إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 2 جـ1 Print Email

الرعاية والاصلاح


في هذا الإصحاح يفتح الرسول قلبه أمام أهل كورنثوس ليدركوا مدى حبه لهم [١-٤]. قدم أحد أسباب تأجيل زيارته لهم وهو أنه قد لمس حزن الجميع على الشخص الساقط في الزنا. في محبته لم يرد أن يزورهم في هذا الجو المحزن، لكن إذ تاب الرجل يفرح الكل به ويحضر هو ليشارك فرحهم بتوبته.

يعتصر قلب الرسول حقًا، ويطلب أن تشاركه كل الكنيسة هذه المشاعر فيتوسل إليهم أن يمَّكنوا له المحبة حتى يدرك الساقط أن حزنهم لم يكن نابعًا عن انتقام أو كراهية بل هو حب لخلاص نفسه [٥-١١].

ها هو قادم ليبشرهم بأعمال اللَّه العجيبة معه، فقد فُتح أمامه باب للعمل الكرازي، وفاحت رائحة المسيح الذكية لخلاص الكثيرين [١٢-١٧].

١. فرحي هو فرح جميعكم ١-٤.

٢. شفاعته في الساقط التائب ٥-١١.

٣. انفتح لي باب في الرب ١٢-١٧.

١. فرحي هو فرح جميعكم

شهوة قلب الرسول ألا يزورهم وقت حزنهم، لأن حزنهم هو حزن له، وفرحهم هو فرح له. وأيضًا ما يحل به من فرحٍ أو حزنٍ إنما يحل بجميعهم. لقد أحزنهم حين وبخهم على تهاونهم مع القائد الساقط في الزنا، وإذ استجابوا إلى طلبته وحزنوا يود أن يحضر إليهم بعد أن يفرحوا بتوبته، ويتهللوا بعمل اللَّه معه، فتصير الكنيسة أيقونة السماء المتهللة برجوع الخطاة.

في أبوته يعلن عن عجزه عن الحضور إليهم بينما هم وهو أيضًا في حزن، إذ يقول:

"ولكني جزمت بهذا في نفسي، أن لا آتي إليكم أيضًا في حزنٍ" [1].

ولعل الرسول هنا يكشف عن مشاعر حبه، فقد سجل رسالته الأولى في الكثير من الحزم مما سبب حزنًا ولو لقليلين، وربما تعثر بعض الضعفاء فيه بسبب حزمه. الآن يود إن يكشف عن حنوه الأبوي ولطفه حتى إن وبخ وأدب، وأنه لا يحتمل أن يراهم في حزنٍ.

- كان بولس يخشى لئلا إذ ينتهر قلة يسبب ألمًا لكثيرين، لأن كل أعضاء الجسم تتألم مع ألم واحدٍ منها.

أمبروسياستر

"لأنه إن كنت أحزنكم أنا، فمن هو الذي يفرحني إلا الذي أحزنته؟!" [2]

لم يرد أن يزورهم قبل التوبة لئلا يستخدم سلطانه الرسولي لتأديب العصاة مما يسبب حزنًا جماعيًا، بينما يود أن يسود الكنيسة روح التعزيات والفرح.

- اترك صلواتك وانتهره، فإنك تصلح من أمره وأنت أيضًا تنتفع. هكذا نحن نسند الكل لكي يخلصوا ويبلغوا ملكوت السماوات بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح.

- الاهتمام الخاطئ في استرضاء الغير فحسب هو خيانة ضد خلاص الراعي وخلاصهم.

- إني أفضل أن أكون في أعينكم إنسانًا متكبرًا لا يمكن التفاهم معه عن أن أترككم تفعلون ما لا يرضي اللَّه.

- إني ملتزم بوعظكم وعلى وجه الخصوص استخدام التوبيخ معكم.[ فكما تذيب النار الشمع هكذا يلين الخوف من العقوبات قلوب الخطاة].

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إنه لأمر مخجل أن المرضى جسديًا يثقون ثقة عظيمة في الأطباء حتى إذا قطعوا أو حرقوا أو سبّبوا آلامًا سبب أدويتهم المرة، ويتطلعون إلى هذه الأمور كإحسانات، بينما لا نحمل ذات الاتجاه نحو أطباء نفوسنا عندما يقدمون صونًا لخلاصنا بالتأديب الشاق. على أي الأحوال يقول الرسول: "لأنه إن كنت أحزنكم أنا، فمن هو الذي يفرحني إلا الذي أحزنته؟!" [2]... هذا يليق بمن ينظر إلى النهاية، فيحسب ذاك الذي يسبب لنا ألمًا حسب الرب مُحسنًا.

القديس باسيليوس الكبير

سبق فأعلن الرسول بولس في رسالته الأولى عن ضرورة حزن الكنيسة من أجل الخطاة. تظل الكنيسة، مع رأسها ربنا يسوع، في حزنٍ حتى يعود الخطاة إلى إلههم ويخضعوا للآب. ويعلق العلامة أوريجينوس على الكلمات، "وأقول لكم إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي" (مت29:26)، بقوله إن الخمر في الكتاب المقدس يرمز إلى الفرح الروحي. لقد وعد اللَّه شعبه أنه سوف يبارك في خمرهم، أي سيمنحهم وفرة من الفرح الروحي. لهذا يمنع الكهنة من شرب الخمر عند دخولهم الهيكل، إذ يريدهم أن يكونوا في حزنٍ، بينما تُقدم القرابين عن الخطاة. فإذا تمت مصالحة الخطاة مع اللَّه، عندئذ يكتمل فرحهم. يعتقد أوريجينوس أن المسيح نفسه مع قديسيه في انتظار توبة الخطاة، ففرحهم إذًا لا يزال غير كاملٍ.

- يليق بنا ألا نظن أن بولس يحزن من أجل الخطاة ويبكي لتجاوزاتهم، بينما يكف المسيح عن البكاء، حين يدنو من الآب، ويقف عند المذبح ليُقدم ذبيحة التكفير عنّا. هذا عدم شرب خمر الفرح "حين يصعد إلى المذبح"، إذ أنه لا يزال يحمل بعد مرارة خطايانا. لذلك فهو غير راغبٍ أن يشرب وحده من الخمر في ملكوت أبيه، بل ينتظرنا، وكما قال: "حتى أشربه معكم". فنحن إذًا نؤخر فرحته بالتهاون في حياتنا.

العلامة أوريجينوس

"وكتبت لكم هذا عينه، حتى إذا جئت لا يكون لي حزن من الذين كان يجب إن أفرح بهم، واثقًا بجميعكم أن فرحي هو فرح جميعكم" [3].

كأنه يقول: "أنا أعرف تمامًا أنكم تطلبون مسرتي، هذه التي تتحقق بقداستكم. وإذ تتهلل نفسي بكم تتهللون أنتم أيضًا، لأن فرحي هو فرح جميعكم. إني لا أستطيع أن أصمت على الخطية والعصيان، وفي نفس الوقت ملتزم أن آتي بروح الوداعة وأترفق بكل التائبين". إنه يود أن يكون ينبوع فرح للكل ما استطاع.

- لقد قال بولس أنه يُسر بحزنهم. ربما يبدو هذا عجرفة وعنفًا، فلكي يهدئ من الصدمة أضاف هذا. لقد عرف أنه متى كان سعيدًا سيكونون هم سعداء؛ وإن كان حزينًا يصيرون هم أيضًا حزانى... فهو يعني: إنني لم آتِ إليكم ليس لأني أشعر بكراهية أو بغضة بل بالأحرى أشعر بحبٍ عظيمٍ.

- يظهر بولس هنا أنه ليس أقل تأثرًا من أولئك الذين أخطأوا، بل هو متأثر أكثر منهم. بالكاد يستطيع أن يحتمل الألم الذي سببه الكورنثيون له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأني من حزن كثير وكابة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة، لا لكي تحزنوا، بل لكي تعرفوا المحبة التي عندي، ولا سيما من نحوكم" [4].

يكشف هذا القول عن أن المقاومين للرسول قد شوهوا صورته تمامًا بأنه رجل عنيف ومستبد، يُسر بجراحات الآخرين ومرارتهم. ويبرر الرسول نفسه من هذا الاتهام بتأكيد التكلفة التي دفعها وهو يكتب الرسالة الأولى الحازمة وهي الدموع الكثيرة والحزن الشديد وكآبة القلب! دوره كرسولٍ الزمه بالكتابة، لكنه سجلها بتنهدات قلبه الداخلية ومرارة نفسه ودموعه الغزيرة.

- من الذي يكتب في القلوب؟ اللَّه هو الذي يكتب بإصبعه في كل الضمائر الناموس الطبيعي الذي أعطاه للجنس البشري. فيه نبدأ ونأخذ بذور الحق للدخول به إلى العمق. هذه البذور التي إن اعتنينا بزراعتها تأتي فينا بثمارٍ جيدة بالمسيح يسوع.

العلامة أوريجينوس

- لنحزن في أذهاننا ليس من أجل تلك الأمور التي للترف التي يحزن عليها الملوك، وإنما من أجل تلك التي لنا فيها نفع عظيم. فإن "الحزن الذي بحسب مشيئة اللَّه ينشئ توبة لخلاصٍ بلا ندامة" (٢ كو ١٠:٧).

لنحزن على أمور كهذه، لأجل هذه الأمور نتألم، من أجل هذه الأمور يُنخس قلبنا.

هكذا حزن بولس على الخطاة، وهكذا بكى: "من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة".

فإذ لم يجد علة ليحزن على نفسه فعل ذلك لحساب الآخرين، أو بالأحرى حسب هذه الأمور خاصة به، على الأقل حتى ينتهي الحزن.

آخرون تعثروا، وهو احترق؛ آخرون كانوا ضعفاء، وهو كان ضعيفًا. مثل هذا الحزن صالح يفوق كل فرح عالمي.

إني أفضل ذاك الذي يحزن هكذا عن كل البشر، بل بالأحرى يعلن الرب نفسه أن الذين يحزنون مطوبون، هؤلاء الذين يتعاطفون مع الآخرين.

لست أعجب من هذا ففي اخطاره يتعرض للموت يوميًا، ولا يزال هذا يأسرني. فإن هذا يصدر عن نفسٍ مكرسةٍ للَّه، مملوءة حنوًا صادرًا عن حب يطلبه المسيح نفسه، به حب أخوي وأبوي، أو بالأحرى، ما هو أعظم من هذا. هكذا يليق بنا أن نحزن، وهكذا ننتحب، ونسكب دموعًا كهذه، إذ تحمل هذه بهجة عظيمة. إن حبًا كهذا هو أساس للفرح.

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
LAST_UPDATED2
 


10 بابه 1736 ش
21 أكتوبر 2019 م

استشهاد القديس سرجيوس رفيق واخس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك