تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى تيموثاوس اصحاح 2 جـ3 Print
5. الجهاد والحياة الداخلية

إن كان في البيت الكبير توجد آنية للكرامة وأخرى للهوان، والله يتمجد في هذه كما في تلك، فقد يظن أحد أنه لا ذنب له فيما يرتكبه من شرور، لأنه "إناء للهوان"، وكأنه قد جُلب ليكون هكذا. لهذا يعود الرسول فيؤكد حرية الإرادة الإنسانية التي يقدسها الرب ويبجلها، قائلاً: "فإن طهر أحد نفسه من هذه، يكون إناءً للكرامة مقدسًا نافعًا للسيد ومستعدًا لكل عمل صالح" [٢١]. ماذا يعني! إن طهر أحد نفسه، إلاَّ تأكيد حرية الإنسان ورفض القائلين بخلقة طبائع بشرية صالحة وأخرى فاسدة. لقد أكد الرسول أن الإنسان في كمال حريته أن يتغير من إناء للهوان إلى إناءٍ للكرامة، وإن كان هذا يتحقق لا بإمكانياته البشرية الذاتية إنما بعمل نعمة الله الغنيّة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظر إنه ليس بسبب طبيعة الإنسان ولا عن إلزام يكون الإناء ذهبيًا أو خزفيًا، إنما يتحقق ذلك عن محض اختيارنا؛ وإلاَّ لما كان للإناء الخزفي أن يصير ذهبيًا، ولا أن ينحط الذهبي إلى تفاهة الآخر... لقد كان بولس إناءً خزفيًا وقد صار ذهبيًا، وكان يهوذا ذهبيًا وصار خزفيًا.] وقد استخدم العلامة أوريجينوس عبارة الرسول هذه لتأكيد الحرية الإنسانية التي تمجد الله.

هكذا يحثنا الرسول بولس على الجهاد بتطهير حياتنا الداخلية، وتحويلها من الحالة الخزفية إلى الذهبية، أي تحويلها عما هو ترابي وأرضي إلى ما هو سماوي، وذلك بفضل نعمة الله العاملة فينا. هذا هو عمل الروح القدس الناري، إذ يقدس أعماق النفس في الداخل لتحمل صورة خالقها، وذلك خلال الميلاد الجديد الذي ننعم به في مياه المعمودية والتجديد المستمر غير المنقطع، لعلنا نبلغ إلى قياس ملء قامة المسيح السماوي.

كأن الرسول يود أن يعلن لتلميذه تيموثاوس، بل ولكل راعٍ، أنه لا نجاح للخدمة بدون تقديس الحياة الروحية للراعي ونموها بغير انقطاع، أما العدو الأول لهذه الحياة المقدسة الذي يجعل الإناء خزفيًا أي أرضيًا فهو الشهوات الجسدية، لهذا يقول له: "أما الشهوات الشبابية فاهرب منها، واتبع البرّ والإيمان والمحبة والسلام مع الذين يدعون الرب من قلب نقي" [٢٢].

اهتم الرسول بالجانبين: السلبي والإيجابي لنمو حياة الراعي الروحيّة. فمن الجانب السلبي يلتزم بالهروب من العثرات أو من الشهوات الشبابية، أما الجانب الإيجابي فهو الالتزام بإتباع البرّ والإيمان والمحبة والسلام. فلا يكفي الهروب من الشر، إنما يلزم الشبع بالخير، ولا يكفي ترك الخطية، إنما يلزم اقتناء السيد المسيح برّنا وسلامنا وسرّ حبنا وإيماننا.

يليق بالخادم الحقيقي أن يحذر الشهوات الشبابية، فلا يظن في نفسه أنه محصن مهما كان ماضيه طاهرًا، أو مهما بلغ من العمر، ولا يحسب حذره هذا ضعفًا بل علامة القوة والجديّة.

ماذا يقصد الرسول بالشهوات الشبابية؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا تعني شهوات الزنا فحسب، وإنما تضم كل شهوة شاذة. ليت كبار السن يتعلمون أنه ينبغي عليهم ألا يقوموا بأعمال شبابية. إن كان أحد يستسلم للغطرسة أو حب السلطة أو الغنى أو الملذات الجسدية تُحسَب هذه شهوات شبابية غبية. فإن هذه الأمور تصدر عن قلبٍ غير مستقرٍ بعد، وعن فكر مذبذب ليس له أساس عميق. إذن بماذا ينصح (الرسول) حتى لا يؤسر الإنسان بهذه الأمور؟ "اهرب من الشهوات الشبابية"، بل "واتبع البرّ والإيمان والمحبة والسلام مع الذين يدعون الرب من قلب نقي". إنه يدعو الفضيلة بوجه عام "برًا"، وتقوى الحياة والإيمان والوداعة والمحبة. وماذا يعني بقوله: "الذين يدعون الرب من قلب نقي"؟ إنه كمن يقول: افرحوا لا بالذين يدعون الرب فحسب، وإنما بالذين يدعونه بصدقٍ وإخلاصٍ، الذين هم بلا خداع، يقتربون إليه في سلام غير محبين للنزاع. التصق بمثل هؤلاء، أما بالنسبة للآخرين فلا تهادنهم لكن سالمهم قدر ما تستطيع.]

على أي الأحوال امتاز الرعاة الصادقون بالحذر من كل ما هو معثر، والجهاد في التمتع بكل ما هو للبنيان في المسيح يسوع، فمن كلماتهم:

- إني أعتقد أن الحكمة تقتضي منا أن نستمسك بتقاليد الاكليروس، خصوصًا الذين انتظموا بالفعل في سلك الكهنوت، فيجب علينا، بنوعٍ خاص، أن نتجنب حفلات الغرباء، على أن لا يكون في ذلك أي مساس بإضافة المسافرين.

- بالنسبة لصغار السن من الاكليروس فلا حاجة بهم إلى التردد على بيوت الأرامل والعذارى إلاَّ في زيارة محدودة. وإذا اقتضت الضرورة فليصحب معه واحدًا من الشيوخ كالأسقف أو كبار الكهنة. ولماذا نعطي للعالم فرصة حتى ينتقدنا؟

القديس أمبروسيوس

- أعطِ اهتمامًا مساويًا لكل عذارى المسيح أو عدم مبالاة متساوٍ، غير مميز بينهن.

لا تبطىء في البقاء معهن تحت سقفٍ واحدٍ، معتمدًا على عفتك السابقة، فأنت لست بأقدس من داود ولا أحكم من سليمان.

احذر من كل ما يسبب شكًا أو عثرة، متجنبًا للفضائح، مغلقًا على كل عمل يسبب شكًا.

القديس إيرونيموس

6. الجهاد والخصومات المفسدة

لا يقف تقديس الحياة الداخلية عند الهروب من الشهوات الشبابية وإتباع البرّ، وإنما برفض الخصومات المفسدة لنقاوة النفس تحت ستار الدفاع عن الحق، إذ يقول: "والمباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها، عالمًا أنها تولد خصومات. وعبد الرب لا يجب أن يخاصم، بل يكون مترفقًا بالجميع، صالحًا للتعليم، صبورًا على المشقات، مؤدبًا بالوداعة المقاومين، عسى أن يعطيهم الله توبة لمعرفة الحق، فيستفيقوا من فخ إبليس إذ قد اقتنصهم لإرادته" [٢٣-٢٦].

التزام الراعي أن يفّصل كلمة الحق باستقامة وأن يحفظ وديعة الإيمان بلا انحراف لا يعني دخوله في مباحثات غبية وسخيفة تولد خصومات، وتفسد نقاوة قلبه، وتنزع عنه سلامه الداخلي. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حتى في المباحثات لا يخاصم، فإن عبد الرب لا يجب أن يخاصم ما دام الله نفسه إله السلام.]

هكذا لا يليق به أن يقدم الحق خلال دخوله في خصام، فإن الوداعة - حتى في المناقشات وفي الانتهار أكثر فاعلية في حياة الآخرين من العنف أو الخصام ولو كان من أجل الحق. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يليق بمن يعلم أن يهتم على وجه الخصوص أن يحقق عمله بالوداعة، فإن النفس التي ترغب في التعلم لا تتقبل التعليم النافع خلال الخشونة والنزاع.]

إن كان ربنا يسوع المسيح هو المعلم الأعظم العارف بأسرار قلوبنا وله حق إدانتنا وتوبيخنا قيل عنه: "لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته" (مت ١٢: ١٩)، فكم بالحري يليق بنا أن نكون ودعاء مع إخوتنا في تعليمهم إذ نتعرض نحن لنفس ضعفاتهم!

قدم الرسول بولس أربع سمات هامة للمعلم الحقيقي:

أولاً:
الترفق بالجميع، فلا ييأس من أحد، ولا يخاصم أحدًا. ولعله أراد أن يصد فكر الغنوسيين الذين كانوا يميزون بين المؤمنين بكونهم طبقات معينة مثل الكاملين والبسطاء.

ثانيًا: لا يكفي أن يكون وديعًا مترفقًا وتقيًا في حياته، لكن يليق بالراعي أن يكون "قادرًا على التعليم"، فالله الحكمة ذاته ومعلم المسكونة، يريد في رعاته أن يَتَعَلَّموا ويُعَلِّموا، حتى لا يَهلَكوا ولا يُهلِكوا الآخرين.

ثالثًا:
صبورًا على المشقات، وذلك كالمزارع الذي قد يتعب لسنوات منتظرًا الثمار من الشجر، وربما يتعب لكي يجني أولاده ثمار غرسه الأشجار.

رابعًا: وديعًا في تأديباته، حتى يقدر بروح سيده الوديع أن يَرُد الخطاة الذين اقتنصهم إبليس في فخاخه.

إن كان العدو يقتنص البشر بمكر، فلا يليق بالرعاة أن يستخدموا العنف في إنقاذهم، إنما بالروح الوديع يستردوهم. تصير النفس وسط الفخ أسيرة لأفكار العدو ومُحطمة ومملوءة اضطرابًا. لذا فهي في حاجة إلى قلب وديع مملوء حنانًا وترفقًا حتى يسندها ويردها، لا إلى من يزيدها تحطيمًا بكلمات العنف والتوبيخ. أو كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن الجرح لا يحتاج إلى مواد ملهبة بل إلى زيت رطب لكي يبرأ.]

1 فتقو انت يا ابني بالنعمة التي في المسيح يسوع
2 و ما سمعته مني بشهود كثيرين اودعه اناسا امناء يكونون اكفاء ان يعلموا اخرين ايضا
3 فاشترك انت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح
4 ليس احد و هو يتجند يرتبك باعمال الحياة لكي يرضي من جنده
5 و ايضا ان كان احد يجاهد لا يكلل ان لم يجاهد قانونيا
6 يجب ان الحراث الذي يتعب يشترك هو اولا في الاثمار
7 افهم ما اقول فليعطك الرب فهما في كل شيء
8 اذكر يسوع المسيح المقام من الاموات من نسل داود بحسب انجيلي
9 الذي فيه احتمل المشقات حتى القيود كمذنب لكن كلمة الله لا تقيد
10 لاجل ذلك انا اصبر على كل شيء لاجل المختارين لكي يحصلوا هم ايضا على الخلاص الذي في المسيح يسوع مع مجد ابدي
11 صادقة هي الكلمة انه ان كنا قد متنا معه فسنحيا ايضا معه
12 ان كنا نصبر فسنملك ايضا معه ان كنا ننكره فهو ايضا سينكرنا
13 ان كنا غير امناء فهو يبقى امينا لن يقدر ان ينكر نفسه
14 فكر بهذه الامور مناشدا قدام الرب ان لا يتماحكوا بالكلام الامر غير النافع لشيء لهدم السامعين
15 اجتهد ان تقيم نفسك لله مزكى عاملا لا يخزى مفصلا كلمة الحق بالاستقامة
16 و اما الاقوال الباطلة الدنسة فاجتنبها لانهم يتقدمون الى اكثر فجور
17 و كلمتهم ترعى كاكلة الذين منهم هيمينايس و فيليتس
18 اللذان زاغا عن الحق قائلين ان القيامة قد صارت فيقلبان ايمان قوم
19 و لكن اساس الله الراسخ قد ثبت اذ له هذا الختم يعلم الرب الذين هم له و ليتجنب الاثم كل من يسمي اسم المسيح
20 و لكن في بيت كبير ليس انية من ذهب و فضة فقط بل من خشب و خزف ايضا و تلك للكرامة و هذه للهوان
21 فان طهر احد نفسه من هذه يكون اناء للكرامة مقدسا نافعا للسيد مستعدا لكل عمل صالح
22 اما الشهوات الشبابية فاهرب منها و اتبع البر و الايمان و المحبة و السلام مع الذين يدعون الرب من قلب نقي
23 و المباحثات الغبية و السخيفة اجتنبها عالما انها تولد خصومات
24 و عبد الرب لا يجب ان يخاصم بل يكون مترفقا بالجميع صالحا للتعليم صبورا على المشقات
25 مؤدبا بالوداعة المقاومين عسى ان يعطيهم الله توبة لمعرفة الحق
26 فيستفيقوا من فخ ابليس اذ قد اقتنصهم لارادته


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الثانية الى تيموثاوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى تيموثاوس +