إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

راحة الجسد ليست خطية إنما هى وصية إلهية إنما من الخطأ أن شخصاً يبنى راحته على تعب الآخرين

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى تيموثاوس اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

الجهاد في الخدمة


بعد أن كشف الرسول عن "روح القوة" الذي يعمل في حياة الراعي خلال صليب ربنا يسوع المسيح، الروح الذي ننعم به بواسطة الروح القدس الساكن فينا، يتحدث هنا عن الجهاد في الخدمة، موضحًا كيف يحيا الخادم بروح القوة مجاهدًا كل أيامه:

1. الجهاد والنعمة 1.

2. تلمذة خدام جدد ٢.

3. الجندية الروحية ٣ - ١٣.

4. تجنب المماحكات الباطلة 14-20.

5. الجهاد والحياة الداخلية ٢١ - ٢٢.

6. الجهاد والخصومات المفسدة ٢٣ - ٢٦.

1. الجهاد والنعمة

"فتقوَ أنت يا ابني في المسيح يسوع" [١].


إذ يود الرسول أن يتحدث عن جهاد الخادم في تلمذته آخرين للعمل في كرم الرب، وفي اهتمامه بخلاص الآخرين دون أن يفسد وقته بالمماحكات الباطلة ويحطم سلامه بالخصومات المفسدة، قدم النعمة الإلهيّة كسرّ القوة في الجهاد. إنه يوصي تلميذه كابن روحي له أن يتقوى في الجهاد لا بالغيرة البشريّة والحماس الذاتي وإنما بالنعمة التي تُوهب لنا في المسيح يسوع ربنا. وإذ يطلب الرسول من تلميذه أن يتحصن في النعمة حتى يقدر أن يجاهد قانونيًا يتحدث معه برقة ومحبة، إذ يقول له "يا ابني".

ما أحوجنا أن تتشدد قوتنا بالنعمة: "تقووا في الرب وفي شدة قوته" (أف ٦: ١٠). حينما اعتمد الرسول بطرس على غيرته البشريّة سقط في الإنكار بالرغم من إشتياقه الداخلي للجهاد، لكن إذ سندته نعمة الله استطاع أن يشهد للسيد المسيح محتملاً الآلام بفرح.

2. تلمذة خدام جدد

"وما سمعته مني بشهود كثيرين، أُودعه أُناسًا أُمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضًا" [٣].

لا تقف أمانة الرسول عند جهاده واهتمامه بخلاص الآخرين ولا أن يتلمذ آخرين يهتمون بذات العمل، وإنما يود أيضًا في هؤلاء التلاميذ أن يتلمذوا جيلاً قادرًا على التعليم. هذا هو الجهاد الحقيقي، أو القيادة الروحيّة السليمة، وهو أن يقيم الراعي تلاميذ قادرين بدورهم أن يتلمذوا أناسًا أكفاء قادرين على التلمذة.

هذا هو مفهومنا للتسليم أو التقليد المقدس، إنه تلمذة غير منقطعة خلال الأجيال لقبول وديعة الإيمان الحيّ العملي بلا انحراف.

3. الجُنديّة الروحيّة

"فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح. ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي من جنده. وأيضًا إن كان أحد يجاهد لا يُكلَّل إن لم يجاهد قانونيًا. يجب أن الحَرَّاث الذي يتعب يشترك هو أولاً في الأثمار. افهم ما أقول: فليعطك الرب فهمًا في كل شيء" [٣-٧].

يُقدِّم الرسول بولس ثلاثة أمثلة للجهاد الروحي: الجندي الأمين لحساب ملكه [٣-٤] والمشترك في الألعاب الرياضيّة [٥] والحراث [٦].

أ. الجندي الصالح الذي يعتز بأمانته لبلده ورئيس دولته يحارب لحساب وطنه، هكذا المسيحي في جهاده الروحي يحارب كضد إبليس والخطية تحت قيادة رب المجد نفسه الذي جنده. يدعوه الرسول "رئيس (قائد) خلاصنا" (عب ٢: ١٠)، القائد الذي غلب إبليس على الصليب ولا يزال يغلبه خلالنا (رؤ ٨: ٣٧).

إنها كرامة عظيمة لا نستحقها أن نُحسب جنود روحيين للرب، من أجله تهون كل المشقات والآلام. إذ قَبِلنا هذه الجنديّة الروحيّة يلزمنا ألاَّ نرتبك بأعمال الحياة اليومية، لا لأنها دنسة وإنما لأنها لا تليق بالمُتجنِّدين الذين كرسوا كل حياتهم لخدمة الكلمة.

ب. يناضل المتسابقون في الألعاب الرياضية من أجل نوال الإكليل، فيحتملون تداريب يومية ويمتنعون عن بعض الأطعمة والملذات حتى ينعموا بالفوز. ونحن يلزمنا أن نجاهد قانونيًا، أي حسب شريعة مدربنا يسوع المسيح، لكي ننعم بالنصرة الروحيّة. حقًا إن كثيرين يجاهدون، لكن ليس قانونيًا، وذلك كالذين يتدربون على الألعاب الرياضية بغير مدرب حكيم. هؤلاء غالبًا ما يفشلون بل وقد يتطرفون في إتجاه آخر مما يسبب لهم ضررًا صحيًا وفشلاً في المسابقات ونوال الإكليل. هكذا يليق بالمؤمن أن يجاهد، لكن ليس بذاته، وإنما تحت قيادة سيده "المدرب الحقيقي" بروح كنيسته وفكرها الإنجيلي الآبائي حتى لا ينحرف يمينًا أو يسارًا في تطرف أو مبالغة مما يفقده حياته على الأرض وإكليله السماوي. حقًا إن الجهاد والمشقة أو الألم أمور صعبة لكنها متى كانت قانونية تصير مُفرحة ومُبهجة. يقول القديس چيروم في حديثه عن مزامير المصاعد حيث يترنم اللاويون وهم يصعدون الخمسة عشر درجة للهيكل: [لا تفقد الثقة يا إنسان، فإن الرب واقف على الدرجة الخامسة عشر؛ إنه يراقبك ويعينك! فإن كنت على الدرجة الأولى وتبدو لك المسافة بين الدرجة الأولى والخامسة عشر لا يمكن تسلقها فلا تتطلع إلى الدرجات بل تطلع إلى الرب".] فالجهاد القانوني مؤلم مفرح، مملوء أتعابًا، لكنه يقدم للنفس سلامًا خلال تطلعها للمدرب الحقيقي وعضويتها في كنيسته.

ويرى القديس أمبروسيوس أن الجهاد القانوني أو ما دعاه الرسول أيضًا بالجهاد الحسن )٥: 7) إنما يعني تكريس القلب بالكُلية لهذا العمل دون ارتباك بأمورٍ أخرى، ذلك كمن يعمل لدى إمبراطور لا يليق به أن يرتبك بأعمال أخرى كالتجارة التي وإن كانت ليست محرمة لكنها تعني استهانة بخدمة إمبراطوره.

ج. الحَرَّاث الذي يتعب من أجل الثمر، فإن كان الحراث هو أول من يجاهد في الزراعة إذ يحرث الأرض، فإنه يستحق نصيبه في الثمر، حتى وإن كان غيره قد بذر وآخر حصد. هكذا في جهادنا نعمل ويكون لنا مكافأة حتى وإن كان الثمر لا يُحصد إلاَّ بعد رحيلنا. لنحرث وغيرنا يبذر أو يسقي أو يحصد فإن نصيبنا في الإثمار محفوظ في الرب.

هذه هي الأمثلة الثلاثة التي قدمها الرسول ليشجع تلميذه على الجهاد، ففي المثل الأول يؤكد التزامنا بالجهاد من أجل الملك المسيح نفسه، وفي المثل الثاني لنجاهد قانونيًا حسب شريعة الرب، وفي الثالث نجاهد من أجل الثمر حتى وإن كان متأخرًا.

أخيرًا يوصيه: "افهم ما أقول"، لكنه لا يقدر أن يفهم الوصية كما ينبغي ما لم يفتح الروح القدس بصيرته، لهذا يصلي الرسول من أجله: "فليعطك الرب فهمًا في كل شيء". وكأن الرب هو المعين بنعمته ليس فقط في الجهاد، وإنما أيضًا في الفهم.

بعدما حثه على الجهاد الروحي في الرب، مصليًا من أجله لكي يهبه الرب فهمًا، قدم له السيد المسيح نفسه قائد الإيمان ومكمله (عب ١٢: ٢) غالب إبليس ومحطم الموت، إذ يقول: "اذكر يسوع المسيح المقام من الأموات من نسل داود بحسب إنجيلي، الذي فيه أحتمل المشقات حتى القيود كمذنب، لكن كلمة الله لا تُقَيِّد" [٨-٩].

قاد السيد المسيح المعركة الروحية بنفسه ضد الموت، فدخل إليه لكي يكسر شوكته في عقر داره. فقد تجسد كلمة الله لكي يدخل بالجسد إلى الموت، وإذ لا يستطيع الموت أن يحبسه ولا للفساد أن يقترب إليه يقوم بسلطانه لكي يقيمنا معه، ويدخل بنا إلى الحياة الجديدة المقامة. يقول الرسول: "فدُفِنَّا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضًا في جِدَّة الحياة" (رو ٦: ٤). لقد صار ابنًا لداود وخضع للآب عوضًا عنا وقَبِل الموت بإرادته، حتى نُحسب نحن طائعين لأبيه فننعم بقوة القيامة التي له.
هذا هو موضوع كرازته، إذ يقول الرسول: "بحسب إنجيلي" أن ننعم بحياته المُقامة الغالبة للموت. لقد احتمل السيد المشقات حتى القيود كمذنبٍ، أي كفاعل شرٍ (يو ١٨: ٣٠) مع أنه البار الذي لا يعرف خطية. قيدوه حسب الجسد كمن هو تحت الحكم، لكنه هو واهب الحرية الذي لا يُقَيِّد داخليًا... "لكن كلمة الله لا تُقَيِّد"، إذ لا يمكن للكلمة الإلهي الخالق أن يُقَيِّد! هكذا في المسيح يسوع قد يُقيد الخادم حسب الجسد، لكن لا يقدر أحد أن يُقيد كلمة الله التي تُعلن بالأكثر خلال قيود الجسد. يمكن تقييد أجسادهم، أما شهادتهم للرب فلا تتوقف. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أيدينا مقيدة وليس لساننا، إذ لا يوجد ما يُقيد اللسان إلاَّ الجبن وعدم الإيمان. فإذ لا يوجد هذان الأمران فينا فإنه حتى وإن قُيدنا بالسلاسل فإن الكرازة بالإنجيل لا تقيد... إنها كلمة الله وليس كلمتنا! القيود البشرية لا تقدر أن تقيد كلمة الله.]

بعد أن قدم الرسول السيد المسيح مثالاً أعظم لاحتمال الآلام والقيود من أجل خلاصنا عاد ليقدم نفسه مثلاً يقتدي أثر سيده، إذ يقول: "لأجل ذلك أنا أصبر على كل شيء لأجل المختارين، لكي يحصلوا هم أيضًا على الخلاص الذي في المسيح يسوع مع مجدٍ أبديٍ" [١٠].

لقد احتمل سيدي المشقات من أجل خلاصي، ولم يكن ممكنًا للقيود أن تعطل عمله، وها أنا أحتمل بصبر أيضًا من أجل إخوتي المختارين لكي ينعموا معي بالخلاص وتكون لهم معي شركة في المجد الأبدي. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظر أيضًا هناك باعث آخر، إذ يقول إني لا أحتمل هذه الأمور لأجل نفسي، وإنما لأجل خلاص الآخرين. في قدرتي أن أعيش متحررًا من المخاطر ولا أعاني شيئًا من هذه المشقات، لو كنت أهتم بما هو لي وحدي. إذن لماذا أحتمل هذه الأمور؟ من أجل نفع الآخرين كي ينالوا الحياة الأبدية... إنه لم يقل لأجل أشخاص معينين وإنما "لأجل المختارين". إن كان الله اختارهم فإنه يليق بنا أن نحتمل كل شيء من أجلهم "لكي يحصلوا هم أيضًا على الخلاص". بقوله "هم أيضًا" يعني أنهم يحصلون على ما نحصل نحن أيضًا عليه، لأن الله اختارنا نحن أيضًا. وكما تألم الله لأجلنا يليق بنا نحن أيضًا أن نتألم لأجلهم.] لقد تألم السيد عنا مقدمًا آلامه هبة مجانيّة أو نعمة نتمتع بها، أما نحن فنتألم من أجلهم مقابل آلامه عنا، فنرد الحب بالحب، كمن يشتاق أن يفي شيئًا من الدين. لكننا مهما قدمنا من أجل إخوتنا نبقى مدينين لمخلصنا بكل حياتنا.

إذ ننعم بعمل الله الخلاصي ونقبل آلامه من أجلنا نتذوق عربون المجد الأبدي، فتهون كل الآلام والمشقات من أجل تمتع إخوتنا بذات المجد الأبدي.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الثانية الى تيموثاوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى تيموثاوس +
 


10 توت 1736 ش
21 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة مطرونة
استشهاد القديس يؤانس المصري وزملائه
استشهاد القديسة باسين وأولادها الثلاثة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك