إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الضمير الصالح هو الذى يستنير بإرشاد الروح القدس ، فهو لا يرشد الإنسان من ذاته ولا يعمل بمجرد معرفة بشرية وإنما يرشده روح الله ويكون أيضاً تحت إرشاد كلمة الله الصالحة وتعليمه الإلهى

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 9 جـ1 PDF Print Email

التشجيع على العطاء

خشي الرسول لئلا يسيء البعض فهم الاصحاح السابق فيحسبونه أنه يتهم الكنيسة بالبخل وعدم العطاء، لذا يقدم هنا عذرًا عن غيرته في حثهم على ممارسة هذا النعمة (١-٥). استطرد الحديث فقدم توجيهات عن العطاء المقبول وكيفية ممارسته.

١. اعتذار لحثهم على العطاء ١-٥.

٢. العطاء بسخاء ٦.

٣. العطاء بسرور ٧.

٤. النمو في العطاء ٨-١٠.

٥. العطاء وذبيحة الشكر ١١-١٦.

١. اعتذار لحثهم على العطاء

"فإنه من جهة الخدمة للقديسين هو فضول مني إن اكتب إليكم" [1].


مع ما اتسم به الرسول بولس من الصراحة فى كتاباته سواء للأفراد أو الكنائس، لكنه خلال الحب يلطف من مشاعر سامعيه ويشجعهم قبل أن يكشف عن جراحاتهم ويوبخهم.

هنا يحسب ما كتبه فى رسالته الأولى بخصوص حثهم على العطاء هو نوع من الفضول، لأنهم محبون للعطاء، ومدركون لأهميته، فما كان يليق به أن يذكرهم بهذه الفضيلة.

وهو يكتب هكذا معتذرًا يشجعهم بطريقه غير مباشرة للعطاء بأكثر سخاء ويُشعرهم بأنهم يمارسونه، ليس خلال حثه لهم، بل خلال مسرتهم بالعطاء. إنه يقتدي بالسيد المسيح فى حديثه مع سمعان بطرس بعد القيامة (يو21: 15- 17)، فهو يعلم ما فى قلب تلميذه من حب له، لكنه كرر السؤال ثلاث مرات : "أتحبنى ؟" يبدو هذا التكرار كنوعٍ من الفضول، لكنه بالحق قدم دفعة قوية لعودة الرسول إلى عمله الرعوي المملوء حبًا.

- نطق بولس بذلك لكى يربح أهل كورنثوس إلى جانبه. فقد ظن بعض ممن لهم شهرتهم أنهم لم يكونوا فى حاجه إلى نصيحة. إذ كانوا يخجلون من الظهور بأنهم أقل من غيرهم. لا يريدون ان يظهروا أمام الآخرين أنهم مقصرون.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأني أعلم نشاطكم الذي افتخر به من جهتكم لدى المكدونيين، إن أخائية مستعدة منذ العام الماضي، وغيرتكم قد حرضت الأكثرين" [2].

في الاصحاح السابق قدم مكدونية مثلاً رائعًا في ممارسة العطاء بطريقة فائقة؛ هنا يقدم أخائية التي عاصمتها كورنثوس بأنها بدأت فألهبت قلوب الكل للعمل. كما بدأوا بغيرة يليق بهم أن يكملوا الطريق.

- قدم بولس اهل مكدونية الى أهل كورنثوس، وأهل كورنثوس لأهل مكدونية كأمثلة يحتذون بها.

ثيؤدورت أسقف قورش

"ولكن أرسلت الاخوة، لئلا يتعطل افتخارنا من جهتكم من هذا القبيل، كي تكونوا مستعدين كما قلت" [3].


يؤكد لهم الرسول أنهم موضوع فخره واعتزازه، ليس فى أعماقه فحسب، بل وأمام الآخرين.

يتحدث مع شعبه بكل توقير وتقدير لمشاعرهم، فيعتذر على حثهم على العطاء بمهارة عجيبة، حتى أنه وهو يعتذر يحثهم أكثر على ممارسته بفكرٍ إنجيلي سليم. كأنه يقول لقد كتبت ما فيه الكفاية بخصوص هذا الأمر ولا حاجة لكم أن تقرأوا أكثر عنه. كان الرسول على علم بأن كل منطقة أخائية وليس فقط كورنثوس كانت تستعد منذ العام السابق أن تساهم في مساندة القديسين الفقراء المتألمين وإنه يفخر بهذه الغيرة التي ألهبت قلوب الكثيرين للإقتداء بهم، ربما من بينهم كنائس مكدونية.

"حتى إذا جاء معي مكدونيون ووجدوكم غير مستعدين لا نخجل نحن، حتى لا أقول أنتم في جسارة الافتخار هذه" [4].

يبدو كمن يعتذر على إرساله تيطس والأخوين معه في هذا الشأن. لكنه يبرر ذلك بأن الوقت قد حان لتقديم العطية بسرعة وبسخاء. لقد افتخر بعملهم فيخشى من التأخير فيتعطل افتخاره بهم ويصير في عارٍ أمام المكدونيين. لقد عرف أن بعض المكدونيين ربما يحضرون معه فإن كان الجمع لم يكن يعد قد تحقق يصير في خجل، ويسيئون إلى سمعته، لأن ما أفتخر به لم يكن حقًا.

"فرأيت لازمًا إن اطلب إلى الاخوة، إن يسبقوا إليكم ويهيئوا قبلاً بركتكم التي سبق التخبير بها، لتكون هي معدة هكذا، كأنها بركة لا كأنها بخل" [5].

يترجم البعض كلمة "بخل" هنا في اليونانية بالطمع. فيرى البعض أن بعضًا من أهل كورنثوس بعد أن جمعوا في العام السابق بدأوا يدعون بأن الجمع يقوم على أساس الطمع، لذا وجههم الرسول لإدراك أن العطاء بركة لمن يعطي، فهو المنتفع.

وربما عني الرسول أنه قد تم بالفعل الجمع لكن لم تكن مشاعر الذين قدموا العطية مهيأة للعطاء بمفهوم نوال البركة فقدموا بالشح وليس بسخاء.

- لقد أراد منهم أن يساهموا بسخاء وبمحض اختيارهم. يقول "البركة معدة، بكونها بركة وليست ابتزازًا". بدأ أولاً بما هو أكثر بهجة وإنارة وهو انه ليس عن ضرورة إذ "هي بركة". تطلع انه في حثه يشير للحال إلى الثمرة التي تصدر عنها، فالعطاء مملوء بركة.

- يضيف "وليس ابتزازًا" ما يقوله هو: لا تظنوا أننا نأخذ العطاء كمبتزين، وإنما لنصير علة بركة لكم. لأن الابتزاز يصدر بغير ارادة حتى أن من يعطي الصدقة يقدمها بغير ارادته كابتزاز منه. عبر بعد ذلك إلى العطاء بسخاء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

٢. العطاء بسخاء

"هذا وإن من يزرع بالشح فبالشح أيضًا يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضًا يحصد" [6].


كثيرًا ما يفهم اليهود الزرع بمعنى العطاء، فيفسرون ما ورد في إشعياء: "طوباكم أيها الزارعون على كل المياة" (إش ٢٠:٣٢) بمعنى طوبى للذين هم مستعدين أن يقدموا عونًا لكل محتاج. من يظهر رحمة لأخيه يظهر اللَّه رحمته له.

مبدأ رئيسي عام أنه لا يستطيع أحد أن يحصد إلا ما يناسب ما زرعه. فالعطاء أشبه ببذور تُزرع وتأتي بحصاد، فمن يزرع بسخاء ينال حصادًا لائقًا به.

- لم يقل "بسخاء" بل "ببركة" وهي أعظم بكثير من الأولى.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- على أي الأحوال لا يوجد طريق أكثر أمانًا عن أن يخزن الشخص نصيبًا من مصادره في أفواه الفقراء.

- في وضوح، إذ نعين البؤساء نعطي لأنفسنا. توزيع مصادرنا هو مكسبنا. فإنك ان تضع في اعتبارك المكافأة المقبلة فإن كل ما تعطيه للفقراء يُحسب ربحًا.

لذلك، إن كان الذي يزرع بالشح فبالشح يحصد كما ترون، هكذا من يوزع قليلاً ينال القليل، من لا يزرع شيئا لا يخزن شيئًا... هكذا إن أردنا أن نجمع حصادًا من الفرح فلنزرع الآن بفيض بدموعنا.

الأب فاليريان

- إذا يقول الرسول نفسه: "الآن اقول أن من يزرع بالشح..." يلزمكم ان تفهموا أن "الآن" هو" الزمن"، أي مادمنا فى هذه الحياة، فلنسرع بغيرة ونقتني عطية الحياة الأبدية، فإنه إذا ينتهى العالم فإن هذه العطية تقدم فقط للذين اقتنوها لأنفسهم بالأيمان قبل أن يكونوا قادرين على رؤيتها.

القديس أغسطينوس

- لنزرع تلك البذور الصالحة بسخاء حتى نحصد فى الوقت المناسب بسخاء الآن هو وقت للزرع، حيث اسألكم الا تتجاهلوا، حتى يمكنا فى الزمن الحصاد أن نجمع ثمار ما زرعناه هنا، ونستمع بالحنو المترفق من قبل الرب.

القديس يوحنا ذهبى الفم

٣. العطاء بسرور

"كل واحدٍ كما ينوي بقلبه، ليس عن حزن أو اضطرار، لأن المعطي المسرور يحبه اللَّه" [7].

لا يكفي أن يقدم الإنسان بسخاءٍ متطلعًا أن ما يفعله هو بركة له، سيحصد ما يفعله، وإنما يقدم بقانون الحب، ألا وهو قدر ما يستطيع بفرح وبهجة قلب. ما يفعله يخرج من قلبه وبكامل إرادته ومن كل مشاعره وأحاسيسه. فلا يقدم بروح التذمر ولا تحت ضغط خارجي، وليس بحوارٍ وجدالٍ. وكما جاء في سفر إشعياء: "وأنفقت نفسك للجائع، وأشبعت النفس الذليلة، يشرق في الظلمة نورك، ويكون ظلامك الدامس مثل الظهيرة، ويقودك الرب على الدوام، ويشبع نفسك في الجدوب (القحط)، ينشط عظامك فتصير كجنة ريا، وكنبع مياه لا تنقطع مياهه" (إش ٥٨ : ١٠-١١).

كان لدى اليهود في الهيكل صندوقان للعطاء أحدهما يدعىShel Chuwbah صندوق الضروريات فيه يقدم الشخص ما يُلزمه به الناموس، والآخر Shel Nedabah صندوق العطاء بكامل الحرية حيث يعطي الشخص ما لا يلزمه الناموس بكامل إرادته. فالبعض كانوا بالكاد يقدمون ما يُلزمهم به الناموس عن ضرورةٍ وبحزنٍ، والآخرون يقدمون بسخاء أكثر مما يتطلب الناموس، يقدمونه بفرح من أجل اللَّه وخلال محبتهم للمحتاجين. هنا لا يتحدث عن الفريق الأول الذي يقدم العطاء عن ضرورة إنما يتحدث عن الفريق الثاني فيقول "يحبه اللَّه". الفريق الأول يفقدون بركة نعمة العطاء خلال شعورهم بالالتزام مع حزن القلب. إنهم يرون في العطاء فقدانًا لما يملكونه ويقدمونه. الفريق الثاني يري في العطاء دفن لما يقدمونه كي ينتج حصادًا أعظم بكثير من البذور التي اختفت. الفريق الأول يرون في العطاء محاولة تهدئة غضب اللَّه، أما الثاني فيرون فيه حبًا فائقًا ومشتركًا بينهم وبين اللَّه. عطاؤهم موضع سرور اللَّه، هذه المسرة لا تعادلها أية خسارة مادية مهما بلغت قيمتها.

إذا نعطى بسرور نقدم مع العطاء قلبًا متهللاً، نحصد هذا التهليل مضاعفًا حين نلتقي بعريس نفوسنا فى يوم الفرح الأبدي.

ولما كان العطاء أمرًا جوهريًا فى حياة المؤمن تحدث كل آباء الكنيسة تقريبًا عن العطاء مباشرةً أو غير مباشرةً.

لم يتوقف القديس يوحنا ذهبى الفم عن ابراز بركات العطاء الروحية، إذ تقيم من البشر أيقونة لحنو الله.

القديس يوحنا ذهبى الفم

السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 9 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 


10 بابه 1736 ش
21 أكتوبر 2019 م

استشهاد القديس سرجيوس رفيق واخس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك