح، المدعو رسولاً، المفرز لإنجيل الله" [1].

اللقب الأول هو "عبد doulas"، ولعله ابتدأ بهذا اللقب لأنه يكتب إلى أناسٍ يثيرون تفرقة عنصرية بين اليهود المتنصرين والأمميين المتنصرين، فإن كان هو عبدًا ليسوع المسيح، ففي هذا يتساوى جميع المؤمنين، إذ الكل عبيد للسيد المسيح، أيّا كان أصلهم أو ديانتهم السابقة.

كان أتقياء العهد القديم يعتزون بهذا اللقب بكونهم "عبيد يهوه" (مز 27: 9؛ 31: 16؛ 89: 50)، والآن إذ صار الكل في المسيح يسوع يتمتعون ببرّه وتقواه، يتأهلون لهذا اللقب "عبيد ليسوع المسيح"، ويفخرون به دون سواه، الأمر الذي يشترك كل الأعضاء فيه.

هذا وقد كان هذا اللقب يُنسب بالأكثر لمن قاموا بدور في تاريخ الخلاص خلال خدمتهم ليهوه، مثل موسى (2 مل 18: 12)، ويشوع (قض 2: 8)، وإبراهيم (مز 105: 42). وكأن بولس كرسول وهو مفرز لإنجيل الله يقوم بدور في تاريخ الخلاص، هو امتداد للدور الذي قام به آباء وأنبياء العهد القديم، لذا يليق باليهود المتنصرين أن يسمعوا ويتقبلوا رسالته بلا غضاضة.

أما اللقب الثاني فهو: "المدعو رسولاً"... لم يقل "رسول" بل "المدعو رسولاً"، لأن موضوع هذه الرسالة هو "دعوة الأمم للإيمان" كما سبق فدُعي اليهود قديمًا للإيمان؛ فإن كان القديس بولس يشعر بالفضل لله الذي دعاه للرسولية، فإنه حتى في إيمانه القديم كان مدعوًّا، وفي قبوله الصليب يحسب نفسه"مدعوٌا"... كأن لا فضل لنا في إيماننا كما في شهادتنا للرب، أيّا كان مركزنا الكنسي، إنما يرجع الفضل للذي دعانا.

اللقب الثالث: "المفرز لإنجيل الله". هذا اللقب "المفرز" في الأرامية "برسي" أو "فريسي"، وتعني "منفصل"، وكأن فريسيته الأولى قد مهدت لفريسية من نوع جديد، لا فريسية الحرف القاتل القائمة على الاعتداد بالذات والكبرياء، إنما "فريسية روحية" تقوم على التكريس والفرز للتفرغ للكرازة لحساب إنجيل الخلاص للعالم كله.

بهذه الألقاب الثلاثة يعلن القديس بولس أنه "عبد"، حياته هي امتداد لحياة عبيد الله العاملين في العهد القديم خلال تاريخ الخلاص، يقوم بالعمل الرسولي بدعوة إلهية وليس من عندياته، لا عمل له ولا هدف سوى تقديم إنجيل الله لكل أحد إن أمكن!

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه الألقاب الثلاثة، قائلاً:

["بولس عبد ليسوع المسيح"... إنه يدعو نفسه عبدًا للمسيح، ليس بطريقة واحدة، إذ توجد أنواع من العبودية.

توجد عبودية أساسها الخلقة، كما قيل: "لأن الكل عبيدك" (مز 119: 91)، وأيضًا: "نبوخذراصر عبدي" (إر 25: 9)، لأن المخلوق عبد لخالقه أو صانعه.

توجد أيضًا عبودية من نوع آخر تنبع عن الإيمان، إذ قيل: "فشكرٌا لله أنكم كنتم عبيدًا للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها، وإذ أُعتقتم من الخطية صرتم عبيدًا للبرّ" (رو 6: 17-18).

نوع آخر يقوم على الخضوع للعمل، كما قيل: "موسى عبدي قد مات" (يش 1: 2). حقًا كان كل الإسرائيليين عبيدًا، لكن موسى كان عبدًا بطريقة خاصة يتلألأ ببهاءٍ شديدٍ في الجماعة.

هكذا كان بولس عبدًا بكل هذه الأشكال (الثلاثة) من العبودية العجيبة، وقد وضعها كلقبٍ مكرمٍ، قائلاً: "بولس عبد ليسوع المسيح"... "المدعو رسولاً"، معطيًا لنفسه هذا الطابع في كل رسائله: "المدعو"، مظهرًا إخلاصه، وأنه قد وُجد ليس خلال سعيه الذاتي، إنما دُعي فجأة وأطاع.

هكذا أيضًا يعطي نفس الطابع للمؤمنين بقوله أنهم "مدعوون قديسين". ولكن بينما هم مدعوون ليصيروا مؤمنين نال هو بجانب هذا أمرًا مختلفًا يسمى "الرسولية"؛ هذا الأمر مشحون بالتطويبات غير المحصية، أعظم وأسمى من كل العطايا... إذ يتحدث بولس بصوت عال،ٍ ويمجد العمل الرسولي، قائلاً: "إذًا نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا" (2 كو 5: 20)، بمعنى أننا نحمل دور المسيح (سفراء عنه). "المفرز لإنجيل الله"، كما في البيت يقوم كل واحد بعمل مغاير، هكذا في الكنيسة، توجد خدمات متنوعة تُوزع. وهنا يبدو لي أنه يلمح إلى أنه لم يُقم لهذا العمل باختيار الجماعة فحسب، وإنما عُيّن منذ القديم لهذا العمل، الأمر الذي يتحدث عنه إرميا قائلاً بأن الله قال عنه: "قبلما خرجت من الرحم قدستك، جعلتك نبيًا للشعوب" (إر 1: 5). فإذ يكتب الرسول إلى مدينة تتسم بالمجد الباطل، كل واحد فيها يفتخر متعاليًا، لذلك يكتب بكل وسيلة ليظهر أن اختياره (للرسولية) كان من قبل الله؛ الله هو الذي دعاه وهو الذي أفرزه].

ثانيًا: يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على قوله: "المفرز لإنجيل الله"، قائلاً: [إنه يقول "إنجيل الله" لكي يفرح السامعين منذ البداية (لأن كلمة إنجيل تعني بشارة مفرحة)، فقد جاءهم بأخبار لا تحزن ملامحهم كما سبق ففعل الأنبياء خلال التوبيخات والاتهامات والانتهار، إنما بأخبار سارة، أي "إنجيل الله"، الحاوي للكنوز غير المحصية ذات البركات الثابتة غير المتغيرة.]

ثالثًا: يستخدم القديس أمبروسيوس هذه العبارة مع عبارات أخرى (2 كو 13: 14) للرد على الأريوسيين الذين نادوا بأن الآب أعظم من الابن مدللين على ذلك بأن الآب يُذكر أولاً في الترتيب، وههنا الرسول يذكر الابن قبل الآب، إذ يقول: "عبد ليسوع المسيح" أولاً ثم "المفرز لإنجيل الله"، هذا علامة على وحدة اللاهوت.

وفي نفس المقال يقول بأن الرسول بولس الذي يمنعني من التعبد للخليقة أجده هنا يحثني على التعبد للسيد المسيح، إذ يدعو نفسه "عبد ليسوع المسيح"، مظهرًا أنه الخالق وليس مخلوقًا.

رابعًا:
إن كان الرسول يلتزم بصد حركة التهوّد المُعطلة لإنجيل الله وسط الأمم، فقد أراد أن يؤكد لليهود المتنصرين أنه لا يحمل أفكارًا غنوصية كتلك التي حملها البعض والتي ظهرت بالأكثر في مرقيون فيما بعد في القرن الثاني، حيث تجاهل العهد القديم، بل واستخف به. لقد أراد الرسول أن يُبرىء نفسه من هذه الأفكار الخاطئة، فأعلن أن "إنجيل الله" الذي أُفرز له ليس إلا تحقيقًا لخطة الله الخلاصية القديمة التي يمثل العهد القديم جزءًا منها، إذ يقول: "الذي سبق فوعد به بأنبيائه في الكتب المقدسة" [2]؛ فما يكرز به إنما هو شهوة رجال وأنبياء العهد القديم وتحقيق لنبواتهم المقدسة.

إن كان محور إنجيله هو "المسيح ابن الله"، فإن هذا القدوس هو أيضًا مركز خدمة رجال العهد القديم، عنه تنبأ الأنبياء، وبه جاءنا الوعد في الكتب المقدسة (العهد القديم). أو ربما أراد أن يؤكد لهم أنه لن ينسى أن منهم جاء الأنبياء، ولهم قد سُلمت الشريعة والكتب المقدسة التي هيأت الطريق للمسيًا المخلص.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [إذ يريدا أن يصنع أعمالاً عظيمة علانية يسبق فيُعلن عنها زمانًا طويلاً ليُهييء مسامع البشر لقبولها عندما تتحقق. يقول "في الكتب المقدسة"، لأن الأنبياء لم يتكلموا فقط وإنما كتبوا ما نطقوا به، بل وقدموا ظلالاً لها خلال الأعمال مثل إبراهيم الذي رفع اسحق، وموسى الذي رفع الحيّة، وبسط يديه ضد عماليق، وقدم خروف الفصح.]

خامسًا: لما كانت الرسالة في مجملها هي إعلان عن "إنجيل الله"، لذلك عرّفه هنا في المقدمة بقوله: "عن ابنه، الذي صار من نسل داود من جهة الجسد، وتعيّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات، يسوع المسيح ربنا". إنجيلنا إذن هو قبول "ربنا يسوع المسيح"، الذي يكرر الرسول مؤكدًا أنه "ابن الله"، إذ خلاله ننال البنوة لله. هو الابن الذي باتحادنا فيه ننتقل من مركز العبيد إلى "الأبناء" بالمعمودية، لنُحسب موضع رضا الآب وسروره، وهذا هو مركز الرسالة كلها.

هذا أكد نسب المسيح لداود من جهة الجسد، أولاً لكي يشجع اليهود على متابعة حديثه، إذ لا يتجاهل أن مخلص العالم كله جاء متجسدًا منهم، ومن جهة أخرى ليؤكد أن فيه تحققت النبوات خاصة بكونه ابن داود الملك ليجلس على كرسي أبيه خلال ملكوت روحي سماوي (مت 21: 9؛ يو 12: 13؛ لو 1: 32؛ 2 تى 2: 8). وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [تقبل إذن المولود من ذرية داود وأطع النبوة القائلة: "ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب، إيّاه تطلب الأمم" (إش 11: 10) .]


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email
هذا هو نسل داود الذي قيل عنه: "أُقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك وأُثبّت مملكته، هو يبني بيتًا لاسمي وأنا أُثبِّت كرسي مملكته إلى الأبد" (2 صم 8: 12-13). وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن نسل داود الذي بنى البيت الإلهي ليس سليمان بل السيد المسيح، إذ أقام هيكل الله غير المصنوع من خشب وحجارة، بل من البشر، أي من المؤمنين الذين قال عنهم الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله ساكن فيكم؟" (1 كو 3: 16)، لأن السيد المسيح لا سليمان هو الذي تثبت مملكته إلى الأبد حسب هذا الوعد الإلهي (2 صم 8: 13) .]

أما كلمة "تعيّن"، فكما يرى القديس يوحنا ذهبي الفم وغيره من الآباء الشرقيين، فتعني "أُعلن" أو "أُظهر". فالكنيسة الأولى كانت ترى أنه لم يكن ممكنًا أن يُعلن عنه كمسيّا ورب إلا بعد قيامته (أع 2: 34-36؛ في 3: 10؛ 1 كو 15: 45). هذا ما رأيناه بوضوح في دراستنا للإنجيل بحسب مرقس، إذ كان السيد نفسه يخفي لاهوته ويؤكد لتلاميذه إلا يعلنوا عن شخصه حتى يقوم. قيامته هي الدليل القاطع على بنوته الطبيعية لله. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بماذا إذٌا "أعلن" عنه؟ لقد أظهر وأعلن عنه واعترف به خلال مشاعر الكل وشهادتهم، وذلك بواسطة الأنبياء، وخلال ميلاده حسب الجسد بطريقة عجيبة، وبقوة العجائب، وبالروح الذي به يهب التقديس، وبالقيامة التي بها وضع نهاية لطغيان الموت.]

سادسًا: يقول: القديس يوحنا ذهبي الفم إن الرسول إذ ذكر أنه مفرز لإنجيل الله، تحدث عن تجسد ابن الله خلال نسل داود حتى نقبله، فيرتفع بنا إلى أسراره السماوية. بدون التجسد الإلهي والتواضع لا نقدر أن نرتفع معه إلى سمواته، إذ يقول: [من يريد أن يقود البشر بيده إلى السماء، يلزم أن يرتفع بهم من أسفل، وهكذا كان عمل التدبير (الإلهي). فقد نظروه أولاً إنسانًا على الأرض وعندئذ أدركوا أنه الله. بنفس الاتجاه إذ شكّل (السيد) تعاليمه هكذا استخدم تلميذه ذات الطريق ليقودنا إلى هناك.]

يقول القديس أمبروسيوس: [من جهة الجسد صار من نسل داود، لكنه هو الله المولود من الله (الآب) قبل العوالم.]

يقول أيضًا القديس غريغوريوس النزينزي: [لقد دعيَ من نسل داود؛ ربما بهذا نظن إن الرجل قد كُرم (لأنه جاء رجلاً ومنتسبًا إلى رجل)، لكنه وُلد من عذراء، وبهذا تُكرم المرأة من جانبها.]

سابعًا: بعد أن سجل اسم الراسل وألقابه خلال دعوته للرسولية وعمله الإنجيلي، كاشفًا عن مفهوم الإنجيل الإلهي الذي أُفرز له، سجل اسم المرسل إليهم ومركزهم من هذه الرسالة الإلهية، قائلاً: "الذي به لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة لإطاعة الإيمان في جميع الأمم، الذين بينهم أنتم أيضًا مدعوو يسوع المسيح، إلى جميع الموجودين في رومية أحباء الله مدعوين قديسين" [5-7].

قبل أن يدخل معهم في حوار بخصوص النزاع القائم بين اليهود المتنصرين والأمم المتنصرين أخذ يشجع الكل، معلنًا للجميع أن ما ناله القديس بولس إنما هو من قبيل نعمة الله المجانية كهبة مقدمة، لا لفضل فيه ولا فيهم كيهود أو أمم، وإنما لأجل اسمه، إذ يقول: "لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة (رسولية)".

إن كانت هذه الرسالة تكرر الحديث عن نعمة الله، سواء في حياة الرسول، إذ نقلته لا من عدم الإيمان إلى الإيمان فحسبK وإنما من مضطهدٍ إلى كارزٍ ورسولٍ، أو في حياة المخدومين من يهود وأمم، فإن الرسول لم يقدم لنا تعريفًا عن "النعمة"، إنما حديثًا عن قوة النعمة وفاعليتها في حياة الكنيسة وكل عضو فيها. وكأن الرسول لم يرد أن يشغلنا بتعاريف نظرية وفلسفات فكرية، إنما أراد لنا معرفة التلامس الحقيقي والتمتع الواقعي بهذه الأمور. هذا هو أيضًا منهج الكنيسة الشرقية كما سبق فرأينا عند عرضنا "للنعمة" عند العلامة أوريجينوس.

ما هي هذه النعمة إلاَّ عطية الله المجانية، عطية الآب الذي في محبته قدم ابنه الحبيب مبذولاً عن خلاص العالم (يو 3: 16؛ رو 8: 32). نعمة الابن الوحيد الذي أحبني، وأسلم ذاته لأجلي. كما أرسل لنا روحه المعزي من عند الآب يشهد له في حياتنا (يو 15: 26)، يعلمنا كل شيء ويذكرنا بكل ما قاله لنا (يو 14: 26)، كما ارتبطت النعمة بالروح القدس، فإن كان الروح هو واهب العطايا، لكنه في نفس الوقت هو عطية، إذ صار ساكنًا فينا، حالاً في داخلنا بكوننا هياكل الله وروح الله ساكن فينا.

يعلن الآب عن نعمته خلال تدبير الخلاص، والابن يعلن عن ذات النعمة خلال حمله الصليب عنا، والروح القدس يقدم ذات النعمة بسكناه فينا لنقبل عمل المسيح الخلاصي في حياتنا.

هذه هي النعمة الإلهية المجانية التي تعمل في الكنيسة، لتهب الكل العضوية في الجسد الواحد، لكن لكل عضو تمايزه دون انفصال عن الرأس أو بقية الأعضاء، ولكل عضو بالنعمة خدمته ومواهبه، فقد ميّز الروح القديس بولس بالرسولية لأجل الكرازة والرعاية. هذه العطية "الرسولية" دفعته أن يكتب لهم كما لغيرهم بسلطانٍ لكي يحقق عمل النعمة الإلهية فيه وفيهم.

ثامنًا: إن كان الروح القدس قد ميّز القديس بالرسولية، فبنعمته صار يعمل في سامعيه لا للدخول في مناقشات ومجادلات، وإنما لقبول الإيمان في طاعة وخضوع: "لإطاعة الإيمان في جميع الأمم" [5]. هذا هو عمل النعمة الإلهية أو عمل الروح القدس نفسه في المخدومين. يقول: القديس يوحنا ذهبي الفم: [انظروا صراحة العبد، فإنه لا يود أن ينسب شيئًا لنفسه بل لسيده، فإن الروح بالحق هو الذي يهب هذا. لذلك يقول السيد: "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق" (يو 16: 12)... وجاء في الرسالة إلى أهل كورنثوس: "فإنه لواحد يُعطى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم" (1 كو 12: 8)، "الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء" (1 كو 12: 11) .]

إذن نعمة الله التي قدمت للقديس بولس "الرسولية" هي التي تعمل لطاعة الإيمان لا في اليهود وحدهم، وإنما "في جميع الأمم".

هذا ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن قوله "في جميع الأمم" يكشف أن الرسول إذ يتكلم عن عمل النعمة فيه كرسول يضم معه بقية الرسل، إذ تعمل النعمة في الكل لأجل جميع الأمم، أو ربما يقصد أنه وإن كان لا يعمل هنا في جميع الأمم فإنه حتى بعد موته لا يكف عن العمل في جميع الأمم. وربما يقصد الذهبي الفم أن الرسول يبقى في الفردوس خادمًا بحبه لخلاص العالم وبصلواته غير المنقطعة من أجل الكل.

تاسعًا: دعاهم "مدعوّي يسوع المسيح"، فالفضل لمن "دعانا" مجانًا لنعمته. كما دعاهم "مدعوّين قديسين". فإن كان شعب إسرائيل قد دُعي قديمًا بالجماعة المقدسة (حز 12: 16؛ لا 23: 2، 44) بكونهم الشعب المفرز لله القدوس (لا 11: 24، 19: 2)، فإن هذا الشعب قد فشل في تحقيق القداسة إلا من خلال الرموز والنبوات، أما الآن فقد جاء مسيحنا القدوس يدعونا للدخول فيه والثبات فيه، فنُحسب به أبرارًا وقديسين.

أراد الرسول في أبوته الحانية أن يوضح نظرته لهم، أنه يحترمهم ويقدّرهم، لأنهم "مدعوّو يسوع المسيح" [6]، "أحباء الله" [7]، "مدعوّون قديسين" [7]، كأنه يفتخر أن يكون خادمًا لهم!

يحسب القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه الدعوة للقداسة هي كرامة فائقة ترافق المؤمنين حتى بعد عبورهم الحياة، إذ يقول: [الكرامات الأخرى تُعطى لزمان ثم تنتهي مع الحياة الحاضرة، هذه يمكن أن تُقتنى بمال... أما الكرامات التي يهبها الله، أي عطية التقديس والتبني، فلا يقدر حتى الموت أن يحطمها. إنها تجعل البشر مشهورين هنا، كما ترافقنا في رحلتنا إلى الحياة العتيدة.]

هذا وسرّ تقديسنا هو قبول "النعمة والسلام" [5]... فقد كانت كلمة "نعمة" هي تحية اليونانيين، و"سلام" أو "شلوم" هي تحية العبرانيين؛ أما وقد صار الكل جسدًا واحدًا فلم يقبلوا "النعمة والسلام" من بعضهم البعض، إنما تمتعوا بهما كعطية إلهية للجسد الواحد الذي يضم اليونانيين واليهود معًا. تقبلوا نعمة الله الفائقة، أي عطاياه المجانية والتي تتجلى في سكنى الله نفسه في داخلهم ليُعلن ملكوته فيهم باستحقاقات دم الصليب، وسلامه السماوي الذي يوّحد الإنسان مع خالقه والجسد مع الروح والإنسان مع أخيه، أيّا كان جنسه!

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بحكمة يبدأ بالنعمة ثم بالسلام، إذ لا نستطيع أن ننعم بالسلام الداخلي، بعد أن دخلنا خلال عصياننا في حرب روحية شرسة ما لم تعمل نعمة الله فينا لتهبنا بالمسيح يسوع روح الغلبة والنصرة؛ فنعيش في سلام حقيقي، كأبناء لأبٍ سماويٍ. هذه هي عطية الله لنا، ونعمته التي تسندنا في هذا الزمان الحاضر وترافقنا حتى تدخل بنا إلى الحضن الأبوي أبديًّا. يقول القديس:

[إنها تحية تقدم لنا بركات بلا حصر.

هذا (السلام) هو ما أمر به المسيح الرسل أن يستخدموه كأول كلمة ينطقون بها عندما يدخلون البيوت (لو 10: 5). لهذا يبدأ الرسول بالنعمة والسلام. فقد كانت توجد حرب ليست بهينة، وضع المسيح لها نهاية؛ كانت بالحقيقة حربًا متنوعة من كل صنف استمرت زمنًا طويلاً، وقد انتهت خلال نعمة المسيح وليس بمجهوداتنا الذاتية.

الحب جلب النعمة، والنعمة جلبت السلام، لذلك جاء ترتيب التحية لائقًا (النعمة والسلام)، طالبًا لهم أن يعيشوا في سلامٍ دائمٍ غير متزعزع، حتى لا يشتعل لهيب حرب أخرى، سائلاً الله أن يحفظ لهم هذه الأمور ثابتة، قائلاً: "نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح" [7].

عجبًا! يا لقدرة حب الله، نحن الذين كنا قبلاً أعداء ومطروحين صرنا قديسين وأبناء! فإنه إذ يدعو الله "أبانا" يظهرهم أبناء له، وعندما يدعوهم أبناء يكشف عن كنز البركات كلها.]

السلام هو عطية الله التي يلزم أن نطلبها بالصلاة، فيهبها لنا إن صارت لنا الإرادة المقدسة، وكما يقول القديس جيروم: [يلزمنا أن نقتني السلام بالصلاة، هذا الذي يوجد ليس بين الجميع، بل بين من لهم الإرادة الصالحة... "لأن مسكنه (الله) في السلام" (مز 76: 10) .]

لاحظ القديس أمبروسيوس أن النعمة والسلام قد نُسبا للآب كما للسيد المسيح، إذ يقول: [ها أنتم ترون إننا نقول بأن نعمة الآب والابن واحدة، وسلام الآب والابن واحد، لكن هذه النعمة وهذا السلام هما ثمر الروح كما يعلمنا الرسول نفسه، قائلاً: "وأما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام، طول أناة" (غل 5: 22) .]


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email

2. افتتاحية تشجيعية

تكشف افتتاحية هذه الرسالة كما في باقي الرسائل عن جانب هام من منهج الرسول بولس في خدمته ومعاملاته، فإنه بروح الحكمة يشجع ويسند، حتى إن أراد أن يحاور أو يوبخ، فإن كان يكتب في جوهر الرسالة عن مشكلة حركة التهوّد التي سببت متاعب كثيرة للكنيسة، لكن بروح الحب يكسب من يوجه إليهم رسالته، إذ يعلن في الافتتاحية الآتي:

أولاً: تزكيته لإيمانهم: "أولاً أشكر إلهي بيسوع المسيح من جهة جميعكم، أن إيمانكم ينادى به في كل العالم" [8]. يبدأ بالجانب الإيجابي لا السلبي، فلا يتحدث مثلاً عن خطورة حركة التهوّد ولا عن ضعفات هذا الشعب، إنما يعلن تزكيته لإيمانهم الذي صار علة كرازة في كل العالم، مقدمًا الشكر لله بابنه يسوع المسيح. هذا المنهج أساسي في اللاهوت الرعوي. أن نشجع أولاً ونسند، مبرزين الجوانب الحيّة والناجحة في حياة المخدومين قبل الجوانب السلبية والخاطئة.

يقدم الشكر للآب إلهه كعبادة حيّة، يقدمه في يسوع المسيح، لكي يكون مقبولاً. إذ لا نقدر أن نلتقي مع الآب، ولا أن نقدم له ذبيحة حب وشكر، إلا خلال رأسنا يسوع المسيح موضع سروره.

وقد استلفت نظر القديس يوحنا الذهبي الفم في تسبحة الشكر هذه أمران:

أ. أن الرسول بولس يقدم باكورة أعماله وكلماته تسبحة شكر لله، فيبدأ رسائله بالشكر، والعجيب أنه لا يشكر الله على عطاياه له فحسب، وإنما على عطاياه للآخرين، حاسبًا ما يتمتع به الآخرون يتمتع هو به. لذا يشكر الله هنا من أجل إيمانهم وكأنه مكسب له. يقول ابن كاتب قيصر في تفسيره للرسالة إلى أهل رومية: [هذا هو أول الرسالة. كان الشكر لمقدم النعم واجبًا، وكان هو أكثر منهم معرفة بقدر هذه النعمة التي وُهبت لهم، خاصة أنه يجد في إيمانهم نجاحًا لسعيه، إذ لم يسعَ إلا ليؤمنوا، لذلك قدم الشكر عنهم بسبب إيمانهم، ليعلمنا أن نفتتح أقوالنا وأفعالنا بالشكر.]

ب. ينسب الله إلى نفسه، إذ يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [بأية مشاعر يقدم الشكر، إذ لا يقول: "الله" بل "إلهي"، الأمر الذي يفعله الأنبياء أيضًا، حاسبين ما هو عام للكل كأنه خاص بهم. وأي عجب إن فعل الأنبياء هكذا؟ فإن الله نفسه يفعل هذا دائمًا وبوضوح، فينسب نفسه لعبيده، قائلاً أنه إله إبراهيم واسحق ويعقوب، كما لو كان خاصًا بهم.]

ثانيًا: بجانب كشفه عن جوانب نجاحهم يعلن حبه نحوهم بالصلاة من أجلهم، مشهدًا الله نفسه على أعماقه المتسعة نحوهم: "فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه، شاهد لي كيف بلا انقطاع أذكركم" [9].

لم يكن ممكنًا أن يذكر المخدومين، حتى وإن كان لم ينظرهم بعد حسب الجسد، بالصلاة الدائمة غير المنقطعة لو لم يكن قلبه وفكره وكل طاقاته قد تكرّست وأُفرزت لله، هذا ما عناه بقوله "أعبده بروحي"، أي أضع نفسي بكل طاقاتي الروحية والنفسية والجسدية للعبادة لله والتمتع بإنجيله.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة موضحًا نقطتين، هما:

أ. الرسول وهو يكرز بالإنجيل يعبد الله بالروح والحق: [لأن طريق خدمتنا ليس بخرافٍ وتيوسٍ ولا بدخانٍ وشحومٍ، وإنما بنفسٍ روحية، كقول المسيح: :"الله روح والذين يسجدون لله فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" (يو 4: 24).]

ب. يخدم إنجيل الابن الذي هو بعينه إنجيل الآب: [قال قبلاً أنه إنجيل الآب، أما هنا فيقول إنجيل الابن، فلا اختلاف بين القولين، إذ تعلّم الرسول من الصوت الطوباوي أن ما للآب هو للابن، وما للابن هو الآب، إذ قيل: "ما هو لي فهو لك، وما هو لك فهو لي" (يو 17: 10).]

ثالثًا: حبه مترجم عمليًا ليس فقط بذكرهم المستمر بلا انقطاع في صلواته، وإنما بشوقه الحقيقي لرؤيتهم ليهبهم "هبة روحية" هي إنجيل المسيح، الذي يثبتهم ويعزيهم كما يعزيه هو أيضًا، الإنجيل الذي يفرح قلب السامعين والكارزين معًا، إذ يقول: "متضرعًا دائمًا في صلواتي عسى الآن أن يتيسر لي مرة بمشيئة الله أن آتي إليكم، لأني مشتاق أن أراكم، لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم، أي لنتعزى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني" [10-12].

بالحق هم موضوع حبه، يشغلون فكره وخطته وصلواته، وأيضًا تصرفاته من أجل غاية واحدة: تمتعتم بالهبة الروحية الإلهية، إنجيل الله! وقد حقق الله للرسول شوقه الروحي المقدس، لكن بخطة إلهية فائقة، إذ ذهب إليها كأسير من أجل الإنجيل بعد أن تعرض لضيقات كثيرة كانكسار السفينة به (أع 27: 43). ليقف أمام كرسي قيصر (أع 27: 24).

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول هذه لأهل رومية مبرزًا حب الرسول الشديد للكرازة، خاصة بين الأمم، لكن في حكمة الروح يلح في الطلب بلا انقطاع، مسلمًا الأمر بين يديّ الله العارف ما هو لبنيان الكنيسة، إذ يقول: [تضرعه الدائم دون توقف بسبب عدم نواله طلبه يكشف عن حبه الشديد لهم. لكنه وهو يحب مستمر في خضوعه لمشيئة الله... في موضع آخر يقول: "تضرعت إلى الرب ثلاثة مرات" (2 كو 12: 8)، وليس فقط لم ينل طلبته، إنما قبل عدم نواله الطلبة بشكرٍ شديد، ففي كل الأمور كان ينظر إلى الله. هنا نال الرسول، لكنه لم ينل عندما طلب بل في وقت متأخر، ومع هذا لم يكن متضايقًا. أشير إلى هذه لكي لا نتبرم نحن عندما لا يُستجاب لنا، أو عندما تأتي الاستجابة ببطء، فإننا لسنا أفضل من بولس الذي كان يشكر في الأمرين، مسلمًا نفسه في يدّ مدبر الكل، خاضعًا له تمامًا، كالطين في يدّ الخزّاف، يسير حيثما يقوده الله.]

رابعًا: كان الرسول ليس فقط خاضعًا لمشيئة الله التي سمحت له بتأجيل ذهابه إلى روما بالرغم من حبه الشديد لافتقادها، لا بهدف أرضي وإنما بتقديم "هبة روحية" هي "إنجيل الله"، وإنما أعلن الرسول تواضعه بقوله: "لنتعزى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني" [12].

في تواضع صادق بلا تزييف يشعر الرسول أنه محتاج إلى مخدوميه، فهو يفتقدهم ليس فقط لكي يرشد ويعلم ويوصي، وإنما أيضًا ليتعزى بإيمانهم. هم محتاجون إلى نعمة الله العاملة فيه، وهو محتاج إلى إيمانهم وتعزيتهم.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يا لعظم تواضع فكره! لقد أظهر نفسه أنه في حاجة إليهم وليس هم فقط المحتاجين إليه. يضع التلاميذ موضع المعلمين، غير حاسبًا نفسه أعلى منهم، بل مقدمًا كمال مساواتهم له، لأن النفع مشترك، يقصد أنه يتعزى بهم وهم به. كيف يتحقق ذلك؟ "بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني". وذلك كما في حالة النار، فإن أضاف إنسان مشاعل إلى بعضها البعض يشتعل بالأكثر اللهيب ويتقد الكل؛ هذا أيضًا يحدث بين المؤمنين طبيعيًا.] كما يقول أيضًا: [يقول هذا لا كمن هو في حاجة إلى أي عون منهم، وإنما لكي لا تكون لغته ثقيلة عليهم وتوبيخه عنيفًا، لهذا يقول أنه في حاجة إلى تعزياتهم. ربما يقول أحد أن تعزيته تكمن في فرحه بنمو إيمانهم، هذا هو ما يحتاج إليه بولس، هذا المعنى ليس بخاطيء.]

يقول ابن كاتب قيصر أن كلمة التعزية هنا تعنى الفرح والسرور، هو يتعزى لأنه كان مضطهدًا وصار رسولاً مبشرًا دُعي لهذا الرجاء الصالح، وهم يفرحون إذ كانوا قبلاً في ضلالة عبادة الشياطين وصاروا أولاد الله، عابدين له، مترجين ملكوته الأبدي.

خامسًا: يرى القديس إكليمنضس السكندري في حديث الرسول هنا التعزية التي ينالها كما ينالونها هم خلال الإيمان المشترك، إنما يعني أن الإيمان يحمل حركة نمو مستمر، إذ يرى أن هناك إيمانًا مشتركًا يكون أساسًا خفيًّا في حياة جميع المؤمنين، هذا الإيمان لا يحمل جمودًا، بل حركة نمو مستمرة، لذا طلب التلاميذ من السيد المسيح: "زد إيماننا". بمعنى آخر يمكننا أن نقول بأن الإيمان حركة حياة ديناميكية غير جامدة، يعيشها المؤمن كل يوم منطلقًا من خبرة معرفة عملية وتلاقٍ مع المسيح إلى خبرة أعمق، ومن قوة إلى قوة، ومن مجد داخلي إلى مجد، مشتاقًا كل يوم أن يبلغ إلى قياس قامة ملء المسيح كقول الرسول بولس.

سادسًا: إذ يعلن حبه عمليًا بشوقه لزيارتهم بل ومحاولاته العملية وقد مُنع حتى لحظات الكتابة، يكشف عن رسالته، بقوله: "ليكون لي ثمر فيكم أيضًا كما في سائر الأمم. إني مديون لليونانيين والبرابرة، للحكماء والجهلاء، فهكذا ما هو لي مستعد لتبشيركم أنتم الذين في رومية أيضًا، لأني لست استحي بإنجيل المسيح، لأنه قوة الله للخلاص، لكل من يؤمن لليهودي أولاً ثم لليوناني، لأن فيه معلن برّ الله بإيمان لإيمان كما هو مكتوب: أما البار فبالإيمان يحيا" [13-17].

أ. إن كان الرسول قد صار له ثمر متكاثر في أمم كثيرة، لكنه مترقب الثمر أيضًا في روما بكونها عاصمة العالم الروماني الأممي، حاسبًا الكرازة بينهم وثمرهم هو تحقيق ونجاح لمهمته الرسولية؛ مستعد للعمل مهما بلغ الثمن بلا خجل.

إن كانت روما بكونها عاصمة للدولة الرومانية فيها تصب كل الشعوب أوثانها ورجاساتها وما يحملونه من انحطاط، فقد كانت مرآة للعالم الوثني بكل شروره وبؤسه، موضع غضب الله، لذا أراد الرسول أن تكون هذه المدينة هي بعينها مركزًا للخدمة، مقدمًا لها مفهوم إنجيل الله في كمال قوته. بمعنى آخر يودّ الرسول أن يخدم حيث يزداد بالأكثر الشرّ، إذ لا يريد الطريق السهل المتسع، بل الضيق الكرب لكي تعلن قوّة الإنجيل بالأكثر، ويظهر عمل النعمة الإلهية وفاعليتها بأكثر وضوح. هذا ما نستنبطه من قوله: "ما هو لي مستعدّ لتبشيركم"، بمعنى أنه مستعدّ لاحتمال كل ضيق وألم من أجل تقديم كلمة الإنجيل، إذ كان الرسول يُدرك أن الكرازة بينهم تستوجب أتعابًا كثيرة. لذلك يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [يا لها من نفس نبيلة! لقد وضع الرسول على عاتقه أن يقوم بعمل ذي مخاطر عظيمة، إذ يقوم برحلة عبر البحر تعترضها تجارب ومكايد... ومع توقعه لاحتمال هذه الأتعاب العظيمة لم يقلل هذا الأمر من همته بل كان يُسرع مجاهدًا، مستعدًا بذهنه لاحتمالها.]

ب. كان القدّيس بولس يخجل من الصليب قبل أن يلتقي بالمصلوب الممجّد، حاسبًا الصليب عارًا لا يليق بالمسيّا ملك اليهود، أمّا الآن فقد أدرك أنه قوّة الله للخلاص، يلزم أن يُكرز به للجميع.


يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول قائلاً:

[يقول لأهل غلاطية: "حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح" (غل 6: 14). كان الرومانيّون شديدي التعلّق بالزمنيّات بسبب غناهم وإمبراطوريتهم وكرامتهم، فكانوا يحسبون ملوكهم في مصاف الآلهة، حتى أقاموا لهم المعابد، وقدّموا لهم القرابين، وهم يتشامخون بهذا. أمّا بولس فكان يودّ أن يكرز لهم بيسوع الذي ظنوا أنه ابن نجار نشأ في اليهوديّة، في بيت امرأة فقيرة لا يحيط بها الخدم والحشم ثم مات ميّتة اللصوص والمجرمين، متحمّلاً أصناف السُخرية والإهانات، الأمور التي حاول (بعض الرومانيّون الذين تنصروا) الاختباء منها قبل إدراكهم عظمة هذه الأمور غير المنطوق بها: لهذا يقول الرسول أنه لا يستحي، إذ كان يعلمهم هم أيضًا ألا يستحوا من هذه الرسالة المجيدة، حتى إذا ما بدأ هكذا بعدم الاستحاء ينتهي بهم إلى الافتخار أيضًا. فإن سألكم أحد: أتعبدون المصلوب؟ لا تستحوا، ولا تنظروا إلى الأرض بل ارفعوا رؤوسكم... أجيبوا باعتزاز، نعم نعبده!... الصليب بالنسبة لنا هو عمل المحبّة اللانهائية نحو البشر، وعلامة عناية الله غير المنطوق بها.]

ج. أدرك الرسول أن الإنجيل أو الكرازة بالصليب هو "قوة الله الخلاص"، اختبر هذه القوّة في حياته فأراد أن يقدّمها للجميع، كارزًا لليونانيّين أي أصحاب الفكر الهيِليني، وللبرابرة أي بقية الأمم. يودّ أن يتمتّع الكل بعمل الصليب: الحكماء أصحاب الفلسفات، والبسطاء الذين يُحسبون كجهلاء.

إن كان الصليب قد أنقذه، فإنه مدين للعالم كله، حاسبًا الوثنيّين دائنين له، يلتزم أن يرد لهم الدين بالكرازة لهم ليتمتّعوا بما تمتّع هو به!

د. يدعو الإنجيل "قوة الله للخلاص"، إذ هو ليس رسالة نظرية أو فلسفة فكرية تعليمية إنما "عمل إلهي ديناميكي" في حياة الإنسان، حركة حب إلهي لا تتوقف تبلغ به إلى شركة الأمجاد الإلهية.

ه. إنجيل المسيح مُقدّم لليهودي أولاً ثم اليوناني، هنا الأولوية لا تقوم على محاباة الله لجنسٍ على حساب آخر، وإنما أولوّية الالتزام بالمسئولية والعمل. فإن كانوا قد ائتمنوا على الناموس المكتوب، وتقبلوا إعلانات ونبوّات، ومنهم خرج رجال الله، فقد لاق بهم أن يتلّقفوا عمل السيد المسيح الخلاصي، ويحتضنوا الصليب حتى يخرجوا إلى الأمم، حاملين نير البشارة بالخلاص.




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 1 جـ4 PDF Print Email

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [كلمة "أولاً" ليست إلا تعبيرًا عن الناحية الزمنيّة فقط، إذ لا يوجد امتياز في مقدار البرّ الذي يحصل عليه، ولكن كمن ينزل في جرن المعمودية أولاً ثم يليه الآخر نعمة أعظم من التالي له، إنما ينعم الكل بنعمة واحدة. هكذا يتساوى اليهودي واليوناني في مواهب النعمة متى قبِلوا الإنجيل.]

و. ماذا يعني بقوله: "إيمان لإيمان؟" يرى العلامة ترتليان والعلامة أوريجينوس وابن كاتب قيصر أن برّ الله بإيمان الناموس حين نُقل المؤمنين إلى الإيمان بالإنجيل، وكأن الثمر الذي يشتهيه الرسول لكل عالم هو ذات الثمر الذي ترجّاه رجال الإيمان في العهد القديم، وقد حلّ الوقت المعيّن لينعم العالم به خلال الإيمان بالإنجيل الإلهي. يقول القدّيس إكليمنضس السكندري: [يعلّمنا أن خلاصًا واحدًا من الأنبياء إلى الإنجيل يحقّقه الرب الواحد عينه.] ويري القدّيس أمبروسيوس أن برّ الله يُعلن خلال أمانة الله في مواعيده، فتنتقل أمانته إلى إيمان الإنسان الذي ينعم ببرّ الله.

يقدّم لنا الرسول مفتاح كل عطيّة صالحة إلهية: "أما البارّ فبالإيمان يحيا" [17]. فالإنسان الذي يرتبط بالله يحمل برّ المسيح فيه، لكنه لا يعني هذا أنه يصير معصومًا من الخطأ كما يظن البعض، إنما يتمتّع بالنمو المستمر في برّ المسيح بلا توقف. وقد حذّرنا القدّيس أغسطينوس من فهم هذه العبارة بمعنى أننا نصير بلا خطيّة.

ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة بالقول:

[مادامت عطيّة الله تفوق الإدراك تمامًا فمن المنطق أننا نحتاج إلى الإيمان.

أما ترون أن عدم الإيمان هو هوّة سحيقة، أمّا الإيمان فحصن حصين. لأن عدم الإيمان أهلك الآلاف بينما الإيمان لم يُؤدِ إلى خلاص الزانية وحدها بل جعلها أيضًا أمّا لكثيرين.

إننا نستضيف برقةٍ أم كل البركات، وهو الإيمان، لكي نكون كمن هم يسيرون في ميناء هادئ مستقر تمامًا، محافظين على إيماننا الأرثوذكسي، فنقود سفينتنا باستقامة ونحظى بالبركات بالنعمة ومحبة البشر التي لربنا يسوع المسيح.]


3. شرور الأمم

إذ يواجه القدّيس بولس حركة التهوّد ليُعلن عن عمومية الخلاص لليوناني كما لليهودي، لم يبدأ بضعفات اليهود وشرورهم، بل بالعكس يتحدّث بصراحة ووضوح عن شرور الأمم، لكي يكون ذلك مدخلاً لنقد اليهود أيضًا، في صراحة وتفنيد كل حججهم دون اتهامه بالمحاباة. فقد وُجّه إليه هذا الاتهام: "إنك تعلم جميع اليهود الذين بين الأمم الارتداد عن موسى، قائلاً أن لا يختنوا أولادهم، ولا يسلكوا حسب العوائد" (أع 21: 21). هذا ما دفع الرسول إلى البدء بإعلان شرور الأمم ومسئوليتهم عنها، ليس تشهيرًا بهم ولا تحقيرًا، وإنما كمدخل لاجتذاب اليهود المتنصّرين لقبولهم معهم في العضوية في الجسد الواحد على قدَم المساواة، إذ يُعلن أن الأممي كاسر للناموس الطبيعي واليهودي كاسر للناموس الموسوي، لذلك صار الكل في حاجة إلى تدخل إلهي كي يتبرّروا لا بالناموس الطبيعي ولا بالناموس الموسوي، وإنما بالإيمان بالمسيح يسوع مخلص الجميع.

في حديثه عن شرور الأمم أصحاب الناموس الطبيعي يبرز الرسول الآتي:

أولاً: إن كان الله قد أعطى اليهود الناموس الموسوي، فإنه لم يهمل الأمم ولا تركهم بلا شاهد لنفسه بينهم، فقد أعلن نفسه خلال الطبيعة المنظورة، إذ يقول: "إذ معرفة الله ظاهرة فيهم، لأن الله أظهرها لهم، لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى أنهم بلا عذر" [20].

"الله لم يترك نفسه بلا شاهد فإن السماء تحدِّث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه" (مز 19: 1). يُعلن قدرته السرمدية ولاهوته خلال أعمال الخليقة الفائقة، التي أقامها بكلمته، لا لاستعراض إمكانياته، وإنما من أجل أعماق محبته لنا. فحب الله الفائق غير المنظور نلمسه خلال رعايته العجيبة، إذ قدّم لنا هذه المصنوعات لراحتنا.

بينما يتهم الرسول بولس البشر أنهم يحجزون الحق بالإثم [18]، وكأن الإنسان يتفنن في اختراع الطرق الأثيمة المتنوعة ليحجز "الحق" فلا يُعلن، إذ بالله يُعلن "الحب" لنا بطرق متنوعة خلال المصنوعات المباركة التي هي من عمل يديه. الإنسان يستميت في حجز الحق، والله يبذل لإعلان الحب السرمدي!

يرى القديس أغسطينوس في هذا القول الرسولي أن الله يقدم لنا العالم كعطية نستخدمها و ليس نتلذذ بها، فنرى خلالها أموره غير المنظور، نمسك بالروحيات والسماويات خلال الماديات والزمنيات.

يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على التعبير "قدرته السرمدية"، قائلاً: [إن كان المسيح هو قدرة الله السرمدية، فالمسيح إذن سرمدي.]

هذا وإذ يحجز الإنسان الحق بالإثم يسقط تحت الغضب الإلهي [18]، أمّا من يرجع إليه بالتوبة فيسمع الصوت الإلهي: "هلم يا شعبي أدخل مخادعك وأغلق أبوابك خلفك، اختبئ نحو لُحيظة حتى يعبر الغضب، لأنه هوذا الرب يخرج من مكانه، ليعاقب إثم سكان الأرض فيهم، فتكشف الأرض دماءها ولا تغطي قتلاها فيما بعد" (إش 26: 20-21). ما هي المخادع التي تدخل فيها إلا الحياة السرية في المسيح يسوع حيث فيه نختبئ من الغضب، ونصير موضع سرور الآب! وأمّا قوله "هوذا الرب يخرج من مكانه ليعاقب..." إنما يعني أنه يودّ أن يبقى في مكانه يُعلن حُبّه ورحمته، لكن إصرار سكان الأرض على الإثم تلزمه أنه يعاقب!

ثانيًا: لم يستطع الأممي خلال هذه المعرفة المعلَنة بالناموس الطبيعي، والمُسجلة خلال المنظورات أن يخلص، بل على العكس أخذ موقف المقاومة التي تظهر في الآتي:

أ. "لأنهم لما عرفوا الله، لم يمجّدوه أو يشكروه كإله، بل حمَقوا في أفكارهم، واِظلمّ قلبهم الغبي، وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء، وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات" [21-23].

هذا الاتهام كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أخطر من الاتهام السابق، فإن الأمر لم يقف عند رفض الله الذي أعلن عن محبته وقدرته خلال مصنوعات يديه، وإنما لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه، بل استبدلوا عبادة الله الحيّ بالعبادة الوثنيّة. وكما قال الله على لسان إرميا: "لأن شعبي عمل شرين: تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة لينقروا لأنفسهم أبارًا أبارًا مشققة لا تضبط ماءً" (إر 2: 13). أمّا علّة انحرافهم فهو اتكالهم على الفكر البشري المجرد دون عون الله، "وبينما هو يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء"، فصاروا كما يقول الذهبي الفم كمن يبحِّرون في مياه مجهولة، فتتحطم سفينتهم على صخور صلدة، إذ حاولوا بلوغ السماء بعدما أطفأوا النور المضيء في داخلهم، متّكلين على ظلمة أفكارهم.

يرى القدّيس أغسطينوس أن سرّ هلاكهم هو جحودهم وعدم شكرهم، إذ يقول: [بجحودهم صاروا أغبياء، فما يهبه الله مجانًا (أي الحكمة) ينزعه عن غير الشاكرين.] كما يقول: [لقد رأوا إلى أين يجب أن يذهبوا، لكنهم بجحودهم نسبوا هذه الرؤية التي وهبهم الله إيّاها لأنفسهم، وإذ سقطوا في الكبرياء فقدوا ما قد رأوه، وارتدّوا إلى عبادة الأوثان والتماثيل والشياطين، يعبدون المخلوق ويحتقرون الخالق.]

هذا ويرى القدّيس أغسطينوس أن هؤلاء الذين نسبوا لأنفسهم الحكمة فسقطوا في العبادات الرذيلة هم الرومان واليونان والمصريّون الذين مجدوا أنفسهم تحت اسم الحكمة.

ب. إذ تركوا الله الذي يُعلن ذاته لهم خلال الطبيعة تخلَّى هو أيضًا عنهم كشهوة قلوبهم، هذا هو ما عناه الرسول بقوله: "لذلك أسلمهم الله أيضًا في شهوات قلوبهم إلى النجاسة، لإهانة أجسادهم بين ذواتهم" [24]. تركوه بإرادتهم، وإذ هو يُقدر الحرّية الإنسانيّة ويكرمها، أعطاهم سؤل قلبهم وهو تركهم، فمارسوا شهوات قلوبهم الشرّيرة، حيث ارتكب الرجال والنساء قبائح لا تليق حتى بالطبيعة [26-27].

ويرى القدّيس يوحنا كاسيان أن الإنسان إذ يسقط في الكبرياء حتى وإن كان طاهرًا جسديًا، يسمح الله بالتخلّي عنه لكي إذ يسقط في شهوات جسديّة ظاهرة أمام عينيه يقدر أن يدرك الكبرياء الخفي الذي لا يراه.

لهذا السبب نجد كثير من الشباب يسقطون في الرجاسات الجسديّة بالرغم من مواظبتهم على وسائل الخلاص، من دراسة في الكتاب وتقديم صلوات، وربّما اعتراف وتناول، لكن العلّة الرئيسية لسقوطهم هو كبرياء قلوبهم. بالكبرياء يفقد الإنسان نعمة الله التي تهبه القداسة، فينهار تحت ثقل شهوات جسده وفساده.

ويحدّثنا القدّيس بفنوتيوس عن سماح الله لنا بهذا الانحراف، معلنًا أننا نحن السبب في هذا الفساد، إمّا بسبب كبريائنا أو إهمالنا، إذ يقول: [علينا أن نعرف أن كل شيء يحدّث، إمّا بإرادته أو بسماح منه، فكل ما هو خير يحدّث بإرادة الله وعنايته، وكل ما هو ضدّ ذلك يحدّث بسماح منه، متى نُزعت حماية الله عنّا بسبب خطايانا أو قسوة قلوبنا أو سماحنا للشيطان، أو للأهواء الجسديّة المخجلة أن تتسلط علينا، ويُعلمنا الرسول بذلك، مؤكدًا: "لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان" (رو 1: 25)، وأيضا: "كما لم يستحسنوا أن يُبقوا الله في معرفتهم، أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق" (رو 1: 28). ويقول الله بالنبي: "فلم يسمع شعبي لصوتي، وإسرائيل لم يرضَ بي، فسلّمتهم إلى قساوة قلوبهم، ليسلكوا في مؤامرات أنفسهم" (مز 81: 11-12).]




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 1 جـ5 PDF Print Email

 

يقول الأب يوحنا كاسيان: [من عدل الحكم الإلهي أن تُعطى المواهب الصالحة للمتواضعين، وتُمنع عن المتكبِّرين المرفوضين الذين يقول عنهم الرسول أنهم مستحقون أن يُسلّموا إلى ذهن مرفوض (رو 1: 28).]

إذًا اختار الإنسان في شرّه الفساد، حلّ الفساد به، أمّا الله فهو "مبارك إلى الأبد، آمين" [25] وكأن ما يرتكبه الإنسان إنما يحلُ به لا بالله. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان الفيلسوف لا يتأثر بإهانة الجهلاء له، فكم بالحري الله الأزلي غير المستحيل، لا تبلغ وقاحة الناس إلى طبيعته المجيدة التي لا يعتريها ظلّ دوران.]

يقف القدّيس الذهبي الفم هنا قليلاً ليسألنا أن نتشبّه بالله الذي يحتمل الأشرار ولا يتأثّر بشرّهم، فإن طبيعته أسمى من أن تتأثر بهم، هكذا إذ نتشبّه به نحتمل نحن أيضًا شرور الأشرار، إذ يقول: [يليق بنا ألاّ نحاول الهروب من الإهانات بل بالأحرى نحتملها، لأن مثل هذا الاحتمال هو الشرّف بعينه. لماذا؟ لأنه في قدرتك أنت أن تحتمل، أمّا تصليح الآخرين فهو من عمل الغير. أتسمع صدى الضربات التي تسقط على الماس؟ قد تقول هذه هي طبيعة الماس. حسنًا، وأنت في مقدورك أن تتدرّب على ما هو للماس بالطبيعة. ألم تسمع كيف لم تؤذِ النار الثلاثة فتية؟ وكيف ظلّ دانيال في الجب سالمًا؟ فما حدث لهؤلاء ممكن بالنسبة لنا، إذ يوجد حولنا أسود الشهوة والغضب مستعدّة لتمزيق من يسقط تحت قدميها. إذن كن كدانيال واِثبت، فلا تجعل الانفعالات تنشب بأظفارها في نفسك. تقول: هذا من فعل النعمة. حقًا، لكن النعمة تنساب خلال تدريب الإرادة، فمتى كنّا مستعدّين لتدريب أنفسنا على نمط هؤلاء الرجال، تنساب النعمة في داخلنا، عندئذ تقبع الوحوش في مذلّة قدّامنا بالرغم من جوعها. فإن كانت الوحوش قد تراجعت أمام عبد، أفلا تتراجع بالأحرى أمام أعضاء جسد المسيح (أمامنا)! .]

ج. ربّما يعتذّر البعض بأن ما يرتكبوه من شرور هو ثمرة ضعف الطبيعة البشريّة وجرْيها وراء اللذّات بلا ضابط، لذا أوضح الرسول أن الإنسان في شرّه صار يمارس حتى ما هو مخالف للطبيعة، يسيء للطبيعة عنه لتحوّل حياتهم إلى جحيم، إذ يقول: "لأن إناثهم استبدلْن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة، وكذلك الذكور أيضًا تاركين استعمال الأنثى الطبيعي، اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض، فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور، ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق" [26-27].

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا إذ يتحدّث عن العالم يضع أمامهم اللذّة الطبيعية التي كان في مقدورهم الاستمتاع بها في طمأنينة وفرح قلبي، متحاشين الأعمال المخزية، لكنهم لم يريدوا... إذ أهانوا الطبيعة عينها... جلبوا عارًا على الطبيعة، وداسوا على القوانين الإنسانيّة في نفس الوقت.]

يرى القدّيس بوحنا الذهبي الفم أن الإنسان قد حوّل حياته إلى حرب داخليّة وجحيم لا يُطاق، فإن كان الله قد وهب بالطبيعة أن يتزوج الرجل بامرأة، ويصير الاثنان جسدًا واحدًا في انسجام الحب والألفة، أهان الاثنان نفسيهما ودخل كلاهما في حرب داخليّة، فجرت النساء وراء بعضهن البعض وأيضًا الذكور، فتحوّلت الحياة الإنسانيّة إلى انشقاقات وحروب داخليّة لا تنقطع، تقوم ليس فقط بين الرجل وامرأته، وإنما بين النساء وبعضهن البعض، والذكور وبعضهم البعض، فنالوا في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق [27]. هذا ما أكّده كثير من الآباء وهو أن الخطيّة تحمل فسادها فيها، فتسكب من هذا الفساد على مرتكبها ليحمل عقوبته، ليس فقط كأمرٍ يصدر ضده من الخارج، وإنما خلال ممارسته الشرّ عينه.

د. قدّم صورة بشعة للإنسان في شرّه، إذ صار لا يطلب اللذّة الطبيعية فحسب، وإنما صار مفسدًا للطبيعة عِوض السُمو بها. فبدلاً من أن يرتفع بالروح، ليسمو بغرائزه الحيوانية، ليصير جسده بغرائزه مقدسًا للرب، صار في بشاعته مفسدًا للطبيعة، يفعل ما لا يرتكبه الحيوان خلال العلاقات الجسديّة الشاذة، سواء بين الإناث وبعضهن البعض أو الذكور وبعضهم البعض. الآن يقدّم لنا قائمة مرّة بما ترتكبه البشريّة المنحرفة، وقد لاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يذكر في قائمته هذه التعبيرات: "مملوءين"، "من كل"، "مشحونين". وكأن الآثام لم تعد أمرًا عارضًا في حياة الإنسان، لكنها تملأ كيانه الداخلي، وتشحنه تمامًا ليرتكب لا إثمًا أو إثمين وإنما "كل إثمٍ"!

ه. العجيب أن الخطايا والآثام تحطِّم سلام الإنسان وتفقده فرحه الداخلي، لكنها في نفس الوقت تدفع مرتكبها نحو العجرفة والكبرياء، لذلك جاءت القائمة تصفهم هكذا: "مفترين، مبغِضين لله، ثالبين، متعظمين..." [30]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [التشامخ مع الخطيّة طامة كبرى… إن كان الذي يعمل صلاحًا يفقد تعبه إن انتفخ، فكم يكون إثم الذي يضيف إلى خطاياه خطيّة التشامخ؟ لأن مثل هذا لا يقدر أن يمارس التوبة.]

و. إن تأملنا هذه القائمة من الآثام والشرور نشعر أن البشريّة إذ سلّمت نفسها بنفسها للعصيان ومقاومة الله مصدر حياتها وتقديسها، صارت ملهى للخطايا، كل خطيّة تلهو بالإنسان، لتُلقي به في أيدي خطايا أخرى، وهكذا يصير أضحوكة كل الآثام والشرور، ويمكننا هنا في شيء من الاختصار أن نورد ترتيب هذه القائمة هكذا:

* يبدأ الإنسان يلهو بلذّة الجسد فيستسلم للزنا [29].

* إذ يتقوقع الإنسان حول لذته الجسديّة، يطلب ما هو لذاته، حتى وإن بدا في الظاهر سخيًا ومبذِّرًا، لكن يتملكه حب الطمع، الأمر الذي يدفعه أيضًا إلى الخبث لتحقيق غايته هذه [29].

* أمّا الطمع فيسبب حسدًا وخصامًا ومكرًا وربّما يؤدى إلى القتل [29].

* هذا الحسد والمكر يدفع الإنسان إلى الاعتداد بذاته، فيصير متعاظمًا [30].

* حب العظمة ينحرف بالإنسان إلى الابتداع وترك الحق [30].

* رفض الحق يدفع الإنسان إلى تعدى الطبيعة، فيصير غير مطيعًا للوالدين [30].

* إذ يتعدى الإنسان حتى أبسط نواميس الطبيعة يفقد الفهم [31]، ويكسر كل عهد طبيعي أو مكتوب، ويخسر طبيعة الحب والحنوّ [31]، بهذا يسقط تحت تحذير الرب: "لكثرة الإثم تفتر المحبّة" (مت 24: 12)، فيصير أبشع من الحيوانات المفترسة التي تتحد معًا كجماعات بحكم الغريزة، أمّا الإنسان فيكره أخاه.

ز. في هذا الانحدار البشري إلى ما هو أدنى من الطبيعة تبلّدت القلوب البشريّة فلم يستكينوا للشر فحسب، وإنما صاروا يفرحون بمن يسقط مثلهم، إذ يقول الرسول: "الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت، لا يفعلونها فقط، بل أيضًا يُسرّون بالذين يعملون" [32].

ط. يلاحظ في هذا السفر بوجه عام أنه إذ يتحدّث عن الأمم يُعلن دور الناموس الطبيعي بكونه، كما يقول العلامة ترتليان، ناموس الله الذي يسود العالم منقوشًا على لوحي الطبيعة، لذلك يقول الرسول: "لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس..." (2: 14). وفي هذا الأصحاح يتحدّث عن الأمم في شرٍ ككاسري ناموس الطبيعة الذين "يفعلون ما لا يليق" (1: 28)، كأن تستبدل الإناث "الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة" (1: 26). وعندما يتحدّث الرسول عن التزام المرأة بغطاء الرأس أثناء الصلاة، يقول: "أم ليست الطبيعة نفسها تعلمكم...؟" (1 كو 11: 14).

فالمسيحي إذن ملتزم بناموس الطبيعة، بل ويسمو ليبلغ لا إلى تكميل الناموس الموسوي، بل إلى الوصيّة الإنجيليّة العالية.

1 بولس عبد ليسوع المسيح المدعو رسولا المفرز لانجيل الله
2 الذي سبق فوعد به بانبيائه في الكتب المقدسة
3 عن ابنه الذي صار من نسل داود من جهة الجسد
4 و تعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الاموات يسوع المسيح ربنا
5 الذي به لاجل اسمه قبلنا نعمة و رسالة لاطاعة الايمان في جميع الامم
6 الذين بينهم انتم ايضا مدعوو يسوع المسيح
7 الى جميع الموجودين في رومية احباء الله مدعوين قديسين نعمة لكم و سلام من الله ابينا و الرب يسوع المسيح
8 اولا اشكر الهي بيسوع المسيح من جهة جميعكم ان ايمانكم ينادى به في كل العالم
9 فان الله الذي اعبده بروحي في انجيل ابنه شاهد لي كيف بلا انقطاع اذكركم
10 متضرعا دائما في صلواتي عسى الان ان يتيسر لي مرة بمشيئة الله ان اتي اليكم
11 لاني مشتاق ان اراكم لكي امنحكم هبة روحية لثباتكم
12 اي لنتعزى بينكم بالايمان الذي فينا جميعا ايمانكم و ايماني
13 ثم لست اريد ان تجهلوا ايها الاخوة انني مرارا كثيرة قصدت ان اتي اليكم و منعت حتى الان ليكون لي ثمر فيكم ايضا كما في سائر الامم
14 اني مديون لليونانيين و البرابرة للحكماء و الجهلاء
15 فهكذا ما هو لي مستعد لتبشيركم انتم الذين في رومية ايضا
16 لاني لست استحي بانجيل المسيح لانه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي اولا ثم لليوناني
17 لان فيه معلن بر الله بايمان لايمان كما هو مكتوب اما البار فبالايمان يحيا
18 لان غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس و اثمهم الذين يحجزون الحق بالاثم
19 اذ معرفة الله ظاهرة فيهم لان الله اظهرها لهم
20 لان اموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية و لاهوته حتى انهم بلا عذر
21 لانهم لما عرفوا الله لم يمجدوه او يشكروه كاله بل حمقوا في افكارهم و اظلم قلبهم الغبي
22 و بينما هم يزعمون انهم حكماء صاروا جهلاء
23 و ابدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الانسان الذي يفنى و الطيور و الدواب و الزحافات
24 لذلك اسلمهم الله ايضا في شهوات قلوبهم الى النجاسة لاهانة اجسادهم بين ذواتهم
25 الذين استبدلوا حق الله بالكذب و اتقوا و عبدوا المخلوق دون الخالق الذي هو مبارك الى الابد امين
26 لذلك اسلمهم الله الى اهواء الهوان لان اناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة
27 و كذلك الذكور ايضا تاركين استعمال الانثى الطبيعي اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور و نائلين في انفسهم جزاء ضلالهم المحق
28 و كما لم يستحسنوا ان يبقوا الله في معرفتهم اسلمهم الله الى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق
29 مملوئين من كل اثم و زنا و شر و طمع و خبث مشحونين حسدا و قتلا و خصاما و مكرا و سوءا
30 نمامين مفترين مبغضين لله ثالبين متعظمين مدعين مبتدعين شرورا غير طائعين للوالدين
31 بلا فهم و لا عهد و لا حنو و لا رضى و لا رحمة
32 الذين اذ عرفوا حكم الله ان الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت لا يفعلونها فقط بل ايضا يسرون بالذين يعملون




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

حاجة اليهودي للخلاص


إن كان الأممي قد سقط في شرور كثيرة ونجاسات، مقاومًا الناموس الطبيعي، فإنه لا يليق باليهودي أن يدينه، لأن الأول أخطأ بدون الناموس المكتوب، أمّا الثاني فبالناموس تعدى الوصيّة، وكأنه لم يخطيء فقط ولكنه أيضًا "تعدّى"، فصارت مسئوليته أعظم وعقابه أشد. وبهذا فإن الناموس لا يُبرّر من يسمعه بأذنيه، وإنما من يمارسه ويحفظه ويحياه [13]. اليهودي ليس يهوديًا في الظاهر [28]، ولا الخِتان في اللحم ختانًا، إنما اليهودي من عاش بالحق رجل الله الروحي، وكأن قلبه لا جسده مختونًا بالروح.

هذا ما أوضحه الرسول في هذا الأصحاح، وهو حديث نافع لنا نحن كمؤمنين، لأنه إن كان اليهودي الظاهر يُدان على حرفيته القاتلة بدون روح، فبالأولى المسيحي أن تمسّك بالشكل والاسم دون الحياة، يكون أشر من اليهودي وأبشع، مستهينًا بالدم الكريم.

هذا الحديث يمس بالأكثر حياة الخدام والرعاة، إذ يقدّم تحذيرًا لهم لئلاّ يسحبهم المجد الزمني وتلهبهم الكرامات عن الحياة الداخليّة الملتهبة بالروح والحق.

1. الناموس وإدانة الآخرين 1-11.

2. الناموس والحياة العمليّة 12-16.

3. الناموس والتعليم 17-29.

1. الناموس وإدانة الآخرين

يعالج الرسول بولس موضوع اعتداد اليهودي بنفسه لأنه مستلم الناموس دون سواه من بقية الأمم، ولم يدرك أن الناموس هو مرآة تفضح الخطيّة وتكشف عن الضعف. للأسف بدلاً من أن يستخدمه اليهودي لاكتشاف ضعفاته، فيصرخ إلى الله بالتوبة، طالبًا عمل المخلص، تقسّى قلبه مستخدمًا الناموس لفضح خطايا الآخرين. هكذا بدلاً من أن يدخل به الناموس إلى التوبة اغتصب مركز الديّان، وأقام نفسه لمحاكمة الآخرين، تحت دعوى معرفة إرادة الله ومشيئته. استخدم الناموس لطلب المتكآت الأولى، ليُقيم نفسه ديّانًا للغير.

إدانة الآخرين هي في ذاتها إعلان عن التعب الداخلي، كما فعل اليهود عندما أمسكوا بالزانية فأرادوا أن يتشفّوا فيها برجمها، أمّا الديّان فستر عليه بحبه، لكنه لم يتركها في خطيتها، إنما خلال محبته الحازمة أوصاها: "ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطيء أيضًا". هكذا شتان بين تصرف الإنسان الذي يدين أخاه مع أنه مشترك معه في الضعفات، وبين حكم الله الذي يطيل أناته علينا، لعلّنا نتوب فنفلت من الديونة.

هكذا يربط الرسول بولس بين إدانتنا نحن للآخرين وإدانة الله الديّان لنا، مبرزًا النقاط التالية:

أولاً: إذ نقيم أنفسنا ديّانين للإخوة ونحن مشتركون معهم في الضعف، نحكم على أنفسنا بأنفسنا خلال حكمنا على الغير، إذ يقول: "لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين، لأنك في ما تدين غيرك تحكم على نفسك، لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها... أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه وأنت تفعلها أنك تنجو من دينونة الله؟" [1-3].

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [كأن منطقه يُعلن: يا مَن تدين الزاني وأنت نفسك ترتكب ذات الخطيّة، ألست تدين نفسك بنفسك، حتى وإن لم يدنك أحد؟... أن كنت تعاقب إنسانًا يرتكب ذنبًا أقل منك، فكيف لا يأخذك الله بجريرتك ويدينك بقسوة، خاصة وأنك تحكم على نفسك بنفسك؟]

ثانيًا: بحكمك على أخيك ليس فقط تحكم على نفسك بذات تصرفك، وإنما غالبًا ما تخطئ أنت في الحكم، لأنك تحكم حسب الظاهر ولا تعرف أعماق الآخرين ودوافعهم، أمّا الله فيحكم عليك بحق، لأنه عالم بكل أسرارك. بمعنى آخر حتى أن حسبت نفسك أبرّ من أخيك فتحكم عليه وتدينه، فغالبًا ما يكون هذا الحكم ظالما، أمّا الله فهو وحده يدين البشر عن حق، إذ يقول الرسول: "ونحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق على الذين يفعلون مثل هذه" [2].

هذا وقد أبرز الرسول بولس سمات دينونة الله التي تختلف تمامًا عن إدانتنا نحن للآخرين، ألا وهي:

أ. أنها "حسب الحق" [2]، لأنه هو "الحق" عينه.

ب. أنه لا يودّ العقوبة، إنما في غنى لطفه وإمهاله وطول أناته يودّ أن "يقتادك إلى التوبة" [4].

ج. إنها عادلة [5].

د. "سيجازي كل واحد حسب أعماله" [6].

ه. بدون محاباة [11].

د. ليست حسب ما يعلمه الإنسان بل حسب ما يعمله ويحياه [13].

ز. يدين الأعماق الداخليّة للضمير والفكر، أي سرائر الناس [15-16].

ط. حسب حقيقة الإنسان الداخلي، لا مظهره كمتدينٍ أو كمعلمس [17-29].

ثالثًا: أخطأ اليهود، خاصة قادتهم من الكتبة والفرّيسيّين أولاً بتحويل الناموس لا إلى مجال للحياة والعمل الروحي، وإنما لنقد الناس وإدانتهم بروح العجرفة والكبرياء، وثانيًا بكونهم إذ أدركوا لطف الله وطول أناته أساءوا استخدام هذه المعرفة. بمعنى آخر بينما هم يقسون على الآخرين ويدينونهم إذا بهم يستهينون بحب الله وصلاحه، إذ يقول الرسول: "أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة" [4]. لكن طول أناة الله علينا بالرغم من تسرّعنا نحن في الحكم على الآخرين لا يعني إعفائنا من العقاب، إنما حفظه للوقت المعيّن "ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب، تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب، واستعلان دينونة الله العادلة، الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله" [5-6].

الله يطيل أناته لعلّنا نتوب، فإن تمسكنا بالشر زاد العقاب حيث يمتلئ كأس شرّنا، لهذا يرتعب الآباء من عدم التأديب في هذا العالم، حاسبين أن عدم تأديبنا هنا، إنما يحمل غضب الله في يوم الدينونة، عِوض العلاج الخفيف والسريع في هذا العالم بالتأديبات الزمنيّة.

- ليت الذين يحبون حنوه يهابون أيضًا حقه (عدله)، فإن "الرب صالح (حلو) ومستقيم (حق)" (مز 25: 8).

إنك تحب فيه أنه صالح (حلو)، فلتخشه بكونه الحق...

الرب لطيف، طويل الأناة، حنان، وهو أيضًا البارّ والحق.

منحك فرصة للإصلاح، لكنك تحت تأجيل الدينونة أكثر من إصلاحك طرقك. هل كنت بالأمس شريرًا، فلتكن اليوم صالحًا!

القدّيس أغسطينوس

- كثيرًا ما أحدثكم عن صلاح الله، لا لتستهينوا به وتفعلون ما هو على هواكم، وإلا صار صلاحه هذا مؤذٍ لخلاصنا، وإنما لكي لا نيأس من خطايانا بل نتوب.

صلاح الله يقودك للتوبة لا لصنع شر أعظم، فإن فسدت بسبب صلاحه تهين الله أمام الناس.

- طول الأناة تقدّم لنا منافع فإن لم نستفد منها نسقط تحت دينونة أشد.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

- [يستخدم الله أحيانًا التأديب وتارة الرحمة لحساب الصالحين:]

طول أناة الله تدعو الأشرار للتوبة، كما أن تأديب الله يدرب الصالحين على الاحتمال.

تحتضن أيضًا رحمة الله الصالحين لتثقيفهم كما أن حزم الله يصد الأشرار بسقوطهم تحت العقوبة.]

القدّيس أغسطينوس

بمعنى آخر إن كان الإنسان يميل بطبعه إلى القسوة على أخيه، حتى أن قدّم الله له كل حب وطول أناة فيدين الغير ويعنفه، فإن الله على النقيض يودّ خلاص الجميع ويطيل أناته لعل الكل يرجع إليه بالتوبة.

لعلّه أيضًا أراد أن يؤكّد أن الله إن كان يطيل أناته عليهم فليس ذلك علامة رضاه عنهم، وإنما علامة صلاحه ينتظر توبتهم.

رابعًا:
إن كان الله هو الديّان، لكنّنا نحن الذين "نذخر لأنفسنا غضبًا"... إذ يريد الله الرحمة مقدمًا كل وسيلة لعلّنا نقتنيها، أمّا الإنسان غير التائب فيحفظ لنفسه الغضب. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظوا دقة التعبير: "تذخر لنفسك غضبًا"، موضحًا أن الدينونة لا تصدر عن الديّان إنما هي نتيجة لعمل الخاطيء، إذ لا يقول "يذخر الله لك" وإنما "تُذخّر لنفسك"... أنه يحاول اجتذابك بكل وسيلة، فإن ظللت على عنادك تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة. ولكن لا يتبادر إلى ذهنك أن غضبه انفعال عنيف إنما هو العدالة، هو "استعلان"، حيث ينال كل إنسان ما يستحقه.]


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email


خامسًا: إذ يتحدّث عن دينونة الله للبشر يبدأ أولاً بالحديث عن الصالحين الذين يكافئون بالحياة الأبدية، وبعد ذلك يتحدّث عن الذين يسقطون تحت الغضب، إذ يقول: "وأما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء فبالحياة الأبدية، وأمّا الذين هم من أهل التحزب ولا يطاوعون للحق بل يطاوعون للآثم فسخط وغضب، شدة وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشرّ، اليهودي أولاً ثم اليوناني. مجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح، اليهودي أولاً ثم اليوناني" [7-10].

كأن الله يودّ أن يتمتّع الكل بنوال الحياة الأبدية خلال صبرهم في العمل الصالح، فينالون مجدًا وكرامة وخلودًا مع سلام أبدي، لذلك بدأ بهذه الفئة، أمّا الفئة الثانية التي تسقط تحت السخط والغضب التي تئن من الشدة والضيق فهي تحكم على نفسها بهذا خلال إطاعتها للإثم، الأمر الذي يودّ الله ألا يسقط أحد تحته. في هذا يختلف حكم الله عن حكم الناس، الله يتطلّع أولاً إلى الصالحين والأمور الصالحة، أمّا الإنسان فينظر الشرّ أولاً ويحكم سريعًا على الآخرين متطلعًا بالأكثر إلى عيوبهم.

لاحظ القدّيس إيريناؤس أن الرسول بولس قد ركّز على حريّة الإرادة الإنسانيّة في هذه الرسالة (رو 2: 4-5، 7)، لذلك يعطى الله خيرات للذين يعملون الصالح، كما يقول الرسول، فينالون المجد والكرامة لأنهم يمارسون العمل الصالح مع أنه كان في سلطانهم ألا يفعلوه فيسقطون تحت حكم الله العادل.

سادسًا: يؤكّد الرسول أن الله في حكمه لا يحابى: "لأن ليس عند الله محاباة" [11]، فإن كان يكافئ اليهودي أولاً سواء في الخير أو الشرّ، فلأن الله يدين بالأكثر من نال معرفة أوفر أو احتمل مركز القيادة والخدمة. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [من العدل أن من يستمتع بنصيب أوفر من المعرفة ينال نصيبًا أشد من العقاب أن تعدى الناموس. ومن ثمة، يكون عقابنا أشد كلما ازددنا في الحكمة والسلطان. إن كنت غنيًا يُطلب منك العطاء أكثر من الفقراء، وإن كنت صاحب حكمة أوفر تلتزم بالطاعة أكثر من غيرك، وإن نلت سلطانًا يلزمك تقديم أعمال أكثر بهاءً.]

المحاباة هي من سمات البشر، الذين ينحرفون عن الحق في الحكم مراعاة لحسب الإنسان أو نسبه أو غناه أو طلبًا لمنفعة ما، إذ يقول الرسول: "يحابون بالوجوه من أجل المنفعة" (يه 16)، وقد كان ذلك محظورًا على القضاة (لا 19: 15؛ تث 10: 17). يحذرنا الرسول يعقوب منها، قائلاً: "لا يكن لكم إيمان ربنا يسوع المسيح رب المجد في المحاباة" (يع 2: 1)، أمّا الله فيستحيل أن يحابى أحدًا (أف 6: 9؛ كو 3: 25). وقد ظهر عدم محاباة الله على الصليب، إذ "هكذا أحب الله العالم (بلا محاباة) حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16)، كما يقول الرسول: "الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين" (رو 8: 32).

2. الناموس والحياة العمليّة

تحوّل الناموس في حياة اليهود عن غايته الإلهية، فعِوض أن يكون علّة إدراكهم لخطاياهم وشعورهم بالحاجة إلى عمل الله الخلاصي، تحوّل إلى تشامخ وكبرياء بأنهم عارفو الحق ومعلموه، فصاروا ديّانين للأمم، الأمر الذي أسقطهم تحت دينونة الله. إذن فالناموس ليس غاية في ذاته، إنما يليق أن نحتضنه ونحفظه لا خلال المعرفة الفكرية النظرية، وإنما خلال معرفة الحياة العمليّة والخبرة المُعاشة يوميًا، فيصير علّة تكليلنا، لهذا يقول الرسول:

أولاً: "لأن كل من أخطأ بدون الناموس فبدون الناموس يهلك، وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يُدان" [12].

الناموس ليس مجالاً للافتخار بل للعمل، فإن كان الناموس يهب معرفة لوصية الله وإرادته، يلتزم أصحاب الناموس أن يمارسوا الوصيّة، وإلا سقطوا بالناموس تحت الدينونة، فيصيروا ليس كالأمميّين الذين يخطئون بدون الناموس يهلكون وإنما أشر منهم لأنهم يخطئون بمعرفة وهم تحت الناموس. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا لا يُظهر المساواة بين اليهودي والأممي فحسب، وإنما يوضّح كيف أثقل الناموس كاهل اليهودي. لأن الأممي يُدان بدون الناموس؛ هنا "بدون الناموس" تعبير عن تخفيف للعقوبة، إذ لا يقف الناموس شاهدًا عليه... إنما ينال جزاءه بناءً على منطق الطبيعة والعقل. أمّا اليهودي فيُدان بالناموس، أي تكون محاكمته بالطبيعة والمنطق وبجانبهما الناموس، لأن ما ناله من عناية يزيد من مسئوليته. تأملوا إلى أي مدى يجعل اليهودي يسرع بالضرورة نحو النعمة يستنجد بها. لأنهم أن احتجّوا بأنهم يكتفون بالناموس بلا حاجة إلى النعمة، يظهر لهم أنهم في حاجة إلى النعمة أكثر من الأمميّين، لأنه بالناموس يكون عقابهم أشد.]

يقول القدّيس أغسطينوس: [الذين لم يسمعوا الكلمة (كلمة الإنجيل) يدانون بطريقة غير التي يُدان بها الذين يسمعونها ويستخفون بها.]

يقول أيضًا أن الذين هم بلا ناموس يهلكون، الأمر الذي له صداه المرهب، أمّا الذين تحت الناموس، فيُدانون بمعنى أنهم بلا عذر، وتكون دينونتهم هي الهلاك، بهذا فدينونتهم أصعب.

ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا تكون العقوبات واحدة في كل الخطايا بل هي متعددة ومتنوعة حسب الأوقات والأشخاص ورتبهم وفهمهم وظروفهم... فإن ارتكب كاهن زنًا تكون عقوبته مضاعفة جدًا بسبب الكرامة التي نالها.]

ولعلّ الرسول قصد بذلك سقوط الكل تحت الدينونة، الأمم واليهود، ليُعلن حاجة الكل إلى الخلاص.

ثانيًا: من يُخطي في الناموس تكون عقوبته أشد، لأن الناموس أو المعرفة تشهد عليه في يوم الدين، لذلك فالناموس لا يُبرّر الإنسان لمجرد سماعه أو حفظه، وإنما بتنفيذه كله، الأمر الذي يحسب مستحيلاً على البشر، "لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله، بل الذين يعملون بالناموس هم يبرّرون" [13].

لاحظ دقّة حديث الرسول بولس، إذ يقول: "هم أبرار عند الله"، فإن كثيرين يسمعون الناموس ويتلونه على لسانهم فيتبرّرون أمام الناس كمتديّنين، لكن الله لا يدين الإنسان حسب مظهره، إنما حسب برّ قلبه الداخلي. فبسماعنا للوصية يمكننا أن نخدع إخوتنا وربّما أنفسنا، لكن هل نقدر أن نتبرّر أمام الله؟

لقد طالبت الشريعة بالطاعة الكاملة (تث 4: 1؛ لا 18: 5)، وهو أمر مستحيل إذ لا يوجد إنسان بلا خطيّة... إذن فالحاجة ماسة إلى الذي يبرّر.

ثالثًا:
في الوقت أظهر فيه الناموس كثقلٍ على اليهودي، إذ يكون شاهدًا عليه يوم الدين، معلنًا أن الاستماع له بالأذن دون القلب والعمل لن يبرّره أمام الله، رفع من شأن الأممي الذي لم ينل الناموس المكتوب، وإنما خلال الطبيعة جاهد ليمارس ما جاء فيه، إذ يقول: "لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، شاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة، في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح" [14-16].

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً:

[كأنه يقول: أنا لا أرفض الناموس، لكنني بسببه أبرّر الأمميّين... مظهرًا أنهم أفضل منهم، بل يمتازون عنهم بعملهم الصلاح، مع أنهم لم يأخذوا الناموس الذي يتشامخ به اليهود. في هذا كان الأمميّيون جديرين بالإعجاب، لأنهم تمّموا صلاح الناموس بأعمالهم لا بكلمات سمعوها... انظروا إذن كيف يلوم اليهود هكذا هادمًا غرورهم، مظهرًا أن الأمميّين الذين سعوا باجتهاد لإتمام الناموس، مع أنهم بدون الناموس، هم أولى بالكرامة منهم. هنا تزداد عجبًا بحكمة الرسول الذي أظهر تفوق الأممي على اليهودي دون أن ينطق بذلك صراحة.]

[ولكي يزيد من مخاوفهم لا يكتفي بالقول: "خطايا الناس" بل يقول: "يدين الله سرائر الناس"، كي لا تظن أنه في مقدورك الهروب من دينونة الله... لأن الناس يقيمون القضاء لمحاكمة الأعمال العلنية (أما الله فيدين السرائر)... إذن ليدخل كل إنسان إلى أعماق ضميره ويحاسب نفسه بكل تدقيق، "لكي لا ندان مع العالم" (1 كو 11: 32)، لأن تلك المحاكمة رهيبة، وذلك الكرسي مخوف، والحساب يكون مرعبًا، لأن "الأخ لا يفدي" (مز 49: 8)،... ماذا يكون شعورنا حينما نقف أمام العالم بأسره وتعلن كل سرائرنا في مسرح مُضاء فسيح يضم من نعرفهم ومن لا نعرفهم؟]

ويرى ابن كاتب قيصر أنه يقصد بالأمم الذين ارتفعوا، بحياتهم مع الله، فوق اليهود هم "الآباء السابقون" قبل استلام الناموس الموسوي على يديّ موسى مثل إبراهيم وأيوب ويوسف، آمن إبراهيم بالله وقدّم ابنه ذبيحة مُحرقة، وقرّب أيوب عن بنيه ذبائح، خشية أن يكون أحدهم قد نطق بكلمة باطلة، أو أضمر في داخله ما يغضب الله (أي 1: 5)، ويوسف مارس حياة الطهارة ممتنعًا عن الشرّ لئلا يخطيء قدام الرب (تك39 : 5)... [هؤلاء عملوا بالطبيعة ما بالناموس ولم يحتاجوا إلى ناموسٍ مكتوبٍ، إذ لم يدعوا نيّاتهم تبكّتهم بل عملوا بما توجبه من الصلاح، وتركوا ما تنكره من القبائح، وهم في هذا ليسوا مثلنا نحن الذين تبكّتنا نيّاتنا وكتبنا.]

يُعلّق أيضًا ابن كاتب قيصر على العبارات السابقة موضحًا أن أفكارهم مشتكية [15]. بمعنى أنها توبّخهم أن فعلوا أمرًا غير حسن، إذ كانت تقوم مقام الناموس.

ويرى الأب سيرينوس في هذه العبارة تأكيدًا لسلطان الإنسان على فكره، وإلا ما كانت أفكارنا وضمائرنا تشتكي علينا، إذ يقول: [إذا ما جاهدنا كبشر ضد الاضطرابات والخطايا، تصير هذه تحت سلطاننا وفق إرادتنا، فنحارب أهواء الجسد ونهلكها، ونأسر حشد خطايانا تحت سلطاننا، ونطرد من صدورنا الضيوف المرعبين، وذلك بالقوّة التي لنا بصليب ربنا، فنتمتع بالنصرة التي نراها في مثال قائد المئة (مت 8: 9) روحيًا.]

ويرى الأب يوسف في هذه العبارة إعلانًا عن [أن نية الإنسان هي التي تجعله يُكافأ أو يعاقب.]

ويُعلّق العلامة أوريجينوس على التعبير: "حسب إنجيلي" [16]، قائلاً: [الآن ليس لدينا عمل كتابي لبولس يدعى إنجيلاً، وإنما كل ما كرز به وما قاله هو الإنجيل، وما كرز به وما قاله كان أيضًا في حكم المكتوب؛ وما كتبه كان الإنجيل. وإن كان ما كتبه بولس إنجيلاً، فإن ما كتبه بطرس أيضًا هو إنجيل؛ وفي كلمة كل ما قيل أو كُتب ليُخلِّد معرفة حلول المسيح على الأرض، ويهيء لمجيئه الثاني أو ليقدّم ذلك كحقيقة قائمة في تلك النفوس التي تريد أن تتقبّل كلمة الله الواقف على الباب يقرع ويطلب أن يدخل فيها.]

3. الناموس والتعليم

عرض الرسول بولس في الأصحاح السابق شرور الأمم مؤكدًا حاجتهم لنعمة الله المجانية لكي تسندهم وتدخل بهم إلى خلاص الله. أمّا في هذا الأصحاح فإذ يوجّه الحديث لليهود يكشف لهم أنهم أكثر احتياجًا إلى النعمة الإلهية من الأمم، إن صح هذا التعبير. فإن الناموس الذي وُهب لهم لمعاونتهم استخدموه في إدانة الآخرين لا في توبتهم، وعِوض العمل به اكتفوا بالاستماع إليه، الأمر الذي جعل بعض الأمميّين المجاهدين داخليًا في ممارسة الحياة النقيّة يسبقونهم، إذ فعلوا خلال الطبيعة والمنطق بما هو في الناموس، فظهر الناموس مكتوبًا في قلوبهم وضميرهم وأفكارهم، بينما بقي أصحاب الناموس يسمعون له بآذانهم دون قلوبهم أو سرائرهم الداخليّة. والآن لكي يوضّح الرسول بشاعة ما بلغ إليه اليهود، يُعلن أنهم عِوض أن يكرزوا بالناموس حيًا في حياتهم، صاروا معلّمين به بالكلام ومقاومين له بالعمل. حسبوا أنفسهم قادة الفكر الروحي، ونورًا للعالم، ومهذِّبين للأغبياء، ومعلِّمين للأطفال، لهم صورة العلم والحق في الناموس، بينما تُقدّم حياتهم وسلوكهم خلاف هذا تمامًا.

ويلاحظ في هذا الحديث الآتي:

أولاً: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس يستخدم أسلوبًا يناسبهم كأناس يدعون العلم والمعرفة، ويقيمون أنفسهم كمعلِّمين للعالم، يتهكَّمون بالكل ويسخرون بهم، إذ يقول:

[إنه لا يقول: "هوذا أنت يهودي"، إنما "هوذا أنت تسمى يهوديًا"، "وتفتخر بالله" [17]، أي تظن أنك محبوب لدى الله، ومكرم فوق جميع الناس. يُخيَّل إليّ أنه هنا يسخر برفق بقلّة منطقهم، وجنون شهوتهم وراء المجد، إذ أساءوا استخدام هذه العطية، فعِوض استخدامها كوسيلة لخلاصهم جعلوها علّة للتشامخ على الآخرين والازدراء بهم... كما يقول: "تثق أنك قائد للعميان"، وهنا أيضًا لا يقول: "أنت قائد" بل "تثق أنك قائد" بمعنى أنك تنتفخ، وهذا لأن كبرياء اليهود كان متشامخًا جدًا. يستخدم معهم ذات الكلمات المتداولة بينهم، والتي كانوا يردّدونها في زهوِهم. اسمعوا ما يقولونه في الإنجيل: "في الخطيّة وُلدتِ أنت بجُملتك وأنت تعلمنا" (يو 9: 34). بهذا الاستخفاف المتعالي كانوا يتطلّعون إلى جميع الناس.]

[يستخدم الرسول ذات كلماتهم: "قائد للعميان، ونور للذين في الظلمة، ومهذّب للأغبياء، ومعلم للأطفال"، الألفاظ التي كان اليهود يطلقونها على من يتتلمذون لهم. تكراره هنا للعبارات هدفه أن يدركوا أن ما زعموه ميزة يفتخرون به هو علّة دينونتهم بالأكثر.]




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 2 جـ3 PDF Print Email
ثانيًا: إن كان يليق بالمعلم الروحي أن يكون بالحق قائدًا للعميان، ونورًا للذين في الظلمة، ومهذبًا للأغنياء، ومعلمًا للأطفال، لكنه لا يمارس هذا بذاته، بل بالله نفسه الذي يعمل في خدامه، إذ يدخل إلى قلوب المخدومين فيقودها بنفسه ويضيء في داخلها ويهذّبها ويدرّبها كأطفال صغار. وقد جاء السيد المسيح متجسدًا ليقوم بهذا الدور التربوي الروحي، لا خلال تقديم وصايا فحسب، وإنما بتغيير القلب وتجديده على الدوام.

- معلم الأطفال الكامل صار طفلاً بين الأطفال لكي يهب حكمة للأغنياء.

القدّيس كيرلس الأورشليمي

ثالثًا: لا يقف الرسول عند استخدام تعبيراتهم ذاتها لتوبيخهم، لأنهم احتلّوا مركز المعلِّمين للعالم الوثني وهم لا يمارسون شيئًا ممّا يعلمون به، وإنما انتقل بهم إلى اتهامهم أنهم يهينون الله نفسه الذي يظنون أنهم يعلمون الآخرين عنه. إذ يقول: "فأنت إذن الذي تعلم غيرك، ألست تعلم نفسك؟ الذي تكرز ألا يُسرق، أتسرق؟ الذي تقول أن لا يُزنى، أتزني؟ الذي تستكره الأوثان، أتسرق الهياكل؟ الذي تفتخر بالناموس، أبتعدي الناموس تهين الله؟" [21-23].

اهتم معلمو اليهود بالوعظ دون الحياة، ففقدت الكلمة قوّتها، لهذا يحث الرسول بولس تلميذه تيموثاوس الأسقف: "كن قدوة للمؤمنين في الكلام، في التصرف، في المحبّة، في الروح، في الإيمان، في الطهارة، إلى أن أجيء أعكف على القراءة والوعظ والتعليم... لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك، لأنك إذا فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضًا" (1 تي 4: 12-13، 16).

- من يقوم بدور قيادي يلزم أن يكون أكثر بهاءً من أي كوكب منير.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

رابعًا: لا يقف الأمر عند إهانتهم لله خلال تعليمهم بشيءٍ وسلوكهم بآخرٍ، وإنما يستند الرسول إلى الأنبياء ليكيل لهم اتهامًا جديدًا: "لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم بين الأمم" [24] (إش 52: 5؛ حز 36: 20، 23؛ 2 صم 12: 24).

وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [اليهود لا يتوقحون على الله فحسب، بل يدفعون الآخرين على ذلك... يدفعونهم إلى التجديف.]

ولكي لا نسقط نحن في ذات هذا الخطأ علمنا ربنا يسوع أن نصلّي قائلين: "ليتقدّس اسمك"، فإنه لا يوجد حلُ وسط إمّا أن يتقدّس اسم الله فينا، أو يجدف عليه بسببنا.

- اسم الله قدوس بطبيعته، قلنا أو لم نقل، لكنه أحيانًا يتدنس بين الخطاة... لذلك نصلّي أن يتقدّس اسم الله، لا بأن يصير مقدسًا كما لو كان غير مقدَّس، وإنما أن يتقدّس فينا عندما نتقدّس نحن ونعمل ما يليق بالقداسة.

القدّيس كيرلس الأورشليمي

خامسًا: ما هي غاية اليهودي في تعليمه الأممي؟ أن ينزعه من الغُرْلة لينقله إلى أهل الخِتان، ومن إنسان بلا ناموس إلى إنسان تحت الناموس. هذا الهدف يحقّقه اليهودي لكن في شكليّة بلا روح. هذا ما أعلنه الرسول بولس كاشفًا عن نوعين من الخِتان، ونوعين من الغُرْلة، وأيضًا نوعين من الناموس. فاليهودي يهتم بنزع غُرْلة الجسد لا الروح، وممارسة ختان الجسد لا الروح والاستماع للناموس والفخر به دون الحياة به عمليًا. هكذا يميّز الرسول بين الغُرْلة حسب الجسد، والغُرْلة حسب الروح، وأيضًا بالنسبة للختان، وبين الاستماع للناموس وممارسته. فاليهودي يهتم بالجسد والمظهر الخارجي في حياته وأيضًا في تعليمه للأممي، لذلك يقول:

"فإن الخِتان ينفع أن عملت بالناموس، ولكن أن كنت متعديًا الناموس فقد صار ختانك غُرْلة. إذًا إن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس، أفما تُحسب غرلته ختانا؟ وتكون الغُرْلة التي من الطبيعة وهي تكمل الناموس تدينك أنت الذي في الكتاب والخِتان تتعدى الناموس؟ لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا، ولا الخِتان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الخِتان، الذي مدحه ليس من الناس بل من الله" [25-29].

ويلاحظ في هذا النص الرسولي الآتي:

أ. يري القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يشبه قاضيًا يريد أن يصدر حكمًا على أشخاص ذوي رُتب، فكان يليق به أولاً أن يجردهم من رتبهم، وعندئذ يحكم عليهم، هكذا جرد الرسول اليهود من ميزاتهم إذ كشف عن حقيقة أمرهم أنهم غير مختونين بالروح، ولا متمتعين بالناموس روحيًا، إنما يعيشون في غُرْلة روحية رغم ختانهم بالجسد، هكذا جرّدهم لكي يُعلن دينونتهم.

بهذا لم يقلّل الرسول من شأن الخِتان، ولا أعطى للغُرْلة فوزًا على الخِتان، إنما أوضح أن مختون الجسد قد يكون في غُرْلة من جهة الروح، وأيضًا من في غُرْلة الجسد قد يكون مختونًا في الداخل روحيًا، وهكذا قد يصبح الخِتان غُرْلة، والغُرْلة ختانًا!

- كيف يصير الإنسان في غُرْلة بعد أن يُختتن؟ يقول (الرسول) ليته لا يكون هكذا، ليته لا يعيش كما لو كان أَغْلف، أي كما لو كان قد اِكتسى مرة أخرى باللحم الذي قُطع منه، فلم يعد يهوديًا.

القدّيس أغسطينوس

- يتفق هذا مع قوله: "دُعي أحد وهو مخْتون فلا يصر أَغْلف" (1 كو 7: 18).

لقد كان يهوديًا ودُعي مختونًا، فليته لا يشاء أن يصير أَغْلف، أي لا يعيش كمن هو ليس مختونًا.

القدّيس أغسطينوس

- عندما يخطيء اليهودي يصير ختانه غُرْلة، وعندما يعمل الأممي باستقامة تُحسب غرلته ختانًا. فالأمور التي يظن أنها طاهرة تُحسب دنسة بالنسبة لمن لا يستخدمها بلياقة.

العلامة أوريجينوس

لقد سبق فتحدث إرميا النبي بوضوح عن ختان القلب والأذن، الأمر الذي نرجو أن نعود إليه في تفسيرنا لسفر إرميا إن شاء الرب.

ب. يرى العلامة أوريجينوس في تعليقاته على إنجيل متي أن هذا النص الرسولي يودّ أن يوضّح أن اليهودي الحقيقي، ليس حسب الجنس، وإنما بالروح كرجل الله، هو ذاك الذي يُنتسب للسيد المسيح، إذ يقول أن كلمة "يهود" جاءت منتسبة ليهوذا بن يعقوب، لكنها الآن بالروح تخص من ينتسب لذاك الذي تجسد من سبط يهوذا. هذا هو اليهودي في الخفاء الذي له ختان القلب بالروح.

بنفس المعني يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [الآن أسأل: ما هو إسرائيل اليوم؟ يجيب الرسول: الذين يسلكون بالروح لا بالحرف، يسلكون في ناموس المسيح، هم إسرائيل الله.]

أما سمة اليهودي الروحي أو إسرائيل الجديد فهي: "الذي مدْحُه ليس من الناس بل من الله" [29]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لست أمنعك من شهوة المجد، إنما أريك المجد الحقيقي النابع عن الله... لنكن أنقياء في الخفاء، لا أن نتثقل بالاستعراضات والمظاهر والرياء. لنخلع بالأحرى ثياب الحملان، ولنكن بالحقيقة حملان، ليس شيء أتفه من المجد البشري. أن رأيت أطفالاً صغارًا رُضَّع، فهل تشتهي مجدًا منهم؟ هذا هو الحادث بالنسبة لكل البشر بخصوص المجد، لهذا دُعي "المجد الباطل".]

1 لذلك انت بلا عذر ايها الانسان كل من يدين لانك في ما تدين غيرك تحكم على نفسك لانك انت الذي تدين تفعل تلك الامور بعينها
2 و نحن نعلم ان دينونة الله هي حسب الحق على الذين يفعلون مثل هذه
3 افتظن هذا ايها الانسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه و انت تفعلها انك تنجو من دينونة الله
4 ام تستهين بغنى لطفه و امهاله و طول اناته غير عالم ان لطف الله انما يقتادك الى التوبة
5 و لكنك من اجل قساوتك و قلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبا في يوم الغضب و استعلان دينونة الله العادلة
6 الذي سيجازي كل واحد حسب اعماله
7 اما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد و الكرامة و البقاء فبالحياة الابدية
8 و اما الذين هم من اهل التحزب و لا يطاوعون للحق بل يطاوعون للاثم فسخط و غضب
9 شدة و ضيق على كل نفس انسان يفعل الشر اليهودي اولا ثم اليوناني
10 و مجد و كرامة و سلام لكل من يفعل الصلاح اليهودي اولا ثم اليوناني
11 لان ليس عند الله محاباة
12 لان كل من اخطا بدون الناموس فبدون الناموس يهلك و كل من اخطا في الناموس فبالناموس يدان
13 لان ليس الذين يسمعون الناموس هم ابرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون
14 لانه الامم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاء اذ ليس لهم الناموس هم ناموس لانفسهم
15 الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا في قلوبهم شاهدا ايضا ضميرهم و افكارهم فيما بينها مشتكية او محتجة
16 في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب انجيلي بيسوع المسيح
17 هوذا انت تسمى يهوديا و تتكل على الناموس و تفتخر بالله
18 و تعرف مشيئته و تميز الامور المتخالفة متعلما من الناموس
19 و تثق انك قائد للعميان و نور للذين في الظلمة
20 و مهذب للاغبياء و معلم للاطفال و لك صورة العلم و الحق في الناموس
21 فانت اذا الذي تعلم غيرك الست تعلم نفسك الذي تكرز ان لا يسرق اتسرق
22 الذي تقول ان لا يزنى اتزني الذي تستكره الاوثان اتسرق الهياكل
23 الذي تفتخر بالناموس ابتعدي الناموس تهين الله
24 لان اسم الله يجدف عليه بسببكم بين الامم كما هو مكتوب
25 فان الختان ينفع ان عملت بالناموس و لكن ان كنت متعديا الناموس فقد صار ختانك غرلة
26 اذا ان كان الاغرل يحفظ احكام الناموس افما تحسب غرلته ختانا
27 و تكون الغرلة التي من الطبيعة و هي تكمل الناموس تدينك انت الذي في الكتاب و الختان تتعدى الناموس
28 لان اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديا و لا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانا
29 بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي و ختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان الذي مدحه ليس من الناس بل من الله


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

حاجة الكل للخلاص


بعد عرض الرسول لعلاقة البشريّة بالله انتهي إلى هذا الأصحاح ليُعلن أنه وإن اختلفت خطايا البشر عن بعضهم البعض، لكن النتيجة واحدة، وهي سقوط الكل تحت نير الخطيّة، أي إعلان أن الكل غير بار ويحتاج إلى تبرير حقيقي فعَال. بمعنى آخر جاء هذا الأصحاح أشبه بحكم عام على البشرية كلها أنها بلا برّ حقيقي، في عوز إلى من يبرّرها.

1. الاتهام: عدم أمانتنا مع أمانة الله 1- 8.

2. علّة الاتهام: الكل بلا برّ 9-20.

3. الحكم: دينونة الكل، والحاجة إلى تبرير عام 21-31.

1. الاتهام: عدم أمانتنا مع أمانة الله

الاتهام الموجّه للبشرية كلها: إنها بلا بر،ّ أي بلا أمانة في قبول وعد الله لها، بالرغم من برّ الله في وعده لها؛ في هذا يشترك اليهودي مع الأممي، ويتساوى الكل. هذا الاتهام قد يُسيء اليهود فهمه فيحسبونه مستهينًا بما نالوه من امتيازات، لذلك جاء الاتهام مفصلاً بطريقة لائقة لا تجرح مشاعرهم، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

أولاً: أن كان الأممي قد كسر الناموس الطبيعي فهلك (ص 1)، واليهودي كسر الناموس المكتوب واستهان بالخِتان الروحي فسقط في دينونة أكثر مرارة من التي يسقط تحتها الأممي، فما الحاجة إذن لاختيار الله لشعبه؟ وتقديمه عهد الخِتان والناموس المكتوب؟ هذا هو التساؤل الذي وضعه الرسول بولس في نهاية حديثه عن ما بلغ إليه الأممي واليهودي، ولئلاّ يظن القارئ أن بولس الرسول يستهين بنعم الله وعطاياه في العهد القديم، لذلك يقول الرسول:

"إذًا ما هو فضل اليهودي؟ أو ما هو نفع الخِتان؟ كثير على كل وجه، أمّا أولاً فلأنهم أستؤمنوا على أقوال الله. فماذا إن كان قوم لم يكونوا أمناء؟ أفلعلّ عدم أمانتهم يبطل أمانة الله؟ حاشًا، بل ليكن الله صادقا وكل إنسان كاذبًا، كما هو مكتوب: لكي تتبرّر في كلامك، وتغلب متى حوكمت" [1-4].

خشي الرسول أن يُساء فهم حديثه السابق، فيظنه البعض أنه يقلل من شأن معاملات الله مع شعبه، خاصة تقديمه ناموسه كعطيّة يؤتمنوا عليها، أو اختيارهم كشعبٍ مقدس له، أو دخوله في عهد معهم مقدمًا الخِتان علامة عهد. لذلك أسرع ليؤكّد أن العيب لا في العطيّة ولا في العاطي، وإنما في عدم أمانة من تسلمها. بمعني آخر، إنه ينتقد تصرف اليهود نحو نعم الله لا نعم الله في ذاتها، فإن الله في أمانته قدّم عطايا إلهية ونعم مجّانية مقدّسة، لكن الإنسان في غير أمانة أساء استخدامها، وأفسد عملها في حياته.

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على عبارات الرسول هذه، قائلاً:

[إن كان المقصود هو أن كل هذه الأشياء بلا قيمة، فلماذا دُعي الشعب؟ ولماذا أُقيم عهد الخِتان؟

ماذا يفعل الرسول هنا؟ وكيف يحل هذه المشكلة؟

يحلها بنفس الطريقة التي سبق فاتبعها، إذ تغني بهبات الله لا بفضل اليهود، فبكونهم يهودًا عرفوا إرادة الله، وأدركوا الأمور الأسمى، ذلك ليس بفضل عملهم الذاتي، إنما هو عمل نعمة الله. وكما قال المرتّل في المزمور: "لم يصنع هكذا بإحدى الأمم وأحكامه لم يعرفوها". وكما أعلن موسى بسؤاله: "هل جرى مثل هذا الأمر العظيم؟ أو هل سُمع نظيره؟ هل سمع شعب صوت الله يتكلّم من وسط النار كما سمعت أنت وعاش؟" (تث 4: 32-33). هذا ما يفعله بولس هنا، إذ اتّبع ذات الوسيلة إذ قال بأن الخِتان ذو نفع إن أُقترن بفعل الصلاح (رو 2: 25) ولم يقل أن الخِتان بلا نفع، لذلك تساءل: إن كنت متعديًا الناموس فقد صار ختانك غرلة (رو 2: 25). كأنه يقول: يا من أختتنت صار ختانك غُرْلة، ولم يقل: يا من اختتنت ختانك بلا نفع على الإطلاق. لهذا يطيح بالأشخاص ويؤيد الناموس؛ هذا ما يفعله هنا إذ بعدما تساءل: ما هو فضل اليهودي؟ لم يجب بالنفي، بل أكدَ فضله ليعود فيدحضهم موضحًا عقوبتهم خلال الميزات التي نالوها.

أردف السؤال بسؤال، قائلاً: أو ما هو نفع الخِتان؟

ويجيب على السؤالين، قائلاً: "كثير على كل وجه، أمّا أولاً فلأنهم أستؤمنوا على أقوال الله".

ترون إذن أنه في كل مناسبة يعدد نعم الله لا أفضال اليهود.

ما معني: "استؤمنوا"؟ معناها أن الناموس قد وُضع بين أيديهم، لأن الله جعل لهم قيمة فأقامهم أمناء على أقواله التي نزلت من فوق. بقوله هذا يقيم شكوى ضدهم، إذ يهدف إلى إظهار نكرانهم للفضل بالرغم من المزايا التي وُهبت لهم.

يستطرد فيقول: "فماذا إن كان قوم لم يكونوا أمناء، أفلعلّ عدم أمانتهم تبطل أمانة الله؟ حاشًا" [3-4].

لاحظوا هنا كيف يبرز الاتهام في شكل اعتراض، وكأنه يقول: رب معترض يتساءل: ما نفع الخِتان إذًا ما داموا قد أساءوا استخدامه؟ وهو لا يقف هنا موقف المشتكي العنيف، إنما موقف من يلتزم بتبرير الله من الشكاوى الثائرة ضده، فيحولها من ضد الله إلى ضد اليهود. يقول لهم: لماذا تتذمّرون من أن البعض لم يؤمنوا؟ كيف يؤثر هذا في الله من جهة عطاياه، فهل نكران مستخدميها يغيَر من طبيعتها؟ أو يجعل من الأمر المكرّم هوانًا؟ هذا هو معنى تساؤله: "أفلعلّ عدم أمانتهم يبطل أمانة الله؟" يجيبهم: "حاشا"، وكأنه يقول: لقد أكرمت فلانًا، فلم يقبل إكرامي، فهل يُحسب عدم قبوله الإكرام علّة شكوى ضدي؟ أو يقلّل هذا من إكرامي؟...

تأمّلوا إذن كيف وضعهم الرسول في قفص الاتهام خلال ذات الأمور التي ينتفخون بها!... لقد عمل الله ما في وسعه، أمّا هم فلم يعرفوا أن ينتفعوا بأعماله معهم، إذ يردّد قول المرتّل في المزمور: "لكي تتبرّر في كلامك وتغلب متى حوكمت".]

[انظروا إلى خطّة بولس فإنه لم يَتّهم الكل بعدم الأمانة، بل قال: "إن كان قوم" [3] هؤلاء كانوا غير أمناء، وهكذا يبدو الرسول غير قاسٍ في اتهاماته حتى لا يظهر كعدوٍ.]

هكذا لم يحقِّر الرسول من العطايا الإلهية سواء بالنسبة للختان كعلامة للعهد الإلهي إن فهم روحيًا وأيضًا لعطيّة الأقوال الإلهية، إنما يهاجم عدم أمانة الإنسان، الأمر الذي لا يبطل أمانة الله.

لم يتجاهل رجال العهد الجديد عطايا الله لرجال العهد القديم، خاصة أقوال الله، ففي خطاب الشماس استفانوس جاء حديثه عن موسى النبي هكذا: "الذي قبل أقوالاً حيّة ليعطينا إيّاها" (أع 7: 38).

في حبٍ قدّم الله أقوالاً حيّة تحمل المواعيد الإلهيّة، لكن قابل الإنسان الحب بالجمود، فعصى أقوال الله، وتجاهل حفظها روحيًا وعمليًا بالرغم من افتخاره بها، وتمسكه بحفظها في حرفيتها. ومع هذا يبقي الله أمينًا في تحقيق ما وعد به.

رفض الإنسان اليهودي "الحق" برفضه وعود الله الواردة في أقواله خاصة ما جاء بالنسبة للمسيا المخلص، فحُسب كاذبًا، أمّا الله فيبقي صادقًا يحقّق ما وعد به.

هذا ويقدّم لنا القدّيس جيروم تفسيرًا روحيًا لعبارة: "ليكن الله صادقًا وكل إنسان كاذبًا" [4]، معلنًا أنه ما دام الإنسان يسلك بفكره وإمكانياته البشريّة الذاتية، إنما يعيش بالكذب، لكنه متى التقى بالله "الحق" وحمل سماته ويحسب ابنًا لله، ينعم بالحق فيه، فيكون بالله صادقًا، إذ يقول: [يصير الإنسان بالقداسة إلهًا، بهذا يكف عن أن يكون إنسانًا ينطق بالكذب.]

ويرى القدّيس كبريانوس خلال ذات العبارة أنه لا يليق بنا أن نيأس حين نرى البعض ينحرف عن الإيمان أن ينكره، إنما كرجال الله نتشدّد ونسلك بالحق، حتى وإن سلك كثيرون بالكذب، فمن كلماته:

[إن كان كل إنسان كاذبًا والله وحده صادق يليق بنا نحن خدام الله، خاصة الكهنة، ماذا نفعل سوى أن ننسى الأخطاء البشريّة والكذب، ونستمر في حق الله، ونحفظ وصايا الرب!]

[اختار الرب يهوذا من بين الرسل، وقد خان يهوذا الرب، فهل ضعُف إيمان الرسل أو وَهن ثباتهم لأن يهوذا الخائن قد فشل في تبعيتهم؟ هكذا فإن قداسة الشهداء وكرامتهم لا تنقصان لأن إيمان البعض قد تحطّم.]

[ينصحنا بولس أيضًا ألا نضطرب حين يهلك الأشرار خارج الكنيسة، ولا يضعف إيماننا بمفارقة غير المؤمنين لنا... فمن جانبنا يلزمنا أن نجاهد ألا يهلك أحد تاركًا الكنيسة بسبب خطأ ارتكبناه، لكن أن هلك أحد بإرادته وخطيته ولا يودّ العودة أو التوبة والرجوع إلى الكنيسة، فإننا لا نُلام في يوم الدين، مادمنا كنّا مهتمين بإصلاحه، إنما يسقط هو وحده تحت الدينونة لرفضه العلاج بنصيحتنا الصالحة.]


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email
ويقدّم لنا الأب بولاس أسقف يوبا Bobba بموريتانيا ذات الفكر قائلاً أنه يلزم ألا نضطرب حين يرفض إنسان إيمان الكنيسة.

يرى القدّيس أغسطينوس أن الكذب هنا يعني الفراغ، والصدق أو الحق يعني الملء، إذ يقول: [الله الملء والإنسان فارغ. أن أراد أحد أن يمتلئ فليذهب إلى ذاك الذي هو الملء: "تعالوا إلى واستنيروا" (راجع مز 34: 5). فإن كان الإنسان كاذبًا، فهو بهذا فارغ يطلب أن يمتلئ، فيجري بسرعة وغيرة نحو الينبوع ليمتليء.]

يقول أيضًا: [عندما يعيش إنسان حسب الحق يعيش لا حسب نفسه بل حسب الله القائل: "أنا هو الحق" (يو 14: 6). من يحيا حسب نفسه، أي حسب الإنسان لا الله، فبالتأكيد يعيش حسب الكذب، ليس لأن الإنسان نفسه كذب إذ الله موجده وخالقه، وهو بالتأكيد ليس موجدًا للكذب ولا خالق له، إنما لأن الإنسان الذي خُلق مستقيمًا لكي يحيا حسب الله خالقه لا حسب نفسه، أي يتمّم إرادة الله لا إرادته الذاتية، صار يعيش بغير ما خُلق ليعيش به، وهذا هو الكذب... لذلك لم يقُل أن كل خطيّة هي كذب باطلاً.]

ثانيًا: إذ عالج الرسول المشكلة الأولي وهي: ما نفع بركات الله ونعمه على اليهودي، إن كان اليهودي قد أساء استخدامها، فصارت البركات وهي مقدّسة ومباركة علّة عقوبة أعظم لمن أساء استخدامها؟ إذ أظهر الرسول أن بعضًا منهم كانوا غير أمناء، لكن يبقي الله أمينًا بالرغم من عدم أمانتهم، وأنه لا يليق أن نشين كرامة واهب النعم، إن أساء الذين قبلوها استخدامها. الآن يعالج الرسول مشكلة أخرى مشابهة للأولى ومكمّلة لها، وهي كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الوثنيّين قد استهانوا بكلمات الرسول بولس: "حيث كثرت الخطيّة ازدادت النعمة جدًا"... فحسبوا أن النتيجة الطبيعية لذلك هي أننا نخطيء لكي تزداد النعمة، أو بمعنى آخر لنكن غير أمناء فتتجلي أمانة الله.

يقول الرسول: "ولكن إن كان إثمنا يبين برّ الله، فماذا نقول: ألعلّ الله الذي يجلب الغضب ظالم؟ أتكلم بحسب الإنسان: حاشًا، فكيف يدين الله العالم إذ ذاك؟ فإنه أن كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده، فلماذا أُدان أنا بعد كخاطئ؟ أمّا كان يُفتري علينا، وكما يزعَم قوم أننا نقول: لنفعل السيّئات لكي تأتي الخيرات، الذين دينونتهم عادلة" [5-8].

نستخلص من هذا النص الآتي:

أ. لا يتوقف عدو الخير عن محاربة خدمة السيد المسيح بكل طرق، فإن كان اليهود يهاجمون الكرازة بدعوى أن الرسول بولس يُهين الناموس ويستخفّ بالخِتان، ويقاوم أمة اليهود، فإن الأمم من جانبهم أيضًا يقاومون هذا العمل بإساءة فهمه، حاسبينه أنه ينادي بفعل السيئات لكي تأتي الخيرات، وكأن الشرّ هو علّة الخير، وعدم أمانتنا هو مجد لأمانة الله، وهذا بلا شك افتراء كاذب. لذا إذ يُعلن الرسول عن سقوط العالم كله في الشرّ، ليتحدّث عن حاجة الجميع إلى المخلص، يوضّح أنه لا ينادي بما أُتُّهم به، مُظهرًا أن هذا القول يستلزم أحد أمرين: إمّا أن يكون الله غير عادل، لأنه يجازي الإنسان على شرّه وعدم أمانته، وهو علّة نصرة الله ومجده، أو أنه إن لم يعاقبنا تقوم نصرته على رذائلنا، وكِلا الأمران ممقوتان عند الرسول.

ب. يودّ الرسول تأكيد أن الله الذي يتمجّد حتى في شرّنا بإعلان برّه وحبّه للخطاة لا يعفي الإنسان من مسئوليته عن ارتكابه للإثم. فقد اعتاد الإنسان منذ بدء سقوطه أن يلقي باللوم على غيره، كما فعل آدم الذي ألقى باللوم على المرأة التي جعلها الله معه (تك 3: 12)، وكما فعلت حواء التي ألقت باللوم على الحيّة.

يقول الرسول: "أتكلم بحسب الإنسان" [5] وكأنه إذ يلتزم بتقديم هذا الاعتراض الذي يخطر على فكر البعض، إنما يتكلّم كإنسان متكابر على الله، إذ ينسب لله الظلم في إدانته للإنسان الأثيم ويفتح الباب للإنسان أن يتمادى في ارتكاب الآثام بحجّة إعلان "برّ الله". لهذا جاءت هذه الرسالة تؤكد أن برّ الله وأمانته في مواعيده وفيض نعمته على الخطاة ليست فرصة للشر، إذ يقول: "أنبقى في الخطيّة لكي تكثر النعمة؟ حاشا، نحن الذين مُتنا عن الخطيّة كيف نعيش بعد فيها؟" (رو 6: 1-2).

ج. يُعلّق القدّيس إكليمنضس السكندري على العبارات الرسولية التي بين أيدينا موضحًا أن الله يوقع العقوبة ليس عن انفعال، إنما لتحقيق العدالة، فيختار الأثيم لنفسه أن يسقط تحت العقوبة بكامل حريته، هو الملوم لا الله.

2. علّة الاتهام: الكل بلا برّ

الآن بعد أن ردَ على اليهود الذين اتهموا الرسول أنه يستخف بعطايا الله لهم كيهود أهل الخِتان وأصحاب الناموس، كما ردَ على الأمميّين الذين حسبوه ينادي بفعل الشرّ لكي يجلب الخير، بدأ يؤكّد من جديد فساد البشريّة كلها ليُعلن حاجة الكل إلى طريق واحد للخلاص، هو التمتّع ببرّ المسيح خلال الإيمان بفدائه، إذ يقول:

"فماذا إذًا، أنحن أفضل؟ كلا البتة. لأننا قد شكونا أن اليهود واليونانيّين أجمعين تحت الخطيّة. كما هو مكتوب: أنه ليس بار ولا واحد، ليس من يفهم، ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معًا، ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد. حنجرتهم قبر مفتوح، بألسنتهم قد مكروا. سمَ الأصلال تحت شفاههم، وفمهم مملوء لعنة ومرارة. أرجلهم سريعة إلى سفك الدم، في طرقهم اغتصاب وسحق، وطريق السلام لم يعرفوه. ليس خوف الله قدام عيونهم" [9-18].

الآن إذ يُعلن فساد البشريّة كلها يلجأ إلى رجال العهد القديم ليقتطف كلماتهم التي تؤكد ذلك:

يلجأ إلى داود النبي القائل: "ليس من يفهم، ليس من يطلب الله" (مز 14: 2 الترجمة السبعينيّة)، وقد جاءت الترجمة العبرية: "هل من فاهم طالب الله!" فإذ أخطأ الكل في حق الله، انطمست عيون أذهانهم، فلم تعد تستطيع أن تراه، ولا أن تدرك أسراره الإلهية، كآدم الذي أخطأ، فصار غير قادرٍ على إدراك محبّة الله، وأصبح هاربًا من وجهه لا يقدر أن يطلبه. لكن هل ينطبق هذا على اليهود الذين صارت لهم معرفة الله بالناموس، ويطلبونه خلال طقوسهم وعبادتهم غير المنقطعة؟ يجيب المرتّل: "ليس من يفهم، ليس من يطلب الله"، غير مميّز اليهودي عن الأممي، لأن اليهودي في حرفيته لم يستطع إدراك أعماق الناموس وغايته الإلهية كما تحوّلت الطقوس إلى شكليات لا تمس القلب ليُدرك الله ويعاينه.

ويقتطف من نفس المزمور: "الجميع زاغوا وفسدوا معًا، ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد" (مز 14: 3). مرة أخرى يؤكّد أن "الجميع" بلا تمييز بين يهودي أو أممي إذ لم يفهموا، ولم يعد للصلاح موضع فيهم. هذا أيضًا ما يعلنه إشعياء النبي القائل: " كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحدٍ إلى طريقه" (إش 53: 6).

بعد أن تحدّث عن فساد الكل بوجه عام بدأ يُعلن فساد الإنسان في كُلّيته، فتحوّلت الحنجرة إلى قبر مفتوح (مز 5: 9) تخرج رائحة موت ونتانة، وانشغل اللسان بالمكر، وتحوّلت الشفاه إلى مخزن خفي لسمَ الأصلال (مز 140: 3)، وفمهم ينبوع لعنة ومرارة (مز 10: 7)، وأرجلهم تسرع إلى سفك الدم (إش 59: 7؛ أم 1: 16) لا تعرف طريق السلام، بل طريق السحق والمشقة، أمّا أعماقهم ففقدت البصيرة الداخليّة، فلم يعد خوف الله أمام عيونهم (مز 36: 1). وكأن الفساد قد دبَّ في حياة الإنسان الداخليّة، كما في أعضائه الظاهرة.

3. الحكم: دينونة الكل، والحاجة إلى تبرير عام

إن كان الذين بلا ناموس مكتوب قد سقطوا تحت الهلاك، والذين تحت الناموس قد صاروا تحت الدينونة، فكيف يمكن الخلاص؟ يقدّم لنا الرسول بولس العلاج معلنًا الحاجة إلى المخلص الذي يقدّم حياته فِدْية عن العالم كله، واهبا البرّ الإلهي لمؤمنيه. ويلاحظ في هذا العلاج الآتي:

أولاً: يقول الرسول: "وأما الآن فقد ظهر برّ الله بدون الناموس" [21]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا يكتفي بقوله "البرّ"، إنما يصفه "برّ الله" مظهرًا مدي النعمة وعظمة الوعد مادام الله هو مصدرهما.]

إن كان الإنسان قد فشل في نوال البرّ خلال الناموس الطبيعي أو الناموس المكتوب، إذ ظهر كاسرًا للناموس، فإن الله قدّم برّه لنا، باتحادنا مع الآب في ابنه البارّ الذي بلا خطيّة، نحمله في داخلنا، ويحملنا هو فيه، فنحسب به أبرارٌا. فالبرّ الذي صار لنا ليس وليد جهادنا الذاتي ولا طاعتنا الذاتية، إنما هو ثمرة عمل روحه القدوس الذي يهبنا الشرّكة مع الآب في ابنه، فنحمل سمات الابن فينا، ويصير برّه برًا لنا.

بمعني آخر إذ فقد الكل "البرّ" صارت الحاجة إلى برّ الله، الأمر الذي تحدّث عنه الله بلسان النبي إشعياء:

"اسمعوا لي يا أشدّاء القلوب البعيدين عن البرَّ، قد قربت برّي، لا يبعد، وخلاصي لا يتأخر" (إش 46: 12-13).

"قريب برّي، قد برز خلاصي... أمّا خلاصي فإلى الأبد يكون، وبرَّي لا ينُتقص... أمّا برّي فإلى الأبد يكون، وخلاصي إلى دور الأدوار" (إش 51: 5، 8).

"احفظوا الحق واِجروا العدل، لأنه قريب مجيء خلاصي واستعلان برّي" (إش 56: 1).

ثانيًا: بقوله: "ظهر برّ الله". وليس "قدّم برّ الله" يُعلن أن هذا البرّ الإلهي ليس جديدًا، إنما هو في ذهن الله يودّ أن يقدمه لنا، إنما في الوقت المعيّن، لذا يقول: "مشهودًا له من الناموس والأنبياء". وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [يودّ أن يقول لهم: لا تضطربوا لأنكم لم تنالوا قبل الآن، ولا تفزعوا... لأن الناموس والأنبياء أشاروا إليه منذ القديم.]

هذا البرّ الذي أنبأ الله به على أفواه الأنبياء، أعلنه في ابنه يسوع المسيح البارّ لحسابنا، إذ يقول: "برّ الله بالإيمان بيسوع المسيح، إلى كل وعلي الذين يؤمنون، لأنه لا فرق" [22]. أشار الأنبياء على البرّ من بعيد، أمّا المسيح فهو وحده جاء نائبًا عنّا لكي إذ يحمل المؤمنين فيهن ينعمون ببرّ الآب الذي هو أيضًا برّ الابن. هذا ما أعلنه السيد في صلاته الوداعية: "أنا مجّدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته، والآن مجّدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يو 17: 4-5). هذا المجد الأزلي الذي له، يحمله الآن وهو في الجسد كبَرّ إلهي، ليكون لنا برًا نعيشه ونمارسه، فنقول: "الرب برَنا" (إر 23: 6، 33: 16، 51: 10).

ثالثًا: جاء الحكم: "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" [24]، جاء حكمًا جامعًا وشاملاً لليهود وللأمم.

في موضع آخر يضم الرسول نفسه بين الخطاة بل ويحسب نفسه "أول الخطاة" (1 تي 1: 15)، بينما نجده أيضًا يقول: "من جهة البرّ الذي في الناموس بلا لوم" (في 3: 6). فكيف يحسب نفسه أول الخطاة وفي نفس الوقت بلا لوم من جهة البرّ الذي في الناموس؟ يجيب القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه بالنسبة لبرَ الله يُحسب حتى الذين يتبرّرون في الناموس خطاة. ويشبه ذلك بإنسان جمع مالاً وحسب نفسه غنيًا لكنه متي قارن نفسه بالملوك ظهر فقيرًا للغاية وأول الفقراء. [بالمقارنة بالملائكة يُحسب حتى الأبرار خطاة، فإن كان بولس الذي مارس البرّ الذي في الناموس هو أول الخطاة، فأي إنسان آخر يحسب نفسه بارًا؟]


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 3 جـ3 PDF Print Email
يقول القدّيس أغسطينوس: [جاء المسيح للمرضي فوجد الكل هكذا. إذن لا يفتخر أحد بصحته لئلاّ يتوقف الطبيب عن معالجته... لقد وجد الجميع مرضى، لكنه وجد نوعين من القطيع المريض؛ نوع جاء إلى الطبيب، والتصق بالمسيح، وصار يسمعه ويكرمه ويتبعه فتغيرَ... أمّا النوع الآخر فكان مفتتنًا بمرض الشرّ ولم يدرك مرضه، هذا النوع قال لتلاميذه: "لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة؟" (مت 9: 11). وقد أجابهم ذاك العارف لهم ولحالهم: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضي".]

إن كان الرسول يعقوب يقول: "من عثر في واحدة فقد صار مجرمًا في الكل" (يع 2: 7)، فمن منا لم يعثر في واحدة؟ إذن الكل يحتاج إلى الطبيب، إذ صاروا فاقدين للمجد الحقيقي: "أعوزهم مجد الله".

صارت البشريّة كلها في حالة عوز وجوع إلى "المجد "، لكن للأسف أرادوا أن يشبعوا بمجد الناس لا الله (يو 12: 43).

رابعًا: يبلغ الرسول إلى غاية حديثه، ألا وهو وإن جُرح اليهودي فاقدًا المجد الإلهي لأن الناموس صار فاضحًا لخطاياه عِوض أن يكون مبرّرًا له وممجّدًا، لكنه يتمتّع مع الكل بعمل المسيح الفدائي خلال الدم بخطة إلهية سبق فأعدّها لتظهر في ملء الأزمنة، إذ يقول: "متبرّرين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدّمه الله كفّارة بالإيمان بدمه لإظهار برّه" [24].

إن كان الحكم جماعيًا بأن الكل بلا استثناء قد فقدوا "المجد" الحقيقي وسقطوا في الفساد الداخلي والخارجي، لكن الطبيب يقدّم العلاج "مجّانًا"، لا لأنه علاج رخيص، وإنما لأن ثمنه لا يُقدر، لا يستطيع أن يدفعه سوى الابن، الذي بنعمته قدّم حياته كفّارة عنّا لإظهار برّه فينا. لذلك وقف السيد المسيح ينادي: "من يرد فليأخذ ماء الحياة مجّانًا" (رؤ 22: 17)، أي ماء نعمته المجّانية.

لقد جاء السيد المسيح "كفّارة" عنّا، وهو مبدأ سبق فهيأ له في العهد القديم، فقد هيّأ الله كبشًا لإبراهيم يُصعده مُحرقة عِوضًا عن ابنه (تك 22: 13)، أو كفّارة عنه. وقد أمر الله موسي أن يقدّم كل واحد فِدْية نفسه للرب (خر 30: 11)، أمّا في العهد الجديد فيقول الرسل:

"هو كفّارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضًا" (1 يو 2: 2).

"هو أحبّنا وأرسل ابنه كفّارة لخطايانا" (1 يو 4: 10).

"الذي لنا فيه الفداء (الكفّارة) بدمه غفران الخطايا" (أف 1: 7؛ كو 1: 14).

"عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى... بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بط 1: 19).

خامسًا: بقوله: "ليكون بارًا، ويُبرّر من هو بالإيمان بيسوع المسيح" [26]، يُعلن أن برّه سهل المنال، يُمنح للجميع. لذلك يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم مشجعًا كل مؤمن ليتمتع ببرّ المسيح؛ [لا تتشكّك إذن... ولا تبتعد عن برّ الله لأنه بركة سهلة المنال وممنوحة للجميع بلا استثناء. لا تخجل ولا تخزي، لأنه أن كان الله يُعلن استعداده أن يفعل هذا لك، بل ويفرح بذلك ويعتز، فكيف تغتم أنت وتخزى وتخفي وجهك خجلاً ممّا يتمجّد به سيدك؟]

هذا هو عمل الله القدوس وشهوة قلبه، أنه كقدوس يودّ أن يقدس الكل، وقادر على ذلك لكن ليس بدون إرادتنا. يقول القدّيس أغسطينوس: [الله قدوس ويقدِّس، الله بار ويُبرّر.]

سادسًا: ينتهز الرسول هذه الفرصة ليعود فيؤكّد أن برّ المسيح لا يتحقّق بأعمال الناموس بل بالإيمان، قائلاً: "فأين الافتخار؟ قد انتفى. بأي ناموس؟ أبناموس الأعمال؟ كلاّ، بل بناموس الإيمان" [27]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لو كان للناموس فاعلية لظهرت قبل مجيء (الفادي)، أمّا الآن وقد جاء الفادي فإنه لا يطلب غير الإيمان، إذ زالت الحاجة إلى عمل الناموس. ومادام الكل قد سقطوا فقد جاء ليفتديهم بنعمته، وقد جاء الآن لهذا السبب. فلو أنه جاء قبل ذلك ظنوا بأنه من الممكن أن يخلصوا بجهادهم الذاتي وصلاحهم طوعًا للناموس... كأنهم أشبه بإنسان صدر عليه الحكم بالإعدام، وبينما هو مُساق إلى المشنقة صدر العفو الملكي لكنه توقح هذا الإنسان مدعيًا أنه خلّص نفسه بنفسه، أفلا يسخر به الآخرون، قائلين: كان الأولي به أن ينطق بهذا وهو في الطريق إلى المشنقة قبل صدور العفو، أمّا وقد شمله العفو الملكي فلا مجال له للافتخار. هذا هو حال اليهود، إذ خانوا العهد مع أنفسهم، وجاء المسيح يفديهم، نازعًا عنهم سبيل الافتخار. لأن ذاك الذي وصف نفسه أنه معلِّم الأطفال ومهذِّب الأغبياء وله صورة العلم والحق في الناموس، وجد نفسه في حاجة إلى معلِّم ومخلِّص، تمامًا كالذين يَدّعي أنه يعلِّمهم، فكيف يفتخر بعد؟]

سابعًا: إن كان الرسول يؤكّد من وقت إلى آخر أنه لا خلاص بأعمال الناموس الحرفيّة كالخِتان والغسالات والتطهيرات، إنما "بناموس الإيمان" [27] لننعم ببرّ المسيح. فإنه يؤكّد أن للإيمان أيضًا "ناموس"، بمعنى أن للإيمان شريعة أو قانون يلتزم به المؤمن، وليس الإيمان حالة من التشويش أو الاستهتار. فإن كنّا بالإيمان بالمسيح قد تحرّرنا من عبودية حرف الناموس، إنما لنعيش "الحرّية في المسيح"، سالكين بروح لائق بالحياة الإيمانية الخاضعة لقانون الحب أو ناموس السماء أو تدبير الروح الجاد المدقق. لهذا يُعلّق القدّيس أغسطينوس على حديث الرسول بولس: "إذًا نحسب الإنسان يتبرّر بالإيمان بدون أعمال الناموس" [28]، قائلاً: [توجد أعمال تبدو أنها صالحة، لكنها إذ هي خارج الإيمان بالمسيح فهي غير صالحة، لأنها لا تحقّق غاية الأعمال الصالحة، "لأن غاية الناموس هي المسيح للبرَ لكل من يؤمن" (رو 10: 4). لهذا لا يريدنا الله أن نميز الإيمان عن الأعمال، إنما نعلن الإيمان نفسه بكونه عملاً، إذ الإيمان ذاته عامل بالمحبّة (غل 5: 6) .]

ثامنًا: إذ أوضح الرسول أن الخلاص يتحقّق خلال الإيمان بالمسيح يسوع دون أعمال الناموس الحرفيّة ليفتح الباب على مصراعيه لجميع الأمم، استصعب اليهود أن يدخل الأمم معهم على قدم المساواة، لذلك تساءل الرسول: "أم الله لليهود فقط؟ [29]. وكما يُعلّق الذهبي الفم: [كأنما يقول لهم: على أي أساس يبدو لكم تخطئة مبدأ خلاص الجميع؟ ألعلّ الله يحابي؟ وهكذا يوضّح لهم أنهم باحتقارهم الأمم إنما يهينون مجد الله، لأنهم لا يريدونه إله الجميع. فإن كان إله الكل فإنه يعتني بالكل وبالتالي يخلص الكل بذات الطريق، أي طريق الإيمان.]

هكذا يجيب الرسول على اعتراضهم مظهرًا أن الله "هو الذي سيُبرّر الخِتان بالإيمان، والغُرْلة بالإيمان" [30]... أنه يمطر محبّته على الجميع ليُبرّر الكل، وكما يقول القدّيس إكليمنضس السكندري: [إنه يمطر نعمته الإلهية على الأبرار والظالمين (مت 5: 45) .]

تاسعًا: أوضح الرسول أنه إذ يُعلن فتح باب الخلاص للجميع لا يستخف بالناموس، وإن كان الناموس بأعماله الحرفية يعجز عن تحقيق الخلاص، إذ يقول: "أفنبطل الناموس بالإيمان؟ حاشا، بل نثبت الناموس" [30]. إنه يثبت الناموس، لا لكي يلزِم الأمم بأعمال الناموس، وإنما يثبته بتحقيق غايته. أنه هبة الله ليفضح شرّنا، فنكشف حاجتنا للخلاص والمخلص، وقد جاء الإيمان يحقّق هذه الغاية في كمالها.

1 اذا ما هو فضل اليهودي او ما هو نفع الختان
2 كثير على كل وجه اما اولا فلانهم استؤمنوا على اقوال الله
3 فماذا ان كان قوم لم يكونوا امناء افلعل عدم امانتهم يبطل امانة الله
4 حاشا بل ليكن الله صادقا و كل انسان كاذبا كما هو مكتوب لكي تتبرر في كلامك و تغلب متى حوكمت
5 و لكن ان كان اثمنا يبين بر الله فماذا نقول العل الله الذي يجلب الغضب ظالم اتكلم بحسب الانسان
6 حاشا فكيف يدين الله العالم اذ ذاك
7 فانه ان كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده فلماذا ادان انا بعد كخاطئ
8 اما كما يفترى علينا و كما يزعم قوم اننا نقول لنفعل السيات لكي تاتي الخيرات الذين دينونتهم عادلة
9 فماذا اذا انحن افضل كلا البتة لاننا قد شكونا ان اليهود و اليونانيين اجمعين تحت الخطية
10 كما هو مكتوب انه ليس بار و لا واحد
11 ليس من يفهم ليس من يطلب الله
12 الجميع زاغوا و فسدوا معا ليس من يعمل صلاحا ليس و لا واحد
13 حنجرتهم قبر مفتوح بالسنتهم قد مكروا سم الاصلال تحت شفاههم
14 و فمهم مملوء لعنة و مرارة
15 ارجلهم سريعة الى سفك الدم
16 في طرقهم اغتصاب و سحق
17 و طريق السلام لم يعرفوه
18 ليس خوف الله قدام عيونهم
19 و نحن نعلم ان كل ما يقوله الناموس فهو يكلم به الذين في الناموس لكي يستد كل فم و يصير كل العالم تحت قصاص من الله
20 لانه باعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر امامه لان بالناموس معرفة الخطية
21 و اما الان فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودا له من الناموس و الانبياء
22 بر الله بالايمان بيسوع المسيح الى كل و على كل الذين يؤمنون لانه لا فرق
23 اذ الجميع اخطاوا و اعوزهم مجد الله
24 متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح
25 الذي قدمه الله كفارة بالايمان بدمه لاظهار بره من اجل الصفح عن الخطايا السالفة بامهال الله
26 لاظهار بره في الزمان الحاضر ليكون بارا و يبرر من هو من الايمان بيسوع
27 فاين الافتخار قد انتفى باي ناموس ابناموس الاعمال كلا بل بناموس الايمان
28 اذا نحسب ان الانسان يتبرر بالايمان بدون اعمال الناموس
29 ام الله لليهود فقط اليس للامم ايضا بلى للامم ايضا
30 لان الله واحد هو الذي سيبرر الختان بالايمان و الغرلة بالايمان
31 افنبطل الناموس بالايمان حاشا بل نثبت الناموس


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

إبراهيم دعي في الغُرْلة


في الأصحاحات الثلاثة السابقة أظهر الرسول بولس فساد كل البشريّة، يستوي في ذلك اليهود كما الأمم، وصار الكل في حاجة إلى من يخلص ويبرر، والآن يقدّم الرسول مثلين لرجلين بارّين من رجال العهد القديم، أحدهما إبراهيم بكونه أب الآباء وقد تبرّر خلال إيمانه وهو بعد في الغُرْلة قبل ممارسة أعمال الناموس خاصة الخِتان. والثاني هو داود الذي نال الوعد أن من صُلبه يأتي المسيّا الملك، وهو من أهل الخِتان لكنه يقدّم التطويب لمن يتبرّر لا بأعمال الناموس بل بالإيمان.

ركّز الرسول بالأكثر على شخصية "إبراهيم" لأن اليهود كانوا يشعرون أنهم أحرار لمجرد انتسابهم له بالجسد. هذه العقيدة دفعتهم إلى العجرفة والكبرياء عِوض أن تدفعهم للحياة بفكر إبراهيم وإيمانه والامتثال به في سلوكه، فجاء الرسول يفنّد هذه العقيدة، مظهرًا أن سرّ قوّة إبراهيم تكمن في إيمانه الحيّ الذي عاشه وهو في الغُرْلة، كما عاش وهو في الخِتان، لذا فهو أب لأهل الغُرْلة كما لأهل الخِتان.

1. إبراهيم والإيمان 1-8.

2. إبراهيم أب جميع المؤمنين 9-16.

3. إيمان إبراهيم وإيماننا 17-25.

1. إبراهيم والإيمان


إذ كان الرسول يُعلن عجز أعمال الناموس عن تقديم برّ الله، ليفتح الباب للبشرية كلها فتنعم بهذا البرّ خلال الإيمان، انتقل إلى الحديث عن إبراهيم بكونه أول من نال عهد الخِتان ليوضّح أن إبراهيم أيضًا لم يتبرّر بالخِتان (أعمال الناموس) وإنما بالإيمان، إذ يقول: "فماذا نقول أن أبّانا إبراهيم قد وُجد حسب الجسد، لأنه إن كان إبراهيم قد تبرّر بالأعمال فله فخر، ولكن ليس لدي الله" [1-2].

ويلاحظ في حديث الرسول عن إبراهيم وارتباطه بالإيمان الآتي:

أولاً: "فماذا نقول: أن أبّانا إبراهيم قد وُجد حسب الجسد؟" [1]. كأن الرسول بولس يحدد العلاقة التي تربطهم بإبراهيم كأب إنما هي "حسب الجسد"، الأمر الذي يُضعف صلتهم به ماداموا لا ينعمون بأبوته خلال إيمانه، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:[أنه بهذا يفسح المجال أمام الأمميّين ليدخلوا هم أيضًا في قرابة مع إبراهيم خلال الامتثال بإيمانه.]

ثانيًا: لماذا اختار الرسول بولس إبراهيم مع أنه قد سبقه هابيل الذي قيل عنه "أنه بار" (عب 11: 4)، ونوح الذي قيل أنه كان "رجلاً بارًا كاملاً في أجياله" (تك 6: 9)؟

يردّ على ذلك أن الرسول اختار إبراهيم لعدة أسباب رئيسية منها:

أ. أن اليهود كانوا يفخرون بنسبهم لإبراهيم كأب للمؤمنين، فحينما حدّثهم السيد المسيح عن الحرّية، "أجابوه: أننا ذُرّية إبراهيم ولم نُستعبد لأحد قط، كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحرارًا؟" (يو 8: 33). فقد أراد الرسول أن يفنّد هذه الحُجّة.

ب. لم يُدعَ هابيل ولا نوح أبًا للمؤمنين، أمّا إبراهيم فقد جاء عنه: "لأني أجعلك أبًا لجمهور من الأمم" (تك 17: 4).

ج. لأن إبراهيم يعتبر حلقة الوصل بين أهل الغُرْلة وأهل الخِتان، عاش متبررًا بالإيمان وهو في الغُرْلة، وإذ نال الوعد الإلهي وتمتع بالخِتان كعلاقة للعهد عاش أيضًا متبررًا بالإيمان وهو في الخِتان. بهذا ضمّ المؤمنين من أهل الغُرْلة وأهل الخِتان في شخصه، خلال الإيمان.

ثالثًا
: لا ينكر الرسول بولس أن لإبراهيم أن يفتخر من جهة الأعمال، لكن ليس لدي الله، لأن ما مارسه من أعمال الناموس كالخِتان لا فضل له فيه إنما هو عطيّة الله له خلال العهد الذي أقامه الله معه، وله أيضًا أن يفتخر من جهة الإيمان، بهذا له أن يفتخر لا متعاليًا على الله، وإنما يفتخر أنه ارتمى في حضن الله، ليغتصب بالإيمان مواعيد الله وعهوده، ويحسب بارًا في عينيه. يقول الرسول: "لأنه أن كان إبراهيم قد تبرّر بالأعمال فله فخر، ولكن ليس لدى الله، لأنه ماذا يقول الكتاب: فآمن إبراهيم بالله فحُسب له برًا" [2-3].

إن قورن إبراهيم بمعاصريه من البشر فله فخر بأعماله أمام البشر، سواء بكونه أول من اُختتن كعلامة عهد بينه وبين الله أو أعظم معاصريه في الأعمال الصالحة. أمّا أمام الله ففخره الحقيقي أنه اغتصب برّ الله بإيمانه الحيّ العملي، المُعلن خلال طاعته له سواء بالعبادة له وسط جوّ وثني أو بالخروج من أرضه وعشيرته وبيت أبيه (تك 12)، أو عدم محبته للنصيب الأكبر في معاملته مع لوط ابن أخيه (تك 13)، أو حُبّه لإضافة الغرباء (تك 18)، أو شفاعته عن إخوته في البشريّة (تك 18)، أو تقديم ابنه ذبيحة (تك 28) الخ. هذه التصرفات جميعها وغيرها إنما كانت نابعة عن إيمانه بالله وملتحمة به، فجاءت تمجد الله.

بمعنى آخر لم يكن لإبراهيم أن يفتخر بأعمال الناموس في ذاتها، إنما بإيمانه الحيّ العملي الذي به حُسب بارًا في عيني الله فاحص القلوب.

بهذا نوفِّق بين ما يقوله الرسول بولس هنا وبين ما ورد في رسالة معلمنا يعقوب الرسول: "ألم ‍يتبرّر إبراهيم أبونا بالأعمال، إذ قدّم اسحق ابنه على المذبح؟ فترى أن الإيمان عمل من أعماله، وبالأعمال أكمل الإيمان، وتمّ الكتاب القائل: "آمن إبراهيم بالله فحسب له برًا، ودعي خليل الله" (يع 2: 21-23).

يُعلن الرسول بولس أن إبراهيم لم يتبرّر أمام الله خلال أعمال الناموس، كالخِتان والتطهيرات والغسالات، إنما تبرّر خلال الإيمان الحيُ، ومعلمنا يعقوب يُعلن أن إبراهيم لم يتبرّر خلال إيمان شفهي نظري جامد إنما خلال الإيمان المترجِّم عمليًا كذبيحة اسحق، وكأن الأعمال التي يذكرها القدّيس يعقوب إنما هي أعمال الإيمان وليست خارج الإيمان! يحذّر الرسول بولس من الاتّكال على حرفيّة أعمال الناموس ويحذّر الرسول يعقوب من الاتّكال على الإيمان الخالي من الأعمال، أو الإيمان النظري غير الحيُ، هذه الأعمال التي يسألنا الرسول بولس أن نمارسها بالمسيح يسوع ربنا، إذ يقول: "لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمالٍ صالحةٍ قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها" (أف 2: 10).

رابعًا: آمن أبونا إبراهيم وأيضًا مارس أعمال الناموس، إذ قبِل الخِتان في جسده كما خَتن ذكور بيته، لكن شتّان بين الإيمان وأعمال الناموس، إذ يقول الرسول: "أما الذي يعمل فلا تُحسب له أجرة على سبيل نعمة بل على سبيل دين" [4].

أيهما أعظم: الأجرة التي ينالها الإنسان مقابل أعمال الناموس، أم النعمة التي ينالها مقابل الإيمان؟ بلا شك البرّ أعظم من الأجرة، لأن البرّ يعني عفو الله عن آثامنًا، ليهبنا برّه عاملاً فينا فننال مجدًا أبديًا. وقد اقتبس الرسول من المرتّل داود العبارة: "طوبى لمن غفرت آثامهم" [7]. وكما يقول القدّيس ذهبي الفم: [لا يقدّم بولس هذه العبارة اعتباطًا، لكنه يودّ القول بأن من غُفرت آثامه بالنعمة نال التطويب، فمن آمن وتبرّر يتأهل بالأكثر للبركة، التي خلالها يُنزع الخزي ليحل المجد.]

القول النبوي "طوبى لمن غُفرت آثامهم" يكشف عن بهجة قلب المرتّل بنوال برّ مجّاني لا أجرة عن عمل ناموسي، هذا البرّ هي عطيّة إلهية يهبها الله لمؤمنيه. يقول القدّيس إكليمنضس السكندري:[هذه الطوباوية تحلّ على الذين اختارهم الله خلال يسوع المسيح ربنا، لأن "المحبّة تستر كثرة من الخطايا" (1 بط 4: 8). هؤلاء قد اغتسلوا بواسطة ذاك الذي يريد توبة الخاطي لا موته (حز 33: 11).]


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email

خامسًا: ما هو هذا الإيمان الذي يبرّرنا؟

- ماذا يعني نؤمن به؟ الإيمان به يعني حبنا له، وتقديرنا لسموه، والذهاب إليه، والإتحاد بأعضائه.

- الإيمان بالمسيح هو أن نؤمن به أنه يُبرّر الخاطي؛ نؤمن بالشفيع الذي بدون وساطته لا يمكن أن نتصالح مع الله؛ نؤمن بالمخلص الذي جاء يطلب ويخلِّص ما قد هلك (لو 19: 10)؛ نؤمن بذاك القائل: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5).

- إيماننا نفسه بالمسيح هو عمل المسيح، إذ هو يعمل فينا، بالتأكيد ليس بدوننا. اسمع الآن وافهم: "من يؤمن بي فالأعمال التي أعملها أنا يعملها هو". يقول: الأعمال التي أفعلها أنا أولاً، ثم يفعلها هو بعد ذلك، فأنا أفعلها لكي يفعلونها هم أيضًا. ما هي هذه الأعمال إلا إقامة الإنسان البارّ من الشرّير؟

- تتبرّر النفس بارتفاعها نحو الله، والتصاقها بذاك الذي يبرّرها... فإنها إذ تتركه تصير شريرة، وإذ تعود إليه تتبرّر. ألا يظهر لك أنه متي وُجد شيء ما بارد واقترب من النار يصير دافئًا؟ وعندما يُنزع من النار يبرد! لو أن شيئًا ما كان مظلمًا واقترب من النور، أمّا يصير بهيًا؟ وإن نُزع عن النور يصير مظلمًا؟ هكذا هي النفس، أمّا الله فليس هكذا!

القدّيس أغسطينوس

سادسًا: ماذا يعني الرسول بقوله: "وأما الذي لا يعمل، ولكن يؤمن بالذي يُبرّر الفاجر، فإيمانه يُحسب له برًا" [5]؟ هل يحثِّنا الرسول على تجاهل الأعمال لنتبرّر بالإيمان وحده؟

نجيب على ذلك بأن الرسول كان يُحدّث اليهود الذين تشامخوا على الأمم بأعمال الناموس بطريقة حرفيّة قاتلة، فإن هذه لا تبرّر الإنسان، إنما لو حُفظت بطريقة روحية، تدفعهم لإدراك الخلاص والتبرير بالمسيّا، الذي كانوا يتظرونه. هذا من جانب ومن جانب آخر، فإننا كمسيحيّين لا نتبرّر بأعمالنا الصالحة كأعمال من عندياتنا، وإلا حسبت "برًا ذاتيًا" تعطل خلاصنا، إنما نمارسها بكونها ثمرة عمل الله فينا، وكما يقول الرسول بولس: "لأن الله هو العامل فيكم" (في 2: 13)، "نحن عاملان مع الله" (1 كو 3 : 9). لهذا يؤكّد الرسول يعقوب "لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت هكذا الإيمان أيضًا بدون أعمال ميت" (يع 2: 26).

2. إبراهيم أب لجميع المؤمنين

إذ قارن الرسول بين أعمال الناموس والإيمان في حياة أبينا إبراهيم ليُعلن سموّ الإيمان، الذي به يتبرّر، دون تجاهل لأعمال الناموس التي مارسها إبراهيم وإن كانت عاجزة عن التبرير، الآن يؤكّد الربط بين الإيمان وأعمال الناموس في حياة هذا الأب دون تعارض، قائلاً: "أخذ علامة الخِتان ختمًا لبر الإيمان الذي كان في الغُرْلة" [8]. فالخِتان هو علامة جسديّة جاءت لا معارضة للإيمان، بل خاتمة على إيمانه ومؤكدة له، حتى كل من يحملها إنما يلزم أن يلتزم أيضًا بالإيمان. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن العلامة جاءت لاحقة للإيمان، إذ آمن إبراهيم حين كان أولاً في الغُرْلة، وبقيَ مؤمنًا أيضًا وهو في الخِتان، بهذا أعلن أبوته لأهل الغُرْلة أن يقبلوا الامتثال به في إيمانه، وأيضًا لأهل الخِتان أن يفعلوا ذات الأمر.

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية مظهرًا أن اليهود لم يأتوا إلا كضيوف لاحقين لأهل الغُرْلة، وأنهم أضيفوا إليهم، أي جاءوا إلى بيت الإيمان مُضافين إلى إبراهيم الذي قبِل الإيمان وهو في الغُرْلة قبل الخِتان، قائلاً: [لأنه إن كان إبراهيم قد تبرّر وكلِّل وهو بعد في الغُرْلة، فقد جاء اليهود بعد ذلك. إذًا إبراهيم هو أب الأمميّين أولاً الذين ينتسبون إليه بالإيمان، كما أنه أب اليهود ثانيًا، أي أب الجنسين... لهذا يستكمل بولس حديثه، قائلاً: "ليكون أبًا لجميع الذين يؤمنون وهم في الغُرْلة كي يحسب لهم البرّ أيضًا وأبًا للختان" [11-12]. هذا وينتسب الأمميّون لإبراهيم لا بسبب غرلتهم، وإنما لإقتدائهم بإيمانه، كذلك اليهود لا ينتفعون ببنوّتهم له لا لكونهم مختونين، وإنما لأنهم لم يؤمنوا... إذن لك الحق في أبوة إبراهيم إن سرْت في خطوات ذلك الإيمان، دون تنازع ولا مشايعة لمناصرتك للناموس.]

هذا ويري الذهبي الفم أن الخِتان مجرّد علامة حملها إبراهيم من أجل ضعف اليهود، إذ يقول الرسول "ليكون أبًا للختان"، لا بمعنى أن يحملوا العلامة جسديًا فيصيرون أبناء له، وإنما يحملون ما وراء العلامة ألا وهو إيمانه. لأن هذه العلامة ليست إلاّ ختمًا للإيمان. فإن لم يسعَ اليهود إلى الإيمان مكتفين بالعلامة التي للجسد، تصير هذه نفاية لا ضرورة لها. هكذا أيضًا لا يليق بهم إذ نالوا الخِتان أن يحتقروا أهل الغُرْلة، بل أن يكونوا سندًا لهم، ليكون الكل معًا في ذات الإيمان الواحد.

لقد ظنّ اليهود أنهم ورثة إبراهيم في نواله المواعيد الإلهية لمجرد تمتعهم بهذه العلامة، أي ممارستهم لأعمال الناموس، متجاهلين التزامهم بالاقتفاء بأبيهم في إيمانه، لهذا يقول الرسول: "لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة، فقد تعطّل الإيمان وبطل الوعد" [14]. بمعنى آخر إن تمسك اليهود بأعمال الناموس كعلامة لميراثهم ما لإبراهيم، مكتفين بهذه الأعمال عند حرفيتها يسلبون الإيمان عمله، ويفقدون نوالهم الوعد الإلهي الذي أُعطيَ لإبراهيم، أن بنسله تتبارك الأمم. على العكس إن كان أهل الغُرْلة لم يمارسوا أعمال الناموس في حرفيتها، لكنهم بالإيمان صاروا ورثة إبراهيم وحُسبوا أصحاب الوعد كأبناء له.

الاتّكال على أعمال الناموس ليس فقط يفقد الإنسان عمل الإيمان الذي لإبراهيم، ويحرمه التمتّع بالوعد الإلهي، وإنما يدخل به إلى غضب الله، لأنه وهو يمارس الأعمال الظاهرة كالخِتان والغسالات يكسر شرائعه السلوكية، كالوصايا العشر، ولو وصية واحدة فيُحسب متعديًا. لذلك يقول الرسول: "لأن الناموس ينشيء غضبًا، إذ حيث ليس ناموس ليس تعدٍ" [15]. فبدون الناموس يخطئ الإنسان، لكن الغضب ينشأ بالأكثر حيث يوجد الناموس، كاشفًا للخطايا التي يرتكبها الإنسان متعديًا الوصيّة، وكما قيل: "ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به" (غل 3: 10).

يقدّم لنا القدّيس أغسطينوس تفسيرا لهذه العبارة، قائلاً: [قبل الناموس كان يمكن أن يدعى الإنسان خاطئًا ولم يكن ممكنًا أن يُدعي متعديًا. أمّا وقد أخطأ بعد استلامه الناموس فلم يعد خاطئا فحسب وإنما متعديًا أيضًا. وهكذا أضيف "التعدي" إلى "الخطيّة" فكثرت الخطيّة جدًا.]

إن كان اليهود بفهمهم الحرفي لأعمال الناموس فقدوا تمتعهم بالوعد ودخلوا إلى الغضب، لا كخطاة فحسب وإنما كمتعدين، فإنه من الجانب الآخر الإيمان يفتح لهم كما لأهل الغُرْلة التمتّع بالبنوة لإبراهيم المؤمن.

"لهذا هو من الإيمان كي يكون على سبيل النعمة، ليكون الوعد وطيدًا لجميع النسل، ليس هو من الناموس فقط، بل أيضًا لمن هو من إيمان إبراهيم الذي هو أب لجميعنا" [16].

وكما يقول الذهبي الفم أنه بدون الإيمان لا يخلص أحد، لأن الناموس بالنسبة لأهل الخِتان لا يبرّرهم بل ينشئ غضبًا، إذ سقط الكل تحت التعدي، لذا جاء الإيمان يرفعهم من الخطر وليس كالناموس. كما يرفع أيضًا أهل الغُرْلة، فيحسب الكل أبناءً لإبراهيم. "كما هو مكتوب إني قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة" [17]. فكما أن الله هو إله الجميع وليس خاصًا بأمّة معيّنة، هكذا بالإيمان حُسب إبراهيم أبًا للجميع حسب الوعد المُعطي له (تك 17: 5).

3. إيمان إبراهيم وإيماننا

إن كان الإيمان قد فتح الباب على مصراعيه ليدخل كل الأمم إلى النسب لإبراهيم كأبناء له، فما هي مادة هذا الإيمان؟

"كما هو مكتوب إني قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة، أمام الله الذي آمن به، الذي يحي الموتى، ويدعو الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة" [17].

اقتبس الرسول هذا الوعد: "قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة" (تك 17: 5 الترجمة السبعينية)؛ هذا لا يتحقّق حسب الطبيعة، إذ هو ليس أبًا للأمم حسب الجسد، إنما حسب الإيمان.

مادة إيمانه هي أن الله "يحيي الموتى، ويدعوا الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة". من هم الموتى الذين يُحييهم؟ أو ما هي الأشياء الغير موجودة التي يدعوها كأنها موجودة؟

أولاً: مستودع سارة أو أحشاؤها أشبه بالميّت الذي لا يحمل حياة، وقد وهبه الله اسحق حيًا خلال هذه الأحشاء الميّتة، وكما يقول الرسول نفسه: "وإذ لم يكن ضعيفًا في الإيمان لم يعتبره جسده، وهو قد صار مماتًا، إذ كان ابن نحو مائة سنة ولا مماتيّة مستودع سارة" [19]. ما ناله إبراهيم من وعد كان "على خلاف الرجاء"، إذ لم ينظر قط إنسانًا قبله نال ابنًا بهذه الطريقة، وإنما صار هو مثلاً لمن جاء بعده. هو ترجّى الله الذي يُقيم من الموت ويهب حياة، فآمن بالله أنه يعطيه نسلاً كما من العدم، فاتحًا باب الرجاء لمن جاء بعده ممن أنجبوا في شيخوختهم خلال زوجات عاقرات.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 4 جـ3 PDF Print Email
ثانيًا: آمن إبراهيم بتمتعه بالأبوة، ليس فقط لإسحق الذي وهبه الله إيّاه في فترة شيخوخته، وخلال مستودع سارة الذي كان في حكم الموت، وإنما أيضًا لأمم كثيرة، هي بحسب الطبيعة ميّتة لا تحمل بنوّة لإبراهيم حسب الجسد، لكن الله يُقيمها من هذا الموت ويقدّمها لإبراهيم أبناء له.

هذا ما أوضحه الرسول بقوله: "فهو على خلاف الرجاء آمن على الرجاء، لكي يصير أبًا لأمم كثيرة، كما قيل هكذا يكون نسلك" [18]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه كان على خلاف رجاء البشر في رجاء من جهة الله آمن بالوعد ونال. فكان الإيمان هو سنده، لم يعطِه الله برهانًا، ولا علامة، إنما مجرّد كلمات وعد ومع هذا لم يتردّد، ولا شك مرتابًا مع أن العائق كان عظيما: "ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله، بل تقوّى بالإيمان معطيًا مجدًا للَّه" [20].

بمعنى آخر ليتنا نتعلم أن الله يتمّم مواعيده معنا مهما كانت العوائق أو المعطّلات، إذ "تيقّن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضًا، لذلك أيضًا حُسب له برًا" [21-22].

نال إبراهيم الوعد، كما قلت، لا بميلاد اسحق كما من العدم، وإنما بأبوّته لأمم كثيرة، لا خلال الجسد وإنما خلال الإيمان. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن هذه الأمم أيضًا تُحسب تحت حكم الموت وعدم الوجود بسبب وثنيّتها، إذ تقبل الإيمان تنال قيامة من الأموات، يصيّرونها شعب الله الحيّ وكنيسة العهد الجديد المقدّسة، لذلك قيل: "أرحم لورحامة (ليست مرحومة) وأقول للوعمى ليست شعبي أنت شعبي" (هو 2: 23).

ثالثًا: إن كانت الخطيّة قد أفقدت الإنسان حياته وجعلته كمن هو غير موجود، فبالإيمان ينعم الإنسان ببرّ المسيح كمن قد أقيم من الموت، أو صار موجودًا بعد فقدانه، كقول الأب عن ابنه الراجع إليه: "لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالا فوُجد" (لو 15: 32). لذلك يقدّم لنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم في تعليقه على هذا الأصحاح سلاحًا روحيًا نلتزم باستخدامه، هو الإيمان باسم ربنا يسوع المسيح وقوة الصليب، قائلاً:

[هذا السلاح لا يُخرج الحيّة من جحرها فحسب، وإنما أيضًا يلقيها في النار (أع 28: 5) وتُشفي الجراحات.

إن نطق أحد بهذا الاسم ولم يُشف، فبسبب عدم إيمانه وليس عن ضعف في القول ذاته. لأن البعض التفوا حول يسوع وكانوا يضغطون عليه (لو 8: 44-45) ولم ينتفعوا منه، أمّا المرأة نازفة الدم فحتى بدون لمس جسده، وإنما بمجرد لمس هُدب ثوبه أوقفت ينبوع دمها الذي طال أمده.

هذا الاسم مخيف للشياطين وللسموم والأمراض. ليتنا نجد فيه سرورًا فنتقوّى به...

أي عذر لنا أن نقدّمه، إن كان ظل (الرسل) وثيابهم أقاموا موتى (أع 5: 15)، بينما صلواتنا لا تنزع عنّا الشهوات؟ ما هو علّة هذا؟... فإن طبيعة بولس هي كطبيعتنا، وُلد ونشأ مثلنا، سكن على الأرض واستنشق هواءها مثلنا، لكنه من جانب آخر كان أعظم وأفضل منّا من جهة الغيرة والإيمان والحب. إذن لنقتد به، ولنسمح للمسيح أن يتكلّم خلالنا، فإنه يرغب في هذا أكثر منّا. لقد أعدّ هذا التعليم ويريد ألا يكون ذلك بلا نفع أو معطلاً إنما يودّ أن يستخدمنا...

إن تحدّث المسيح فينا وأشرق الروح القدس بنوره فينا نكون أفضل من السماء، إذ لا تظهر الشمس والقمر في جسدنا بل يظهر رب الشمس والقمر والملائكة ساكنًا فينا وعاملاً.

لست أنطق بهذا لكي نقيم الموتى ونطهر البرص، إنما لنحقق معجزة أعظم من هذا كله هو إعلان المحبّة. لأنه حيث توجد هذه الممجدة يسكن الابن مع الآب والروح القدس... فقد قيل: "إن اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون أنا في وسطهم" (مت 18: 20). يتحقّق هذا من أجل الحنو الشديد ورباط الصداقات القوية، أي من أجل من لهم حب بعضهم لبعض....]

إذن ليكن لنا كإبراهيم أبينا الإيمان بالوعد الإلهي، فننال لا القدرة على عمل المعجزات، إنما ما هو أعظم ننال "الحب" الحقيقي في الرب، فننعم بسكنى الثالوث القدوس فينا كسُر حياتنا وفرحنا ومجدنا أبديًا. هذه هي القيامة الأولى التي لنفوسنا!

ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على العبارة "يدعو الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة"، قائلاً: [لقد كنتَ غير موجود فخلقكَ الله ووهبك الوجود، أفلا يهتم بك الآن وقد صرت أنت هكذا، هذا الذي يدعو الأشياء غير موجودة كأنها موجودة؟]

أخيرًا، أكد الرسول بولس أن ما كُتب عن إبراهيم من جهة إيمانه بالقيامة من الأموات، إذ آمن بالله الذي يهبه إسحق من مستودع سارة المُمات، وآمن أن يقيمه أبًا على شعوب ليست من نسله حسب الجسد، كما آمن أن الله يهب البرّ كحياة لمن مات بالخطيّة. فإن هذا كله قد كُتب من أجلنا من جهة إيماننا بالمسيح الذي يقيمنا من الموت، ويهبنا برّه كحياة جديدة مقامة نمارسها عمليًا، إذ يقول: "ولكن لم يُكتب من أجله وحده أنه حُسب له، بل من أجلنا نحن أيضًا الذين سيحسب لنا، الذين نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الأموات، الذي أُسلم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا" [24-25].

هنا يبرز النقاط التالية:

أ. غاية الحديث الإلهي عن إيمان إبراهيم هو إعلان طريق البرّ الحقيقي خلال الإيمان. فقد تبرّر إبراهيم بالإيمان لكي نتبرّر نحن أيضًا معه كأبناء له نحمل ذات إيمانه. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم، لئلاّ يقول المستمع، ما لنا نحن بهذا؟ لذلك ربطنا نحن بأبينا إبراهيم، فنتبرّر مثله، لأننا نؤمن بنفس الإله الذي آمن به إبراهيم، ونثق في ذات الأمور التي وثق فيها، فما حدث لإبراهيم ليس خاصًا به وحده، وإنما يُحدّث مع الكل.

ب. إن كان إبراهيم قد نال وعدًا بخصوص نسله، يتحقّق هذا الوعد فينا بصلب السيد المسيح وقيامته الذي هو من نسل إبراهيم حسب الجسد. إبراهيم آمن بنيل بركة مستقبلة خلال نسله، إذ يقول السيد: "أبوكم إبراهيم تهلّل بأن يرى يومي فرأى وفرح" (يو 8: 56)، أمّا نحن فقد تمتّعنا بهذا الوعد بصلب السيد المسيح وقيامته.

يقول العلامة ترتليان: [ها أنتم ترون حكمة الله كيف ذبحَت ذبحها (أم 9: 2)، البكر الابن الوحيد يحيا ويردّ الآخرين للحياة. أقول أن حكمة الله هو المسيح الذي بذل ذاته لأجل خطايانا.]

ج. إذ يحدّثنا الرسول بولس عن إيمان إبراهيم، يقدّم لنا ملخصًا لإيماننا، غالبًا ما كان نصًا كنسيًا تسلّمه الرسل وسلّموه، ألا وهو: "أُسلم من أجل خطايانا، وأُقيم لأجل تبريرنا" [25].

لقد أسلم للصليب بإرادة الآب (رو 8: 32؛ غل 1: 3) كما بإرادته هو (غل 2: 20؛ أف 5: 2؛ تي 2: 14) ليكفِّر عن خطايانا (3: 25؛ إش 53: 5-6؛ عب 9: 28؛ 1 بط 2: 21-24)؛ وأُقيم ليهبنا برّه عاملاً فينا، إذ نحمل الحياة الجديدة المُقامة.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 5 جـ1 PDF Print Email

بنوّتنا لآدم الواحد


إذ يعالج الرسول بولس موضوع انتساب اليهود لأبينا إبراهيم حسب الجسد أبرز أن إبراهيم قد تبرّر وهو في الغُرْلة كما وهو في الخِتان خلال إيمانه، ليحمل أبوة صادقة روحية لكل مؤمنٍ حقيقيٍ. والآن يودّ الرسول بطريقة غير جارحة أن يظهر رجل الإيمان الأعظم إبراهيم، أنه ابن آدم، أحد هؤلاء الذين سقطوا تحت مملكة الموت بسبب عصيان آدم، فكان محتاجًا إلى من يبرّره. بمعنى آخر خلال الظلام والرموز تبرّر إبراهيم نفسه ببرّ المسيح، إذ بدون إيمان لم يكن ممكنًا أن يتبرّر، وكما قال القدّيس جيروم: [قبل مجيء المسيح كان إبراهيم في المواضع السفلية بينما بعد مجيئه صار اللص في الفردوس.]

كأن الرسول يودّ أن يوجّه أنظار الكل، اليهود والأمم، إلى برّ المسيح الذي اشتهاه إبراهيم نفسه (يو 8: 56) عِوض الافتخار بالانتساب لإبراهيم حسب الجسد.

بدأ الأصحاح بالكشف عن ثمر برّ المسيح، ليحدّثنا عن حالنا كأبناء لآدم، من بيننا إبراهيم نفسه، ثم عن حالنا خلال آدم الثاني أو الجديد.

1. ثمار برّ المسيح 1-11.

2. آدم وبنوه تحت الموت 12-14.

3. آدم الثاني والنعمة 15-21.

1. ثمار برّ المسيح


كعادة الرسول بولس قبل أن يبرز الجانب السلبي وهو خضوع آدم وبنيه تحت حكم الموت بسبب العصيان، بما فيهم رجل الإيمان إبراهيم، أبرز في إيجابيّة ثمار برّ المسيح التي يتمتّع بها كل أبناء إبراهيم الروحيين، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أ. التمتّع بالسلام مع الله [1].

ب. نعمة حاضرة ورجاء لمجد أبدي [2].

ج. ارتفاع فوق الضيقات [3-4].

د. عطيّة الروح القدس واهب الحب [5].

ه. اختبار محبّة الله بالصليب [6-11].

ويلاحظ في هذه الثمار الفائقة الآتي:

أ. ننعم بلقاء الثالوث القدوس، ونختبر حُبّه وعمله فينا: (سلام مع الله الآب، انسكاب الحب بالروح القدس الساكن فينا، اختبار للحب الإلهي بصليب ربنا يسوع المسيح).

ب. ثمار على مستوي أبدي، إذ ننعم بمصالحة أبدية ومجد أبدي. لكنّنا ننال العربون حاضرًا الآن في حياتنا: "هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون" [2].

الآن في أكثر تفصيل نتحدث عن هذه الثمار:

أولاً: التمتّع بالسلام مع الله

"فإذا قد تبرّرنا بالإيمان، لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح " [1].

يبدو لي أن "السلام مع الله" هنا يحمل معنى غير السلام من الله (رو 1: 7) أو "سلام الله الذي يفوق كل عقل" (في 4: 7)، فإن السلام الإلهي الذي ننعم به إنما هو "سلامنا الداخلي" الذي يهبه الله كعطيّة روحية، يعطي للإنسان انسجامًا في الغاية والسلوك، فيعمل الإنسان بنفسه كما بجسده بسلام الله لحساب الملكوت، كما يهبه سلامًا مع الآخرين مشتاقًا أن يبذل كل حياته لحسابهم في المسيح يسوع؛ أمّا "السلام مع الله" فيعني تغيير شامل لمركزنا من حالة العداوة التي كنّا فيها إلى حالة بنوّة وحب وصداقة. أو تعني انطلاقنا من حالة الانحدار التي بلغناها بسبب خطايانا وعصياننا، لندخل خلال الدم إلى حالة مصالحة مع الآب، فنُحسب بالمسيح يسوع الابن الوحيد أبناء له، موضع سروره ورضاه. هذا هو أول ثمر "برّ المسيح"، إننا نختفي فيه لنُحسب أبرارًا فيه، ومصالحين، نحيا كأبناء في سلام حقيقي مع الآب. بذات الفكر يقول معلمنا بطرس الرسول: "فإن المسيح أيضًا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البارّ من أجل الآثمة، لكي يقرّبنا إلى الله" (1 بط 3: 18).

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني "لنا سلام"؟ يقول البعض: ألا نكون على خلاف بارتكاب معاصي ضد الناموس، أمّا بالنسبة لي، فأظن أن ما جاء هنا يخص مناقشتنا، لأنه بعدما تحدّث كثيرًا عن موضوع الإيمان، وقد وضعه قبل البرّ بالأعمال، فلئلا يظن أحد أن ما قاله يُحسب أساسًا للتهاون، لذلك قال: "ليكن لنا سلام"، بمعنى "ليتنا لا نخطيء بعد"، "ليتنا لا نعود مرة أخري إلى حالنا القديم"، إذ يسبّب هذا حربًا مع الله. كيف يمكن تحقيق هذا؟ إن كنّا ونحن نحتمل خطايا كثيرة هكذا نتحرر منها جميعًا بالمسيح، فإننا بالأكثر نستطيع أن نبقى على هذا الحال بالمسيح. فإن ثمة فارق بين تقبلنا السلام حيث لم يكن موجودًا، وبين احتفاظنا به حين يكون لدينا، لأن نواله أصعب من الاحتفاظ به بالتأكيد، ومع هذا فإن ما هو أصعب صار ميسورًا وتحقق. لذلك يلزمنا أن نسعى وراء ما هو أسهل بالتصاقنا بالمسيح الذي وهبنا ما هو أصعب... إن كان قد صالحنا في الوقت الذي كنّا فيه في حرب مع الله، فمن المعقول أن نبقى في حالة المصالحة...]

بمعنى آخر نحن الذين كنّا في حالة عداوة مع الآب صرنا في سلام معه بربنا يسوع، فكم بالأكثر وقد تصالحنا معه أن نبقى هكذا، لكن ليس بجهادنا الذاتي وإنما بربنا يسوع نفسه. لنبقى في "سلام" كعطيّة إلهية، وفي نفس الوقت دخول في علاقة قربى معه! يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان قد أحضرنا إليه لنكون قريبين منه عندما كنّا بعيدين، كم بالأكثر يحفظنا الآن ونحن قريبون؟]

ثانيًا: نعمة حاضرة ورجاء لمجد أبدي

"الذي به أيضًا قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون، ونفتخر على رجاء مجد الله" [2].

لم يعد الزمن يمثل رعبًا بالنسبة لنا، فالماضي بالنسبة للكثيرين مفقود والحاضر مؤلم والمستقبل مجهول، أمّا وقد دخلنا بالإيمان إلى "برّ المسيح"، صار الماضي بركة لنا، إذ نرى أحداث الفداء التي عبرت كتاريخٍ لا تزال حيّة وفعُالة في أعماقنا وتصرّفاتنا، وصار الحاضر بالنسبة لنا مفرحًا إذ نسلك "بالنعمة الإلهية" متمتّعين بالسلام مع الله، أمّا المستقبل فمكشوف إذ نعيش على "رجاء مجد الله". هكذا لم يعد الزمن بالنسبة لنا مرعبًا ولا مفقودًا، الماضي حاضر بالنسبة لنا، والحاضر عربون المستقبل، والمستقبل حال خلال عربون الحاضر.

الإيمان بالمصلوب فتح لنا بالـ "النعمة التي نحن فيها مقيمون"، نعمة البنوّة التي نلناها في مياه المعموديّة بالروح (يو 3: 5)، خلالها نختبر أحداث الصلب والقيامة كحياة واقعية حاضرة ونعتزّ بالتمتّع بمجد الله الأبدي، بكوننا "ورثة الله، ووارثون مع المسيح" (رو 8: 17).

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية قائلاً:

[اسمحوا لي أن أسألكم أن تتأمّلوا كيف يؤكّد الرسول في كل موضع نقطتين: جانب الله وجانبنا، فمن جانب الله، كيفما كان، توجد أمور كثيرة، عديدة ومتنوّعة، إذ مات من أجلنا وصالحنا وجبَلنا إليه ووهبَنا نعمة لا ينطق بها. أمّا نحن فمن جانبنا نقدم إيمانًا (حيًا) فقط، لذلك يقول: "بالإيمان إلى هذه النعمة". اخبرني: أيّة نعمة هذه؟ أنك حُسبتَ أهلاً لمعرفة الله، وانتزعت عن الخطأ وتعرفّتَ على الحق ونلتَ كل بركات المعموديّة؟ لأن غاية إحضارنا إليه هو تقبُّل هذه العطايا. فإننا لم ننل غفران الخطايا فحسب لنكون مُصالحين، وإنما لننال بركات لا حصر لها.

لم يقف عند هذا الحد إنما وعدنا ببركات أخرى، بركات لا يُنطق بها، تفوق الإدراك واللغة، لهذا لم يحدّثنا عنها. فبإشارته للنعمة أوضح ما نلناه حاليًا، وبقوله: "ونفتخر (نبتهج) على رجاء مجد الله" [2]. يكشف عن كل الأمور العتيدة.

حسنًا قال: "التي نحن فيها مقيمون" [2]، لأن هذه هي طبيعة نعمة الله، أنها بلا نهاية ولا تعرف الحدود، بل على الدوام ننعم بأمور أعظم، على خلاف ما يُحدّث في الأمور البشريّة. أعطيك مثلاً لما أقصده: إن نال إنسان سيادة ومجدًا وسلطانًا لا يقيم في هذه الأمور على الدوام، إنما سرعان ما تُسحب منه. فإن لم يسحبها منه إنسان آخر يأتيه الموت الذي يسحبها منه بالتأكيد. أمّا عطايا الله فليست من هذا النوع إذ لا يستطيع إنسان ولا ظروف ولا كوارث ولا حتى الشيطان أو الموت أن يسلبها، بل بالعكس عندما يحلّ الموت تتأكد بالأكثر ملكيتنا لها وثبوتنا فيها ويزداد تمتّعنا بها أكثر فأكثر... لهذا يقول: "نبتهج على رجاء مجد الله"، لكي تتعلم ما هي النفس التي يليق بالمؤمن أن تكون له. ليس فقط نعرف ما هي العطايا التي تقدّم وإنما لمن تقدّم، فنمتلئ ثقة أنها قُدِّمت فعلاً، إذ يبتهج الإنسان بكونه قد نالها فعلاً... وقد دعاها "مجدًا"؛ إذ هي شركة في مجد الله.]

هكذا يركّز القدّيس يوحنا الذهبي الفم على تعبير "مقيمون فيها" علامة استمرارية عمل نعمة الله في حياتنا متى خضعنا لها وقبلّناها متجاوبين معها، ولا يقف الأمر عن الاستمرارية، وإنما تزداد قوّة فينا وبهاءً مع الزمن حتى متى بلغنا الخروج من هذا العالم ننعم بالشركة في المجد الإلهي.


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email
ثالثًا: الارتفاع فوق الضيقات

ربّما يتساءل البعض: إن كان الإيمان بالمسيح يدخل بنا إليه لنحمل برّه فينا فننعم بالسلام مع الله، وإذ نقيم في هذه النعمة ينفتح قلبنا على رجاء المجد الإلهي، فما هو عمل هذا البرّ في حياتنا وسط الضيقات التي لا تنقطع؟

يجيب الرسول على هذا التساؤل معلنًا أن السيد المسيح ببرّه الذي يهبه لنا لا ينزع عنّا الضيقات، بل يرفعنا فوق الضيقات، فنجتازها أو تعبر هي بنا، ونحن في اعتزاز نراها سرّ تزكيتنا أكثر فأكثر، فلا يتحطم رجاؤها باليأس، بل بالعكس يلتهب رجاؤنا في المجد، خلاص صبرنا في الضيقات، إذ يقول: "وليس ذلك فقط بل نفتخر (نتمجد) أيضًا في الضيقات، عالمين أن الضيق ينشىء صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاء" [4].

كأن عمل المسيح لا يمس المجد الأبدي فحسب وإنما يمس حياتنا اليومية لا بتغيير الظروف المحيطة بنا لننعم بسلامٍ زمنيٍ، وإنما بتغيير القلب الداخلي والفكر، فنسمو فوق الآلام، إذ نراها طريق الشرّكة مع المسيح المتألم، وسبيل التمتّع بالتزكية خلال الصبر. وكما يقول القدّيس بطرس: "لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني مع أنه يُمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد" (1بط 1: 7)، ومعلمنا يعقوب: "طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكي ينال إكليل الحياة" (يع 1: 12).

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:

[فإنه حتى في الضيقات الحاضرة تعطينا (نعمة الله) القدرة على تلألؤ ملامحنا، وتجعلنا بالأكثر مستحقّين لمكافأتنا...

الآن، لنتأمل عظمة الأمور المقبلة، فإنه حتى بالنسبة للأمور المسبّبة الحزن نفرح. عظيمة هي عطيّة الله، ليس فيها شيء كريه، لأنه في الخيرات الخارجية يسبّب الجهاد من أجلها تعبًا وألمًا وضيقًا كمرافق لها، لكن الأكاليل والمكافآت تردّ البهجة معها. أمّا هنا فالحال مختلف، لأن نكهة الضيقات فيها بالنسبة لنا لا تقل عن نكهة المكافآت. ففي هذه الأيام توجد تجارب ثانوية، لكن يوجد رجاء في الملكوت؛ يحل الرعب الآن لكن يوجد توقع للخيرات... أنه يعطي جزاء هنا قبل نوال الأكاليل بالقول أنه يجب أن "نتمجد (نفتخر) بالضيقات"... مقدمًا نفسه مثلاً لهم لتشجيعهم... يتمجّدون فيها ليس فقط من أجل الأمور المقبلة، وإنما أيضًا من أجل الحاضر، فإن الضيقات صالحة في ذاتها، كيف هذا؟ لأن الضيقات تعطينا مسحة "الصبر"، لذلك بعد قوله أننا نتمجّد بالضيقات قدّم السبب هكذا: "عالمين أن الضيق ينشئ صبرًا"...

"والصبر تزكية، والتزكية رجاء". فالضيقات التي هي (بالطبيعة) بعيدة عن الرجاء تصير تزكية للرجاء ومؤكدة له. فإنه قبل نوال الأمور المقبلة ينشئ الضيق ثمرًا عظيمًا جدًا هو "الصبر"، فيجعل من الإنسان المُجرٌب صاحب خبرة؛ وفي نفس الوقت يساهم إلى درجة ما في الأمور المقبلة، إذ يهب رجاءً ملتهبًا فينا، فإنه ليس شيء يجعل الإنسان يميل إلى الرجاء في البركات مثل الضمير الصالح... نعم يهب رجاءً، لكنه ليس رجاءً بشريًا غالبًا ما يزول، ويُخزى من يتوقعه... لا، فإن نصيبنا ليس هكذا، إنما رجاؤنا أكيد وثابت، لأن مقدم الوعد حيّ إلى الأبد، ونحن الذين نتمتع به، وإن كنّا نموت لكنّنا سنقوم ثانيًا، فلا يخزى رجاؤنا.]

يشعر القدّيسون ببركة الضيق في هذا العالم، إذ يمجّدهم داخليًا في عيني الله، لكي يتجلّى هذا المجد بالأكثر في الحياة العتيدة، لذلك يقول القدّيس جيروم: [لا يطلب القدّيس الراحة بل الضيق.]

إن رجعنا إلى كلمات القدّيس يوحنا الذهبي الفم نلاحظ نظرته الإنجيليّة العجيبة لتعبير "الصبر"، فإنه لا يتطلّع إليه كجهادٍ بشريٍ مجرّد أو قُدرة إنسانية على احتمال الضيق، وإنما يراه "مكافأة"... كيف يكون هذا؟ لأن "الصبر" هو سمة تمس حياة السيد المسيح، الذي قيل عنه: "احتمل الصليب مستهينًا بالخزي... فتفكّروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه، لئلاّ تكلّوا وتخوروا في نفوسكم" (عب 12: 2-3). مرة أخرى يقول الرسول: "الرب يهدي قلوبكم إلى محبّة الله وإلي صبر المسيح" (2 تس 3: 5). إذًا فالصبر هو عطيّة إلهية، أو هو شركة في "صبر المسيح" تعطي عذوبة للنفس وسط الآلام، أو قل مجدًا خفيًا وسط الضيقات. هذا ما أكّده القدّيس يوحنا الحبيب بقوله: "شريككم في الضيقة وفي ملكوت يسوع المسيح وصبره" (رؤ 1: 9).

إذن الضيق ينشىء صبرًا، هو شركة في صبر المسيح!

رابعًا: عطيّة الروح واهب الحب

إن كان السيد المسيح يُعلن برّه فينا برفعنا داخليًا فوق الآلام وجعلها مصدر مجد حتى في هذا الزمان الحاضر، لنحتمل الضيقات بصبر المسيح على رجاء المجد الأبدي، فإنه من جانب آخر يهبنا بروحه القدوس "محبة الله" منسكبة في قلوبنا لكي تسندنا فلا يخزى رجاؤنا. بمعنى آخر صبرنا في التجارب واحتمالنا للألم لا يقف عند قوّة عزيمتنا أو إمكانيّاتنا البشريّة، إنما على عمل الله فينا، إذ يسكب حُبّه بفيض على المجاهدين روحيًا لأجل اسمه وبقوّة نعمته.

يقول الرسول: "والرجاء لا يخزى لأن محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" [5]. سرّ القوّة في الضيق، وانفتاح الرجاء في قلوبنا عطيّة الروح القدس الساكن فينا، إذ يهبنا محبّة الله غير المتغيّرة بفيض، قائلاً: "انسكبت" وكأنها تُعطى بلا حساب كمن تنسكب من السماء لتملأ القلب.

- لم يقل الرسول "قد أعطيت" بل قال: "انسكبت في قلوبنا" ليظهر فيضها.

هذه العطيّة هي العظمى، فإنه لم يهبنا السماء ولا الأرض ولا البحر، إنما ما هو أثمن من هذه كله، جعلنا نحن البشر ملائكة، نعم بل أبناء الله وإخوة المسيح. لكن ما هي هذه العطية؟ الروح القدس!

لو لم يكن يريد أن يقدّم لنا أكاليل عظيمة على جهادنا لما وهبنا مثل هذه العطايا القادرة أن تسندنا في جهادنا. هنا يُعلن دفء محبته التي يكرمنا بها لا تدريجيًا ولا شيئًا فشيئًا، وإنما يسكبها بفيض بكونها ينبوع بركاته، وذلك قبل صراعنا.

هكذا وإن كنت لست مستحقًا بالمرة، لكنه لم يزدرِ بكَ، بل وهبكَ حب ديّانك كمعين قدير يسندك، لهذا يقول الرسول: "والرجاء لا يخزي"، ناسبًا كل شيء لمحبّة الله وليس لأعمالنا الذاتية الصالحة.

بعدما أشار إلى عطيّة الروح القدس عاد ليتحدّث ثانية عن الصليب.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

- كأنه يقول أن محبّة الله قد انسكب في قلوبنا بالروح القدس الساكن فينا...

سامية هي فضيلة الحب المبجّلة، إذ يُعلن الرسول الطوباوي يوحنا أنها ليست فقط تُنسب لله بل هي الله: "الله محبّة، ومن يثبت في المحبّة يثبت في الله والله فيه" (1يو 4: 16) .

الأب يوسف

- بهذا (القول الرسولي) نفهم أن الروح القدس ليس عملاً وإنما هو المدبر وينبوع الحب الإلهي الفائض.

القدّيس أمبروسيوس

- كما أن جسدك إن صار بلا روح، أي بدون نفسك يكون ميتًا، هكذا نفسك بدون الروح القدس، أي بدون المحبّة، تُحسب ميّتة.

- إن كان حب الله المنسكب في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا يجعل النفوس الكثيرة نفسًا واحدة، والقلوب الكثيرة قلبًا واحدًا، فكم بالأحرى يكون الآب والابن والروح القدس الله الواحد، النور الواحد، والبدء الواحد؟

- إذ نكون أعضاء تربطنا الوحدة معًا؛ ما الذي يقيم هذه الوحدة إلا الحب الذي يربطنا معا؟

- ليكن لك حب فيكون لك الكل؛ وبدونه كل ما يمكن أن يكون لك لا ينفعك شيئًا. إنما ما يجب أن تعرفه هو أن الحب الذي نتكلم عنه يُشير إلى الروح القدس. اسمع ما يقوله الرسول: "محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا".

القدّيس أغسطينوس

- [عن عمل الروح القدس في قلوب الشهداء بسكب حب الله فيهم.]

لقد جعلهم شهداءه بالروح القدس الفعُال فيهم، إذ يجعلهم يحتملون أتعاب الاضطهادات من كل نوع، ويصيرون متلألئين بالنار الإلهية، فلا يفقدون دفء محبتهم للكرازة.

القدّيس أغسطينوس

- إنه يقول: "محبّة الله المنسكبة في قلوبكم"؛ ولكي لا يظن أحد أن محبّة الله هي من عندياته يضيف: "بالروح القدس المُعطى لنا". لذلك لكي تحب الله دعْ الله يسكن فيك، فيكون "الحب" ذاته فيك، بمعنى أن محبته تحركك وتلهبك وتنيرك.

- لا تتقبل الملائكة ولا البشر الحكمة إلا بالشركة في هذه الحكمة التي نتّحد بها بالروح القدس الذي يسكب الحب في قلوبنا.

القدّيس أغسطينوس

- [الحب الإلهي المنسكب في قلوبنا بالروح القدس يهبنا لا قدرة على تحقيق الوصايا الناموسية فحسب وإنما لذّة في تحقيق الوصايا الإنجيليّة التي تبدو صعبة ومستحيلة:]


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 5 جـ3 PDF Print Email
"لأن محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس" (رو 5: 5).

بهذا يُنزع عنّا كل اهتمام بأي أمر آخر، ولا يرغب (المؤمن) في صنع ما هو ممنوع منه، أو يهمل فيما قد أُمر به. لكن إذ يكمل كل هدفه وكل اشتياقه في الحب الإلهي على الدوام، لا يقع في التلذذ بالأمور التافهة، بل ولا يطلب حتى الأمور المسموح له بها.

فتحت الناموس يسمح بالزوجات الشرّعيات، وهذا فيه قمع للذّة والخلاعة مكتفيًا الإنسان بامرأة واحدة، لكنه لا يبطل بهذا وخزات الشهوة الجسدانيّة، ويصعب إطفاء النار المتقدة والتي تُمون بوقود دائم، حتى لا تخرج إلى الخارج... أمّا الذين تضرمهم نعمة المخلص بحب الطهارة المقدس، فإنهم يهلكون كل أشواك الشهوات الجسديّة بنار الحب الإلهي...

كذلك من يقنع عند حد دفع العشور والبكور... بالتأكيد يخطئ في طريقة التوزيع أو كميته... أمّا الذين لم يزدروا بنصيحة الرب بل تركوا كل ممتلكاتهم للفقراء، وحملوا صليبهم، وتبعوا مانح النعمة لا يكون للخطية سلطان عليهم، إذ لا يساورهم القلق من جهة طعامهم اليومي... فالشخص الذي يدفع العشور والبكور... يستحيل عليه أن يتخلص من سلطان الخطية، وأما الذي تبع نعمة المخلص، فإنه يتخلص من حب الامتلاك.

الأب ثيوناس

خامسًا: اختيار محبة الله بالصليب

إذ يتحدث الرسول عن "برّ المسيح" يربط عمل الأقنوم الثاني أي كلمة الله المتجسد (السيد المسيح) بعمل الأقنومين الأول والثالث، فخلال برّ المسيح يعمل الأب إذ يهبنا روحه القدوس (الأقنوم الثالث) ساكنًا فينا، يسكب الحب الإلهي في أعماقنا. بمعنى آخر "الإنسان" هو موضوع لذّة الله الواحد المثلّث الأقانيم، يعمل فيه بلا انقطاع ليبلغ به إلى أمجاده كابن وحبيب وصديق نحيا معه أبديًا.

هكذا يعمل الثالوث القدوس فينا فيسكب حب الله في قلوبنا، الذي تجلّى في كمال أعماقه خلال عمل المسيح الخلاصي، إذ يقول الرسول:

"لأن المسيح إذ كنّا بعد ضعفاء مات في الوقت المعيّن لأجل الفُجّار. فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار، ربّما لأجل الصالح يجسر أحد أيضًا أن يموت، فبالأولى كثيرًا ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب. لأنه إن كنّا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه، فبالأولي كثيرًا ونحن مصالحون نخلص بحياته. وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضًا بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به المصالحة" [6-11].

هذا هو ما يعلنه الروح القدس فينا: محبّة الله الفائقة لمصالحتنا خلال الصليب؛ ويلاحظ في هذا الإعلان الآتي:

أ. يسمى الرسول هذا الإعلان "سكب محبّة الله في قلوبنا". يوجد فارق بين المعرفة الفكرية للصليب التي يمكن أن نتمتّع بها خلال دراسة الكتاب المقدس، خاصة خلال شهادة الناموس والنبوّات التي مهدت أفكارنا لإدراك سرّ الفداء، أو سرّ محبّة الله بالصليب، وبين معرفة الخبرة التي يهبها الروح لأعماقنا في الداخل، حيث ينطلق بالنفس إلى الصليب لتلتقي بعريسها المصلوب، وتدرك حُبّه لها شخصيًا، فتلتهب بنيران المحبّة الحقيقية، وتشتهي أن ترد الحب بالحب.

ب. هذه المحبّة التي يسكبها الروح فينا ليست بجديدة بالنسبة لله، فهي في تدبيره الأزلي، لكنه حقّقها في الوقت المناسب لخلاصنا، أو "في الوقت المعيّن"، أو في "ملء الزمان"، إذ قيل: "ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبنّي" (غل 4: 4-5).

ج. قدّم الله هذا الحب من أجلنا، وقد دعانا "ضعفاء"، "الفُجّار"، فمن جهة كنّا ضعفاء مغلوبين بالخطيّة ساقطين تحت سلطان عبوديّتها. وفي نفس الوقت دعانا "فُجّارا" إذ لم نستسلم لها عن ضعف فحسب وإنما التهبت فينا، فصرنا نمارسها بعنف بكمال حريتنا، عن معرفة أيضًا وفي تهوّر.

كخطاة نشعر أننا ضعفاء في حاجة إلى طبيب يعالج ضعفنا، واهبًا إيّانا القوّة عِوض الضعف؛ وفُجّار نحتاج إلى القدوس يهبنا الاتحاد معه لينزع فسادنا وتجبُّرنا ممارسين قداسته فينا.

د. أراد إظهار عظمة محبّة الله لنا، إذ قدّم السيد المسيح حياته لنا ونحن ضعفاء وفُجّار، فبحسب المنطق البشري بالجهد أو بالكاد يمكن لأحد أن يموت عن بار، وربما يجسر أحد ويخاطر بحياته من أجل صالح، أما أن يموت أحد عن فاجرٍ شريرٍ، فهذا يبدو مستحيلاً!

ما الفارق بين البارّ والصالح؟ جاء في كتب ربانيي اليهود أن البارّ هو من يقول لجاره كل ما هو لي فهو لي وكل ما هو لك فهو لك، وأن الصالح يقول لجاره كل ما هو لك فهو لك وكل ما هو لي فهو لك. بمعنى آخر البارّ يسلك بالعدل، فيعطي كل إنسان حقّه، متمسكًا بحقّه هو أيضًا، أمّا الصالح فيسلك بالحب يودّ أن يعطي ماله للآخرين. أمّا في مفهومنا المسيحي فالبار هو من يحمل برّ المسيح فيه، والصالح هو من يحمل صلاح المسيح فيه؛ وكأن البرّ والصلاح في حياتنا هما تجلّي سمتا المسيح في حياتنا.

لم يمت السيد المسيح من أجل صالحين وأبرار، وإنما من أجل الخطاة المقاومين له، الذي حملوا له العداوة.

- إن كان من أجل إنسانٍ فاضلٍ لا يسرع أحد بالموت عنه، فتأمل محبّة سيّدك إذ صُلب لا من أجل أناس فضلاء، بل من أجل خطاة وأعداء.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

- أحبّنا ونحن نمارس العداوة ضده، ونرتكب الإثم، ومع ذلك فبحق كامل قيل: "يا رب أبغضت جميع فاعلي الإثم" (مز 5: 5). بهذا فإنه لأمر عجيب وإلهي أنه حتى حيث يبغضنا يحبنا، إذ هو يبغض فينا ما لم يخلقنا عليه... يبغض ما لم يصنعه فينا، ويحب ما خلقه فينا (يبغض الشرّ ويحب النفس مشتاقًا إلى خلاصها).

القدّيس أغسطينوس

ه. إذ يحدثنا الرسول عن " برّ المسيح " الذي تُعلن مكافأته بكمالها في الحياة العتيدة الأبدية، يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول أراد في هذا الأصحاح تأكيد التمتع بالوعود الإلهية الخاصة بالمجد الأبدي، وذلك بالبراهين التالية:

* الإيمان بالله الذي وعد، أنه قادر أن يحقق وعده [1].

* النعمة التي وهبت لنا ونحن مقيمون فيها فعلاً [2].

* الضيقات التي تقدم لنا رجاء [3- 4].

* عطية الروح القدس الذي نلناه، يسكب حبًا في قلوبنا [5].

* أخيرًا موت المسيح بطريقة مملوءة حُبا، فقد مات، ومات من أجل الخطاة لا الأبرار، مات ليصالحنا ويخلصنا ويبررنا فيجعلنا خالدين وأبناء وورثة، دون حاجة إلي أن يموت مرة أخري.

هكذا ينتقل بنا الرسول من برهان إلي آخر، تارة خلال إيماننا بالله الذي وهبنا سلامًا معه فصرنا قريبين إليه، وأخري خلال نعمته العملية التي نقيم فيها فتفتح بصيرتنا للرجاء في السماويات، وثالثة خلال عمله معنا وسط الضيق، فيحوله إلي مجد نتذوق عربونه، ورابعًا خلال روحه القدوس الساكن فينا يعلن حب الله بلا حدود، وأخيرًا خلال التأمل في جراحات الرب وصلبه! هذه البراهين كلها تدفعنا نحو الثقة الكاملة في مواعيده الإلهية للتمتع بشركة أمجاده.

و. لا يقف الأمر عند اليقين بنوال الأمجاد الأبدية، إنما يقول الرسول: وليس ذلك فقط بل نفتخر (نفرح) أيضًا بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة" [11]، ماذا يعنى هذا؟

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أننا ليس فقط ننعم ببركات الخلاص هنا ونترجى الأمجاد الأبدية إنما يصير الله نفسه مجدنا وفخرنا وفرحنا. تعامل معنا كصديق مع أصدقائه، وحبيب مع محبوبيه، فنفرح به أكثر من الملكوت (لو أن الملكوت أمر غير الله)، نريد شخص الله ذاته. بمعنى آخر نلنا المصالحة لا لننعم بشيء إنما ما هو أعظم أننا صرنا أحباء الله، ليس فقط نقف بجوار مجده كالقوات السمائية المُحبة له، إنما نحمله ساكنًا فينا جالسًا علي العرش!

ز. إذ يتأمل القديس كبريانوس في محبة الله هذه كما وردت في هذه العبارات الرسولية، يقول: [إذ نتأمل محبته ورحمته يليق بنا ألا نكون قساة ولا عنيفين ولا صارمين في تبكيت الأخوة بل نحزن مع الحزانى، ونبكي مع الباكين، ونرفعهم قدر ما نستطيع خلال عون وتعزية حبنا لهم، فلا نكون قساة جدًا ومتشبسين معهم نصدهم في توبتهم كما لا نكون متراخين جدًا ومتساهلين بتهور في قبول الشركة.]

2. آدم وبنوه تحت الموت

حديث الرسول بولس عن البنوة الجسدية لإبراهيم نقلنا إلي حاجة إبراهيم نفسه إلي برّ المسيح خلال الإيمان، موضحًا ثمر برّ المسيح في حياة المؤمن. والآن يوضح الرسول خضوع كل بنى آدم، بما فيهم إبراهيم طبعًا، للموت، لكي يعلن حاجة الكل إلي نعمة المسيح وبره، إذ يقول:

"من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلي العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلي جميع الناس إذ أخطأ الجميع. فإنه حتى الناموس كانت الخطية في العالم، على أن الخطية لا تحسب، إذ لم يكن ناموس. لكن قد ملك الموت من آدم إلي موسى، وذلك علي الذين لم يخطئوا علي شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي " [12-14].


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 5 جـ4 PDF Print Email


في هذا الحديث أوضح الرسول الآتي:

أولاً: فضح علة دخول الموت إلي البشرية وسلطانه عليها لكي يبرز بعد ذلك قوة تبريرنا بالسيد المسيح غالب الموت. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما يبذل أفضل الأطباء كل الجهد لاكتشاف مصدر الأمراض ويبلغون أصل الداء عينه هكذا فعل الطوباوي بولس أيضًا، فعندما قال أننا قد تبررنا، مؤكدًا ذلك خلال البطريرك (إبراهيم)، والروح (القدس)، وموت المسيح (لأنه ما كان ليموت إلا ليبرر)، أخذ بعد ذلك يؤكد ما سبق أن أوضحه بإسهاب خلال مصادر أخرى، محققًا هدفه ببرهان آخر مضاد، أي الموت والخطية.]

كأن الرسول يسأل: متى دخل الموت؟ وكيف غلب؟، فيجيب: "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلي العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلي جميع الناس، إذ أخطأ الجميع" [12]. لقد أظهر أن الخطية بدأت بالإنسان الأول، وتملّك الموت غالبًا إياه، وقد صار الكل مخطئين وإن لم يسقطوا في ذات المعصية. صارت الخطية منتشرة في الطبيعة البشرية لكنها غير مُكتشفة حتى جاء الناموس، فظهرت بعصيان الإنسان لوصايا معينة: "فإنه حتى الناموس كانت الخطية في العالم على أن الخطية لا تُحسب إن لم يكن ناموس" [13].

دبت بذار الموت مع الخطية منذ آدم، لكن الموت لم يكن ثمرة عصيان للناموس بل ثمرة عصيان أبينا آدم. ملك الموت علي الذين لم يخطئوا بعصيان الناموس إنما خلال شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي [14].

- في آدم سقطت أنا، وفيه طُردت من الفردوس، وفيه مت، فكيف يردني الرب إلا بأن يجدني في آدم مذنباً، إذ كنت هكذا، أما الآن ففي المسيح أتبرر أنا.

القديس أمبروسيوس

- لذلك يقول: " افرحوا، أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33).

هذا قاله كمصارع لائق ليس بكونه الله فحسب، وإنما بإظهار جسدنا (الذي التحف به) كغالبٍ للألم والموت والفساد.

لقد دخلت الخطية إلي العالم بالجسد، وملك الموت بالخطية علي جميع الناس، لكن دينت الخطية بذات الجسد في شبه (شبه جسد الخطية)، فقد غُلبت الخطية، وطرد الموت من سلطانه، ونُزع الفساد بدفن الجسد وظهور بكر القيامة، وبدأ أساس البرّ في العالم بالإيمان، والكرازة بملكوت المسوات بين البشر، وقيام الصداقة بين الله والناس.

القديس غريغوريوس صانع العجائب

- حتى الأطفال الذين لا يخطئون في حياتهم الشخصية إنما حسب الجنس البشري العالم يكسرون عهد الله، إذ أخطأ الكل في واحد.

القديس أغسطينوس

ثانيا: يري القديس إيريناؤس أنه بالخطية "ملك الموت من آدم إلي موسى" [14]، أما وقد جاء الناموس في العصر الموسوي، انفضحت الخطية، وظهرت أنها خاطئة، وأُعلن أن الموت ليس ملكًا حقيقيًا إنما هو مُغتصب ومجرم يمثل ثقلاً علي الإنسان.

ثالثا: ماذا يقصد بعبارة "آدم الذي هو مثال الآتي" [14]؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم أنه كما بواحدٍ صار الحكم علي الكل بواحدٍ أيضًا صار البرّ لكل المؤمنين. كما سقط الكل تحت الموت مع أنهم لم يأكلوا مع آدم من الشجرة، هكذا قُدم الخلاص للعالم دون فضل من جانبهم، إنما يرجع الفضل لبرّ المسيح الذي يهبه خلال شجرة الصليب.

يؤكد القديس الذهبي الفم أنه لا يفهم من هذا أن الخطية والنعمة متساويان، ولا الموت والحياة عديلان، لأن الشيطان والله ليسا متساويين.

رابعا: إن كان الموت قد ملك علي البشرية بسبب آدم، فقد جاء كلمة الله متجسدًا كآدم الثاني لينزع عن الإنسان هذا السلطان القاتل:

- من آدم إلي موسى ملك الموت، لكن حضور الكلمة حطّم الموت (2 تي 1: 10). لم يعد بعد في آدم يموت جميعنا (1كو 15: 22)، إنما صرنا في المسيح نحيا جميعنا.

القديس البابا أثناسيوس

- منذ القديم: "تسلط الموت من آدم إلي موسى"، أما الآن فالصوت الإلهي يقول: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 43). إذ يشعر القديس بهذه النعمة يقول: "لولا ان الرب كان معي لهلكت نفسي في الهاوية"(مز 94: 17) .

القديس البابا أثناسيوس

- إذ أخطأ الإنسان وسقط صار كل شيء في ارتباك بسقوطه، وتسلط الموت من آدم إلي موسى، ولعنت الأرض، وانفتح الجحيم، وأُغلق الفردوس، وتكدرت السماء، وأخيرًا فسد الإنسان وتوّحش (مز 49: 12) بينما تعظم الشيطان ضدنا. لذلك فإن الله في حبه الحاني لم يرد للإنسان الذي خُلق علي صورته أن يُهلك، فقال: "من أرسل؟ ومن يذهب من أجلنا؟" (إش 6: 8). وإذ صمت الكل قال الابن: "هأنذا أرسلنى"، عندئذ قيل له: "اذهب" وسُلم إليه الإنسان، حتى إذ صار الكلمة جسدًا، فبأخذه الجسد أصلح الإنسان بكليته. لقد أُسلم إليه الإنسان كما إلي طبيب ليشفيه من لدغة الحية، فيهبه الحياة، ويقيمه من الموت، ويضئ عليه، وينير الظلمة. إذ صار جسدًا جدّد الطبيعة العاقلة… وردّ كل الأشياء إلي الصلاح والكمال.

القديس البابا أثناسيوس


3. آدم الثاني والنعمة

إذ عرض لآثار الخطية الأولى التي ارتكبها آدم الأول، فملك الموت علي الكل، حتى على الذين هم بلا ناموس مكتوب حيث لا يوجد عصيان ضد وصية معينة معلنة، يعود فيعرض لآثار النعمة الإلهية التي يقدمها آدم الثاني ليخلص العالم من موت الخطية ويهب المؤمنين الحياة الأبدية، مظهرًا الفارق بين فاعلية الخطية وفاعلية النعمة.

"ولكن ليس كالخطية هكذا أيضًا الهبة، لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون، فبالأولي كثيرًا نعمة الله، والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين" [15].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما يقوله هو هكذا: إن كان للخطية آثارها البعيدة المدى هكذا وهي خطية إنسان واحد، فكم بالأولى تكون النعمة، نعمة الله، التي هي نعمة الآب والابن أيضًا يكون لها فيض؟… ربما معاقبة إنسان من أجل خطأ ارتكبه آخر يبدو غير مقبول، لكن ما هو أكثر قبولاً ومنطقيًا أن يخلص إنسان بسبب آخر.]

"وليس كما بواحد قد أخطأ هكذا العطية، لأن الحكم من واحد للدينونة، وأما الهبة فمن جري خطايا للتبرير" [16].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[للخطية قوتها إذ تجلب الموت والدينونة، وأما النعمة فلا تبرر خطية واحدة فحسب إنما الخطايا التي تبعتها أيضًا. ولئلا يُفهم من الكلمتين "كما"، "هكذا" تساوى البركات مع الشرور، ولئلا عند سماعك "آدم" تظن أن الخطية التي ارتكبها آدم هي وحدها التي تُغفر، لذلك يقول: من جري خطايا كثيرة للتبرير… فقد تحقق التبرير بعد ارتكاب خطايا بلا حصر بعد الخطية التي أُرتكبت في الفردوس.

حيث يوجد البّر تتبعه بالضرورة الحياة بكل وسيلة، ويرافقه بركات بلا حصر، وذلك كما أنه حيث توجد الخطية يحدث الموت. البرّ هو أكثر من الحياة، وهو أصل الحياة…

سبق فقال أنه إن كان بخطية واحد مات الكل فبالأولي نعمة الواحد لها سلطان أن تخلص… عاد فأوضح أن النعمة ليست فقط تنزع الخطايا وإنما تهب البرّ. فالمسيح لم يقدم خيرًا بقدر ما جلب آدم من أضرار، وإنما أكثر جدًا بما لا يُقاس.]

إن كنا قد ورثنا عن آدم عصيانه، إنما حملنا هذه الطبيعة فينا، لذا جاء السيد المسيح بنعمته يقدم لنا "طاعته" لنحياها، فنحمل طاعة المسيح فينا، لا كفضيلة خارجية وإنما كطبيعة تمس كياننا، إذ يقول الرسول: "لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة هكذا أيضا بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبرارًا" [19]. هذه الطبيعة المتبررة الجديدة، طبيعة الطاعة للآب بابنه، تحمل انعكاسا علي كل تصرفاتنا فنشتهي الطاعة لو أمكن للجميع، وكما يقول القديس إمبروسيوس: [إذ كان هو مطيعًا، ليتهم يقبلون تدبير الطاعة، الأمر الذي نلتصق به، قائلين للذين يثيرون الشر ضدنا من جهة الإمبراطور: "نحن نعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". نقدم الجزية لقيصر ولا ننكرها، وننتمي للكنيسة التي لا تخص قيصر، فإن هيكل الله لا يمكن أن يكون من حق قيصر.]

عاد ليؤكد مرة أخري أنه لا وجه للمقارنة بين الضرر الذي أصابنا من الخطية مهما بلغ بالنسبة للخير الذي ننعم به خلال برّ المسيح ونعمته، إذ يقول: "لأنه إن كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد، فبالأولي كثيرًا الذين ينالون فيض النعمة، وعطية البرّ سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح" [17].


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 5 جـ5 PDF Print Email
يشرح القديس يوحنا الذهبي الفم هذه العبارة موضحًا أن الرسول لم يقل هنا "النعمة" بل "فيض النعمة"، لأننا لم ننل بنعمته زوال الخطية فحسب وإنما نلنا ما هو أكثر:

أ . نلنا التحرر من العقاب.

ب . التحرر من الشر.

ج . الميلاد الجديد من فوق (يو 3: 3).

د. القيامة أو الحياة المقامة.

وهبنا الخلاص والتبني والتقديس، فصرنا إخوة للابن الوحيد الجنس، وشركاءه في الميراث، وحُسبنا جسدًا له وهو الرأس، وهكذا اتحدنا به.

هذا كله دعي الرسول بولس أن يقول: " فيض النعمة" مظهرًا إن ما نلناه ليس مجرد دواء لتضميد الجراحات وإنما للتمتع بالصحة والسلامة والكمال والكرامة والمجد، الأمور التي تفوق طبيعتنا. كل عطية من هذه كفيلة أن تنزع عنا الموت، أما كونه يهبنا هذا كله، فهذا يعنى أنه لم يعد للموت أدنى أثر أو ظل.

يقول القديس الذهبي الفم أننا في هذا نشبه إنسانًا مدينًا بعشر وزنات وإذ لم يكن له ما يوفي الدين سجن هو وزوجته وأولاده، فجاء آخر لا ليسدد الدين فحسب، وإنما ليهبه عشرة آلاف وزنة ذهبية، ويقوده من السجن إلي العرش، ويهبه سلطانًا عظيمًا، ويجعله شريكًا معه في الأمجاد العلوية وكل عظمة، حتى لم يعد بعد يذكر موضوع الدين. هكذا يدفع لنا السيد أكثر مما علينا، نعم قدر ما يتسع محيط بلا حدود مُقارنًا بحفرة صغيرة.

لقد غطت هبات الله علي موضوع الخطية والموت، فصار يشغلنا عظم فيض نعمته الخاصة بالحياة الأبدية.

يحدثنا القديس جيروم علي بركات فيض نعمة المسيح أو عمل إنجيله الذي يهدم موت الخطية، قائلاً: [أما تحت المسيح ـ أي تحت إنجيله ـ ففُتح لنا باب الفردوس وصار الموت مصحوبًا بالفرح لا بالغم.]

قدم لنا الرسول مقارنة بين أثر الخطية وأثر النعمة الإلهية لنجد أنفسنا وقد قدم لنا السيد المسيح فيض نعمته فلا نعود نخاف الخطية، ولا نرهب الموت كأثرٍ لها، بل ننشغل بالأمجاد التي أعدتها لنا نعمته الفائقة. عاد ليقارن بين الناموس والنعمة، قائلاً: "وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية، ولكن حيث كثرت الخطية إزدادت النعمة جدًا، حتى كما ملكت الخطية في الموت هكذا تملك النعمة بالبر للحياة الأبدية بيسوع المسيح ربنا" [20- 21].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأن الناموس قد أُعطى بحق لكي ينقص العصيان ويتدمر لكن النتيجة جاءت عكسية، لا بسبب طبيعة الناموس وإنما بسبب إهمال الذين قبلوه. جاء يكشف المعصية ويدين العصاة متهمًا إياهم بالأكثر. لكننا لا نخاف، لأن الناموس لم يُوضع لكي تزداد عقوبتنا، وإنما لكي نتقبل النعمة التي ازدادت جدًا، إذ لم تقدم لنا إعفاءً من العقاب فحسب وإنما وهبتنا الحياة. صرنا أشبه بإنسان كان محمومًا فلم يُشف من مرضه فحسب، وإنما نال جمالاً وقوة وكرامة، كما نشبه إنسانًا جائعًا لم ينل غذاء ليقوته فحسب، وإنما تمتع بغنى عظيم وسلطان.

ربما يتساءل البعض: كيف كثرت الخطية بالناموس؟ لأنه قدم وصايا كثيرة بلا حصر وقد عُصيت، فازداد العصيان.

كشف الناموس أيضا أصل الموت والحياة، إذ أظهر أن الخطية تسلحت بالموت لتبيد البرّ، لكن النعمة حطمت سلاح الموت، ووهبتنا البرّ علي مستوي الحياة الأبدية الخالدة.

يقدم لنا القديس أغسطينوس تفسيرًا لازدياد الخطية بالناموس، إذ يقول:

[جاء الناموس لكي تكثر المعصية، لأن المنع جعل الشهوة تزداد، وصيرها عنيفة (رو 7: 7). وهكذا صارت المعصية التي لم تكن بدون الناموس رغم وجود الخطية (حتى قبل الناموس) "إذ حيث ليس ناموس ليس أيضا تعدٍ" (رو 5: 20). وهكذا زادت قوة الخطية، وذلك بالناموس، مع عدم مساعدة النعمة، والمنع من الخطية، لذلك يقول الرسول "وقوة الخطية هي الناموس" (1 كو 15: 56).

إذن لا عجب إن كان ضعف الإنسان يجعل من الناموس الصالح ما يزيد من الشر، مع أنه قد عهد إليه به لينفذ الناموس.

حقا إذ هم جاهلون ببرّ الله (رو 10: 3) الذي يهبه للضعفاء، ويريدون أن يقيموا برّهم الذاتي، الأمر الذي يتجنبه الضعفاء، صاروا غير خاضعين لبرّ الله وفاسدين ومتكبرين. لكن الناموس كمعلمٍ يقود الذين صاروا مجرمين إلي النعمة، طالبين "الطبيب" لأن بهم جراحات خطيرة، فيعطيهم الرب عذوبة في عمل الخير عوض لذة الشهوة المهلكة، حتى تكون لهم بالعفة بهجة أعظم، وتعطى أرضهم ثمرها (مز 135: 12) الذي منه يقتات الجندي (الروح) الذي يهزم الخطية بمساعدة الرب.]

1 فاذ قد تبررنا بالايمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح
2 الذي به ايضا قد صار لنا الدخول بالايمان الى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون و نفتخر على رجاء مجد الله
3 و ليس ذلك فقط بل نفتخر ايضا في الضيقات عالمين ان الضيق ينشئ صبرا
4 و الصبر تزكية و التزكية رجاء
5 و الرجاء لا يخزي لان محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا
6 لان المسيح اذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لاجل الفجار
7 فانه بالجهد يموت احد لاجل بار ربما لاجل الصالح يجسر احد ايضا ان يموت
8 و لكن الله بين محبته لنا لانه و نحن بعد خطاة مات المسيح لاجلنا
9 فبالاولى كثيرا و نحن متبررون الان بدمه نخلص به من الغضب
10 لانه ان كنا و نحن اعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه فبالاولى كثيرا و نحن مصالحون نخلص بحياته
11 و ليس ذلك فقط بل نفتخر ايضا بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الان المصالحة
12 من اجل ذلك كانما بانسان واحد دخلت الخطية الى العالم و بالخطية الموت و هكذا اجتاز الموت الى جميع الناس اذ اخطا الجميع
13 فانه حتى الناموس كانت الخطية في العالم على ان الخطية لا تحسب ان لم يكن ناموس
14 لكن قد ملك الموت من ادم الى موسى و ذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي ادم الذي هو مثال الاتي
15 و لكن ليس كالخطية هكذا ايضا الهبة لانه ان كان بخطية واحد مات الكثيرون فبالاولى كثيرا نعمة الله و العطية بالنعمة التي بالانسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين
16 و ليس كما بواحد قد اخطا هكذا العطية لان الحكم من واحد للدينونة و اما الهبة فمن جرى خطايا كثيرة للتبرير
17 لانه ان كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد فبالاولى كثيرا الذين ينالون فيض النعمة و عطية البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح
18 فاذا كما بخطية واحدة صار الحكم الى جميع الناس للدينونة هكذا ببر واحد صارت الهبة الى جميع الناس لتبرير الحياة
19 لانه كما بمعصية الانسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا ايضا باطاعة الواحد سيجعل الكثيرون ابرارا
20 و اما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية و لكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدا
21 حتى كما ملكت الخطية في الموت هكذا تملك النعمة بالبر للحياة الابدية بيسوع المسيح ربنا


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 6 جـ1 PDF Print Email

بنوّة المؤمنين لله


فنّد الرسول بولس حجة اليهود من جهة بنوّتهم لإبراهيم الحرّ جسديًا، موضحًا أن إبراهيم قد تبرّر وهو في الغُرْلة بالإيمان، كما تبرّر بذات الإيمان وهو في الخِتان، لذا فهو أب أهل الغُرْلة كما هو أب أهل الخِتان، هو أب الجميع. فإن أردنا البنوّة لإبراهيم نلتزم أن نتبرّر معه بالإيمان. الآن يرفعنا الرسول من البنوّة لإبراهيم إلى البنوّة لله نفسه في مياه المعموديّة التي يتمتّع بها الأممي المتنصر كما اليهودي المتنصر، ليعيش الكل كأبناء الله في جدّة الحياة، يمارسون حياة المسيح المُقامة، مقدّمين أجسادهم آلات برّ لله، بعد أن كانت آلات إثم للخطية. هذا هو مفهوم الحرّية الجديد: ليس الانتساب جسديًا لإبراهيم، وإنما ممارسة الحياة المقدّسة بالنعمة الإلهية بروح البنوّة.

1. الحياة الجديدة بالمعموديّة 1-14.

2. الحرّية في المسيح يسوع 15-23.

1. الحياة الجديدة بالمعموديّة

سبق أن تحدث في الأصحاح السابق عن فيض نعمة الله المجّانية التي لا تقف عند غسلنا من الخطيّة ومحو آثارها، أي الموت، إنما تفيض فينا بغنى عطايا إلهية بلا حصر. إذ تهبنا برّ الله، وتقدّم لنا الحياة أبديًا بشركة أمجاد إلهية وميراث سماوي فائق. بهذا أكدّ الرسول ليس فقط تفَّوق آثار النعمة على أثر الخطيّة، وإنما أكدّ التزامنا ونحن نتمسك بالنعمة أن نحيا كما يليق بمن نالها، مقدّسين في الرب. هذا ما عاد ليؤكّده بأكثر وضوح في هذا الأصحاح مبرزًا بنوّتنا لله التي ننالها خلال نعمة المعموديّة، إذ يقول:

"فماذا نقول؟ أنبقى في الخطيّة لكي تكثر النعمة؟ حاشا! نحن الذين مُتنا عن الخطيّة، كيف نعيش بعد فيها؟ أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته؟ فدفنا معه بالمعموديّة للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضًا بجدة الحياة" [1-4].

إن كان الله بكثرة رحمته أفاض بنعمته علينا لينزع عنّا كل أثر للخطية، فتمجّد فينا نحن الخطاة، هذا لا يدفعنا للاستهتار بالخطيّة أو التهاون في الجهاد ضدّها، إنما يليق بنا أن نتركها سالكين كما يليق بنا كأولاد لله، نلنا بنعمته البنوّة له. هكذا يضع الرسول بولس "المعموديّة" أمامنا لندرك مركزنا الجديد خلال النعمة فنحيا في جدة الحياة كأولاد لله.

هذا هو عمل الكنيسة تجاه المؤمنين، كأم نحو أولادها، تأكيد نعمة الله المجّانية كباعثٍ حقيقي للجهاد بلا انقطاع، وتذكير الكل بمركزهم الجديد خلال مياه المعموديّة، ليعيشوا كل زمان غربتهم سالكين بقوّة القيامة كأولاد لله، في جهادٍ غير منقطعٍ.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن المعموديّة قد أماتت الخطيّة فينا، ولكي تظلّ الخطيّة ميّتة يليق بنا أن نجاهد بلا انقطاع، فلا نُطيع الخطيّة بالمرّة، بل نقف أمامها جامدين كالموتى.

- ماذا يعني"اعتمدنا لموته"؟ يقصد موتنا نحن كما مات هو. فالمعموديّة هي الصليب، وما كان الصليب والدفن بالنسبة للمسيح تكون المعموديّة بالنسبة لنا، ولو أن التطابق ليس تمامًا. لأنه هو مات ودُفن بالجسد، أمّا نحن فنمارس الاثنين (الموت والدفن) بالنسبة للخطية.

لم يقل "متّحدين معه بموته" وإنما قال "بشبه موته" [5]، فإن هذا وذاك هما موت، لكن موضوع الموت مختلف، المسيح مات بالجسد، أمّا نحن فنموت عن الخطيّة التي من عندياتنا.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

- واضح أن من يعتمد يُصلب فيه ابن الله، فإن جسدنا لا يقدر أن يطرد الخطيّة ما لم يصلب مع يسوع المسيح.

القدّيس أمبروسيوس

- لندفن مع المسيح بالمعموديّة لنقوم معه!

لننزل معه لكي نرتفع أيضًا معه!

لنصعد معه، فنتمجّد أيضًا معه!

القدّيس غريغوريوس النزينزي

- الآن إن كنّا نتمثل بموته، فالخطيّة التي فينا تكون بالتأكيد جثمانًا ميتًا، تُجرح برمح المعموديّة كما ضرب فينحاس الغيور الزاني بالرمح (عد 25: 6-15).

القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص

ويلاحظ في حديثه عن تمتّعنا بالحياة الجديدة في مياه المعموديّة الآتي:

أولاً: يربط الرسول بين الصلب والدفن والقيامة، أو بين الموت مع السيد المسيح والحياة معه بقوّة قيامته. فإن كانت المعموديّة هي دفن، فهي في نفس الوقت قيامة، بهذا نفهم طريق المسيح كطريق كرْب، وفي نفس الوقت طريق مُبهج، لأنه طريق الألم مع المسيح والقيامة معه. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن تمتّعنا بقيامته ليس أمرًا مستقبليًا فحسب، إنما هي حياة حاضرة نعيشها في حياتنا اليومية.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ يلمح هنا عن التزامنا بالسلوك المدقق يُشير إلى موضوع القيامة... فإنه يقصد بكلماته هكذا: أتؤمن أن المسيح مات وقام؟ آمن بهذا من جهة نفسك، فالقيامة كالصلب والدفن هي خاصة بك. إن كنت تشترك في الموت والدفن فبالأولي أن تشترك في القيامة والحياة. إن كانت الخطيّة، الأمر الأصعب، قد أُزيلت فبلا شك يُنزع الموت الأمر الأقل (فتنال القيامة) الآن. إذ يقدّم لنا القيامة فإنه يسألنا أمرًا آخر هو تغيير (تجديد) عاداتنا هنا (بكونها قيامة عاملة فينا). فعندما يصير الزاني عفيفًا والطماع رحيمًا والعنيف مطيعًا، بهذا تكون القيامة عاملة هنا كعربون للقيامة الأخرى. كيف يُحسب هذا قيامة؟ لأن الخطيّة تموت والبرّ يقوم، الإنسان القديم ينتهي، والجديد الملائكي يعيش.]

يكمل القدّيس يوحنا الذهبي الفم حديثه عن الموت مع المسيح والقيامة معه في جرن المعموديّة، مبرزًا دورنا الإيجابي في "الإماتة". فإن كان السيد المسيح يهبنا أن نموت معه في المعموديّة، إنما ليقدّم لنا إمكانية السلوك والجهاد كل أيام غربتنا بلا توقف، حتى لا نفقد نعمة المعموديّة أو ثمرها فينا، أي حتى لا نفقد تمتّعنا بالموت مع المسيح. يقول القدّيس الذهبي الفم:

[يتحدّث الرسول عن نوعين من الإماتة والموت، الأولي هي عمل المسيح (فينا) في المعموديّة، والثاني نمارسه بشغف بعد المعموديّة؛ فدفن خطايانا السابقة هو هبة منه، لكن أن نبقى أمواتًا عن الخطيّة بعد المعموديّة، فيلزم أن يكون موضع شغفنا لنجد الله نفسه معينًا لنا. فإن سلطان المعموديّة لا يقف عند محو معاصينا السالفة، إنما تهبنا أمانًا من جهة المعاصي اللاحقة. بالنسبة للخطايا السابقة نساهم نحن بالإيمان لكي تُمحى، وهكذا أيضًا بالنسبة للخطايا اللاحقة يلزمك إظهار تغيير نيّتك مؤكدًا أنك لا تدنّس نفسك بعد. هذا هو ما يُشير به عليك الرسول بقوله: "إن كنّا قد اتحدنا (زرعنا) معه في شبه موته نصير أيضًا بقيامته" [5]. ألا تلاحظ كيف يستثير سامعه ليقوده إلى سيده محتملاً آلامًا كثيرة ليصير على شبهه؟ لهذا لم يقل: "اتّحدنا (زُرعنا) معه في موته" لئلاّ تعارضه بل قال: "في شبه موته". لأن جوهرنا لا يموت بل "إنسان الخطيّة" أي "الشرّ" هو الذي يموت.

"إن كنّا قد زرعنا معه"؛ فبإشارته للزرع هنا يلمح إلى الثمر الذي ينتج عنه، فكما أن جسد (المسيح) بدفنه في الأرض قدّم لنا ثمر الخلاص للعالم، هكذا نحن أيضًا إذ ندفن في المعموديّة نحمل ثمر البرّ والتقديس والتبنّي وبركات بلا حصر، كما نحمل بعد ذلك عطيّة القيامة.

نحن دفنا في المياه، أمّا هو ففي الأرض. نحن دُفنا عن الخطيّة، أمّا هو فمن جهة الجسد، لذلك لم يقل: "زُرعنا معه في موته" وإنما "في شبه موته"... لكنه لم يقل: "نصير أيضًا في شبه قيامته" بل "بقيامته" ذاتها.]

ثانيًا: غاية المعموديّة إننا إذ نُصلب مع السيد المسيح ننعم بالحياة المُقامة الجديدة، فنعيش هنا بفكر سماوي متمتعين بعربون الميراث الأبدي.

- الغنوسي (صاحب المعرفة الروحيّة الحقيقية) لن يضع غايته الرئيسية في الحياة (الزمنيّة) إنما يبقي على الدوام سعيدًا ومطوّبًا وصديقًا ملوكيًا لله.

القدّيس إكليمنضس السكندري

- يتقبل المعمدون الميراث، هؤلاء الذين يعتمدون بموت المسيح ويدفنون معه ليقوموا معه. لذا فهم ورثة الله ووارثون مع المسيح (رو 8: 17)، ورثة الله لأن نعمة المسيح توهب لهم؛ وورثة مع المسيح، لأنهم يتجدّدون بحياته، وهم أيضًا ورثة المسيح إذ وهبهم الميراث بموته، كما لو كانوا ورثة للموصي.

القدّيس أمبروسيوس


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 6 جـ2 PDF Print Email
ثالثًا: إذ أراد الرسول تأكيد حقيقة القيامة لم يقل "نصير أيضًا بشبه قيامته" بل "بقيامته" عينها، قدّم لنا عربون هذه القيامة المقبلة خلال حياتنا الزمنيّة، قائلاً: "عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه، ليبطل جسد الخطيّة، كي لا نعود نُستعبد أيضًا للخطية، لأن الذي مات قد تبرّأ من الخطيّة، فإن كنّا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضًا معه" [6-8]. لنمت هنا عن الخطيّة فنحيا للبرّ. هذه هي القيامة الأولى التي يدعوها الرسول "جدّة الحياة" [4]، عربون القيامة الأخيرة.

"جسد الخطيّة": الذي يبطل هو شرور الإنسان وآثامه التي عاشت فيه فمات روحيًا. بالمعموديّة يموت الإنسان القديم بهذا الجسد، أي "الآثام"، ليُمارس قوّة القيامة كحياة جديدة، بفكرٍ جديدٍ وتسبحةٍ جديدة.

يقول القدّيس جيروم: [حتى التسبحة التي نتغنًى بها جديدة (رؤ 14: 3) إذ نخلع الإنسان القديم (أف 4: 22)، فلا نسير في عتق الحرف بل في جدة الروح (رو 7: 6)... أنه لا يسعفني الوقت لأحاول تقديم كل عبارات الكتب المقدّسة الخاصة بفاعلية المعموديّة شارحًا لك التعاليم السرية الخاصة بهذا الميلاد الجديد الذي هو ميلاد ثانِ لكنه يُحسب الأول في المسيح.]

حاول كثير من الآباء تأكيد أن الذي يموت في المعموديّة ليس "الجسد" إنما "جسد الخطيّة"، مظهرين خطأ بعض الأفكار الغنوسية التي تنظر إلى الجسد (الجسم) كعنصر ظلمة يجب الخلاص منه ومقاومته. فإننا نؤمن بأن الله لم يخلق فينا عنصر ظلمة، ولا شرًا، وأن الجسد بأحاسيسه وعواطفه وقدراته هو من صنع الله الصالح. إنما نحن أفسدناه بانحراف الأحاسيس والعواطف عن غايتها وانحراف الحب إلى الشهوة والدنس. وكما يقول العلامة ترتليان في مقاله عن "قيامة الجسد": [الجسد ليس مضادًا للخلاص بل أعمال الجسد (المنحرفة). عندما تُنزع عنه هذه الأعمال المسببة للموت يظهر الجسد في آمان ويتحرّر من كل علّة الموت.] ويكمل حديثه بإفاضة مؤكدًا أن الذي يصلب مع المسيح ليس هيكل الجسد ولا كيانه الذاتي، إنما سلوكه الأخلاقي (أو الطبيعة الفاسدة) وأحاسيس الخطيّة التي طرأت عليه، مدلّلا على ذلك بأن الرسول لم يقل: "كي لا نعود نستعبد أيضًا للجسد" بل قال: "للخطية" [6]. وأيضًا لم يقل: "احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الجسد" وإنما قال: "عن الخطيّة" [11]. وقد سبق لي معالجة هذا الموضوع في مقدّمة كتاب "العفة" للقديس أغسطينوس الذي سبق لي ترجمته ونشره.

رابعًا: إن كنّا نقبل أن نبقي في حالة "موت عن الخطيّة" فما هي المكافأة؟ "فإن كنّا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضًا معه" [8]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه إذ يطلب الرسول منّا أن نقوم بهذا الدور البطولي أن نموت عن الخطيّة، فنصير بالنسبة لها كمن هو مُلقي جامدًا بلا حراك، فلا نشوّه عطيّة الله التي وُهبت لنا في المعموديّة يقدّم لنا الأكاليل: "الحياة مع المسيح"، قائلاً "سنحيا أيضًا معه". [حقًا حتى قبل نوالنا الإكليل، فإن الشرّكة مع سيدنا هي في ذاتها أعظم إكليل.]

خامسًا: لئلاّ يستثقل المؤمن هذا الطريق: "الموت مع المسيح"، خاصة وأنه يطالبنا به كل أيام غربتنا بعد تمتّعنا بالدفن معه في المعموديّة، أوضح الرسول جانبين: الأول أن هذا الموت هو "مع المسيح"، يرافقنا الطريق بكونه الحياة والقيامة، فلا يستطيع الموت أن يحطمنا، والثاني أن المسيح مات مرة واحدة عن خطايانا وقام، فلا يعود يموت ثانية، هكذا يهبنا قوّة القيامة والغلبة على الخطيّة. بهذا لا يكون موتنا عن الخطيّة حرمانًا أو خسارة، بل ممارسة لقوّة الغلبة والنصرة التي لنا بالمسيح غالب الخطيّة والموت. هذا هو ما قصده الرسول بقوله: "عالمين أن المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت أيضًا، لا يسود عليه الموت بعد، لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة، والحياة التي يحياها فيحياها لله، كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطيّة، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا" [9-11].

أكد الرسول أن السيد المسيح لم يمت عن ضعف خاص به، إنما "للخطية"، لكي يحطم خطايانا ويبدّد قوّتها، لهذا لم يعد لها سلطان علينا مادمنا في اتحاد معه. حقًا الخطيّة خاطئة جدًا وعنيفة، بسببها مات المسيح عنّا مرة واحدة، لكنه بموته هدم سلطانها، فلا نخاف من السير معه في هذا الطريق.

لقد مات المسيح مرة واحدة بلا تكرار، لأنه لم يمت عن ضعف بل عن قوّة الحب الباذل، لكي إذ لا يموت مرة أخرى يهبنا أن نشترك معه في موته وأن نشاركه قيامته التي لا يغلبها الموت.

- هذه هي نعمة الله، وهذه هي طرق الله في إصلاح بني البشر، فإنه تألم ليحرّر الذين يتألّمون فيه،

نزل لكي يرفعنا،

قبل أن يولد حتى نحب ذلك الذي هو ليس (بإنسان مولود عادي)،

نزل إلى حيث (الموت) ليهبنا عدم الموت،

صار ضعيفًا لأجلنا حتى ننال قوة...

أخيرًا صار إنسانًا حتى نقوم مرة أخرى نحن الذين نموت كبشر، ولا يعود يملك الموت علينا، إذ تعلن الكلمات الرسولية قائلة: "لا يسود علينا الموت بعد" [راجع 9، 14].

القدّيس البابا أثناسيوس الرسولي

لقد أكد الرسول أن المسيح مات مرة واحدة عن الخطيّة، لهذا ففي سرّ الإفخارستيا نقبل السيد المسيح الذي مات مرة على الصليب، فنقبل ذات عمل الصليب الذي لا يتكرّر، إنما هو ممتدّ في حياة الكنيسة كسرّ غلْبتها على الخطيّة والموت، ويبقى سرّ تسبيحها الذي لا ينقطع حتى في الأبدية.

مات السيد المسيح مرة واحدة عن الخطيّة، مقدمًا ذبيحة الحب باسمنا، هذه التي يشتهي أن يقدّمها في حياة شعبه وخدامه. يروي لنا القدّيس أمبروسيوس قصة لقاء السيد المسيح مع القدّيس بطرس عند أبواب روما وهو خارج تحت ضغط المؤمنين ليهرب من الاستشهاد، فرأى السيد حاملاً صليبه، فعرف أنه يريد أن يُصلب في شخص خادمه، لهذا عاد إلى روما، وقدم نفسه للموت من أجل المسيح، وتمجّد ربنا يسوع بصلبه.

سادسًا: إن كان المسيح قد مات "للخطية" كي لا يكون لها سلطان علينا، فإنه لا يليق بنا إلا أن نسلِّم القلب عرشًا له، بعد أن ملَكت عليه الخطيّة زمانًا. لنمت عن الخطيّة، فلا تملك علينا بعد. ولنحيا لله بالمسيح يسوع ربنا الذي يملك فينا، ويقيم مملكته داخل قلوبنا، مقدّمين كل أعضاء جسدنا وطاقاتنا وعواطفنا لحساب ملكوته، كآلات برّ لله بعد أن كانت خاضعة للشهوات كآلات إثم للخطية.

هذا ما عناه الرسول بولس بقوله: "كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطيّة ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا. إذن لا تملكنّ الخطيّة في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته، ولا تقدّموا أعضائكم آلات إثم للخطية، بل قدّموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات، وأعضاءكم آلات برّ لله، فإن الخطيّة لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" [11-14].

يوضّح الرسول أن المسيح يسوع ربنا هو الذي يهبنا الموت عن الخطيّة والحياة للآب كأبناء له؛ وهو الذي يحطم الشهوة الشرّيرة لا الجسد ذاته، محوِّلاً أعضاء الجسد من آلات إثم للخطية إلى آلات برّ لله، لهذا وجب أن يملك هو فينا لا الخطيّة.

يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في قول الرسول "لا تملكن الخطيّة" إعلانًا عن استعباد الخطيّة لإنسان، إذ تودّ أن تحكمه بالقوّة والقهر. لذا من يعود إليها بعدما تمتّع بنعمة المسيح يكون كمن قذف بالتاج من على رأسه ليحني رقبته لعبودية امرأة مجنونة مهلهلة الثياب وعنيفة. أمّا قوله "في جسدكم المائت" إنما لكي يوضّح الرسول أن الجهاد مؤقت وله نهاية مادام مرتبط بجسدنا الزمني.

فيما يلي بعض مقتطفات للآباء بخصوص ملكية المسيح فينا وملكية الخطيّة علينا:

- لا يجسر أحد أن يقول: "ملكي وإلهي" (مز 5: 1) إلا ذلك الذي لا تملك الخطيّة في جسده المائت...

أنت تملك فيّ، أمّا الخطيّة فلا تملك، لأنك أنت إلهي!

أنت هو إلهي، لأن بطني ليست إلهًا لي، ولا الذهب ولا الشهوة!

أنت هو الفضيلة، أودّ أن أقتنيك!

أنت هو إلهي، أنت هو فضيلتي!

القدّيس جيروم

- إنها كرامة عظيمة وشرف كبير أن يكون الإنسان عبدًا للرب لا للخطية.

- "قلب الملك في يدّ الرب" (أم 21: 1). لنكن ملوكًا فنحكم جسدنا (من الخطيّة) ونخضعه، فيكون قلبنا في يد الله.

القدّيس جيروم

- هذا هو عملنا الحالي مادامت حياتنا مستترة، ألا نملك الخطيّة أو شهوة الخطيّة في جسدنا المائت، فإننا إن كنّا نطيع شهوتها تملك علينا.

شهوة الخطيّة فينا، لكنّنا لا نسمح لها أن تملك علينا. ورغبتها موجودة، لكن يلزم ألا نطيعها حتى لا تسيطر علينا. فإذ لا نسمح للشهوة أن تغتصب أعضاءنا بل للعفة أن تطلبها كحق لها، بهذا تكون أعضاؤنا آلات برّ لله وليست آلات إثم للخطية. بهذا لا تسودنا الخطيّة، لأننا لسنا تحت الناموس الذي يأمر بما هو للخير دون أن يهبه، بل تحت النعمة التي تحببنا بما يأمر به الناموس، وهي قادرة على السيطرة على (الإرادة).

- مادامت الخطيّة بالضرورة موجودة في أعضائك فلا تجعل لها سلطان عليك لتملك، وإنما على الأقل اطردها ولا تطع متطلباتها.

هل يثور فيك الغضب؟ لا تُخضِع له لسانك بالنطق بكلمة شريرة، ولا تُخضع له يدك أو قدمك كأن تضرب بهما. ما كان يمكن للغضب غير المتعقل أن يثور فيك لو لم توجد الخطيّة في أعضائك، ولكن اُطرد قوّتها الحاكمة، فلا يكون لها أسلحة لمحاربتك، عندئذ تتعلم هي ألا تثور فيك إذ تجد نفسها بلا أسلحة...

هكذا يليق بكل أحد أن يجاهد إذ يبغي الكمال، حتى إذ تجد الشهوة نفسها بلا استجابة من الأعضاء تقل يومًا فيومًا خلال رحلتها.

القدّيس أغسطينوس


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 6 جـ3 PDF Print Email

- "إذن لا تملكن الخطيّة في جسدكم المائت" [12]... لم يقل: "لا تدعها توجد هناك" لأنها هي موجودة فعلاً.

- ما دمت تحمل جسدًا قابلاً للموت تحاربك الخطيّة؛ لكن ليتك لا تجعلها تملك... أي اقطع رغباتها. فإن بدأتَ تطيعها تملك عليك.

ماذا يعني "تطيع"؟ تخضع أعضاؤك كآلات إثم للخطية.

القدّيس أغسطينوس


سابعًا:
مرة أخرى يؤكّد الرسول أن الدعوة للموت مع المسيح لا تعني تحطيم كيان الجسد بل تقديسه، فقد رأينا في الحديث عن المعموديّة أن الإنسان العتيق الذي يُصلب [6] إنما يبطِل جسد الخطيّة لا أعضاء الجسد في ذاتها، والآن إذ يتحدّث عن الجهاد بعد المعموديّة خلال إمكانيات المعموديّة أو خلال "عمل النعمة" فينا يؤكّد أن الدعوة للموت مع المسيح ليست دعوة سلبيّة للخسارة والتبديد، وإنما دعوة إيجابيّة للربح. فالموت هنا هو ربح، إذ فيه تمتّع بالمعيّة مع المسيح المصلوب القائم من الأموات، القادر لا على تحطيم أعضاء الجسم كآلات إثم للخطية وإنما بالأحرى يقيمها آلات برّ لله، واهبًا إيّاها تقديسًا من عنده.

يقول الرسول: "ولا تقدّموا أعضاءكم آلات إثم للخطية، بل قدّموا ذواتكم للَّه كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات برّ لله" [13].

والعجيب قبل أن يطالبنا بتقديم أعضاءنا آلات برّ لله يطالبنا بتقديم "ذواتنا لله كأحياء من الأموات"، بمعنى أنه لن تتقدّس أعضاؤنا الجسديّة ما لم يتقدّس كياننا ككل، ونقبل القيامة عاملة في نفوسنا كما في فكرنا وجسدنا الخ...

- الأعضاء عينها التي اعتدنا أن نخدم بها الخطيّة ونجلب بها ثمرة الموت يريدنا الله أن نستخدمها للطاعة للبرّ فنثمر للحياة.

القدّيس إيريناؤس

يرى القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص أنه إذ يتقدّس الإنسان في كُلّيته، خاصة النفس، تتحوّل الأعضاء الجسديّة من آلات إثم إلى آلات برّ لمجد الله. فتكون النفس كالمرأة التي وجدت الدرهم المفقود (لو 15)، فدعت جيرانها ليفرحوا معها ويشاركونها بهجتها بالدرهم. هكذا أعضاؤنا أشبه بالجيران، ندعوها لتمارس فرحنا بخلاص الرب عمليًا!

ثامنًا:
يختم الرسول بولس حديثه عن عمل المعموديّة الملتحم بالجهاد الروحي، قائلاً: "فإن الخطيّة لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" [14]، مؤكدًا الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا خلال النعمة، التي تعمل فينا في مياه المعموديّة كما في جهادنا اليومي، الإمكانيات الواهبة للغلبة والنصرة.

2. الحرّية في المسيح يسوع

إذ ركّز الرسول بولس أنظارنا نحو المعموديّة كأبناء لله، نمارس هذه البنوّة خلال موتنا مع المسيح وحياتنا معه كل أيام غربتنا، أراد أن يصحّح مفهومًا خاطئًا استقر في ذهن اليهود، ألا وهو أنهم أحرار لمجرد انتسابهم لإبراهيم جسديًا، الأمر الذي وضح في حوارهم مع السيد المسيح حين أعلن لهم: "أنكم إن ثبتّم في كلامي، فبالحقيقة تكونون تلاميذي، وتعرفون الحق، والحق يحرركم" (يو 8: 31-32)، "أجابوه: إننا ذُرّية إبراهيم ولم نُستعبد لأحد قط، كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحرارًا؟ أجابهم يسوع: الحق الحق أقول لكم أن كل من يعمل الخطيّة هو عبد للخطية، والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أمّا الابن فيبقى إلى الأبد، فإن حرّركم الابن، فبالحقيقة تكونون أحرارًا" (يو 8: 33-36).

يلاحظ في حديث الرسول بولس هنا عن الحرّية التي صارت لنا في المسيح يسوع الآتي:

أولاً: يستخدم الرسول أسلوب التشجيع، إذ يقول: "فشكرًا للَّه أنكم كنتم عبيدًا للخطية، ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلّمتموها، وإذ أُعتقتم من الخطيّة صرتم عبيدًا للبرّ" [17-18]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه يعود فيُدخل الثقة في نفوسهم بعد أن أزعجهم بالخزي وأرعبهم بالعقاب، مظهرًا لهم أنهم بالفعل نالوا الحرّية من شرورٍ كثيرة بفضل النعمة الإلهية، لذا وجب عليهم تقديم الشكر لله على هذه العطية. بمعني آخر، إن كان الرسول يدعونا للحرية، فإنه يدعونا لحياة نمارسها بالنعمة، يجب أن تزداد وتلتهب فينا.

ثانيًا: بقوله "أطعتم من القلب" يُشير إلى أن الحرّية التي نمارسها لا تتحقق عن اضطرار، إنما تُمارس خلال الحب "من القلب" بكمال إرادتنا. فالحرّية في المسيح هي عبودية للبرّ [18] لكنها عبودية الحب الاختياري وليس عبودية العنف الإلزامي؛ عبودية النضوج والالتزام بلا استهتار أو تسيّب!

- لا يقل المسيحي أنني حرّ، أفعل ما يحلو لي، ليس لأحد أن يكبح إرادتي مادمت حرًا. إن كنت بهذه الحرّية ترتكب خطيّة فأنت عبد للخطية.

لا تفسد حريتك بالتحرّر للخطية، إنما لاستخدامها في عدم ارتكاب الخطيّة. "فإنكم إنما دُعيتم للحرّية أيها الإخوة، غير أنه لا تُصيِّروا الحرّية فرصة للجسد بل بالمحبّة اخدموا بعضكم بعضًا" (غل 5: 12) .

القدّيس أغسطينوس

ثالثًا: ما هي صورة التعليم التي تسلّمناها لنطيعها من القلب؟ "إذ أعتقتم من الخطيّة صرتم عبيدًا للبرّ"... أي خروج بالنعمة من حالة العبوديّة القاسية التي أذلتنا بها الخطيّة إلى حالة عبودية للبرّ يبتهج بها قلبنا بالحب الداخلي.

رابعًا : يقول الرسول: "أتكلم إنسانيًا من أجل ضعف جسدكم" [19]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يتكلّم معهم بكونه إنسانًا، يشاركهم ذات العمل، فهو لا يتحدّث متعاليًا عن أمر عسير صارم، إنما يوصيهم كإنسان يحمل معهم ذات طبيعتهم، وله خبرة عمليّة أنه كان قبلاً يستخدم أعضاءه لخدمة الإثم وقد تحررت، فصارت أعضاؤه متعبدة للبرّ.

خامسًا: يقارن الرسول بين العبوديّة للإثم والعبوديّة للبرّ، فيرى الأولي قاسية ومخزية، إذ يقول "تستحون منها" [21] ونهايتها الموت [21]، أمّا الثانية فعلى العكس تهب تقديسًا ونهايتها حياة أبدية [21]. فإن كانت الأولي تثمر عارًا وموتًا، فالثانية تثمر قداسة وحياة أبدية. ويرى الأب موسى أن الثمر الثاني يحمل مستويين: الهدف النهائي وهو الحياة الأبدية، وأمّا الهدف الحالي فهو "القداسة" التي هي "نقاوة القلب" والتي بدونها لن ننعم بالحياة الأبدية. وكأن العبوديّة للبرّ تسندنا في زماننا الحاضر بثمرها الذي للبرّ حيث تهب القلب نقاوة، فيقدر على معاينة الله، وتدخل بنا إلى العالم الأبدي، إذ تهبنا "الحياة الأبدية".

سادسًا: إذ يتحدّث الرسول بولس هنا عن "الحياة الأبدية" [24] كعطيّة مجّانية للنعمة، يتساءل القدّيس أغسطينوس: كيف يمكن أن تكون "الحياة الأبدية" جزاءً لأعمال صالحة (مت 16: 27) وفي نفس الوقت عطيّة مجّانية للنعمة؟ وقد جاءت إجابته بإسهاب في كتابه عن "النعمة والإرادة الحرة"، نقتطف منها الآتي:

[يبدو لي أن هذا السؤال لا يمكن حلّه مطلقًا ما لم نفهم أنه حتى الأعمال الصالحة التي نجازى عنها بالحياة الأبدية هي من عمل نعمة الله، لأنه عن ماذا قال الرب يسوع: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا"؟ (يو 15: 5)

والرسول نفسه بعدما قال: "لأنكم بالنعمة مخلَّصون بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطيّة الله، ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد" (أف 2: 8-10) رأي بالطبع أن البشر يمكنهم أن يفهموا من هذه العبارة أن الأعمال الصالحة ليست هامة للمؤمنين، إنما يكفيهم الإيمان وحده، وفي نفس الوقت يرى أولئك المفتخرون بأعمالهم كما لو أنهم قادرون وحدهم على تنفيذها، لهذا وفّق بين هذه الآراء بعضها البعض... مكملاً: "لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيه"...

اسمع الآن وافهم إن عبارة: "ليس من أعمال" قيلت عن الأعمال التي تظن أن مصدرها هو أنت وحدك. لكن لتفتكر في الأعمال التي يشكِّلها الله فيك. عن هذه يقول: "نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع" "لأعمال صالحة قد سبق فأعدها الله لكي تسلك فيها"...

علي أي الأحوال تُعطى الحياة الأبدية هكذا، كجزاء لأعمال صالحة، لأن الله يعمل أعمالاً صالحة في أناس صالحين، قيل عنهم: "الله هو العامل فيكم أن ترّيدوا وأن تعملوا من أجل مسرّته"، حتى أن المزمور المطروح أمامنا يقول: "الذي يكلّلك بالرحمة والرأفة" (مز 103: 4)، إذ من خلال رحمته تنفذ الأعمال الصالحة التي بها تنال الأكاليل.]

1 فماذا نقول انبقى في الخطية لكي تكثر النعمة
2 حاشا نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها
3 ام تجهلون اننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته
4 فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما اقيم المسيح من الاموات بمجد الاب هكذا نسلك نحن ايضا في جدة الحياة
5 لانه ان كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير ايضا بقيامته
6 عالمين هذا ان انساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نستعبد ايضا للخطية
7 لان الذي مات قد تبرا من الخطية
8 فان كنا قد متنا مع المسيح نؤمن اننا سنحيا ايضا معه
9 عالمين ان المسيح بعدما اقيم من الاموات لا يموت ايضا لا يسود عليه الموت بعد
10 لان الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة و الحياة التي يحياها فيحياها لله
11 كذلك انتم ايضا احسبوا انفسكم امواتا عن الخطية و لكن احياء لله بالمسيح يسوع ربنا
12 اذا لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته
13 و لا تقدموا اعضاءكم الات اثم للخطية بل قدموا ذواتكم لله كاحياء من الاموات و اعضاءكم الات بر لله
14 فان الخطية لن تسودكم لانكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة
15 فماذا اذا انخطئ لاننا لسنا تحت الناموس بل تحت النعمة حاشا
16 الستم تعلمون ان الذي تقدمون ذواتكم له عبيدا للطاعة انتم عبيد للذي تطيعونه اما للخطية للموت او للطاعة للبر
17 فشكرا لله انكم كنتم عبيدا للخطية و لكنكم اطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها
18 و اذ اعتقتم من الخطية صرتم عبيدا للبر
19 اتكلم انسانيا من اجل ضعف جسدكم لانه كما قدمتم اعضاءكم عبيدا للنجاسة و الاثم للاثم هكذا الان قدموا اعضاءكم عبيدا للبر للقداسة
20 لانكم لما كنتم عبيد الخطية كنتم احرارا من البر
21 فاي ثمر كان لكم حينئذ من الامور التي تستحون بها الان لان نهاية تلك الامور هي الموت
22 و اما الان اذ اعتقتم من الخطية و صرتم عبيدا لله فلكم ثمركم للقداسة و النهاية حياة ابدية
23 لان اجرة الخطية هي موت و اما هبة الله فهي حياة ابدية بالمسيح يسوع ربنا




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 7 جـ1 PDF Print Email

الناموس فاضح الخطيّة


بعد تفنيده للحُجَّة الأولي لليهود الخاصة ببنوّتهم لإبراهيم الحرّ رافعًا إياهم إلى البنوّة للتمتع بالحريّة الحقيقية، أخذ يفنّد الحُجّة الثانية الخاصة باستلامهم الناموس الموسوي دون سواهم، معلنًا أن الناموس يفضح الخطيّة ولا يعالجها، لذا فهو لا يُبرّر الخطاة، إنما يقودهم إلى المسيح لينعموا ببرّه.

1. الحاجة إلى التحرّر من الناموس 1-6.

2. الناموس يفضح الخطية 7-13.

3. ناموس الله وناموس الخطيّة 14-25.

1. الحاجة إلى التحرّر من الناموس


الناموس الذي يفتخرون به يمثل رجلاً يحكم على امرأته الخاطئة بالموت؛ إنه يدينها! فالحاجة الآن إلى التحرّر من حكمه هذا بدخول آخر كرجل لها بعد أن يموت حكم الأول فتتحرر من سلطانه. بمعنى آخر، يلزم أن يتحرّر الإنسان من حكم حرفيّة الناموس ليتقبل العريس الآخر ربنا يسوع.

"أم تجهلون أيها الإخوة، لأني أكلم العارفين بالناموس، أن الناموس يسود على الإنسان ما دام حيًا. فإن المرأة التي تحت رجل هي مرتبطة بالناموس بالرجل الحيّ، ولكن إن مات الرجل فقد تحررت من ناموس الرجل، فإذا مادام الرجل حيًا تدعي زانية أن صارت لرجلٍ آخر، ولكن إن مات الرجل فهي حرة من الناموس، حتى أنها ليست زانية إن صارت لرجل آخر. إذًا يا إخوتي أنتم أيضًا قد متم للناموس بجسد المسيح، لكي تصيروا لآخر للذي قد أقيم من الأموات لنثمر لله" [1-4].

يلاحظ في هذا النص الرسولي:

أولاً: إذ كان الرسول بولس يعالج موضوع افتخار اليهود على الأمم بكونهم مستلمي الناموس، أراد وهو يحطّم كبرياءهم هذا ألاّ يهاجم الناموس ذاته، لأنه ناموس الله المقدس، إنما يهاجم مستخدميه. يظهر ذلك في دقة العبارات التي استخدمها الرسول هنا وهو يتحدّث عن الناموس، إذ نراه يكتب بحساسية شديدة:

أ. وهو يقدّم مثل المرأة المرتبطة برجل كمثال للأمة اليهوديّة المرتبطة بالناموس، يقول: "لأني أكلم العارفين بالناموس" [1]... كأنه في نفس المثال يتحدّث ناموسيًا، عن أمور واضحة يحكم فيها الناموس نفسه، أو بمعنى آخر يُعلن الرسول أنه يقبل حكم الناموس ذاته في هذا الأمر، أو يلتجئ إلى حكم الناموس لأنه عادل ومقدس.

ب. في مثل المرأة المرتبطة برجل اكتفى بذكر موت الرجل لتُحرّر المرأة من سلطانه، فلا تُحسب زانية إن تزوجت آخر. فالمرأة هنا تُشير إلى الكنيسة، سواء على مستوى الجماعة أو كل عضو فيها. فالمؤمن لا يقدر أن يرتبط بحرف الناموس وأعماله الرمّزية مع أعمال النعمة الإلهية، وإلا حُسب كامرأة اقترنت بعريسين.

هذا ويلاحظ دقّة تعبير الرسول بولس، فإذ يتحدّث عن اقتران الإنسان بالناموس لم يتعرض لموت الناموس نفسه كي يتحرّر الإنسان منه، بل في دقّة بالغة يقول: "قُدِّ متم للناموس"... وكأن الذي يموت هو الإنسان للناموس ليحيا للمسيح. قال هذا حتى لا يظن أحد أن الرسول يقاوم الناموس نفسه ويطلب الخلاص منه، إنما الحرّية من حكمه، ومن حرفيته القاتلة.

مرة أخري يقول: "أن الناموس يسود على الإنسان مادام حيًا" [1]، لكن إن مات الإنسان فلا يخضع لشرائع الناموس الحرفيّة وأعماله.

ثانيًا: في المثال الذي بين أيدينا يقدّم لنا الرسول امرأة ورجلين، فإن المرأة تبقى تحت ناموس الرجل الأول مادام حيًا، فإن مات تحرّرت من سلطانه لترتبط بالآخر، ولا تُحسب هذه الأرملة زانية. فإن كانت المرأة تمثل جماعة المؤمنين، والرجل الأول هو الناموس، والثاني هو السيد المسيح، فإن المؤمنين إذ يرتبطون بالناموس يخضعون لأعماله، ويسقطون تحت الحكم الصادر منه. لذا صارت الحاجة أن يتحرّر المؤمنون من هذا السلطان، أي حرفيّة أعماله، وإيفاء الحكم الصادر منه بموتنا، كي نرتبط بالثاني، أي السيد المسيح القائم من الأموات. وقد تحقّق هذا الموت للناموس والتحرّر منه خلال موت المسيح عنّا، إيفاءً للحكم الصادر ناموسيًا ضدّنا! بهذا لم يكسر المسيح الناموس بل أكمله، وحقّق غايته، بدخوله كعريسٍ للجماعة المقدّسة خلال موته بالصليب، لتعيش معه عروسًا متّحدة معه أبديًا بلا انفصال عنه.

إذن موتنا للناموس لحساب اتحادنا مع السيد المسيح لا يعني انهيارًا للناموس، إنما يعني تحقيق غايته بتقديمنا للرجل الآخر الذي أُقيم من الأموات لنقوم معه. أكَّد الرسول التزامنا بالزواج الثاني، قائلاً:

"إنكم لستم لأنفسكم" (1 كو 6: 19).

"قد أُشتريتم بثمن، فلا تصيروا عبيدًا للناس" (1 كو 7: 23).

"وهو مات لأجل الجميع، كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام" (2 كو 5: 15).

ثانيًا: أنجب هذا الزواج ثمرًا لحساب الله، إذ يقول: "لنثمر لله" [4]، على عكس الزواج السابق حين كان المؤمنون تحت سلطان الرجل الأول، أي تحت الناموس الموسوي، فإنهم لم يستطيعوا أن يُثمروا لله لا لسبب خاص بالناموس ذاته، وإنما بسبب طبيعة العصيان التي كانت لهم، لذا جاء الثمر هو: "حكم الناموس علينا بالموت".

يقارن الرسول بين الثمرين: ثمر الاتحاد بالرجل الأول المعلن حكمه علينا بسبب شر طبيعتنا وثمر الاتحاد بالثاني الذي يحررنا من الحكم الناموسي، مقدمًا لنا إمكانيات جديدة: "لنثمر لله، لأنه لما كنّا في الجسد كانت أهواء الخطايا التي بالناموس تعمل في أعضائنا لكي نُثمر للموت، وأمّا الآن فقد تحرّرنا من الناموس إذ مات الذي كنّا ممسكين فيه، حتى نعبد بجدّة الروح لا بعُتق الحرف" [4-6].

يقول القدّيس يوحنا ذهبي الفم: [ها أنتم ترون ما قد نلناه من الزوج السابق! إنه لم يقل: "لما كنّا في الناموس"، إذ في كل عبارة يحجم عن أن يعطي فرصة للهراطقة (باحتقار الناموس)، بل يقول "لما كنّا في الجسد"، أي كنّا في الأفعال الشرّيرة، في الحياة الجسدانيّة. ما يقوله لا يعني أنهم كانوا قبلاً في الجسد وأنهم الآن بدون أجسام، إنما يقصد بقوله هذا أنه ليس الناموس هو سبب الخطايا، وفي نفس الوقت لا يحرّر من خزيها، إذ قام بدور المتّهم القاسي بفضح خطاياهم، حيث أن الذين يرتبطون به أكثر لا يفكّرون في الطاعة نهائيا، الأمر الذي يكشف نهاية عصيانهم بصورة أقوى. هذا ما جعله لا يقول: "كانت أهواء الخطايا التي أنتجها الناموس" بل قال "كانت أهواء الخطايا التي بالناموس (خلاله)"... بمعنى أنه خلال الناموس صارت ظاهرة ومعلنة. كذلك لم يتّهم الجسد ذاته، إذ لم يقل: "الأهواء التي ارتكبتها الأعضاء"، وإنما التي "تعمل في أعضائنا"، ليظهر أن أصل الضرر جاء من موضع آخر، وهي الأفكار التي تعمل فينا، وليست الأعضاء التي تعمل الأهواء فيها. فإن النفس تقوم بدور اللاعب على القيثارة التي هي الجسد، فتلزمه بذلك. فالنغم غير المنسجم لا ينسب للأخير (القيثارة) بل للأول (النفس) أكثر من الأخير.]

هكذا وإن أعلن الرسول بولس الحاجة إلى التحرّر من الناموس، الرجل الأول، لكنه لا يُلقي باللوم على الناموس ولا أعضاء الجسم، إنما العيب هو في النفس التي تقود الأهواء فينا أكثر ممّا للجسد... وإن كان الأخير ملتزم بالمسئولية مع النفس لكنه ليس المسئول الأول.

إذ تحقّق الزواج الثاني يقول الرسول: "وأما الآن فقد تحرّرنا من الناموس" [6]، وقد جاءت الكلمة اليونانية للتحرير هنا بمعني أنه "لم يعد هناك أثر أو فاعلية".

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة بالقول:

[انظر كيف يستعبد هنا الناموس والجسد، إذ لم يقل أن الناموس صار بلا فاعلية، ولا الجسد بلا فاعلية، وإنما نحن صرنا بلا فاعلية (أي خلصنا). كيف خلصنا؟ بموت الإنسان القديم ودفنه، هذا الذي كان ممسكًا بالخطيّة، هذا ما يعنيه بقوله: "إذ مات الذي كنّا مُمسكين فيه". كأنه يقول بأن القيد الذي كنّا ممسكين به قد انكسر وتبدّد (مات)، حتى أن الخطيّة التي كنّا ممسكين بها لا تعود تمسك بنا. لكن لا ترجعوا إلى الوراء أو تهملوا، فقد تحرّرتم لتصيروا عبيدًا لكن ليس بذات الطريقة السابقة وإنما "بجدّة الروح، لا بعُتق الحرف".

عندما أخطأ آدم وسقط جسمه تحت الموت والآلام تقبل خسائر جسديّة كثيرة، وصار الحصان (الجسم) أقل حيويّة وأقل طاعة. ولكن إذ جاء المسيح جعله أكثر رشاقة بالنسبة لنا خلال المعموديّة، رافعًا إيّاه بجناح الروح (القدس). بهذا لم تعد العلامات الخاصة بسباق الجري هي بعينها القديمة، إذ لم يكن السباق سهلاً كما هو الآن (لأن الحصان صار أكثر رشاقة). لهذا السبب لم يطلب منهم أن يتركوا القتل فقط، كما في القديم وإنما حتى الغضب؛ لا يتركوا الزنا فحسب، وإنما يتخلّوا حتى عن النظرة غير الطاهرة؛ يمتنعوا لا عن القسم الباطل فقط، وإنما حتى عن القسم الصادق (مت 5: 21، 27، 33). أمّا من جهة الأصدقاء فيأمرهم أن يحبّوا حتى أعداءهم. في كل الأمور أعطانا أرضًا أوسع للجري عليها فإن لم نطع يهدّد بجهنم، مظهرًا أن هذه الأمور نصارع من أجلها إلزاميًا مثل العزوبية والفقر، يأمرنا أن نتمّمها... لذلك يقول: "إن لم يزد برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت 5: 20). ومن لا يدخل الملكوت بالضرورة يُلقى في جهنم. لذلك يقول بولس أيضًا: "فإن الخطيّة لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14). وهنا أيضًا يقول: "حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف" [6]، فإنه لم يعد الحرف الذي يدين، أي الناموس القديم، وإنما الروح الذي يعين. لهذا السبب أن وجد بين القدماء إنسان بتول كان هذا الأمر غريبًا تمامًا، أمّا الآن فقد صار هذا الأمر منتشرًا في كل أنحاء العالم. قديمًا قليلون بالكاد كانوا يحتقرون الموت، أمّا الآن (في عهد القدّيس ذهبي الفم) فيوجد في القرى والمدن طغمات من الشهداء بلا حصر، لا من الرجال فحسب وإنما أيضًا من النساء.]

الآن اعتقنا من الحرف، وتمتّعنا بجدية الروح، وكأننا بملخس عبد رئيس الكهنة الذي قُطعت أذنه اليمنى كما بالسيف (يو 18: 10) ليُمسك الرب بنفسه أذنه ويشفيه، وكما يقول القدّيس أغسطينوس كانت رمزًا لتجديد السمع، ينزع الفكر الحرفي القديم والتمتّع بالفكر الروحي الجديد.




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 7 جـ2 PDF Print Email

2. الناموس يفضح الخطيّة

خشي الرسول بولس لئلا يسيء القاريء فهم عبارته: "وأما الآن فقد تحرّرنا من الناموس" [6]، لئلاّ يُظن أن الرسول يهاجم الناموس أو يقلّل من قدسيّته، لذلك قدّم سؤالاً: فماذا نقول؟ "هل الناموس خطيّة؟" [7]، وجاءت الإجابة واضحة وصريحة: "حاشا"... إذن، فلماذا يفرح بتحريره من الناموس؟

أولاً: لأن الناموس يفضح الخطيّة ولا يعالجها. عرّفني على الخطيّة التي ارتكبها، وربّما لم أكن أدركها [7].

ثانيًا: لأن الناموس إذ قدّم لي الوصيّة كشف عن طبيعة العصيان التي فيّ [8-11]، فربّما لو لم توجد وصية معيّنة تمنعني من شيء لا أهتم بعمله، إنما وجود الوصيّة يثير فيّ طبيعتي (كل شيء ممنوع مرغوب). هنا العيب لا في الوصيّة التي أثارتني، وإنما في طبيعة العصيان الخفيّة في داخلي والتي لم يكن لها أن تظهر ما لم توجد وصية.

أبرز الرسول بولس هاتين النقطتين بكل وضوح في هذا الأصحاح [7-13] وقد علق عليهما القدّيس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً:

[سبق فقال: "كانت أهواء الخطايا التي بالناموس تعمل في أعضائنا" (7: 5)؛ "فإن الخطيّة لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (6: 14)؛ "حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعدٍ" (4: 15)؛ "وأما الناموس فقد دخل لكي تكثر الخطيّة" (5: 20)؛ "لأن الناموس ينشىء غضبًا" (4: 15)، فلئلا يسيء هذا كله للناموس، ولكي يصحح الشك الذي ينشأ عن هذه الأقوال قدّم اعتراضًا، قائلاً: "فماذا نقول؟ هل الناموس خطيّة؟ حاشا" [7]. قبل أن يقدّم البرهان استخدم هذا القسم "حاشا" لكي يسترضي السامع، ملاطفًا من اضطرب للسؤال...

لا يقول هنا: "فماذا أقول"، إنما "فماذا نقول؟" كأنه أمامهم مداولة وحكم، حيث اجتمعوا معًا، وجاء الاعتراض لا منه، وإنما خلال المناقشة بسبب ظروف الحال. فإنه لا ينكر أحد أن الحرف يقتل والروح يحي (2 كو 3: 6)، إذ هذا واضح تمامًا، ولا يقبل المناقشة. فإن كان هذا حقيقة مُعترف بها، فماذا نقول عن الناموس؟ هل الناموس خطيّة؟ حاشا! وضح لنا إذن هذا الأمر الصعب!...

يقول إن الناموس ليس خطيّة، "بل لم أعرف الخطيّة إلا بالناموس"... "فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته" [7]. ألا تلاحظ كيف أنه لم يظهر الناموس كديان للخطية، وإنما أيضًا إلى حد ما كمصدر لها، لكن لا عن خطأ من جانبه هو (وإنما من جانب ضعفنا وعصياننا)... هذا جاء عن ضعفنا لا عن عيب في الناموس، لأنه عندما نشته شيئًا ونُمنع منه تلتهب الشهوة بالأكثر. هذا لا ينبع عن الناموس، لأنه يمنعنا ليحفظنا منها، وإنما الخطيّة هي من إهمالك وسوء تصرفك، مستخدمًا ما هو صالح للضد. العيب ليس في الطبيب بل في المريض الذي لا يسيء استخدام الدواء، فإن الناموس لم يُعطَ لإشعال الشهوة بل لإطفائها، وإن كان ما قد حدث هو العكس. فاللوم ينسب إلينا لا إلى الناموس... فإن عمل الطبيب يقف عند المنع لكن على المريض أن يضبط نفسه.

ولكن ماذا إن كانت الخطيّة قد اتخذت فرصة بالوصيّة؟ بالتأكيد يوجد أشرار كثيرون اتّخذوا من الوصايا الصالحة فرصة ليزدادوا شرًا. هذا هو الطريق الذي به أهلك الشيطان يهوذا بإغراقه في محبّة الطمع وجعله يسرق ما هو للفقراء. فما حدث لم يكن بسبب الثقة التي أُعطيت له بتسليمه الصندوق، وإنما بسبب شرّ روحه. وأيضًا حواء بإحضارها ما يأكله آدم طُرد من الفردوس، لكن لم تكن الشجرة هي السبب، وإن كان ما حدث قد اتّخذ الشجرة فرصة لتحقيقه...

لو كان الناموس ملومًا لأن الخطيّة وجدت فرصة به، لانطبق هذا أيضًا على العهد الجديد، ففي العهد الجديد نجد آلاف القوانين أكثر أهمية...

عندما قال الرب: "لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطيّة" (يو 15: 22)، وجدت الخطيّة مجالاً في مجيء الرب وحديثه معهم، ومع ذلك فقد صار عقابهم أشد. وأيضًا عندما تحدّث بولس الرسول عن النعمة قال: "فكم عقابًا أشرّ تظنون أنه يُحسب مستحقًا من داس ابن الله؟" (عب 10: 29).]

- لقد استلمت الناموس، وأنت تود أن تحتفظ به لكنك لا تقدر. بهذا تترك كبريائك وتدرك ضعفك. إذن اِجرِ إلى الطبيب، واغسل وجهك. لتشتاق إلى المسيح ولتعترف به. آمن متكلاً عليه، فإذ تتمتّع بالروح بعد الحرف (السابق) تخلص.

- إننا نصغي إلى الناموس، فإن لم توجد نعمة إنما نصغي للعقاب الذي يحلّ بنا.

القدّيس أغسطينوس

يكمل القدّيس يوحنا الذهبي الفم حديثه السابق، متسائلاً: إن كان الإنسان لم يعرف الشهوة قبل الناموس، فلماذا صار الطوفان؟ ولماذا كان حرق سدوم؟ ويجيب على هذا التساؤل، بأن الإنسان يعرف الخطيّة (بالناموس الطبيعي)، لكن جاء الناموس يحدّد الشهوة ويكشفها، مقدمًا للإنسان معرفة دقيقة، فصار الناموس جنبًا إلى جنب مع الناموس الطبيعي يضيف على الإنسان اتهامًا أشد، هذا ما دعا الرسول أن يقول: "أمّا أنا فكنت بدون ناموس عائشًا قبلاً" [9]، إذ لم تكن هناك معرفة دقيقة ومحدّدة، ولا اتهام صريح ضدي يحكم عليّ بالموت. فبقوله "كنت عاشًا قبلاً" تعني أنني لم أكن تحت إدانة الناموس الدقيقة والصارمة التي تستوجب موتي.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لم يعطِ الناموس للخطية وجودها، إذ كانت موجودة من قبل، لكنه أشار إلى تلك التي هربت من ملاحظتنا. هذا يُعتبر مدحًا للناموس، إذ كان الناس يخطئون قبله وهم لا يدركون. ولما جاء الناموس فإنهم وإن لم ينتفعوا منه بشيء إلا أنه عرّفهم عليها بدقة، مظهرًا أنهم يخطئون. هذا ليس بالأمر الهيّن لتحريرهم من الشرّ. فإن كانوا لم يتحرّروا، فالأمر لا يخص الناموس الذي حدّد كل شيء بهذا الهدف، وإنما يسقط بالاتهام كله على أرواحهم...

لذلك يقول: "فوُجدت الوصيّة التي للحياة هي نفسها لي للموت" [10]. لم يقل "جاءت الوصيّة للموت" أو "صارت للموت" بل قال: "فوُجدت"... كأنه يقول إن أردت أن تعرف غايتها فهي تقود إلى الحياة وأعُطيت بهذه الغاية. فإن وُجدت للموت، إنما الخطأ فيمن استلم الوصيّة، وليس في الوصيّة التي تقود للحياة.

سلط الرسول على هذه النقطة ضوءًا جديدًا، بقوله: "لأن الخطيّة وهي متخذة فرصة بالوصيّة خدعتني بها وقتلتني" [11]. لاحظ أنه في كل موضع يُبرّر الناموس من الاتهام ويحفظه من الخطيّة.

"إذًا الناموس مقدس والوصيّة مقدّسة وعادلة وصالحة" [12]... لأنه وإن كان اليهود غير طاهرين خلال الناموس، وإن كانوا ظالمين وطامعين، فإن هذا لا يفسد صلاح الناموس، تمامًا كما أن عدم أمانتهم لا يبطل أمانة الله.]

لقد أظهر قدسية الناموس وصلاحه وعدله، مادحًا إياه، لأنه وإن كانت الخطيّة وجدت الفرصة في الوصيّة لتقتلني، لكنها بالأكثر انفضحت فظهر شرّها بقتلي... بهذا يقودنا الناموس إلى ضرورة الخلاص منها، إذ يقول: "فهل صار لي الصالح موتًا؟ حاشا! بل الخطيّة، لكي تظهر خطيّة، منشئة لي بالصالح موتًا لكي تصير الخطيّة خاطئة جدًا بالوصيّة" [13]. هكذا حوّل الرسول الاتهام من الناموس الصالح إلى الخطيّة الخاطئة جدًا، أو بمعني آخر ركّز أنظارنا على أنفسنا في الداخل. فبشرنا يتحوّل حتى ما هو صالح إلى ضررنا. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [النقطة موضوع الاهتمام ليس ما نتسلمه بل الشخص الذي يتسلم الشيء... فإنه حتى الأمور الصالحة تكون ضارة، والضارة تكون مفيدة حسب شخصية من يتقبّلها. ها أنت ترى الشرّ قد جاء خلال الصالح (الناموس) مادام الذي يتقبله إنما يتقبله بطريقة خاطئة.]

3. ناموس الله وناموس الخطيّة

إذ أظهر في بداية هذا الأصحاح الحاجة إلى التحرّر من الناموس الذي فضح خطاياي وأصدر حكمه على بالموت، عاد ليؤكّد أن العيب ليس في الناموس، وإنما في الخطيّة العاملة فيّ، والآن يمدح الرسول الناموس الإلهي، ويُعلن عن ناموس الخطيّة الكائن في أعضائي، لكي إذ اكتشفه ألجأ إلى المخلص القادر وحده أن ينقذني منه.

"فإننا نعلم أن الناموس روحي وأمّا أنا فجسدّي، مبيع تحت الخطيّة" [14]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بقوله هذا يُعلن أنه لا حاجة للتدليل على أن "الناموس روحي". فهو بعيد كل البعد عن كونه مصدرًا للخطية، أو علّة للشرور الحادثة. أنه "روحي"، معلم للفضيلة ومضاد للرذيلة؛ يقودنا بعيدًا عن كل أنواع الخطايا بالتهديد والنصح والتأديب والإصلاح وبمدحه للفضيلة. إذن من أين جاءت الخطيّة مادام الناموس معلمًا هكذا؟ إنها منّا نحن: "وأما أنا فجسدي، مبيع تحت الخطيّة". لقد تقبّلت الشهوات الجسديّة واستُعبدت للخطية، صرت غارقًا في أعماقها، ساقطًا تحت ناموسها، فحُسبت جسديًا.

- لعنة الله الأصليّة (بسقوط أبوينا في العصيان) جعلتنا جسدانيّين، وحُكم علينا بالأشواك والحسك؛ وقد باعنا أبونا بذلك التعاقد التعيس حتى أننا صرنا عاجزين عن فعل الصلاح الذي نريده. إذ صرنا ننقطع أحيانًا عن تذكّر الله العظيم السمو، مضطرّين إلى الانشغال بما يخص الضعف البشري. وبينما نشتهي الطهارة ننزعج غالبًا بغير إرادتنا بالشهوات الطبيعية التي لا نريد حتى أن نعرفها، لذلك نحن نعلم أنه ليس ساكن في أجسادنا شيء صالح (رو 7: 18)، أي ليس ساكن فيه السلام الأبدي الدائم الذي لهذا التأمل المذكور.

الأب ثيوناس

- "أمّا أنا فجسديّ، مبيع تحت الخطيّة" [14]. هذا يعني: "بكوني إنسانًا جسدانيًا موضوع بين الخير والشرّ كوكيل حرّ، لي سلطان أن اختار ما أريد. فإنه "هاأنذا أجعل أمامكم طريق الحياة وطريق الموت" (إر 21: 8؛ جا 15: 8؛ تث 30: 15)، بمعنى أن الموت يأتي ثمرة لعصيان الناموس الروحي أو الوصيّة والطاعة للناموس الجسدي أي مشورة الحيّة. فبمثل هذا اختيار أنا مبيع للشيطان، ساقط تحت الخطيّة. هكذا أمسك الشرّ بي، والتصق بي، وسكن فيّ، وسلمني العدل للشرير بانتهاكي للناموس.

الأب ميثودوس




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 7 جـ3 PDF Print Email

والآن ماذا فعل ناموس الخطيّة فيَّ؟

أولاً: شوّه معرفتي، إذ يقول الرسول: "لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإيّاه أفعل" [15].

ماذا يقصد الرسول بهذا؟

أ. أفقدت الخطيّة نقاوة البصيرة الداخليّة، فصارت معرفتنا للخطية غير دقيقة، لذا يقول "لست أعرف ما أنا أفعله"... لا بمعنى أن الإنسان يجهل الخطيّة، وإلا لما دين عنها، وإنما قبل الناموس لم يكن قادرًا على معرفتها بدقةٍ، وذلك كما سبق فقال: "فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته" [7]. وكما يقول القدّيس يوحنا ذهبي الفم كان الإنسان قبل الناموس لا يعرف الخطيّة بحقٍ ودقةٍ، لذلك أيضًا كان العقاب أقل قسوة من الذين يخطئون وهم تحت الناموس عارفون الخطيّة.

ب. ربّما يقصد هنا بقوله "لست أعرف" لا معرفة الفكر النظري، فإنه بناموس الطبيعة يعرف الإنسان الخطيّة، لكنه يقصد معرفة الإنسان القادر عن الإحجام عنها ومقاومتها ليعمل البرّ عِوض الشرّ، لهذا يكمل الرسول حديثه: "إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإياه أفعل". وكأنه يقول: صرت كمن بلا معرفة لأنني أمارس ما أبغضه. وذلك كمن يشرب الخمور وهو يعرف إنها مؤذية لصحّته، لكن استعباده لها جعله كمن يجهل آثارها عليه.

ثانيًا: أفقدتني الإرادة الصالحة العاملة، إذ لم يقف الأمر عند تشويه المعرفة، سواء بإفساد البصيرة الداخليّة أو بالعجز عن التمتّع بالمعرفة المقدّسة خلال الخبرة، وإنما أيضًا تسيطر على إرادتي، فتفسد إمكانية العمل الصالح في حياتي، وأحسب كمن يعمل بلا إرادة، إذ سلمت نفسي بنفسي عبدًا لها.

يليق بنا، كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم، ألا نفهم العبارات الواردة هنا حرفيًا، فنظن أن الإنسان مصيّر، يمارس الشرّ إلزامًا، وإلا كان سقوطه تحت الدينونة غير عادل. حينما يقول: "لست أفعل ما أريده" [15] لا ينكر الرسول حريّة الإرادة الإنسانيّة كمن يخطئ قسرًا وجبرًا، وإلا كان الرسول قد أكمل الحديث هكذا: "بل ما أجبر عليه واُلزم به فإيّاه أفعل"، إنما قال: "بل ما أبغضه فإيّاه أفعل"، فإنه لا ينكر ما للخطية من سلطان أفقده قوّة الإرادة لكن في نفس الوقت لا يتصرف جبرًا بغير إرادته.

الخطيّة مخادعة تجتذبه وتجعله يلتزم بممارستها، وإن كان في نفس الوقت يبغضها بحسب الناموس الطبيعي العامل فيه كما بحسب الناموس المكتوب. لهذا يكمل قائلاً: "فإن كنت أفعل ما لست أريده، فإني أصادق الناموس أنه حسن" [16]. كأنه يقول إن كنت بالناموس الطبيعي أكره الخطيّة التي أمارسها فإن الناموس المكتوب أو الموسوي يصادق على الناموس الطبيعي الذي يبغض الخطيّة لذا فالناموس حسن.

ربّما يتساءل البعض: إن كان الإنسان قبل التمتّع بالنعمة يستطيع تحت ظل الناموس المكتوب أو الموسوي أن يقول بأن الخطيّة شوّهت معرفتي، وأفقدتني الإرادة الصالحة والعاملة، حتى كنت لا أفعل ما أريده بل ما أبغضه [15]، فهل ينطبق هذا القول الرسولي علينا ونحن في عهد النعمة؟ أو بمعنى آخر هل هذا القول يناسب الخطاة الذين لم يتمتّعوا بعد بعمل الله فيهم أم يئن منه الجميع؟

يجيب الأب ثيوناس في حديث طويل في مناظرات القدّيس يوحنا كاسيان، موضحًا الآتي:

أ. يرى الأب ثيوناس أن الرسول ينطق بهذه الكلمات عن نفسه حتى بعد تحوّله إلى الإيمان، ليس لأن الوضع لم يتغيّر، إنما لأنه وإن كان قد تمتّع بفيض من الفضائل أشبه بالجواهر وبالبركات الإلهية، لكنه إذ يتطلّع إلى ما سيناله أبديًا يحسب ما لديه تافهًا وقليلاً. فمع ممارسته للحياة المقدّسة في الرب يبغي أن يبلغ رؤية الله وجهًا لوجه، ولا يشغله شيئًا حتى وإن كان أمرًا صالحًا لضروريات الحياة.

ب. إذ يقارن الرسول بولس صلاحه بصلاح الله الفائق يرى أنه "ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله" (لو 18: 19)، فيحسب الرسول نفسه تحت الضعف.

ج. كلما تمتّع الإنسان بالنمو الروحي ازداد نقاوة داخليّة، وفي نفس الوقت ازداد حساسية لأتفه الخطايا، إن صح هذا التعبير. كلما ارتفع الإنسان روحيًا يخشى بالأكثر من السقوط، لا عن يأس أو خوف، وإنما عن حذر لئلاّ تكون سقطته مرّة.

هذا الرأي لا يمثل فكرًا خاصا بالأب ثيوناس وحده، وإنما خاص بالكنيسة الجامعة، فإنها تنظر إلى ما ورد في هذا الجزء من الأصحاح (7: 14-25) أنه وإن كان ينطبق على الإنسان وهو تحت الناموس، لكنه ينطبق بطريقة ما على كل عضو في الكنيسة لا يزال في الجسد، لكن الفارق في الحالتين كبير. فتحت الناموس تعرّف الإنسان على الصلاح ووقف موقف العاجز عن ممارسته، أمّا في عهد النعمة فقد صارت له معرفة أعظم وإمكانيات على مستوى فائق، وقدرة على التحرك بالنعمة الإلهية وعمل الروح القدس فيه، لكنه ليس معصومًا من الخطأ، إنما يبقى يرتفع كما بجناحي الروح منطلقًا من مجدٍ إلى مجدٍ، لعلّه يبلغ قياس قامة ملء المسيح، وفي هذا مع شعوره بعمل الله العظيم فيه يُدرك أنه لم يبلغ بعد تمام اشتياقه في الرب، فيئن في الداخل مقدمًا التوبة بلا انقطاع، شاعرًا مع الرسول بولس أنه أول الخطاة في غير يأس.

- جزئيّا نحن في حرية، وجزئيًا في عبودية.

ليست الحرّية كاملة بعد ولا نقيّة بالتمام، لأننا لم ندخل بعد الأبدية.

نحن لا نزال في الضعف جزئيًا، لكنّنا نلنا الحرّية جزئيًا. ما قد ارتكبناه من خطايا قد غُسل في المعموديّة سابقًا، لكن هل قد محيّ كل الشرّ وبقينا بلا ضعف؟

القدّيس أغسطينوس

- توجد فينا شهوة شريرة، ولكن بعدم موافقتنا لها لا نعيش أشرارًا.

توجد فينا شهوة الخطيّة، وبعدم طاعتنا لها لا نكمل الشرّ، لكن وجودها يعني أننا لم نكمل الخير بعد؛ وقد أظهر الرسول الأمرين:

أ. إننا لن نكمل الخير مادمنا نشتهي الشرّ.

ب. ولم نكمل الشرّ مادمنا لا نطيع مثل هذه الشهوة.

وقد أظهر الأمر الأول بقوله: "لأن الإرادة حاضرة عندي، وأمّا أن أفعل الحسنى فلست أجد" [18]، وأظهر الأمر الثاني بقوله: "اسلكوا بالروح، فلا تكملوا شهوة الجسد" (غل 5: 16). ففي النص الأول لم يقل أن الحسنى (الخير) غير موجودة إنما لم يكملها (أن أفعل لست أجد)، وفي الثاني لم يقل أن شهوة الجسد غير موجودة بل قال "فلا تكمّلوا".

لهذا تجد الشهوات الشرّيرة لها موضعًا فينا حيث توجد اللذّات غير المشروعة، ولكنّنا لا نكمِّل هذه الشهوات عندما نقاومها بالذهن، خادمين ناموس الله.

كذلك فإن الخير يجد له موضعًا فينا حينما لا تكون للذّة الخاطئة مكانًا، وذلك بغلبة اللذّة الصالحة عليها. ولكن تكميل الخير لا يتحقّق تمامًا طالما هذا الجسد - خادم ناموس الخطيّة - يستميل الشهوة الشرّيرة. فمع أننا نقاومها لكنها تتحرك، إن مقاومتنا لها علامة تحركها فينا.

لهذا يكون كمال الخير بهلاك الشرّ تمامًا، فيعلو الواحد ويبيد الثاني.

فإن ظننا أن هذا يتم في هذه الحياة نكون مخدوعين، إنما يتحقّق بصورته الكاملة حينما لا يكون بعد موت، بل حياة أبدية فهناك في الملكوت سيكون الخير في أعلى درجاته، ولا يكون شرّ قط في ذلك الوقت...، وفي ذلك الموضع لا يكون بعد جهاد للعفّة وضبط النفس.

إذن، الجسد ليس شرًا متى تجنب الشر أي الخطأ الذي به يصير الإنسان مخطئًا، إنما هو أوجده. لأن كل من جانبي الإنسان، الجسد والنفس، خلقهما الله الصالح صالحين، أما الإنسان فصنع الشر وبذلك صار شريرًا.

القديس أغسطينوس

- "لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه فإياه أفعل" [15].

لا يُفهم هذا التعبير عن فعل الشر، وإنما عن التفكير فيه، فإنه ليس في سلطاننا أن نفكر في الأمور غير اللائقة أو لا نفكر، إنما سلطاننا أن ننفذ ما بفكرنا أو نمتنع عن التنفيذ. نحن لا نقدر أن نمنع الفكر عن أن يأتينا من الخارج إلى ذهننا، لكننا قادرون أن نمتنع عن طاعته أو ممارسته.

في سلطاننا أن نريد بألا نفكر في هذه الأمور لكننا لا نقدر أن نطردها بحيث لا ترجع إلينا في ذهننا ثانية. لهذا كما قلت ليس في سلطاننا أن نفكر أو لا نفكر فيها؛ هذا هو معنى العبارة: "لست أفعل الصالح الذي أريده". فإنني لا أريد أن أفكر فيما يضرني.... لكن "لست أفعل الصالح الذي أريده بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل". فأنا لا أريد أن أفكر (بالشر) ومع هذا أفكر بما لا أريده.

تأمل أليس عن هذه الأمور عينها يتوسل داود لله في حزن، إذ هو يفكر فيما لا يريده، فيقول: "من الخطايا المستترة يا رب طهرني، من الغرباء احفظ عبدك حتى لا يتسلطوا علّي، فحينئذ أكون بلا عيب وأتنقى من خطية عظيمة" (مز 19: 12-13). كما يقول الرسول في موضع آخر: "هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح" (2 كو 10: 5) .

الأب ميثوديوس

ثالثًا: أفسد جسدي: لم يقف عمل ناموس الخطية عند تشويه المعرفة الروحية وتحطيم قوة الإرادة الصالحة، وإنما بسكنى الخطية في داخلي صار ناموسها عامًلا في أعضائي، فصارت آلات إثم تعمل لحسابه. هذا ما يصرخ منه الرسول طالبًا الخلاص من هذا الفساد لا بتحطيم أعضاء جسده، بل بتقديسها لحساب الله، بعدما عملت لحساب الخطية. هذا الأمر لا يستطيع الناموس الطبيعي ولا الموسوي أن يهبه، إنما هي نعمة الله التي تقدس الجسد مع النفس.

يشكو الرسول حاله، قائًلا: "فالآن، لست بعد أفعل ذلك أنا، بل الخطية الساكنة فّي، فإني أعلم أنه ليس ساكن فّي، أي في جسدي، شيء صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد" [17-18].

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل الرسول أن جسده هو الذي يفعل هذا بل "الخطية الساكنة فّي"، لأن الله خلق الجسد صالحًا، ليس شرًا في ذاته، لكن إذ دخلت الخطية لم يعد يسكن فيه شيء صالح.]

يؤكد نفس القديس أن الجسد وإن كان ليس فيه عظمة النفس، لكنه ليس مضادًا للنفس، ولا هو في ذاته شر، بل يسند النفس، وكأنه بالقيثارة التي في يدّي العازف، والسفينة التي بين يدّي الربان، لا يضاد من يستخدمه، وكأن الجسد مع النفس متحملان المسئولية معًا.




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 7 جـ4 PDF Print Email

مرة أخرى يود الرسول أن يؤكد أن الجسد ليس في ذاته شرًا ولا النفس أيضًا، وإنما الإنسان في كليته إذ قبل الشر في حياته بإرادته، أفسد حياته، وحطم قوة الإرادة الصالحة، لتعمل الخطية فيه، وتقوده حسب هواها، إذ يقول:

"لأني لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل، فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل، فلست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة فّي" [19-20].

فالمشكلة ليست في الجسد، وإنما في الخطية التي سكنت فّي، فأفسدت النفس والجسد معًا. لذلك إذ جاء السيد المسيح حملني معه ليصلب الخطية التي سكنت فّي، ويسكن هو في داخلي. فعوض الأنين والصراخ: "لست بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة فّي" أقول: "فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فّي" (غل 2: 20). فإن كنا قد سبق فسلمنا أعماقنا للخطية لنمت مع غالب الخطية، يملك هو فينا ونستتر نحن فيه، كقول الرسول: "لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله، متى أُظهر المسيح حياتنا، فحينئذ تظهرون أنتم أيضًا في المجد" (كو 3: 3-4).

هذا وقد أكد آباء الكنيسة أن الإنسان مادام في زمان الجهاد لن يُعصم من الخطأ، إنما يبقى بنعمة الله مجاهدًا لينطلق من نصرة إلى نصرة، صارخًا إلى الله بلا انقطاع ليعينه من ضعفه، حتى يكمل أيام غربته بسلام. ويحدثنا الأب بينوفيوس كيف تسند نعمة الله المؤمنين المجاهدين فيتخلصون من خطاياهم السابقة، بل ويليق بهم ألا يذكروها، لكن يبقى المؤمنون تحت الضعف في بعض الأمور كالتي يدعوها النبي بالسهوات والخطايا المستترة (مز 19: 12)، لذا يقول الحكيم: "الصديق يسقط في اليوم سبع مرات ويقوم" (أم 14: 16)، فالتوبة عنها لا تنتهي. [لأنه سواء عن جهل أو نسيان أو بالتفكير أو الكلام أم بمجرد الاشتياق أو عن ضرورة أو عن ضعف الجسد أو نجاسة في حلم... هذه الأمور غالبًا ما نسقط فيها كل يوم بغير إرادتنا أو بإرادتنا.]

أخيرًا، إذ يستبعد الرسول كل اتهام ضد الناموس وأيضًا ضد طبيعة جسده، ويجعل من الخطية التي سيطرت عليه وغلبته وسكنت فيه مقاومًا للناموس، أعلن تهلله بالناموس بالرغم من هزيمته بناموس الخطية، مقدمًا الشكر للسيد المسيح الذي يهبه النصرة على ناموس الخطية، إذ يقول:

"فإني أسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن، ولكني أرى ناموسًا آخر في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت. أشكر الله بيسوع المسيح ربنا. إذًا أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله، ولكن بالجسد ناموس الخطية" [22-25].

ماذا يعني أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية؟ بالنعمة الإلهية التي صارت لي في المسيح يسوع تقدست حياتي، وإن كانت الخطية لا تكف عن محاربتي مادمت بعد في الجسد... هذا هو مفهوم النصرة بالنعمة الإلهية، النصرة المرتبطة بجهاد لا ينقطع مادمنا في الجسد. لكنه جهاد بالرب الساكن فينا.

- إن كان (الرسول) يخاف إغراءات الجسد فهل نحن في آمان؟

- أتريد أن تعرف أن لنا أجسادًا هي بعينها كأجساد القديسين... كلنا نلتزم بالمصارعة ليتقبل كل مكافأته حسب جهاده.

القديس جيروم

- حتى الرسول كان يقمع جسده ويضبطه لئلا بعدما كرز للآخرين يصير هو نفسه مرفوضًا (1 كو 9: 27)، وإذ يشعر بعنف الأهواء الحسية يتحدث باسم الجنس البشري، قائًلا: "ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت؟"

- إن كان الرسول الإناء المختار، المفرز لإنجيل المسيح (غل 1: 15) بسبب وخزات الجسد وإغراءاته للرذيلة يقمع جسده ويضبطه لئلا بعدما كرز للآخرين يصير هو نفسه مرفوضًا، ومع هذا نجده يرى ناموسًا آخر يعمل في أعضائه ضد ناموس ذهنه، ويسبيه في ناموس الخطية [23]، وإن كان وهو في عري وصوم وجوع وسجن وجلدات وعذابات كثيرة يعود إلى نفسه ليصرخ: أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت؟ فهل تظن أنه يليق بك أن تترك حذرك؟

القديس جيروم

- كلنا نشعر بهذا، لكن ليس كلنا نخلص.

يا لي من إنسان شقي ما لم أطلب الدواء! ....

لنا طبيب، فلنطلب الدواء. دواؤنا هو نعمة الله، وجسد الموت هو جسدنا. لنكن غرباء عن المسيح. فإننا حتى وإن كنا في الجسد لكننا ليتنا لا نتبع أمور الجسد... إنما نطلب عطايا النعمة: "أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا، ولكن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم" (في 1: 23-24)

القديس أمبروسيوس

- يقول الرسول "أنا نفسي" [25]، إذ لا يوجد اثنان من طبيعتين مختلفتين (واحد بطبعه صالح وآخر بطبعه شرير)، إذ لم يأتيا عن مصدرين مختلفين.

يقول: "بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية" [25]، مادمت أكون مسترخيًا إذ يحارب (ناموس الخطية) الخلاص.

القديس أغسطينوس

- عندما يشعر القديسون أن ثقل الأفكار الأرضية يضايقهم، وإنهم يرتدون بعيدًا عن سمو أذهانهم منقادين بغير إرادتهم أو بالحري لاشعوريًا إلى ناموس الخطية والموت، وتعوقهم الأعمال الأرضية التي هي نافعة وصالحة عن معاينة الله، فإنهم يئنون إلى الله باستمرار، معترفين بانسحاق قلب لا بالكلام بل بقلوبهم أنهم خطاة. وبينما هم بغير انقطاع يلتمسون من رحمة الله الصفح عما يقترفونه يومًا فيومًا بسبب الضعف الجسدي، يزرفون دموعًا حقيقية للتوبة بغير انقطاع...

كذلك يدركون بالخبرة أنه بسبب ثقل الجسد يعجزون بقوتهم البشرية أن يبلغوا النهاية المطلوبة، وأن يكونوا متحدين، حسب اشتياق قلوبهم، بذلك الصلاح الرئيسي الأسمى، وإذ ينقادون بعيدًا عن رؤيته مأسورين بالأمور العالمية يتوجهون إلى مراحم الله "الذي يبرر الفاجر" (رو 4: 5)، ويصرخون مع الرسول: "ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت؟ اشكر الله بيسوع المسيح ربنا" ( رو 7: 24-25). لأنهم يشعرون بأنهم على الدوام لا يستطيعون أن يكملوا الصلاح الذي يريدونه، وإنما يسقطون في الشر الذي يكرهونه، أي الأفكار الزائفة والاهتمام بالأمور الجسدية.

إنهم بالحقيقة يسرون بناموس الله بحسب الإنسان الباطن الذي يسمو فوق كل المنظورات، ويسعون على الدوام ليكونوا متحدين بالله وحده، لكنهم "يرون ناموسًا آخر في أعضائهم"، أي منغرس في طبيعتهم البشرية "يحارب ناموس ذهنهم" (رو 7: 22-23)، أي يأسر أفكارهم إلى ناموس الخطية العنيف، ويلزمهم أن يتخلوا عن ذلك الصلاح الأعظم ويرضخوا للأفكار الأرضية التي وإن ظهرت هامة ومفيدة ونحتاج إليها في العبادة... إلا أنها تقف عائقًا عن التأمل في ذلك الصلاح الذي يسحر أنظار القديسين، فيرونها شريرة ويحاولون تجنبها...

إنني أقول أن هذا الناموس المنغرس في أعضاء البشر جميعًا الذي يحارب ناموس أذهاننا ويعوقها عن رؤية الله.

الأب ثيوناس

- أخيرًا يعبر الرسول الطوباوي بوضوح أنه قال هذا عن المقدسين والكاملين ومن كان على شاكلته، فيشير بإصبعه إلى نفسه، ويتدرج في الحال: "إذا أنا نفسي" [25]، أي أنا الذي أقول هذا أقدم أسراري الخاصة مكشوفة، لا سريرة شخص آخر. اعتاد الرسول أن يستعمل هذا الأسلوب بغير كلفةٍ كلما أراد أن يشير بالأخص إلى نفسه (2 كو 10: 1 ، 12: 13، 16 ؛ غل 5: 2 ؛ رو 9: 2).

إذًا "أنا نفسي" تحمل بالتأكيد: أنا الذي تعرفونه بأنه رسول المسيح، الذي تبجلونه بأعظم احترام، والذي تعتقدون بأنه من أسمى الشخصيات وأروعها كشخصٍ يتكلم فيه المسيح، مع أني أخدم ناموس الله بالذهن أعترف بأنني بالجسد أخدم ناموس الخطية، بمعنى أن حالتي البشرية تجذبني أحيانًا من الأشياء السماوية الأرضية، وينحدر سمو ذهني إلى الاهتمام بأمور تافهة. وبناموس الخطية هذا أجد بأنني في كل لحظة أُخذ هكذا مأسورًا بالرغم من مثابرتي باشتياق راسخ نحو ناموس الله، ولكنني لا أستطيع بأية وسيلة أن أنجو من سلطان هذا الأسر ما لم أهرب دائمًا إلى رحمة المخلص.

لذلك يحزن جميع القديسين بتنهدات يومية من أجل ضعف طبيعتهم هذا. وبينما هم يستقصون أفكارهم المتنقلة ومكنونات ضمائرهم وخلواتهم العميقة يصرخون متضرعين: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حيّ" (مز 143: 2)....

ها أنت ترى إذن كيف يعترف جميع القديسين بصدق أن جميع الناس كما هم أيضًا خطاة، ومع ذلك لا ييأسون أبدًا من خلاصهم، بل يبحثون عن تطهير كامل بنعمة الله ورحمته...

لا يوجد أحد، مهما كان مقدسًا، في هذه الحياة بلا خطية. وقد أخبرنا أيضًا تعليم المخلص الذي منح تلاميذه نموذج الصلاة الكاملة...، إذ يقول: "وأغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا" (مت 6: 12).

إذن إذ قدم هذه كصلاة حقيقية يمارسها قديسون، كما يجب أن نعتقد دون أدنى شك، ممن يمكنه أن يبقى عنيدًا ووقحًا ومنتفخًا بكبرياء الشيطان، فيظن أنه بلا خطية.

الأب ثيوناس




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 7 جـ5 PDF Print Email
مفهوم الجسد هنا

- يلزمنا أن نأخذ كلمة "الجسد" هنا لا بمعنى الإنسان أو المادة الملموسة، إنما يقصد الإرادة الشهوانية أو الرغبة الشهوانية.

الأب دانيال

- لننصت إلى الرسول القائل: "فاني أعلم أنه ليس ساكن فيّ أي في جسدي، شيء صالح" [18]. فان ما يقصده الرسول هنا بالتأكيد هو "خطأ الجسد" الذي يوجد في الشيء الصالح "الجسد". فان زال هذا الخطأ من الجسد، لا يكون الجسد فاسدًا ولا مخطئًا.

وقد كشف المعلم نفسه انه يقصد بهذا (أي الجسد) طبيعتنا (أي كياننا كله)، إذ يقول في البداية "فاني أعلم أنه ليس فيّ" ثم يوضح "فيّ" بـ "أي في جسدي"، وهكذا يسمي جسده أنه هو himself ، ولا يمكن أن يكون الإنسان عدو نفسه.

فعندما يُقمع الخطأ، يصير جسدنا محبوبًا، إذ يلزمنا أن نعتني به كقول الرسول "فإنه لم يبغض أحد جسده" (أف 5: 29).

وفي موضع آخر "إذًا أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله، ولكن بالجسد ناموس الخطية" [25]. ليسمع من لهم آذان، إذ يقول "إذًا أنا نفسي" أنا بالذهن، وأنا بالجسد... ولكن كيف يخدم بالجسد ناموس الخطية؟ هل بقبوله شهوة الجسد وتكميلها! حاشا! بل لأن حركات الشهوة التي لا يريدها هي كائنة فيه، وإذ هو لا يوافقها فإنه بذهنه يخدم ناموس الله ولا يسلمه أعضاءه لتكون آلات إثم للخطية.

القديس أغسطينوس

البهجة بناموس الله

إن كنا بالنعمة نجاهد بلا انقطاع لكي يكمل تحررنا من ناموس الخطية، فان هذا الناموس لا يقدر أن يحطم بهجة خلاصنا وسرورنا بناموس الله العامل في داخلنا، إذ يقول الرسول: "فاني أسّر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن" [22]. هكذا لا يفقد الإنسان بهجته وسلامه وسط الجهاد ضد ناموس الخطية.

- مادمنا نُسر بناموس الله بحسب الإنسان الداخلي نملك نوعًا من السلام، لكنه ليس سلامًا كاملاً، لأننا نرى ناموسًا آخر في أعضائنا يحارب ناموس ذهننا.

القديس أغسطينوس

- إذ نكون أحرارًا نُسر بناموس الله، لأن الحرية فرح....

لتكن بهجتك في الله ولتكن حرًا.

لا تخف العقوبة بل حب البرّ.

ألا تقدر أن تحب البرّ، خف إذن من العقوبة لعلك تبلغ حب البرّ.

- بسبب حسن نقول إن عذوبة الله مخفية فيك. لقد وجد ناموس (الخطية) له موضعًا في أعضائك يقاوم ناموس ذهنك ويسبيك. لهذا فإن العذوبة التي بالنسبة لك مخفية يشرب منها الملائكة القديسون بينما لا تقدر أنت تتذوقها بسبب السبي.

القديس أغسطينوس

1 ام تجهلون ايها الاخوة لاني اكلم العارفين بالناموس ان الناموس يسود على الانسان ما دام حيا
2 فان المراة التي تحت رجل هي مرتبطة بالناموس بالرجل الحي و لكن ان مات الرجل فقد تحررت من ناموس الرجل
3 فاذا ما دام الرجل حيا تدعى زانية ان صارت لرجل اخر و لكن ان مات الرجل فهي حرة من الناموس حتى انها ليست زانية ان صارت لرجل اخر
4 اذا يا اخوتي انتم ايضا قد متم للناموس بجسد المسيح لكي تصيروا لاخر للذي قد اقيم من الاموات لنثمر لله
5 لانه لما كنا في الجسد كانت اهواء الخطايا التي بالناموس تعمل في اعضائنا لكي نثمر للموت
6 و اما الان فقد تحررنا من الناموس اذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف
7 فماذا نقول هل الناموس خطية حاشا بل لم اعرف الخطية الا بالناموس فانني لم اعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته
8 و لكن الخطية و هي متخذة فرصة بالوصية انشات في كل شهوة لان بدون الناموس الخطية ميتة
9 اما انا فكنت بدون الناموس عائشا قبلا و لكن لما جاءت الوصية عاشت الخطية فمت انا
10 فوجدت الوصية التي للحياة هي نفسها لي للموت
11 لان الخطية و هي متخذة فرصة بالوصية خدعتني بها و قتلتني
12 اذا الناموس مقدس و الوصية مقدسة و عادلة و صالحة
13 فهل صار لي الصالح موتا حاشا بل الخطية لكي تظهر خطية منشئة لي بالصالح موتا لكي تصير الخطية خاطئة جدا بالوصية
14 فاننا نعلم ان الناموس روحي و اما انا فجسدي مبيع تحت الخطية
15 لاني لست اعرف ما انا افعله اذ لست افعل ما اريده بل ما ابغضه فاياه افعل
16 فان كنت افعل ما لست اريده فاني اصادق الناموس انه حسن
17 فالان لست بعد افعل ذلك انا بل الخطية الساكنة في
18 فاني اعلم انه ليس ساكن في اي في جسدي شيء صالح لان الارادة حاضرة عندي و اما ان افعل الحسنى فلست اجد
19 لاني لست افعل الصالح الذي اريده بل الشر الذي لست اريده فاياه افعل
20 فان كنت ما لست اريده اياه افعل فلست بعد افعله انا بل الخطية الساكنة في
21 اذا اجد الناموس لي حينما اريد ان افعل الحسنى ان الشر حاضر عندي
22 فاني اسر بناموس الله بحسب الانسان الباطن
23 و لكني ارى ناموسا اخر في اعضائي يحارب ناموس ذهني و يسبيني الى ناموس الخطية الكائن في اعضائي
24 ويحي انا الانسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت
25 اشكر الله بيسوع المسيح ربنا اذا انا نفسي بذهني اخدم ناموس الله و لكن بالجسد ناموس الخطية


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 8 جـ1 PDF Print Email

ناموس الروح وبرّ المسيح


أبرز الرسول في الأصحاح السابق دور الناموس كفاضحٍ للخطية دون معالجة لها، ثم قدّم لنا صورة قاتمة للغاية من جهة ناموس الخطيّة كمفسدٍ لحياتنا كلها، ومثير لشهوات الجسد ضد كل اشتياقٍ روحيٍ. والآن إذ ينتقل بنا إلى السيد المسيح الغالب وحده لهذا الناموس، يشرق علينا بالإمكانيات الإلهية التي تعمل في حياة المؤمن. لهذا إن كان بعض الدارسين يحسبون هذه الرسالة في كُلّيتها هي "كاتدرائية الإيمان المسيحي"، فيرى البعض في هذا الأصحاح "قُدس الأقداس" أو المذبح الروحي، عليه يقدّم المؤمن الحقيقي ذبيحة الحب والفرح والشكر وسط صراعه ضد الشرّ وضيقاته الزمنيّة.

قدّم لنا هذا السفر بقوّة إمكانيات الحياة المقدّسة في الرب، أو تمتّعنا ببرّ المسيح غالب ناموس الخطيّة، فاتحًا باب الرجاء في المجد الأبدي، ملهبًا القلب بمحبة المسيح الفائقة.

1. المسيح وناموس الروح. 1-17.

2. تجديد الخليقة وعمل الروح 18-27.

3. المسيح المبرر 28-34.

4. محبتنا للمسيح المبرر 35-39.

1. المسيح وناموس الروح

سيطرت الخطيّة على الإنسان؛ سكنت فيه، وأخضعته لناموسها، فصار الإنسان جسديًا (7: 14)، يسلك بنفسه كما بجسده تحت مذلة شهوات الجسد وحُسب مبيعًا للخطية. فجاء السيد المسيح، لا لينتزع ناموس الخطيّة من أعماقنا فحسب، وإنما ليُقيم "ناموس روح الحياة" [2]، الذي يعطي للمؤمن إمكانية "السلوك ليس حسب الجسد، بل حسب الروح". فيُحسب الإنسان في كُلّيته، بجسده ونفسه، إنسانًا روحانيًا أو روحيًا.

أزال السيد المسيح ناموس الخطيّة المستعبد للإنسان، ليُقيم فيه ناموس روح الحياة واهب الحرّية! أعطانا روحه القدوس ساكنًا فينا [11] يهب حياة للنفس والجسد معًا، حياة برّ عِوض موت الخطيّة، حياة البنوّة لله عِوض العبوديّة للخطية! حقًا أعطانا إمكانية الحياة وسط الآلام لكي ننعم بالروح على الميراث مع مسيحنا.

هذا هو موجز حديث الرسول بولس عن "المسيح وناموس الروح"، والآن، لنتبع كلماته الرسولية:

أولاً: الانعتاق من الدينونة: "إذًا لا شيء من الدينونة، الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" [1].

إن كان ناموس الخطيّة يحطم نفسيتنا ويرعبنا، فإن نعمة المسيح ترفعنا لندرك أننا بالمسيح يسوع مُبرّرون، إن سلكنا حسب الروح لا حسب الجسد. لأن برّ المسيح لا يعمل في المتهاونين، الذين يستسلمون مرة أخري للحياة الجسدانيّة.

يقول الأب ثيوناس معلقًا علي هذه العبارة: [نعمة المسيح تحرّر جميع القدّيسين يومًا فيومًا من ناموس الخطيّة والموت، هذا الذي يخضعون له قسرًا، بالرغم من توسّلهم الدائم إلى أن يصفح الله عن تعدياتهم.]

يميز القدّيس يوحنا الذهبي الفم بين ثلاثة أنواع من النواميس: ناموس موسى، وهو روحي لكنه لا يهب الروح ولا يبرر؛ وناموس الخطية العامل في جسدنا وهو يدخل بنا إلى الموت الأبدي؛ وناموس المسيح أو ناموس الروح وهو يهب الروح ويقدم لنا الحياة الأبدية ببرّ المسيح، وبه لا نسلك فيتراخٍ حسب الجسد، بل في قوة الروح.

[كحقيقة واقعة، يسقط كثيرون في الخطيّة حتى بعد المعموديّة ممّا يسبّب صعوبة في الأمر، لذلك أسرع الرسول ليواجه هذا الأمر، لا بقوله "في المسيح يسوع" فحسب، وإنما يضيف "السالكين ليس حسب الجسد"، مظهرًا أن هؤلاء يتركون تراخينا.

الآن لنا القوّة للسلوك "ليس حسب الجسد"، بعد أن كان هذا عملاً صعبًا. وها هو يقدّم برهانه على كلامه هذا، بقوله: "لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني" [2]. فكما دعا الخطيّة "ناموس الخطيّة"، ها هو يدعو الروح "ناموس الروح".

لقد وصف ناموس موسى بأنه روحي (7: 14) فما هو الفرق بينهما؟ الفرق عظيم وبلا حدود، فإن ذاك روحي، أمّا هذا فناموس الروح. ما هو التمييز بينهما؟ الأول مجرّد أُعطي بواسطة الروح، أمّا هذا فيهب الذين يتقبّلونه الروح بغير حدود. لذلك دعاه "ناموس الحياة" مقابل ناموس الخطيّة لا ناموس موسى. فعندما يقول أنه أعتقني من ناموس الخطيّة والموت لا يقصد ناموس موسى...

نعمة الروح القدس توقف الحرب الخطيرة بذبح الخطيّة، فيصير المُقاوم لنا سهلاً بالنسبة لنا، وتُتوِّجنا منذ البداية عينها، وتسحبنا للصراع بعد أن تمدّنا بعونٍ عظيمِ.]

إذًا ناموس المسيح، الذي هو ناموس الروح، هو تمتّع بعطيّة الروح، الذي يحطّم فينا عنف الخطيّة ويسندنا في صراعنا ضدها، واهبًا إيّانا روح الغلبة والنصرة، فنكلّل!

لاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول هو يتحدّث عن السيد المسيح واهب ناموس الروح يوضح أنهذا العمل هو عطيّة الثالوث القدوس محب البشر، الآب أرسل ابنه مبذولاً لأجلنا، والابن قدّم نفسه فِدْية ليدين خطايانا في جسده، والروح القدس يسكن فينا ليعمل بناموسه فينا. هذا هو عمل الثالوث القدوس الذي أعلنه الرسول في العبارة: "لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه في ما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيّة، ولأجل الخطيّة دان الخطيّة في الجسد" [3].

يلاحظ هذا في النص الآتي:

أ. يرى القدّيس يوحنا ذهبي الفم أن الرسول لم يستخف بالناموس بقوله "لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه"، فإنه لم يقل أن الناموس شرّ، وإنما وهو متفق مع السيد المسيح يودّ صلاحنا، لكنه يعجز عن التحقيق. هذا العجز لا يقوم على عيبٍ فيه، وإنما على فسادنا نحن الذين صرنا جسدانيّين، إذ يقول: "كان ضعيفًا بالجسد"، هنا لا يقصد "الجسم الإنساني" إنما الحياة الجسدانيّة.

ويرى القدّيس جيروم أن سرّ العجز في الناموس هو عدم قدرتنا على تنفيذه، إذ يقول: [فقد عجز الناموس، لأنه لم يستطع أحد أن يتمّمه سوى الرب القائل: "ما جئت لأنقض (الناموس) بل لأكمل" (مت 5: 17) .]

- كان الناموس يعمل ليجعل الناس أبرارًا، لكنه لم يستطع، فجاء (المسيح) وفتح طريق البرّ بالإيمان، وبهذا حقّق ما اشتهاه الناموس؛ ما لم يستطيع الناموس أن يحقّقه بالحرف حقّقه هو بالإيمان. لهذا السبب يقول: ما جئت لأنقض الناموس.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

ب. لم يقل "دان الجسد"، وإنما قال: "دان الخطيّة"، فصار الجسم مقدسًا مع النفس، يحمل برّ المسيح وقوة الروح، قادرًا على الغلبة ضد الخطيّة.

ج. يقول الرسول: "أرسل ابنه في شبه جسد الخطيّة"، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم ليس لأنه لم يأخذ جسدًا مثلنا، وإنما لأنه أخذ جسدنا بدون الخطيّة.

- جاء في الجسد، أي في جسد شبه الخطيّة، لكن ليس في جسد خاطىء، إذ لم يخطئ قط، لذلك صار ذبيحة حقيقية عن الخطيّة إذ هو بلا خطيّة.

- أرسل الله ابنه لا في جسد خاطيء بل في شبه جسد الخطيّة، وأرسل الابن هؤلاء الذين وُلدوا بجسد خاطيء لكنهم تقدسوا به من دنس الخطيّة.

القدّيس أغسطينوس

- لم يقل "في شبه الجسد"، إذ أخذ المسيح جسدًا حقيقيًا، وليس شبه جسد، ولا قال "في شبه الخطيّة". لأنه لم يخطيء، إنما صار خطية لأجلنا. جاء فى شبه جسد الخطية... قيل "في شبه" لأنه مكتوب: "هو إنسان من يعرفه؟" (إر 17: 9 الترجمة السبعينية). حسب الناسوت إنسان، في الجسد، حتى يمكن أن يُعرف، لكنه في القوّة هو فوق الإنسان لا يمكن أن يُدرك. أخذ جسدنا لكنه ليس له سقطات الجسد.

القدّيس أمبروسيوس

- جاء من هذا الجسد، لكنه ليس كسائر البشر، لأن العذراء لم تحبل به بالشهوة وإنما بالإيمان.

جاء في العذراء هذا الذي هو قبل العذراء.

اختارها الذي أوجدها، خلقها ذاك الذي سبق فاختارها.

وهبها الإثمار ولم ينزع عنها طهارتها التي لم تمس.

القدّيس أغسطينوس

د. جاء في تعليقات القدّيس أثناسيوس الرسولي وغيره من الآباء تأكيد علّة قبوله "شبه جسد الخطيّة"، ألا وهو اتحاده بطبيعتنا لننعم بالاتحاد معه، ونتمتع بعمله فينا بكوننا أعضاء جسده.

- صار إنسانًا ليؤلهنا فيه.

وُلد من امرأة، من عذراء، ليغير جيلنا الخاطي، فيصير جنسًا مقدسًا، شركاء في الطبيعة الإلهية، كما كتب الطوباوي بطرس (2 بط 1: 4).

- بسبب حسن مُسح الرب الذي بطبيعته غير المتغيّرة هو محب للبرّ ومبغض للإثم، وأُرسل دون أن يتغير حاملاً الجسد المتغير ليدين فيه الخطيّة، ويؤكّد له الحرّية والقدرة، محققًا برّ الناموس فيه، بهذا يمكننا أن نقول: لسنا في الجسد بل في الروح، إن كان روح الله ساكنًا فينا (رو 8: 9).

البابا أثناسيوس الرسولي


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 8 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 8 جـ2 PDF Print Email
ثانيًا: التمتّع بالبرّ

لم يقف الأمر عند حدود العتق من الدينونة، وإنما نحمل البرّ الذي يشتاق الناموس أن نتمتع به لكنه يعجز عن تقديمه.

يقول الرسول: "لكي يتم برّ الناموس فينا، نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" [4].

ماذا يعني أن يتحقّق برّ الناموس فينا؟ يري القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن "البرّ" هنا لا يعني مجرّد عدم وجود خطيّة، وإنما [البر بالنسبة لنا هو التمتّع بالنصرة]، وأن البرّ لا يعني مجرّد الامتناع عن الخطيّة، وإنما التزيّن بالصلاح أيضًا، فلا يقف عند السلبيات، إنما يجب ممارسة الإيجابيات.

مرة أخرى يؤكّد القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن "البرّ" حياة ديناميكية مستمرّة، وعمل روحي غير متوقف، لذا يقول: [في هذه العبارة يظهر بولس أن المعموديّة لا تكفي لخلاصنا ما لم نمارس حياة لائقة بهذه العطيّة بعد نوالها.]

ثالثًا: الانشغال باهتمام الروح لا باهتمام الجسد

"فإن الذين هم حسب الجسد فيما للجسد يهتمون، ولكن الذين حسب الروح فيما للروح، لأن اهتمام الجسد هو موت، ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام، لأن اهتمام الجسد هو عداوة الله، إذ ليس هو خاضعًا لناموس الله، لأنه أيضًا لا يستطيع، فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله، وأمّا أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، أن كان روح الله ساكنًا فيكم..." [5-9].

يلاحظ في حديث الرسول بولس عن اهتمام الروح واهتمام الجسد الآتي:

أ. لا يقارن الرسول هنا بين جوهر الجسد أي الجسم بأعضائه وبين الروح، وإنما بين اهتمام الجسد واهتمام الروح، فيقصد باهتمام الجسد شهوات الجسد واهتماماته واشتياقاته الجسدانيّة، ويقصد باهتمام الروح اشتياقات الروح واهتماماتها الروحيّة.

مرة أخرى نؤكد أن الإنسان بجسده وروحه يمثل وحدة واحدة، إن ترك لجسده العنان يتلذّذ بشهوات جسدانية، يتعدّى الجسد حدوده فيُحسب جسدانيًا، إذ يسلك الإنسان ككل بفكره ونفسه وجسده، بطريقة جسدانيّة، وكأنه قد صار جسدًا بلا روح. وعلي العكس إن سلّم حياته كلها تحت قيادة الروح القدس تتقدّس روحه الإنسانيّة، ويتقدّس جسده بكل أحاسيسه وعواطفه، فيسلك الإنسان ككل، كما لو كان روحًا بلا جسد، إذ يتصرف حتى الجسد بطريقة روحية.

خلال هذه النظرة يمكننا أن نعرف اهتمام الجسد، بمعنى ترك الإنسان الجسد على هواه ليتعدّى حدوده، فتخضع حتى النفس لتحقيق هوى الجسد، أمّا اهتمام الروح فيعني خضوع الإنسان لروح الله، فيسلك كإنسان روحي، يحقّق هوى الروح. الأول يثمر موتًا للنفس والجسد على مستوى أبدي، والثاني يهب حياة وسلاما أبديًا [6]. الأول يخلق عداوة لله [7] إذ يطلب الإنسان ملذاته على حساب صداقته مع الله، أمّا الثاني فيجد رضّا في عيني الله.

بهذا الفهم يفسّر القدّيس يوحنا ذهبي الفم العبارة: "فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله" [8]، قائلاً: هل نقطع جسدنا إربًا حتى نرضي الله، هاربين من طبيعتنا البشريّة؟ هذا التفسير الحرفي غير لائق، فهو لا يقصد الجسم الإنساني ولا جوهره، إنما يعني الحياة الحيوانيّة العالميّة المستهترة التي تجعل الإنسان جسدانيًا، حتى النفس تصير جسدانية، فتتغيّر طبيعتها ويتشوّه نبلها.

وأيضًا حين نسمع: "أمّا أنتم فلستم في الجسد بل في الروح"، لا نفهم بهذا أننا خلعنا الجسم الإنساني، لكنّنا ونحن في هذا الجسم قد تركنا تيّار الشهوات الجسدانيّة، فصرنا كمن هم بلا جسد من جهة الشهوات. استخدم السيد المسيح نفسه هذا التعبير حين قال لتلاميذه: "أنتم لستم من هذا العالم"، بمعنى أنهم لا يحملون فكر العالم الأرضي وشهواته الزمنيّة بالرغم من وجودهم في العالم.

بنفس المعنى يقول القدّيس إيريناؤس: [بهذه الكلمات لا يجحد مادة الجسم، وإنما يظهر ضرورة أن يكون الروح القدس منسكبًا فيه. فهو بهذا لا يمنعهم من الحياة وهم حاملون الجسد، إذ كان الرسول نفسه في الجسد حين كتب لهم هذا، إنما كان يقطع شهوات الجسد التي تجلب الموت للإنسان.] كما يقول: [لا يتحقّق هذا بطرد الجسد وإنما بشركة الروح، لأن من يكتب إليهم ليسوا بدون جسد، إنما تقبّلوا روح الله الذي به نصرخ: "أبا الآب" (8: 15).]

ويرى القدّيس إكليمنضس السكندري أن التعبيرين "في الروح" و"ليسوا في الجسد" إنما يعني أن الغنوسيّين أي أصحاب المعرفة الروحيّة الحقّة يرتفعوا فوق أهواء الجسد: [إنهم اسمى من اللذّة، يرتفعون فوق الأهواء، يعرفون ماذا يفعلون. الغنوسيّيون أعظم من العالم.]

ب. إن اهتمام الروح ليس من عنديّاتنا، إنما هو ثمر سكنى السيد المسيح فينا، الذي بسكناه يُميت الحياة الجسدانيّة الطائشة، فيحيا الإنسان بكلّيّته، جسمًا ونفسًا، في انسجام كعضو في جسد المسيح، إذ يقول الرسول: "وإن كان المسيح فيكم، فالجسد ميّت بسبب الخطيّة، وأمّا الروح فحياة بسبب البرّ [10]

السالك بالروح القدس إنما ينعم بالمسيح أيضًا ساكنًا فيه، إذ يقول الرسول: "وإن كان المسيح فيكم..." وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ينطق (الرسول) بهذا لا ليؤكّد أن الروح هو نفسه المسيح، حاشا، وإنما ليُظهر أن من له روح المسيح، يكون له المسيح نفسه. فإنه لا يمكن إلا حيث يوجد الروح يوجد المسيح أيضًا، لأنه حيث يوجد أحد الأقانيم الثلاثة يكون الثالوث القدوس حالاً، لأن الثالوث غير منقسم على ذاته، بل له وحدة فائقة للغاية... الآن تأمّل عظمة البركات التي ننعم بها بنوالنا الروح: بكونه روح المسيح، يكون لنا المسيح نفسه، ونصير مناظرين للملائكة، وننعم بالحياة الخالدة، ونتمسّك بعربون القيامة، ونركض بسهولة في سباق الفضيلة.]

يكمل القدّيس الذهبي الفم تعليقه على العبارة الرسولية مظهرًا أن الجسد الذي لم يكن خاملاً فحسب بسبب الخطيّة بل كان ميتًا، ها هو بالمسيح الساكن فينا صار رشيقًا يركض بسهولة في ميدان الفضيلة لينال الجعالة... الجسد بذاته ميّت بالخطيّة لكن بالله الروح تمتّع بالحياة التي لا تنحلّ، وصار له برّ المسيح.

هكذا إذ يتحدّث عن سكنى المسيح فينا يُعلن عن "برّ المسيح" الذي لا يقف عند إماتة الحياة الشهوانيّة الجسدانيّة وإنما ينعم بتجلّي الحياة بحسب الروح [10]... يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس يشجّع السامع معلنًا عن البرّ كمصدر للحياة، لأنه حيث لا توجد خطيّة لا يوجد الموت، وحيث لا موت تكون الحياة غير قابلة للانحلال.

رابعًا: التمتّع بالقيامة

إن كان ناموس الخطيّة قانونه الموت الأبدي، فإن ناموس الروح الذي يهبه لنا المسيح قانونه القيامة من الأموات، على مستوى أبدي. يهبنا السيد المسيح روحه القدوس ساكنًا فينا، الروح الذي أقام السيد المسيح من الأموات، إذ هو قادر أن يقيم طبيعتنا الساقطة، فينزع عنها ناموس الخطيّة أو الحياة الجسدانيّة الشهوانيّة ليهبنا الطبيعة الجديدة، الطبيعة المُقامة في المسيح يسوع، يسودها ناموس القيامة والحياة. هذا ما أعلنه الرسول بقوله: "وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات، سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم" [11].

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:

[مرة أخرى يمسّ (الرسول) نقطة القيامة بكونها أكثر الأمور تبعث الرجاء في السامع، وتهبه ضمانًا لما يُحدّث له في المسيح، فلا تخف إذن لأنك مثقّل بجسد مائت. ليكن لك الروح فستقوم ثانية لا محالة...

حقًا سيقوم الكل، لكن لا يقوم الكل ل لحياة، إنما يقوم البعض للعقاب والآخرون للحياة (يو 5: 29)...

أنه لا يعاقبك إن رأى روحه يشرق فيك، بل يوقف العقاب... ويدخل بك إلى حِجال العرس لتكون هناك مع العذارى (تك 25: 12).

ليتك إذن لا تسمح لجسدك (الحياة الجسدانيّة) أن يعيش في هذا العالم، لكي يعيش جسدك هناك.

ليمت كي لا يموت! فإن احتفظت به هنا حيًا لا يعيش، وإن مات يحيا.

هذا هو حال القيامة بوجه عام. إذ يجب أن يموت أولاً ويدفن، عندئذ يصير خالدًا.

ولكن هذا يُحدّث في جرن المعموديّة، حيث يتحقّق الصلب والدفن وعندئذ القيامة. هذا أيضًا ما حدث بالنسبة لجسد الرب، إذ صُلب ودفن وقام. ليحدث هذا أيضًا بالنسبة لنا، فتكون لنا الإماتة المستمدة عن أعمال الجسد. لا أقصد موت جوهر الإنسان، فإن هذا بعيد عن قصدي، إنما موت ميوله نحو الأمور الشرّيرة، فإن هذا هو الحياة أيضًا، بل ما هو هذا إلا حياة.]

يرى القدّيس أمبروسيوس في هذه العبارة الرسولية: "سيحيّ أجسادكم المائته أيضًا بروحه الساكن فيكم" [11]، تأكيدًا لوحدة العمل بين الثالوث القدوس، فإن الآب يحيي من يشاء، وأيضًا الابن (يو 5: 21)، كذلك الروح القدس. وقد جاء في حزقيال: "هلم يا روح من الرياح الأربع وهبّ على هؤلاء القتلى ليَحيوا... فدخل فيهم الروح فحَيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدًا جدًا" (حز 37: 9-10).


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 8 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 8 جـ3 PDF Print Email
خامسًا: الشعور بالدين للروح

"فإذن أيها الإخوة نحن مدينون ليس للجسد لنعيش حسب الجسد، لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون، ولكن إن كنتم بالروح تُميتون أعمال الجسد فستحيون" [12-13].

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة هكذا:

[بعد أن أظهر عظم مكافأة الحياة الروحيّة إذ تجعل المسيح ساكنًا فينا، وتُحيي أجسادنا المائتة، وتهبها أجنحة لتطير بها إلى السماوات، وتجعل طريق الفضيلة سهلاً، بلياقة، يحثنا لتحقيق هذا الهدف. لم يقل: "يلزمنا ألا نعيش حسب الجسد"، وإنما قال هذا بطريقة أكثر إثارة وقوة هكذا: "نحن مدينون للروح". هذا ما عناه بقوله. "نحن مدينون ليس للجسد".

في كل موضع يؤكّد أن ما يقدّمه الله لنا ليس على سبيل الدين وإنما مجرّد نعمة (مجّانية). ولكن بعد هذا يوضّح أن ما نفعله نحن ليس بتقدمة اختياريّة، إنما هو دين (مقابل معاملات الله لنا)، إذ يقول: "قد اُشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيدًا للناس" (1 كو 7: 23)، كما يكتب: "إنكم لستم لأنفسكم" (1 كو 6: 19)، وفي موضع آخر يثير ذات الفكر في أذهانهم بقوله: "وهو مات لأجل الجمع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم" (2 كو 5: 15). لقد أراد أن يثبت هذا بقوله: "نحن مدينون"... بقوله: "نحن مدينون ليس للجسد"، ولئلاّ تظن أنه يتحدّث عن طبيعة الجسد قال: "إن عشتم حسب الجسد"...

يقدّم لنا هنا تعليمًا... وهو أنه يلزمنا ألا نعيش حسب الجسد، بمعنى ألا نجعله سيِّد حياتنا، إنما ليكن الجسد هو التابع لا القائد، ليس هو الذي يدبِّر حياتنا، بل ناموس الروح هو الذي يدبرها. بإبرازه هذه النقطة، وتأكيده أننا مدينون بالروح، وإظهاره منافع هذا الدين الذي علينا للروح، لا يتحدّث عن الأمور الماضية بل عن الأمور المقبلة... فإن نفع الروح لا يقف عند هذا فقط، إنه حرّرنا من خطايانا السابقة، بل يهبنا حصانة ضد خطايانا المقبلة، ويحسبنا أهلاً للحياة الخالدة (ستحيون).]

- وهبك المخلص الروح الذي به تميت أعمال الجسد.

القدّيس أغسطينوس

سادسًا: التمتّع بروح البنوّة

ركّز الرسول بولس في هذا الأصحاح وهو يتحدّث عن "ناموس الروح، وبرّ المسيح"، عن شعورنا أننا مدينون للروح القدس الذي يعتقنا من الدينونة مادمنا نسلك حسب الروح، ويهبنا روح الغلبة والنصرة فنواجه حرب الخطايا بقوّة، ونركض في ميدان الفضيلة، منطلقين نحو السماء كما بأجنحة الروح. أخيرًا، يكشف لنا الرسول عن عمل هذا الروح الإلهي فينا، لا بتقديم إمكانيات إلهية إلينا فحسب، وإنما بتجديد مركزنا بالنسبة لله، فيعتقنا من العبوديّة لنحتل مركز البنوّة الفائق الذي به نصرخ نحو الآب قائلين: "يا أبّا الآب"، نُحسب بالحق أولاد الله، لنا حق الميراث مع المسيح.

"لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله، إذ لم تأخذوا روح العبوديّة أيضًا للخوف، بل أخذتم روح التبنّي الذي به نصرخ يا أبّا الآب؛ الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله" [14-16].

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العطيّة بقوله:

[الآن فإن هذه أيضًا أعظم كرامة من الأولى. ولهذا لم يقل "لأن كثيرين يعيشون بروح الله"، إنما يقول "لأن كثيرون ينقادون بروح الله"، مظهرًا أنه يستخدم سلطانًا على حياتهم (يقتادهم) كربانٍ يقود سفينة، أو سائق مركبة على زوج من الفرس، فهو لا يقود الجسد فقط وإنما النفس أيضًا، يملك عليهما... ولأنه يخشى بسبب الثقة في عطيّة جرن المعموديّة يهملون في رجوعهم بعد نوالهم العماد، لذا يود أن يقول لهم أنكم وإن نلتم المعموديّة ولا تنقادون للروح فإنكم تفقدون الكرامة التي نلتموها وسمو بنوّتكم.]

يرى ذات القدّيس أن قول الرسول: "لم تأخذوا روح العبوديّة" يُشير إلى العهد القديم حيث لم ينل اليهود روح البنوّة، إنما بنوالهم الناموس مجردًا عاشوا تحت تهديدات العقوبة في خوف كعبيدٍ، أمّا في العهد الجديد فلم تعد مكافأة الوصيّة أمورًا زمنية ولا عقابها زمنيًا، إنما قُدمت الوصيّة للبنين، ليكون الله نفسه هو مكافأتنا، ننعم به أبًا أبديًا، نناديه "أبًا"، وهي كلمة أرامية توجه لمناداة الأب.

يُعلّق القدّيس أغسطينوس على القول: "روح العبوديّة أيضًا للخوف"، قائلاً: [يوجد نوعان من الخوف ينتجان صنفين من الخائفين. هكذا يوجد نوعان من الخدمة يقدّمان نوعين من الخدام. يوجد خوف يطرده الحب الكامل خارجًا (1 يو 4: 18)، كما يوجد نوع آخر من الخوف هو طاهر ويبقى إلى الأبد (مز 19 : 9). يُشير الرسول هنا إلى الخوف الذي ليس للمحبّة... كما يُشير في موضع آخر إلى الخوف الطاهر، بقوله: "لا تستكبر، بل خف" (رو 11: 20).]

بهذا الروح نحمل لغة البنين في حديثنا مع الله كأب لنا، فنصرخ بالروح القدس الساكن فينا، واهب البنوة، لنقول: يا "أبًا". هذا الصوت الذي نصرخ به كما يقول القدّيس جيروم: [لا يخرج من الشفاه بل من القلب، ففي الحقيقة يقول الله لموسى: "مالك تصرخ إليّ؟" (خر 14: 15)، وبالتأكيد لم ينطق موسى بكلمة.]

- بالحري يجدر بهم أن يفهموا أنهم إن كانوا أبناء الله، فبروح الله ينقادون ليفعلوا ما ينبغي فعله. وعندما يفعلون هذا يقدّمون الشكر لله الذي به فعلوا... وهذا لا يعني أنهم لم يفعلوا شيئًا (أي لا يحرمون من نسبة هذه الأعمال إليهم).

- إنه يعني عندما تميتون بالروح أعمال الجسد فتحيون [13] مجدوا الله، اشكروه، قدّموا له التشكرّات، ذاك الذي تنقادون بروحه، لكي تقدروا على السير في هذه الأمور لتظهروا كأبناء الله.

القدّيس أغسطينوس

يحدّثنا القدّيس كبريانوس عن التزاماتنا كأولاد الله، قائلاً: [إن كنّا أولادًا لله، إن كنّا بالفعل قد بدأنا أن نكون هياكله، إن كنّا نقبل روحه القدوس، يلزمنا أن نحيا بالقداسة والروحانيّة. إن كنّا نرفع أعيننا عن الأرض نحو السماء، إن كنّا نرفع قلوبنا، ونمتليء بالله (الآب) والمسيح بالعلويات والإلهيات، فليتنا لا نفعل إلا ما يليق بالله والمسيح، كما يحثّنا الرسول، قائلاً: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، اهتمّوا بما فوق لا بما على الأرض، لأنكم قد مُتم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله، متى أُظهر المسيح حياتنا، فحينئذ تُظهرون أنتم أيضًا معه في المجد" (كو 3: 1-4). ليتنا نحن الذين في المعموديّة متنا ودفنا عن الخطايا الجسديّة التي للإنسان القديم وقمنا مع المسيح في التجديد السماوي نفكر في أمور المسيح ونمارسها.]

هذا ويروي القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص إن عطيّة البنوّة التي ننالها بالروح القدس هي عطيّة السيد المسيح نفسه، هذا الذي حمل مالنا ليهبنا ما له، فحمل موتنا ولعنتنا وخطايانا وعبوديتنا لينزع هذا كله عنّا، فلا نُحسب بعد عبيدًا بل أبناء وأحباء.

ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على تعبير "أبًا الآب"، قائلاً أن كلمة "أبا" تقابل في اللاتينية Pater وهي تعني أيضًا "الآب"، وكأن الكنيسة تكرر الكلمة، إذ تصرخ بلغة اليهود "أبًا" وبلغة الأمم "الآب"، فهي كنيسة واحدة تضم أعضاء من اليهود والأمم يشعر الكل بأبوة الله لهم بلا تمييز.

يشهد بهذه البنوّة الروح القدس نفسه الذي يسكن فينا واهبا إيّانا "كرامة البنوّة"، إذ يقول الرسول: "الروح نفسه أيضًا يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله" [16].

سابعًا: التمتّع بالميراث

إذ ننال روح البنوة، نُحسب أبناء الله لنا حق الميراث الأبدي، وكما يقول الرسول: "فإن كنّا أولادًا فإننا ورثة أيضًا، ورثة الله، ووارثون مع المسيح" [17].

ظن اليهود أنهم كأصحاب للناموس هم ورثة المواعيد دون سواهم، لكن الرسول بلطفٍ يكشف لهم أن الأمم إذ نالوا روح البنوّة بالمعموديّة صاروا ورثة الله، وكما قال السيد المسيح نفسه: "أولئك الأردياء يهلكهم هلاكا رديًا ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين" (مت 21: 41)، كما قال: "وأقول لكم أن كثيرون سيأتون من المشارق والمغارب ويتّكئون مع إبراهيم واسحق في ملكوت السماوات، وأمّا بنو الملكوت فيُطرحون إلى الظلمة الخارجية" (مت 8: 11-12).

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أضاف إلي قوله إننا ورثة الله "وارثون مع المسيح". لاحظ طموحه، فإنه يريد أن يقترب بنا إلي السيد. فحيث أنه ليس كل الأبناء ورثة أظهر أننا أبناء وورثة أيضًا. ولما كان ليس كل الورثة ينالون ميراثا عظيمًا أبرز هذه النقطة بكوننا ورثة الله. مرة أخرى إذ يمكن أن نكون ورثة لله ولكن ليس ورثة مع الابن الوحيد أظهر أن لنا هذا أيضًا.]

ثامنا: الشركة مع المسيح المتألم والممجد

إن كان الروح القدس يهبنا الميراث كأبناء لله، نرث الله مع المسيح… فإن هذا الميراث هو عطية مجانية لا فضل لنا فيها، لكنها لا تُقدم للخاملين بل للجادين في الشركة مع المخلص، الذين لهم شركة في آلامه يتمتعون بشركة أمجاده " إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضا معه " [17].


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 8 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 
<< Start < Prev 1 2 3 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


14 مسرى 1733 ش
20 أغسطس 2017 م

تذكار معجزة القديس ثاؤفيليس 23

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك