تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى تيموثاوس اصحاح 4 جـ3 Print
يكمل الرسول: "وكِرِيسكيس إلى غلاطية، وتيطس إلى دَلْماطية، لوقا وحده معي" [١٠-١١]. هذان لم يتركاه من أجل محبة العالم وإنما لأجل ضرورة الخدمة.

ج. طلب مرقس الرسول: "خذ مرقس واحضره معك لأنه نافع لي للخدمة" [١١]. في رحلته التبشيريّة الثانية رفض الرسول أن يأخذ مرقس معه لأنه سبق وتركه في رحلته الأولى عند بمفيلية، ربما بسبب حمى أصابته هناك. وبسبب رفض الرسول أخذ مرقس معه انفصل عنه برنابا الذي انطلق مع مرقس إلى الخدمة في طريق آخر، إلى جزيرة كريت حيث انتقل برنابا هناك، أما مرقس الرسول فجال في إفريقيا يخدم، وكانت الإسكندرية مركز خدمته. هنا الرسول يشهد للقديس مرقس أنه نافع له في الخدمة. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول هذه، قائلاً: [إنه لم يطلب ذلك لأجل راحته الخاصة، وإنما لأجل خدمة الإنجيل. فإنه وإن كان سجينًا لكنه لا يتوقف عن الكرازة. لذات السبب أيضًا أرسل يطلب تيموثاوس، ليس لأجل نفسه، وإنما لأجل الإنجيل، فلا يكون موته مجالاً لحدوث اضطراب بين المؤمنين، إنما وجود بعض من تلاميذه ينزع عنهم ضيقهم.]

د. طلب الرداء: "الرداء الذي تركته في تراوس عند كاربُس احضره متى جئت، والكتب أيضًا، ولاسيما الرقوق" [١٣]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الكلمة المترجمة هنا "رداء" تعني ثوبًا أو كما يقول البعض تعني حقيبة تحوي الكتب.] لقد طلب رداءه ربما لكي لا يضطر في أيامه الأخيرة أن يستعير رداء أحد، إذ لا يريد أن يثقل على أحد. أما طلبه الكتب فربما لكي يسلمها للمؤمنين في روما الذين يعاصرون استشهاده فتكون سبب تعزية لهم... حقًا إنه حتى في اللحظات الأخيرة لا يهتم بما لنفسه بل ما هو لراحة الغير.

ه. شر إسكندر النحاس: "إسكندر النحاس أظهر لي شرورًا كثيرة، ليُجازِهِ الرب حسب أعماله، فاحتفظ منه أنت أيضًا، لأنه قاوم أقوالنا جدًا" [١٤-١٥]. لقد كتب عن إسكندر النحاس لا ليدينه أو يتهمه، ولا ليطلب الانتقام منه، وإنما أراد أن يعد تلميذه للصراعات حتى النهاية، لكي يحتملها بثباتٍ. لقد صنع إسكندر ببولس الرسول شرورًا كثيرة، وها هو يخشى على تلميذه منه. أما قوله: "ليجازه الرب حسب أعماله"، فلا تحمل شهوة انتقام خاصة وأن الرسول يدرك أن يوم رحيله قد قرب جدًا، إنما يُهيء نفس تلميذه الذي سيتعرض لمضايقات إسكندر وأمثاله لكي لا يضطرب، تاركًا الأمر في يدي الله الذي لا يترك الأشرار بلا تأديب أو عقوبة.

يظهر حنو الرسول حتى نحو مضطهده الشرير، فإنه لم يطلب من تلميذه أن ينتقم منه أو يعاقبه أو يطرده، لكن كل ما فعله حذره منه حتى لا يفسد خدمته، لأنه مقاوم للكلمة.

و. ترك الكل له في احتجاجه الأول: "في احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي، بل الجميع تركوني. لا يُحسَب عليهم. ولكن الرب وقف معي وقواني، لكي تتم بي الكرازة، ويسمع جميع الأمم، فأُنقِذت من فم الأسد. وسينقذني الرب من كل عمل رديء، ويخلصني لملكوته، الذي له المجد إلى دهر الدهور. آمين" [١٦- ١٨].

إذ وقف أمام نيرون في دفاعه الأول لم يقف بجواره أحد، حتى الأصدقاء، وهو أمر صعب على النفس. على أي الأحوال طلب الرسول لأصدقائه من الرب السماح من جهة إهمالهم في اللحظات العصيبة. والعجيب أنه إذ فشلت كل الأذرع البشرية، وأدرك الرسول أن الجميع قد تركوه، ليس من يسند ولا من يعين، تجلى الرب في هذه اللحظات: "الرب وقف معي وقواني". حين تتحطم كل الأذرع البشريّة لمساندة المؤمن في ضيقته تبقى ذراع الرب القوية ممتدة، قادرة على الإنقاذ من فم الأسد، وتتمم الشهادة له بنجاح.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على عبارات الرسول هكذا:

[إن كان الناس قد هجروه، لكن الله لم يسمح له بضرر، بل قواه، أي وهبه الجرأة على الكلام، ولم يسمح له أن يغرق...

"لاحظ عظم تواضعه! فإنه لم يقل أن الله قواه لاستحقاقه هذه العطية، إنما من أجل الكرازة التي أُؤتمن عليها لكي تتم.

"انظر كيف اقترب من الموت! لقد سقط بين أنياب الأسد ذاته، فقد دعا نيرون أسدًا بسبب شراسته وعنف حكومته...

يقول: "أُنقذت من فم الأسد وسينقذني الرب من كل عمل رديء". لم يقل سينقذني من فم الأسد، بل سينقذني من كل عمل رديء، فإن كان الرب قد أنقذه من الخطر (نيرون) فسينقذه من الخطية، فلا يسمح له بالرحيل وهو مدان.]

كأن الله أنقذه من نيرون من أجل الكرازة والشهادة له حتى يتمم رسالته، أما وقد تحققت رسالته لا يعود يطلب الخلاص من يد نيرون، بل من حكم الخطية، بانطلاقه من العالم محفوظًا من الدينونة. لقد خلص من دينونة نيرون المؤقتة، لكن ما هو أعظم إن الله يخلصه من الدينونة الرهيبة حيث يدخل به إلى شركة أمجاده الأبديّة، قائلاً: "يخلصني لملكوته".

ز. إهداء السلام لأحبائه: "سلِّم على فرسكلا (بريسكلا) وأكيلا وبيت أُنيسيفورس" [١٩]. وقد سبق لنا الحديث عن أنيسيفورس الذي أراح الرسول مرارًا كثيرة أثناء سجنه (١: ١٦)، أما بريسكلا وزوجها أكيلا فقد ارتبطا بالرسول بدالة محبة قوية، إذ آمنا على يديه، وكانا خيامين يقضيان بعضًا من الوقت معه يعملان معه في صنع الخيام. لقد عملا معه في خدمته، إذ يقول الرسول: "سلموا على بريسكلا وأكيلا العاملين معي في المسيح يسوع، اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتي، اللذين لست أنا وحدي أشكرهما بل أيضًا جميع كنائس الأمم" (رو ١٦: ٣-٤). والعجيب أن الرسول - وهو في القرن الأول الميلادي - يذكر اسم الزوجة قبل الزوج في الرسالتين، هنا والرسالة إلى أهل رومية، في وقت لم يكن للمرأة - حسب القانون الروماني - أية حقوق. لقد ذكرها الرسول أولاً ليؤكد أنه في الإيمان لا تحيز لجنس على آخر إلاَّ حسبما يقدم الإنسان من إيمان حيّ عامل. لقد كانت بريسكلا في عيني الرسول أكثر غيرة وإيمانًا من رجلها.

س. "أراستس بقي في كورنثوس، وأما تروفيموس فتركته في ميليتس مريضًا" [20]. بهذا يوضح الرسول احتياجه إلى تلميذه، فقد بقي أراستس في كورنثوس، بينما ترك تروفيموس مريضًا في ميليتس. يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: لماذا لم يشفِ الرسول بولس تروفيموس؟ إن كان الرسول قد وُهب عطية شفاء المرضى، لكن الله سمح أن يوجد من بين أحبائه من هو مريض ولا يشفيه حتى يشعر الرسول بضعفه، فإن راوده فكر كبرياء من جهة المعجزات التي تتم على يديه يرى أحباءه مرضى وهو في عجزٍ عن تقديم شيءٍ ما لهم. هذا ومن ناحية أخرى، لكي لا يتحول هدف المؤمنين في الكرازة إلى الأمور الماديّة. بقاء المرض حتى بين الخدام الأمناء يعني أن غاية الكرازة أولاً خلاص الإنسان أبديًا وتمتعه بالملكوت، أما الأمور الأخرى فتُعطى للإنسان أو يحرم منها حسبما يرى الله فيه من خير.

ما نقوله هنا نردده بخصوص أَبَفْرودِتُس العامل مع الرسول والمتجند معه (في ٢: ٢٥) إذ كان مريضًا قريبًا من الموت، بل ونقوله بخصوص الرسول نفسه الذي صرخ إلى الرب ليشفيه لكن الرب أعلن له: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل".

ش. يكرر الرسول الدعوة: "بادر أن تجيء قبل الشتاء" [٢١]. في لطف لم يقل: "قبل أن أرحل" بل قال "قبل الشتاء" حتى لا يثير فيه مشاعر الحزن متى جاء ووجده قد رحل.

ص. تقديم سلام أحبائه الذين في روما: "يسلم عليك أَفْبولس وبوديس ولينُس وكَلافَدِيَّة والإخوة جميعًا" [٢١]
، من بينهم لينس الذي أُقيم أسقفًا على روما وكَلافَدِيَّة المملوءة غيرة على الشهادة لله.

4. البركة الرسوليّة:

"الرب يسوع المسيح مع روحك. النعمة معكم. آمين". إنها بركة ختاميّة تليق بما جاء في الرسالة، فإنه إذ يتحدث عن روح القوة، يؤكد أن سرّها هو المعية مع الرب يسوع. وإن كان الرسول يود أن يسند تلميذه ويعزيه، فليس من معزٍ سوى نعمة ربنا يسوع المسيح التي ترافق الإنسان وتعينه!

1 انا اناشدك اذا امام الله و الرب يسوع المسيح العتيد ان يدين الاحياء و الاموات عند ظهوره و ملكوته
2 اكرز بالكلمة اعكف على ذلك في وقت مناسب و غير مناسب وبخ انتهر عظ بكل اناة و تعليم
3 لانه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم الصحيح بل حسب شهواتهم الخاصة يجمعون لهم معلمين مستحكة مسامعهم
4 فيصرفون مسامعهم عن الحق و ينحرفون الى الخرافات
5 و اما انت فاصح في كل شيء احتمل المشقات اعمل عمل المبشر تمم خدمتك
6 فاني انا الان اسكب سكيبا و وقت انحلالي قد حضر
7 قد جاهدت الجهاد الحسن اكملت السعي حفظت الايمان
8 و اخيرا قد وضع لي اكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل و ليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره ايضا
9 بادر ان تجيء الي سريعا
10 لان ديماس قد تركني اذ احب العالم الحاضر و ذهب الى تسالونيكي و كريسكيس الى غلاطية و تيطس الى دلماطية
11 لوقا وحده معي خذ مرقس و احضره معك لانه نافع لي للخدمة
12 اما تيخيكس فقد ارسلته الى افسس
13 الرداء الذي تركته في ترواس عند كاربس احضره متى جئت و الكتب ايضا و لا سيما الرقوق
14 اسكندر النحاس اظهر لي شرورا كثيرة ليجازه الرب حسب اعماله
15 فاحتفظ منه انت ايضا لانه قاوم اقوالنا جدا
16 في احتجاجي الاول لم يحضر احد معي بل الجميع تركوني لا يحسب عليهم
17 و لكن الرب وقف معي و قواني لكي تتم بي الكرازة و يسمع جميع الامم فانقذت من فم الاسد
18 و سينقذني الرب من كل عمل رديء و يخلصني لملكوته السماوي الذي له المجد الى دهر الدهور امين
19 سلم على فرسكا و اكيلا و بيت انيسيفورس
20 اراستس بقي في كورنثوس و اما تروفيمس فتركته في ميليتس مريضا
21 بادر ان تجيء قبل الشتاء يسلم عليك افبولس و بوديس و لينس و كلافدية و الاخوة جميعا
22 الرب يسوع المسيح مع روحك النعمة معكم امين


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الثانية الى تيموثاوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى تيموثاوس +