تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 4 جـ5 Print
"فإذ لنا روح الإيمان عينه حسب المكتوب: آمنت لذلك تكلمت، نحن أيضًا نؤمن ولذلك نتكلم أيضًا" [13].

كما كتب داود: "آمنت لذلك تكلمت" (مز ١٠:١١٦) هكذا نحن نؤمن بأننا تقبلنا تحقيق الوعود الإلهية، وصار لنا حق التمتع بالخلاص الأبدي وشركة المجد مع المسيح. هذا ما نشهد عنه ونتكلم به.

ما آمن به رجال العهد القديم خلال إعلانات الروح هو ذات إيماننا، لكن ما نرجوه هو تمتعنا نحن به لذا لاق بنا أن نشهد له.

- يذكرنا بولس بالمزمور 10:116 الذي يذكرنا بالحكمة السماوية، ويناسب بالأكثر تشجيعنا أثناء المخاطر. نطق المرتل بهذه الكلمات عندما كان في خطرٍ عظيمٍ، ولم يكن هناك أي احتمال للَّهروب إلا بقوة اللَّه. في ظروف مماثلة يقول بولس إننا نحن الذين لنا ذات الروح سنتعزى أيضًا مثله. هكذا يظهر بولس أنه يوجد تناغم عظيم بين العهدين القديم والجديد. ذات الروح يعمل في كليهما. كان رجال العهد القديم في خطرٍ كما نحن أيضًا. ويليق بنا نحن أيضًا أن نجد مثلهم حلاً خلال الإيمان والرجاء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- علاوة على هذا فإن شفيعنا، إذ أعلن لنا، أراد أن يظهر سرّ تجديدنا، ولكن بالنسبة لأبرار العهد القديم كان الأمر مخفيًا، مع أنهم هم أيضًا يخلصون بذات الإيمان الذي أُعلن في حينه. فإننا لا نجسر أن نفضل مؤمني عصرنا عن أصدقاء اللَّه الذين بهم قُدمت هذه النبوات، حيث أن اللَّه أعلن عن نفسه أنه إله إبراهيم، وإله اسحق، وإله يعقوب، معطيًا لنفسه هذا الاسم أبديًا... فكما أنهم آمنوا بتجسد المسيح الذي كان سيحدث حين كان مخفيًا، هكذا نحن أيضًا نؤمن بأن هذا قد حدث.

- قبل مجيئه في الجسد آمنوا أنه سيأتي في الجسد. إيماننا هو بعينه كإيمانهم، حيث آمنوا بأن هذا سيحدث، أما نحن فنؤمن بأن هذا قد حدث.

القديس أغسطينوس

"عالمين إن الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضًا بيسوع، ويحضرنا معكم" [14].

وسط هذه الآلام التي حولت حياة الرسل إلى إماتة دائمة تشرق عليهم قيامة المسيح فيتمتعون بعربون القيامة معه. لم يخفِ الرسل الموت، إذ حسبوه طريق القيامة المفرح، به يعبرون مع المسيح وبالمسيح إلى المجد.

- الذي أقام يسوع من الأموات سيقيمنا نحن أيضًا إن فعلنا إرادته وسلكنا في وصاياه وأحببنا ما يحبه، ممتنعين عن كل شرٍ وطمعٍ ومحبة مالٍ وكلامٍ شرير وشهادة زور.

القديس بوليكاربوس

- مرة أخرى يملأ بولس أهل كورنثوس بالأفكار السامية حتى لا يشعروا أنهم مدينون بشيء للرسل الكذبة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- اعتقد بولس أنه قد صار خلال عمل المسيح هو والمؤمنون أعظم من الموت، وأنهم جميعًا سيُحضرون أمام كرسي الحكم الرهيب.

ثيؤدورت أسقف قورش

"لأن جميع الأشياء هي من أجلكم، لكي تكون النعمة وهي قد كثرت بالأكثرين تزيد الشكر لمجد اللَّه" [15].

يقصد بجميع الأشياء هنا خبرة الألم والموت اليومي والتمتع بعربون القيامة والحياة الجديدة، كل هذه الخبرات التي يعيشها الرسل مقدمة للشعب. الألم في حياة الخدام هو الطريق الحي لكسب نفوس جديدة وبنيان المؤمنين ونموهم الروحي.

- لا يريد اللَّه أن يُستبعد أحد من عطيته. لكن لأنه ليس كل أحدٍ قد استلم كلمة الإيمان، لهذا فإن رسول اللَّه الذي عرف إرادة اللَّه لم يخفْ من احتمال الاضطهادات والمخاطر مادام يستطيع الكرازة لكل واحدٍ بإيمان حتى يؤمن أناس أكثر.

أمبروسياستر

- لم يقم اللَّه المسيح من الأموات من أجل شخصٍ واحدٍ فقط بل لنفعنا نحن جميعًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لذلك لا نفشل، بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يومًا فيومًا" [16].

لن يتسلل اليأس إلى حياتنا، لأنه من الخارج يشيخ الجسد بحواسه ويفنى خاصة خلال الآلام والتجارب، لكن النفس في الداخل التي لا يراها أحد تتجدد طبيعتها، وتتقبل النور الإلهي والحياة الجديدة، فتتمتع بالحياة المقدسة المطوِّبة وتتجدد يومًا فيومًا. بينما يشيخ الجسد تتمتع النفس بالحداثة أكثر فأكثر.

- بدأ تجديد البشرية في جرن المعمودية المقدس، ويتقدم تدريجيًا ويتم بأكثر سرعة في بعض الأفراد وأكثر بطئًا في آخرين. لكن كثيرين يتقدمون نحو الحياة الجديدة، إن لاحظنا الأمر بأكثر دقة وبدون تحيّزٍ. وكما يقول الرسول: "وإن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يومًا فيومًا" [16]. إنه يقول إن الإنسان الداخلي يتجدد يومًا فيومًا حتى يصير كاملاً، لكن يلزمكم أن تسمحوا له بالبدء في الكمال فهل تشتهون بالحق ذلك؟ لكنكم تسعون أن تقودوا الغافلين في ضلال لا أن ترفعوا الضعفاء.

- الإنسان ليس جسدًا وحده، وليس نفسًا وحدها، بل هو كائن يتكون من كليهما. هذا بالحق حقيقة، أن النفس ليست هي الإنسان كاملاً ولكنها الجزء الأفضل منه، ولا الجسم هو الإنسان كله، لكنه الجزء الأقل، وعندما يرتبط الاثنان معًا يحملان اسم الإنسان. على العكس عندما يكون الإنسان حيًا والجسم والنفس متحدين يُدعى كل منهما باسم "الإنسان" فنتحدث عن النفس انها "الإنسان الداخلي"، والجسم "الإنسان الخارجي"، كما لو كانا اثنين وإن كانا هما معًا بالحق إنسانًا واحدًا.

القديس أغسطينوس

- في أوقات الاضطهاد تتقدم النفس. تضيف في كل يوم شيئًا أكثر إلى خبرتها للإيمان. حتى إن حلّ دمار بالجسم فإنه يبلغ به إلى الخلود خلال استحقاق النفس.

أمبروسياستر

- ينحل الجسم بجَلده واضطهاده، ولكن الإنسان الداخلي يتجدد بالإيمان والرجاء والإرادة المتطلعة إلى قدام التي تشجع الذين في شدةٍ. لأن رجاء النفس يتناسب مع آلام الجسم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لن يدعوها جميلة ما لم يرَ صورتها تتجدد يومًا فيومًا.

العلامة أوريجينوس

- الإنسان الذي له اهتمام أفضل في قلبه سيهتم بصفة خاصة بنفسه ولا يكف عن احتمال أية آلام تحفظه بلا دنس ويكون صادقًا مع نفسه.

إن هزل جسمه من الجوع أو بجهاده مع الحر والبرد، أو أصيب بمرضٍ أو عانى من عنفٍ من أحدٍ، فإنه لا يبالي كثيرًا بهذا، بل يتجاوب مع كلمات بولس فيقول في كل مصائبه: "وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يومًا فيومًا"...

وإن كان يجب أن يترفق الإنسان بجسمِه كأمرٍ ضروري للنفس، فقط بالقدر الذي يحفظه به ويكون نشيطًا برعاية معتدلة لخدمة النفس.

القديس باسيليوس الكبير

"لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبديًا" [17].

يرى الرسول إن الضيق يعمل لحساب تمتعه بالسماء، وأنه حتمًا سيزول لأنه وقتي. لنحرص على استغلاله، لأنه يقدم لنا ثقل مجدٍ أبديٍ. ليس من موازنة بين آلام زمنية أرضية وأمجاد خالدة أبدية سماوية. إن قورنت الآلام بكل ثقلها واستمرارها مع الزمن بالمجد المعد لنا تُحسب وقتية وهينة.

يقابل الرسول الآلام بالأمجاد، الأولى حاضرة والثانية مستقبلية، الأولى مؤقتة والثانية خالدة، الأولى خفيفة للغاية والثانية تمثل ثقلاً عظيمًا.

- لو لم يكن لنا خصوم لما كانت توجد معركة ولا مكافأة مخصصة للمنتصرين، ولًما قُدم لنا ملكوت السماء. "خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبديًا" [17]. ولَما كان لأحدٍ منّا رجاء في المجد العظيم في الحياة العتيدة نتيجة الصبر في الضيقات المحتملة.

- لم يكن بالأمر الهيّن الحزن المؤقت لكل أحدٍ، إذ لهم المحبة الكاملة للَّه في المسيح يسوع بالروح القدس منسكبة في قلوبهم.

العلامة أوريجينوس

- يقول بولس أن أحزاننا الحاضرة خفيفة إذ تحدث في حدود زمنٍ ما ومكانٍ معين. مقابل هذا التعب الهيّن نقتني المجد بدرجةٍ تفوق كل قياسٍ.

أمبروسياستر

- نرى الرسول المبارك يثبت أنظاره بسهولة على عظمة المكافأة العتيدة، مستهينًا باضطهاداته غير المحصية، قائلاً: "لأن خفَّة ضيقتنا الوقتيَّة تنشئُ لنا أكثر فأكثر ثقلَ مجدٍ أبديًّا" (2 كو17:4). هذا ما يؤكده في موضع آخر قائلاً: "فإني أحسب آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلَن فينا" (رو 18:8). هكذا مهما بلغ جهاد الضعف الإنساني، لن يبلغ (بذاته) إلى المكافأة المقبلة. ووجود جهاده لا ينفي عن النعمة الإلهية كونها مجانية.

الأب شيريمون

- هكذا طريق الصالحين فوق الكل، عندما يحتملون شيئًا من أجله، غير مبالين بمظهر ما يحدث بل يفهمون العلة وراء ذلك، فيحتملون كل شيء برباطة جأش.

هكذا عرف بولس معلم الأمم السجن والمحاكمات والمخاطر اليومية، كل هذه المصاعب الكثيرة التي لا تُحتمل، كأحمالٍ هينّة. ليس لأن هذه كانت هكذا بالحقيقة في طبيعتها، وإنما بسبب ما تنتجه من ورائها من اتجاه فيه لا يعود يرجع لمواجهة هذه التهديدات التي تحل به. لتصغِ بعد هذا كله إلى قوله: "لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبديًا" [17]. فتوقع المجد المعين لنا لنواله - كما يقول - بالمتعة غير المنقطعة يجعلنا نحتمل المتاعب واحدة فواحدة بغير صعوبة، ونحسبها كلا شيء. أترون كيف أن حب اللَّه يخفف من كثافة المتاعب وينزع عنّا أي إحساس بها حين تحل بنا؟ حتمًا بسبب هذا احتمل هذا الطوباوي كل شيء برباطة جأش مستندًا على الإيمان والرجاء باللَّه.

- كان القديس بولس من أنبل الرجال ومثالاً واضحًا لسمو الطبيعة البشرية وإمكانياتها (خلال النعمة) في الفضيلة. خلال حديثه عن شخص السيد (المسيح) وحثٌنا على الفضيلة أدان (بولس الرسول) المنادين بفساد الطبيعة البشرية، وأبكم أفواه الناطقين بالافتراءات، مؤكدًا أن الفرق بين الملائكة والبشر طفيف جدًا إن أرادوا الوصول إلى درجة الكمال.

لم تكن طبيعة بولس الرسول تختلف عن طبيعتنا؛ ولا نفسه مختلفة، ولا عاش في عالمٍ آخرٍ، بل سكن في نفس العالم والمدينة وخضع لنفس القوانين والعادات، لكنه فاق في الفضيلة كل البشر في الماضي والحاضر. الآن، أين هؤلاء المعترضون على صعوبة الفضيلة وسهولة الخطية؟ فهذا الرجل يدينهم بكلماته: "لأن خفة ضيقاتنا الوقتية تُنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدىٍ" (2 كو 17:4). فإن كانت ضيقاته محتملة وخفيفة فكم بالأحرى ضيقاتنا التي إن قارنتها بها صارت كلا شيء أو مجرد لذٌات؟

- حجم الأخطار التي واجهها ساعدت على زيادة النقد الموجه ضده، وجعلت النقاد يتشككون أن عظمته نابعة من قوة ما خارقة... سُمح له بالتألم حتى تدرك أنت أن طبيعته كانت مثل أي شخص آخر ولكن قوة إرادته جعلته ليس فقط إنسانًا فوق العادة ولكن صار كواحدٍ من الملائكة. بمثل هذه الروح وهذا الجسد تحمل ميتات كثيرة مستخفًا بالأشياء الحاضرة والمستقبلة وجعلته ينطق بهذه الكلمات الرائعة التي ظنها الكثيرون شبه مستحيلة: " فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل اخوتي أنسبائي حسب الجسد" (رو3:9).

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +