إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أحب الكل وأنت بعيد عن الكل
الأنبا ارسانيوس

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل أفسس اصحاح 6 جـ2 PDF Print Email
2. علاقات العمل

إن كانت الكنيسة هي "حياة" معاشة في المسيح يسوع ربنا، تُعلن خلال عبادتنا في حياتنا الزوجية والأسرية، فإنها تمس أيضًا علاقات العمل التي تربط صاحب العمل بعماله، والرئيس بالمرؤوسين، والسيد بالعبد، ولما كانت العلاقة بين السيد وعبده - في العصر الرسولي - لا يحكمها قانون مدني ما، إنما أعطى العالم للسادة حق التصرف في عبيدهم كقطعة أثاث بلا ثمن، يستغلهم لصالحه دون أية اعتبارات إنسانية أو طبيعية، فكان بعض السادة أحيانًا يعذبون عبيدهم حتى تسيل آخر قطره من حياتهم بلا مدافع عنهم، لذا عالج الرسول بولس هذه المشكلة لا على أساس اجتماعي ثوري، وإنما على مستوى روحي فائق، خلاله تتغير العلاقة من جذرها لا خلال قوانين زمنية متغيرة، وإنما خلال التقاء العبيد والسادة معًا تحت ظل صليب واحد، لينعما بخلاص واحد وبميراث أبدي مشترك.

يقول الرسول:

"أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ، لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ كَعَبِيدِ الْمَسِيحِ، عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْبِ، خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَمَا لِلرَّبِّ، لَيْسَ لِلنَّاسِ. عَالِمِينَ أَنْ مَهْمَا عَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ فَذَلِكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ، عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا" [٥-٨].

يلاحظ في هذا النص الآتي:

أولاً: لم يقف التعليم الرسولي ثائرًا على أوضاع اجتماعية معينة، إنما مصلحًا لها بهدوء وبقوة وفاعلية، دون أن يدخل مع العالم في منافسة أو مكابرة. فإن كان وضع المجتمع في ذلك الحين أوجد طبقة السادة وأخرى طبقة العبيد، لم يهاجم الرسول ذلك، ولا طالب العمال بثورة وانفعال إنما طالبهم بمعالجة الأمر خلال كسب السادة بالحب الداخلي غير المرائي، بخدمة القلب الخالصة لا خدمة الإلزام المنافقة. خدمة من أجل الرب، قادرة أن تسحب قلب السيد من ظلمه وفساده لتذوق عذوبة عمل الإنجيل في "العبيد" ليصير العبيد معلمين للسادة بحياتهم.

يقول القديس أغسطينوس: [وضع التعليم الرسولي السيد فوق العبد، والعبد تحت السيد، لكن المسيح دفع ثمنًا واحدًا لكليهما. لا تحتقر إذن من هم أقل منك، بل اطلب خلاص كل من في بيتك بكل اجتهاد.]

ثانيًا: رفع الرسول من شأن العبيد، فإن وإن كان قد طالبهم بالطاعة لسادتهم حسب الجسد، لكنه أبرز بقوة فاعليتهم حتى في حياة سادتهم الوثنيين متى سلكوا في المسيح يسوع.

- هكذا ليس فقط الأزواج والزوجات ولا الأطفال وإنما حتى العبيد الفضلاء يساهمون في تنظيم البيت وصيانته. لهذا فإن الطوباوي بولس لم يتجاهل هذه الطبقة... لقد قدم لهم حديثًا طويلاً، وليس كالأبناء (حديثًا مختصرًا)، حدثهم بطريقة متقدمة فلم يعدهم بأمور هذا العالم (العمر الطويل) وإنما بأمور العالم الآتي... فإنهم وإن كانوا من جهة الكرامة أقل من الأبناء، لكنهم من جهة الفكر أكثر سموًا منهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثالثًا: مع أن الرسول يطالبهم بالطاعة بخوفٍ ورعدةٍ، لكنه يؤكد لهم أن عبوديتهم ليست دائمة إنما هي - حسب الجسد - وقتية، تنتهي بموت الجسد ليقوم الكل معًا بلا تمييز بين سيدٍ وعبٍ. إنه يؤكد أن عبوديتهم حسب الجسد، أما العبودية حسب الروح فالكل يخضع لها، سادة وعبيد، للرب الواحد، سيد الكل!

- إذ أثار جرح النفس (بتذكر العبودية) لطفه في الحال. يبدو كمن يقول: لا تحزن، أنت أقل من الزوجة والأبناء، لكن العبودية ليست إلاَّ اسمًا، فإن السيادة هنا "حسب الجسد"، سيادة قصيرة ومؤقتة، لأن ما هو من الجسد زائل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

رابعًا: سبق فتحدثنا عن خضوع المرأة لرجلها وطاعتها له لا تعني الإقلال من كرامتها أو عدم مساواتها لرجلها، إنما هو خضوع الحب والطاعة في الرب، فتحمل سمة المسيح الذي أطاع حتى الموت. الآن نكرر القول أن العبد الصالح لا يرى في وصية الرسول: "أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ" [٥]، مذلة ومهانة، بل امتثالاً بالمسيح يسوع نفسه الذي صار من أجلنا عبدًا!

خلال العضوية في جسد المسيح تسمو فضيلة الطاعة والخضوع، فتصير علامة شركة مع الرأس الذي وهو السماوي صار عبدًا، فيُحسب ذلك مجدًا وكرامة!

- كأنه يقول: إن كنت قد أوصيت الأحرار أن يخضع كل واحدٍ للآخر في مخافة الرب، كما سبق فقال قبلاً: "خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ" (٥: ٢١)، وإن كنت قد أوصيت أيضًا الزوجة أن تهاب رجلها وتكرمه مع أنها على قدم المساواة معه، فبالأولى يلزمني أن أتحدث مع العبد. فإن ذلك ليس علامة انحطاط مولده، بل بالحري علامة نبله الحقيقي، إذ يعرف كيف يتواضع ويكون وديعًا ومخليًا ذاته من أجل أخيه. أيضًا ليخدم الحرّ أخاه الحرّ بأكثر خوف ورعدة.

يقول: "فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ". حسنًا يقول هذا، إذ يمكن للإنسان أن يخدم بخوفٍ ورعدةٍ، لكن بإرادة غير صالحة، كيفما يكون الحال. كثير من العبيد في بعض الأحوال يغشون سادتهم خفية. إنه ينزع هذا الغش بقوله: "فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ، لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ..." [٥-٧]. انظروا كم من الكلمات يستخدمها ليضع هذا الأساس الصالح...؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

خامسًا: يؤكد الرسول بولس في هذا النص أمانة أولاد الله في العمل حتى وإن كانوا عبيدًا يعملون لدى سادة قساة، فهم لا يخدمون البشر، بل يعملون من أجل الرب، لا يهتمون بإرضاء الناس - حتى وإن كانوا سادتهم - بل بحمل المشيئة المقدسة بكامل حريتهم. لتكن الأمانة طبعهم بغض النظر عن الظروف المحيطة بالعمل، وعن مركزهم في العمل.

- ليكن العمل المستقيم خاصًا بك لا تمارسه عن اضطرار...

إنه يحث من يُعامل معاملة سيئة بواسطة الغير أن يمارس الصلاح (الأمانة في العمل) كأمر خاص به وكعمل يصدر بحرية إرادته.

- من يرضي الناس ليس عبدًا للمسيح (غلا ١: ١٠)...

- مارسه بسرور لا عن اضطرار، مارسه كمبدأ (في حياتك) وليس تحت ضغط، فإنك إن فعلت هذا لا تكون عبدًا، ما دمت تفعله عن مبدأ، بمشيئة صالحة، من القلب، ومن أجل المسيح. فإن هذه هي العبودية التي مارسها بولس الحرّ ومجدها: "فإننا لسنا نكرز بأنفسنا بل بالمسيح يسوع ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع" (٢ كو ٤: ٥).

القديس يوحنا الذهبي الفم

سادسًا: قدم الرسول بولس المكافأة لأمانة العبد المؤمن التقي، قائلاً: "عَالِمِينَ أَنْ مَهْمَا عَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ، فَذَلِكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ، عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا" [٨]. وقد قدم لنا تاريخ الكنيسة أمثلة حية لهذه المكافأة، إذ لم ينسى تعب المحبة الذي قدمه عبيد وإماء فكسبوا سادتهم للمسيح، وربحوهم إخوة لهم وورثة معهم أبديًا! لقد تتلمذ كثير من السادة - رجال ونساء - تحت يدي عبيدهم وإمائهم بسبب قلوبهم المتسعة حبًا في الرب، تتلمذوا لهم بغير خجلٍ!

لقد قدم تاريخ الكنيسة كثير من العبيد صاروا أساقفة وكهنة كارزين بالحق، وإماء صرن أمهات قديسات يتلمذن عذارى شريفات بروح المحبة الإنجيلية.

نستطيع في الختام أن نقول بين الرسول بولس قد أعطى ضربة قاضية للعبودية من الداخل، في أعماق جذورها، لا برفضها أو مهاجمتها، ولكن بتحطيم نظمها، إن وُجدت لها نظم.

الآن بعد أن ضرب العبودية في أعماقها يقدم وصيته للسادة المؤمنين: "وَأَنْتُمْ أَيُّهَا السَّادَةُ، افْعَلُوا لَهُمْ هَذِهِ الأُمُورَ، تَارِكِينَ التَّهْدِيدَ، عَالِمِينَ أَنَّ سَيِّدَكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي السَّمَاوَاتِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُحَابَاةٌ" [9].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة قائلاً: ["افْعَلُوا لَهُمْ هَذِهِ الأُمُورَ"؛ ما هي هذه الأمور؟ "خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ". على أي الأحوال لم يقل فعلاً "اخدموهم" بل بوضوح أظهر هذا المعنى، فالسيد نفسه هو خادم (لعبده)... آه، أي سيد قدير هذا الذي يشير إليه هنا!]

يكمل القديس يوحنا الذهبي الفم تعليقه موضحًا أنه إن كان السيد يتعامل مع عبد، فليعلم أنه هو نفسه عبد لسيد، وأنه بالكيل الذي به يكيل يُكال له (مت ٧: ٢). يليق به أن يترفق بأخيه العبد فيترفق الرب به، وإلاَّ فإنه يسمع ذلك الصوت: "أيها العبد الشرير كل ذلك الدين تركته لك..." (مت ١٨: ٣٢). الله ليس عنده محاباة، يعامل السيد كما العبد، إن ترفق السيد بعبده يترفق هو به، وإن استخدم التهديد عرض نفسه بنفسه لذات الفعل.

- يقول: "وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُحَابَاةٌ". يود أن يقول: لا تظن أنه يغفر لك لأنك ما ترتكبه إنما هو في حق عبد. حقًا إن الشرائع الوثنية - كشرائع بشرية - تضع تمييزًا بين مثل هذه الأنواع من المعاصي، لكن شريعة الرب العام سيد الكل، لا تعرف هذا، فهو يقدم الخيرات للكل بلا تمييز، ويدبر الحقوق عينها للجميع.

لكن ربما يسأل أحد: فلماذا العبودية؟ وكيف دخلت إلى الحياة البشرية؟... أخبركم بأن العبودية هي ثمرة الطمع والانحطاط والبربرية، فلا نعرف أن عبيدًا كانوا لنوح أو هابيل أو شيث ولا لمن جاءوا بعدهم...

قد تقول: حسنًا. لكن إبراهيم كان له عبيد. نعم، لكنه لم يستغلهم كعبيد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. الجهاد الروحي

إذ رفع من شأن الكنيسة فأعلن بإتحادها بالسيد المسيح، بكونها جسده، وأوضح أنها حياة غالبة، لها سماتها الفائقة التي تتجلى في حياة أولادها سواء في حياتهم التعبدية أو علاقاتهم الزوجية أو الأسرية أو خلال العمل اليومي، فقد دفع السيد المسيح ثمن هذه الحياة: حياته المبذولة حبًا من أجلنا! هذا ما أكده الرسول بولس خلال هذه الرسالة بوضوح وقوة. والآن قبل أن يختم رسالته أراد إبراز دورنا الإيجابي إذ نتعرض لهجوم عنيف لا من البشر وإنما من إبليس، لأن قيام الكنيسة كمملكة للمسيح فيه تحطيم لمملكة الظلمة وانهيار لكيانها؛ لذا جاء الحديث صريحًا عن مقاومة عدو الخير لنا والتزامنا بالتسلح روحيًا ضد الظلمة حتى نمارس حياتنا الكنسية النامية.

يقول الرسول:

"أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" [١٠-١٢].

ويلاحظ في هذا النص الأتي:

أولاً: إذ عرف كل مؤمن موقعه في الكنيسة، سواء كان كاهنًا أو من الشعب، سواء كان زوجًا أو زوجة أو ابنًا أو والدًا أو والدةً، سواء كان عبدًا أو سيدًا. لكل عضو تمايزه ومواهبه، ولكلٍ وصيته الخاصة به التي تناسب موقعه، لكن هنا وصية عامة يلتزم بها جميع الإخوة كأعضاء في جسد الرب، ألا وهي "تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ" [١٠]. الكل إخوة، بكونهم أعضاء في الجسد الواحد، وإن حمل الكهنة نوعًا من الأبوة الروحية لأبنائهم في الرب كما يحمل الآباء حسب الجسد أو بالتبني لأولادهم. فإن الكل يحمل نوعًا من الأخوة. خلال هذه الأخوة العامة يشترك الجميع في حربٍ واحدةٍ ضد عدوٍ مشتركٍ يحاول تحطيم الكل.

- "أَخِيرًا تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ" [١٠] ... إذ يوشك المقال على الانتهاء كعادته يتجه إلى هذا (الحديث عن الجهاد الروحي).

انظروا، إذ ينتزع (فوارق) الأعمال المتنوعة، يسلحهم ويقودهم إلى الحرب (الروحية). فإنه إذ لا يقتحم احد وظيفة غيره، إنما يبقى في موقعه، يكون الكل قد تدبّر حسنًا.

"تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ" [١٠]، بمعنى "في الرجاء" الذي لنا في الرب خلال عونه لنا... ضعوا رجاءكم في الرب، فيصير كل شيء سهلاً.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الى أهل أفسس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل أفسس +
 


7 توت 1736 ش
18 سبتمبر 2019 م

نياحة البابا ديسقورس25 (171م - 454 ش)
نياحة القديس سوريانوس أسقف جبلة (405م -121ش)
نياحة البابا يؤانس الثاني عشر "93" (1483م )
استشهاد القديسة رفقة وأولادها الخمسة (أغاثون.بطرس.يوحنا.أمون.امونة) 303-305م

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك