إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الضمير الصالح هو الذى يستنير بإرشاد الروح القدس ، فهو لا يرشد الإنسان من ذاته ولا يعمل بمجرد معرفة بشرية وإنما يرشده روح الله ويكون أيضاً تحت إرشاد كلمة الله الصالحة وتعليمه الإلهى

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل أفسس اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

الكنيسة وسرّ المعرفة


هذه الرسالة في جوهرها "تسبحة حب" تشهد النفس التي تعرفت على مركزها بثبوتها في المسيح، لا كفردٍ منعزلٍ، وإنما بالحري كعضو حيّ في الجسد المقدس خلال إتحاده بالرأس، لتكون على الدوام فيه، تنعم خلاله بمعرفة "سرّ المسيح" على مستوى الخبرة السماوية وبنظرة إنقضائية مجيدة. بمعنى آخر، حمل هذا الأصحاح خطين واضحين هما: "في المسيح"، و"معرفة سرّ الله". فنحن كنيسة الله أو شعبه المقدس لأننا في المسيح، أما غاية إيماننا فهو المعرفة الإلهية، لا على مستوى السفسطة والجدال، وإنما على مستوى قبول إعلان الله لنا عن ذاته وأسراره.

1. البركة الرسولية ١ - ٢.

2. تسبحة الكنيسة: "في المسيح" ٢ - ١٤.

3. شفاعة الرسول لنوال المعرفة ١٥ - ٢٣.

1. البركة الرسولية

"بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، إلي الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ، وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" [١- ٢].

تحمل هذه الافتتاحية روح الرسول وفكره، فغالبًا ما يقدم الرسول نفسه للكنيسة التي يكتب إليها بكلمات بسيطة تحمل عمقًا وتناسقًا مع موضوع الرسالة وهدفها، كما يبدأ بتقديم البركة الرسولية التي هي عطية الله نفسه للكنيسة. ويلاحظ في هذه الافتتاحية الآتي:

أولا: لما كان موضوع الرسالة هو "الكنيسة الجامعة"، فإن قيام هذه الكنيسة هو من عمل الله نفسه الذي أرسل ابنه متجسدًا ليقيمها جسدًا له، واهبًا إياها حياته المقدسة حياة لها، لذلك نجده يركز على النقاط التالية:

أ. أنه رسول "بِمَشِيئَةِ اللهِ"، ليس له فضل في ممارسة العمل الرسولي، خاصة بكونه رسول الأمم، يدعوهم للإتحاد مع اليهود في جسد واحد. اختاره الله بمشيئته رسولاً ليحقق غايته الإلهية فيهم. حقًا إن تعبير "بِمَشِيئَةِ اللهِ" ليس غريبًا عن الرسول في افتتاحية رسائله، لكن ما تتسم به هذه الرسالة هو تكراره التعبير ست مرات (١: ١، ٥، ٩، ١١، ٥: ١٧، ٦: ١٦)، الأمر الذي لا نجده في الرسائل الأخرى، بل وفي الأسفار الأخرى سوى إنجيل يوحنا، ذلك لأن هذه الرسالة تكشف "سرّ المسيح" بكونه سرّ الكنيسة المجتمعة من اليهود والأمم، هذا السرّ يحقق مشيئة الآب الأزلية، ويتمم مسرته نحو البشرية.

يفضل بعض الدارسين ترجمة "مشيئة الله" بـ "قرار الله"، إذ يرون في النص ما يعني ليس مجرد الإرادة بل حركة عمل الله الحكيم والقدير والحيّ ككائن محب للبشر، أعلن هذه الحركة الأزلية خلال التاريخ بتدبيره الإلهي.

ب. يدعوهم "قديسين" مع أنه يكتب إلي أعضاء من أصل أممي كان لا يزال بعض المسيحيين من أصل يهودي لا يستريحون للانضمام إليهم تمامًا، لذا أراد الرسول أن يؤكد بأن الله الذي اختار شعب اليهود قبلاً كشعب مقدس خاص به، قد فتح باب الإيمان - وهذا هو سرّ دعوتهم هنا بالمؤمنين - ليضّم الأمم دون أن يفقد الشعب قدسيته. لقد كرر هذا التعبين "قديسين" ١٤ مرة في هذه الرسالة، بطريقة لا نجدها إلاَّ في الرسالة إلي أهل رومية مع ملاحظة أن الأخيرة أطول منها، بمعنى آخر تكرار هذا التعبير هنا عني تأكيد استمرارية قدسية شعب الله القديم بعد اتساعه ليتقبل معه الأمم خلال المسيح يسوع.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على تعبير "القديسين" هنا بقوله: [لاحظ أنه يدعو الرجال مع نسائهم وأطفالهم وخدمهم "قديسين". هؤلاء الذين دعاهم بهذا الاسم كما هو واضح من نهاية الرسالة، إذ يقول: "أَيُّتهَا الزوجات (النِّسَاءُ) اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ" (٥: ٢) وأيضًا: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ" (٦: ١)، "أَيُّهَا الْعَبِيدُ (الخدم)، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ" (٦: ٥). تأملوا مقدار البلادة التي استحوذت علينا الآن، كيف صارت الفضيلة نادرة الآن بينما كان الفضلاء كثيرين جدًا فقيل عن العلمانيين أنهم قديسون ومؤمنون.]

قرار الله أو مشيئته ليس فقط أن يختار القديس بولس رسولاً، وإنما أن يتمتع الأمم (رجالاً ونساءً، أطفالاً وشيوخًا، سادةً وعبيدًا) بالحياة المقدسة، وذلك خلال "المسيح" بالإيمان به.

الرسالة إلى أهل أفسس في مجملها يمكن أن تُفهم كمقالٍ عن أساس التقديس ووسائله وامتداده وغايته.

هذا ويؤكد العلامة أوريجينوس أن المؤمن إذ يُدعى هنا قديسًا، فذلك لأنه قد نال إمكانيات الحياة المقدسة (خلال مياه المعمودية وعمل الروح القدس)، يلتزم أن ينطلق في هذه الحياة المقدسة لينمو بلا توقف، وإلاَّ فقد قدسية الحياة.

ج. كثيرًا ما يربط الرسول النعمة بالسلام معًا في البركة الرسولية، بكونهما هبتا الله لكنيسته، غير أنه يكرر تعبير "السلام" في هذه الرسالة سبع مرات بطريقة فريدة (فيما عدا الرسالة إلي رومية) ليعلن أساس الرسالة وإمكانية الوحدة والانسجام بين كل البشر - يهودًا كانوا أم أممًا - وذلك في المسيح.

ويلاحظ أن الرسول بولس هنا ينسب "النعمة والسلام" للآب كما للابن بكونهما عطيتهما بلا مفاضلة بين الأقنومين؛ هما عطية الآب كما عطية الابن.

وتقديم هذه البركة الرسولية لا يعني أن مؤمني أفسس كانوا فاقدين النعمة والسلام قبل الرسالة، وإنما كانوا يتوقون دائمًا لنوال المزيد. فالنعمة كما السلام هما عطيتان غير جامدتين ينالهما المؤمن ويفرح بهما، فيشتاق إلي المزيد، لعله بالنعمة يبلغ إلي التشبه الكامل بالسيد المسيح والتمتع بشركة سماته، وبالسلام تتحقق مصالحته مع الله والناس على مستوى أعمق. بهذا يتحقق فيه التطويب: "طوبى للجياع والعطاش إلي البرّ لأنهم يشبعون" (مت ٥: ٦)، ولا يسقط تحت التوبيخ: "لأنك تقول إني أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنك أنت الشقي والبائس وفقير ..." (رؤ ٣: ١٧).

ثانيًا: كما سبق فأكدنا أن الرسول بولس حاول معالجة تسرب بعض الأفكار الغنوسية إلي المسيحيين مثل التمييز بين إله العهد القديم كإله عادل قاسي، وإله العهد الجديد كإله رحيم مخلص. لذا إذ يقدم النعمة الإلهية والسلام السماوي ينسبهما للآب ويدعوه "أبانا" معلنًا أبوته وحنانه، وللرب يسوع المسيح معلنًا أنه واحد مع الآب في الجوهر، يحمل ذات إرادته.

2. تسبحة الكنيسة: "في المسيح"

اقتطف الرسول جزءًا من تسبحة غالبًا ما كانت الكنيسة تترنم بها في العصر الرسولي، حملت هذه التسبحة جوًا سماويًا يليق بطبيعة الكنيسة كحياة سماوية "في المسيح السماوي"، إذ يقول:

"مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ" [3].

يرى كثير من الدارسين أن هذه التسبحة لها سمات خاصة بالمعمودية - ربما كانت تستخدم في ليتورچية العماد - إذ تشير إلي بركات المعمودية وفاعليتها، مثل التبني للآب بيسوع المسيح، وغفران الخطايا، والتمتع بالميراث، وختم الروح [5، 7، 14، 13] .

بدأ التسبحة بالتعبير الذي كانت تستخدمه السامية: "مبارك"، معلنًا أن كل عطية أو بركة سماوية هي من مراحم الله وأعماله القديرة.

وقد دعى بركات العهد الجديد "بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" ليميزها عما تمتع به اليهود في العهد القديم من بركات زمنية، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[هنا يلمح إلي بركات اليهود، فتلك كانت بركة أيضًا، لكنها لم تكن بركة روحية، كيف؟ "يباركك ويبارك ثمرة جسدك" (تث ٧: ١٣)، "ويبارك خروجك ويبارك دخولك" (تث ٢٨: ٦). لكن الأمر هنا مختلف، كيف؟ "بكل بركة روحية".

ماذا يعوزك بعد؟ لقد صرت خالدًا، حرًا، ابنًا، مبررًا، أخًا، شريكًا في الميراث، تملك مع المسيح وتتمجد مع المسيح. كل شيء يُوهَب مجانًا.

قال: "كيف لا يهبنا معه أيضًا كل شيء؟!" (رو ٨: ٣٢). باكوراتك تهيم بها الملائكة والشاروبيم والسيرافيم. ماذا يعوزك بعد؟ "بكل بركة روحية"! لا شيء جسدي هنا. بهذا استبعد البركات السابقة، إذ قال: "في العالم سيكون لكم ضيق" (يو ١٦: ٣٣)، لكي يرشدنا إلي هذه. لأنه كما أن الذين نالوا الجسديات لم يقدروا أن يسمعوا عن الروحيات، هكذا من يهدفون نحو الروحيات لا يستطيعون نوالها ما لم يتركوا الجسديات.

أيضًا، ما هي البركة الروحية في السماويات؟ يعني أنها ليست على الأرض كما كان الحال مع اليهود: "تأكلون خير الأرض" (إش ١: ١٩)، "إلي أرض تفيض لبنًا وعسلاً" (خر ٣: ٨)، "يبارك الرب أرضك" (تث ٧: ١٣).

لا نرى هنا شيئًا من هذا القبيل، فماذا نرى؟ "إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي، وإليه نأتي (أنا وأبي)، وعنده نصنع منزلاً" (يو ١٤: ٢٣). "فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها أشبه برجل عاقل بنى بيته على الصخر، فنزل المطر، وجاءت الأنهار، وهبت الرياح، ووقعت على هذا البيت، فلم يسقط، لأنه كان مؤسسًا على الصخر" (مت ٧: ٢٤، ٢٥). وما هو هذا الصخر إلاَّ تلك السماويات البعيدة عن كل تغير؟ يقول المسيح. "فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضًا به قدام أبي الذي في السماوات، وكل من ينكرني أنكره أنا أيضًا" (مت ٢٠: ٣٢، ٣٣). وأيضًا: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت ٥: ٨). وأيضًا: "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات" (مت ٥: ٣)، وأيضًا: "طوبى للمطرودين من أجل البرّ لأن لهم ملكوت السماوات" (مت ٥: ١١). لاحظ كيف يتحدث في كل موضع عن السماء لا عن الأرض أو الأرضيات. وأيضًا: "فإن وطننا (سيرتنا) نحن، هو في السماء التي منها أيضًا ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع المسيح" (في ٣: ٢٠)، وأيضًا: "اهتموا بما فوق لا بما على الأرض" (كو ٣: ٢)].

دعاها أيضًا بركة "روحية" نسبة إلى الروح القدس، لأننا ننال عطايا الآب خلال إتحادنا بالابن وذلك بفعل الروح القدس. بمعنى آخر الروح القدس، هو روح الشركة التي يثبتنا في الابن، فننال بفيض ما هو للابن. لهذا إذ صعد السيد المسيح إلي السماء أرسل روحه القدوس على الكنيسة يحملها إليه لتنعم بالعطايا الإلهية.

إن كان الله الآب يهب كل بركة روحية في السماويات، إنما يهبها "في المسيح" [3]، فإنه إذ يرانا أبناء له بثبوتنا في الابن الوحيد "المحبوب" [6] يفيض ببركاته الإلهية علينا، كأعضاء جسد المحبوب. نصير "في المسيح" محبوبين لديه كما هو محبوب.

يرى الرسول بولس أن سرّ عضويتنا الكنسية وسرّ حياتنا مع الله وتمتعنا بكل بركة هو أننا "في المسيح"، الأمر الذي امتص كل تفكيره، حتى قال أحد الدارسين ان كل أفكار الرسول بولس اللاهوتية يمكن أن تتلخص في كلمتين "في المسيح". فحين يتحدث عن لاهوتيات أو كنسيات أو سلوكيات خاصة أو علاقات أسرية أو اجتماعية إنما من خلال هذه النظرة أننا "في المسيح"، نحمل فكر المسيح وحياته عاملة فينا. فلا عجب إن رأيناه في هذه الرسالة القصيرة يكرر هذه العبارة ومرادفاتها مثل "في المحبوب" أو "فيه" أكثر من ثلاثين مرة. ولعل تكرارها هنا على وجه الخصوص إنما لتأكيد أن إتحاد الجماعة المقدسة المختارة من الأمم يتحقق فيه وتحت قيادته.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الى أهل أفسس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل أفسس +
 


10 توت 1736 ش
21 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة مطرونة
استشهاد القديس يؤانس المصري وزملائه
استشهاد القديسة باسين وأولادها الثلاثة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك