إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

النفس القوية لاتقلق ولا تضطرب ولا تخاف ولا تنهار ولا تتردد اما الضعيف فانة يتخيل مخاوف وينزعج بسببها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل أفسس اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

الكنيسة الجامعة وسرّ المسيح


يعتبر الرسول بولس باكتشافه "سرّ المسيح"، لا بقدراته البشرية أو مواهبه إنما بإعلان الله له عن هذا السرّ المكتوم منذ الدهور، الحامل لغنى المسيح الذي لا يُستقصى. ما هو سرّ المسيح إلاَّ دعوة الأمم لشركة الميراث ونوال المواعيد في المسيح بالإنجيل؟! إنه تحقيق جامعية الكنيسة التي تمتد بين الأمم واليهود لتضم كل مؤمن ليكون له موضع "في المسيح" ويكون للمسيح موضع في قلبه.

1. سرّ المسيح ودعوة الأمم ١ - ٨.

2. دعوة إلهية أصيلة وسماوية ٩ - ١١.

3. دعوة أكيدة ١٢.

4. دعوة تحتاج إلي جهاد روحي ١٣.

5. شفاعة الرسول عن الكل ١٤ - ٢١.

1. سرّ المسيح ودعوة الأمم

"بِسَبَبِ هَذَا أَنَا بُولُسُ، أَسِيرُ الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ، إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي لأَجْلِكُمْ. أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ. كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ" [١- ٣].

ويلاحظ في هذا النص وما يليه الآتي:

أولاً: يبدأ حديثه بقوله: "بِسَبَبِ هَذَا"... وكأن ما يتحدث عنه قديس بولس كأسير للسيد المسيح إنما بسبب "سرّ المسيح"، أي سرّ انفتاح باب الإيمان أمام الأمم كما أمام اليهود ليصير الكل بناءً واحدًا حيًا، وهيكلاً لله، إن كان القديس بولس قد صار رسولاً بل وأسيرًا إنما لأجهلم في الرب.

لقد كرر الرسول كلمة "أنا" أكثر من مرة (١: ١٥، ٣: ١، ٤: ١، ٥: ٣٢)، ليس لتقوقعه حول ذاته "ego"، وإنما لتأكيد اعتزازه بالرسالة التي أعلن الرب سرّها له، ومن أجلها صار "أسيرًا". كانت إحساسا الرسول بولس تتركز في قبوله "الأسر" بفرح لأجل تمتع الأمم بالحرية، بل ومن أجل إخوته اليهود أيضًا (١ تس ٢: ١٤ - ١٦؛ ٢ كو ١١: ٢٤، ٢٥).

إنه يعتز برسوليته، بل وبأسره من أجل خلاص كل نفسٍ، حتى حسب لقب "أسير المسيح يسوع" شرفًا له، لقد شعر بالتزامه بالعمل الكرازي مهما بلغت تكلفته. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [سبق فذكر الرسول عناية المسيح العظيمة المتحننة، الآن يذكر عنايته هو، التي تعتبر تافهة وكلا شيء إن قورنت بعناية المسيح، لكنها كفيلة أن تقربهم إليه، لذا يقول: "أنا أيضًا ملتزم (أسير)" فإن كان سيدي صُلب لأجلكم بالأكثر أُربط أنا لأجلكم. لم يربط السيد نفسه فحسب، وإنما ألزم عبيده أيضًا بذلك لأجلكم أيها الأمم.]

لعله أراد بإعلان أسره في روما تأكيد مثابرته على تحقيق "سرّ المسيح" أي الكرازة باسمه وقوته بين الأمم ولأجلهم، وإن كان ثمن هذا كراهية اليهود بني جنسه له وتسليمه للأسر.

وربما كانت إحساسات الرسول بولس أثناء أسره في روما تتركز في تأمله في شدة قوة محبة المسيح التي "أسرته" (في ٣: ١٢)، لكي تنتزعه من المقاومة ضد الخدمة إلي العمل لحساب المسيح وبقوته، لذا كثيرًا ما يكرر العبارة: "حسب شدة قوته". كان يشعر أنه أسير محبة المسيح وقوته الجذابة لتستخدمه كأداة تعمل لحساب ملكوته.

ثانيًا: يبدوا أن بعضًا ممن يكتب إليهم لم يره وإنما سمعوا عنه [٢[، فلا توجد بينهم وبين الرسول روابط علاقات شخصية، لكنه بثقةٍ يشعر أن ما وُهب إليه من نعم هو لأجلهم. إحساسات صادقة وقوية لدى الخادم أن ما لديه من عطايا ليس عن فضل خاص به ولا عن امتياز له عن غيره، لكنه هبة إلهية قُدمت له من الله لأجل المخدومين.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يلمح إلي النبوة التي أُعطيت لحنانيا في دمشق بخصوصه، حين قال له الرب: "اذهب لأن هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي أمام أمم وملوك" (أع ٩: ١٥)؛ ويقصد بـ "ِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ " الإعلان الذي ظهر له، كأنه يقول: "لأني لم أقبله من عند إنسان" (غل ١: ١٢). لقد وهبني الإعلان إنما لأجلكم، إذ قال لي بنفسه: "اذهب، فإني سأرسلك إلي الأمم بعيدًا" (أع ٢٢: ٢١).]

أما قوله: "كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ" [٣]، فإن الكلمة اليونانية Prographo المستخدمة هنا يمكن أن تحمل على الأقل ثلاثة معانٍ: أن ما كتبه نفس الرسالة أعلاه حيث حدثهم عن سرّ مشيئة الله الخاصة بجميع ما في السماوات وما على الأرض في المسيح يسوع (١: ٩، ٢٠) أو سرّ المسيح الخاص بمصالحة الأمم واليهود في جسد واحد خلال الصليب (2: ١١ - ٢٢). المعنى الثاني أنه يذّكر السامع بما سبق فكتبه في أحدى رسائله السابقة عن هذا الإعلان، وليس بالضرورة أن تكون رسالة موجهة إلي أهل أفسس، إذ كانت رسائله كثيرة التداول؛ والمعنى الثالث أنه سبق فكتب بصفة عامة وليس خلال رسالة معينة.

ثالثًا
: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن حديث الرسول بولس السابق عن "سرّ المسيح" الخاص بقبول الأمم في ذات الجسد جنبًا إلي جنب مع اليهود كان موجزًا للغاية لعدم قدرة السامعين على قبوله، إذ لم يكن ممكنًا لليهود أن يدركوا أو يقبلوا عظمة الغنى الذي أغدقه الله على الأمم ليصيروا شركاء في الميراث والجسد ونوال الموعد. هذا السرّ المعلن بقوة للرسول لم يُعلن لأنبياء العهد القديم بذات القوة بل جزئيًا، إذ يقول الرسول:

"الَّذِي بِحَسَبِهِ حِينَمَا تَقْرَأُونَهُ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْهَمُوا دِرَايَتِي بِسِرِّ الْمَسِيحِ. الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ: أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ" [٤- ٦].

كأنه يقول أن حقيقة قبول الأمم للإيمان كانت سرًا بالنسبة للأجيال السابقة، لم يُكشف هذا السرّ كما الآن، فقد أُعلن للرسل والأنبياء (أنبياء العهد الجديد) وذلك بالروح القدس.

- "الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ" [٥]. اخبرني، ما هذا؟ ألم يعرف الأنبياء هذا (السرّ)؟ إذن، كيف يقول المسيح ان موسى وإيليا كتبا هذا عني؟ وأيضًا: "لو كنتم تصدقون موسى وإيليا تصدقونني" (يو ٥: ٤٦)؟ وأيضًا: "فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي" (يو ٥: ٣٩)؟

إنه يعني إما أن هذه لم تُعلن لكل البشر، إذ أضاف: "الذي في أجيال أُخر لم يعرف به بنو بشر كما قد أُعلن الآن"، أو يعني أنها لم تُعرف بكل حقائقها وأحداثها: "كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح". تأمل: لو أن بطرس لم يُعلن له بالروح ذلك لما ذهب إلي الأمم. اسمع ماذا يقول: "هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضًا" (أع ١٠: ٤٧)، بمعنى أنه بالروح اختار الله أن يقبلوا هذه النعمة. لقد نطق الأنبياء بذلك لكنهم لم يعرفوها معرفة كاملة، حتى الرسل لم يعرفوها بعد أن سمعوها، فقد فاقت كل الحسابات البشرية والتوقعات العامة.

- "أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ" [٦]. ما هذا؟ "شركاء في الميراث والموعد والجسد"؟ هذه الأخيرة أمر عظيم، إذ يصيرون جسدًا واحدًا، ويقتربون إليه في علاقة قوية للغاية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

رابعًا: يرى بعض الدارسين أن التعبيرات الواردة في الفقرة ٥ مثل "بني البشر، لرسله القديسين وأنبيائه" غريبة في أسلوب الرسول بولس، فهي غالبًا اقتباس نقله الرسول عن تسبحة كنسية في ذلك الحين.

خامسًا: يؤكد الرسول أكثر من مرة أن تحقيق "سرّ المسيح" ليس عن فضل بشري، كما لا تعوقه العقبات الإنسانية، إنما يتحقق "حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ (قوة الله)" [ ٧؛ ١: ١٩]، أما من جهة نفسه فهو مجرد خادم أصغر من جميع القديسين أؤتمن على تحقيق خطة الله خلال غنى المسيح الذي لا يُستقصى، إذ يقول: "الَّذِي صِرْتُ أَنَا خَادِمًا لَهُ حَسَبَ مَوْهِبَةِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ. لِي أَنَا أَصْغَرَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ أُعْطِيَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ، أَنْ أُبَشِّرَ بَيْنَ الأُمَمِ بِغِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى" [٧- ٨].

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس إذ يتحدث عن عظمة قوة نعمة الله، يتصاغر جدًا في عيني نفسه، فيتطلع إلي نفسه كأصغر صغار جميع القديسين (Less than the least of all saints)، إذ يقول:

[إذ أوشك أن يتحدث عن عظمة نعمة الله، اسمع ماذا يقول: "لي أنا أصغر (من أصغر) جميع القديسين أُعطيت هذه النعمة". كان تواضعًا حقًا، إذ كان ينتحب خطاياه السابقة مع أنها غُفرت له، فكان يذكرها، واضعًا نفسه مقياسًا حقيقيًا حيث دعا نفسه: "مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا" (١ تي ١: ١٣)... مرة أخرى يدعو نفسه: "السقط" (١ كو ١٥: ٨). أما أن يضع نفسه بعد قيامه بأعمال عظيمة صالحة فيدعو نفسه: "أصغر من أصغر القديسين" فهذا تواضع بالحقيقة عظيم وفائق.

لم يقل "أصغر الرسل" بل "من أصغر القديسين"، فإن التعبير الأول أخف.

يقول أيضًا "أنا لست أهلاً أن أدعى رسولاً" (١ كو ١٥: ٩) ...]

لعل الرسول قد تواضع جدًا بصورة فائقة فحسب نفسه ليس فقط أصغر من الرسل وإنما الأصغر بين أصغر القديسين بوجه عام. وكان هذا التواضع لازمًا لأمرين، أولاً لأنه حيث يكون البناء شاهقًا جدًا يلزم أن تكون الأساسات عميقة للغاية. البناء الذي أمامه غاية في العلو، إذ وهبت له نعمة خاصة ليبشر "بَيْنَ الأُمَمِ"، أي يدخل وسطهم ويكون بينهم كما لو كان واحدًا منهم حتى يقدم لهم "غِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى". بمعنى آخر لم يقف "ضد الأمم"، ولا كرز كما من بعيد، لكنه انطلق إلي هؤلاء الذين هم عن بعدٍ شديدٍ ليدخل في وسطهم، يحفر فيهم أساسات عميقة، ليقدم البناء الحيّ اللائق بالمسيح السماوي! هذا من جانب، أما الجانب الآخر فلأنه يتحدث عن أمرٍ يصعب على كثير من اليهود قبوله، لذا يتدرع بالتواضع كسلاحٍ ضد كل هجومٍ يتعرض له. هنا يعلمنا الرسول أن نقابل المقاومين بروح التواضع الشديد فنربحهم ونربح نفوسنا معهم!


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الى أهل أفسس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل أفسس +
 


10 توت 1736 ش
21 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة مطرونة
استشهاد القديس يؤانس المصري وزملائه
استشهاد القديسة باسين وأولادها الثلاثة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك