إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

بينما يبحث علماء اللاهوت فى هذه الأمور العويصة يكون كثير من البسطاء تسللوا داخلين إلى ملكوت الله

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل أفسس اصحاح 4 جـ5 PDF Print Email
ثانيًا: من جهة كل عضو

لا يمكن فصل العضو عن الجماعة، ولا الجماعة عن العضو، كل نموٍ في حياة الجماعة هو لبنيان الأعضاء، وكل نموٍ حقيقيٍ في حياة الأعضاء هو لبنيان الجماعة. لذلك إذ نسمع تعبير "قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ" لا نحسبه خاص بالكنيسة كجماعة فحسب، ولا كأعضاء منعزلين، إنما هو حث للجماعة ككل ولكل عضو لعله يبلغ المرتفع الشاهق.

هنا المرتفع شاهق جدًا، لأن الرسول يريدنا بإرادتنا الحرة أن نجاهد بقوة النعمة بلا انقطاع سالكين في هذا الطريق بلا توقف. ليتنا إذ نسمع هذا لا نيأس، متذكرين كلمات الأب سيرينيوس: [يليق بنا ألاَّ ننسحب من جهادنا في السهر بسبب اليأس الخطير، لأن "ملكوت السماوات يُغصب والغاصبون يختطفونه" (مت ١١: ١٢). فلا يمكن نوال فضيلة بدون جهاد.] ويحدثنا الأب ثيوناس عن الجهاد معلنًا أن الله لا يُلزمنا على صعود مرتفعات الصلاح العالية والسامية لكنه يحثنا بنصائحه وشوقنا لبلوغ الكمال بإرادتنا الحرة.

الآن بعد أن شوّقنا الرسول للارتفاع على الجبال السماوية الشاهقة لنبلغ "قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ" حذرنا من المعوقات، مطالبًا إيانا بالجهاد بلا انقطاع، كأطفال صغار يحتاجون إلى النمو بغير توقف بالرغم من الصعاب التي تواجهنا، إذ يقول:

"كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ. َلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ" [١٤-١٥].

كأن السيد المسيح يعمل في أناس هم أطفال غير ناضجين، يسندهم وينميهم ليقيمهم رجالاً ناضجين روحيًا، وعوض الضعف يهبهم قوة. بمعنى آخر، يعيش كل عضو داخل الكنيسة في حركة مستمرة بلا انقطاع، ناميًا في المحبة، أي في المسيح الذي لم يرضِ نفسه (رو ١٥: ٣)، بل أحب الكل، باذلاً حياته ليقيم الكنيسة.

يقارن الرسول بولس الكنيسة بالسفينة وسط مياه هذا العالم، فإن لم يعمل كل البحارة معًا بروح واحد يصيرون كأطفال يتعرضون لمتاعبٍ كثيرةٍ، ولا يقدرون على مقاومة الرياح والأمواج فيهلكون.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول هنا يتحدث عن الكنيسة كبناء واحد، إن لم يعمل الكل معًا فيه يتعرض للهدم ويفقد الكل حياته، إذ يعلق على هذا النص، قائلاً:

[بقوله: "لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ" يظهر أنهم كانوا هكذا في القديم، حاسبًا نفسه أيضًا موضوع تصحيح معهم. يود أن يقول بأنه يوجد عاملون كثيرون كي لا يهتز البناء، فتكون الحجارة مثبتة لا محمولة (إلى هنا وهناك). هذه هي سمة الأطفال أن يُحملوا إلى هنا وهناك فيضطربون ويهتزون... لقد قدم هذا التشبيه ليشير إلى الخطر العظيم الذي تتعرض له النفوس.]

إذ كشف الرسول عن خطورة الحياة بغير وحدانية الإيمان والهدف، مشبهًا العاملين كأطفال يلهون، كل في واديه، يُحملون بريح التعاليم الباطلة، ويسقطون تحت خداع الناس، وينحرفون إلى الضلال، أوضح الالتزام بالسلوك في طريق "الوحدانية" بارتباط الكل بالحب معًا تحت قيادة "الرأس المسيح" الواحد، مشبهًا الكنيسة بالجسد فتنمو الأعضاء معًا خلال إتحادها فيه، وتنال بنيانها خلال عمله فيها ]١٥، ١٦[.

الجسد كله ينمو معًا، دون أن يفقد العضو كيانه بل يتمتع قدر قياسه، قدر ما يتسع ينال من الرأس نموه. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تعتمد نفوس البشر عليه كأعضاء، فينعم كل عضو منفرد بعنايته الإلهية وعطية المواهب الروحية قدر ما يناسب قياسه، هذا يؤدي إلى نموهم... يليق بكل عضو ليس فقط أن يكون متحدًا بالجسد، وإنما يكون أيضًا في مكانه اللائق به، وإلاَّ فقد إتحاده بالجسد وحُرم من تقبل الروح.]

خلال وحدانية الهدف ننعم بالمحبة التي تربطنا معًا بالرأس، فيعمل هو فينا، كل في موقعه بما يناسبه لبنيان الجسد كله، فلا نكون مجرد جماعة عاملة معًا، وإنما أعضاء لبعضنا البعضK يعمل الرأس فينا بالحب، كل حسب موهبته التي يهبها إياه بروحه القدوس.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[إن رغبنا في نوال نفع الروح (القدس) الذي من الرأس، فلنلتصق كل بالآخر.

يوجد نوعان من الانفصال عن جسد الكنيسة: الأول حين تبرد المحبة والآخر حين نجسر ونرتكب أمورًا لا تليق بانتمائنا لهذا الجسد. فإننا بإحدى الطريقتين نقطع أنفسنا عن "ملء المسيح"...

ليس شيء يسبب انقسامًا في الكنيسة مثل حب السلطة!

ليس شيء يثير غضب الله مثل انقسام الكنيسة! نعم وإن مارسنا ربوات الأعمال المجيدة فإننا إن مزقنا ملء الكنيسة نسقط تحت عقوبة لا تقل عن تلك التي يسقط تحتها من أفسدوا جسده.]

4. الوحدة والحياة الجديدة

لكي تكون الوحدة حياة ديناميكية متحركة بغير جمود يختم الرسول حديثه عن الوحدة الكنسية بالتجديد الدائم المنطلق خلال الإنسان القديم ولبس الإنسان الجديد في مياه المعمودية. وكما يقول كثير من الدارسين الغربيين هذا النص الخاص بالحياة الجديدة جاء يحمل تعبيرات تخص ليتورچية العماد، نذكر على سبيل المثال:

" تَخْلَعُوا (الإنسان القديم)" [٢٢]؛ " َتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ" [٢٣]؛ "َتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ" [٢٤].

لكي يبرز قوة "الحياة الجديدة" التي صارت لنا في المسيح يسوع خلال مياه المعمودية بروحه القدوس، والتزامنا بالنمو في هذه الحياة الجديدة، أبرز أولاً الإنسان العتيق الذي خلعناه، وقد وضح بقوة في حياة الأمم وسلوكهم.

يبدأ الرسول حديثه بالقول:

"فَأَقُولُ هَذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ، أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، إ ِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ. اَلَّذِينَ إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ، أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ" [١٧- ١٩].

ويلاحظ في هذا النص الآتي:

أولاً: لما كان الأمر خطيرًا للغاية، أراد الرسول أن يُشهد الرب نفسه على قوله هذا، حتى يستطيعوا في جدية أن يقارنوا بين الحياة الأممية خارج المسيح والحياة الجديدة التي في المسيح.

ثانيًا: يحذرهم الرسول بولس من السلوك كسائر الأمم "بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ" [١٧]. ماذا يعني بطل الذهن إلاَّ انشغال الذهن وارتباكه في الأمور الباطلة الزمنية عوض التأمل في السماويات والانشغال بالحياة الأبدية الدائمة؟!

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما هو بطل الذهن؟ إنه انشغال الذهن بالأمور الباطلة. وما هي الأمور الباطلة سوى كل أمور الحياة الحاضرة؟! يقول عنها المبشر: "باطل الأباطيل الكل باطل" (جا ١: ٢). لكن قد يقول قائل: "إن كانت هذه الأمور باطلة فلماذا خُلقت؟ إن كانت هي خليقة الله، فلماذا باطلة؟... "ليست خليقة الله هي التي ندعوها باطلة؛ حاشا! السماء ليست باطلة، ولا الأرض باطلة؛ حاشا! ولا الشمس ولا القمر ولا النجوم ولا جسدنا، لا، فإن هذه كلها حسنة جدًا" (تك ١: ٣١). فما هو الباطل إذن؟ لنسمع ما يقوله المبشر: "(فعظمت عملي)، بنيت لنفسي بيوتًا، غرست لنفسي كرومًا... اتخذت لنفسي مغنين ومغنيات، عملت لنفسي برك مياه، وكانت لي أيضًا قنية بقر وغنم، جمعت لنفسي أيضًا فضةً وذهبًا، فإذا الكل باطل" (راجع جا ٢: ٤ - ١١). اسمع أيضًا النبي: "يذخر ذخائر ولا يدري من يضمها" (مز ٣٩: ٦). هذا هو باطل الأباطيل: المباني الفخمة والغنى السريع الفائض، قطعان العبيد والمظاهر الصاخبة (الاستعراضات) في الميادين العامة، كبرياؤك ومجدك الباطل وتشامخ فكرك والمباهاة. هذه الأمور باطلة لم تأتِ من يد الله، إنما هي من صنعنا نحن. لماذا هي باطلة؟ لأنها بلا غاية مفيدة. فالغنى يكون باطلاً متى أُنفق على الترف بينما لا يُحسب كذلك إن وُزع وقدم للمحتاجين (مز ١١٢: ٩).]

ثالثًا: ربما يتساءل البعض: لماذا يُلام الأمم ما داموا مظلمي الفكر ومتغربين عن حياة الله بسبب الجهل وغلاظة قلوبهم؟

يجيب الرسول بولس مؤكدًا مسئوليتهم، إذ يقول: " إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ، أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ" [١٩]. بمعنى آخر ان ما يمارسونه من فساد، وما يسقطون فيه من ظلمة وتجنب عن "حياة الله" إنما ينبع عن "فقدانهم الحس" بإرادتهم فيسلمون أنفسهم بأنفسهم للدعارة والطمع.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ، أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ" [١٩]، بينما تسمعون: "أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض" (رو ١: ٢٨). فإن كانوا قد أسلموا أنفسهم فكيف أسلمهم الله؟ وأيضًا إن كان الله قد أسلمهم فكيف أسلموا هم أنفسهم؟... كلمة "أسلمهم" (في رو ١: ٢٨) تعني أن الله سمح لهم أن يُسلموا.]

رابعًا: يربط الرسول بولس بين الإيمان الفاسد أو الفكر الفاسد وبين السلوك الفاسد؛ فالفكر والسلوك أشبه بسلسلة مترابطة كل يؤثر في الآخر؛ حينما يمتليء الفكر بالأمور الزمنية الباطلة يُصاب بالظلمة والجهل، وحينما يصاب بالظلمة ينحدر للفساد، وهكذا يدفعه الفساد إلى ظلمة أعمق.

في هذا يقول القديس أغسطينوس أن وراء كل إلحاد (فساد فكر) شهوة! وبصورة أخرى يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ألا ترى أن الحياة الفاسدة هي أساس لتعاليم هكذا (فاسدة) أيضًا؟! إذ يقول الرب: "لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور" (يو ٣: ٢٠)... كما لو أننا غطسنا في أعماق المياه فلا نقدر أن نعاين الشمس بسبب كثافة المياه التي فوقنا، فتصير عائقًا، هكذا تُصاب عينا الفهم بعمى القلب وفي فقداننا للحسّ لا توجد مخافة (الله) في نفس. لقد قيل: "ليس خوف الله أمام عينيه" (مز ٣٦: ١)، وأيضًا: "قال الجاهل في قلبه ليس إله" (مز ١٤: ١). الآن فإن العمى لا يصدر إلاَّ من عدم الحسّ.]

خامسًا: إذ يربط الرسول بأن عمى الفكر أو انحرافه بفساد السلوك، ربما يتساءل البعض كيف أستطيع أن أحفظ حياتي من الدنس؟ لذا يربط الرسول الدنس بالطمع، قائلاً: "لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ" [19]. فإن كانت قداسة الحياة تبدو صعبة للإنسان، فهل السقوط في الطمع أمر إلزامي؟! بمعنى آخر ما هي حجة الأمم أو عذرهم من جهة الطمع؟ في هذا يقول الأب مرقس الناسك إنه إذ يتمم الإنسان الوصية التي في مقدوره، يعمل الله فيه ويسنده في تتميم الوصية التي ليست في قدرته. بمعنى آخر إن كنا نضبط أنفسنا من جهة الطمع فهو يضبط مشاعرنا وأحاسيسنا بعيدًا عن كل نجاسة. لنكن أمناء في الرب فيما بين أيدينا فيعمل بغنى نعمته فينا.


السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الى أهل أفسس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل أفسس +
 


24 برمهات 1736 ش
02 أبريل 2020 م

نياحة البابا مقاريوس ال 59
تجلى العذراء بالزيتون
نياحة ميخا النبى

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك