إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

العقل السليم القوى يفحص ويدقق فى كل ما يسمعه ، يفحصه ويحلله ويقبل منه ما يقتنع به ويرفض الباقى ولا يكون مثل ببغاء عقله فى أذنيه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس

+ تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +



تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

مقدمة


يكشف هذا الاصحاح عن قلب الراعي الذي لا يطلب ما لنفسه بل ما لكنيسة اللَّه. ففي وسط ضيقته التي أصابته حتى كاد أن ييأس من الحياة (8:1) وصار كمن في حكم الموت، كان ما يشغله هو الحب المتبادل والعملي بينه وبين شعبه. كشف عن حبه العجيب لهم خلال الآتي:

- إن تألم أو تعزى فمن أجل خلاصهم (6:1، 7).

- محتاج إلى صلواتهم (11:1).

- هم فخره، وهو فخرهم في يوم الرب يسوع (14:1).

- مشتاق إلى زيارتهم (15:1-24).

- لم يأتِ إليهم وهم في حزنٍ، إنما سيأتي ليؤازرهم سرورهم (24:1)، يراهم فرحين، فيفرح بهم، ويحسبون فرحه هو فرحهم جميعًا! سلسلة من الحب المتبادل لا تنقطع. "فرحي هو فرح جميعكم" (3:2).

1. البركة الرسولية 1 - 3.

2. احتماله الآلام في المسيح لأجلهم 4 - 10.

3. صلاتهم عنه وهو متألم 11.

4. افتخاره بهم، وهم به 12 - 14.

5. شوقه للحضور إليهم 15 - 24.

1. البركة الرسولية

"بولس رسول يسوع المسيح بمشيئة اللَّه وتيموثاوس الأخ، إلى كنيسة اللَّه في كورنثوس، مع القديسين أجمعين الذين في جميع آخائية[1].

لم يبدأ باسم المرسل إليهم كما كانت العادة في ذلك الوقت، بل بالراسل، لكنه كرسولٍ يكتب لشعبه يبدأ باسمه، وذلك كما كانت عادة الحكام والقضاة.

ضم الرسول بولس تيموثاوس إليه ليس لأنه في حاجة إلى معونته، وإنما لأنه على فم شاهدين تتحقق الكلمة، وقد دعاه "الأخ" ليكرمه في أعين شعب كورنثوس كأخٍ معه في ذات الإيمان، أو كشريك معه في الخدمة، وإن كان ليس رسولاً. إذ لم يقل: "بولس وتيموثاوس الرسولان". أما في رسالته إلى أهل فيلبي فضمه إليه دون ذكر كلمة "رسول"، لأنه لم تكن توجد حاجة إلى تأكيد رسوليته لشعب فيلبي.

تواضع عجيب! إذ دعا الشاب الصغير أخاه، لأنه يقَّدر إيمانه وعمله الكرازي والرعوي.

في الرسالة الأولي دَعي نفسه "المدعو رسولاً"، أما وقد أكد لهم رسوليته جاء حديثه هنا في الرسالة الثانية: "بولس رسول المسيح يسوع بمشيئة اللَّه". يتحدث معهم في يقينٍ، وكأنه يلزمهم أن يقبلوا ذلك، فإن إرساليته لن تتوقف على إرادتهم أو أية إرادة بشرية، بل هي حسب مشيئة اللَّه الذي دعاه، وقد قبل بولس الدعوة فتثبّتت. دعاه الرب يسوع نفسه مباشرة للعمل الكرازي بين الأمم حسب مشيئة الآب التي هي واحدة مع مشيئة الرب يسوع.
- مرة أخري يدعو بولس الكورنثيين كنيسة لكي يجمع الكل معًا، ودعاهم "القديسين" حتى إذا كان أحد منهم دنسًا يُستبعد من هذه التحيّة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- تعبير "مع كل القديسين" غامض، فإما يعني كل القديسين الذين كانوا مع بولس، أو يعني كل القديسين الذين في كورنثوس.

القديس ديديموس الضرير

- اثنان يصنعان سيمفونية (حب متبادل مفرح): بولس وسوستانيس عند كتابة الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس (١ كو ١:١)، وبعد هذا بولس وتيموثاوس عند ارسال الرسالة الثانية إلى نفس (الجماعة).

العلامة أوريجينوس

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أنه يشير هنا إلى مسيحيّي كل مقاطعة آخائية ولم يكتفِ بمسيحيي المدينة، لأن الكل كانوا يعانون من ذات المشكلة، والكل كانوا في حاجة إلى ذات العلاج.

مع ما اتسم به بعض أعضاء الكنيسة في كورنثوس من مشاكل روحية وعقيدية وسلوكية وتنظيمية فإن عيني الرسول تتطلعان إلى هذه الكنيسة كعروسٍ مقدسة للعريس القدوس، تسعى نحو القداسة، فيُحسب شعبها قديسين.

الكنيسة في اقتدائها بعريسها القدوس هي نور العالم. ففي كتابه "ضد صلسس" يدعو أوريجينوس معارضيه إلى عقد مقارنة بين البلاد الوثنية والكنائس المسيحية التي نشأت فيها، خاصة تلك التي في كورنثوس والإسكندرية.

- إذا قورنت الكنائس التي شكَّلها المسيح بتجمعات المدن التي توجد بها، فسوف تظهر كمشاعلٍ مضيئة في العالم. فمن منا لا يعترف بأن عدد الأعضاء القليل من الكنائس غالبًا ما يكون أفضل من كثيرين الذين يظهرون في التجمعات المدنية؟!...

إذ ما قارنا مجلس كنيسة اللَّه بمجلس المدينة، نجد أن بعضًا من أعضاء مجالس الكنائس جديرون أن يكونوا أشرافًا لمدينة إلهية، إذا ما وجدت مثل هذه المدينة في العالم. في حين نجد الأعضاء المدنيين غير أهلٍ بأخلاقياتهم للمراكز البارزة التي يشغلونها بين مواطنيهم.

لتقارن على نفس هذا النمط رأس كل كنيسة برؤوس تلك المدن، فستجد أن الشاغلين، حتى لأدنى الدرجات في كنيسة اللَّه، متفوقين على كل الحكام المدنيين، إذا ما وضعنا فضائل الفئتين جنبًا إلى جنبٍ.

العلامة أوريجينوس

"نعمة لكم وسلام من اللَّه أبينا والرب يسوع المسيح[2].

إذ يتحدث الرسول بكل قوةٍ عن أبوته لهم الحانية وبذله من أجل الكل يطلب إليهم أن يتطلعوا إلى أبوة الآب وإلي عمل المسيح الخلاصي ليدركوا أن أبوة الرسول وحبه لخلاصهم إنما هما ظل وثمرة لأبوة الآب وبذل الابن.

- الأعمال التي يصنعها الآب يفعلها الابن أيضًا، والعطايا التي يقدمها الآب يهبها الابن أيضًا. يُُفهم من هذا أنه وإن كنا نعرف اللَّه بكونه الآب، فإننا لا نزال نُحسب خدامًا ليسوع المسيح. لسنا ندعوه "أخًا" بل "الرب". لأنه هو الابن الوحيد الجنس بالطبيعة، وليس بالتبني، وهو رب كل الذين جعلهم أبناء اللَّه.

القديس ديديموس الضرير

"مبارك اللَّه أبو ربنا يسوع المسيح أبو الرأفة وإله كل تعزية" [3].

إذ يتحدث عن الآلام التي يجتازها هو، وتلك التي يتعرض لها بعض الكورنثيين يبدأ بالحديث عن التعزيات الصادرة عن اللَّه، حتى لا يركز أحد فكره في الألم بل في التعزيات الإلهية، وقد قدم لنا الآب هنا بثلاثة ألقاب:

أولاً: أبو ربنا يسوع المسيح.

ثانيًا: أب الرأفات (المراحم)، يترفق بالنفس كما بالجسد، في هذا الزمان الحاضر كما في الأبدية.

ثالثًا: إله كل تعزية.

اعتاد العهد القديم تقديم اللَّه بكونه "إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب" (خر ١٥:٣، ١٦ ؛ ٥:٤ ،١٥:٧) ليؤكد أنه إله العهد مع الآباء ونسلهم. أما هنا فيشير إلى الابن لتأكيد العهد الجديد بين الآب والمؤمنين خلال دم ربنا يسوع. وكما يقول الرسول نفسه: "وأما المواعيد فقُبلت في إبراهيم وفي نسله، لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحدٍ، وفي نسلك الذي هو المسيح" (غلا ١٦:٣).

يدعوه أيضًا "أبو الرأفات"، فإنه يسر بالرأفة ويبتهج بتقديم الرحمة. وكما يقول ميخا النبي: "من هو مثلك غافر الإثم وصافح عن الذنب لبقية ميراثه، لا يحفظ إلى الأبد غضبه، فإنه يسر بالرأفة" (مي ١٨:٧). كما يدعوه "إله كل تعزية"، إذ ينبثق منه المعزي الروح القدس (يو ٢٦:١٥)، مصدر كل تعزية وينبوع راحتنا.

إن كان عنف بعض الكورنثيين لم ينزع عن الرسول حنوه الشديد نحوهم إنما لأنه يتمتع معهم برأفات اللَّه وتعزياته الإلهية بالرغم من الأخطاء الصادرة عن الكل. هذه التعزيات هي سند لنا وسط أتعاب العالم وآلامه.
- يتحدث هنا عن "إله الرأفات" ليبث فيهم روح الرجاء بأن اللَّه يترقب توبتهم ليهبهم مراحمه ويُصلح من حياتهم. أراد الرسول أن يهبهم شيئًا من الراحة حتى لا يحطمهم التوبيخ أو الحزم. أما استخدامه صيغة الجمع فلتأكيد أنه مهما كثرت آثامهم فإن مراحم اللَّه ورأفاته أعظم وأقوى.

اللَّه وحده قدوس وصالح، يقدس الآخرين ويجعلهم صالحين. هو وحده الطوباوي، إذ يهب البركة ولا ينقلها من أحدٍ غيره. بالمثل هو أب المراحم بالطبيعة، لأنه مصدر كل رحمة وليس لأنه يطلبها من أحدٍ سواه.

القديس ديديموس الضرير

- لم يبدأ بولس بذكر الألم بل الراحة، مقدمًا الشكر علي ذلك قبل حدوثها، وموضحًا أن الراحة تحل خلال الألم.

ثيؤدور أسقف المصيصة

- إننا نؤمن "بالمعزي"، لكنني علَّمت بأن هذا اللقب ينطبق أيضًا على الآب والابن والروح القدس مشابهة وذلك كشهادة الكتاب المقدس الموحى به. أعطى الابن هذا الاسم "المعزي" لنفسه كما للروح القدس والآب بالتساوي...

يقول داود للآب: "أنت يارب اعنتني وعزيتني". والرسول العظيم طبق ذلك على الآب بنفس الأسلوب، إذ يقول: "فبارك الله ابو ربنا يسوع المسيح أبو الرأفة وإله كل تعزية.

ويوحنا في إحدى رسائله الجامعة يستخدم بوضوح هذا الاسم "المعزي" للابن. بالأحرى الرب نفسه يقول انه سيرسل معزيًا آخر وذلك عندما تحدث عن الروح القدس.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص




السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email
2. احتماله الآلام في المسيح لأجلهم

"الذي يعزينا في كل ضيقتنا، حتى نستطيع أن نعزي الذين هم في كل ضيقة بالتعزية التي نتعزى نحن بها من اللَّه" [4].

يفيض قلب الرسول بولس بالشكر الدائم للَّه واهب التعزيات وسط الضيقات. يشير الرسول بولس في هذه الرسالة إلى تعزيات اللَّه الفائقة في كل الظروف. فيتحدث عن تعزية اللَّه للمتألمين ظلمًا من أجل إيمانهم بالسيد المسيح، وعن تعزية الخطاة الراجعين إلى اللَّه بالتوبة ليتمتعوا بالشركة معه.

ربما وجَّههم الرسول إلى التعزيات فيدركوا أنهم نافعون للآخرين حتى في وسط آلامهم، فلا يقف الأمر عند تمتعهم بالتعزيات بل يفيضون بها على إخوتهم المتألمين مثلهم. ولعله كتب هذا لكي يرفعهم من حالة الإحباط التي حلّت بهم بسبب عدم زيارته لهم.

- كان الكورنثيون محبطين جدًا لأن الرسول لم يأتِ إليهم بالرغم من وعده لهم بذلك. فقد قضى كل الوقت في مكدونية، فظنوا أنه فضّلهم عنهم. لذلك يهيئ بولس نفوسهم ويعالج هذه المشاعر التي كانت ضده بإعلانه عن سبب غيابه دون الحديث عن ذلك مباشرة.

- الإنسان المحب الملتصق باللَّه على الدوام لا تؤذيه الأمواج مهما كثرت، بل على العكس يخرج منها بقوةٍ جديدةٍ. أما الإنسان الضعيف المتخاذل فإنه يسقط كثيرًا حتى ولو لم يوجد ما يضايقه

القديس يوحنا الذهبي الفم

ذكرهم أيضًا بتعزيات اللَّه لهم حتى يشتاقوا ألا يُحرم أحد منها، مقدمين الفرصة للساقط التائب أن يختبرها فلا يسقط في اليأس.

- كتب بولس ذلك مقدمًا لأنه سيتحدث عن الإنسان الذي أُدين بسبب خطيته بأنه يجب أن يتصالح مع قوة اللَّه المعزّية.

سفيريان أسقف جبالة

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن هذه التعزيات هي عربون بهجة الحياة الأبدية، نختبرها في أعماقنا هنا لننعم بكمالها في الأبدية.

- ماذا يعني القول بأن ملكوت اللَّه داخلنا؟ سوى البهجة الصادرة من الأعالي للنفوس بالروح؟ فإن هذا يشبه صورة أو وديعة أو نموذجًا للنعمة الأبدية التي تتمتع بها نفوس القديسين في الحياة العتيدة. هكذا يدعونا اللَّه بعمل الروح للخلاص خلال آلامنا للشركة في صلاح الروح ونعمه.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

"لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا" [5].

كأن الرسول يعلن أن من يتعرف على الإيمان من خلال دراسة الكتب والوعظ فقط مسكين وبائس، فإنه لا ينال من فيض تعزيات اللَّه خلال الشركة العملية مع المسيح المتألم.

يقدم لنا الرسول بولس خبرته بأن كثرة آلامه تزيده قوة، لأنها تفتح بالأكثر باب التعزيات الإلهية. عوض الشكوى مما أصابه من آلام يحث الكل أن يختبروا بركات طريق الآلام فينالوا أمجادًا سماوية.

- لم يرد بولس أن يُحزن تلاميذه بتقديم حساب مُبالغ فيه عن آلامه، عِوض ذلك يعلن عن عظمة التعزية التي تقبّلها، مذكرًا إيّاهم بالمسيح.

- إنه يسمو بنفوسنا حاسبًا هذه الآلام خاصة به، فأي فرحٍ يشملنا أن ،كون شركاء المسيح، ومن أجله نتألم؟

- ما أمجد الآلام! بها نتشبه بموته!

كما يُلقى ممحص الذهب بقطعة الذهب في الفرن لتحتمل النار إلى حين حتى يراها قد تنقت، هكذا يسمح اللَّه بامتحان البشرية بالضيقات حتى تتنقى وتحصل على نفعٍ عظيمٍ... فليتنا لا نضطرب ولا نيأس عندما تحل بنا التجارب. لأنه كما أن ممحص الذهب يعلم الزمن الذي ينبغي أن يترك فيه الذهب في الفرن، فيخرجه في الوقت المعين ولا يتركه بعد في النار حتى لا يفسد ولا يحترق، هكذا كم بالأكثر يعلم اللَّه ذلك. فعندما يرانا قد تنقينا بالأكثر، يعتقنا من تجاربنا حتى لا ننطرح ونطرد بسبب تزايد شرورنا.

عندما يحل بنا أمر ما لم نكن نتوقعه، لا نتذمر ولا تخور قلوبنا، بل نتحمل اللَّه الذي يعرف هذه الأمور بدقةٍ، حتى يمتحن قلوبنا بالنار كيفما يُسر، إذا يفعل هذا بهدف وبقصد فائدة المجربين، لذلك يوصينا الحكيم قائلاً بأن نخضع لله في كل الأمور، لأنه يعرف تمامًا متى يخرجنا من فرن الشر. (حكمة يشوع 1 :1، 2)

نخضع له على الدوام، ونشكره باستمرار، محتملين كل شيءٍ برضى، سواء عندما يمنحنا بركات أو يقدم لنا تأديبات. لأن هذه الأخيرة هي نوع من أنواع البركات.

فالطبيب ليس فقط يسمح لنا بالاستحمام (في الحمامات)... أو الذهاب إلى الحدائق المبهجة بل وأيضًا عندما يستخدم المشرط والسكين هو طبيب!

والأب ليس فقط عندما يلاطف ابنه، بل وعندما يؤدبه ويعاقبه... هو أب!

وإذ نعلم أن الله أكثر حنوًا من كل الأطباء، فليس لنا أن نستقصي عن معاملته، ولا أن نطلب منه حسابًا عنها، بل ما يحسن في عينيه يفعله. فلا نميز إن كان يعتقنا من التجربة أو يؤدبنا لأنه بكلا الطريقين يود ردنا إلى الصحة، ويجعلنا شركاء معه، وهو يعلم احتياجاتنا المختلفة، وما يناسب كل واحد منا، وكيف، وبأية طريقة يلزمنا أن نخلص.

لنتبعه حيثما يأمرنا، ولا نفكر كثيرًا إن كان يأمرنا أن نسلك طريقًا سهلاً وممهدًا أو طريقًا صعبًا وعرًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إن كان كلما كثرت آلام المسيح هكذا أيضًا تزداد التعزية بالمسيح فلنرحب بآلام المسيح المشجّعة. ولتفض فينا، إن كنا بالحق نطلب التعزية الفيّاضة التي بها يتعزّى كل الحزانى، وإن كانت ليست متشابهة بالنسبة لكل واحدٍ. فلو أن التعزية متشابهة لكل أحدٍ ما كان قد كتب أنه كلما كثرت آلام المسيح فينا، هكذا تكثر التعزية بالمسيح جدًا. الذين يشتركون في الآلام سيشتركون أيضًا في التعزية حسب شركتهم في آلام المسيح.

العلامة أوريجينوس

يوجه الرسول أنظارنا إلى التمتع برؤية السيد المسيح المتألم والمصلوب عوض انشغالنا بالآلام. وقد جاءت كلمة "تعزية" هنا لتشير إلى تمتع النفس برؤية المسيح الحاضر وسط الضيق.

- واضح أن المسيح نفسه الذي من أجله نتألم هو حاضر معنا، يعزينا، ويخلصنا من التعب بتدخله الإلهي.

أمبروسياستر

- يعني بالتعزية "ثاوريا" وتُفسّر "رؤية النفس"، فالرؤية تلد تعزية.

القديس مار اسحق السرياني

"فإن كنا نتضايق فلأجل تعزيتكم وخلاصكم العامل في احتمال نفس الآلام التي نتألم بها نحن أيضًا، أو نتعزى، فلأجل تعزيتكم وخلاصكم" [6].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على الآيتين ٦ و٧ مؤكدًا دور الكارز وأيضًا المستمعين، فالكل يلزمهم أن يحتملوا الآلام من أجل الخلاص. ومن جانب آخر يعلق على تعبير "العامل which energizes itself"، إذ لا تعني مجرد "العامل" وإنما "العامل في ذاته"، ليظهر أن النعمة تعمل فيهم وتساهم بالأكثر مع رغبة ذهنهم. هكذا يؤكد الرسول دور المؤمن وقبوله الآلام بإرادته، فتحل نعمة اللَّه فيه بالأكثر. إذ تتجاوب النعمة بالأكثر مع من يريد خلاص نفسه.

- ما يقوله هو هذا: إن خلاصكم ليس من عملنا نحن وحدنا، وإنما هو عملكم أنتم أيضًا. فإذ نكرز لكم بالكلمة نحتمل أحزانًا، وأنتم إذ تقبلونها تحتملون ذات الأمور.

نحن نحتمل لكي نهبكم ما تتسلمونه، وأنتم تحتملون لكي تقبلوا ما يوُهب لكم ولا يضيع منكم...

فإن خلاصكم يتحقق لا بالإيمان المجرد، وإنما بالآلام واحتمالكم معنا ذات الشيء...

خلاصكم يشبه ملاكمًا في الحلبة مملوء طاقة "العامل في ذاته" أعظم، هذه الطاقة تُعلن وتزداد وتعلو عندما تشعرون بالحاجة إلى التألم واحتمال كل شيءٍ بنبلٍ.
القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email
إذ يكرس الخادم حياته لحساب ملكوت اللَّه، ويشتهي خلاص كل إنسان، يصير أداة مقدسة في يد اللَّه الذي يعمل به في ضيقاته كما في تعزياته، يعمل بكلماته كما بتصرفاته، يعمل بنقاوة قلبه الداخلية كما بسلوكه الظاهري، يعمل بكل كيانه.

إن كانت آلام الرسول تبعث فيه تعزيات التمتع برؤية المصلوب ومشاركته صلبه، فإنه في وسط الألم أو التعزية لن تفارقه أبوته لشعبه. إن كان يئن فلأجل خلاصهم، وإن كان يتعزى فلكي يشاركوه تعزياته التي ينالها من قبل الرب.

- أي تواضع يمكن مقارنته بهذا، حيث يرفع بولس الذين سقطوا بطريقة واضحة إلى مستواه كمساوين له. يتحقق خلاصنا بأكثر وضوح عندما نحتمل كل شيء بنبل،ٍٍ لا يحوي عمل الخلاص الإيمان وحده بل واحتمال الشرور التي تصيبنا.

- حمل بولس هذا الصليب، لا لأجل نفسه فحسب، وإنما لكى يتعلم الكل أن يمتثلوا به. لهذا يقول:

"كونوا متمثلين بي معًا أيها الاخوة، ولاحظوا الذين يسيرون هكذا كما نحن عندكم قدوة" (في 17:3).

وأيضًا: "ما تعلَّمتموه وتسلَّمتموه وسمعتموه ورأيتموه فيّ فهذا افعلوا" (في 9:4).

وأيضًا: "لأنه قد ُوهب لكم لأجل المسيح، لا أن تؤمنوا به فقط، بل أيضَا أن تتألموا لأجله" (في 29:1).

تظهر الكرامات البشرية بصورةٍ أفضل عندما تجتمع في شخصٍ واحدٍ، لكن الأمر مختلف في الروحيات، فإن الكرامات تكون أكثر بهاءً حينما يشترك فيها كثيرون ولا تقتصر على شخصٍ واحدٍ بل يتمتع بها كثيرون.

القديس يوحنا الذهبي الفم


- إن كان الرسل قد تألموا فكم بالأكثر يليق بالآخرين أن يتألموا مثلهم.

سفيريان أسقف جبالة

"فرجاؤنا من أجلكم ثابت، عالمين أنكم كما أنتم شركاء في الآلام، كذلك في التعزية أيضًا" [7].

لم يشك الرسول قط من جهة تمتع شعبه المتألم بالتعزية الإلهية.

بالحب لا يمكن عزل الرسول عن شعبه، ففي ضيقه كما في تعزياته يهدف إلى خلاصهم. هكذا يليق بهم هم أيضًا ألا يعزلوا أنفسهم عنه، فيشاركوه آلامه وتعزياته كأنها آلامهم وتعزياتهم. هذا هو الخط الواضح في الرسالة كلها.

- رجاؤه فيهم لا يهتز بسلوكهم. يخبرهم أيضًا بولس أنه إذ يتعزّى يتعزّون هم أيضًا. إن حسب الكورنثيون آلام بولس آلامهم، تصير تعزيته تعزيتهم. بقوله هذا ترجى بولس أنه يستطيع أن يشجعهم ويجعلهم يقبلون غيابه عنهم بأكثر سهولة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فإننا لا نريد أن تجهلوا أيها الاخوة من جهة ضيقتنا التي أصابتنا في آسيا، أننا تثقلنا جدًا فوق الطاقة، حتى آيسنا من الحياة أيضًا" [8].

يليق بالكنائس أن تدرك ما يحتمله الخدام الحقيقيون من متاعب لحساب ملكوت اللَّه. لا يشير الرسول هنا إلى متاعبٍ محددة بعينها سواء التي أثارها ديمتريوس الصائغ (أع ١٩) أو محاولة اليهود قتله (أع ٣:٢٠)، أو مواجهته للوحوش في أفسس كما جاء في الرسالة الأولى (٣٢:١٥)، أو غيرها، فقد تعرض الرسول لميتات كثيرة.

واضح أن ما تعرض له الرسول فوق احتمال البشر حتى يئس هو ومن معه من الحياة. ويبدو أن الرسول تعرض لضيقة شديدة جدًا قبيل كتابة رسالته هذه لم ترد في تاريخه، وكان أهل كورنثوس على علم بها، ولم يكن قادرًا إن يهرب من حبال الموت.

مع ما اتسم به الرسول من حياة التسليم، إذ يقول: "سلمنا فصرنا نُحمل" (أع ١٥:٢٧)، إلا إنه كان يئن وسط الضيقات، بل ونراه هنا يعترف بأنه قد بلغ حد اليأس. لكن سرعان ما يرفع عينيه إلى اللَّه مخلصه ويمتلئ بالرجاء المفرح.

- أظن أن بولس يشير هنا إلى الشغب الذي أثاره ديمتريوس الصائغ للفضة.

ثيؤدورت أسقف قورش

- لقد عدّد بولس أتعابه حتى إذا ما تحقق منها الكورنثيون يدركون أن ما يحل بهم يُحسب كلا شيء بالنسبة لما يعانيه هو. فالتلميذ الذي يحزن علي ما يصيبه من أذى يتعزّى عندما يرى سيده يتألم أكثر منه.

بيلاجيوس

- إنه لأمرٍ معزٍ جدًا للناس أن يعرفوا ما يفعله الآخرون، وما يحدث معهم. فإن كانت الأخبار سيئة يتشجّعون ليكونوا نشطاء. بهذا يصير احتمال سقوطهم مثلهم أقل. وإن كانت الأخبار حسنة يفرح الكل معًا. هنا قدر ما يمكننا أن نرى كانت الأمور سيئة للغاية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لكن كان لنا في أنفسنا حكم الموت، لكي لا نكون متّكلين علي أنفسنا، بل علي اللَّه الذي يقيم الأموات" [9].

يسمح اللَّه لشعبه بالدخول في الضيقات لكي يدركوا عجزهم عن الخلاص بأنفسهم، فيعترفوا عليه كمخلصٍ لهم، قادر أن يقيمهم من الموت ويرد لهم الحياة. تصير لهم خبرة أبيهم إبراهيم العملية، إذ آمن بالقادر أن يقيم من الأموات (رو ١٧:٤).

- كان بولس متوقعًا الموت، لكن لم يحدث هذا. بحسب مجرى الأحداث الطبيعة كان يجب أن يموت، لكن اللَّه لم يسمح بعد بذلك حتى يتعلم بولس ألا يثق في ذاته بل في اللَّه.

- يرتدى الذين لهم شرف العمل في الجيش زيًا مزخرفًا ويضعون سلاسل ذهبية حول أعناقهم، ولهم المظهر البهي، أما بولس فكان مقيدًا بالقيود عوض سلاسل الذهب، يحمل الصليب، وُيطارد وُيجلد وبجوع.

لا تحزن لهذا أيها العزيز المحبوب، لأن زينته عند اللَّه أفضل وأكثر جلالاً وأكثر حبًا. هذا هو السبب الذي لأجله لا يُحسب حمل الصليب عِبئًا.

هذا هو العجب، فإن (بولس) بقيوده وجلداته وجراحاته أكثر بهاءً مما لو ارتدى الأرجوان ولبس تاجًا. ملابسه هذه تجعله أكثر سموًّا، وليست هذه كلمات بلاغة مجردة.

لنطبق هذا على إنسانٍ مصابٍ بحمى، فإن الآلاف من الجواهر والثياب الأرجوانية لا تستطيع أن تشفي الحمى، أمّا مآزر بولس فكانت توضع على أجسام المرضى فتزول عنها كل الأمراض، وهذا ما يليق (بحامل الصليب) وحده! وكما إذا رأى اللصوص لواء الإمبراطور لا يقدرون أن يقتربوا بل يهربوا، كم الأكثر تهرب الأمراض والشياطين إذ يروا الصليب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يتحقق الزُهد الكامل بعدم التعلق بهذه الحياة، وأن نضع أمام ذهننا التجاوب مع الموت، فلا نثق في ذواتنا. لكن تتحقق البداية بتحرر الشخص من كل الأمور الخارجية: الممتلكات والمجد الباطل و(التعلق) بالحياة في المجتمع والشهوات الباطلة، وذلك علي مثال تلميذي الرب القديسين يعقوب ويوحنا اللذين تركا أباهما زبدي والقارب الذي اعتمدا عليه في كل معيشة حياتهما. أيضًا ترك متى مكان الجباية وتبع الرب، لم يترك وراءه مكاسب المهنة فحسب، وإنما لم يبالِ بالمخاطر التي كانت ستحل عليه حتمًا وعلي عائلته من أيدي الحكام، لأنه ترك حسابات الجباية ولم يكملها. وبالنسبة لبولس فقد صُلب العالم له وهو للعالم.

القديس باسيليوس الكبير

تحدث أولاً عن الضيق بكونه الطريق الملوكي للتمتع بالتعزيات الإلهية، وأنه طريق الحب المتبادل بين المؤمن ومسيحه المصلوب، كما بينه وبين اخوته. ثم عبر بالحديث إلى خبرة الموت حيث بلغت نفسه إلى حافة اليأس، لكن إلى حين. عاد فاختبر وسط الضيق أنه مدين بكل حياته الجديدة أو المقامة من الموت لمسيحه القائم من الأموات. هذه الخبرة العملية عاشها في الماضي، إذ يقول: "نجانا من الموت"، وهي خبرة حية حاضرة إذ "هو ينجي"، وممتدة بروح الرجاء في المستقبل إذ "سينجي أيضًا".

"الذي نجّانا من موت مثل هذا، وهو ينجي، الذي لنا رجاء فيه إنه سينجي أيضًا فيما بعد" [10].

رجاؤهم في اللَّه الذي ينجي من الموت لا يقوم على فكرة مجردة، وإنما على خبرة عملية، فقد سبق فنجاهم، ولا يزال ينجيهم، فلا مجال للتشكك في أنه سينجي أيضًا في المستقبل حتى النهاية. إنه الحافظ لملكوته الذي أقامه ويقيمه في أعماقنا.

تذكرنا لمعاملات اللَّه معنا في الماضي تبعث فينا روح الشكر، وتزيد إيماننا بعمل اللَّه، وتملأ نفوسنا يقينًا وفرحًا بالخلاص.

- مع أن القيامة أمر يخص المستقبل إلا أن بولس يُظهر أنها تحدث كل يوم. عندما يخلص إنسان من أبواب الموت، فإن هذا بالحق هو نوع من القيامة. يُمكن أن يُقال نفس الشيء عن الذين يخلصون من مرضٍ خطيرٍ أو تجاربٍ لا تُحتمل.

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ4 PDF Print Email

3. صلاتهم عنه وهو متألم

"وأنتم أيضًا مساعدون بالصلاة لأجلنا، لكي يؤدى شكر لأجلنا من أشخاص كثيرين، علي ما وهب لنا بواسطة كثيرين" [11].

تشبه به القديس يوحنا الذهبي الفم فكان يطلب من شعبه الصلاة عنه، فمن كلماته: "الأسقف محتاج إلى مثل هذه الصلوات أكثر منكم... فبمقدار ما تكون منزلة الإنسان عظيمة هكذا يمكن أن تكون مفاسده عنيفة أيضًا فضيلة واحدة في الأسقف كافية أن ترفعه إلى السماء، وزلة واحدة قادرة أن تلقيه في جهنم".

- قال بولس هذا لكي يحثهم على الصلاة من أجل الآخرين، ولكي يعتادوا أن يشكروا اللَّه عما يحدث مع الآخرين. الذين يفعلون هذا من أجل الآخرين بالأكثر يفعلونه من أجل أنفسهم. إن كان الذي في مرتبة عالية هكذا بالنسبة لهم يصرخ بأنه قد خلص بصلواتهم، فكم يليق بهم أن يكونوا هم ودعاء ومتواضعين من جانبهم؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثقته الكاملة في عمل اللَّه لا تدفعه إلى العزلة بل إلى الالتجاء إلى الجماعة كلها لتصلي حتى من أجل الرسول، فيسندوه في خدمته. يلتزم كل عضو أن يصلي لأجل نفسه كما لأجل أخيه، ويطلب صلوات اخوته عنه.

إنه شعور عجيب يجتاز قلب الرسول بولس، فهو مدين للَّه بعمله معه ومع اخوته، كما هو مدين لشعبه الذي يصلي لأجله ولأجل خدمته. بهذا لا يمكن للكبرياء أن يتسلل إلى قلب الرسول العجيب في نجاحه كما في تواضعه.

4. افتخاره بهم، وهم به

"لأن فخرنا هو هذا شهادة ضميرنا أننا في بساطة وإخلاص اللَّه، لا في حكمة جسدية، بل في نعمة اللَّه تصرفنا في العالم، ولا سيما من نحوكم" [12].

ما يعتز به الرسول هو شهادة ضميره الداخلي، لا مديح الناس أو حكمهم عليه. هذا الضمير المستنير بالروح القدس يشهد لبساطته وإخلاصه في سلوكه بالنعمة الإلهية سواء من جهة علاقته بالعالم أو بالكنيسة في كورنثوس.

يسلك ببساطة، أي بهدفٍ واضحٍ بلا انحراف، في نقاوةٍ بلا لومٍ، بنعمة اللَّه التي لا تعرف إلا الاستقامة، وليس حسب الحكمة البشرية التي كثيرًا ما تلجأ إلى الخداع والمكر تحت ستار "الحكمة". يعمل بنعمة اللَّه السماوية، فلا يطلب إلا ما هو سماوي، وليس بحكمة بشرية تهتم بما هو زمني وأرضي.

في الرسالة الأولي انتقد الرسول بولس التعاليم التي تقوم علي حكمة أرضية بشرية (1 كو 17:1-16:2)، وها هو يشير إلى ذلك مرة أخري. إنه يحسب المعلّمين بها يمارسون الكرازة بحكمة العالم لأجل نفع مادي أو نوال كرامة زمنية. هذا ما دعى الرسول رفض قبول أي مقابل مادي عن خدمته.

يقصد بالعالم هنا البشرية كلها: اليهود والأمم، فإنه يخلص ويشتهي خلاص كل البشرية وبنيانهم ومجدهم.

- الذين يعيشون باستقامة سيرون قوة اللَّه عاملة في حياتهم فيتعزّون.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يليق بالفضيلة ألا تسعى وراء المجد والكرامة والسلطة، وإن كان الصالحون ينالون هذه في النهاية بطريقةٍ صالحةٍ، إذ هذه الأمور تتبع الفضيلة حتمًا. لا توجد فضيلة حقيقية إلا تلك التي تسعى نحو غاية البلوغ إلى الصلاح الحقيقي.

- الفضيلة الأفضل هي التي لا ترضي حكمًا بشريًا بل ضمير الشخص نفسه.

القديس أغسطينوس

"فإننا لا نكتب إليكم بشيء آخر سوي ما تقرأون أو تعرفون، وأنا أرجو أنكم ستعرفون إلى النهاية أيضًا" [13].

يشير هنا إلى رسالته الأولى التي كتبها إليهم، فقد كتب قبلاً كما يكتب إليهم عن الحق الإلهي الذي يرجو ألا ينحرفوا عنه، بل يتمسكون به حتى النهاية.

إذ هاجمه البعض يقدم الرسول بولس حياته وأفكاره وأعماله كلها تتناغم مع كرازته، وتشهد لصدق خدمته.

- يقول بولس أنه لا يُعَلِم إلا ما تعلمه بنعمة اللَّه دون أية إضافة من عنده.

- بالرغم من الاتهامات الموجهة ضده يقول بولس بأنه لا يكرز بشيء ويفكر بشيء آخر. فالحقائق نفسها تتكلم وتؤكد ما هو حق.

ثيؤدورت أسقف قورش

- ما يقوله بولس مسنود بأعماله. فإننا خلال الأعمال نتعلم بما يفكر فيه الشخص حقيقة.

القديس أمبروسيوس

- لا يفتخر بولس. فإن كل ما يفعله هو أن يكتب حقائق يعرف الكورنثيون أنفسهم أنها صادقة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"كما عرفتمونا أيضًا بعض المعرفة، أننا فخركم، كما أنكم أيضًا فخرنا في يوم الرب يسوع" [14].

مع التصاقهم الشديد بالرسول بولس وتعرفهم عليه، تبقى معرفتهم له جزئية. لا يدركون سرّ حياته الداخلية كما ينبغي. يرى البعض أنه لا يقصد بقوله: "بعض المعرفة" أن معرفتهم عنه ناقصة، وإنما يعني أنه ليس كل الكورنثيين يعرفونه، بل البعض منهم، أما الآخرون فلا يعرفونه، إذ لم ينتفعوا بخدمته وكرازته ورسائله ونصائحه لهم.

"في يوم الرب" العظيم حيث تُعلن أعماق كل إنسانٍ ونياته ومجده الداخلي، ويتقبل المؤمنون شركة المجد مع المسيح، ويفتخر الكورنثيون برسولهم، وهو يفتخر بهم. يفرحون يمجده، ويتهلل بمجدهم في الرب.

معرفتهم للرسول بولس وحياته الداخلية جزئية، ومع هذا فهي كافية أن تكون شهادة حية لصدق رسوليته، تدفعهم للافتخار به، وللتجاوب مع كلمة اللَّه التي يكرز بها، فصار يفتخر هو أيضًا بهم. هم يعتزون بإنجيله العملي المتناغم مع كرازته، وهو يعتز بعمل اللَّه فيهم من خلاله، والاثنان يتمتعان بأمجادٍ أبدية.

- يؤكد بولس بأن افتخاره بطاعة أولاده واضح، وسيكون ذلك لصالحهم في يوم الدينونة.

القديس أمبروسيوس

- تعرفوننا ليس من خلال اشاعات سمعتموها، وإنما خلال خبرة عملية. أما كلمة "بعض" فيقولها كنوعٍ من التواضع.

- يقطع بولس خلال حديثه جذور الحسد من الكورنثيين، إذ يجعلهم شركاء معه في مجد أعماله الصالحة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يقول بولس بأن الكورننثيين يفهمون جزئيًا فقط، لأنهم لم يكونوا بعد قد رفضوا الاتهامات الباطلة التي وُجهت ضده.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

5. شوقه للحضور إليهم

"وبهذه الثقة كنت أشاء أن آتي إليكم أولاً، لتكون لكم نعمة ثانية" [15].

بهذه الثقة أنهم سيفتخرون به وهو بهم في يوم الرب، كان يود أن يزورهم لينالوا بركات أكثر، وذلك كما سبق فأخبرهم في رسالته الأولى (١ كو ٥:١٦).

كتابته لهم وزيارته القادمة إليهم تزيدان من تمتعهما بالحياة المطوَّبة وخبرة النعمة السماوية. بهذا فإنهم يثقون في حكمته سواء إن كتب أو زار أو قام بتأجيل الزيارة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه يقصد بكلمة "نعمة" "فرحًا".

- "لتكون لكم بهجة ثانية". ستكون البهجة مضاعفة صادرة عند كتابته لهم وعند حضوره إليهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأن أمُر بكم إلى مكدونية، وآتي أيضًا من مكدونية إليكم، وأُشيَّع منكم إلى اليهودية" [16].

هذه كانت خطته الأولى التي لم يسمح اللَّه بتحقيقها.

- يظن البعض أن بولس قال هذا بروح المناضلة، ففي الرسالة الأولي وعد الكورنثيين أنه سيزور المكدونيين أولاً وبعد ذلك كورنثوس. وإذ لم يريدوا الانتظار شرح لهم ما كان في فكره.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش 




السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ5 PDF Print Email
"فإذ أنا عازم علي هذا، ألعلي استعملت الخفة؟ أم أعزم على ما أعزم بحسب الجسد، كي يكون عندي نعم نعم ولا لا" [17].

عندما كتب إليهم واضعًا في خطته أن يزورهم لم يكن ذلك عن خفةٍ، أي بدون اعتبارٍ وتفكيرٍ جادٍ، ولا أخذ القرار كرجلٍ جسداني، بل كان كل هدفه روحيًا، يمس نموهم الروحي. لم يكن يطلب نفعًا زمنيًا، بل تقديم نعمة مضاعفة لهم.

- يرفع بولس عنه الاتهام بأنه ليس موضع ثقة، وذلك بإعلانه أنه لم يغير رأيه مستعملاً الخفّة. إنما وُجدت أسباب قوية دعته ألا يتمم ما سبق أن وضعه في خطته الأصلية.

عندما لا يفعل الإنسان الروحي ما يقصده في فكره أن يفعله، هذا لأن في ذهنه شيء أكثر أهمية يخص خلاص نفس شخصٍ ما.

لم يحقق الرسول خطته الأصلية وذلك لكي ما يصير الكورنثيون - رجالاً ونساءً - في حالٍ أفضل. لقد تأخر في الذهاب عن قصد، لأنه يوجد بعض منهم لم يتطهروا بعد، وهو يترقب حدوث هذا أولاً. هذا تفكير روحي. أما التفكير الجسداني، فهو علي النقيض، أن يحدث التغيير بما يناسب الأهواء الشخصية وليس بما فيه من نفعٍ.

أمبروسياستر

- ما يقوله هو هكذا: "انه ليس عن خفة أي عن طياشة لم آت إليكم، وإنما لأني خاضع للروح، مطيع له.

- الإنسان الجسداني الذي ينجذب نحو العالم الحاضر ويُؤسر به تمامًا، هو خارج دائرة التأثير الروحي، وله القوة ليذهب في كل موضع ويفعل ما يحلو له. أما خادم الروح فيقوده الروح. فلا يقدر أن يفعل ما يحلو له، بل يعتمد على سلطان الروح. لم يكن بولس قادرًا أن يذهب إلى كورنثوس، لأنه لم تكن إرادة الروح أن يذهب هناك.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لكن أمين هو اللَّه إن كلامنا لكم لم يكن نعم ولا" [18].

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن قوله "كلامنا" يعني به كرازته وعمله وتحركاته، هذا كلها ليست بقدراته الشخصية، إنما ينسبها للَّه. لهذا يقول "أمين هو اللَّه". لقد كشف عن رغبته في زيارتهم، لكن تحركاته ليست من عنده، بل هي من اللَّه الذي يستحيل عليه أن يخدع.

إذ يضع الرسول أمام عينيه اللَّه الأمين لم يقدم لهم إلا الحق الذي لا يعرف الالتواء، تارة يقول نعم وأخرى لا. وكأن ما قاله قبلاً ولم يحققه لم يكن عن خطأ في فكره، وإنما عن ظروفهم التي استدعت أن يؤجل الزيارة أو عن ظروف تمس خلاص آخرين فشعر بالالتزام ألا يتركهم.

خشي الرسول أن يربطوا تأجيل زيارته بكرازته أو إنجيله فيظنوا أنه متقلب الرأي غير ثابت في الفكر والحق.

- يقول بولس بأن كرازة اللَّه بواسطته كانت أمينة. أما المتملّقون، من الجانب الآخر، فغالبًا ما يفشلوا في الإشارة إلى الأمور الصادقة وذلك لكي لا يعارضوا الناس.

أمبروسياستر

- كان يليق ببولس أن يشرح السبب لماذا لم يستطع أن يحفظ وعده، حتى لا يفقد الكورنثيون الثقة في كرازته. في الواقع ما كرز به بولس كان موثوقًا فيه. وعده بأن يذهب إليهم كان من عندياته، ولكن الرسالة التي أعلنها كانت من اللَّه الذي لا يقدر أن يكذب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأن ابن اللَّه يسوع المسيح الذي كرز به بينكم بواسطتنا، أنا وسلوانس وتيموثاوس، لم يكن نعم ولا، بل قد كان فيه نعم" [19].

إن ما يكرز به الرسول بولس أو غيره من الرسل والخدام هو شخص ابن اللَّه يسوع المسيح، الذي هو الحق غير الملتوي، فيه "النعم" وليس "لا".

عندما نعترف نحن كبشرٍ أننا نكذب ننطق بالحق، لأننا نقول ما نعرفه، ونحن نعرف أننا نكذب. أما الكلمة الذي هو اللَّه، وهو أعظم منّا، فلن يقدر أن يفعل ذلك. إنه الحق الإلهي الذي يتحدث عن الآب بطريقة فريدة. قوة الكلمة عظيمة، لا يقدر أن يكذب، لأنه لا يوجد فيه نعم ولا، بل نعم نعم ولا لا.

يقول أمبروسياستر: [يليق بالكارزين المتأهلين أن يكونوا واضحين فيما يقولونه فلا ينطقوا بشيء غير نافع. إذ غالبًا ما تميل إرادتنا البشرية في اتجاهات متضاربة، يصر بولس بأنه لا يعمل حسب إرادته، بل حسبما يعرف أنه مفيد. في المسيح قطعًا لا توجد هذه المشكلة، إذ هو دائمًا يريد ما هو نافع. لهذا إرادة المسيح لن تتغير ولن تكون متأرجحة.]

- لا يمكن أن أقول بشيء غير ما قلته قبلاً. حديثي الآن ليس بشيء وسابقًا بشيءٍ آخر. فإن هذا ليس إيمانًا بل هو ذهن مشتت.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأن مهما كانت مواعيد اللَّه، فهو فيه النعم وفيه الأمين، لمجد اللَّه بواسطتنا" [20].

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الوعود تقوم في اللَّه وتتحقق فيه، وليس من إنسان.

الكرازة بالمواعيد الإلهية هي دعوة بقبول شخص المسيح، الذي فيه ننعم بهذه المواعيد الصادقة والأمينة. فيه نجد الحق والرحمة ويتمجد اللَّه فينا. هو "العهد الجديد" الذي به نتمتع بميثاق المصالحة مع اللَّه والتمتع بحبه أبديًا. وكما يقول الرسول: "قد صار يسوع ضامنًا لعهدٍ أفضل" (عب ٢٢:٧).

بقوله "بواسطتنا" يؤكد الرسول أن ما تمتع به أهل كورنثوس من مواعيد إلهية فائقة إنما تحققت في المسيح يسوع، وذلك بواسطة كرازة الرسول بولس وغيره من الرسل. وأن ما آل إلى مجد اللَّه الآب إنما هو خلال الابن الوحيد، وقد كُرز به بواسطة الرسول. بمعني آخر بواسطة الرسل تمت الكرازة بالمسيح الذي فيه نالت البشرية الوعود الإلهية، وفيه تمجد الآب، فكيف يسلك بعد بخفةٍ أو بغير هدفٍ لائقٍ؟

- قدّمت كرازة بولس وعودًا بأمورٍ كثيرة، فتحدث عن أننا نقوم إلى الحياة من جديد، ونصعد إلى السماء. وتحدث عن عدم الفساد والمكافآت العظيمة التي تنتظرنا. هذه الوعود لا تتغير، ليست كوعد بولس لهم بأنه قادم إليهم. هذه الوعود دائمًا هي حق.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولكن الذي يثبتنا معكم في المسيح، وقد مسحنا هو اللَّه" [21].

في دفاع الرسول بولس عن نفسه أنه لم يتصرف بخفةٍ وجه أنظار القارئين إلى عمل الثالوث القدوس: الآب الذي قدم الوعود الإلهية الفائقة، والابن الوحيد الجنس الذي فيه تتحقق هذه الوعود، وأخيرًا الروح القدس الذي يثبت الشعب مع الرسل في المسيح، حيث ينالون مسحة التقديس والختم الإلهي المقدس لحمايتهم.

يمسح اللَّه مؤمنيه بمسحة روحه القدوس للثبات فيما ينالونه في المسيح يسوع من تحقيق للوعود الإلهية.

يضم الرسول بولس نفسه مع الشعب لكي يتمتع الكل بمسحة الروح القدس التي يهبها اللَّه لمؤمنيه كي يثبتوا في المسيح، الابن الوحيد الجنس، ويتمتعوا بقوته الإلهية، وينالوا روح النصرة علي العدو إبليس.

- يقول بولس أن المسيح يثبت الأمم في الإيمان الموعود به لليهود، إذ جعلنا واحدًا.

أمبروسياستر

- إن كان الأصل والينبوع قد تأسسا بطريقة لائقة، فكيف يمكننا ألا نتمتع بالثمار النابعة منهما؟ الواحد حتمًا يقود إلى الآخر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بعد هذه الكلمات، بعد جحد الشيطان وإقامة عهدٍ مع المسيح، فإنه بقدر ما قد صرت له تمامًا، ولم يعد لك شيء مشترك مع ذاك الشرير، يأمرك أن تُختم (تُمسح) ويوضع علي جبهتك علامة الصليب.

لا يخجل ذاك الوحش الكاسر. فإنه إذ يسمع هذه الكلمات يزداد وحشية بالأكثر، كما نتوقع، ويود أن يهاجمك في مشهدٍ. لذلك فإن اللَّه يمسح ملامحك، ويختم عليها علامة الصليب. بهذه الطريقة يكبح اللَّه جنون الشرير، فلا يعود يتجاسر إبليس أن يتطلع إلى هذا المشهد. فيكون كمن يرى أشعة الشمس فيثب بعيدًا، إذ تُصاب عيناه بالعمي عندما يتطلع إلى وجهك فيهرب.

خلال الميرون يختم الصليب عليك... ويلزمك أن تعرف أنه ليس بإنسان بل اللَّه نفسه هو الذي يمسحك بيد الكاهن. اصغ إلى القديس بولس وهو يقول: "اللَّه هو الذي يثبتنا نحن وأنتم في المسيح، وقد مسحنا" [21].

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ6 PDF Print Email
المعمودية ختم Sphragis

"الذي ختمنا أيضًا، وأعطى عربون الروح في قلوبنا" [22].

كان الختان في العهد القديم أشبه بختمٍ مطبوعٍ علي الجسد، بدونه يفقد الإنسان انتسابه لشعب اللَّه، ويُحسب خائنًا للعهد الإلهي، ويسقط تحت الهلاك، لأنه "ختم لبرّ الإيمان" (كو 11:2، 12). أما في العهد الجديد فدُعيت المعمودية ختمًا Sphragis به يحمل الإنسان علامة العضوية الكنسيَّة الداخلية والاتحاد مع السيد المسيح، وقبول ملكوت اللَّه. وترجع هذه التسمية "ختم" ربما إلى الرسول بولس القائل: "ولكن الذي يثبّتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو اللَّه الذي ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح في قلوبنا" (2 كو21:1، 22). "الذي فيهِ أيضًا إذ آمنتم خُتِمتم بروح الموعد القدّوس" (أف 13:1).

- المعمودية ختم مبارك.

القديس اكليمنضس الاسكندري

- أثناء العماد، عندما تأتي إلى حضرة الأساقفة أو الكهنة أو الشمامسة... اقترب إلى خادم العماد ولا تفكر في الوجه المنظور، بل تذكر الروح القدس، هذا الذي نتكلم عنه الآن، لأنه حاضر ليختم نفسك.

إنه سيهبك الختم الذي يرعب الأرواح الشريرة، وهو ختم سماوي مقدس كما هو مكتوب: "الذي فيه أيضًا (إذ آمنتم) ختمتم بروح الموعد القدوس".

- عظيمة هي المعمودية المعدة فداء عن المأسورين... وختمًا مقدسًا لا ينفك.

القديس كيرلس الأورشليمي

- المعمودية هي شركة في اللوغوس، هلاك للخطيئة، مركبة تحملنا إلى اللَّه، مفتاح ملكوت السموات، ثوب عدم الفساد، حميم الميلاد الجديد، ختم.

القديس غريغوريوس النزينزي

هكذا تحدث آباء كثيرون عن المعمودية كختمٍ للنفس، مثل القديس اكليمنضس الروماني وهرماس والعلامة ترتليان والقديس يوحنا الذهبي الفم.

- اقترب وتَقبَّل الختم السرائري لكي يعرفك سيدك، وتُحسب بين القديسين وقطيع المسيح المعروف، فتُوضع عن يمينه.

القديس كيرلس الأورشليمي

- العلامة التي تتسمون بها الآن إنما هي علامة أنكم قد صرتم قطيع المسيح.

الأب ثيؤدور أسقف المصيصة

- (الختم) هو ضمان للحفظ وعلامة الملكية.

- إن كنتم تحصنون أنفسكم بالختم، فتُوسم نفوسكم وأجسادكم بالزيت (المسحة) والروح، ماذا يُمكن أن يحدث لكم؟! القطيع الموسوم بالعلامة لا يُسلب بمكرٍ بسهولة، أما القطيع الذي لا يحمل العلامة فهو غنيمة للصوص...

يمكنكم أيضًا أن تموتوا في سلام.

لا تخافوا من أن تُحرموا من عون اللَّه الذي يهبه لكم لأجل خلاصكم.

القديس غريغوريوس النزينزي

- النفس التي لم تستنر ولا تحلت بنعمة الميلاد الجديد، لا أعرف إن كانت الملائكة تتقبلها بعد تركها الجسد!

حقًا انهم لا يستطيعون أن يتقبلوها مادامت لا تحمل الختمAsphragiston ، ولا أية علامة خاصة بمالكها.

حقًا أنها تصير محمولة في الهواء وتتجول بغير راحة دون أن يتطلع إليها أحد، إذ هي بلا مالك.

إنها تطلب الراحة فلا تجدها، تصرخ باطلاً، وتندم بلا فائدة.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- الآن يُنقش اسمك وتُدعي للدخول إلى المعسكر (الروحي).

- يأتي كل واحدٍ منكم ويقدم نفسه أمام اللَّه في حضرة جيوش الملائكة غير المحصية، فيضع الروح القدس علامة على نفوسكم. بهذا تُسجل أنفسكم في جيش الملك العظيم.

القديس كيرلس الأورشليمي

- تطبع العلامة التي الآن هي علامة أنك قد صرت من قطيع المسيح، جندي ملك السماوات... الجندي الذي يُختار تفحص نفسيته وصحة جسده، ثم يتقبل علامة علي يده تُظهر الملك الذي يخدمه.

والآن قد أُخذت لملكوت السماوات ويمكن التعرف عليك، إن فحصك أحد يجدك جنديًا لدى ملك السماء!

الأب ثيؤدور أسقف المصيصة

- المعمودية هي ختم اللَّه، وكما خُلق الإنسان الأول علي صورة اللَّه ومثاله، هكذا الذي يتبع الروح القدس يُختم منه ويأخذ صورة الخالق.

القديس إيرونيموس

- الذين يستنيرون يتقبلون ملامح المسيح... فإنه حتما يُطبع علي كل واحد منهم شكل الكلمة وصورته وملامحه، حتى يُحسب المسيح مولودًا في كل واحدٍ منهم بفعل الروح القدس... ويصير الذين يتعمدون مسحاء آخرين.

الأب ميثوديوس

"ولكني استشهد اللَّه علي نفسي إني اشفاقًا عليكم لم آت إلى كورنثوس" [23].

يدعو الرسول اللَّه كشاهدٍ على كلماته، إذ وُجد بينهم مقاومون يشككون في شخصيته وكلماته وإمكانياته.

- هنا يتحدث بولس مع أناسٍ من الواضح أنه يريدون الاصلاح ولكنهم لم يبذلوا بعد جهدًا في ذلك. إنه إشفاقًا بهم ذهب إلى موضع آخر في ذلك الحين حتى يضبطوا أنفسهم معًا. لم يرد بولس منهم أن يظنوا أنه يحتقرهم كمن هم غير أهلٍ (لزيارته). فإنهم ما أن يحققوا هذا ويصلحوا طرقهم حتى يأتي بولس لزيارتهم.

أمبروسياستر

- مكث بولس بعيدًا عن كورنثوس علي الأقل إلى حين، لأنه إن كان قد فعل هذا كنوعٍ من التأديب، فإنه ما كان يريد هو ولا هم يريدون هذا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ليس أننا نسود علي إيمانكم، بل نحن مؤازرون لسروركم، لأنكم بالإيمان تثبتون" [24].

يكشف الرسول هنا عن دوره وهو أنه ليس سيدًا يعلن أوامر ويسود على إيمان الآخرين، إنما كأبٍ محبٍ يود إن يسندهم ليملأ حياتهم بالسرور والبهجة. إنه لا يود استخدام السلطة والتأديب، بل بروح التشجيع يهبهم فرحًا وسعادة. هذا ما دفعه إلى تأجيل زيارته لهم. إنهم بالإيمان الذي كرز به بولس الرسول أو غيره من الرسل يثبتون، لذا يليق بهم إلا يعتمدوا على إنسانٍ، مهما كان مركزه أو دوره في الكنيسة، بل على اللَّه موضوع إيمانهم.

- يقول بولس هذا لأن الإيمان لا يكون قهرًا بل موضوع إرادة حرة.

أمبروسياستر

- يضيف بولس ذلك لأن سلطانه كان واضحًا، الأمر الذي كان الكورنثيون يخشونه.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- يقول بولس أنه لم يجد خطأ في إيمانهم. علي أي الأحوال توجد أمور أخرى يجب أن توضع في نصابها، وهو مهتم بها.

الأب ثيؤدور أسقف المصيصة

- "ليس اننا نسود على إيمانكم" أيها الأحباء، ولا نعطي أمرًا بهذه الأشياء كسادة وارباب. فإننا معينون للتعليم بالكلمة لا لنوال سلطةٍ أو سلطانٍ مطلقًا.

- يتوقف قبول العلاج على رغبة المريض لا الطبيب. هذا ما أدركه الرجل العجيب (بولس) عندما قال للكورنثيين: "ليس أننا نسود علي إيمانكم، بل نحن مؤازرون لسروركم" [24]. لأن المسيحيين، دون سواهم، لا يُسمح لهم أن يعالجوا الخطاة بغير إرادتهم. عندما يقبض قضاة العالم علي فعلة الإثم بسلطة القانون يستعملون سلطانًا عظيمًا، ويمنعونهم من مواصلة شرورهم ولو بالرغم من إرادتهم. أما في حالتنا، فإنه يجب إصلاح الخاطئ لا بالقهر بل بالتواضع.

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ7 PDF Print Email
من وحي 2 كو 1

حبك يلهب قلبي بمحبة البشرية!

- حبك عجيب يا أيها الحب الفائق السرمدي!

أراك في حبك تُسر بالآلام من أجلي.

فيتسع قلبي بالحب لأسر بالآلام.

لست مستحقًا أن أتألم من أجلك،

ومن أجل أولادك الذين تحبهم!

- فيك نتحد جميعًا معًا!

أتمتع بقوة صلواتهم عني،

ولا أكف عن الصلاة من أجلهم.

- أفتخر بهم من أجل أنهم صاروا عجبًا!

وهم يعتزون بي،

إذ نشترك معًا في نعمتك.

- اشتهي رسولك بولس أن يفتقد كنيسة كورنثوس.

بقلبه الناري اشتهي أن يفتقد كل إنسانٍ!

إن سقط أحد يحسب كأن المدينة كلها قد ضاعت،

وإن تاب تتهلل الكنيسة كلها مع السمائيين من أجله.

- أشواقه هي ثمرة عمل روحك العجيب!

حقًا، يا لعذوبة الحب النابع عنك!

1 بولس رسول يسوع المسيح بمشيئة الله و تيموثاوس الاخ الى كنيسة الله التي في كورنثوس مع القديسين اجمعين الذين في جميع اخائية
2 نعمة لكم و سلام من الله ابينا و الرب يسوع المسيح
3 مبارك الله ابو ربنا يسوع المسيح ابو الرافة و اله كل تعزية
4 الذي يعزينا في كل ضيقتنا حتى نستطيع ان نعزي الذين هم في كل ضيقة بالتعزية التي نتعزى نحن بها من الله
5 لانه كما تكثر الام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا ايضا
6 فان كنا نتضايق فلاجل تعزيتكم و خلاصكم العامل في احتمال نفس الالام التي نتالم بها نحن ايضا او نتعزى فلاجل تعزيتكم و خلاصكم
7 فرجاؤنا من اجلكم ثابت عالمين انكم كما انتم شركاء في الالام كذلك في التعزية ايضا
8 فاننا لا نريد ان تجهلوا ايها الاخوة من جهة ضيقتنا التي اصابتنا في اسيا اننا تثقلنا جدا فوق الطاقة حتى ايسنا من الحياة ايضا
9 لكن كان لنا في انفسنا حكم الموت لكي لا نكون متكلين على انفسنا بل على الله الذي يقيم الاموات
10 الذي نجانا من موت مثل هذا و هو ينجي الذي لنا رجاء فيه انه سينجي ايضا فيما بعد
11 و انتم ايضا مساعدون بالصلاة لاجلنا لكي يؤدى شكر لاجلنا من اشخاص كثيرين على ما وهب لنا بواسطة كثيرين
12 لان فخرنا هو هذا شهادة ضميرنا اننا في بساطة و اخلاص الله لا في حكمة جسدية بل في نعمة الله تصرفنا في العالم و لا سيما من نحوكم
13 فاننا لا نكتب اليكم بشيء اخر سوى ما تقراون او تعرفون و انا ارجو انكم ستعرفون الى النهاية ايضا
14 كما عرفتمونا ايضا بعض المعرفة اننا فخركم كما انكم ايضا فخرنا في يوم الرب يسوع
15 و بهذه الثقة كنت اشاء ان اتي اليكم اولا لتكون لكم نعمة ثانية
16 و ان امر بكم الى مكدونية و اتي ايضا من مكدونية اليكم و اشيع منكم الى اليهودية
17 فاذ انا عازم على هذا العلي استعملت الخفة ام اعزم على ما اعزم بحسب الجسد كي يكون عندي نعم نعم و لا لا
18 لكن امين هو الله ان كلامنا لكم لم يكن نعم و لا
19 لان ابن الله يسوع المسيح الذي كرز به بينكم بواسطتنا انا و سلوانس و تيموثاوس لم يكن نعم و لا بل قد كان فيه نعم
20 لان مهما كانت مواعيد الله فهو فيه النعم و فيه الامين لمجد الله بواسطتنا
21 و لكن الذي يثبتنا معكم في المسيح و قد مسحنا هو الله
22 الذي ختمنا ايضا و اعطى عربون الروح في قلوبنا
23 و لكني استشهد الله على نفسي اني اشفاقا عليكم لم ات الى كورنثوس
24 ليس اننا نسود على ايمانكم بل نحن موازرون لسروركم لانكم بالايمان تثبتون


السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 2 جـ1 Print Email

الرعاية والاصلاح


في هذا الإصحاح يفتح الرسول قلبه أمام أهل كورنثوس ليدركوا مدى حبه لهم [١-٤]. قدم أحد أسباب تأجيل زيارته لهم وهو أنه قد لمس حزن الجميع على الشخص الساقط في الزنا. في محبته لم يرد أن يزورهم في هذا الجو المحزن، لكن إذ تاب الرجل يفرح الكل به ويحضر هو ليشارك فرحهم بتوبته.

يعتصر قلب الرسول حقًا، ويطلب أن تشاركه كل الكنيسة هذه المشاعر فيتوسل إليهم أن يمَّكنوا له المحبة حتى يدرك الساقط أن حزنهم لم يكن نابعًا عن انتقام أو كراهية بل هو حب لخلاص نفسه [٥-١١].

ها هو قادم ليبشرهم بأعمال اللَّه العجيبة معه، فقد فُتح أمامه باب للعمل الكرازي، وفاحت رائحة المسيح الذكية لخلاص الكثيرين [١٢-١٧].

١. فرحي هو فرح جميعكم ١-٤.

٢. شفاعته في الساقط التائب ٥-١١.

٣. انفتح لي باب في الرب ١٢-١٧.

١. فرحي هو فرح جميعكم

شهوة قلب الرسول ألا يزورهم وقت حزنهم، لأن حزنهم هو حزن له، وفرحهم هو فرح له. وأيضًا ما يحل به من فرحٍ أو حزنٍ إنما يحل بجميعهم. لقد أحزنهم حين وبخهم على تهاونهم مع القائد الساقط في الزنا، وإذ استجابوا إلى طلبته وحزنوا يود أن يحضر إليهم بعد أن يفرحوا بتوبته، ويتهللوا بعمل اللَّه معه، فتصير الكنيسة أيقونة السماء المتهللة برجوع الخطاة.

في أبوته يعلن عن عجزه عن الحضور إليهم بينما هم وهو أيضًا في حزن، إذ يقول:

"ولكني جزمت بهذا في نفسي، أن لا آتي إليكم أيضًا في حزنٍ" [1].

ولعل الرسول هنا يكشف عن مشاعر حبه، فقد سجل رسالته الأولى في الكثير من الحزم مما سبب حزنًا ولو لقليلين، وربما تعثر بعض الضعفاء فيه بسبب حزمه. الآن يود إن يكشف عن حنوه الأبوي ولطفه حتى إن وبخ وأدب، وأنه لا يحتمل أن يراهم في حزنٍ.

- كان بولس يخشى لئلا إذ ينتهر قلة يسبب ألمًا لكثيرين، لأن كل أعضاء الجسم تتألم مع ألم واحدٍ منها.

أمبروسياستر

"لأنه إن كنت أحزنكم أنا، فمن هو الذي يفرحني إلا الذي أحزنته؟!" [2]

لم يرد أن يزورهم قبل التوبة لئلا يستخدم سلطانه الرسولي لتأديب العصاة مما يسبب حزنًا جماعيًا، بينما يود أن يسود الكنيسة روح التعزيات والفرح.

- اترك صلواتك وانتهره، فإنك تصلح من أمره وأنت أيضًا تنتفع. هكذا نحن نسند الكل لكي يخلصوا ويبلغوا ملكوت السماوات بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح.

- الاهتمام الخاطئ في استرضاء الغير فحسب هو خيانة ضد خلاص الراعي وخلاصهم.

- إني أفضل أن أكون في أعينكم إنسانًا متكبرًا لا يمكن التفاهم معه عن أن أترككم تفعلون ما لا يرضي اللَّه.

- إني ملتزم بوعظكم وعلى وجه الخصوص استخدام التوبيخ معكم.[ فكما تذيب النار الشمع هكذا يلين الخوف من العقوبات قلوب الخطاة].

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إنه لأمر مخجل أن المرضى جسديًا يثقون ثقة عظيمة في الأطباء حتى إذا قطعوا أو حرقوا أو سبّبوا آلامًا سبب أدويتهم المرة، ويتطلعون إلى هذه الأمور كإحسانات، بينما لا نحمل ذات الاتجاه نحو أطباء نفوسنا عندما يقدمون صونًا لخلاصنا بالتأديب الشاق. على أي الأحوال يقول الرسول: "لأنه إن كنت أحزنكم أنا، فمن هو الذي يفرحني إلا الذي أحزنته؟!" [2]... هذا يليق بمن ينظر إلى النهاية، فيحسب ذاك الذي يسبب لنا ألمًا حسب الرب مُحسنًا.

القديس باسيليوس الكبير

سبق فأعلن الرسول بولس في رسالته الأولى عن ضرورة حزن الكنيسة من أجل الخطاة. تظل الكنيسة، مع رأسها ربنا يسوع، في حزنٍ حتى يعود الخطاة إلى إلههم ويخضعوا للآب. ويعلق العلامة أوريجينوس على الكلمات، "وأقول لكم إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي" (مت29:26)، بقوله إن الخمر في الكتاب المقدس يرمز إلى الفرح الروحي. لقد وعد اللَّه شعبه أنه سوف يبارك في خمرهم، أي سيمنحهم وفرة من الفرح الروحي. لهذا يمنع الكهنة من شرب الخمر عند دخولهم الهيكل، إذ يريدهم أن يكونوا في حزنٍ، بينما تُقدم القرابين عن الخطاة. فإذا تمت مصالحة الخطاة مع اللَّه، عندئذ يكتمل فرحهم. يعتقد أوريجينوس أن المسيح نفسه مع قديسيه في انتظار توبة الخطاة، ففرحهم إذًا لا يزال غير كاملٍ.

- يليق بنا ألا نظن أن بولس يحزن من أجل الخطاة ويبكي لتجاوزاتهم، بينما يكف المسيح عن البكاء، حين يدنو من الآب، ويقف عند المذبح ليُقدم ذبيحة التكفير عنّا. هذا عدم شرب خمر الفرح "حين يصعد إلى المذبح"، إذ أنه لا يزال يحمل بعد مرارة خطايانا. لذلك فهو غير راغبٍ أن يشرب وحده من الخمر في ملكوت أبيه، بل ينتظرنا، وكما قال: "حتى أشربه معكم". فنحن إذًا نؤخر فرحته بالتهاون في حياتنا.

العلامة أوريجينوس

"وكتبت لكم هذا عينه، حتى إذا جئت لا يكون لي حزن من الذين كان يجب إن أفرح بهم، واثقًا بجميعكم أن فرحي هو فرح جميعكم" [3].

كأنه يقول: "أنا أعرف تمامًا أنكم تطلبون مسرتي، هذه التي تتحقق بقداستكم. وإذ تتهلل نفسي بكم تتهللون أنتم أيضًا، لأن فرحي هو فرح جميعكم. إني لا أستطيع أن أصمت على الخطية والعصيان، وفي نفس الوقت ملتزم أن آتي بروح الوداعة وأترفق بكل التائبين". إنه يود أن يكون ينبوع فرح للكل ما استطاع.

- لقد قال بولس أنه يُسر بحزنهم. ربما يبدو هذا عجرفة وعنفًا، فلكي يهدئ من الصدمة أضاف هذا. لقد عرف أنه متى كان سعيدًا سيكونون هم سعداء؛ وإن كان حزينًا يصيرون هم أيضًا حزانى... فهو يعني: إنني لم آتِ إليكم ليس لأني أشعر بكراهية أو بغضة بل بالأحرى أشعر بحبٍ عظيمٍ.

- يظهر بولس هنا أنه ليس أقل تأثرًا من أولئك الذين أخطأوا، بل هو متأثر أكثر منهم. بالكاد يستطيع أن يحتمل الألم الذي سببه الكورنثيون له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأني من حزن كثير وكابة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة، لا لكي تحزنوا، بل لكي تعرفوا المحبة التي عندي، ولا سيما من نحوكم" [4].

يكشف هذا القول عن أن المقاومين للرسول قد شوهوا صورته تمامًا بأنه رجل عنيف ومستبد، يُسر بجراحات الآخرين ومرارتهم. ويبرر الرسول نفسه من هذا الاتهام بتأكيد التكلفة التي دفعها وهو يكتب الرسالة الأولى الحازمة وهي الدموع الكثيرة والحزن الشديد وكآبة القلب! دوره كرسولٍ الزمه بالكتابة، لكنه سجلها بتنهدات قلبه الداخلية ومرارة نفسه ودموعه الغزيرة.

- من الذي يكتب في القلوب؟ اللَّه هو الذي يكتب بإصبعه في كل الضمائر الناموس الطبيعي الذي أعطاه للجنس البشري. فيه نبدأ ونأخذ بذور الحق للدخول به إلى العمق. هذه البذور التي إن اعتنينا بزراعتها تأتي فينا بثمارٍ جيدة بالمسيح يسوع.

العلامة أوريجينوس

- لنحزن في أذهاننا ليس من أجل تلك الأمور التي للترف التي يحزن عليها الملوك، وإنما من أجل تلك التي لنا فيها نفع عظيم. فإن "الحزن الذي بحسب مشيئة اللَّه ينشئ توبة لخلاصٍ بلا ندامة" (٢ كو ١٠:٧).

لنحزن على أمور كهذه، لأجل هذه الأمور نتألم، من أجل هذه الأمور يُنخس قلبنا.

هكذا حزن بولس على الخطاة، وهكذا بكى: "من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة".

فإذ لم يجد علة ليحزن على نفسه فعل ذلك لحساب الآخرين، أو بالأحرى حسب هذه الأمور خاصة به، على الأقل حتى ينتهي الحزن.

آخرون تعثروا، وهو احترق؛ آخرون كانوا ضعفاء، وهو كان ضعيفًا. مثل هذا الحزن صالح يفوق كل فرح عالمي.

إني أفضل ذاك الذي يحزن هكذا عن كل البشر، بل بالأحرى يعلن الرب نفسه أن الذين يحزنون مطوبون، هؤلاء الذين يتعاطفون مع الآخرين.

لست أعجب من هذا ففي اخطاره يتعرض للموت يوميًا، ولا يزال هذا يأسرني. فإن هذا يصدر عن نفسٍ مكرسةٍ للَّه، مملوءة حنوًا صادرًا عن حب يطلبه المسيح نفسه، به حب أخوي وأبوي، أو بالأحرى، ما هو أعظم من هذا. هكذا يليق بنا أن نحزن، وهكذا ننتحب، ونسكب دموعًا كهذه، إذ تحمل هذه بهجة عظيمة. إن حبًا كهذا هو أساس للفرح.

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
LAST_UPDATED2
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email
٢. شفاعته في الساقط التائب

عالج الرسول بولس موضوع قبول هذا الساقط التائب بفكرٍ إنجيليٍ روحيٍ حي. بدأ بالحديث أنه وإن حزن عليه بسبب سقوطه، فإن الجماعة ككل حزنت عليه. حزنه يعتبر جزئيًا بالنسبة لحزن الكنيسة كلها عليه. فإن كان الرسول قد حزن فليس لأنه فوق الجماعة، بل كواحدٍ منهم يشاركهم حزنهم عليه. أما من جهته هو فإنه لا يريد أن يثقل عليهم بعدما تحركوا كجماعة في حزنٍ عليه، إذ حان الوقت ليفرحوا بتوبته، ولا يعيشوا بعد في مرارة.

"ولكن إن كان أحد قد أحزن، فإنه لم يُحزنّي، بل أحزن جميعكم بعض الحزن لكي لا أثقل" [5].

يرى أمبروسياستر أنه يقصد بالجميع هنا القديسين من أهل كورنثوس الذين يتألمون بسبب ارتكاب أحدٍ ما خطية. فالكنيست، رعاة ورعية، لن تستريح متى أخطأ شخص واحد.

- إذ وُضع العالم بين يديه لم يهتم بالأمم ككلٍ فحسب، بل وبالأفراد. فيبعث برسالةٍ لصالح أنسيمُس وأخرى من أجل الشخص الزاني من أهل كورنثوس... ناظرًا إليه كإنسانٍ له تقديره في عيني اللَّه، فمن أجله لم يضن الآب عليه بابنه الوحيد.

لا تقل هذا عبد هارب، أو ذاك لص، أو قاتل، أو إنسان مثقل بخطايا غير محدودة، أو متسول أو حقير... بل تأمل أنه لأجله مات المسيح. أما يكفي هذا ليكون أساسًا لنعطيه كل اهتمام؟!

- كان كل الكورنثيين يشاركون بولس غضَبه وسخطه على الإنسان الذي ارتكب الزنا. بقوله هذا يُهدأ من غضبهم ضد بولس بإعلانه أنهم هم أيضًا عانوا من ذات سخطه.

- لاحظوا أن بولس لم يعد يشير إلى الجريمة في أي موضع، لأن الوقت قد حان للمغفرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذي من الأكثرين" [6].

لقد تواضع الساقط وقدم توبة، وأطاعت الجماعة وقامت بتأديبه. هذا يكفي له ولهم. في أبوته الحانية قدم الرسول شفاعةً وتوسلاً من أجل هذا الساقط التائب أمام الكنيسة في كورنثوس.

- يشير بولس إلى غيرة الكورنثيين، إذ تحوّلوا جميعًا إلى ضد هذا الرجل بمجرد أن طلب منهم ذلك.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- تقدم الحياة الجماعية بركات أكثر من أن يُعلن عنها بالكامل وبسهولة.

إنها أكثر فائدة من حياة الوحدة وذلك من أجل الحفاظ على الأمور الصالحة التي يهبها اللَّه لنا، ومن أجل المكافأة عن هجمات العدو الخارجية...

فبالنسبة للخاطي الانسحاب من الخطية أسهل بكثير إن خشي عار توجيه اللوم إليه من كثيرين يعملون معًا. حقًا ينطبق القول: "مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذي من الأكثرين." [6]. وبالنسبة للإنسان التقي، يجد كفاية عظيمة وكاملة في تقدير الجماعة وتذكية سلوكه.

القديس باسيليوس الكبير

"حتى تكونوا بالعكس تسامحونه بالحري وتعزونه، لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المفرط" [7].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على تعبير"تسامحون بلطفٍ graciously وتعزونه" قائلاً: [إن ما يقوله هو أنه ليس لأنه يستحق ذلك (تسامحونه)، ولا لأنه أظهر بوضوح ندامة كافية وإنما لأنه ضعيف، من أجل هذا أسأل... لئلا ييأس.]

نال ما فيه الكفاية وبلغ التأديب غايته، وصار الأمر في غاية الخطورة، فإن لم يجد التائب أحضان الكنيسة الحانية يستعبده اليأس وتهلك نفسه. كما كانوا ملزمين بتأديبه بالعزل الآن ملزمون بتمكين المحبة له وتجديدها لكي تتهلل نفسه بالخلاص.

- على أي الأحوال، تذكر هذا، إن صرت كسلانًا وغير مكترثٍ ستمسك بك الخطية في وقتٍ أو آخر. لهذا اظهر اهتمامًا، إن لم يكن من أجل أخيك فعلى الأقل من أجل نفسك.

قاوم المرض، تغّلب على الفساد، اقطع انتشار البلاء السرطاني.

يتحدث بولس عن هذه الأشياء وعن أكثر من هذا. إذ أمر المسيحيين في كورنثوس أن يسلموا الزاني بينهم للشيطان، عاد بعد ذلك يقول: "لقد تغيّر الزاني". صار إلى حالٍ أفضل "مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذي من الأكثرين... حتى تُمكّنوا له المحبة" [6-8].

فمع أن بولس جعله عدوًا عامًا، وخصمًا للكل، واستبعده عن الجمهور، وقطعه من الجسم. انظروا كيف أظهر اهتمامًا لكي يربطه من جديدٍ برباط لا ينحل، ويضمّه إلى الكنيسة. إذ لم يقل مجرد "حِبّوه" بل "أعيدوا تثبيت المحبة له".

بمعنى آخر: اعلنوا صداقتكم إنها صادقة وثابتة ومملوءة غيرة ومتقدة ونارية. قدموا محبتكم بنفس القوة التي للكراهية (للخطية) السابقة. ماذا حدث؟ اخبرني! ألم تسلمه للشيطان؟ يقول: "نعم، لكن ليس ليبقى في يدي الشيطان، بل لكي يتخلص سريعًا من سلطانه الطاغي".

لاحظوا باهتمام كيف أنه لنفس الأمر كما قلت يخشى بولس من الإحباط كسلاح قوي للشيطان. يقول: "مكّنوا له المحبة"، ويضيف السبب: "لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المفرط" [7].

- أعتقد أن الذي سقط في الخطيئة الخطيرة في كورنثوس، قد استأهل الرحمة. إذ عندما وُجه إليه اللوم، بل وطُرد من الكنيسة، لم يكره من اتهمه، بل تقَّبل النقد بصبرٍ، وتحمله بثباتٍ وجلدٍ. وفي اعتقادي أن الأمر انتهي به إلى محبة أعظم لبولس ولمن وجهوا إليه اللوم طاعة لأحكام بولس. لذلك سحب بولس اتهامه، وحكم بإعادته إلى الكنيسة.

العلامة أوريجينوس

- لم يعد بعد بولس يأمر وإنما يتوسل، ليس كمعلم،ٍ بل كمن هو مساوٍ لهم. يضع الكورنثيين على كرسي الحكم ويقف هو في مركز المدافع، سائلاً إيّاهم أن يمكّنوا له المحبة.

- يسأل بولس الكورنثيين ليس فقط أن يكفّوا عن لومه، وإنما أن يستعيدوا الرجل إلى مركزه الأول، لأن معاقبة الإنسان دون معالجته لا يعني شيئًا.

لاحظوا كيف يحفظ بولس الرجل نفسه في تواضعٍ حتى لا يصير إلى حال أردأ نتيجة العفو عنه. فإنه وإن كان قد اعترف وتاب، فقد أظهر بولس بوضوح أنه نال المغفرة لا بتوبته قدر ما نالها خلال عطية اللَّه المجانية.

- كان التدقيق الشديد مطلوبًا في هذه المواقف أيضًا حتى لا يصير ما هو نافع سببًا لخسارة أعظم. فمهما ارتكب ذاك من أخطاء بعد قطعة، ينبغي على الطبيب الذي يُحسن استخدام مبضعه في علاج مريضه أن يشترك معه في العواقب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الشخص الذي يُبتلع في حزنٍ مفرطٍ يعود إلى ارتكاب الخطايا في يأس. التوبة الصادقة، من الجانب الآخر، هي البعد عن الخطية. إن تاب هذا الشخص يؤكد أنه حزين عما يفعله.

أمبروسياستر

- طلب بولس الآن أن يوحّدوا العضو في الجسم، ويردوا الحمل إلى القطيع، ويظهروا حبهم وحنوّهم الكلي الاخلاص.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- بهذه الطريقة تؤدب كلمات بولس الرجل الذي انتهك السرير الزوجي لأبيه مادام غير مدرك لخطيته. ولكن إذ كان لدواء التصحيح فاعليته بدأ يهبه راحة، كمن قد صار مطّوبًا بحزنه. وكما يقول "لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المفرط". هكذا ليتنا نحن أيضًا نفكر في هذا عندما نحسب أن التطويب أمامنا، فإنه ليس بدون نفع للحياة الفاضلة، متطلعين إلى أن الطبيعة البشرية إلى حدٍ ما مرتبطة بالخطية والعلاج لها يظهر خلال حزن التوبة.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

"لذلك أطلب أن تُمكّنوا له المحبة" [8].

لم يتشك الرسول في محبتهم للخاطي، لكن الموقف حساس للغاية، ويحتاج هذا التائب إلى فيض من الحب وتأكيدات لنفسه إن الكنيسة قد نست خطأه وأعادته إلى مركزه الأول.

- بولس نفسه الذي كان قد طرده من بينهم كأنه أحد الأوبئة، والذي أوصد في وجهه كل الأبواب، وأسلمه إلى حكومة الشيطان، وأعلن له مثل هذا القصاص، لما رأى أن المسكين غرق في الألم، متأسفًا على خطيئته، ومغيّرًا سلوكه، وجه إلى الكورنثيين تعليمات مضادة للتعليمات الأولى...

وأنتِ تدركين الآن معي أننا حين نغتم فوق ما يجب نعمل لحساب إبليس. كما تدركين حيلة الشيطان، وهي أن يدفعنا إلى التطرف. بهذا نحول الدواء الذي يخلصنا إلى سمٍ قاتلٍ. فالتطرف هو سُم فعلي يجعلنا في يدي الشيطان.

- وكما ينوح الخاطئ على خطاياه، هكذا بكى بولس على الرجل الذي ارتكب الزنا، مؤكدًا له: "لذلك أطلب أن تمكنوا له المحبة" (2 كو8:2). وحتى حين حرمه فعل هذا آسفًا بدموع: "لأني من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم بدموعٍ كثيرة، لا لكي تحزنوا، بل لكي تعرفوا المحبة التي عندي ولا سيما من نحوكم" (2 كو4:2). وأيضًا: "فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود، وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس، وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموس لأربح الذين بلا ناموس، صرت للضعفاء كضعيفٍ لأربح الضعفاء؛ صرت للكل كل شيئًا لأخلص على كل حالٍ قومًا" (2 كو 20:9-22). وفي موضع آخر يقول: "لكي يُحضر كل إنسانٍ كاملاً في المسيح يسوع" (كو 28:1).

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 2 جـ3 PDF Print Email
"لأني لهذا كتبت لكي أعرف تزكيتكم هل أنتم طائعون في كل شيء" [9].

بعد أن قدم شفاعة في الخاطي أراد أن يثيرهم للتصرف السريع بالحب، فحسب ذلك الطلب مقياسًا يدرك به مدى طاعتهم له. يرى البعض أنه يسهل على الإنسان (أو الكنيسة) أن يؤدب، لكن يصعب عليه أن يرد الساقط إلى موضعه الأول داخل القلب وفي الكنيسة.

-= يحتاج بولس أن يرى أن الكورنثيين مطيعون في إعادة الخاطي كما كانوا مطيعين في معاقبته. لأن العقوبة يمكن أن تحمل شيئًا من الحسد والحقد، أما إن عملوا على إعادته في حبٍ فإنهم يظهرون طاعتهم أنها نقية. هذا هو اختبار التلاميذ الحقيقيين، إن كانوا يطيعون ليس فقط حينما يؤمرون بفعل شيءٍ ما، وإنما يتمّمونه من جانبهم أيضًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"والذي تسامحونه بشيء فأنا أيضًا، لأني أنا ما سامحت به إن كنت قد سامحت بشيء، فمن أجلكم بحضرة المسيح" [10].

ما يحمله من حبٍ غافر به ينسى ما سبق ففعله هذا التائب إنما يتحقق خلال حب الرسول للكنيسة كلها، إذ يريدها العروس الطاهرة. وأن ما يمارسه من نسيان إنما من أجل المسيح الذي هو في حضرته. وكأن هذا التائب عزيز جدًا لدى الكنيسة وعريسها المسيح، وليس لدى بولس وحده! ما يفعله الرسول وما يحمله من مشاعر ليس ضد الكنيسة في كورنثوس ولا ضد فكر المسيح، إنما هذا كله متناغم مع فكر الكنيسة والتي تحمل فكر المسيح.

- كان بولس يمارس ما يكرز به. كان من حقه أن يصدر أوامر، لكنه لا يستطيع أن يمتنع عن أن يفعل بنفسه ما يطلب من الآخرين أن يفعلوه. في رسالته الأولى أدان جريمة هذا الشخص على رجاء أن كل واحدٍ يشمئز منها (1 كو1:5-13). وأما الآن فيريدهم أن يرجعوا ويطلب ألا يظهروا له غضبًا. بلاشك لم يكن لدى الكورنثيين حكمة الرسول، ولم يدركوا أن هذا يجب أن يتم فورًا.

أمبروسياستر

- يعطي بولس الكورنثيين مركز القيادة ويخبرهم أن سيتابع ذلك. هذه هي أفضل وسيلة لتلطيف روحٍ ساخطةٍ محبةٍ للنزاع. فلئلا يصيروا مهملين ويرفضوا الصفح عنه ضيَّق عليهم ثانية بقوله أنه هو نفسه قد صفح بالفعل عن هذا الإنسان.

- يمكن للشيطان أن يحطم حتى تحت مظهر التقوى. فإنه يقدر أن يحطم ليس فقط بأن يقود الشخص إلى الزنا بل وأحيانًا بالعكس بالحزن المفرط الذي يجعل اليأس يتبع التوبة. أن يقتنصنا بالخطية هذا عمله المناسب له، وأما أن [يقتنصنا في توبتنا فهذا عار مهذب، إذ يقاتلنا بسلاحنا لا بسلاحه].

القديس يوحنا الذهبي الفم

- المشكلة ليس أن تعرف حيل إبليس فحسب، وإنما أن تلعب بها. فبولس يعرف ديناميكيتها لا لينشغل بها، وإنما لكي لا يسقط في حبائلها].

القديس ديديموس الضرير

"لئلا يطمع فينا الشيطان، لأننا لا نجهل أفكاره" [11].

يقدم الرسول تعليلاً أخر بجانب تناغم فكره مع فكر الكنيسة والمسيح، إلا وهو لئلا يستغل إبليس الفرصة ويحطمه بروح اليأس. وكما يقول القديس مار فيلوكسينوس أنه إن سقط إنسان في اليأس تدخله كل الشياطين.

-لا تيأسوا من أنفسكم. أنتم أناس خُلقتم على صورة اللَّه. ذاك الذي خلقكم أناسًا صار هو نفسه إنسانًا: لقد سُفك دم الابن الوحيد من أجلكم.

القديس أغسطينوس

٣. انفتح لي باب في الرب

بعد معالجته موضوع تأجيل زيارته لهم وتشفعه في الساقط التائب، استطرد يحدثهم عن عمل اللَّه معه، إذ فتح له الرب بابًا للخدمة والكرازة. وهو بهذا يهدف إلى خلق جوٍ من الفرح بالأخبار السارة، ولكي يكشف لهم عن شعوره بالصداقة القوية معهم فيحدثهم في أمورٍ خاصة به لا تمس الكنيسة في كورنثوس مباشرة. كما تحدث معهم عن مشاعره الشخصية نحو تلميذه المحبوب لديه تيطس. فمن جانب أنه لا يكف عن العمل المستمر في بلاد كثيرة، ويد الرب معه تنجح طريقه، ومن جانب آخر أن انشغاله المستمر بالخدمة وأتعابه لن تنزع عنه عواطفه ومشاعره نحو أحبائه.

"ولكن لما جئت إلى ترواس لأجل إنجيل المسيح، وانفتح لي باب في الرب" [12].

بعد كتابته للرسالة الأولى وسط دموعه الغزيرة وحزنه الكثير وكآبة قلبه (٤) لم يرد اللَّه أن يتركه في هذه المرارة، بل أبهج قلبه بانفتاح بابٍ جديدٍ للخدمة والكرازة.

"لم تكن لي راحة في روحي، لأني لم أجد تيطس أخي، لكن ودّعتهم، فخرجت إلى مكدونية" [13].

كان يترقب مجيء تيطس بفارغ الصبر ليخبره عن أحوالهم، فاضطر أن يذهب إلى مكدونية متوقعًا أن يجده هناك، وبالفعل جاء تيطس يبشره بالأخبار المفرحة [٦-٧].

- في سفر الأعمال (9:16) يُقال أن إنسانًا من مكدونية ظهر لبولس في حلمٍ وسأله أن يذهب ويعينهم. لم يشر بولس إلى هذا الحدث في رسالته، لأنه من الواضح أنه لم يكن الوقت مناسبًا ليخبر بمثل هذه الأمور عن نفسه.

القديس ديديموس الضرير

- أشار بولس إلى تيطس هنا لهدفٍ، وهو أنه كان حامل الرسالة إلى كورنثوس. أراد بولس من الكنيسة هناك أن تقدر استحقاقه.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- كان بولس متعريًا - إن جاز لنا القول - من اللحم والدم. كان كأنه أنكر جسده، حتى يُمكن أن يُقال أنه لم يكن سوى نفسًا تتردد في العالم، وقلبًا خلا من كل شهوة وهوى.

في مثل هدوء الأرواح الملائكية، كان يحيا على الأرض حياة سماوية. وكان يعيش في رفقة الشاروبيم، يشاركهم أنغامهم السرية.

كان يحتمل كل الاضطهادات. كأن جسده لا يخصّه: السجن والقيود والنفي والتشريد والتهديد وخوض البحار والضرب والرجم والموت، وما كان يتأثر من شيء أو يخشى شيئًا.

كان يتحمل كل هذا ولكن انفصاله عن عزيز عليه كان كافيًا لأن يقلقه ويعذبه إلى حد أنه لم يستطع البقاء في مدينة جاء ليكرز بالإنجيل بين أهلها، فإذا هو مُلزم على مغادرتها حالاً [12-13]...

"أجل!" يجيب الرسول: "إن حزنًا قد استولى عليّ لعدم وجود تيطس الحبيب. وما أجبرت على المغادرة إلا حين وجدت نفسي مغلوبًا لا أستطيع أن احتمل ما بي من الشوق.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولكن شكرا للَّه الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين، ويُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان" [14].

كأنه يقول: "مجيء تيطس نزع عني مخاوفي، وأشبع أعماقي، وتحولت حياتي إلى ذبيحة شكر للَّه مصدر كل صلاح الذي وهبكم ووهبني إن ننضم إلى موكب نصرته تحت قيادته".

كان من عادة الرومان كما اليونان قبلهم متى غلب القائد في معركة يدخل العاصمة في موكبٍ مهيبٍ حيث يخرج الشعب كله يكرم الجيش الغالب. وكان القائد غالبًا ما يرتدي ثوبًا من الأرجوان الثمين مُوشى بالذهب، ويرتدي تاجًا على رأسه، ويحمل في يده إكليلاً علامة النصرة، وباليد الأخرى صولجانه. يركب مركبة عظيمة مزينة بالعاج وطبقات من الذهب، غالبًا ما يجرها فرسان بيض، وأحيانًا تجرها فيلة كما حدث مع بومباي Pompey عندما هزم أفريقيا، أو أسود كما حدث مع مرقس أنطونيوس، أو نمورٍ كما مع Helisgabalus، أو غزلان كما مع أوريليوس Aurelius. وكان أبناؤه يجلسون عند قدميه في المركبة أو يركبون فرسان مركبة. وفي وسط هذه العظمة الفائقة يقف عبد خلفه ممسكًا بحجاب وذلك حتى لا ينتفخ القائد ويتعجرف.

يقود الموكب فرق موسيقية تعزف للقائد أناشيد النصرة، خلفها مجموعة من الشباب يحملون ذبائح لتقديمها للآلهة، وقد طلوا قرون الذبائح بالذهب، وزينوا رؤوسها بأشرطة جميلة وأكاليل.

يلي ذلك مركبات تحمل الغنائم التي استولى عليها الجيش من العدو وفرسانهم ومركباتهم الخ. يتبع ذلك الملوك والأمراء والقادة الذين أسروا في المعركة وقد ربطوا بسلاسل حديدية.

بعد هذا كله تظهر مركبة القائد المنتصر حيث يلقي عليه الشعب الورود، ويصرخون بتهليلات النصرة.

يلي ذلك موكب الأشراف المتهللون بنصرة جيشهم وقائدهم.

يُختم الموكب بالكهنة ومساعديهم الذين يقدمون ثورًا أبيض كأعظم ذبيحة مع ذبائح أخرى. أثناء هذا الموكب تُفتح المعابد ويُقدم بخور وذبائح على المذابح.

كان أهل كورنثوس يعرفون كل هذا، لكنهم منذ قرنين سقطت مقاطعة أخائية، ودُمرت كورنثوس بواسطة القنصل الروماني Lucius Mummius.

شتان ما بين موكب النصرة الذي كان القائد الروماني يحلم به وبين موكب النصرة الذي يعيشه الرسول بولس حيث يسقط إبليس في الأسر، ويتمجد الرسول بولس مع كل العاملين معه، وكل الشعب، وتفوح رائحة بخور سمائية، هي رائحة المسيح الذكية.

المؤمن الحقيقي إذ يختفي في الصليب يشعر دومًا بنصرته في المسيح يسوع وتحت قيادته على كل قوات الظلمة: على شهوات الجسد الشريرة والخطية واغراءات العالم الشرير وابليس وكل قواته. وكما يقول القديس أغسطينوس [لقد غلب العالم كله كما نرى أيها الأحباء... لقد قهر لا بقوة عسكرية بل بجهالة الصليب... لقد رُفع جسده على الصليب فخضعت له الأرواح].

- يعرف اللَّه سعيكم وإرادتكم الصالحة، وينتظر جهادكم، ويسند ضعفكم، ويكلل نصرتكم.

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 2 جـ4 PDF Print Email


السيد المسيح السماوي نزل إلينا لكي يصبر قائد نصرتنا الذي يعبر بنا إلى السماء، إذ هو وحده قادر أن يحملنا فيه ويفتح أبواب السماء أمامنا.

- لا تعجب أن العالم كله يخلص، فإنه ليس مجرد إنسان بل هو ابن اللَّه الوحيد، الذي مات عن العالم.

حقًا إنه بخطية واحد، أي آدم، ملك الموت على العالم، فإنه إن كان بمعصية واحد ملك على العالم، فكم بالأحرى تملك الحياة ببر واحد؟!

إن كانوا قد طردوا من الفردوس بسبب الشجرة التي أكلوا منها أليس من الأسهل أن يدخل المؤمنون الفردوس بسبب شجرة يسوع؟!

إن كان الإنسان الأول، الذي وجد من الأرض، جلب العالم للموت أليس بالأولى يجلب خالقه الحياة الأبدية إذ هو نفسه الحياة؟! إن كان فينحاس في غيرته رد غضب اللَّه بقتله فاعليّ الشر (عد6:25-12)، كم بالأحرى يسوع الذي لم يقتل آخر بل "أسلم نفسه فدية" ينزع غضب اللَّه عن الإنسان؟!

القديس كيرلس الأورشليمي

- تأملوا هذا التقدم العجيب! إنه يرسل ملائكة إلى البشر، ويقود الناس إلى السماويات. هوذا سماء تقام على الأرض لكي تلتزم السماء بقبول الأرضيين.

القديس يوحنا ذهبي الفم

"لأننا رائحة المسيح الذكية للَّه، في الذين يخلصون، وفي الذين يهلكون" [15].

- لماذا تسكبين عطورًا بسخاء على جسدٍ دنسٍ في الداخل يا امرأة؟ لماذا تنفقين على ما هو عاصٍ، كمن يبدد العطور على قاذورات أو من يقطر سمًا على قرميد (طوب). يوجد - إن أردتِ - دهنًا ثمينًا وعطور بها تطيبين نفسك، ليست من العربية ولا من أثيوبيا ولا من فارس بل من السماء عينها، تُشترى لا بذهبٍ بل بإرادةٍ فاضلةٍ، وبإيمانٍ غير مزيفٍ. اشترِ هذا العطر، الذي رائحته يمكن أن تملأ العالم. هذا اشتمه الرسل "لأننا رائحة المسيح الذكية... رائحة موت للبعض، وللآخرين رائحة حياة". ماذا يعني هذا؟ يُقال أن الخنزير تختنق من رائحة العطور. لكن هذا العطر الروحي يخرج ليس فقط من الأجسام بل وحتى من ثياب الرسل، فقد كانت ثياب بولس مشَّربة به حتى كانت تُخرج شياطين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إذ توجد علاقة بين ناردين الإنجيل وعطر العروس (نش 4 : 10)، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هذا الناردين الأصيل الغالي الثمن الذي سُكب على رأس السيد (يو 3:12)، وهكذا فاحت رائحته الذكية، وملأت المنزل كله. وبالمثل فإن هذا العطر لا يختلف عن عطر العروس الذي أفاح رائحة العريس.

جاء في الإنجيل أنَّ سَكبْ الطيب على رأس ربنا قد فاح رائحة ذكية في أرجاء المنزل حيث أقيمت المأدبة، وكأن المرأة ساكبة الطيب قد تنبأت بسرّ موت المسيح. وقد شهد الرب لعملها هذا قائلاً: "إنما فعلت ذلك لأجل تكفيني" (مت 12:26).

المنزل الذي امتلأ بهذه الرائحة يمثل الكون بأكمله، العالم كله: "حيثما يُكرز بهذا الإنجيل في كل العالم" تنتشر رائحة عملها هذا مع الكرازة بالإنجيل، ويصير الإنجيل "تذكارًا لها"، إذًا الناردين في نص نشيد الأناشيد يفيح رائحة العريس لعروسه (نش 1 : 12)، وفي الإنجيل أيضًا تصير رائحة المسيح الذكية التي ملأت كل المنزل كطيبٍ يطَّيب كل جسد الكنيسة في كل المسكونة والعالم أجمع.

- حين تقول العروس لأصدقاء عريسها: "أفاح نارديني رائحته" (نش 1 : 12) تأخذ (النفس) من كل زهرة من مختلف مروج الفضيلة، وتصير حياة الإنسان عطرة خلال رائحة سلوكه الذكية، وهكذا يصير كاملاً إلى حدٍ ما. مثل هذا الشخص لن يكون من طبيعته أن ينظر بثبات على كلمة اللَّه كما على الشمس، لكنه بالأحرى يراها بداخله كما في مرآة. لأن شعاع هذه الفضيلة الحقة المقدسة يشع في الحياة الطاهرة بافراز، ويجعل الغير منظور منظورًا لنا، والغير مدرك مدركًا، بتصوير الشمس في مرآة نفوسنا.

عندما نتفهم النص نجد أنه لا فرق بين أن نتحدث عن أشعة الشمس، وتدفق الفضيلة أو رائحة العطور الذكية. أيًا كان التعبير الذي نختاره، فهناك فكرة عامة واحدة للكل، أَلاَ وهى أننا نكتسب معرفة الصلاح من الفضيلة، ذلك الصلاح الذي يتجاوز كل فهمً، تمامًا مثلما نستدل على جمال أي نموذج من صورته.

هكذا تشبَّه بولس العروس بالعريس في فضائله، وصور بعطره الجمال الذي لا يُدنى منه، وذلك من ثمار الروح: الحب، الفرح، السلام وما شابه ذلك. صنع عطره، واستحق أن يصير "رائحة المسيح الذكية" (2 كو 15:2). لقد استنشق القديس بولس هذه النعمة غير المدركة التي تجاوزت كل نعمة، وأعطى نفسه لآخرين كرائحة ذكية ليأخذوا منها على قدر طاقتهم، حسب تدبير كل إنسان. صار بولس الرسول عطرًا إما لحياةٍ أو موتٍ، فإنه إذا ما وضعنا العطر ذاته أمام خنفس وأمام حمامة، فلن يكون له تأثير مماثل على الاثنين: فبينما تصير الحمامة أكثر قوة حين تستنشقه إذا بالخنفس يموت.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

إذ يعيش الرسول في سلسلة لا تنقطع من مواكب النصرة يشتم الآب فيه وفي الكنيسة كلها رائحة المسيح الذكية، حيث يرى فيهم أن إرادته الإلهية قد تحققت.

"لهؤلاء رائحة موت لموت، ولأولئك رائحة حياة لحياة، ومن هو كفوء لهذه الأمور؟" [16]

كانت مواكب النصرة تحمل فريقين، فريق غاية في الفرح والتهليل وعلى رأسهم القائد الغالب وجنوده، وفريق غاية في البؤس والمرارة وهم الملوك المأسورون وأبناؤهم وقادتهم، هؤلاء الذين أظهروا ثورةً وعصيانًا.

وفي موكب النصرة المستمر يتهلل المؤمنون الغالبون حاملين رائحة الحياة، بينما ينهار غير المؤمنين المصممون على العصيان والتمرد في عدم إيمان.

يهب المسيح، شمس البرّ، حياةً ونموًا للأشجار المغروسة في كرمه، المرتوية بمياه الروح، ويجفف تلك التي قُطعت وألقيت على سطح الأرض ولا تتمتع بينابيع المياه الحية.

بقوله: "ومن هو كفوء لهذه الأمور" يعني من هو مستحق أن يقوم بهذا العمل العظيم الذي له أثره الفائق: حياة أو موت؟ إنه عمل إلهي فائق ليس في قدرة إنسان ما أن يحققه أو يقاومه. إنه عمل اللَّه نفسه، لن يستطيع الرسل الكذبة مقاومته.

سبق فأدرك إشعياء هذا العمل الإلهي فقال: "أتمجد في عيني الرب، وإلهي يصير قوتي" (إش ٥:٤٩). هكذا يتمتع المؤمن بالمجد لا في أعين الناس والملائكة فحسب، بل وفي عيني الرب نفسه، ويحمل المؤمن في داخله الرب إلهه قوته.

- لمن إذن "رائحة موت لموتٍ" إلا للذين لا يؤمنون، والذين لا يخضعون لكلمة (لوغوس) اللَّه؟... مرة أخرى، من هم أولئك الذين يخلصون وينالون الميراث؟ بلا شك إنهم الذين يؤمنون باللَّه ويستمرون في محبته كما فعل كالب بن يفنة ويشوع بن نون (عد ٣٠:١٤) والأطفال الأبرياء (يونان ١١:٤) الذين ليس لهم احساس بالشر. لكن من هم اولئك الذين يخلصون الآن، ويتمتعون بالحياة الأبدية؟ أليس الذين يحبون اللَّه، ويؤمنون بوعوده، ويصيرون أطفالاً في الخبث (١ كو ٢٠:١٤)؟

القديس إيريناؤس

- ضعْ مذبح بخور في أعماق قلبك. كنْ رائحة المسيح الذكية.

العلامة أوريجينوس

- تصدر رائحة معرفة اللَّه عن المسيح وبه. يقول بولس: "رائحة"، لأن بعض الأشياء تُعرف برائحتها حتى إن كانت غير منظورة. اللَّه غير المنظور يود أن يُدرك بالمسيح. الكرازة بالمسيح تبلغ آذاننا كما تبلغ الرائحة أُنوفنا، فتجلب اللَّه وابنه الوحيد إلى أعماق خليقته. من ينطق بالحق عن المسيح يصير مجرد رائحة صادرة عن اللَّه، يتأهل للمديح ممن يؤمنون به. أما الذي يقدم تأكيدات خاطئة عن المسيح فله رائحة سيئة لدى المؤمنين وغير المؤمنين على السواء.

أمبروسياستر

- "من هو كفوء لهذه الأمور؟" إذ يرى أنه نطق بهذه الأمور العظيمة عاد ينطق بتواضعٍ، مشيرًا إلى أن كل شيء هو من اللَّه. فإن كل شيء هو من المسيح وليس شيء من ذواتنا... فإن كان لا يوجد أحد كفوء، فإن ما يُفعل هو من النعمة.

- "كما من اللَّه" بمعنى أننا لسنا نقول أننا نهبكم شيئًا من ذواتنا، وإنما من اللَّه الذي يعطي الكل. بقوله "من اللَّه" تعني أننا لسنا نتمجد في شيء كأننا نفعل أمرًا من ذواتنا، بل ننسب كل شيء للَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 2 جـ5 PDF Print Email
يدعو الرسول بولس معرفة اللَّه رائحة، تُشتم أكثر منها تُرى.

-  سواء خلص الإنسان أم هلك فإن الإنجيل يبقى في قوته. النور حتى وإن أعمى أحدًا فهو نور. والعسل وإن كان مرًا بالنسبة للمرضى لا يزال حلوًا. هكذا الإنجيل له رائحة ذكية للكل حتى إن هلك الذين لم يؤمنوا به.

- إن ضاع إنسان لا يلوم إلا نفسه. فالطيب الملطف يُقال أنه يخنق الخنازير. النور يعمى الضعفاء. ففي طبيعة الأمور الصالحة ليس فقط أن تُصلح من يلتصق بها، بل وتحطم المقاوم لها، هكذا تعمل قوتها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الآن يُدعى الناموس "خدمة الموت" لليهود الذين كُتب لهم على حجر كرمز لقسوة قلوبهم. لكنه لا ينطبق هذا على الذين ينفذون الناموس بالحب، لأن المحبة تكمل الناموس.

- كل محنة إما هي عقاب للأشرار أو اختبار للأبرار... هكذا السلام والهدوء في أوقات المشاحنات يمكن أن ينتفع بهما الصالحون بينما يفسد الأشرار.

القديس أغسطينوس

- هكذا سلك بولس الرسول في فضائل العريس، وأخذ نموذجًا لحياته من الجمال الأبدي، وأصبح له رائحة الناردين من مجموعة الفضائل التي يمارسها الذهن: "محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف" (غل 22:5). ثم قال بعد ذلك أنه "رائحة المسيح الذكية" [15]. وهو بذلك يستنشق رائحة ذاك الذي لا يمكن إدراكه، ويأخذ النعمة الفائقة، ويقدم نفسه للآخرين كرائحة بخورٍ، ويصير رائحة حياة للبعض، ورائحة موت لآخرين، حسب سعي كل منهم للخلاص.

- الروح القدس هو الذي يملأ حياتنا برائحة القداسة، والبخور هو الفضائل المختلفة التي يشتمها العريس كرائحة طيب أفضل من الأطياب الأخرى.

- لا تدع أي شخص شهواني أو جسداني تنبعث منه رائحة الإنسان العتيق الكريهة (2 كو 16:2) أن يقلل من أهمية الأفكار والكلمات المقدسة، ويستبدلها بأخرى شهوانية حيوانية، بل بالأحرى ليخرج كل إنسان من الأنا، ويعتزل العالم المادي. ليصعد إلى الفردوس خلال قطع رباطات العالم، إذ صار مثل اللَّه خلال النقاوة. ثم نقول ليدخل كل منا إلى قدس أقداس الأسرار المعلنة في هذا الكتاب (سفر نشيد الأناشيد).

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- بالنسبة لغير المؤمنين الكرازة بالصليب هي رائحة موت. عند سماعهم كلمة اللَّه يتقبلونها كأنها وباء خلاله يقرع الموت على الباب. وأما لآخرين فهي رائحة حياة. فبالنسبة للمؤمنين كلمة اللَّه هي رسول الحياة الأبدية، تعمل معهم حسب إيمانهم.

أمبروسياستر

"لأننا لسنا كالكثيرين غاشين كلمة اللَّه، لكن كما من إخلاص، بل كما من اللَّه، نتكلم أمام اللَّه في المسيح" [17].

إذ يشهد له ضميره عن إخلاصه وبساطته لا يخلط مفاهيم المسيح وتعاليمه بمفاهيمه الخاصة وتعاليمه. بولس الرسول بذاته غير كفوء لهذا العمل لكنه خلال إخلاصه يعمل اللَّه به ويتمم رسالة المصالحة في المسيح يسوع.

إنه لن يسمع ذلك القول الموجه للرسل والأنبياء الكذبة: "صارت فضتك زغلاً، وخمرك مغشوشة بماء" (إش ٢٢:١). وجاءت الترجمة السبعينية "تاجر خمورك يمزج خمرك بماء"، حيث كان الأنبياء الكذبة والكهنة الأشرار يفسدون كلمة اللَّه بأفكارهم الذاتية الخاصة.

أكد الرسول أنه مرسل من اللَّه، وينطق بما يتحدث به معه مباشرة كسفيرٍ له، وأنه يتحدث أمامه وفي حضرته. إنه يطلب تحقيق رسالة المسيح: "تصالحوا مع اللَّه" (٢ كو ٢٠:٥).

- يتكلم بولس في المسيح، ليس بحكمته الذاتية، بل بالقوة الصادرة عنه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

من وحي 2 كو 2

فرِّح قلوبنا معًا فيك!

- نزلت إلينا يا مصدر الفرح والتطويب الحق.

شاركتنا آلامنا لنشاركك بهجتك الفريدة.

تئن مع أنّاتنا، وتتهلل بأفراحنا.

هب لنا هذه الشركة معًا.

- لأفرح حين يفرح الكل بك.

ولتتحول بهجة خلاصي بهجة لكل المحيطين بي.

لأتغنّى مع بولس الطوباوي:

فرحي هو فرح جميعكم.

- أقمتني من سقوطي،

ووهبتني القيامة من الموت.

كيف لا أفرح بقيام الساقطين؟

كيف لا يتسع قلبي للتائبين؟

لا تعود تذكر خطاياي،

فكيف أذكر خطايا اخوتي؟

- لست أتحدث عن أشخاصٍ معينين.

افتح لي بابًا للشهادة لعملك الخلاصي أمام الكثيرين.

متى أرى كل البشرية تنعم ببهجة خلاصك؟

1 و لكني جزمت بهذا في نفسي ان لا اتي اليكم ايضا في حزن
2 لانه ان كنت احزنكم انا فمن هو الذي يفرحني الا الذي احزنته
3 و كتبت لكم هذا عينه حتى اذا جئت لا يكون لي حزن من الذين كان يجب ان افرح بهم واثقا بجميعكم ان فرحي هو فرح جميعكم
4 لاني من حزن كثير و كابة قلب كتبت اليكم بدموع كثيرة لا لكي تحزنوا بل لكي تعرفوا المحبة التي عندي و لا سيما من نحوكم
5 و لكن ان كان احد قد احزن فانه لم يحزني بل احزن جميعكم بعض الحزن لكي لا اثقل
6 مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذي من الاكثرين
7 حتى تكونوا بالعكس تسامحونه بالحري و تعزونه لئلا يبتلع مثل هذا من الحزن المفرط
8 لذلك اطلب ان تمكنوا له المحبة
9 لاني لهذا كتبت لكي اعرف تزكيتكم هل انتم طائعون في كل شيء
10 و الذي تسامحونه بشيء فانا ايضا لاني انا ما سامحت به ان كنت قد سامحت بشيء فمن اجلكم بحضرة المسيح
11 لئلا يطمع فينا الشيطان لاننا لا نجهل افكاره
12 و لكن لما جئت الى ترواس لاجل انجيل المسيح و انفتح لي باب في الرب
13 لم تكن لي راحة في روحي لاني لم اجد تيطس اخي لكن ودعتهم فخرجت الى مكدونية
14 و لكن شكرا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين و يظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان
15 لاننا رائحة المسيح الذكية لله في الذين يخلصون و في الذين يهلكون
16 لهؤلاء رائحة موت لموت و لاولئك رائحة حياة لحياة و من هو كفوء لهذه الامور
17 لاننا لسنا كالكثيرين غاشين كلمة الله لكن كما من اخلاص بل كما من الله نتكلم امام الله في المسيح


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

خدمة العهد الجديد

تحدث الرسول بولس في الإصحاح السابق عن الحب المتبادل بين الراعي والرعية وبين الرعية وبعضها البعض، وقد طلب منهم إن يمَّكنوا للخاطئ التائب المحبة الصادقة العملية. الآن يكشف الرسول عن خدمة العهد كخدمة روح تهب الحياة، لا خدمة الحرف القاتل، مقدمًا مقارنة بين إنجيل العهد الجديد وحرفية الناموس، دون الإساءة إلى الناموس ذاته. اظهر أيضًا ما لهذه الخدمة من مجدٍ لا يُقارن بمجد العهد القديم، وطلب منهم إن يرفعوا البرقع الذي لم يعد له حاجة، حتى يدركوا أعماق مجدها.

١. بين الإنجيل والناموس ١-٥.

٢. خدمة مجيدة ٦-١١.

٣. خدمة بلا برقع ١٢-١٧.

١. بين الإنجيل والناموس

"أفنبتدئ نمدحُ أنفسنا، أم لعلنا نحتاج كقوم رسائل توصية إليكم، أو رسائل توصية منكم" [1].

يعلن لهم الرسول بولس أنه ليس في حاجة إلى توصية شفهية أو كتابية إليهم من كنائس أخرى، أو منهم إلى كنائس أخرى. فإن خدمته هي خدمة العهد الجديد العظيمة والمكرمة، فلا يحتاج إلى مديح من إنسان ليهب كرامةً أو مجدًا. خدمته إلهية وتذكيته من قبل اللَّه نفسه الذي دعاه لهذه الخدمة. إنه لن يتشك في دعوة اللَّه له، وفي إخلاصه للخدمة، ونصرته بالمسيح يسوع، ومعية اللَّه له.

يقول القديس ديديموس الضرير أن الرسول بولس يُظهر برقّةٍ دهشته أن الكورنثيين كانوا لا يزالوا لا يدركون ما وراء استخدامه السلطان الرسولي. فإنه لا يتحدث هنا للافتخار، وإنما لكي لا يخدعهم أحد.

"أنتم رسالتنا، مكتوبة في قلوبنا، معروفة ومقروءة من جميع الناس" [2].

هم الرسالة التي لم يقرأها بفمه، ولا يبعث بها إلى الكنائس الأخرى، إنما يقرأها بقلبه، فتتهلل أعماقه الداخلية من أجل غنى نعمة اللَّه العاملة فيهم. ليس من يبهج قلب الخادم أكثر من أن يقرأ عمل اللَّه في حياة مخدوميه. فيهم يتعرف على ما بلغه من نجاح بالنعمة الإلهية.

إنهم في قلب بولس الرسول حيث شعلة نيران الحب المتقدة، لا يحتاج إلى من يذكره بهم، كأنهم موضوع محبته الفائقة. أينما ذهب يقرأ الحاضرون ما حمله لهم من حبٍ، دائم الحديث عنهم أو عن عمل اللَّه معهم خلاله.

- كان خلاص الكورنثيين في قلب بولس وقلوب من معه، فهو دائم التفكير في هذا.

أمبروسياستر

يقارن القديس يوحنا الذهبي الفم بين رسالة القديس بولس الرسول ورسالة العظيم بين الملائكة رئيس الملائكة ميخائيل، فيقول:

- كانت رسالة ميخائيل (رئيس الملائكة) هي الاهتمام بشعب اليهود (دا 1:12)، أما مهمة بولس الرسول فكانت للأرض والبحار، المسكونة منها وغير المسكونة، هذا لا يعنى التقليل من رسالة الملائكة! حاشا! [لكنني اوضٌح أن الإنسان يمكنه التمتع بشركة الملائكة، بل يصير في نفس الرتبة والمكانة].

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ظاهرين أنكم رسالة المسيح مخدومة منّا، مكتوبة لا بحبر، بل بروح اللَّه الحي، لا في ألواح حجرية، بل في ألواح قلب لحمية" [3].

كأنه يقول ما حاجتي إلى رسائل توصية وأنتم أنفسكم بحياتكم الجديدة رسالة توصية، منقوشة لا بحبر على ورق، لكنها بالروح في قلوبنا، تشهدون لعملي أمام ضميري كما أمام الناس. حياتكم هي خير خطاب مفتوح دومًا ومقروء.

إنهم رسالة المسيح، أما بولس وغيره من الرسل والخدام فمجرد خدام لهم، آلات يعمل بالسيد المسيح فيهم، مصدر كل صلاح فيهم.

في العهد القديم قدم لهم اللَّه الوصايا على الواح حجرية (خر 31: 18؛ تث 9: 10)، الآن حلّ عهد النعمة، ونزع عنهم الطبيعة الحجرية، وسجل شريعته بروحه القدوس على الواح القلب اللحمية. وكما سبق فوعد في حزقيال: "أعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحًا جديدة في داخلكم، وأنزع قلب الحجر من لحمكم، وأعطيكم قلب لحمٍ، وأجعل روحي في داخلكم". (حز ٣٦: ٢٦-٢٧) هكذا يقيم اللَّه من قلب المؤمن ما هو أشبه بتابوت العهد الذي يضم بداخله لوحي الشريعة والإنجيل مكتوبين بإصبع اللَّه، أي بروحه القدوس.

يرى الرسول في نفسه أشبه بالحبر الذي به يُسجل إصبع اللَّه، أي الروح القدس، إنجيله في داخل قلوب الملايين.

هكذا إذ يتحدث الرسول بولس عن خدمته في وسطهم يعلن مجدها العجيب كالآتي:

أولاً: إنهم رسالته (2) التي سجلها الرسول بولس بغنى نعمة اللَّه فيه مع جهادٍ وميتاتٍ كثيرة.

ثانيًا: إنهم رسالة المسيح، إذ صاروا إنجيلاً عمليًا مقروءً من الجميع.

ثالثًا: يسجل روح اللَّه الحيّ إنجيل المسيح في قلوبهم.

رابعًا: تحولت قلوبهم إلى تابوت عهد جديد يحوي إنجيل النعمة.

خامسًا: صار الرسول أشبه بالحبر الذي يكتب به الروح في قلوبهم.

سادسًا: إنجيل المسيح مُسجل في قلوبهم حيث عواطفهم ومشاعرهم ونياتهم وأفكارهم ممتصة بالكامل لحساب ملكوت اللَّه.

- نقرأ أن الشريعة كتبت بإصبع اللَّه، وأعطيت خلال موسى، خادمه المقدس. يرى الكثيرون إصبع اللَّه أنه الروح القدس.

القديس أغسطينوس

"ولكن لنا ثقة مثل هذه بالمسيح لدى اللَّه" [4].

لدى الرسول بولس كمال اليقين بأن اللَّه قد قبل خدمته، وعلامة القبول هي قبول الأمم للإيمان بتمتعهم بعمل المسيح الخلاصي. هذا دليل صدق خدمته ونجاحها.

"ليس أننا كفاة من أنفسنا، إن نفتكر شيئًا كأنه من أنفسنا، بل كفايتنا من اللَّه" [5].

هذا اليقين في قبول الخدمة لدى اللَّه وإثمارها في حياة الأمم، خاصة أهل كورنثوس، لم يدفع الرسول إلى العجرفة ولا ينسب لنفسه إمكانية إنارة الذهن أو تجديد القلب، إنما يدرك أنه أداة في يد اللَّه. فاللَّه وحده هو الذي يهب الإرادة المقدسة والفكر النقي والعواطف الطاهرة والأحاسيس المباركة. هو مصدر كل قوة وبركة ونعمة.

- أن يكون لنا السلطان أن نكون أبناء اللَّه (يو12:1) هذا لا يقوم على قوة بشرية، بل على قوة اللَّه. يتقبلونه من اللَّه الذي يوحي في القلب البشري بالأفكار المقدسة، خلالها نهتم "بالإيمان العامل بالمحبة" (غلا 6:5)... فإنه "ليس أننا كفاة من أنفسنا بل كفايتنا من اللَّه"، الذي في سلطانه قلوبنا وأفكارنا.

القديس أغسطينوس

"الذي جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهدٍ جديدٍ، لا الحرف بل الروح، لأن الحرف يقتل، ولكن الروح يحيي" [6].

إذ حاول المعلمون الكذبة التسلل إلى الكنيسة في كورنثوس ركزوا على الالتزام بالتطبيق الحرفي للناموس الموسوي لمقاومة الرسول بولس المُتهم بكسره للناموس.

سبق أن سأل: "من هو كفوء لهذه الأمور؟" (٢ كو ١٦:٢)، وقد جاءت الإجابة هنا أن اللَّه جعله هو والعاملين معه كفاة أن يكونوا خدامًا لعهدٍ جديدٍ.

دعاه اللَّه لخدمة العهد الجديد، به يخدم بالروح لا بالحرف القاتل. هنا يقارن الرسول بين خدمة العهد القديم التي اتسمت بالحرف وخدمة العهد الجديد التي يلزم ممارستها بالروح. الخدمة الأولى إذ يغلب عليها الحرف قاتلة، لأنها لا تتعدى الكشف عما بلغ إليه الإنسان من فسادٍ، دون تقديم إمكانية البلوغ إلى عدم الفساد. ليس الناموس في ذاته قاتل، إنما هو مرآة تكشف عن الموت الذي حلّ بالخاطي بسبب عصيانه، أما خدمة العهد الجديد فتقدم العلاج.

لم يتحدث الرسول هنا كمن يضاد خدمة العهد القديم، إنما يحذر من الحرف حتى إن تمسك بها خدام العهد الجديد. فإن كان اليهود برفضهم الفهم الروحي للناموس لم يتمتعوا بخلاص المسيح هكذا أيضًا خدام العهد الجديد إن رفضوا الفهم الروحي للإنجيل يتعثرون.

- يلزمنا أن نسبَح مع الطوباوي داود قائلين: "قوتي وترنمي" ليس بإرادتي الحرة ذاتها. ولكن بواسطة "الرب وقد صار لي خلاصًا". لم يكن معلم الأمم جاهلاً بهذا عندما أعلن أنه قد صار كُفوء ليكون خادمًا للعهد الجديد، ليس بحسب استحقاقه وجهاده بل برحمة اللَّه، "ليس أننا كفاة من أنفسنا أن نفتكر شيئًا كأنهُ من أنفسنا، بل كفايتنا من اللَّه الذي جعلنا كفاةً لأن نكون خدام عهد جديد" (2 كو 5:3، 6).

الأب بفنوتيوس




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email
- الحرف يعني ما هو مادي، والروح ما هو عقلي، والذي ندعوه روحيًا.

- صرنا كفاة باللَّه خادم العهد الجديد، الذي يقود برهان الروح والقوة، حتى متى اتفق المؤمنون معه يصير إيمانهم لا بحكمة البشر بل بقوة اللَّه.

العلامة أوريجينوس

- بحق يقول بولس: "الحرف يقتل والروح يحيي". فالحرف يختن جزءً صغيرًا من الجسم، إما الروح المُدرك فيحفظ ختان النفس والجسد بالكامل، فتُحفظ الطهارة، ويُحب التدبير، وتُنزع الأجزاء غير الضرورية (إذ ليس شيء غير ضروري مثل رذيلة الطمع وخطايا الشهوة، هذه التي لا تنتمي للطبيعة، إنما جاءت ثمرة للخطية). الختان الجسداني هو رمز، ولكن الختان الروحي هو الحقيقة، الواحد يقطع عضوًا والثاني ينزع الخطية.

- يعطي الروح الحياة. لكن يجب أن تفهموا أن وهب الحياة الذي من عمل الآب والابن والروح القدس لا ينقسم، ولتتعلموا وحدة وهب الحياة خلال الروح، إذ يقول بولس: "الذي أقام يسوع المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم" (رو11:8).

القديس أمبروسيوس

- كان الناموس روحيًا لكنه لم يَمنح الروح. كان لدى موسى الحرف لا الروح، بينما أودع لدينا منح الروح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- كيف يُعطي الروح الحياة؟ بأن يتمم الحرف فلا يقتل.

- لتشتاقوا إلى المسيح، اعترفوا للمسيح، آمنوا بالمسيح، فإن الروح يُضاف إلى الحرف، فتخلصون. فإن نزعت الروح عن الحرف فإن "الحرف يقتل". وإذ قتل، فأين الرجاء؟ "لكن الروح يحيي".

- يا من تخافون الرب سبّحوه، لتعبدوه لا كعبيدٍ بل كأحرارٍ.

تعلموا أن تحبوا من تخافوه، فتستطيعون أن تُسبحوا من تحبونه.

خاف رجال العهد القديم اللَّه بسبب الحرف الذي يُرعب ويقتل ولم يكن لهم الروح الذي يحيي، فكانوا يجرون نحو الهيكل بالذبائح ويقدمون ضحايا دموية. كانوا يجهلون ما كان ظلاً خلالها، مع أنه كان رمزُا للدم القادم الذي به نخلص.

- يأمر اللَّه بالعفة، وهو الذي يهب العفة. يأمر بالناموس، ويعطي الروح، لأن الناموس بدون النعمة يجعل الخطية تزداد (رو20:5). والحرف بدون الروح يقتل. إنه يأمر لكي يعلمنا كيف نسأل عون النعمة حينما نحاول الطاعة لوصاياه وفي ضعفنا نسقط بقلقٍ تحت الناموس. وأيضًا لكي يجعلنا شاكرين له من أجل عونه لنا، إن كنّا نستطيع أن نحقق أي عمل صالح.

- إن نزعتم الروح كيف ينفع الناموس؟ تحدث مراوغة. لهذا يقول الكتاب: "الحرف يقتل". الناموس يأمر، وأنتم لا تطيعونه. توجد أمور ممنوعة، وأنتم تمارسونها. انظروا فإن الحرف يقتل.

- ليرتبط الروح بالناموس، فإنكم إذ تستلمون الناموس وليس لديكم عون الروح لا تتممون ما جاء في الناموس... ليكن لكم الروح، ليعينكم حتى تتممون ما تؤمرون به. متى كان الروح غائبًا يقتلكم الحرف... لا تستطيعون أن تعتذروا بحجة الجهل مادمتم قد تسلمتم الناموس. الآن، إذ تعلمتم ما يجب أن تفعلوه ليس لكم أن تعتذروا بالجهل... لكن لماذا يقول الرسول: "الحرف يقتل والروح يحيي"؟ كيف يعطي الروح الحياة؟ لأنه يجعل الحرف يتحقق فلا يقتل. المقدّسون هم الذين يحققون ناموس اللَّه حسب عطية اللَّه. يمكن للناموس أن يأمر، لكنه لا يقدر أن يعين. الروح يُضاف كمعينٍ، فتتم وصايا اللَّه بفرحٍ وبهجة. بلاشك كثيرون يلاحظون الناموس عن خوفٍ، ولكن الذين يحفظونه خشية العقوبة يفضلون لو أن الذي يخافونه غير موجودٍ. وعلى العكس، فإن الذين يحفظون الناموس بحبهم البرّ يفرحون ويحسبونه ليس غريبًا عنهم.

- بناموس الأعمال يقول لنا اللَّه: "اصنعوا ما آمركم به"، ولكن بناموس الإيمان نقول للَّه: "أعطنا ما أوصيت به".

القديس أغسطينوس

- لم يقل بولس "خدمة الناموس"، بل قال "خدمة الموت"، متحدثًا بالأحرى عن نتائجه لكي يقلل من جاذبيته.

ثيؤدور أسقف المصيصة

- يظهر بولس نتائج الخدمتين، فبينما في الأولى يركز على نتائجها وهو الموت والفصل عن اللَّه؛ يركز في الخدمة الثانية على الروح نفسه.

- خدم الناموس الموت لكنه لم يكن هو السبب. الذي سبب الموت هو الخطية، ولكن الناموس جلب العقوبة، وأظهر ما كانت عليه الخطية... لم يخدم الناموس لإيجاد الخطية أو الموت، وإنما لاحتمال العقوبة بواسطة الخاطي، حتى أنه بهذا صار أكثر تدميرًا بالخطية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ثم إن كانت خدمة الموت المنقوشة بأحرف في حجارة قد حصلت في مجد، حتى لم يقدر بنو إسرائيل إن ينظروا إلى وجه موسى لسبب مجد وجهه الزائل" [7].

يقصد بخدمة الموت هنا الناموس الذي ثبت عقوبة العصاة، وبه تعرفنا على الخطية فاشتهيناها. هذه الخدمة (الوصايا العشرة) قد سُجلت على ألواحٍ حجرية وهي خدمة مجيدة مملوءة سموًا. ففي استلام الشريعة دخن الجبل وظهرت بروق وحدثت رعود، وأشرق وجه موسى مستلم الشريعة. البهاء الصادر عن ملامح موسى النبي يكشف عن مجد الشريعة التي تسلمها.

- كان المجد الذي ظهر على وجه موسى رمزًًا للمجد الحقيقي، وكما لم يستطع اليهود أن ينظروا إلى وجه موسى، هكذا فإن المسيحيين يحصلون على مجد النور في داخل نفوسهم. أما الظلمة فتضمحل وتهرب، إذ لا تحتمل لمعان النور.

القديس مقاريوس الكبير

- الأمور التي وُعد بها هي أبدية، ولذلك قيل أنها مكتوبة بروح اللَّه، على خلاف الأمور الوقتية المكتوبة بحبرٍ، والتي تذبل وتفقد قوتها لتسجل أي شيء.

أمبروسياستر

- اللَّه هو الذي كتب ذاك الناموس، ولكن بولس وأصحابه هيأوهم لقبول الكتابة. وذلك كما أن موسى قطع الحجارة واللوحين (خر1:34-4) هكذا شكل بولس نفوسهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يظهر بولس أفضلية نعمة الروح عن الناموس، وسموّ كرازة الرسل عن تدبير الأنبياء.

سفيريان أسقف جبالة

- كتب اللَّه بهذا الإصبع على اللوحين الحجريين اللذين استلمهما موسى. فإن اللَّه لم يُشكّل الحروف التي نقرأها بإصبع جسدي؛ إنما بالروح أعطي الناموس...

فإن كانت رسالة الرسول كُتبت بالروح ماذا يقف في طريق التزامنا بالاعتقاد بأن ناموس اللَّه كُتب ليس بحبرٍ بل بروح اللَّه هذا الذي لا يُشين أسرار قلوبنا وأذهاننا بل ينيرهما؟

القديس أمبروسيوس

- كما أن القلم هو أداة للكتابة متى حركته يد شخصٍ مختبرٍ ليسجل ما يُكتب، هكذا أيضًا لسان البار عندما يحركه الروح القدس يكتب كلمات الحياة الأبدية في قلوب المؤمنين. يغمسه لا في حبرٍ، بل في "روح اللَّه الحيّ". لذلك فإن الكاتب هو الروح القدس، لأنه حكيم ومعلم قدير للكل. ويكتب الروح بسرعة لأن حركة عقله سريعة. يكتب الروح الأفكار فينا، "لا على ألواح حجرية بل على ألواح القلب اللحمية". يكتب الروح حسبما يناسب حجم القلب أكثر أو أقل، إما أمورًا واضحة للكل أو أكثر غموضًا، حسب نقاوة القلب السابقة. وبسبب سرعة الكتابة تنتهي الكتابة، يمتلئ العالم الآن بالإنجيل.

القديس باسيليوس الكبير

- هذه هي نواميس العقل، كلمات تهب وحيًا، مكتوبة بإصبع الرب، ليست على ألواح حجرية بل منحوتة في قلوب البشر. إنها تسند فقط الذين قلوبهم لم تلتصق بالفساد. لذلك فإن ألواح القلب القاسي تنكسر، وإيمان الأصاغر يتشكل في أذهانٍ حسّاسة.

كِلا الناموسين خدما الكلمة كوسيلة لتعليم البشرية، واحد خلال موسى، والآخر خلال الرسل.

القديس إكليمنضس السكندري

- ربما يكون رب البيت هو يسوع نفسه الذي يُخرج من كنزه، حسب وقت تعليمه، أشياء جديدة روحية، تتجدد دائمًا بواسطته في الإنسان الداخلي للأبرار، هؤلاء الذين يتجددون يومًا فيومًا (٢ كو ١٦:٤). وأيضًا يخرج عتقاء منقوشة على حجارة، في القلوب الحجرية للإنسان العتيق، حتى أنه بمقارنة الحرف باستعراض الروح يغني الكاتب الذي يصير تلميذًا لملكوت السماء، ويجعله على شبهه حتى يصير التلميذ كمعلمه. يتمثل أولاً بمن يتمثل بالمسيح، ثم يتمثل بالمسيح نفسه، وذلك كما قال بولس: "تمثلوا بي كما أنا أيضًا بالمسيح" (١ كو ٢:١١).

- إذ يُفهم أمران بخصوص الناموس، خدمة الموت المنقوشة في حروف، والتي ليس لها علاقة بالروح. وأيضًا خدمة الحياة التي تُفهم في الناموس بالروح، هؤلاء القادرون بقلبٍ مخلصٍ أن يقولوا: "نحن نعلم أن الناموس روحي" (رو ١٤:٧). ولهذا فإن الناموس مقدس، والوصية مقدسة وبارة وصالحة" (رو ١٢:٧)، وهي الغرس الذي غرسه الآب السماوي.

العلامة أوريجينوس

"فكيف لا تكون بالأولى خدمة الروح في مجد؟" [8]

"لأنه إن كانت خدمة الدينونة مجدًا، فبالأولى كثيرًا تزيد خدمة البرّ في مجد" [9]

يقصد بخدمة الدينونة الناموس الذي يتحقق من الخطية ويدينها، بينما يقصد بخدمة البرّ إنجيل العهد الجديد الذي يبرر من يؤمن بالرب يسوع البار، فيحمل المؤمن برِّ المسيح.

عظيم هو الناموس ومجيد ومهوب للغاية، وذلك لمقاومته للخطية ومناهضة مملكة الظلمة، فكم بالأكثر الإنجيل الذي يهب البرّ، ويقيم فينا مملكة النور. ما يبغيه الناموس ويعجز عن تحقيقه يقدمه لنا الإنجيل بفيضٍ؛ قدم الناموس ظلاً للحق وجلب الإنجيل الحق ذاته.

- يدين الناموس الخطاة، وأما النعمة فتتقبلهم وتبررهم بالإيمان. إنها تقودهم إلى المعمودية المقدسة وتهبهم غفران الخطايا.

ثيؤدورت أسقف قورش

- وصايا موسى هي "خدمة الدينونة"، أما النعمة بالمخلص فيدعوها "خدمة البرّ" التي فاقت في المجدٍ...

الناموس الذي يدين أُعطي بموسى، وأما النعمة التي تبرر، فقد صارت بواسطة الابن الوحيد. فكيف لا يكون المسيح فائق المجد وبما لا يمكن مقارنته؟

القديس كيرلس الكبير


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 3 جـ3 PDF Print Email

- لقد فسر بأكثر وضوح ما هو معنى "الحرف يقتل" قائلاً هكذا... اظهر الناموس الخطية، لكنه لم يسببها. "بالأولى كثيرًا تزيد خدمة البرّ في مجدٍ"، لأن هذين اللوحين بالحق أظهرا الخطاة وقاما بمعاقبتهم؛ أما هذه الخدمة فليس فقط لم تعاقب الخطاة بل جعلتهم أبرارًا، فإن هذا ما ينعم به العماد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بفضل مجد الروح الذي أشرق على وجه موسى والذي لم يستطع إنسان ما أن يحتمل التطلع إليه ظهر بهذه العلامة كيف تتمجد الأجساد بقيامة الأبرار. هذا المجد عينه سيحسب النفوس الأمينة أهلاً لنوال الأمجاد في الإنسان الداخلي، إذ نتأمل في مجد الرب بوجه مكشوف، أي في ذات الإنسان الداخلي، يتجلى من مجدٍ إلى مجدٍ حسب ذات الصورة.

الأب غريغوريوس بالاماس

- يقول بولس هذا لأنه لا يوجد مجد أعظم من الخلاص من الموت.

على أي الأحوال بعدلٍ يحكم القاضي على المذنب ويدينه، لكنه يستحق كرامة أعظم إن أظهر الرحمة، إذ يُعطى للمذنب فرصة لتصحيح طرقه.

أمبروسياستر

- نحتاج أولاً إلى المجد الذي سيزول، وذلك من أجل المجد الفائق. وذلك كما نحتاج إلى المعرفة الجزئية التي تزول عندما تحل المعرفة الكاملة.

العلامة أوريجينوس

"فإن الممجد أيضًا لم يمجد من هذا القبيل لسبب المجد الفائق" [10].

اختفى مجد الناموس الممجد إلى حين أمام عظمة بهاء مجد الإنجيل الفائق. قدم البرّ والقداسة والصلاح والرحمة، وأعلن عن عظمة وغنى نعمة اللَّه الفائقة.

- لم يكن ناموس موسى أكثر مجدًا من أجل البهاء الذي على وجهه (خر 29:34-35). هذا البهاء لا يفيد أحدًا وليست له مكافأة مجد. إنه بالحق أعاقه ليس خلال خطأ فيه بل خلال خطأ الخطاة.

أمبروسياستر

- لم يحط بولس من قدر العهد القديم بل مدحه بطريقة سامية، حيث أن المقارنة بين اثنين في الأساس متشابهين في النوع.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- نور السراج يشرق ببهاء في ظلمة الليل، أما في الظهيرة فبالكاد يُرى بل ولا يُظن أنه نور.

ثيؤدورت أسقف قورش

"لأنه إن كان الزائل في مجد فبالأولى كثيرًا يكون الدائم في مجد" [11].

يقدم لنا مقارنة بين الناموس والإنجيل، الأول مؤقت ينتهي بحلول الثاني. أما الأخير فيتعدى الزمن ويدخل بنا إلى الأبدية. بهاء وجه موسى زال بموته، أما بهاء مجد المسيح فإلهي ذاتي قائم إلى الأبد.

يقول أمبروسياستر: [لم ينكر بولس ما في الناموس من إشراق، كذلك اشراق وجه موسى (خر 29: 34-35)، لكن هذا الإشراق لم يستمر، لأنه كان رمزًا لا حقيقة. الاختلاف بين وجه موسى ومجد المسيح كاختلاف الصورة عن الشخص الذي له الصورة .]

٣. خدمة بلا برقع

يليق بخدام الإنجيل إلا يضعوا برقعًا على وجوههم كما فعل موسى النبي بل يكشفوا الحق الإنجيلي في كمال بهائه، فإن التدبير الإنجيلي واضح ومُقدم للجميع بروح البساطة، لا في رموزٍ ولا في ظلالٍ، بل في النور الإلهي الذي جاء إلى العالم ليراه الكل.

"فإذ لنا رجاء مثل هذا نستعمل مجاهرة كثيرة" [12].

فتحت بركات الإنجيل أمامنا باب الرجاء، وقدمت لنا يقينًا بأن الوعود الإلهية قد تحققت، وصار لنا إن ننالها، فهي للجميع. ويبقى اللَّه عاملاً وسيعمل على الدوام لحساب الكل.

مع الثقة واليقين بسمة الإنجيل بالوضوح وعدم الغموض، إذ لا يخفي عن المؤمن شيئًا. يليق بخدام العهد الجديد إن ينطقوا بالحق الإنجيلي في بساطة ووضوح حتى يمكن للكل إن يتمتعوا به.

- يقول بولس الرسول أن لنا رجاء في رؤية المجد، لا من النوع الذي على وجه موسى، بل الذي رآه التلاميذ الثلاثة على الجبل حينما أعلن الرب عن نفسه (مت 1:17-2؛ مر2:9-3). لهذا يليق بنا أن نتجاوب مع حب اللَّه قدر ما نستطيع بأن نكون حارين في حبنا له، ذاك الذي إذ يطهرنا من خطايانا يهبنا هذه الثفة. الآن يلزم أن تزيد ثقتنا، لأن ما نراه أخيرًا سيكون متناسبًا مع ما نؤمن به الآن.

أمبروسياستر

- أي رجاء لنا؟ الرجاء بأن نعمة الروح لن تبطل مثل الناموس، بل تبقى حتى بعد القيامة.

سفيريان أسقف جبالة

"وليس كما كان موسى يضع برقعًا على وجهه، لكي لا ينظر بنو إسرائيل إلى نهاية الزائل" [13].

لم يتأهل شعب بني إسرائيل إن يتطلعوا إلى بهاء وجه موسى، وهو مجد مؤقت وزائل. وقد سمح اللَّه لهم بذلك حتى يطلبوا ما هو أعظم: المجد الأبدي غير الزائل.

- يقول بولس بأنه لا حاجة لنا أن نغطي أنفسنا كما فعل موسى (خر33:34)، إذ نحن قادرون أن نرى المجد الذي يحيط بنا حتى وإن كان أكثر بهاءً من الأول.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لماذا يقول هذا؟ لأن من يقطن في المعنى الحرفي المجرد، ويشغل نفسه بحفظ الناموس، يكون كما لو أن قلبه قد تغلف بقبول الحرف اليهودي مثل برقع موضوع عليه. هذا يحدث له بسبب جهله بأن الحفظ الجسدي للناموس قد بطل بحضور المسيح، وذلك من أجل أن الرموز تتحول إلى حقائق للمستقبل...

ذاك الذي له القوة أن يتطلع إلى أعماق معنى الناموس، وبعد ذلك يعبر خلال غموض الحرف كما من خلال برقع لكي يصل إلى الأمور التي لا يُنطق بها يكون مثل موسى الذي ينزع البرقع عندما يتحدث مع اللَّه. هذا يرجع عن الحرف إلى الروح.

هكذا ينطبق البرقع الذي على وجه موسى على غموض تعليم الناموس، وينطبق التأمل الروحي على الرجوع إلى الرب. مثل هذا... يصير بالأكثر مثل موسى الذي يتمجد وجهه باعلان اللَّه.

وكما أن الأشياء التي توضع بالقرب من الألوان البهية هي نفسها تحمل مسحة من البهاء المشرق حولها، هكذا ذاك الذي يركز نظره بثبات على الروح. فإنه يمجد الرب إلى حدٍ ما يتجلى إلى سمو أعظم، ويستنير قلبه كما بنورٍ ينسكب من الحق الذي للروح. هذا هو "التحول" إلى مجد الروح، ليس إلى درجة شحيحة أو باهتة أو غير واضحة، وإنما كما نتوقع بالنسبة لذاك الذي يستنير بالروح.

القديس باسيليوس الكبير

- الحقيقة بأن العهد القديم لجبل سيناء أنتج أبناء العبودية، الآن لا يهدف سوى للشهادة للعهد الجديد. وألا تكون كلمات الرسول غير صادقة: "حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة موسى يوضع على قلوبهم"، ولكن عندما يتوجه إنسان من العهد القديم إلى المسيح "يُرفع البرقع". ما يحدث هو أن النسمات العميقة التي لأولئك الذين يحدثون تغيرًا بالتحول من العهد القديم إلى الجديد، يبدأون في التطلع إلى السعادة الروحية أكثر من الأرضية.

- يوجد بلا شكٍ برقع في العهد القديم، يُرفع حالما يأتي الإنسان إلى المسيح. عند الصلب انشق حجاب الهيكل (مت51:27) ليعني ما قاله الرسول عن برقع العهد القديم، ففي المسيح قد أُبطل.

- ليس العهد القديم هو الذي أُبطل في المسيح، بل البرقع الذي يحجب، حتى يُفهم بالمسيح. بمعنى أنه يصير ظاهرًا مكشوفًا، وبدون المسيح يكون مخفيًا وغامضًا.

يضيف نفس الرسول في الحال: "عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع". لم يقل: "يُزال الناموس أو العهد القديم". الأمر ليس كذلك! بنعمة الرب ما كان مُغطّى يُزال لعدم نفعه، يُزال الغطاء الذي يخفي الحق النافع.

هذا ما يحدث للذين يطلبون بشغفٍ وتقوى، وليس بكبرياءٍ وشرٍ، معنى الكتب المقدسة. بالنسبة لهم يُشرح لهم بوضوح نظام الأحداث وسبب الكلمات والتصرفات والتوافق بين العهدين القديم والجديد، فلا تبقى نقطة واحدة بدون اتفاقٍ تامٍ.

مثل هذه الحقائق السرية بلغت خلال الرموز، عندما تُحضر إلى النور. بتفسير الحقائق يُلزم الذين يرغبون في النقد إلى التعلم.

القديس أغسطينوس

- يقول بولس أن الناموس يخفت، ويقصد بذلك أنه ينتهي في المسيح، الذي سبق فتنبأ الناموس عن مجيئه.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 3 جـ4 PDF Print Email
"بل أُغلظَت أذهانهم، لأنه حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة العهد العتيق باقٍ غير منكشف، الذي يبطل في المسيح" [14].

إذ عكفوا على الحرف لا الروح، وأغمضوا أعينهم حتى لا يروا نور الإنجيل المُقدم لهم غلظت قلوبهم وامتلأوا غباوة. وكأن البرقع الذي يحجب بهاء وجه موسى عنهم لازال قائمًا. صار لهم برقع الظلمة والجهالة على قلوبهم، الذي يمنع التطلع إلى مجد الإنجيل من الإشراق عليهم.

- ما حدث مرة في حالة موسى يحدث باستمرار في حالة الناموس. ما يُُقال ليس اتهامًا للناموس، وليس له انعكاس على موسى الذي وضع برقعًا، وإنما هو اتهام ضد ضيق أفق المهتمّين بحرفية الناموس اليهودي. فإن للناموس مجده اللائق به، وإنما هم كانوا غير قادرين على معاينته. فلماذا نتعجب من أن اليهود لم يؤمنوا بالمسيح، إذ لم يؤمنوا حتى بالناموس؟

- يوضع البرقع على قلوبهم... بسبب ذهن اليهود الثقيل الجسداني... ألا تروا أنه لم يكن البرقع على وجه موسى بل على البصيرة اليهودية؟ حدث هذا ليس لكي يخفى مجد موسي، وإنما لكي لا يروه، لأنهم لم يجدوا طريقًا للرؤية. فالعيب هو فيهم، هذا لم يجعل موسى مجهولاً في شيء ما.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إذ تقلب (العروس) صفحات الأنبياء كمثال، صفحة فصفحة، تجد المسيح نابعًا منها. الآن إذ زال البرقع الذي غطى هذه الصفحات تدركه يبرز ويظهر من الصفحات التي تقرأها، ويندفع منا في اعلان واضح تمامًا.

العلامة أوريجينوس

- "إلى هذا اليوم" لا تعني مجرد إلى وقت بولس، بل وإلى وقتنا أيضًا، وبالحقيقة إلى نهاية العالم.

القديس كيرلس الأورشليمي

"لكن حتى اليوم حين يُقرأ موسى، البرقع موضوع على قلبهم" [15].

كان اليهود يغطون رؤوسهم بالكامل ببرقع Taliyt (من الكلمة العبرية Taalal وتعني "يغطي") عند قراءة الناموس. هذا البرقع يبطل ويزول وذلك لأنه بالشركة مع المسيح تزول الظلمة، ويتجلى الحق بفكرٍ روحيٍ صادقٍ.

- وجود البرقع ليس بسبب موسى، بل بسبب أذهانهم الجسدانية الفادحة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- حجاب الهيكل يُمزق، لأن ما قد حُجب في يهوذا صار مكشوفًا لكل الأمم. يُمزق الحجاب، وتُعلن أسرار الناموس للمؤمنين، أما لغير المؤمنين فهي مخفية إلى هذا اليوم عينه. عندما يُقرأ موسى - العهد القديم - بصوتٍ عالٍ بواسطة اليهود في كل سبتٍ حسب شهادة الرسل "يغطى البرقع قلوبهم". إنهم يقرأون الناموس، الذي فيه الحق الكافي، لكنهم لا يفهمون، لأن أعينهم تنمو في ظلامها فلا يقدروا أن ينيروها. إنهم بالحق مثل الذين يقول عنهم الكتاب المقدس: "لهم أعين ولا يرون، ولهم آذان ولا يسمعون".

القديس جيروم

- غير أن الظلال تجلب الحق، حتى إن كانت ليست الحق تمامًا. بسبب هذا وضع موسى المُوحى إليه إلهيًا برقعًا على وجهه، وتكلم هكذا إلى أبناء إسرائيل جميعًا. لكن بهذا العمل يصرخ بأنه يليق بالشخص أن يتطلع إلى جمال منطوقات لا خلال المظهر الخارجي الرمزي، وإنما بالتأملات الخفية فينا (2 كو 15:3-16). لذلك فلنرفع البرقع عن الناموس، ونجعل وجه موسى متحررًا من كل الأغطية، لنتأمل الحق عاريًا.

القديس كيرلس السكندري

- مادام الإنسان لا يصغي للمعنى الروحي، يُوضع برقع على قلبه. وبسبب هذا البرقع الذي هو الفهم المتبلد، يُُقال أن الكتاب نفسه موضوع عليه برقع. هذا هو تفسير البرقع الذي يُقال أنه يغطي وجه موسى عندما يتحدث مع الشعب، بمعنى عندما يُقرأ الناموس علانية. أما إذا رجعنا إلى الرب، حيث يوجد كلمة اللَّه، وحيث يُعلن الروح القدس المعرفة الروحية، يُرفع البرقع، ونستطيع أن ننظر مجد الرب في الكتب المقدسة بوجهٍ بلا برقعٍ.

- إشراق مجيء المسيح بإنارة ناموس موسى ببهاء الحق يرفع البرقع الذي يُغطّي حرف الناموس ويُغلق عليه، وذلك لكل من يؤمن به ويخفي في داخله هذه الأمور الصالحة.

العلامة أوريجينوس

يرى العلامة أوريجينوس أن هذا البرقع الذي حجب عن أعين اليهود معرفة ربنا يسوع هو الذي دفعهم لقتله ومقاومة كنيسته.

- لم يقم اليهود حتى الآن ضد الأمم التي تعبد الأوثان وتجدف على اللَّه. إنهم لا يبغضونهم ولا ينقموا منهم، بل هم ناقمون على المسيحيين، ومشتعلون بكراهية لا تخمد تجاه من هجروا الأوثان وتحولوا إلى عبادة اللَّه.

- إذ لم يبق لهم مذبح ولا هيكل ولا كاهن، ولم يكن بالتالي تقدمات ذبائح كانوا يشعرون بأن خطيتهم باقية فيهم، وأنه لا سبيل لهم لنوال المغفرة. إن كان الذي قتل الرب يسوع يهوديًا، فإنه لا يزال يتحمل مسئولية هذه الجريمة إلى يومنا هذا، وذلك ثمرة عدم فهمه لما في باطن الناموس والأنبياء.

العلامة أوريجينوس

يطالبهم العلامة أوريجينوس أن ينزعوا البرقع حتى تتحول أنظارهم من المفهوم الحرفي للَّهيكل والذبائح إلى المفهوم السماوي:

- يا معشر اليهود، عندما تأتون إلى أورشليم وتجدون إنها خربت، وتحولت إلى تراب ورماد، فلا تبكوا كالأطفال (1 كو 4). لا تحزنوا، بل أنشدوا لكم مدينة في السماء بدلاً من تلك التي تبحثون عنها هنا على الأرض. ارتفعوا بأبصاركم، فستجدون في الأعالي أورشليم الحرة التي هي أمنا جميعًا (غلا 4: 26).

لا تحزنوا على غياب الهيكل هنا، ولا تيأسوا لافتقاركم إلى كاهن. ففي السماء تجدون مذبحًا وكهنة الخيرات العتيدة، على رتبة ملكي صادق، في موكبهم أمام اللَّه (عب 5: 10). فقد شاءت محبة الرب ورحمته أن ينزع عنكم الإرث الأرضي، حتى يتسنى لكم أن تطلبوا السماوي.

العلامة أوريجينوس

إن كان شعب اللَّه في العهد القديم دُعي "إسرائيل" ففي رأي العلامة أوريجينوس أن هذه الكلمة تعني "الذهن الذي يعاين اللَّه". لهذا إذ وضع برقع على ذهنهم فلم يروا اللَّه وفقدوا هذا اللقب لكي تتقبله كنيسة العهد الجديد "إسرائيل الجديد" التي رجعت إلى الرب وتمتعت برؤية إلهية فائقة.

هذا البرقع الذي حرم اليهود من الرؤية السماوية وادراك سرّ الصليب ابقت اليهود عند مارة ليشربوا من مياه الناموس المرة، هذه التي يشرب منها المسيحيون فيجدونها خلال الصليب عذبة.

- مازال اليهود عند مارة، مازالوا مقيمين عند المياه المرة، لأن اللَّه لم يريهم بعد الشجرة التي بها يصير الماء عذبًا. ألقى الرب بشجرة في المياه مما جعلها عذبة. أما عندما تأتي شجرة (صليب) يسوع ويسكن في داخلي تعليم مخلصي يصير ناموس موسى عذبًا، ويصير مذاقه لم يقرأه ويفهمه بالحقيقة حلوًا.

العلامة أوريجينوس

"ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع" [16].

يتحدث هنا عن حالة موسى النبي (خر٣٤:٣٤). ولعله يشير هنا إلى رجوع اليهود إلى الإيمان بالسيد المسيح كربٍ وفادٍ، فينزع عنهم برقع الجهالة وعمى الذهن وقسوة القلب، إذ يشرق عليهم النور الحقيقي، ويروا الحق بكل وضوح.

يرى الرسول إن اليهود كجماعة ستقبل الإيمان بالمسيح، ويصيروا مع الأمم قطيعًا واحدًا لراعٍ واحدٍ وأسقف نفوس الكل.

- يلزمنا أن نستعطف الرب نفسه، الروح القدس نفسه، لكي يرفع كل سحابة وكل ظلمة تجعل رؤية قلوبنا غامضة قاسية بوصمات الخطايا، حتى نستطيع أن نرى معرفة ناموسه الروحية العجيبة.

العلامة أوريجينوس

- غاية البرقع ليس إخفاء موسى بل منع اليهود من رؤيته، إذ كانوا عاجزين عن فعل هذا. لكن عندما نرجع إلى الرب، فالبرقع يُرفع طبيعيًا.

عندما تحدث موسى مع اليهود كان وجهه مُغطّى، ولكن عندما تحدّث مع اللَّه رُفع البرقع. هكذا عندما نرجع إلى بالرب نرى مجد الناموس ووجه مُسلِّم الناموس غير مغطّيين. ليس هذا فقط، فإننا نحن سنكون في شاكلة موسى.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لنحذر لئلا ليس فقط "عندما يُقرأ موسى" بل وأيضًا عندما يُقرأ بولس يوضع برقع على قلوبنا. إذا ما سمعنا بإهمال، إن كنا لسنا غيورين للتعلم والفهم ليس فقط أسفار الناموس والأنبياء، بل وحتى الرسل والأناجيل تُغطّى ببرقع عظيم.

إني أخشى لئلا بالإهمال العظيم وبلادة القلب ليس فقط تُحجب الأسفار الإلهية بالنسبة لنا بل وتُختم، حتى إذا ما وُضع كتاب في يدي إنسانٍ لا يقدر أن يُقرأ وإذ يُطلب منه أن يقرأ يقول: لا أستطيع القراءة. وإذا وضع في أيدي إنسانٍ قادرٍ على القراءة يقول: إنه مختوم.

لهذا فإننا نرى أنه يلزمنا ليس فقط أن تكون لنا غيرة لتعلم الأدب المقدس، بل ونصلّي إلى الرب ونتوسل إليه نهارًا وليلاً لكي ما يأتي الحمل الذي من سبط يهوذا ويمسك بنفسه السفر المختوم ويفتحه. فإنه هو الذي يفتح الأسفار، ويُلهب قلوب تلاميذه، فيقولوا: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا عندما فتح لنا الكتب المقدسة"؟ ليته الآن يرى أننا نتأهل ليفتح لنا ما أوحي به لرسوله، ويقول: "ولكن الرب هو روح، وحيث روح الرب فهناك حرية".

العلامة أوريجينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 3 جـ5 PDF Print Email
- يظهر بولس أن الروح واللَّه هما متساويان. حوّل موسى عينيه نحو اللَّه (خر 34:34)، ونحن نحوّل أعيننا نحو الروح القدس. كان يصعب على بولس أن يقول بأن ما يعلنه الروح أعظم مما رآه موسى لو أن الروح مجرد مخلوق وليس هو اللَّه نفسه.

ثيؤدورت أسقف قورش

- الشخص الذي يتبارك بروح الرب يتحرر من دينونة الناموس، لأن المواهب الروحية تعطي قوتها بالروح. علاوة على ذلك فإن العطية توهب مجّانًا للمستعدين لقبولها.

سفيريان أسقف جبالة

- اليهود هم مثل أولاد تحت إشراف معلم. الناموس هو معلمنا، يُحضرنا إلى السيد، والمسيح هو سيدنا... المعلم نخافه، والسيد يشير إلى طريق الخلاص. الخوف يحضرنا إلى الحرية، والحرية إلى الإيمان، والإيمان إلى الحب، والحب يجلب بنوة، والبنوة تجلب ميراثًا. لذلك حيث يوجد الإيمان تُوجد حرية، لأن العبد يعمل في خوفٍ، والحر يعمل بالإيمان. الأول تحت الحرف، والثاني تحت النعمة. الأول في عبودية والآخر في الروح. "وحيث روح الرب فهناك حرية".

القديس أمبروسيوس

- توجد فائدة لنزع برقع العروس: فعيونها أصبحت حرة بلا نقاب وتتمكن من النظر بدقة لترى محبوبها. ويشير نزع البرقع بلاشك إلى عمل الروح القدس حسب كلام الرسول: "ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع. وأما الرب فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرّية" (2 كو 16:3، 17) .

- ليس في قدرة الإنسان أن يقتني مثل هذه العطية، لكن تختفي النية الإلهية وراء جسم الكتاب المقدس، كما خلف برقع، فبعض الشرائع والقصص التاريخية تغطي الحقائق التي يتأملها الذهن. لهذا يخبرنا الرسول أن الذين يتطلعون إلى جسم الكتاب المقدس ولهم برقع على قلوبهم غير قادرين أن ينظروا مجد الناموس الروحي، إذ هو مخفي وراء البرقع الموضوع على وجه واضع الناموس. لهذا يقول: "الحرف يقتل وأما الروح فيحيي".

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- "البرقع موضوع على قلبهم"، فلا يرون أن "الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا" (٢ كو ١٧:٥) ...

لماذا هي أشياء عتيقة؟ لأنها نُشرت منذ وقت طويل.

ولماذا جديدة؟ لأنها تخص ملكوت اللَّه.

كيف يُنزع الحجاب؟ هذا ما يخبرنا به الرسول: "ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع". إذن اليهودي الذي لا يرجع إلى الرب لا يمكن لعيني ذهنه أن تنظران حتى النهاية. وذلك كما في هذا الزمان، أبناء إسرائيل في هذا المثال لا يحملون بصيرة ليعاينوا إلى النهاية، أي إلى وجه موسى. فإن وجه موسى المشرق يحوي رمزا للحق، والبرقع يعترض الرؤيا، لأن أبناء اسرائيل لم يستطيعوا حتى الآن أن يروا مجد ملامحه.

أي رمز قد بطل؟ هكذا يقول الرسول: "الذي يبطل". لماذا يبطل؟ لأنه إذ يحضر الامبراطور تبطل صوره.

- فان العهد القديم من جبل سيناء يجلب عبودية، ولا ينفع شيئًا ما لم يحمل شهادة للعهد الجديد. مادام موسى يُقرأ والبرقع على قلوبهم، ولكن إذ يرجع أحد إلى المسيح يبطل البرقع.

- كلما ازداد عدد البراقع كرِّم ذاك الذي خلفها حتى وإن لم تدركه. لأن من هو أكثر كرامة تتدلى بالأكثر البراقع في قصره. تغطي البراقع المحفوظ وراءها مكرمًا سريًا، ومن يكرمها تنزع عنه البراقع، أما الذي يحتقرها فيطرد لكي لا يمسها. فإننا إذ نرجع إلى المسيح، يبطل البرقع.

- يقول الرسول نفسه ان كل كنوز الحكمة والمعرفة مخفية فيه. هذه الكنوز لم يخفها لكي تُرفض، إنما لكي يثير الشوق إليها لأنها مخفية. هذا هو نفع الأمور السرية. كرم حتى ما لم تفهمه فيه. وكلما كانت كرامتها أكثر يزداد عدد الستائر التي تخفيها. الإنسان ذو المرتبة السامية يعلق ستائر أكثر في بيته. الستائر تضفي كرامة لما تحفظه سرًا، أما الذين يكرمونها فترفع عنهم الستائر. أما الذين يسخرون من الستائر فيخيبون ويمنعون من الاقتراب إليها. لذلك إذ نرجع إلى المسيح يبطل البرقع.

القديس أغسطينوس

- "ملكوت اللَّه في داخلكم" (لو ٢١:١٧) ... وذلك من أجل التوبة عن الحرف إلى الروح الحي؛ "إذ يرجع أحد إلى الرب يُرفع البرقع".

العلامة أوريجينوس

"وأما الرب فهو الروح، وحيث روح الرب هناك حرية" [17].

يقدم لنا بركة التمتع بالروح عوض الحرف، مؤكدًا إن مؤمني العهد الجديد سعداء لثلاثة أمور:

أولاً: التمتع بالنور عوض الظلمة.

ثانيًا: التمتع بالحرية الداخلية.

ثالثًا: تجديد الطبيعة حتى نصير أيقونة المسيح.

هنا يتحدث عن الحرية، فإذ يعمل الروح القدس خلال تدبير الخلاص الذي قدمه لنا السيد المسيح يتمتع المؤمن بالحرية من حرفية الناموس وعبودية الفساد، فيجد نفسه ملتصقًا باللَّه، تتناغم إرادته مع إرادة اللَّه. يتحرر القلب من عبودية الأنانية، فيتسع بالحب نحو كل البشرية، ويجري في طريق الوصية الإلهية المتسعة.

يرى البعض إن الرسول يعني بالروح هنا الإنجيل الذي نتمتع به بالروح لا بالحرف. فحيث ننعم بإنجيل الرب ننال بالنعمة الإلهية التي تحررنا ليس فقط من الحرف اليهودي القاتل وإنما أيضًا من الخطية وسلطانها وفسادها وموتها.

- يليق بنا أن نعلم أن نزع هذا البرقع هو نوع من النعمة، لأنه يليق بالعين أن تكون حرة من كل عائقٍ، حتى يمكنها أن تبصر جمال الحبيب.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- أي إنسان يسعى إلى الوصول إلى كمال التعليم الإنجيلي، هذا الذي يعيش تحت النعمة، لا يسقط تحت سلطان الخطية، لأن البقاء تحت النعمة معناه العمل بالأمور التي تأمر بها النعمة. أما الإنسان الذي لا يُخضع نفسه للمطالب الكاملة الخاصة بكمال الإنجيل، فيلزمه ألا يجهل أنه وإن كان قد اعتمد، وإن صار راهبًا، لكنه بالرغم من هذا فهو ليس تحت النعمة، إنما مقيد بقيود الناموس ومُثقل بأثقال الخطية. لأن ذاك الذي وهب نعمة التبني ويقبل الذين يقبلونه، يرغب في أن يضيف إلى البناء لا أن يهدمه، إذ أراد أن يكمل الناموس لا أن يهدمه.

إذ لا يفهم البعض هذا الأمر، مهملين نصائح المسيح الرائعة ومواعظه، يتخذون من الحرية فرصة للإهمال والتهور الزائد، حتى أنهم يعجزون عن تنفيذ أوامر المسيح كأنها صعبة جدًا، محتقرين أيضًا وصايا الناموس الموسوي كأمر عتيق، مع أن الناموس قدمها للمبتدئين والأطفال. بهذا ينادون بالحرية الخطيرة التي يلعنها الرسول قائلين "أَنخطئُ لأننا لسنا تحت الناموس بل تحت النعمة؟"(رو15:6). هؤلاء ليسوا تحت النعمة، لأنهم لم يتسلقوا قط مرتفعات تعاليم الرب. ولا هم تحت الناموس، لأنهم لم يقبلوا حتى تلك الوصايا البسيطة التي للناموس. هؤلاء إذ هم ساقطون تحت سلطان الخطية المزدوج يظنون أنهم قد قبلوا نعمة المسيح… ويسقطوا فيما يحذرنا منه الرسول بطرس قائلاً : "كأحرارٍ وليس كالذين الحرية عندهم سترة للشر" (1 بط16:2). ويقول الرسول بولس الطوباوي: "فإنكم إنما دُعِيتم للحريَّة أيُّها الاخوة. غير أنهُ لا تُصيّروا الحرَّية فرصةً للجسد" (غلا 13:5)، أي دعيتم للتحرر من سلطان الخطية، وليس معنى إبعاد أوامر الناموس بمثابة تصريح بعمل الخطية. ويعلمنا الرسول بولس أن هذه الحرية لا توجد إلا حيث يوجد الرب، إذ يقول: "وأما الربُّ فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرّيَّة" (2كو17:3).

الأب ثيوناس

"ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجهٍ مكشوفٍ كما في مرآة، نتغير إلى تلك الصورة عينها، من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح" [18].

إذ ننعم بالنور الإلهي والحرية الحقيقية تتجدد طبيعتنا وتنمو كل يوم لكي نتشكل ونصير أيقونة المسيح خالقنا. نرتفع كما من مجدٍ إلى مجدٍ. هكذا يتذوق المؤمن خبرة يومية ومعرفة عملية خلال قوة الكلمة المجددة على الدوام.

كان اليهود عاجزين عن التطلع إلى وجه موسى وسيط العهد القديم، فكان لزامًا إن يضع على وجهه برقعًا. أما نحن فصار لنا الوجه المكشوف لنرى كما في مرآة كيف تتشكل طبيعتنا كل يوم حسب الوعود المجيدة التي لإنجيل المسيح وذلك بفعل الروح القدس "الرب الروح".

- يظهر أنه ليس ممكنًا للنفس أن تتحد باللَّه غير الفاسد بأية وسيلة ما لم تصرْ تقريبًا طاهرة خلال عدم الفساد، حتى تنعم الشبه بالشبه، وتقيم نفسها كمرآة تتطلع نحو نقاوة اللَّه، فيتشكل جمال النفس بالشركة في الجمال الأصلي والتمتع بانعكاسه عليها.

- مادمنا قابلين للتغيير فالأفضل أن نتغير إلى ما هو أفضل: "من مجدٍ إلى مجدٍ". وهذا يجعلنا نتقدم دائمًا نحو الكمال بالنمو اليومي، مع عدم الاكتفاء بحدودٍ معينة نحو الكمال. يعني عدم التوقف نحو ما هو أفضل، وعدم وضع أيّة حدود نقف عندها في نمونا.

- نحن نرى الآن العروس يقودها الكلمة إلى أعلى درجات الفضيلة، إلى علو الكمال.

في البداية يرسل لها الكلمة شعاعًا من نورٍ من خلال شبابيك الأنبياء وكوى الوصايا. ثم يشجعها على أن تقترب من النور، وتصير جميلة بواسطة تحوّلها إلى صورة الحمامة في النور. وفي هذه المرحلة تأخذ العروس من الخير قدر ما تستطيع. ثم يرفعها الكلمة لكي تشارك في جمال أعلى لم تتذوقه من قبل. وبينما هي تتقدم تنمو رغبتها في كل خطوة، لأن الخير غير محدود أمامها. وتشعر باستمرار مع حلول العريس معها أنها قد ابتدأت صعودها للتوّ فقط. لذلك يقول الكلمة للعروس التى اقامها من النوم: "انهضي". وإذ جاءت إليه يقول لها: "تعالي"، لأن الشخص الذي دعاها للنهوض بهذه الطريقة في استطاعته أن يقودها إلى الارتفاع والنهوض بها إلى مستوى أعلى.

الشخص الذي يجري نحو اللَّه ستكون أمامه مسافات طويلة. لذلك يجب علينا أن نستمر في النهوض، ولا نتوقف أبدا عن التقرب من اللَّه. لأنه كلما قال العريس: "انهض" و"تعال" فإنه يعطى القوة للارتفاع لما هو أفضل. لذلك لابد أن تفهم ما يأتى بعد في النص. عندما يحفز العريس العروس الجميلة لكي تكون جميلة فهو يذكرنا حقًا بكلمات الرسول الذي يطلب منا أن نسلك سلوكًا فاضلاً لكي نتغير من مجدٍ إلى مجدٍ (2 كو 18:3). وهو يعني بكلمة "مجد" ما فهمناه وحصلنا عليه من بركة في وقت من الأوقات، ولا يهم مقدار ما حصلنا عليه من مجدٍ وبركةٍ وارتفاعٍ، لأنه يُعتقد أننا حصلنا على أقل مما نأمل في الحصول إليه. ولو أنها وصلت إلى جمال الحمامة بما قد حققه إلا أن العريس يأمرها بأن تكون حمامة مرة أخرى بواسطة تحوّلها إلى شيءٍ أفضل. فإذا حدث ذلك فإن النص سوف يُظهر لنا شيئا أفضل من هذا الاسم "حمامة".

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- لا يشير هذا إلى الأمور التي ستنتهي بل إلى الأمور الباقية. الروح هو اللَّه، ونحن نرتفع إلى مستوى الرسل، لأننا جميعًا سنراه معًا بوجوه مكشوفة. إذ نعتمد تتلألأ النفس أكثر بهاءً" من الشمس. إذ تتطهّر بالروح، ليس فقط نعاين مجد اللَّه، بل ونقبل منه نوعًا من الإشراق.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- نتغير من معرفة الناموس إلى نعمة الروح. يجب أن نتذكر أننا نأتي من مجد الروح العامل فينا إلى مجد ميراثنا كأبناء. هذا هو عمل الروح، إذ يليق أن نفهم هنا كلمة "الرب" بمعنى الروح لا ابن اللَّه.

سفيريان أسقف جبالة

- مع أن القول "كما في مرآة" يشير أنه ليس جوهريًا، إلا أنه يظهر بوضوح أننا على أي الأحوال نطلب أن نكون شبهه.

القديس مار اسحق السرياني


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 3 جـ6 PDF Print Email
- يسير الأمر هكذا: أعلن العهد القديم عن الآب علانية والابن بطريقة أكثر غموضًا. وأعلن العهد الجديد عن الابن وأوحى بلاهوت الروح. الآن الروح نفسه يسكن بيننا ويمدنا ببراهين أوضح عن نفسه. فإنه ليس من الأمان أنه عندما لم يُعرف لاهوت الآب بعد أن يُعلن عن الابن بوضوح، ولا عندما لا نتسلم لاهوت الابن أن نتحمل (أن تجاسرت بهذا التعبير) بالأكثر بلاهوت الروح القدس... لهذا السبب أظن أنه هكذا جاء الروح تدريجيًا ليسكن في تلاميذه، ويملأهم حسب إمكانية قبولهم له: في بدء الإنجيل، وبعد الآلام، وبعد الصعود، وعندئذ جعل قوتهم كاملة، إذ حلّ عليهم وظهر في ألسنة نارية. حقًا قد أعلن يسوع عنه قليلاً كما ستتعلّمون بأنفسكم متى قرأتم بأكثر انتباه.

القديس غريغوريوس النزينزي

- أتريدون أن تعرفوا طريقًا آخر فيه تُحسبون لعجائب أعظم؟ كان اليهود في أيامهم عاجزين عن رؤية وجه موسى متجليًا مع أنه كان العبد رفيقهم وقريبهم. أنتم ترون وجه المسيح في مجده. لقد صرخ بولس عاليًا، قائلاً: "نحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجوه مكشوفة". في ذلك الوقت كان المسيح يتبع اليهود، أما الآن فهو يتبعنا بالأكثر... الآن هو يتبعنا، فلسنا فقط نشكر موسى (الجديد) بل وشكرًا لاستعداد طاعتكم. لأن اليهود جاءوا في البرية بعد مصر، أما أنتم فستأتون إلى السماء بعد خروجكم. كان موسى قائدًا لهم ورئيسًا ممتازًا، أما نحن فلنا موسى آخر، الرب، يقودنا ويأمرنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لست أظن أن هذا أمر مخيف (أقصد بذلك أن طبيعتنا متغيرة). ليكن التغيّر إلى الأفضل، فيكون لنا نوع من الجناح لنطير إلى الأمور الأعظم. لهذا ليته لا يحزن أحد إن رأى في طبيعته ميلاً للتغيّر. لتتغيّر في كل شيء إلى ما هو أفضل. ليتغيّر الشخص من مجدٍ إلى مجدٍ، فيصير أعظم خلال النمو اليومي، والكمال المستمر دون بلوغ حد الكمال بسرعة هكذا. فإن هذا هو الكمال الحقيقي، ألاّ تقف في النمو نحو ما هو أفضل وألا تضع حدًا للكمال.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- لم يدعُ الروح الرب فحسب، وإنما اضاف: "حيث روح الرب هناك حرية". هكذا نحن جميعًا بوجه مكشوف، بانعكاس مجد الرب نتشكل من جديد إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح، بمعنى نحن الذين قد رجعنا إلى الرب، كما بفهمٍ روحيٍ لكي نرى مجد الرب، كما في مرآة الكتب المقدسة، الآن نتغير من ذاك المجد الذي يردنا إلى الرب، إلى المجد السماوي.

القديس أمبروسيوس

- تعبير الرسول "وجها لوجه" لا يلزمنا أن نعتقد أننا سنرى اللَّه بوجه جسدي فيه عينا الجسد، إذ سنراه بدون توقف في الروح. لو لم يشر الرسول إلى الوجه في الإنسان الداخل ما كان يقول: "ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجهٍ مكشوفٍ كما في مرآةٍ، نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما في الرب". فإنه بالإيمان نقترب إلى اللَّه، والإيمان هو عمل الروح لا الجسد.

القديس أغسطينوس

نلاحظ أن الرسول في هذا الإصحاح تحرك من الدفاع عن رسوليته ونجاح خدمته في كورنثوس كما في أماكن أخرى إلى إبراز عظمة خدمة العهد الجديد ومجدها لكي يتمتع بها كل المؤمنين:

أولاً: خدمة العهد القديم مجيدة كما حدث عند استلام موسى النبي للشريعة على جبل موسى، لكن الشعب خشي الموت، وطلبوا ألا يتحدث اللَّه معهم حتى لا يموتوا (خر١٩:٢٠؛ تث ١٦:١٨) فنالوا روح العبودية للخوف (رو ١٥:٨). إما نحن فنلنا روح القوة والحب (٢ تي ٧:١)، روح التبني للَّه الآب (٢ كو ١٢ : ١٨-٢٤).

ثانيًا: موسى الذي أضاء وجهه كان خادمًا لناموس منقوش على لوحي حجارة، أما الرسل فهم خدام العهد الجديد أو إنجيل المسيح المنقوش بالروح القدس في قلوب المؤمنين اللحمية لا الحجرية.

ثالثًا: قدم موسى الحرف الذي يقتل، أما الرسل فقدموا الإنجيل بالروح الذي يحيي.

رابعًا: نال موسي مجدًا، وأشرق وجهه لكن إلى حين، إما المجد الذي نناله من المسيح فهو دائم النمو، به نرتفع من مجدٍ إلى مجدٍ حتى نبلغ الأمجاد الأبدية.

خامسًا: كان الناموس مُعلنًا خلال رموز وظلال غامضة، أما إنجيلنا فجاء واضحًا وبسيطًا.

سادسًا: رأى اليهود مجد موسى الزائل في الخارج عنهم، أما المسيحيون فيرون شخص المسيح ساكنًا فيهم. هم رأوه في وجه موسى، إما نحن فنراه في داخلنا كما في مرآة تعكس بهاء مجد السماوي.

من وحي 2 كو 3

إني أقرأ عملك في قلوب شعبك!

- رأيتك يا مخلصي في قلوب شعبك.

لمست نعمتك الغنيّة في أعماقهم.

كغارسٍ ألقي ببذار كلمتك على مسامعهم،

وأنت يا واهب الحياة تقدم لهم النمو!

- إنجيلك مفرح للغاية.

يشعل قلبي بنار الحب لك ولكل البشرية.

وهبتني أن اقرأ عملك في قلوب شعبك.

لست أقرأ حروفًا مكتوبة بالحبر،

ولا منقوشة على حجارة.

بل هي لغة روحك القدوس الناري.

تقيم من الحجارة أولادًا لإبراهيم.

تسجل إنجيلاً حيًّا يقدس النفس والجسد معًا.

- قلبي متهلل، لأنك دخلت بي إلى عهد النعمة.

نعمتك تهبني تقديسًا فائقًا.

نعمتك تسندني فلا أكسر الحرف.

لا يعود الحرف يقتلني، لأن روحك يحييني.

- استلم موسى النبي ناموسك،

فأشرق وجهه ببهاء سماوي فائق.

وضع الشعب الإسرائيلي برقعًا على وجه موسى.

إذ لم يستطيعوا معاينة إشراقاتك على وجهه.

الآن وهبتني نعمتك.

تتجلّى في قلبي كما على جبل تابور.

وتتملئ أعماقي بأنوار فائقة.

أدخلتني إلى أمجاد فائقة.

نزعت الحجاب لكي أدخل مقادسك،

هناك التقي بك يا واهب المجد!

- أرجع دومًا إليك،

فلا يكون للبرقع موضع فيّ.

لا تقدر قوة أن تحجب بهاء مجدك عن بصيرتي.

لا يمكن لأحدٍ أن يخفي الحق الإلهي عن أعماقي!

- إنجيلك صار مفتوحًا أمامي.

وأبواب السماء تفيض عليّ بأسرارك.

اتطلّع إلى مجدك بوجه مكشوف كما في مرآة.

تحملني من أمجاد إلى أمجاد،

حتى تدخل بي إلى يوم مجيئك العجيب.

لك المجد يا واهب المجد لمحبيك!

1 افنبتدئ نمدح انفسنا ام لعلنا نحتاج كقوم رسائل توصية اليكم او رسائل توصية منكم
2 انتم رسالتنا مكتوبة في قلوبنا معروفة و مقروءة من جميع الناس
3 ظاهرين انكم رسالة المسيح مخدومة منا مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحي لا في الواح حجرية بل في الواح قلب لحمية
4 و لكن لنا ثقة مثل هذه بالمسيح لدى الله
5 ليس اننا كفاة من انفسنا ان نفتكر شيئا كانه من انفسنا بل كفايتنا من الله
6 الذي جعلنا كفاة لان نكون خدام عهد جديد لا الحرف بل الروح لان الحرف يقتل و لكن الروح يحيي
7 ثم ان كانت خدمة الموت المنقوشة باحرف في حجارة قد حصلت في مجد حتى لم يقدر بنو اسرائيل ان ينظروا الى وجه موسى لسبب مجد وجهه الزائل
8 فكيف لا تكون بالاولى خدمة الروح في مجد
9 لانه ان كانت خدمة الدينونة مجدا فبالاولى كثيرا تزيد خدمة البر في مجد
10 فان الممجد ايضا لم يمجد من هذا القبيل لسبب المجد الفائق
11 لانه ان كان الزائل في مجد فبالاولى كثيرا يكون الدائم في مجد
12 فاذ لنا رجاء مثل هذا نستعمل مجاهرة كثيرة
13 و ليس كما كان موسى يضع برقعا على وجهه لكي لا ينظر بنو اسرائيل الى نهاية الزائل
14 بل اغلظت اذهانهم لانه حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة العهد العتيق باق غير منكشف الذي يبطل في المسيح
15 لكن حتى اليوم حين يقرا موسى البرقع موضوع على قلبهم
16 و لكن عندما يرجع الى الرب يرفع البرقع
17 و اما الرب فهو الروح و حيث روح الرب هناك حرية
18 و نحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مراة نتغير الى تلك الصورة عينها من مجد الى مجد كما من الرب الروح


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

الأمانة في الخدمة


إذ تحدث عن علاقات الحب المتبادلة بين الراعي ورعيته (ص٢)، وكشف عن مجد خدمة العهد الجديد التي أؤتمن عليها (ص٣) يحدثنا الآن عن أمانته في الخدمة وسط الآلام والأتعاب.

١. المثابرة في الخدمة ١-٢.

٢. رفض الأشرار للنور ٣-٤.

٣. استقامة الخدمة ٥-٧.

٤. آلام الخدمة والعون الإلهي ٨-١٨.

١. المثابرة في الخدمة

بعد أن أعلن عن مجد الخدمة نراه يبرر نفسه من الاتهام الذي وجهه المعلمون الكذبة ضده وضد العاملين معه، بأنهم مخادعون. ولعلهم قلبوا الموازين حينما استغلوا آلام الرسول ومن معه وضيقاتهم كدليلٍ على عدم رضى اللَّه عليهم، وتخلي النعمة الإلهية عنهم.

"من أجل ذلك إذ لنا هذه الخدمة كما رُحمنا لا نفشل" [1].

بينما يتطلع المعلمون الكذبة إلى كثرة آلام الرسول والعاملين معه كعلامة غضبٍ إلهيٍ، يرى الرسول في هذه الآلام رحمة اللَّه الفائقة التي وهبتهم بركة وكرامة قبول الآلام من أجل الخدمة، فدفعت بالأكثر إلى الرجاء المفرح، مؤكدا: "لا نفشل!" وكأنه يقول: "إننا نواجه مصاعب كثيرة، لكننا في هذه كلها نختبر نعمة الإنجيل المفرح، لن يتسلل روح الفشل أو اليأس إلى قلوبنا".

خلال الرحمة الإلهية والنعمة تسلم بولس العمل الرسولي (رو ٥:١)، وخلالهما تسلم القوة للمثابرة في هذا العمل. "وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذي قواني أنه حسبني أمينًا إذ جعلني للخدمة" (١ تي ١٢:١). كثيرون من الأبطال والعظماء يعانون من الشعور بالفشل الداخلي حتى وإن مجَّدهم الملايين من البشر، لأنهم لا يتلامسوا مع رحمة اللَّه ونعمته ويدركوا القوة الداخلية التي تسندهم. أما الرسول بولس فيقول: "ولكن بنعمة اللَّه أنا ما أنا، ونعمته المعطاة لي لم تكن باطلة" (١ كو ١٠:١٥).

- ينسب بولس مثابرته لا لاستحقاقه البشري بل لرحمة اللَّه، التي في البداية تطهر الشخص ثم تجعله بارًا، وتتبنّاه ابنًا للَّه، وتهبه مجدًا كمجد ابنه.

أمبروسياستر

- تُنسب هذه المثابرة (في الخدمة) لمحبة اللَّه المترفقة، فإننا ليس فقط لا نسقط تحت ثقل تجاربنا بل ونفرح ونتكلم بجسارة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"بل قد رفضنا خفايا الخزي، غير سالكين في مكر، ولا غاشين كلمة اللَّه، بل باظهار الحقٍ، مادحين أنفسنا لدى ضمير كل إنسانٍ قدام اللَّه" [2].

أراد الرسول أن يسلك بلا لومٍ، فلم يسمح لنفسه أن يمارس أي خزي أو أي عارٍ يفعله الأشرار ولو خفية في الظلام, يرى البعض أنه يتحدث هنا عن تصرفات بعض المعلمين الكذبة خاصة الذين من أصلٍ يهودي، الذين يمارسون أخطاء جسدية في الخفاء. هذا ما دفع البعض إلى الوقوف في صف ذاك الذي أخطأ مع زوجة أبيه.

لم يسلك الرسول في مكر Panourgia بل في بساطةٍ كاملةٍ وقلبٍ مفتوحٍ، فلا يغطي تصرفاته بمظاهر برَّاقة تخفي وراءها شيئا رديئًا.

- من يقوم بدورٍ قيادي يلزمه أن يكون أكثر بهاءً من أي كوكبٍ منيرٍ، فتكون حياته بلا عيب، يتطلع الكل إليه ويقتدون بسلوكه.

- "ويجب أيضًا ان تكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج، لئلا يسقط في تعيير وفخ ابليس" (1 تي 3:7)... حتى الوثنيون يوقرون الإنسان الذي بلا عيب. لذلك ليتنا نحن أيضًا نعيش هكذا حتى لا يقدر عدو أو غير مؤمنٍ أن يتكلم عنا بشرٍ. لأن من كانت حياته صالحة يحترمه حتى هؤلاء، إذ بالحق يغلق أفواه حتى الأعداء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

لم يغش الرسول ومن معه كلمة اللَّه، بل ينطقون بالحق الإنجيلي في وضوح. يرى البعض إن الرسول يلمح هنا إلى ما يفعله المقامرون المخادعون والمساومون في الأسواق الذين يخلطون الأمور الصالحة بالفاسدة.

يقدم الرسول ومن معه الحق من كل ضمائرهم لكي تتمتع به ضمائر السامعين، إنها خدمة القلب للقلب. كما ينطق الخدام الحقيقيون بالحق لا لهدفٍ أخر غير محبة الحق ذاته، لهذا لا يبالون بحكم الآخرين عليهم إنما يهتمون بشهادة ضمائرهم الخفية حتى وإن ولم يظهروها، أي شهادة أعماقهم التي يراها اللَّه وحده.

- يتحدث بولس هنا عن الختان حيث التزم به سرًا الرسل الكذبة الداخلون حديثًا من الأمم إلى الإيمان.

ثيؤدورت أسقف قورش

- إذ نعرف أن المسيح هو النور الحقيقي (يو 9:1)، ليس فيه بطلان (1 تي 16:6)، نتعلم هذا: أنه من الضروري لحياتنا أيضًا أن تستنير بأشعة النور الحقيقي. لكن الفضائل هي أشعة شمس البرّ (ملا 20:3) تنبعث لإنارتنا، خلالها نخلع أعمال الظلمة (رو 12:13) حتى نسلك بلياقة كما في النهار (رو 13:3)، ونرفض خفايا الخزي (2). إذ نفعل كل شيء في النور نصير النور ذاته، الذي يشرق على الآخرين (مت 15:5-16)، وهو نوع مميز من النور. وإن عرفنا المسيح أنه "تقديس" (1 كو 30:1)، الذي فيه كل عمل يكون راسخًا ونقيًا، فلنبرهن بحياتنا أننا نحن أنفسنا مشاركون حقيقيون في اسمه، نتناغم في الفعل والكلام مع قوة تقديسه.

- يلزمنا أن نتعرى من كل هذه الأغطية التي تعرينا، الملابس الجلدية، أي حكمة الجسد. يلزمنا أن نجحد كل الأمور المخزية التي تُصنع في الخفاء ولا نتغطى بأوراق تين هذا العالم المرّ. عندئذ إذ نمزق هذه الاغطية التي لأوراق هذه الحياة القابلة للَّهلاك يليق بنا أن نقف ثانية في نظر خالقنا، ونصد كل خداعات التذوق والنظر، ونأخذ وصايا اللَّه وحدها قائدًا لنا عوض السم الذي تبثه الحية.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- انظروا كيف يضيء نوره قدام الناس فيروا أعماله الصالحة.

القديس أغسطينوس

٢. رفض الأشرار للنور

"ولكن إن كان إنجيلنا مكتومًا، فإنما هو مكتوم في الهالكين" [3].

إن كان الإنجيل الذي يكرز به الرسول مكتومًا Kekalummenon، أي محتجبًا، أو وُضع عليه بُرقع كما على وجه موسى، فهذا بالنسبة للذين بإرادتهم صاروا عميانًا. وإذا ما وُضع برقع على قلب إنسان، فهذا دليل على أنه صار من الهالكين تحت سلطان الخطية، الذين اسلموا أنفسهم للشر. لقد جاء يسوع المسيح لخراف إسرائيل الضالة (مت ٦:١٠ ؛ ١١:١٨ ؛ لو ١٠:٩)، يطلب ويخلص ما قد هلك. إنه الراعي الصالح الذي يترك التسعة وتسعين في البرية ويبحث عن الخروف الضال (مت ٢١:١٨ ؛ لو ٤:١٥).

ما يوضحه الرسول هنا أنه إن كان الإنجيل مكتومًا فليس العيب في الإنجيل ولا في الخدام، بل في الذين أصروا إن تبقى نفوسهم في الضياع والدمار، ولم يستجيبوا للنداء الإلهي.

- إنه مكتوم لغير المؤمنين وحدهم. إنه ليس مخفيًا عن كل أحدٍ، كما كان وجه موسى مخفيًا عن كل إسرائيل في العهد القديم.

سفيريان أسقف جبالة

"الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة اللَّه" [4].

العلة الأخرى لبقاء الإنجيل مكتومًا بالنسبة للبعض هي تجاوبهم مع إله هذا الدهر الذي يعمي بصيرة غير المؤمنين الداخلية، ويظلم فهمهم، ويثير فيهم الإجحاف والعصيان لكي يبقوا تحت سلطان ظلمته في جهالةٍ وتمردٍ، ويحرموا من النور الإلهي.

ماذا يعني بإله هذا الدهر سوى رئيس هذا العالم (يو ١١:١٦)، فقد سقطت ممالك العالم وأمجاده تحت سلطانه (مت ٤: ٨-٩).

ويرى البعض أنه يقصد هنا اللَّه نفسه الذي إذ يرفع نعمته عنهم بسبب إصرارهم على العصيان يحرمهم من النور، وكما قيل: "تمت فيهم نبوة إشعياء القائلة: تسمعون سمعًا ولا تفهمون، ومبصرين تبصرون ولا تنظرون، لأن قلب هذا الشعب قد غلظ، وآذانهم ثقل سماعها وغمضوا عيونهم، لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم" (مت ١٣: ١٤-١٥ ؛إش ٩:٦). "كما هو مكتوب أعطاهم اللَّه روح سبات وعيونًا حتى لا يبصروا، وآذانا حتى لا يسمعوا إلى هذا اليوم" (رو ٨:١١). وقد جاء في (١ تي ١٧:١) عن اللَّه أنه "ملك الدهور".

- لا يشير إله هذا العالم إلى الشيطان، ولا إلى خالق آخر كما يقول أتباع ماني، بل إلى إله المسكونة الذي أعمى أذهان غير المؤمنين الذين من هذا العالم. في العالم العتيد لا يوجد غير مؤمنين، إنما هم موجودون في هذا العالم وحده.

- إننا نؤكد أن هذه العبارة تتحدث لا عن الشيطان بل عن إله الكل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- انه يعني إله السماء، وليس فقط إله هذا (الدهر)، بل إله ابراهيم واسحق ويعقوب؛ بل وليس إله هؤلاء فقط بل إله الجميع.

القديس ثيؤفيولاكت

يرى كل من القديسين إيريناؤس ويوحنا الذهبي الفم وأغسطينوس والعلامة ترتليان والأب ثيؤدورت وغيرهم أن النص يعني: "أعمى اللَّه أذهان غير المؤمنين الذين من هذا الدهر".

- لو لم يكن الابن وحده هو النور الحقيقي، وكانت المخلوقات تشترك معه في هذه السمة أيضًا... فلماذا يصرخ القديسون بصوتٍ عالٍ، طالبين من اللَّه: "أرسل نورك وحقك" (مز 3:43)؟... إن كان الإنسان غير محتاج إلى الكلمة الذي ينير، فلأي هدف يطلب منه القديسون أن ينيرهم، إن كان لا يستطيع أن يعينهم؟

إذن، الابن الوحيد الجنس مختلف بالطبيعة عن المخلوقات، إذ هو النور الذي يضيء للذين بلا نور...

إذا كنا نحتاج إلى النور من آخر، فنحن بكل وضوح لسنا النور الحقيقي. لذلك ليس لنا نحن ذات طبيعة الكلمة، هذا الذي بالطبيعة يفوقنا بغير قياس.

- النور ليس هو المسئول عن مرض غير المستنيرين، لأنه كما يُشرق نور الشمس على الكل، ولا يستفيد منه الأعمى دون أن نلوم الشمس، وإنما نلوم المرض الذي أصاب العينين، هكذا أنار الكلمة، ولكن الخليقة المريضة لم تقبل النور. هكذا النور الحقيقي، الابن الوحيد، الذي ينير الكل، لكن "إله هذا الدهر" كما يقول بولس: "أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا يضيء لهم نور معرفة اللَّه ويشرق عليهم"[4].

القديس كيرلس الكبير

- كل غير مؤمنٍ هو من هذا العالم. ليس أحد غلب العالم وصار مستحقًا للعالم العتيد معمي في فهمه، لأن عينيه قد استنارتا.

القديس ديديموس الضرير

- يقول بولس أن عدم الإيمان قاصر على هذا العالم، لأن في العالم القادم سيكون الحق واضحًا لكل أحدٍ.

ثيؤدورت أسقف قورش


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email
- أيها الأبناء، معلمنا يماثل اللَّه أباه... إنه بلا خطية وبلا لوم... اللَّه الظاهر في شكل بشري يحقق إرادة أبيه. إنه اللَّه الكلمة، الذي في حضن الآب، وأيضًا عن يمين الآب، في ذات طبيعة اللَّه. إنه الصورة التي بلا عيب (2 كو 4:4). يليق بنا أن نتشبه بهذا في الروح قدر المستطاع... لكن يلزمنا أن نجاهد بكل قدرتنا أن نكون بلا خطية قدر الإمكان. ليس شيء أهم لنا من اقتلاع أي انحراف مخطئ اعتدنا عليه.

الكمال العلوي بالطبع هو عدم الخطأ نهائيًا بأية طريقة، هذا لا يُقال إلا عن اللَّه وحده.

السمو الذي يليه هو ألا يرتكب الإنسان الخطأ عن عمد، هذا الحال يليق بالإنسان صاحب الحكمة.

في الدرجة الثالثة لا يأتي عدم الخطأ إلا في ظروف نادرة، وهذه علامة الإنسان المثقف جدًا.

أخيرًا في أدنى الدرجات يلزمنا أن نؤجل الخطأ إلى لحظات قليلة، لكن حتى هذا يخص الذين يُدعون لإصلاح ما أصابهم من خسارة وتوبتهم كخطوة في طريق الخلاص.

القديس إكليمنضس السكندري

- إنه الصورة الواحد معه في ذات الجوهر. ولأنه هو من الآب وليس الآب منه، فإن هذه هي طبيعة الصورة، إنها من نتاج الأصل الذي تحمل اسمه. ولكن هنا يوجد ما هو أكثر من ذلك. ففي اللغة العادية الصورة هي ممثل ساكن لما هو متحرك، أما في هذه الحالة فإنها صدور حي عن الكائن (الواحد) الحي ويشبه بالأكثر صدور شيث عن آدم (تك 3:5)، أو أي ابن عن أبيه.

القديس غريغوريوس النزينزي

- بماذا يشبه وجه اللَّه؟ صورته. بالتأكيد كقول الرسول بأنه صورة الآب في ابنه (كو 15:1). بصورته يشرق علينا، بمعنى يشرق صورته، الابن، علينا لكي يشرق هو علينا، لأن نور الآب هو نور الابن. من يرى الآب يرى أيضًا الابن، ومن يرى الابن يرى الآب. حيث لا يوجد اختلاف بين مجدٍ ومجدٍ، فإن المجد هو واحد بعينه.

القديس جيروم

- ابن اللَّه هو الكلمة والبرّ. لكن كل خاطئ هو تحت سطوة رئيسٍ هذا الدهر [4] حيث أن كل خاطئ يصير صديقًا للدهر الحاضر الشرير. إذ لا يُسلم نفسه لذاك الذي بذل ذاته عن خطايانا ليخلصنا من الدهر الحاضر الشرير، وينقذنا حسب إرادة إلهنا وأبينا، كما جاء في الرسالة إلى أهل غلاطية (4:1). الشخص الذي بإرادته يخطئ هو تحت طغيان رئيس هذا الدهر، وتحكمه الخطية. لهذا يأمرنا بولس ألا نخضع بعد للخطية التي تريد أن تسيطر علينا. فقد أوصانا بالكلمات التالية: "إذًا لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته" (رو12:6).

العلامة أوريجينوس

٣. استقامة الخدمة

"فإننا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع ربًا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع" [5].

علامة استقامة خدمته أن يتقدم إليهم عبدًا لهم ليكرز بالمسيح لا بنفسه. ما يشغله تقديم فكر المسيح وحبه وعمله وشخصه الإلهي لا تقديم ذاته. شهوة قلبه أن يخدم العالم لكي يقبل سيده مخلص العالم. لا يخجل الرسول من أن يدعو نفسه عبدًا doulous لهم، فهذا هو إحساسه الحقيقي العميق، وهذه هي الدعوة الإلهية التي وُجهت إليه. لا يشتهي أن يكرز بحكمته ولا بقدرته ولا ببره الذاتي، بل يشهد للمسيا أنه الرب الذي له سلطان على السماء والأرض، الذي يصالح البشرية مع الآب.

- إنه ليس نحن بل هو الذي يمكّن إيماننا، يقبلنا ويديننا به.

القديس ديديموس الضرير

- إذ يعبر بولس عن نفسه بتواضعٍ يتحدث بطريقة معينة ليظهر أنه لم يكن يكرز بالإنجيل لصالحه الخاص، وإنما لمجد المسيح الرب، الذي هو مطيع له.

أمبروسياستر

- أنا خادم. لست إلا خادمًا للذين يقبلون الإنجيل، أمارس كل شيء من أجل الآخر (المسيح)، وأفعل كل شيء من أجل مجده. فإذ تخاصمونني تهينون من هو للَّه.

- إن خدمت هكذا فأنت لست عبدًا، ذلك إن فعلت هذا عن مبدأ، وبنية صالحة، ومن القلب، إن كان ذلك من أجل المسيح. هذه هي العبودية التي يمارسها بولس الحر ويعلن عنها بقوة: "فإننا لسنا نكرز بأنفسنا بل بالمسيح يسوع ربًا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع". انظروا كيف يعري عبوديتكم من معناها. فإنه بنفس الطريقة كما لو إن إنسانًا قد سرقه أحد فإن اعطاه أكثر مما أخذ منه، فلا يحسب كمن سُرق، بل بالأحرى بين الذين يعطون بسخاء، وليس بين الذين عانوا من شرٍ بل ممن يصنعون الخير.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إذ تدركون ثمار التواضع وعقوبة الغرور تمثلوا بالسيد بأن يحب أحدكم الآخر، ولا تخشوا الموت أو أية عقوبة أخرى من أجل صلاح الغير. لكن الطريق الذي دخله اللَّه من أجلكم أُدخلوا فيه من أجل الغير، عاملين بدون توقف بجسدٍ واحدٍ ونفسٍ واحدة للدعوة العُليا، للَّه المحب ولأجل بعضكم البعض. لأن محبة الرب ومخافته هما الإتمام الأول للناموس.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

يعلن بولس الرسول هنا أنه الناطق باسم الرب، لا باسم نفسه، فيشعر كمن هو مع أبناء سيده محتاج معهم إلى عمله الإلهي. وإن كان سيده بمسرةٍ قبل إن يكون عبدًا للبشر لكي يهبهم البنوة للَّه أفلا يحسب الرسول أنه يشارك سيده مسرته حين يقبل أن يكون هو أيضًا عبدًا للبشر؟

- "إن لم يبن الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون، إن لم يحفظ الرب المدينة فباطلاً يسهر الحارس" (مز127: 1)... إننا نحرسكم في عملنا كوكلاء للَّه: لكننا نحن أيضًا نود أن يحرسنا معكم.

إننا كما لو كنا رعاة بالنسبة لكم، لكننا أيضًا في رعاية اللَّه، إذ نحن خراف زملاء لكم.

إننا معلمون بالنسبة لكم، لكننا بالنسبة للَّه فهو السيد الواحد.

إن أردنا أن يحرسنا اللَّه الذي تواضع من أجلنا وتمَّجد لكي يحفظنا، فلنتواضع نحن أيضًا فلا يحسب أحد نفسه أنه شيء. فإنه ليس لأحدٍ شيء صالح ما لم يكن قد أخذه من اللَّه الذي هو وحده صالح.

القديس أغسطينوس

"لأن اللَّه الذي قال أن يشرق نور من ظلمة، هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد اللَّه، في وجه يسوع المسيح" [6].

يتطلع الرسول بولس إلى التمتع بالاستنارة الداخلية بأنها عمل خلق لن يحققه أحد سوى اللَّه نفسه. يشير هنا إلى تكوين ٣:١ حيث قال اللَّه "ليكن نور" حين كانت الظلمة تغطي وجه الأرض فكان نور. هكذا يتطلع إلى قلوبنا التي سادتها ظلمة الجهالة ليشرق بنوره الإلهي عليها وتتمتع بالمعرفة السماوية، فتستنير وتنير الآخرين. أما قوله "في وجه يسوع المسيح" فإن هذه الاستنارة تتحقق بالمسيح، وفيه نتمتع بشركة مجده الإلهي، ونحمل بره وقداسته.

- أترون كيف يظهر بولس مجد موسى مشرقًا ببهاءٍ زائدٍ على الذين يريدون أن يروه؟ إنه يشرق في قلوبنا، كما أشرق على وجه موسى كقول بولس (خر 29:34-35). أولاً يُذكرهم بما حدث في بدء الخلقة (تك 3:1)، وبعد ذلك يٍظهر أن هذه الخليقة المتجددة هي أعظم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- حيث أن الطبيعة الإلهية غير منظورة، وباقية على الدوام، تُرى ما هو عليه في ناسوت يسوع المسيح الذي يشرق بنورٍ إلهيٍ وتُرسل أشعتها.

ثيؤدورت أسقف قورش

- عندما قال الرسول: "اللَّه الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا" [6]. يشير إلى القيامة. لقد أظهر أن هذه القيامة خروج من الحالة القديمة التي كانت على شبه الجحيم Sheol تسجن الشخص حيث لا يشرق نور الإنجيل عليه سريًا. تشرق هذه النسمة من الحياة خلال الرجاء في القيامة. بها يشرق فجر الحكمة الإلهية في القلب، حتى يصير الشخص جديدًا، ليس فيه شيء قديم.

القديس مار اسحق السرياني


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 4 جـ3 PDF Print Email

- "إن لم تعرفي نفسك أيتها الجميلة بين النساء، فأخرجى على أثار الغنم، وارعي جداءك عند خيام الرعاة" (نش 1: 8)... هذا هو الطريق المؤكد لحماية نفسكِ، ويمكن التحقق من أن اللَّه قد وضعنا في مستوى أعلى بكثير من بقية المخلوقات. فلم يصنع السموات على هيئته ولا القمر أو الشمس أو النجوم الجميلة أو أي شيء آخر تراه في الخليقة.

أنت وحدك قد خُلقت على مثال هذه الطبيعة التى تعلو فوق أي إدراك، على هيئة الجمال الأبدي وصورته، كما استقبلت البركات الإلهية الحقيقية، وختم النور الحقيقي، وستصير مثله عندما تنظر إليه. وعندما تقتدي به هذا الذي يشرق في داخلك (2 كو 6:4) وينعكس نوره بواسطة طهارتك.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

في طقسنا المعاصر، قبل الاحتفال بعيد القيامة المجيد أو الفصح المسيحي، يُقرا الإنجيل الخاص بتفتيح عينيْ الأعمى في أحد التناصير، الأحد السابق لأحد الشعانين. وكأن العماد المقدس (التناصير) في حقيقته تفتيح لبصيرتنا الداخلية لمعاينة أسرار الحب الإلهي، فنقبل دخول المسيح نور العالم إلى أورشليمنا الداخلية لكي ننعم به بسرّ الفصح الحقيقي كسرّ استنارة يمس حياتنا الشخصية.

بهذا نفهم كلمات ربنا نفسه عن العماد المقدس، أنه بدونه لا نقدر أن نعاين ملكوت اللَّه (يو 3:3، 5)، أي بدونه لا تكون لنا البصيرة الداخلية المستنيرة التي تدرك ملكوت النور وتنعم به.

- يسمى هذا الاغتسال - أي المعمودية - استنارة، لأن الذين يتعلمون هذه الأمور تستنير افهامهم.

القديس يوستين

- إن خطايانا تُغفر بدواء عظيم، بمعمودية الكلمة.

إننا بالمعمودية نتطهر من جميع خطايانا، ونصير في الحال مُبرئين من الشر. وهي بعينها نعمة الإنارة حتى أننا لا نبقى بعد اهتدائنا (تغيير طريقنا) كما كنا قبل أن نغتسل، نظرًا إلى أن المعرفة تبزغ مع الاستنارة، وتضيء حول العقل، ونحن الذين كنا بلا معرفة أصبحنا على التو متعلمين. هذه المعرفة التي قد أنعم علينا بها...

لأن التعليم البديهي يقود إلى الإيمان، والإيمان يُلقَّن لنا بالروح القدس في المعمودية.

القديس اكليمنضس الاسكندري

- إذ نعتمد نستنير، وإذ نستنير نُتبنى، وإذ نُتبنى نكمل... ويُدعى هذا الفعل بأسماء كثيرة اعني نعمة واستنارة وكمالاً وحميمًا... فهو استنارة إذ به نرى النور القدوس الخلاصي، أعني أننا به نشخص إلى اللَّه بوضوح.

- بثلاث غطسات ودعاء مساوٍ لها في العدد يتم سرّ المعمودية العظيم لكي يتصور رسم الموت وتستنير نفوس المعمدين بتسليم معرفة اللَّه.

القديس باسيليوس الكبير

- الاستنارة وهي المعمودية... هي معينة الضعفاء... مساهمة النور... انتفاض الظلمة.

الاستنارة مركب يسير تجاه اللَّه، مسايرة المسيح، أساس الدين، تمام العقل!

الاستنارة مفتاح الملكوت واستعادة الحياة…

نحن ندعوها عطية وموهبة ومعمودية واستنارة ولباس الخلود وعدم الفساد وحميم الميلاد الثاني وخاتمًا وكل ما هو كريم.

القديس غريغوريوس النزينزي

- المعمودية هي ابنة النهار، فتحت أبوابها فهرب الليل الذي دخلت إليه الخليقة كلها!

المعمودية هي الطريق العظيم إلى بيت الملكوت، يدخل الذي يسير فيه إلى بلد النور!

هذا الثوب الذي لبسته يا إنسان داخل المعمودية سداه نور،
ولحمته روح، وهو لهيب. لقد أعده لك الآب،ونسجه لك الابن، وأحاكه لك الروح. في داخل المياه نزلت ولبسته إلهيًا. لقد قدم الثالوث النار بالمعمودية ليحرق الإثم ولكي تحيا النفوس مع اللَّه.
مار يعقوب السروجي

"ولكن لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفيةٍ، ليكون فضل القوة للَّه لا منّا" [7].

لماذا لا يكرز بولس والعاملون معه بأنفسهم؟ لأنهم مجرد أوانٍ خزفية، لا قيمة لها في ذاتها، إنما في الكنز الذي يحملونه ويكرزون به.

التعبير الأصلي ostrakinois يعني أوان من القواقع (الصدف) وهي هشة للغاية، وكما تحوي القوقعة سمكة في الداخل هكذا نحمل كلمة الحق في أعماقنا. أيضًا تحمل معنى الخزف الذي يصنع من التراب أو الطين وحرقه بالنار.

جاء في الأدب اليهودي إن أميرة ذهبت إلى الحاخام يشوع بن قانانيا Chananiah وقالت له: "يا لعظمة مهارتك في الشريعة! مع هذا يا لبشاعة منظرك! كيف تُلقى الحكمة في أناء دنئ؟" سألها الحاخام عن الأواني التي تحفظ فيها الخمر. أجابت أنها خزفية من التراب، تفعل مثلما يفعل عامة الشعب. قال لها أنه أليق بها كابنة للإمبراطور أن تحتفظ بخمرها في أوانٍ فضيةٍ. فعلت الأميرة هذا ففسد الخمر، وإذ سأل الإمبراطور عمن قدم لها هذه المشورة وعرف أنه الحاخام يشوع استدعاه. أخبره الحاخام بكل ما جرى بينه وبين الأميرة، وقال له بأن الحكمة لا تستودع في شخص وسيم مهتم بمظهره الخارجي فحسب وإنما في إنسان متواضعٍ كإناء ترابي.

- إنه الكنز الذي أُعطي لهم في هذه الحياة ليمتلكوه في داخل نفوسهم، الذي "صار لنا حكمة اللَّه وبرًّا وقداسةً وفداءً" [30]. فالذي وجد كنز الروح السماوي وامتلكه يتمم به كل برّ الوصية وكل تتميم الفضائل بنقاوةٍ وبلا لومٍ، بل بسهولة وبدون تغصبٍ.

لذلك فلنتضرع إلى اللَّه، ونسأله ونطلب منه بشعور الاحتياج، أن ينعم علينا بكنز روحه، لكي ما نستطيع أن نسلك في وصاياه كلها بطهارةٍ وبلا لومٍ، ونتمم كل برّ الروح بنقاوة وكمال، بواسطة الكنز السماوي، الذي هو المسيح.

القديس مقاريوس الكبير

- هل لانزال نجسر ونفتخر بالإرادة الحرة ونهين بركات اللَّه واهب العطايا إن كان الإناء المختار (بولس) يكتب بوضوح: "ولكن لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية ليكون فضل القوة للَّه لا منّا" [7]؟.

القديس جيروم

يرى القديس جيروم أن أثمن كنز موجود في أوانٍ خزفية هو كلمة اللَّه المخفية في كلمات الكتاب المقدس، أي في حروف اللغات البشرية.

- "لنا كنز في أوانٍ خزفية هكذا". كثيرون يفسرون هذه العبارة الأخيرة بخصوص الجسد للروح، ليعني بالطبع أننا نقتني كنزًا في أوانٍ أرضية. يوجد هذا التفسير الأكيد، لكنني أظن أن الفهم الأفضل للكنز هو أنه لدينا أثمن كنز في أوانٍ خزفية رمزًا لكلمات الكتاب المقدس البسيطة.

- كل كلمة من الكتاب المقدس لها رمزها الخاص. هذه الكلمات البسيطة يتأملها الأشخاص في كل جيلٍ وهي تُغلّف معنى سريًا كاملاً... "ولكن لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية" [7]. لنا كنز إلهي من المعاني في كلمات عادية جدًا.

القديس جيروم

- يُظهر كل من عظمة الأمور الموهوبة مع ضعف الذين يستلمونها قوة اللَّه، الذي ليس فقط يهب أمورًا عظيمة، وإنما يعطيها أيضًا للضعفاء. يستخدم تعبير "أرضي (خزفي)" كتلميحٍ عن ضعف طبيعتنا الميتة ولإعلان ضعف جسدنا. فإنه ليس بأفضل من الآنية التي سرعان ما تتحطم وتتدمر بالموت والمرض، بل وحتى بتغيير درجات الحرارة. تبرز قوة اللَّه جدًا عندما تحقق أعمالاً قديرة باستخدام أشياء تافهة ودنيئة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- هنا نفهم من الكنوز، كما في عبارات أخرى، كنز المعرفة والحكمة المخفية، ونفهم الأواني الخزفية أسلوب الكتب المقدسة المتواضع، الذي قد يحتقره اليونانيون، والذي فيه يظهر سمو قوة اللَّه بوضوح.

العلامة أوريجينوس

٤. آلام الخدمة والعون الإلهي

"مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين، متحيرين لكن غير يائسين" [8].

أكد السيد المسيح لتلاميذه أنه في العالم سيكون لهم ضيق (يو ٣٣:١٦). وقد أحاط الضيق بالرسول بولس ومن معه في كل شيء: "مكتئبين في كل شيء" لكن لم يكن لكل هذه الضيقات أن تقف عائقًا أمام الرسول أو تحبس عمله، بل كانت بالنسبة له فرصة لاكتشاف إمكانيات اللَّه إله المستحيلات. فهو قادر أن يسند ويعين ويحول المرارة إلى عذوبة.

عبَّر الرسول عما حلْ به ومن معه هكذا:

أولاً: كانوا مكتئبين في كل شيء.

ثانيًا:
متحيرين.

ثالثًا: مضطهدين [٩].

رابعًا: مطرودين.

ثلاثة من هذه التعبيرات كانت تستخدم في الصراعات الأسثموس Isthmus في كورنثوس والتعبير الرابع في سباق الجري.

جاء تعبير: "مكتئب" هنا في اليونانية ليصف من يسقط في يدي خصمه الذي يصارع ضده ولا يقدر أن يقاوم، فيبدو كمن عجز تمامًا عن تكملة المعركة.

وجاء تعبير "متحير" Aporoumenoi يصف من يقف في حيرة أمام قدرة خصمه المصارع ضده ومهارته مغلوبًا على أمره ولا يعرف ماذا يفعل.

هكذا يبدو الرسول بولس كمن في حلبة المصارعة قد سقط في يدي خصمه الذي كاد أن يفتك به، ووقف مذهولاً في حيرة كمن هو بلا خبرة أمام خصم قوي ومُدرب حسنًا. مع هذا كله لم يحل به الضيق ولا سقط في اليأس، لأنه حتمًا بالمسيح يسوع يقوم ويغلب وينال إكليل النصرة.

- هذا معناه أننا لم نسقط تمامًا... هذه الأمور يسمح بها اللَّه لتدريبنا وكنوعٍ من الاختبار.

- تحل الأحزان ليس فقط من الأعداء، بل حتى من أهل بيتنا ومن أصدقائنا. يسمح اللَّه بهذه الأمور لا لهزيمتنا بل لتأديبنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ذاك الذي يحب المسيح، أي الكلمة، يتمثل به قدر المستطاع. هكذا لم يكف المسيح عن أن يصنع صلاحًا للبشر. إذ عومل بحقارة وجُدف عليه كان طويل الأناة ومات بواسطتهم. لقد احتمل دون أن يفكر شرًا في أحدٍ من الجميع. هذه الأمور الثلاثة هي أعمال محبة القريب. وفي غياب هذه الأمور من يقول أنه يحب المسيح أو يحمل ملكوته إنما يخدع نفسه.

الأب مكسيموس المعترف

- إن لم يحدث شيء من هذه الأمور لن تُعلن عظمة قوة اللَّه.

ثيؤدورت أسقف قورش


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
نفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 4 جـ4 PDF Print Email
- ينقذنا اللَّه من الأحزان ليس حين لا نعود نصير في حزن (يقول بولس: "مكتئبين في كل شيء" كأنه لا يوجد وقت نكون فيه غير مكتئبين)، ولكننا لا نتحطم ونحن في حزننا، وذلك بمعونة اللَّه. بحسب استخدام اللغة الدارجة لدى العبرانيين "أن نكون مكتئبين" تعني ظروف حرجة تحدث لنا بغير اختيارنا، يغلب عليها الاكتئاب ونسقط تحت سلطتها. هكذا بحق يقول بولس: "مكتئبين في كل شيء ولكن غير محطّمين crushed".

- بسبب هذه العطية الصالحة للمحبة أو الحب، لم يكن القديسون متضايقين في التجارب، ولا متحيرين تمامًا في شكٍ، ولا يهلكون عندما ينطرحوا. وإنما في اللحظات الحاضرة تعمل خفة تجاربهم لحسابهم لثقل المجد الأبدي بغير قياسٍ. هذه التجربة الحاضرة لا تُوصف على أنها إلى لحظات وخفيفة بالنسبة لكل أحدٍ، وإنما لبولس ومن هم على مثاله بنوالهم محبة اللَّه الكاملة في المسيح يسوع منسكبة في قلوبهم بالروح القدس (رو ٥:٥).

العلامة أوريجينوس

- ينبغي علينا أن نعرف أن البشر جميعًا يجرّبون لأسباب ثلاث:

أ. غالبًا لأجل اختبارهم (تزكيتهم).

ب. وأحيانًا لأجل إصلاحهم.

ج. وفى بعض الحالات بسبب خطاياهم.

1- فمن أجل اختبارهم، كما نقرأ عن الطوباويين إبراهيم وأيوب وكثير من القديسين الذين تحملوا تجارب بلا حصر.

2. ومن أجل الإصلاح، وذلك عندما يؤدب أبراره من أجل خطاياهم البسيطة (اللاإرادية) والهفوات، ولكي ما يسمو بهم إلى حال أعظم من النقاء، منقيًا إياهم من الأفكار الدنسة، وذلك كالقول "كثيرة هي بلايا الصديق" (مز19:34)، "يا ابني لا تحتقر تأديب الرب ولاتَخُرْ إذا وبَّخك. لأن الذي يحبُّهُ الربُّ يُؤَدّبهُ ويجلد كل ابنٍ يقبلهُ فأيُّ ابنٍ لا يؤَدبهُ أبوهُ. ولكن إن كنتم بلا تأْديبٍ قد صار الجميع شركاءَ فيهِ فأنتم نغول (أي أولاد زنا) لا بنون" (عب5:12-8)...

3. كعقاب من أجل الخطية وذلك كما هدّد الله بأن يُرسل أوبئة على بني إسرائيل (لشرهم) "أرسل فيهم أنياب الوحوش مع حُمَة زواحف الأرض" (تث24:32). وأيضًا في المزامير: "كثيرة هي نكبات الشرير" (مز10:32)، وفى الإنجيل جاء: "ها أنت قد بَرِئْت. فلا تخطئْ أيضًا لئَلاَّ يكون لك أَشَرُّ" (يو14:5)...

ينبغي للإنسان المستقيم ألا يكون عقله مثل الشمع أو أي مادة رخوة فيسهل تشكيله بما يُضغط عليه، فيُختم آخذًا شكل الختم إلى أن يأخذ شكلاً آخر عندما يُختم بختم آخر. وبهذا لا يبقى ثابتًا على شكله، بل يتغير ويتشكل متأثرًا بما يُضغط عليه. إنما يلزم أن يكون كالختم الحديدي الصلب، فيحتفظ العقل على الدوام بصلاحه وطهارته، خاتمًا شكله على كل شيء، مظهرًا علاماته عليها. وبهذا فإنه مهما حدث من الأمور لا تنزع عنه علاماته.

الأب ثيؤدور

"مضطهدين لكن غير متروكين، مطروحين لكن غير هالكين" [9].

تعبير "مضطهد" Diookomenoi هنا يشير إلى من فاته السباق وصار في المؤخرة وعاجز عن أن يلحق بالآخرين.

تعبير "مطروح" Kataballomenoi يخص المصارع وقد سقط ملقيًا على الأرض.

إن كان قد صار في مؤخرة سباق الجري عاجز عن اللحاق بمنافسيه أو طرحه العدو المصارع أرضًا، فبالمسيح يسوع يسبق الكل، ويقوم ليغلب ويُكلل.

- كان اللَّه معهم مثل راعٍ عندما كانوا في عوزٍ. كان يتطلع إلى اهتماماتهم حتى لا ينال أعداؤهم منهم شيئًا.

أمبروسياستر

- أما رئيس هذا العالم (الشيطان)، المسيطر حيثما وجد الضلال والاضطراب، فيبتعد عن إنسان تسود حياته السلام والترتيب الكامل ويسيطر عليها ابن اللَّه. فعندما ينشأ هذا السلام من الداخل ويثبت، فإن جميع الاضطهادات التي يثيرها رئيس هذا العالم من الخارج، لا تستطيع أن تهز شيئًا من ذلك البناء الداخلي، بل يؤدي قوة البناء من الداخل إلى فشل مكائد إبليس من الخارج. لذا أكمل الرب قائلاً "طوبى للمطرودين من أجل البرّ. لأن لهم ملكوت السموات".

القديس أغسطينوس

"حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع، لكي تظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا" [10].

يتحدث الرسول عن آلامه المستمرة بكونها تطابق آلام المسيح، وكأن الرسول يشارك السيد المسيح آلامه، وأيضًا آلام المسيح يسوع تعمل في آلام المؤمنين الذين يحملون إماتة الرب يسوع في جسدهم، مقدمين مثلاً رائعًا لقبول آلام المسيح بفرحٍ واعلان قبول حياته فيهم.

من أجل الحق الإنجيلي كان الرسول يتوقع الموت مع كل لحظة من لحظات حياته. وكما أن المصارعين يحملون في أجسادهم أثار الجراحات والكدمات التي تلقوها من المنافسين ويفتخرون بها بعد نوال إكليل النصرة، هكذا يرى الرسول أثار الآلام علامة مجد، لأنها شركة مع المسيح في آلامه.

بحسب الفكر البشري يموت الرسول وتنتهي حياته، لكن إذ يعمل المسيح فيه يهبه حياة جديدة كل يوم، هي حياة المسيح العامل فيه.

- يشترك المسيح نفسه في موت الشهداء. آلامهم هي آلامه. حياته تطهّر أجسامهم. آلامهم هي شهادة للحقيقة أنهم معدون لنوال الحياة العتيدة التي وعد بها المسيح.

أمبروسياستر

- ما هو موت يسوع الذي حملوه معهم؟ إنه الميتات اليومية التي ماتوها، والتي بها ظهرت أيضًا القيامة. هذا سبب آخر للتجارب، وهي أن تُعلن حياة المسيح في أجسامنا البشرية. فما يشبه الضعف والعوز في الواقع يعلن قيامته.

- لاحظ هذا. تقول: إن هابيل قدم ذبيحة مقبولة (تك4:4)، بهذا كان متميزًا. لكن إن اختبرنا ذبيحة بولس نجدها تفوق تلك التي لهابيل كما تعلو السموات عن الأرض. تسأل ماذا أعني؟ ببساطة قدم بولس ذاته ذبيحة يومية كاملة، وكانت تقدمته مضاعفة:

أولاً: كان يموت كل يومٍ (1 كو31:15 ).

ثانيًا: كان يحمل في جسده إماتة يسوع على الدوام (2 كو 10:4)، إذ كان دائمًا يواجه أخطارًا، وكان راغبًا في الاستشهاد، بإماتة جسده صار بالفعل تقدمة ذبيحية، بل وبالحق أكثر من ذبيحة! لأنه لم يقدم ذبيحة غنمٍ أو ماشيةٍ، بل تقدمة جسده ودمه كذبيحة يومية مضاعفة. لهذا تجاسر فقال: "أنا الآن اُسكب في ذبيحة" (2 تي6:4)، داعيًا دمه تقدمة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إذ لم نستعن بحياته الأصلية وسقطنا في الخطية، نزل هو إلى موتنا حتى إذ يموت للخطية نحمل في جسدنا موت يسوع فنتقبل حياته الأبدية. فإن هؤلاء الذين دومًا يحملون في جسدهم موت يسوع سينالون حياة يسوع أيضًا مُعلنة في أجسادهم.

- إن كان أحد وهو إنسان يميت الشهوات الإنسانية، فيميت بالروح أعمال الجسد، ويحمل دومًا في الجسد موت يسوع حتى يبلغ إلى مرحلة الطفل الصغير الذي لا يذوق الملذات الحسية ولا يكون له ادراك بالدوافع الخاصة بالبشر، مثل هذا يتحول ويصير طفلاً صغيرًا. وبقدر ما يعظم تقدمه يدخل بالأكثر في مرحلة الأطفال الصغار من جهة العواطف. وذلك إن قورن بالذين لهم تدرب دون تقدم عظيم في مرتفعات ضبط النفس، مثل هذا يكون الأعظم في ملكوت السموات.

العلامة أوريجينوس

"لأننا نحن الأحياء نسلم دائمًا للموت من أجل يسوع، لكي تظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا المائت" [11].

نحن الذين في خطر الموت الدائم نحيا مقدمين حياتنا ذبيحة حب لحساب السيد المسيح الذي يتمجد فينا إذ يهبنا الحياة المقامة.

يعتقد العلامة أوريجينوس أن السيد المسيح بذاته، رب الشهداء، هو الشهيد الحقيقي الذي يعمل في حياة المؤمنين به. فقد عايش عهودًا عديدة من الاضطهاد، وأعلن أن المسيح، يسمح بالآلام للشهيد، إذ هو يتألم في شهدائه. ويمنح الشهيد النصرة، ويُلبسه الإكليل، ويقبل ذلك الإكليل في ذاته. ويدرك أن الإخلاص المطلق الذي للشهيد المسيحي يحمل في ذاته قوة إقناع قادرة أن تأتي بالوثنيين إلى رؤية الحق.

"إذا الموت يعمل فينا، ولكن الحياة فيكم" [12].

يقول: "نحن الرسل في خطر مستمر، نمارس الإماتة على الدوام، كمن هم موتى، أما الشعب فيتقبلون الإنجيل الذي يهبهم الحياة السماوية الجديدة".

- يقول بولس هذا لأنه كان هو وتيموثاوس مهدّدين بالموت، فبسبب كرازتهما للأمم أثارا كراهية اليهود والأمم، وتعرضا لخطر الموت.

أمبروسياستر

- نحتمل موته لكي يظهر قوة حياته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إن كنتم تصدقون أن بولس قد أُختطف إلى السماء الثالثة، وإلى الفردوس، حيث "سمع كلمات لا يُنطق بها، ولا يسوغ لإنسانٍ أن يتكلم عنها" (2 كو 2:12، 4)، فسوف تتيقنوا بالتالي أنكم ستتعرفون على أمورٍ أكثر وأعظم مما كُشف لبولس، والتي هبط بعدها من السماء الثالثة. أما أنتم فلن تهبطوا، إذا ما حملتم الصليب وتبعتم يسوع، رئيس كهنتنا، الذي اجتاز السموات (عب 14:4). إن كنتم لا ترتدون عن إتباعه، فإنكم تجتازون السموات، مرتفعين، لا فوق الأرض وأسرارها فحسب، بل وفوق السموات وأسرارها أيضًا.

العلامة أوريجينوس

السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 4 جـ5 PDF Print Email
"فإذ لنا روح الإيمان عينه حسب المكتوب: آمنت لذلك تكلمت، نحن أيضًا نؤمن ولذلك نتكلم أيضًا" [13].

كما كتب داود: "آمنت لذلك تكلمت" (مز ١٠:١١٦) هكذا نحن نؤمن بأننا تقبلنا تحقيق الوعود الإلهية، وصار لنا حق التمتع بالخلاص الأبدي وشركة المجد مع المسيح. هذا ما نشهد عنه ونتكلم به.

ما آمن به رجال العهد القديم خلال إعلانات الروح هو ذات إيماننا، لكن ما نرجوه هو تمتعنا نحن به لذا لاق بنا أن نشهد له.

- يذكرنا بولس بالمزمور 10:116 الذي يذكرنا بالحكمة السماوية، ويناسب بالأكثر تشجيعنا أثناء المخاطر. نطق المرتل بهذه الكلمات عندما كان في خطرٍ عظيمٍ، ولم يكن هناك أي احتمال للَّهروب إلا بقوة اللَّه. في ظروف مماثلة يقول بولس إننا نحن الذين لنا ذات الروح سنتعزى أيضًا مثله. هكذا يظهر بولس أنه يوجد تناغم عظيم بين العهدين القديم والجديد. ذات الروح يعمل في كليهما. كان رجال العهد القديم في خطرٍ كما نحن أيضًا. ويليق بنا نحن أيضًا أن نجد مثلهم حلاً خلال الإيمان والرجاء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- علاوة على هذا فإن شفيعنا، إذ أعلن لنا، أراد أن يظهر سرّ تجديدنا، ولكن بالنسبة لأبرار العهد القديم كان الأمر مخفيًا، مع أنهم هم أيضًا يخلصون بذات الإيمان الذي أُعلن في حينه. فإننا لا نجسر أن نفضل مؤمني عصرنا عن أصدقاء اللَّه الذين بهم قُدمت هذه النبوات، حيث أن اللَّه أعلن عن نفسه أنه إله إبراهيم، وإله اسحق، وإله يعقوب، معطيًا لنفسه هذا الاسم أبديًا... فكما أنهم آمنوا بتجسد المسيح الذي كان سيحدث حين كان مخفيًا، هكذا نحن أيضًا نؤمن بأن هذا قد حدث.

- قبل مجيئه في الجسد آمنوا أنه سيأتي في الجسد. إيماننا هو بعينه كإيمانهم، حيث آمنوا بأن هذا سيحدث، أما نحن فنؤمن بأن هذا قد حدث.

القديس أغسطينوس

"عالمين إن الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضًا بيسوع، ويحضرنا معكم" [14].

وسط هذه الآلام التي حولت حياة الرسل إلى إماتة دائمة تشرق عليهم قيامة المسيح فيتمتعون بعربون القيامة معه. لم يخفِ الرسل الموت، إذ حسبوه طريق القيامة المفرح، به يعبرون مع المسيح وبالمسيح إلى المجد.

- الذي أقام يسوع من الأموات سيقيمنا نحن أيضًا إن فعلنا إرادته وسلكنا في وصاياه وأحببنا ما يحبه، ممتنعين عن كل شرٍ وطمعٍ ومحبة مالٍ وكلامٍ شرير وشهادة زور.

القديس بوليكاربوس

- مرة أخرى يملأ بولس أهل كورنثوس بالأفكار السامية حتى لا يشعروا أنهم مدينون بشيء للرسل الكذبة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- اعتقد بولس أنه قد صار خلال عمل المسيح هو والمؤمنون أعظم من الموت، وأنهم جميعًا سيُحضرون أمام كرسي الحكم الرهيب.

ثيؤدورت أسقف قورش

"لأن جميع الأشياء هي من أجلكم، لكي تكون النعمة وهي قد كثرت بالأكثرين تزيد الشكر لمجد اللَّه" [15].

يقصد بجميع الأشياء هنا خبرة الألم والموت اليومي والتمتع بعربون القيامة والحياة الجديدة، كل هذه الخبرات التي يعيشها الرسل مقدمة للشعب. الألم في حياة الخدام هو الطريق الحي لكسب نفوس جديدة وبنيان المؤمنين ونموهم الروحي.

- لا يريد اللَّه أن يُستبعد أحد من عطيته. لكن لأنه ليس كل أحدٍ قد استلم كلمة الإيمان، لهذا فإن رسول اللَّه الذي عرف إرادة اللَّه لم يخفْ من احتمال الاضطهادات والمخاطر مادام يستطيع الكرازة لكل واحدٍ بإيمان حتى يؤمن أناس أكثر.

أمبروسياستر

- لم يقم اللَّه المسيح من الأموات من أجل شخصٍ واحدٍ فقط بل لنفعنا نحن جميعًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لذلك لا نفشل، بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يومًا فيومًا" [16].

لن يتسلل اليأس إلى حياتنا، لأنه من الخارج يشيخ الجسد بحواسه ويفنى خاصة خلال الآلام والتجارب، لكن النفس في الداخل التي لا يراها أحد تتجدد طبيعتها، وتتقبل النور الإلهي والحياة الجديدة، فتتمتع بالحياة المقدسة المطوِّبة وتتجدد يومًا فيومًا. بينما يشيخ الجسد تتمتع النفس بالحداثة أكثر فأكثر.

- بدأ تجديد البشرية في جرن المعمودية المقدس، ويتقدم تدريجيًا ويتم بأكثر سرعة في بعض الأفراد وأكثر بطئًا في آخرين. لكن كثيرين يتقدمون نحو الحياة الجديدة، إن لاحظنا الأمر بأكثر دقة وبدون تحيّزٍ. وكما يقول الرسول: "وإن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يومًا فيومًا" [16]. إنه يقول إن الإنسان الداخلي يتجدد يومًا فيومًا حتى يصير كاملاً، لكن يلزمكم أن تسمحوا له بالبدء في الكمال فهل تشتهون بالحق ذلك؟ لكنكم تسعون أن تقودوا الغافلين في ضلال لا أن ترفعوا الضعفاء.

- الإنسان ليس جسدًا وحده، وليس نفسًا وحدها، بل هو كائن يتكون من كليهما. هذا بالحق حقيقة، أن النفس ليست هي الإنسان كاملاً ولكنها الجزء الأفضل منه، ولا الجسم هو الإنسان كله، لكنه الجزء الأقل، وعندما يرتبط الاثنان معًا يحملان اسم الإنسان. على العكس عندما يكون الإنسان حيًا والجسم والنفس متحدين يُدعى كل منهما باسم "الإنسان" فنتحدث عن النفس انها "الإنسان الداخلي"، والجسم "الإنسان الخارجي"، كما لو كانا اثنين وإن كانا هما معًا بالحق إنسانًا واحدًا.

القديس أغسطينوس

- في أوقات الاضطهاد تتقدم النفس. تضيف في كل يوم شيئًا أكثر إلى خبرتها للإيمان. حتى إن حلّ دمار بالجسم فإنه يبلغ به إلى الخلود خلال استحقاق النفس.

أمبروسياستر

- ينحل الجسم بجَلده واضطهاده، ولكن الإنسان الداخلي يتجدد بالإيمان والرجاء والإرادة المتطلعة إلى قدام التي تشجع الذين في شدةٍ. لأن رجاء النفس يتناسب مع آلام الجسم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لن يدعوها جميلة ما لم يرَ صورتها تتجدد يومًا فيومًا.

العلامة أوريجينوس

- الإنسان الذي له اهتمام أفضل في قلبه سيهتم بصفة خاصة بنفسه ولا يكف عن احتمال أية آلام تحفظه بلا دنس ويكون صادقًا مع نفسه.

إن هزل جسمه من الجوع أو بجهاده مع الحر والبرد، أو أصيب بمرضٍ أو عانى من عنفٍ من أحدٍ، فإنه لا يبالي كثيرًا بهذا، بل يتجاوب مع كلمات بولس فيقول في كل مصائبه: "وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يومًا فيومًا"...

وإن كان يجب أن يترفق الإنسان بجسمِه كأمرٍ ضروري للنفس، فقط بالقدر الذي يحفظه به ويكون نشيطًا برعاية معتدلة لخدمة النفس.

القديس باسيليوس الكبير

"لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبديًا" [17].

يرى الرسول إن الضيق يعمل لحساب تمتعه بالسماء، وأنه حتمًا سيزول لأنه وقتي. لنحرص على استغلاله، لأنه يقدم لنا ثقل مجدٍ أبديٍ. ليس من موازنة بين آلام زمنية أرضية وأمجاد خالدة أبدية سماوية. إن قورنت الآلام بكل ثقلها واستمرارها مع الزمن بالمجد المعد لنا تُحسب وقتية وهينة.

يقابل الرسول الآلام بالأمجاد، الأولى حاضرة والثانية مستقبلية، الأولى مؤقتة والثانية خالدة، الأولى خفيفة للغاية والثانية تمثل ثقلاً عظيمًا.

- لو لم يكن لنا خصوم لما كانت توجد معركة ولا مكافأة مخصصة للمنتصرين، ولًما قُدم لنا ملكوت السماء. "خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبديًا" [17]. ولَما كان لأحدٍ منّا رجاء في المجد العظيم في الحياة العتيدة نتيجة الصبر في الضيقات المحتملة.

- لم يكن بالأمر الهيّن الحزن المؤقت لكل أحدٍ، إذ لهم المحبة الكاملة للَّه في المسيح يسوع بالروح القدس منسكبة في قلوبهم.

العلامة أوريجينوس

- يقول بولس أن أحزاننا الحاضرة خفيفة إذ تحدث في حدود زمنٍ ما ومكانٍ معين. مقابل هذا التعب الهيّن نقتني المجد بدرجةٍ تفوق كل قياسٍ.

أمبروسياستر

- نرى الرسول المبارك يثبت أنظاره بسهولة على عظمة المكافأة العتيدة، مستهينًا باضطهاداته غير المحصية، قائلاً: "لأن خفَّة ضيقتنا الوقتيَّة تنشئُ لنا أكثر فأكثر ثقلَ مجدٍ أبديًّا" (2 كو17:4). هذا ما يؤكده في موضع آخر قائلاً: "فإني أحسب آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلَن فينا" (رو 18:8). هكذا مهما بلغ جهاد الضعف الإنساني، لن يبلغ (بذاته) إلى المكافأة المقبلة. ووجود جهاده لا ينفي عن النعمة الإلهية كونها مجانية.

الأب شيريمون

- هكذا طريق الصالحين فوق الكل، عندما يحتملون شيئًا من أجله، غير مبالين بمظهر ما يحدث بل يفهمون العلة وراء ذلك، فيحتملون كل شيء برباطة جأش.

هكذا عرف بولس معلم الأمم السجن والمحاكمات والمخاطر اليومية، كل هذه المصاعب الكثيرة التي لا تُحتمل، كأحمالٍ هينّة. ليس لأن هذه كانت هكذا بالحقيقة في طبيعتها، وإنما بسبب ما تنتجه من ورائها من اتجاه فيه لا يعود يرجع لمواجهة هذه التهديدات التي تحل به. لتصغِ بعد هذا كله إلى قوله: "لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبديًا" [17]. فتوقع المجد المعين لنا لنواله - كما يقول - بالمتعة غير المنقطعة يجعلنا نحتمل المتاعب واحدة فواحدة بغير صعوبة، ونحسبها كلا شيء. أترون كيف أن حب اللَّه يخفف من كثافة المتاعب وينزع عنّا أي إحساس بها حين تحل بنا؟ حتمًا بسبب هذا احتمل هذا الطوباوي كل شيء برباطة جأش مستندًا على الإيمان والرجاء باللَّه.

- كان القديس بولس من أنبل الرجال ومثالاً واضحًا لسمو الطبيعة البشرية وإمكانياتها (خلال النعمة) في الفضيلة. خلال حديثه عن شخص السيد (المسيح) وحثٌنا على الفضيلة أدان (بولس الرسول) المنادين بفساد الطبيعة البشرية، وأبكم أفواه الناطقين بالافتراءات، مؤكدًا أن الفرق بين الملائكة والبشر طفيف جدًا إن أرادوا الوصول إلى درجة الكمال.

لم تكن طبيعة بولس الرسول تختلف عن طبيعتنا؛ ولا نفسه مختلفة، ولا عاش في عالمٍ آخرٍ، بل سكن في نفس العالم والمدينة وخضع لنفس القوانين والعادات، لكنه فاق في الفضيلة كل البشر في الماضي والحاضر. الآن، أين هؤلاء المعترضون على صعوبة الفضيلة وسهولة الخطية؟ فهذا الرجل يدينهم بكلماته: "لأن خفة ضيقاتنا الوقتية تُنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدىٍ" (2 كو 17:4). فإن كانت ضيقاته محتملة وخفيفة فكم بالأحرى ضيقاتنا التي إن قارنتها بها صارت كلا شيء أو مجرد لذٌات؟

- حجم الأخطار التي واجهها ساعدت على زيادة النقد الموجه ضده، وجعلت النقاد يتشككون أن عظمته نابعة من قوة ما خارقة... سُمح له بالتألم حتى تدرك أنت أن طبيعته كانت مثل أي شخص آخر ولكن قوة إرادته جعلته ليس فقط إنسانًا فوق العادة ولكن صار كواحدٍ من الملائكة. بمثل هذه الروح وهذا الجسد تحمل ميتات كثيرة مستخفًا بالأشياء الحاضرة والمستقبلة وجعلته ينطق بهذه الكلمات الرائعة التي ظنها الكثيرون شبه مستحيلة: " فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل اخوتي أنسبائي حسب الجسد" (رو3:9).

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 4 جـ6 PDF Print Email

"ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى، بل إلى التي لا تُرى، لأن التي تُرى وقتية، وأما التي لا تُرى فأبدية" [18].

الآلام زمنية يمكن للحواس إدراكها، فالعين الطبيعية ترى ما يحل بالإنسان من ضيقات، خاصة التي تصيب الجسم، إما الأمجاد فروحية سماوية تخص شركتنا مع اللَّه غير المنظور.

- يقول بولس أن الذين يشتاقون إلى السماويات يحتقرون أمور هذا العالم، لأنه بمقارنته بما يشتهونه تكون هذه كلا شيء.

أمبروسياستر

- ستكون أحزاننا الحاضرة تافهة ومستقبلنا مجيدًا إن حوّلنا نظرنا عن المنظورات، وركزنا على الروحيات عوضًا عنها.

أي عذر نقدمه إن اخترنا الأمور الوقتية عوض الأبدية؟

حتى إن كان الحاضر فيه متعة، فإنه لن يدوم، بينما الحزن الذي يسببه يدوم. لا يمكن للذين يتمتعون بعطيةٍ عظيمةٍ هكذا أن يتذللوا ويسقطوا أمام أمور هذه الأرض.

- تأملوا أيها الأحباء الأعزاء أن متاعب الحياة، حتى إن كانت قاسية، فإنها لمدة قصيرة الأمد، أما الصالحات التي تحل بنا في الحياة العتيدة فهي أبدية وباقية... لهذا ليتنا نحتمل ما يعبر دون شكوى، ولا نكف عن الجهاد في الفضيلة حتى نتمتع بالصالحات الأبدية والباقية إلى الأبد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إن كنت تطلب الأمور الوقتية تصلي علانية وببابٍ مفتوحٍ.

إن كنت تطلب الأمور الأبدية تكون صلاتك سرية، إذ تشتهي نوال لا الأمور التي تُرى بل التي لا تُرى.

قيصريوس أسقف جبالة

- لنحتمل التقدم بجلدٍ كاملٍ واحتمالٍ دون دهشة أو اضطراب، غير مبالين بالضيقة بل ما نقتنيه منها. هذا التحول كما ترون هو روحي.

يميل الناس إلى تحقيق مكاسب المال والانشغال بمعاملات هذه الحياة لزيادة ثروتهم بطريق معرض لخطرٍ عظيم في البر والبحر (فيليق بهم أن يضعوا في اعتبارهم تصرفات قُطّاع الطرق وقراصنة البحر)، ومع ذلك فهم مستعدون أن يقبلوا كل شيء بحماسٍ عظيمٍ، غير مبالين بالمتاعب وذلك خلال توقعهم للمكاسب. بنفس الطريقة يلزمنا أن نحفظ ذهننا على الثروة والغنى الروحي اللذين ننالهما من هذا. يليق بنا أن نفرح ونبتهج، دون اعتبارٍ لما يُمكن أن يُرى، بل مالا يمكن أن يُرى، كنصيحة بولس: "غير ناظرين إلى ما يمكن أن يُرى".

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يقول داود في شخص الرب: "اسمعي يا بنت وانظري وأميلي أذنكِ وانسَي شعبكِ وبيت أبيكِ" (مز 10:45)، فالذي يقول "اسمعي يا بنت" بالتأكيد هو أب... ذاك الذي يطلب منها أن تترك شعبها (عاداتها القديمة) وبيت أبيها، وهذا يحدث بالموت مع المسيح عن هذا العالم. وكما يقول الرسول: "ونحن غير ناظرين إلى الأشياءِ التي تُرَى بل إلى التي لا تُرَى، لأن التي تُرَى وقتيَّة، وأما التي لا تُرَى فأبديَّة" (2 كو 18:4). محوّلين عيوننا عن هذا المسكن الزمني المنظور، رافعين عيون قلوبنا نحو الأمور الأبدية النافعة لنا. هذا يُمكِّننا النجاح فيه عندما لا نضاد اللَّه ونحن في هذه الحياة، معلنين بتصرفاتنا وأعمالنا عن طريق الحق الذي يقول عنه الرسول الطوباوي: "فإن سيرتنا نحن هي في السموات" (في 20:3).

- إذ ننبذ كل أخطائنا نصعد إلى مرتفعات النوع الثالث أيضًا حيث نسمو لا علي مجرد الأشياء التي في هذا العالم أو التي تخص البشر، بل نسمو علي العالم كله الذي هو حولنا والذي يبدو مجيدًا، ناظرين إليه بقلبنا وروحنا أنه باطل وسريع الزوال، فنتطلع إليه كقول الرسول: "ونحن غير ناظرين إلى الأشياءِ التي تُرَى، بل إلى التي لا تُرَى. لأن التي تُرَى وقتيَّة، وأما التي لا تُرَى فأبديَّة" (2 كو 18:4).

الأب بفنوتيوس

- أبغضهم العالم لأنهم ليسوا من العالم (يو ١٤:١٧). فإنه أبغضنا منذ صرنا لسنا بعد غير ناظرين إلى الأمور التي تُرى بل إلى الأمور التي لا تُرى، بسبب تعليم المسيح، ليس (أننا) لسنا من عالم السماء والأرض وأولئك الذين منهما مندمجين معًا، بل لسنا من البشر الذين على الأرض وهم في رفقتنا.

- يعلمنا بولس الرسول أن الأشياء غير المنظورة تُفهم خلال الأمور المنظورة. وأن الأشياء غير المرئية تُري خلال علاقتها وشبهها بالأشياء المرئية. وهكذا يظهر أن العالم المنظور يعلمنا عن العالم غير المنظور، وأن هذا المشهد الأرضي يحوي نموذجًا معينًا للأشياء السماوية. هكذا يمكننا أن نصعد من الأمور السفلية إلى العلوية، وأن ندرك ونفهم مما نراه على الأرض الأمور التي تخص السماء.

العلامة أوريجينوس

- أن تقول بأن السماء والأرض وبقية محتويات الخليقة صارت من العدم، أو كما يقول الرسول من الأشياء التي لا تُرى، هذا لا يهين صانع المسكونة، فإننا نعرف من الكتاب المقدس أن كل هذه الأشياء ليست منذ الأزل ولن تبقى إلى الأبد.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

من وحي 2 كو 4

هب لي أن استعبد نفسي،

فاقتني بالحب الكثيرين!

- كيف يمكن للضيق أن يحطمني؟

كيف يمكن للفشل أن يطرق بابي؟

صرت يا خالق الكل عبدًا،

وبآلامك وصلبك فتحت الباب للكل.

هب لي وسط آلام أن أشاركك آلامك.

استعبد نفسي بالحب للكثيرين،

واشتهي أن اقتني بنعمتك كل نفسٍ بشرية!

- روحك القدوس يهبني القداسة،

فأسلك بلا لوم!!

ولا يقدر للغش أن يعبر بي.

أنت الحق الحقيقي،

اقتنيك فأفكّر بالحق وانطق به وأشهد له وأحياه.

-ليشرق نورك في داخلي،

فاعكسه على اخوتي،

حتى وإن صار مكتومًا بالنسبة للمقاومين.

عدوّ الخير يفسد أعينهم،

فيظنّوا نورك فيَّ ظلمة.

- أتمتع ببهاء أيقونتك في أعماقي،

فأكرز لحساب ملكوتك لا لمجدي!

أنا عبد لهم ومعهم من أجلك،

لتملك في قلبي وقلوبهم.

تُقيم ملكوت النور في داخلي،

فأنعم بإنارة معرفتك.

لن يحل بي ليل الجهالة،

بل أبقى في نهار معرفتك أبديًا!

- أنا تراب ورماد،

لم تحتقرني، بل أقمت منّي إناءً خزفيًا.

أحملك في داخلي يا أيها الكنز الفريد.

- لأدخل بك ومعك الطريق الضيق،

لتحل الأحزان،

لكنك تحوّل أحزاني إلى أفراح لا تنقطع.

إن طرحني العدو،

تحملني بذراعيك إلى أحضان حبك.

لن تتركني أهلك!

بل تهبني عِوض الموت شركة الحياة الجديدة.

- لأحمل الإماتة معك، فأتمتع ببهجة قيامتك،

لأمت كل يوم فأحيا بك.

اختبر مع اخوتي قوة قيامتك.

- ليُغنّي إنساني الخارجي،

فمع كل إماتة له اختبر تجديدًا في الداخل.

ليعبر جسدي في الضيق الزمني.

سيعبر لينعم جسدي مع نفسي بشركة المجد.

المجد لك يا من رفعت قلبي إلى السماء!

المجد لك يا من حوّلتَ ضيقي إلى خبرة السماء!

1 من اجل ذلك اذ لنا هذه الخدمة كما رحمنا لا نفشل
2 بل قد رفضنا خفايا الخزي غير سالكين في مكر و لا غاشين كلمة الله بل باظهار الحق مادحين انفسنا لدى ضمير كل انسان قدام الله
3 و لكن ان كان انجيلنا مكتوما فانما هو مكتوم في الهالكين
4 الذين فيهم اله هذا الدهر قد اعمى اذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم انارة انجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله
5 فاننا لسنا نكرز بانفسنا بل بالمسيح يسوع ربا و لكن بانفسنا عبيدا لكم من اجل يسوع
6 لان الله الذي قال ان يشرق نور من ظلمة هو الذي اشرق في قلوبنا لانارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح
7 و لكن لنا هذا الكنز في اوان خزفية ليكون فضل القوة لله لا منا
8 مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين متحيرين لكن غير يائسين
9 مضطهدين لكن غير متروكين مطروحين لكن غير هالكين
10 حاملين في الجسد كل حين اماتة الرب يسوع لكي تظهر حياة يسوع ايضا في جسدنا
11 لاننا نحن الاحياء نسلم دائما للموت من اجل يسوع لكي تظهر حياة يسوع ايضا في جسدنا المائت
12 اذا الموت يعمل فينا و لكن الحياة فيكم
13 فاذ لنا روح الايمان عينه حسب المكتوب امنت لذلك تكلمت نحن ايضا نؤمن و لذلك نتكلم ايضا
14 عالمين ان الذي اقام الرب يسوع سيقيمنا نحن ايضا بيسوع و يحضرنا معكم
15 لان جميع الاشياء هي من اجلكم لكي تكون النعمة و هي قد كثرت بالاكثرين تزيد الشكر لمجد الله
16 لذلك لا نفشل بل و ان كان انساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يوما فيوما
17 لان خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا اكثر فاكثر ثقل مجد ابديا
18 و نحن غير ناظرين الى الاشياء التي ترى بل الى التي لا ترى لان التي ترى وقتية و اما التي لا ترى فابدية




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 5 جـ1 PDF Print Email

خدمة المصالحة مع السماوي


يختم الرسول حديثه عن خدمة العهد الجديد برفع القلوب إلى العرش السماوي لكي يدخل الكل إلى حضن الآب، وجاءت دعوة خدمته كسفيرٍ للسيد المسيح: "تصالحوا مع اللَّه!"

١. بيتنا السماوي ينتظرنا ١-١١

٢. الكل قد صار جديدًا ١٢-١٧

٣. تصالحوا مع السماوي ١٨-٢١

١. بيتنا السماوي ينتظرنا

أراد الرسول إن يكشف عن السرّ الخفي الذي يدفع الخادم الحقيقي كي لا يفشل ولا ييأس وسط الضيقات اليومية بل والميتات الكثيرة. إنه يرى أبواب السماء مفتوحة وبيته غير المصنوع بيدٍ بشريةٍ ينتظره. يرى حياة جديدة فريدة نال عربونها الآن، ويتمتع بكمالها في الأبدية. يرى حضن الآب ينتظره ليستقر فيه أبديًا.

يتحدث الرسول هنا عن ما يتوقعه ويرجوه في يقين وعن الحياة المطوَّبة الأبدية التي ينعم بها في الدهر الآتي.

"لأننا نعلم أنه إن نقض بيت خيمتنا الأرضي، فلنا في السموات بناء من اللَّه، بيت غير مصنوع بيدٍ أبدي" [1].

بقوله: "نحن نعلم" يكشف عن يقين الرجاء الذي فيه أن له موضع في السماء يدعوه بيتًا، إما حياته هنا فيدعوها "خيمة" لأنها غير مستقرة. هناك يجد له بيتًا أو مسكنًا، أو موضع راحة، أو بيت أبيه أو البيت الأبدي. إنه في الأعالي قام ببنائه اللَّه نفسه أعده لمحبوبيه، لا يُقارن بأي قصرٍ في هذا العالم.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن البعض يقولون بأن المنزل الأرضي هو العالم، لكن يبدو له أنه بالأحرى يشير الرسول إلى الجسد.

يقصد بالخيمة جسم الإنسان الذي تقطن فيه النفس كما في خيمة أثناء رحلتها في برية هذا العالم حتى تدخل كنعان السماوية. حينما تنحل الخيمة أو الجسد تنطلق النفس إلى الفردوس لترى مسكنًا جديدًا اختبرت عربونه وهي في الجسد، تقيم فيه حتى يوم الرب فيلبس جسدها عدم الفساد ويعيش الإنسان بكل كيانه في السماء عينها.

ماذا يعني بالبناء من اللَّه؟ يرى البعض أن الرسول يشير هنا إلى مركبة سماوية معينة يبعث بها اللَّه إلى النفوس عند خروجها من الأجساد، والبعض يظن أنها تشير إلى قيامة الجسد، وآخرون يروا أنها إشارة إلى الحالة المطوَّبة للقديسين المتمتعين بملكوت اللَّه. جسمنا الحاضر هو خيمتنا الأرضية، جسمنا المُقام هو بيتنا السماوي.

جاء في العظة الخامسة للقديس مقاريوس أن المسيحي الحقيقي إذ صارت له شركة الروح القدس، لأنه مولود من اللَّه من فوق، قد صارت مدينته في السماوات (في 20:3)، يكشف له الروح "الخيرات الأبدية كما في مرآة". إنه يهبه سلام المسيح ومحبة الرب وشهوة السماء، وذلك خلال الآلام والعرق والتجارب والحروب الروحية الكثيرة، لكنه ينعم بهذه الأمور بنعمة اللَّه. المسيحي الحقيقي يدخل إلى خبرة مجدٍ سماويٍ خارج عن الجسد، إذ يُجرح بجمالٍ آخر (غير جسدي) لا ينطق به: "أولئك الذين تساقط عليهم ندى روح الحياة، أي ندى اللاهوت، فجرح قلوبهم بحب إلهي للمسيح الملك السماوي، وارتبطوا بذلك الجمال والمجد الفائق الوصف والحسن عديم الفساد وغنى المسيح الملك الحقيقي الأبدي، الغنى الذي يفوق الوصف".

بهذا الغنى يتدرب الإنسان على الحياة الملوكية، حتى متى جاء يوم الرب العظيم يدخل الملكوت فلا يراه غريبًا عنه، إنما عاش في عربونه وتمتع بغناه بالروح القدس وهو على الأرض.

- يلزمنا نحن جميعًا أن نجتهد ونسعى في كل نوعٍ من الفضيلة، وأن نؤمن أننا سنقتني ذلك البيت ونمتلكه منذ الآن. لأنه إن كان بيت جسدنا يُنقض فليس لنا بيت آخر للنفس لكي تدخل فيه.

القديس مقاريوس الكبير

- يتحدث بولس هنا عن عالمين مختلفين، واحد أرضي مصنوع بأيدٍ منظور، والآخر غير منظور مصنوع بغير أيدٍ، سماوي. على الأرض نفوسنا تلتحف بالجسد والدم وهما الجسم المنظور العضوي. لكن ما أن يُترك هذا الجسم تتحرك النفس نحو الجو السماوي حيث تستعيد جسمها لكنه جسم يتحول إلى جسمٍ سماويٍ.

القديس ديديموس الضرير

- مرة أخرى يلمح بولس إلى القيامة التي لم يفهمها كثير من الكورنثيين أو لم يقبلوها. الخيمة الأرضية هي جسمنا. ومما لا يمكن إنكاره أنها ليست من صنع أيدٍ، ولكن بولس في بساطة يقارنها بالبيوت التي نعيش فيها. لم يكن يحاول أن يقدم مغايرة دقيقة بين الأرضي والسماوي بل بالأحرى أن يمجد الأخيرة قدر المستطاع.

- ما هو المسكن؟ اخبرني. الجسم غير الفاسد الذي سنلبسه في القيامة. الآن نحن نئن، لأن ما سيحدث فيما بعد أفضل بكثير مما نحن عليه الآن... فإنه بالتأكيد ليس جسدًا ينزل إلينا من فوق. إنما التعبير يعلن عن النعمة التي تُرسل إلينا من فوق... لذلك يدعوها من هنا فصاعدًا ليست خيمة بل بيتًا، وهذا بالأحرى أكثر مناسبة. لأن الخيمة بالحق يمكن تمزيقها إلى قطع، أما المسكن فيبقى بلا تغيير.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الجسم السماوي ليس شيئًا مختلفًا، إنما هو ذات الجسم الذي لنا الآن والذي سيتحول.

ثيؤدورت أسقف قورش

- بخصوص طبيعتنا الجسمية يلزمنا أن نفهم أنه لا يوجد جسم واحد نستخدمه الآن في انحطاطٍ وفسادٍ وضعفٍ، وجسم مختلف نستخدمه فيما بعد في عدم فساد وفي قوةٍ ومجدٍ. وإنما هو ذات الجسم، تُنتزع عنه الضعفات الحاضرة، ويتحول إلى شيء من المجد ويصير روحانيًا. النتيجة هي أن ما كان إناءً للَّهوان هو نفسه يتنقى ويصير إناءً للكرامة ومسكنًا للطوباوية. ويلزمنا أن نؤمن أن جسمنا يبقى على هذا الحال إلى الأبد بدون تغيير كإرادة الخالق. لقد تحققنا من هذه الحقيقة الأكيدة بعبارة الرسول بولس حيث يقول: "لنا في السموات بيتًا غير مصنوعٍ بيدٍ أبدي".

العلامة أوريجينوس

- من جانب فإن جسمنا الفاسد هو ثقل على نفوسنا، ومن جانب آخر فإن علة هذا العائق ليس في طبيعة الجسم وجوهره. لذلك إذ نعرف فساده لا نرغب في أن نتعرّى من الجسم بل بالأحرى أن يلبس عدم فساده. في الحياة الخالدة سيكون لنا جسم، لكنه لن يصير بعد ثقلاً إذ لا يكون بعد فاسدًا.

- لقد تثقلنا إذن بهذا الجسم الفاسد. لكننا إذ نعلم أن حالة الثقل هذه ليست من طبيعة الجسم وجوهره إنما من فساده، لذا فإننا لا نرغب في أن نتخلص منه بل أن نلبسه مع عدم فساده. عندئذ سيوجد جسم، لكنه لا يعود يكون ثقلاً لأنه لا يعود يكون فاسدًا.

القديس أغسطينوس

- لنتحدث الآن عن الزهد الذي أعلنه الكتاب المقدس والتقليد في أنواع ثلاثة. ليتأمله كل إنسان بدقة لكي يصير كاملاً.

النوع الأول هو الذي يختص بالجسد، فيزهد الإنسان الثروة والممتلكات التي في هذا العالم.

والنوع الثاني فيه ننبذ أساليب السلوك والرذائل القديمة الخاصة بالروح والجسد.

والنوع الثالث فيه تتحرر الروح من كل الحاضرات والمرئيات متأملة في الأبديات، فينشغل القلب بغير المنظورات.

لقد سمعنا أن اللَّه طلب من إبراهيم أن ينفذ هذه الأنواع الثلاثة (من الزهد) دفعة واحدة، إذ قال له: "اذهب من أرضك، ومن عشيرتك، ومن بيت أبيك" (تك 1:12)...

إذا نفذنا النوع الأول من الزهد بكل إخلاص وأمانة، لا ننتفع كثيرًا ما لم نكمله بالنوع الثاني بنفس الغيرة والاشتياق. فإذا ما نجحنا في هذا يمكننا أن نبلغ النوع الثالث حيث نخرج من "بيت أبينا" القديم، إذ "كُنَّا بالطبيعة أبناءَ الغضب كالباقين أيضًا" (أف 3:2)، مثبتين أنظارنا تجاه العلويات. ويُحدّث الكتاب المقدس أورشليم - التي احتقرت اللَّه الأب الحقيقي- عن الأب القديم قائلاً: "أبوكِ أَموريّ، وأمك حثّيَّة" (حز2:16). وفي الإنجيل جاء: "أنتم من أبٍ هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا" (يو 24:8).

فإذ نترك هذا الأب عابرين من المنظورات إلى غير المنظورات نستطيع أن نقول مع الرسل: "لأننا نعلم أنهُ إن نُقِض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السموات بناء من اللَّه بيت غير مصنوعٍ بيدٍ أبديّ" (2 كو 1:5)، ونقول أيضًا: "فإن سيرتنا نحن هي في السماوات التي منها أيضًا ننتظر مخلّصًا هو الربُّ يسوع المسيح الذي سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون علي صورة جسد مجدهِ" (في 20:3، 21)، وننطق بما يقوله داود الطوباوي: "غريب أنا في الأرض" (مز 19:119)...

يلزمنا أن نكون مثل أولئك الذين يُحدّث الرب أباه عنهم قائلاً في الإنجيل: "ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم" (يو16:17)، وأيضًا محدثًا التلاميذ أنفسهم قائلاً: "لو كنتم من العالم لكان العالم يحبُّ خاصَّتهُ. ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم" (يو19:15).

الأب بفنوتيوس


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email

"فإننا في هذه أيضًا نئن، مشتاقين إلى إن نلبس فوقها مسكننا الذي من السماء" [2].

إذ نحن في هذا الجسد نئن من الضعفات التي تحل بنا والتجارب التي تواجهنا، فنشعر أن الحياة مملوءة بالآلام والأحزان. وكأن كل ما حولنا يصرخ: "قم ارحل من هذا الجسد إذ ليس فيه راحة". حتى القديسون يشعرون أحيانًا بثقل جسد الخطية والفساد الذي يحل فيه، فيصرخون: "ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت؟" (رو ٢٤:٧).

حقًا يشعر المسيحي بأن جسده هو عطية إلهية مفرحة، والحياة هبة من قبل اللَّه، لكن تذوقه لعربون الأبدية يلهب في داخله الحنين أن يلبس جسده ثوب عدم الفساد، لكي يتهيأ للحياة السماوية.

جاءت كلمة "يلبس" بالعبرية labash لتعني ما يحيط بالجسم أو يغطيه أو يغلفه. جاء في الكتابات اليهودية أن موسى إذ دخل السحابة التحف بها كثوب، كما قيل عن الأبرار إنهم ملتحفون بالنور كثوب.

إما المسكن هنا فجاء بالعبرية "بيت" beeyt وفي ترجومOnkelos بيت الوجه هو البرقع، وبيت الأصابع هو القفاز، وبيت القدمين الحذاءان. فارتداء النفس المسكن هنا يعني التحافها بسمات معينة كالفضيلة.

يرى بعض اليهود أن للنفس ثياب في هذا العالم وفي الدهر الآتي. فاللَّه أرسل النفوس لكي تلتحف بثوب خلال دراسة الناموس والعمل الصالح. آدم بعد سقوطه تعرى إذ صار في حالة الخطية بدون ثوبٍ يستر النفس.

يرون أن الإسرائيليين نالوا ثيابًا تلتحف بها نفوسهم على جبل سيناء، لكنهم إذ عبدوا العجل المسبوك تعروا. هنا الثوب يشير إلى تمتع الإنسان بأيقونة اللَّه خلال الحياة المقدسة.

جاء في Synopsis Sohar عن الحكمة العلوية: عندما يقترب الوقت لرحيل إنسانٍ من هذا العالم ينزع ملاك الموت عنه ثوبه القابل للموت ويلبسه ثوبًا من الفردوس، فيه يرى الحكمة السامية ويتأملها. لذلك يُقال أن ملاك الموت يكون مترفقًا جدًا بالإنسان إذ ينزع عنه ثوب هذا العالم ويلبسه ثوبًا أثمن بكثير مُعد في الفردوس.

عندما يقول الرسول بأنهم يشتاقون أن يلبسوا فوقها مسكننا الذي من السماء بالتأكيد يعني بأن الذين يؤمنوا باللَّه ويسلكون بالروح قد أُعدوا للتمتع برؤية الخالق والمخلص المبهجة للغاية.

النفوس المقدسة للرب لن توجد عارية في الدهر الآتي إذ ترتدي ثياب البرّ والتسبيح والمجد، إذ غسلوا ثيابهم في دم الحمل (رؤ ١٤:٧). هذه النفوس تشعر بيقين الرجاء في هذا الثوب السماوي لذا تشتاق أن ترتديه بخروجها من العالم.

نلبس ثوب العرس الأبدي "السيد المسيح نفسه"، فلا يمكن لقوةٍ ما أن تنتزعنا عن وليمة السماء، أو تطردنا خارجًا. إذ قيل: "لما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنسانًا لم يكن لابسًا لباس العرس، فقال له: يا صاحب، كيف دخلت إلى هنا، وليس عليك لباس العرس؟ فسكت، حينئذ قال الملك للخدام اربطوا رجليه ويديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية" (مت 11:22-13).

يدعو القديس يوحنا الذهبي الفم هذا الثوب:

"الثوب الذي لن يمكن أن يوجد مثله".

الثوب الملوكي.

الثوب الذي بلا عيب.

الثوب اللامع والمتلألئ بالبهاء.


- إن كان المسيح هو ابن اللَّه، وأنتم قد لبستموه، إذ صار يغطيكم، وصرتم مثله، فإنكم قد صرتم واحدًا معه وتحملون شكله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ يتحدث القديس إكليمنضس الإسكندري عن ثياب المسيحي، يُطالبنا أن نرتدي الثياب اللائقة بنا كمسيحيين، وهي تختلف حسب سن الإنسان وطبيعته والظروف المحيطة به. فما يليق بشخصٍ ما قد يُحسب غير لائقٍ بالنسبة لغيره. لذا وجب أن يكون لنا روح التمييز لنختار الملبس اللائق بنا. وفي نفس الوقت يليق بنا أن ندرك أن لنا ثوبًا أهم يلتزم كل المؤمنين أن يرتدوه، ألا وهو شخص السيد المسيح، وهو ثوب ملوّن، يقدم لنا مواهب متعددة تبقى زاهية لا يقدر عامل الزمن أن يفقدها جمالها.

- إلهي! انزع عني بنعمتك ثوب الأهواء والجحيم المظلم، وألبسني رداء نورك القدوس الذي هو العالم الجديد بنفسه، قبل أن أخرج من الجسد.

أعطني ربي جمال منظرك مأكلاً، وتجليات أسرارك المخفية في حضن جوهرك مشربًا مفرحًا.

اجعلني يا سيدي عضوًا في جسد وحيدك، فأشعر بسرّ اتحاده بك قدر ما تستطيع طبيعتي الضعيفة.

- الويل للراهب الذي لا تفوح الخرق التي علي جسمه بالطيب، إذ يكون اللباس الذي يرتديه غريبًا!

الشيخ الروحاني (يوحنا الدّلياتي)

- الثوب الذي نلبسه هو ربنا يسوع المسيح، والذي ينسدل حتى أقدامنا، والألوان المتعددة لهذا الثوب هي ألوان زهور الحكمة والأسفار المقدسة والأناجيل المتنوعة التي لا تبهت ولا تضيع ألوانها مع الزمن.

القديس إكليمنضس الإسكندري

- إذ تعرت طبيعتنا عن الاستنارة الإلهية والبهاء الإلهي أخذ طبيعتنا وأعلنها مرة أخرى لتلاميذه المختارين، ملتحفة بطريقة ملحوظة على تابور (مت ٢:١٧؛ مر ٢:٩؛ لو ٢٩:٩). لقد أشار إلى ما كنا عليه يومًا ما وما سنصير عليه خلاله في الدهر المقبل إن اخترنا هنا ونحن أسفل أن نحيا حسب طرقه قدر المستطاع...

قبل العصيان اشترك آدم في الاستنارة بالبهاء الإلهي، وإذ بالحق التحف بثوب المجد لم يكن عاريًا ولا كان في موضع شائن لأنه كان عريانًا...

يدعو العظيم بولس هذا الاستنارة الإلهية والنعمة مسكننا السماوي... في طريقه من أورشليم إلى دمشق استلم بولس من اللَّه عربون هذه الاستنارة الإلهية وكسائنا... قبل أن يتطهر من اضطهاده عندما دخل في حوار مع ذلك الذي يضطهده، أو بالأحرى نال بريقًا خفيفًا من النور العظيم.

الأب غريغوريوس بالاماس

"وإن كنا لابسين لا نوجد عراة" [3].

من استعد للرحيل ونال عربون المجد لن يوجد عاريًا بل ينال المجد الأبدي الذي لا يزول.

يقول الرسول: "وإن كنا لابسين لا نوجد عراةً" (2 كو 3:5). فإذ نلبس الروح، ونكون هيكلاً مقدسًا له لا يترك حتى جسدنا عاريًا بل يسكب فيه مجد المسيح يسوع القائم من الأموات، كقول الرسول: "فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحهِ الساكن فيكم" (رو 11:8)، "لكي تُظهَر حياة يسوع أيضًا في جسدنا المائت" (2 كو 11:4)، "لكي يُبتلَع المائت من الحياة" (2 كو 4:5)...

بهذا إذ يُهدم بيت خيمتنا الأرضي أي جسدنا، لا نظهر عُراة بل يكون "لنا في السماوات بناء من اللَّه بيت غير مصنوع بيدٍ أبديّ" (2 كو 1:5)، أي يظهر مجد السيد المسيح السماوي الذي كان مخفيًا في جسدنا الضعيف. وكما يقول القديس مقاريوس الكبير [لنسعَ إذًا أن نقتني ذلك اللباس هنا بالإيمان والحياة الفاضلة، حتى حينما نخلع الجسد لا نوجد عراة ولا يحتاج جسدنا في ذلك اليوم إلى شيء يمجده، لأن كل واحدٍ بقدر ما يُحسب أهلاً لشركة الروح القدس بالإيمان والاجتهاد يتمجد جسده في ذلك اليوم، لأن كل ما خزنته النفس في داخلها في هذه الحياة الحاضرة سوف يُعلن يومئذ، ويُكشف ظاهرًا في الجسد].

هذا المجد الذي للسيد المسيح، الذي يُلبسه الروح القدس لنفوسنا في الداخل، يصير مجدنا نحن وليس عارية، لهذا نحيا في هذا العالم بالحق أغنياء في الروح، نكون كملكٍ غنيٍ حينما يدعو الآخرين للوليمة يقدم بسخاء وبلا خوف من نفاذ كنوزه الداخلية التي له، أما الفقير الذي لا يملك شيئا فانه عندما يدعو الآخرين يستعير أدوات الوليمة إلى حين ثم يعود بعد الوليمة إلى فقره من جديد: "لهذا يليق بنا أولاً أن نطلب من اللَّه باجتهاد قلب وإيمان أن يهبنا أن نجد هذا الغنى في قلوبنا، أي نجد كنز المسيح الحقيقي بقوة الروح القدس وفاعليته... "

- إنه يعني عراة من شركة الروح القدس والاندماج فيه. هذا الروح الذي فيه وحده تستطيع النفس المؤمنة أن تجد راحة.

- إن بقيت الطبيعة عارية وبنفسها فقط، ولم تنل الاتحاد والشركة مع الطبيعة الإلهية، فإنها لن تستقيم أبدًا أو تكتمل، بل تظل عارية ومستحقة للوم في طبيعتها الخاصة بسبب وضاعتها وأدناسها.

القديس مقاريوس الكبير

أمبروسياستر

- اننا سنلبس إيماننا، هذا الإيمان هو رداء ودرع في نفس الوقت. رداء ضد العار ودرع ضد العدو.

القديس أغسطينوس


- بالرغم من أن الجسد ينحل في الوقت المعين بسبب عصيانه البدائي، يوضع كما في بوتقة الأرض، لكي يُعاد من جديد، ليس كجسدٍ فاسدٍ هكذا، بل يكون طاهرًا لا يخضع للفساد، ويسترد كل جسم نفسه... ويقتني في كل الجوانب كل ما يخصه، ليست أجسامًا مختلفة عما كانت عليه... لكنها كما رحلت من هذا الحياة إن كانت في الخطايا أو في أعمال بارة. كما كانت الأجسام عليها ستكون هكذا ملتحفة بالحياة المستأنفة، وكما كانت في عدم إيمان ستُحاكم بأمانة.

القديس إيريناؤس

- الإنسان الشرير غير المؤمن حتى أن افترضنا أنه يلتحف بجسمٍ سماويٍ يبقى عاريًا لأنه لا يفعل شيئًا لينال رداء الإنسان الداخلي.

القديس ديديموس الضرير




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 5 جـ3 PDF Print Email
- كن في تهليلٍ صالحٍ، لكن اعمل، جاهد بكل غيرة، فإنه لن يضيع شيء ما. كل صلاةٍ، كل مزمورٍ تغنيه، كل عمل صالح، كل صوم، كل حفظ للواجب الزوجي، العفة التي تُحفظ من أجل اللَّه، كل هذا يُسجل... فإنك ستقوم ملتحفًا إما بخطاياك أو بأعمالك البارة.

- إن كان الإنسان بارًا فسيستلم جسمًا سماويًا قادرًا على الحديث مع الملائكة، أما إن كان الإنسان شريرًا فسينال جسمًا خالدًا يتلائم مع احتمال العقوبات عن الخطايا، فيحترق في نار أبدية دون أن يفنى. بعدل يعين اللَّه أية حالة تكون للجسم، لأننا لا نفعل شيئًا بدون الجسم.

القديس كيرلس الأورشليمي

- سوف لا نوجد هناك بدون جسم، بل نتقبل في السماء ذات الجسم في شكلٍ غير فاسدٍ...

لكي لا يكون الكل متجاسرًا بسبب قيامة الجسد يقول: "إن كنا لابسين"، أي تسلمنا عدم الفساد والجسد غير الفاسد، "لا نوجد عراة" من المجد والأمان...

القيامة بالحقيقة هي عامة للجميع، لكن المجد ليس عامًا للجميع، إنما يقوم البعض في كرامةٍ، وآخرون في هوانٍ، البعض إلى الملكوت والآخرون إلى العقوبة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الكلٍ، الأبرار والأشرار على السواء، سيلبسون عدم الموت، لكن الأخيرين يُسلّمون لجهنم، وبنفس الشيء يوجدون عراة.

سفيريان أسقف جبالة

"فإننا نحن الذين في الخيمة نئن مثقلين، إذ لسنا نريد إن نخلعها، بل إن نلبس فوقها، لكي يُبتلع المائت من الحياة" [4].

نحن الذين في الخيمة مثقلين بالضعف الجسدي والمتاعب والضيقات نئن بسبب الحمل الذي نلتزم به. وكأنه يقول بأن الحياة البشرية ككل هي حالة من التعب، خاصة بالنسبة لنا نحن الذين نُضطهد على الدوام ونحمل إماتة جسد الرب يسوع وإن كنا نختبر الحياة المقامة المتهللة في المسيح يسوع.

إننا لا نريد إن نخلع هذه الحياة وتحل ساعة رحيلنا قبل الوقت الذي يراه اللَّه مناسبًا لنا ولبنيان الكنيسة ومجد اسمه القدوس.

نريد إن نلبس فوقها إن يكون لنا الاستعداد الكامل للمجد الأبدي. لسنا نطلب الموت حتى تتحقق فينا إرادة اللَّه ويتم كل شيء بحكمته الإلهية.

بتمتعنا بعربون الخلود نتحسس بأن المائت قد أُبتلع بالحياة الأبدية. لم يعد للخطية أو الفساد سلطان علينا.

- لسنا نريد أن نتخلص من الجسم، وإنما من الفساد الذي فيه. جسمنا هو ثقل علينا، ليس لأنه جسم بل لأنه فاسد وقابل للألم. ولكن إذ تحل الحياة الجديدة فإنها ستنزع هذا الفساد، أقول هذا الفساد لا الجسم نفسه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أرانا موسى النبي كمثالٍ، بواسطة مجد الروح الذي سطع على وجهه الذي لم يستطع أحد أن يتفرّس فيه، كيف أنه في قيامة الأبرار ستتمجد أجساد أولئك المستحقين، بمجدٍ تحصل عليه منذ الآن النفوس المقدسة الأمينة، إذ تُحسب أهلاً لاقتناء هذا المجد في داخلها، في الإنسان الباطن.

القديس مقاريوس الكبير

- أليست هذه هي منطوقات مواطن أورشليم السماوية:

"صارت دموعي لي طعامًا نهارًا وليلاً" (مز ٣:٤٢).

"أعوم كل ليلة سريري بدموعي، بدموعي أبلل فراشي" (مز ٦:٦).

"تنهدي ليس بمستور عني" (مز ٩:٣٨).

"حزني قد تجدد" (مز ٢:٣٩)؟

أو أليس أولاد اللَّه الذين يئنون مثقلين لا يريدون أن يتعروا بل يلبسوا فوقها حتى يُبتلع المائت من الحياة؟ أليس حتى الذين لهم ثمار الروح يئنون داخلهم مترقبين التبني، خلاص أجسامهم؟ (رو ٢٣:٨). ألم بكن للرسول بولس نفسه مواطن أورشليم السماوية هذا كله عندما كان مثقلاً وفي حزن قلب مستمر من أجل إخوته الإسرائيليين؟ لكن سوف لا يكون موت في المدينة إلا عندما يُقال: "أين نضالك يا موت؟ أين شوكتك يا موت، فإن شوكة الموت هو الخطية".

القديس أغسطينوس

- بعد قيامتنا المقبلة سيكون جسدنا هو بعينه ويكون مختلفًا. هو بعينه من جهة الطبيعة، ومختلف من جهة المجد. هو بعينه في جوهره، ومختلف في قوته. حقيقة سيكون رقيقًا، لأنه سيكون غير قابلٍ للفساد. سيكون محسوسًا إذ لا يفقد طبيعته الحقيقية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

- [إنه بعدل ينالون مكافأة آلامهم في الجسم الذي تألم فيه الأبرار وحزنوا وتزكوا بالآلام بكل وسيلة. وفي ذات الجسم الذي فيه قُتلوا من أجل محبتهم للَّه، فيه ذاته سيحيون، وفي ذات الجسم الذي فيه احتملوا العبودية فيه سيملكون].

القديس إيريناؤس

- كانت حياة (الرسول) ثمينة عنده بسبب الفُرص الصالحة التي أُعطيت له، وفي نفس الوقت كانت رخيصة عنده بسبب اشتياقه للسماء والاتحاد مع المسيح هناك. وكما ذكرت عنه ولازلت أقول لا يوجد من هو أكثر تناقضًا في ميوله مثله. فهو مستعد دائمًا لأخذ الجانب الذي يمنح المميزات الأكثر، فلا يوجد من أحب الحياة هنا على الأرض مثله، وعلى النقيض الآخر لم يُفكر في الحياة هنا كثيرًا حتى ولو قارنته بهؤلاء الذين تخلوا عن هذه الحياة. لقد جّرد نفسه من كل الشهوات البشرية، فلم يربطه شيء على الأرض، فكان كل كيانه متحدًا بمشيئة اللَّه. تارة نراه يفكر في أن الحياة على الأرض والخدمة أكثر حاجة من أن يكون مع المسيح، ومرة أخرى نجده يئن ويطلب اللحظة التي فيها يخرج من الجسد، فكانت أمنيته الوحيدة أن يكون فيما يحقق له الربح الوفير مع المسيح حتى ولو كانت النتيجة عكس ما بدأه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لا يجب التوبيخ على الخوف من الضربات، ولكن ما يُلام فعلاً هو ارتكاب الخطية بسبب الخوف من الضربات. فالذي يخاف بدون اضطراب وفزع من الصراع يستحق الإعجاب أكثر من الذي لا يخاف مطلقًا، لأن ذلك يكشف عن قوة إرادته كدليلٍ واضحٍ. الخوف من الضربات أمر طبيعي، ولكن رفض الخطية الناتجة عن الخوف هو انتصار حقيقي للإرادة على ضعف الطبيعة البشرية، الحزن في حد ذاته لا يُلام، ولكن أن نجدف على اسم اللَّه بسبب الحزن خطية يجب التوبيخ عليها.

لو قلت أن بولس لم يحمل طبيعة جسدنا لاعترضتم بوجه حق على الضعفات البشرية فيه لإثبات عدم صحة كلامي. ولكن لو قلت بل أكدت أنه إنسان مثلنا وليس أفضل منا في الطبيعة، لكنه أسمى في قوة الإرادة فقط، فإن كل اعتراضاتكم بلا جدوى أو بالأحرى تتحول لصالح بولس، لأنه بذلك تثبت كيف انتصر على الطبيعة بالرغم من كل الضعفات البشرية. وبالإضافة إلى مدحه فإننا نُسكت شفاه من يعيبون فيه، ملتمسين لأنفسهم عذر ضعف الطبيعة البشرية، ونحثهم على ممارسة تقوية للإرادة.

ربما تعترض أنه في بعض الأحيان خاف من الموت، وهذا أيضًا شيء طبيعي جدًا. "فإننا نحن الذين في الخيمة نئن مثقلين" (2 كو 4:5) وأيضًا: "نحن أنفسنا أيضًا نئن في أنفسنا" (رو 23:8). نرى كيف أنه وازن بين ضعف الطبيعة وقوة الإرادة، فكثير من الشهداء وهم في طريقهم للاستشهاد امتلأوا من الخوف وارتعدوا، لكن هذا هو الذي جعلهم متميزين: حقيقة أنهم خافوا الموت، وبالرغم من ذلك تقدموا لملاقاته من أجل المسيح، وهكذا أيضًا بولس... بالرغم من أنه ارتعد أمام الموت إلا أنه اشتاق أن يفنى ويضمحل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- [القديسون وهم "في الخيمة يئنون مثقلين" بجسم التواضع يفعلون كل شيء بطريقةٍ لائقةٍ ليوجدوا في سرّ القيامة. عندما يشكل اللَّه جسمًا جديدًا للذين يكونون بالحق تلاميذ المسيح لا يكون في تواضع بل في مجد المسيح (في ٢١:٣)].

العلامة أوريجينوس

"ولكن الذي صنعنا لهذا عينه هو اللَّه، الذي أعطانا أيضًا عربون الروح" [5].

اللَّه هو الذي وهبنا وجودنا وجسمنا، وذلك لنحيا خالدين بالجسد ويتمجد كياننا بالكامل. وهبنا الجوع والعطش إلى البرّ والخلود.

العربون هو دفع جزء من الدفعة يضمن سداد الدفعة كلها. فما ننعم به الآن من تعزيات الروح القدس والسلام الذي يفوق العقل والفرح المجيد هو عربون المجد الذي سنناله فيما بعد بالكامل.

- هنا يظهر بولس أن هذه الأمور قد أُعدت من البداية. إنها لم تصدر الآن وإنما منذ لحظات الخليقة، عندما خُلق آدم. فإن اللَّه لم يخلق الإنسان الأول لكي يموت وإنما ليجعله خالدًا. لتحقيق هذا يضيف بولس أننا قد نلنا الروح كعربونٍ (ضمان). يُقدمه اللَّه كمن صنع تعهدًا لنا بتحقيق وعوده. فعل بولس هذا لكي يُظهر أن ما يقول أكثر قبولاً للذين لا يعيرونه اهتمامًا.

- [لم يُخلق آدم لكي يموت، بل لكي يجاهد من أجل الخلود. ولكي يظهر مصداقيته. هذا ويقدم برهانًا عليه أضاف: "الذي أعطانا غيرة الروح"... والآن يعمل خلال المعمودية، ويهبنا عربونا ليس بقليلٍ: الروح القدس].

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بالرغم من أن الروح لا يقبل المزج مع غير المستحقين، إلا أنه يبدو بطريقة أنه حاضر معهم متى خُتموا، منتظرًا الخلاص الذي يتبع تغييرهم... لكن عندئذ عندما يدين الرب العالم في برّ سيكون الروح حاضرًا معه... وسيُنزع الروح تمامًا من النفس التي دنست نعمته. لهذا السبب: "ليس في الموت من يذكرك ولا في الجحيم من يعترف لك" (مز ٤:٦). لأن لا يعود عون الروح يوجد بعد. كيف إذن يمكن إدراك أن الدينونة تتحقق بدون الروح القدس بينما تشير الكلمة إلى أنه هو نفسه مكافأة الأبرار؟"

القديس باسيليوس الكبير

- [إذ سبق اللَّه الخالق فرأى خطية آدم أعد العلاج لها. لأنه هو نفسه أعطانا باكورة الروح، حتى أنه بالمعجزات التي يفعلها الروح وسطنا نتأكد بأن الوعود الخاصة بالمستقبل صادقة].

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- على أي الأحوال، نحن نرى الآن في غموضِ، لكن عندئذ سيكون وجهًا لوجهٍ. الآن نرى ما هو جزئي، أما بعد فسيكون كاملاً (1كو12:13). الإمكانية الحالية أن نرى في الكتب المقدسة بطريقة غامضة وجزئية إلى حد ما، ومع ذلك فهي في توافقٍ مع الإيمان الجامعي.

إنه عمل العربون الذي سُلم بواسطة الكنيسة البتول عندما جاء عريسها إلى أسفل. إنها ستتزوج في مجيئه الأخير عندما يأتي في المجد وعندما تراه وجهًا لوجه، لأنه يعطينا الآن كعربون الذي هو الروح القدس كقول الرسول.

القديس أغسطينوس

"فإذا نحن واثقون كل حين، وعالمون أننا ونحن مستوطنون في الجسد فنحن متغربون عن الرب" [6].

إننا مدركون تمامًا ما هو نصيبنا، فقد تمتعنا بعربون الروح وصار لنا الرجاء الثابت.

جاءت الكلمات باليونانية تحمل لهجة اليقين، فإذ نحن مستوطنون في الجسد، وهو اصطلاح يحمل معنى السكنى وسط الشعب، متغربون عن الرب، أي راحلون وسط شعب غريب الجنس.

فالسماء هي بيت المؤمن الحقيقي، وسكانها هم الشعب المنتمي إليه. هكذا النفس وهي مستوطنه في الجسد بكونه بيتها فهي متغربة عن مدينتها وشعبها، إذ هي مهيأة للمجد الأبدي اللائق بها لتكون في حضرة الرب، تلتقي به وجهًا لوجه.

يتحدث الرسول بولس عن خبرة، فقد ذاق انطلاق نفسه إلى السماء الثالثة لترى ما أعده اللَّه لمحبيه، فشعر بالحق أن نفسه متغربة عن هذا العالم، رحِّالة، ترجو البلوغ إلى مكان استقرارها الأبدي.

- [نحن الذين في هذا العالم "متغربون عن الرب" نسلك على الأرض. هذا حق، لكننا نسرع في طريقنا إلى السماء. إذ ليس لنا موضع دائم، بل عابرو السبيل ورحالة مثل سائر آبائنا].

القديس جيروم

- [اللَّه لازال حاضرًا، لكن لأننا لا نستطيع أن نراه نقول بأننا متغربون عنه مادمنا في الجسد].

أمبروسياستر

- بالحقيقة جلب الإنسان لنفسه الموت، وأيضًا لابن الإنسان، غير أن ابن الإنسان جلب بموته وقيامته الحياة للإنسان... لقد رغب في أن يحتمل هذا أمام أعين أعدائه، حتى يظنوا كأنه متروك، ولكي ما يهب لنا نعمة العهد الجديد، حتى نتعلم أن نطلب سعادة أخرى، هذه التي نملكها الآن بالإيمان، لكننا سنراها بعد ذلك... الآن نعيش على رجاء، أما بعد ذلك فسنتمتع بالحقيقة.

- ليكن مثل هذا الشخص بالأحرى إذ يقبل السلطة أن يكون ساميًا متحررًا من كل خداع كما قيل لنا أننا مادمنا في الجسد نحن متغربون عن الرب، وأننا نسلك بالإيمان لا بالعيان.

- لذلك قبل أن يمكنك أن ترى آمن بما لم تره الآن. لتسلك بالإيمان لكي تنال العيان. فإن العيان سوف لا يبهج الشخص في بيته ما لم يعززه الإيمان في الطريق. هكذا يقول الرسول: "مادمنا في الجسد فنحن متغربون عن الرب". وقد أضاف للحال لماذا نحن لا نزال في حالة سياحة وإن كنا قد آمنا قائلاً اننا نسلك نحن بالإيمان لا بالعيان.

- إذ ونحن في هذا الجسد متغربون عن الرب فاننا بالنسبة للملائكة القديسين الذين يرون هذه الأمور نُحسب أطفالاً نرضع الإيمان. أما بعد ذلك فسنندهش بالعيان... سنأتي يومًا إلى العيان الذي وعد به يوحنا في رسالته: "أعزائي المحبوبين نحن أولاد اللَّه، ولم يظهر بعد ما سنكون عليه." (١ يو٢:٣).

- في الوقت الحاضر تستنير هذه الأعين حسب ما يناسب ضعفها وذلك بالإيمان. فيما بعد تستنير بالعيان بما يناسب قوتها... الآن مادمنا في حالة الإيمان ماذا يقال عنا؟ "الآن نرى في مرآة مظلمة، ولكن عندئذ وجها لوجه" (١ كو ١٢:١٣).

- يقول إشعياء: "ما لم تؤمنوا لا تفهمون" (١٠:٦١ LXX). لنسلك بالإيمان مادمنا في سياحة عن اللَّه، حتى نبلغ العيان حين نراه وجهًا لوجه (٢ كو ٦-٧). إذ نسير بالإيمان لنصنع أعمالاً صالحة. في هذه الأعمال الصالحة لنحب اللَّه من أجل شخصه، ونكون عاملين في محبة قريبنا.

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 5 جـ4 PDF Print Email
"لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان" [7].

هنا نعيش بالإيمان، فنثق بكلمة اللَّه ووعوده الإلهية، ونتمتع بعربون المجد كتذوقٍ مقدم لما سنراه وجهًا لوجه بالعيان. الآن نسير بالإيمان لنتهيأ للحياة بالرؤية.

الذين يولدون بالروح من فوق يشعرون بالتغرب هنا حتى يلتقوا باللَّه أبيهم في سمائه. إنهم يغلقون أعين قلوبهم عما في العالم حتى يفتحونها في عالم المجد، حيث يتحول الإيمان إلى عيان.

- الإيمان هو مدخل الأسرار. ما تقوم به عينا الجسد بالنسبة للأشياء الحسّية يقوم به الإيمان بعينيّ النفس، إذ يتطلع إلى الكنوز الخفيّة.

لنا عينان للنفس، كما لنا عينان، وذلك كقول الآب.

لكن هاتين ليس لهما ذات عمل البصيرة، فبالواحدة نرى مجد اللََّه الخفي المختوم داخل الطبيعة، مع قدرته وحكمته وفكره الأبدي من نحونا، هذه الأمور كلها التي يمكن إدراكها خلال عنايته الإلهية لنا على وجه الخصوص. بنفس العين نرى أيضًا الطغمات الروحية، رفقائنا. وأما بالعين الأخرى فنرى مجد طبيعة اللََّه المقدِّسة.

[عندما يرغب اللََّه في تقديم أسرار روحية، يفتح بحر الإيمان بطريقة متسعة في أذهاننا].

القديس مار اسحق السرياني

- يقول الإنجيل: "بالإيمان إبراهيم لما دُعي أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدًا أن يأخذه ميراثًا، فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي" (عب 8:11)... توقف عن المعرفة الأرضية، ولم يتعلق فكره بأي شيء على الأرض، فتفوّق إبراهيم في الفهم والحكمة على كل أهل جيله، وعلى فلسفة الكلدانيين المعروفة وقتئذ. وفاق كل ما يُمكن إدراكه بالحواس، وكل جمالٍ جسدي آخر، ولذلك أبصر الجمال الإلهي الأصلي، وأبصر كل ما يمكن أن يُنسب إلى اللَّه من صفاتٍ مثل البرّ والقدرة على عمل أي شيء في الوجود الذاتي والحب. لقد فهم إبراهيم كل هذا حينما تقدم في الفكر، وأخذ كل هذه كمئونة في رحلته إلى السماء، وتقوى بالإيمان، وطبع كل هذا في قلبه، وارتفع فوق مستوى رؤية الأشياء المادية.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- بالإيمان لنا رجاء في اللَّه لأن شكله ليس منظورًا لنا. لكننا نعتقد إننا سنقطن معه وسنراه قدر ما يمكن للكائن البشري أن يراه. لأن موسى رآه عندما كان لايزال في الجسد (خر9:24-11؛ 11:33)، وتراه الملائكة بالطريقة التي تناسبهم.

سفيريان أسقف جبالة

- [لا نستطيع الآن أن نرى ما سنكون عليه فيما بعد، وإنما ندرك هذا بالإيمان وحده. هذه هو السبب لماذا بعد موت الجسد نريد أن نقف في حضرة اللَّه].

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

- لما كان الفهم يكمن في العيان وفي اللقاء الدائم، أما الإيمان فيقوتنا كالأطفال كابنٍ في قماط الأمور الزمنية (إذ نسلك الآن بالإيمان لا بالعيان)، علاوة على هذا فإننا ما لم نسلك بالإيمان لن نبلغ العيان الذي لن يزول بل يبقى دومًا، إذ يتنقى فهمنا بتمسكنا بالحق.

- [وسط ظلال هذه الحياة التي فيها نحن "متغربون عن الرب" ما دمنا نسلك بالإيمان لا بالعيان، تعتبر النفس المسيحية مهجورة، ولا تكف عن الصلاة، وعن التطلع بعيني الإيمان إلى كلمة الكتاب المقدس الإلهي].

القديس أغسطينوس

"فنثق ونُسر بالأولى أن نتغرب عن الجسد، ونستوطن عند الرب" [8].

إذ نسلك الآن بالإيمان نشتهي أن نتمتع بما هو بالعيان، ففي وسط أتعابنا الكثيرة نثق بما نلناه من عربون الروح وبالمواعيد الإلهية مشتهين إن نخرج من الجسد ونتغرب عنه إلى حين لنتمتع بالمجد الذي ننعم به ونراه.

- وضع بولس أعظم الأمور في النهاية، فإن المعية (الاستوطان) مع المسيح أعظم من نوال جسدٍ غير فاسد.

بتحاشيه الإشارة المباشرة للأمور المؤلمة مثل الموت والنهاية، يعالج بولس هذه الأمور بطريقة تجعل السامعين إليه مشتاقين إليها بدعوتها "حضور مع الرب". بنفس الطريقة عبر على الأمور العذبة لهذه الحياة وعبّر عنها بعبارات مؤلمة إذ يدعوها "التغرب عن الرب". فعل هذا لكي لا نولع بالتسكع بما نحصل عليه الآن بل نتهيأ للرحيل إلى ما هو أفضل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- [أطلب أن لا تنزعج نفوسنا قط، بل بالأكثر أننا في وسط المصاعب والسيوف المصوّبة ضد أعناقنا نتحصّن بسلام اللَّه الذي يفوق كل فهم، وتكون هادئة عندما نحسب أن الذين هم غرباء عن الجسد هم مستوطنون مع رب الكل].

العلامة أوريجينوس

"لذلك نحترس أيضًا، مستوطنين كنا أو متغربين، أن نكون مرضيين عنده" [9].

على أي الأحوال سواء كنا لانزال في الجسد أو في طريقنا السريع لخلق ما يشغلنا فما نحرص عليه وما نجاهد من أجله هو سرور اللَّه بنا. جاءت كلمة "نحترس" philotimoumetha تعني كلمة محبة الكرامة، ومحبة المجد الأبدي أو الطموح في نواله، فإننا لا نكف عن أن ندرس ونجاهد عاملين لكي نحب ذاك الذي وهبنا الوجود وسيهبنا الأمجاد الأبدية ونرضيه ونخدمه. هكذا سواء كنا أحياء أو منتقلين ما يشغلنا وما نطمح فيه هو أن نكون موضع رضا اللَّه.

"لأنه لابد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح، لينال كل واحدٍ ما كان بالجسد، بحسب ما صنع، خيرًا كان أم شرًا" [10].

سرّ شهوة قلب المؤمن أن يكون موضع رضا اللَّه هو ترقبه للظهور أمام العرش الإلهي للدينونة، فيتمتع بعمل النعمة التي سندته وبررته، فينال حسب ما صنعه وهو في الجسد. فما يمارسه الإنسان في العالم الحاضر وهو في الجسد ينال ثمره بفيضٍ في يوم الرب العظيم.

استخدم القديس كيرلس الكبير هذه الآية للرد على القائلين بأن الجسد أُعطيَ للنفس كعقوبةٍ.

- إن كان فقط من أجل الأمور التي صُنعت بالجسد ينال الإنسان إما عقابًا على يد الديّان أو يُحسب أهلاً لمكافأةٍ لائقةٍ، فإنه لا توجد إشارة إلى خطايا سابقة قبل الوجود في الجسد، ولا سؤال عما حدث قبل مولده، فكيف يكون للنفس وجود سابق على وجودها في الجسد؟ وكيف أُذلت بسبب الخطية كما يقول البعض، لأن الدينونة تكون على ما فعله الإنسان في حياته على الأرض؟

القديس كيرلس الكبير

- أما بالنسبة لنا نحن الذين نحتل الموقف الوسط بين الإنسان الكامل والمرتد عن الإيمان، عندما نقف أمام كرسي الحكم الذي للمسيح، يرتد إلينا ما فعلناه، خيرًا كان أم شرًا. فإننا لسنا طاهرين تمامًا حتى أن أفعالنا الشريرة لا تلتصق بنا، ولا نحن سقطنا تمامًا حتى أن أفعالنا الصالحة تكون منسية.

- حساب الحياة كلها بأكملها تقدم بدقةٍ فيما يدعى بملكوت السموات الذي يشبه ملكًا حيث نقف أمام كرسي المسيح للحكم، وينال كل واحد ما قد فعله في الجسد إن كان خيرًا أو شرًا. وإذ يتم الحساب يقدم فيه كل كلمة بطالة نطق بها البشر (مت ٣٦:١٢)، وكل كأس ماء بارد قُدم للشرب باسم تلميذٍ (مت ٤٢:١٠).

العلامة أوريجينوس

تصالحوا مع اللَّه

"فإذ نحن عالمون مخافة الرب نقنع الناس، وأما اللَّه فقد صرنا ظاهرين له، وأرجو أننا قد صرنا ظاهرين في ضمائركم أيضًا" [11].

إذ نتمتع بمخافة الرب ونترقب يومه العظيم نقنع الناس أن يقبلوا الإيمان بذاك القادر أن يبررهم ويقدسهم ويمجدهم في ذلك اليوم.

مخافة الرب التي هي رأس الحكمة تدفعنا للشهادة للَّه والاهتمام بخلاص البشر، ليس إرضاءً للناس ولا لنوال مكافأة منهم، وإنما إرضاء لذاك الذي يفحص قلوبنا ويعرف نياتنا الداخلية. وإذ نسعى هكذا باستقامة قلب نرجو إن يتكشف ذلك أمام ضمائر الناس الداخلية فيتمثلوا بنا ويجاهدوا معنا.

- [يجب أن نغرس الفضيلة في نفوسنا من الداخل على أن لا نهمل أن يكون منظرنا الخارجي حسنًا فيلزم أن نعتني بما هو شريف أمام اللَّه والناس (2 كو 11:5)].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

"لأننا لسنا نمدح أنفسنا أيضًا لديكم، بل نعطيكم فرصة للافتخار من جهتنا، ليكون لكم جواب على الذين يفتخرون بالوجه لا بالقلب" [12].

يعتذر الرسول بولس عن دفاعه عن نفسه وعن العاملين معه موضحًا أنه ليس من أجل نفسه ومن معه، ولا لأنه يطلب منهم شيئًا، وإنما التزم بذلك لكي يقدم لهم ما ينطقون به لدى المتهمين ضده. إنه لا يطلب لنفسه مديحًا، بل يقدم لهم مادة كي لا يعطل أحد خدمتهم بسبب.

- إنهم يفتخرون بما هو منظور، وبما هو مكشوف للعيان. لهذا يمارسون كل عمل لأجل محبة الكرامة. بينما هم فارغون داخليًا يرتدون بالحقيقة مظهر التقوى والأمور المكرمة، لكنهم مهجورون من الأعمال الصالحة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأننا إن صرنا مختلين فللَّه، أو كنا عاقلين فلكم" [13].

لم يكن بالأمر السهل على الرسول بولس أن يدافع عن نفسه، فقد حسب نفسه كمن صار مختل العقل أو مجنونًا. وقد فعل هذا من أجل اللَّه، حتى لا تتعطل الخدمة فإن ظهر كمجنونٍ أو كعاقلٍ لا يشغله هذا، لكنه يطلب ما هو للَّه، وما يسندهم في خدمتهم.

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن الرسول يقصد بقوله "مختلّين" الُسكر الروحي بالجمال الإلهي الذي يفوق كل تصورٍ.

إذ اضطر للدفاع عن خدمته رفع قلوبهم معه إلى السماء ليروا الرسول مشغولاً لا بالبقاء في خيمة الجسد الوقتية بل في البناء السماوي والسماويات فصار كمن سكر بحب اللَّه والانشغال بالأبديات، وهكذا دخل فيما يدعوه البعض بالسكر الروحي.

- قد يتهمنا البعض بالخلل العقلي... قال الرسول بولس لفستوس الوالي: "لست أهذي أيها العزيز فستوس، بل أنطق بكلمات الصدق والصحو" (أع 25:26). وقد اختبر بطرس الرسول أيضًا هذا السُكر الروحي خلال الجوع والعطش (أع 10:10).

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- ملاحظاتي هذه ليست عشوائية، بل تشرح صعوبة حكمة بولس الرسول. فإنك تمدحه عندما يهرب من المخاطر بنفس المقدار حينما يواجهها، إذ كان يرى في الأولى حكمة، وفي الثانية شجاعة. وفي استخدامه الكلام بافتخار أو عدم افتخاره يحمل الاثنان نفس معنى التواضع، ففي الأولى يتحدث بتمييز وفي الثانية بوداعة... هدف كل أعماله وميوله هو خلاص نفوس الجموع وبالتالي يقول: "لأننا إن صرنا مختلين فللَّه، أو كنا عاقلين" (2 كو 13:5).

لا نجد شخصًا أخر لديه سببًا للافتخار وفي نفس الوقت خالٍ من أي كبرياء وتمجيد. تأمل في كلماته: "العلم ينفخ" (1 كو 1:8) كلمات يلزمنا جميعًا اقتنائها. ولكن بالتأكيد كان هو أكثر من أي إنسانٍ أخر ذا علم أو معرفة، وهذا لم يجعله متكبرًا بل متواضعًا، إذ يقول: "لأننا نعلم بعض العلم" (1 كو 9:13)، و"أيها الاخوة أنا لست أحسب نفسي إني قد أدركت" (في 13:3)، "فإن كان أحد يظن أنه يعرف شيئًا، فإنه لم يعرف شيئًا بعد كما يجب أن يعرف" (1 كو 2:8).

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 5 جـ5 PDF Print Email

"لأن محبة المسيح تحصرنا، إذ نحن نحسب هذا: إنه إن كان واحد قد مات لأجل الجميع، فالجميع إذًا ماتوا" [14].

لم يشغل قلب بولس دفاعه عن نفسه، إنما ما يشغله عشقه للسيد المسيح الذي حاصر قلبه بعذوبة الحب، وسحب كل كيانه إلى الصليب، ليراه قد مات عن الجميع كي يموت معه الكل ويرتفعوا معه إلى سمواته ويشتركوا معه في أمجاده السماوية.

هكذا سحب الرسول القراء من الحديث عن محبته هو ومن معه لهم وإخلاصهم في الخدمة إلى التمتع بالحب الإلهى العملي خلال الصليب، ورفع قلوبهم إلى السماوي. عند الصليب يموت الكل مع المسيح، خاصة الخدام، فلا يطلب الخادم ما لنفسه بل ما هو لمجد اللَّه وبنيان كنيسته.

- لا تحدثوني عن المدن أو الشعوب والملوك والجيوش والمال والولايات والسلطات، فهذه كلها فانيات، ولكن اهتموا بالفرح السماوي لتروا المحبة الفائقة التي في المسيح.

مجد الملائكة ورؤساء الملائكة وأي شيء آخر أقل شأنًا عنده من محبة المسيح، فامتلك في أعماقه الداخلية أعظم ما يمكن للإنسان امتلاكه، أي محبة المسيح التي بها اعتبر نفسه أسعد الناس، وبدونها يفقد كل رغبة في أية سلطة أو مبادئ أو قوات.

بهذا الحب فضًل أن يُحسب ضمن الرُتب الوضيعة على أن يُحسب ضمن أعظم النبلاء بدونه. كان العقاب الوحيد في نظره أن يتجرًد من هذا الحب، فذاك هو الجحيم نفسه، والتأديب والشر الأبدي. على عكس ذلك فإن امتلاك محبة المسيح هي السماء، وهي الحياة، وهي العالم كله، وهي أن يصير ملاكًا، وهي الفرح الحاضر، والفرح المقبل، وهي أن يصير ملكًا، وهي الوعد، وهي الصلاح الأبدي.

خارج هذا لا يوجد أي شيء آخر، سواء كان مُبهجًِا أو مؤلمًا. احتقر العالم المنظور كله كأنه ورقة شجرة جافة متعفنة، فالطغاة والناس المملوءون بنار الغضب في نظره مجرد حشرات صغيرة، الموت والاستبداد والاضطهاد في نظره كلهو الأطفال، طالما أنه من أجل المسيح. فاحتضن كل هذا بفرحٍ، واعتبر قيوده في سلاسل جائزة أثمن وأغلى من تاج نيرون، فصار سجنه سماءً، واحتمل جراحات السياط باشتياق كاشتياق المتسابق نحو الجائزة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وهو مات لأجل الجميع، كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام" [15].

هذه هي خطة السيد المسيح في عمله الخلاصي إنه إذ يرتفع على الصليب يجذب الكل إليه (يو ٣٢:١٢)، فيعيشوا معه كجسدٍ له، يعيشون لو كما هو لهم. يموتون معه ويقومون معه، يتألمون معه ويتمجدون معه ويرتفعون إلى حيث هو قائم في سمواته.

- بمعنى أن الحياة البشرية تعني في ذاتها أقل فأقل، لكنها تنمو في المسيح حتى أن الذين يعيشون لا يعيشون لأنفسهم بل لذاك الذي مات من أجل الكل وقام؛ فيقول كل واحدٍ منا ما يقوله الرسول: "أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ". حقًا ينبغي أن ذاك يزيد وأنا أنقص.

القديس أغسطينوس

"إذًا نحن من الآن لا نعرف أحدًا حسب الجسد، وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد" [16].

"لا نعرف أحدًا حسب الجسد"، بمعنى أننا لا نرتبط بالشخص ونقدِّره من أجل علاقاته الأسرية أو الرباطات الدموية أو الإمكانيات الجسدية أو المادية إنما نتعرف عليه خلال محبة المسيح الفائقة كشريكٍ معنا في الآلام والأمجاد السماوية.

علامة الاتحاد الحقيقي مع السماوي من الجانب السلبي هو الفطم عن العالم ومن الجانب الإيجابي هو التمتع بالخليقة الجديدة التي على صورة الخالق.

يُفطم المؤمن عن العالم وعن الجسديات حتى في معرفته للمسيح نفسه لا تقف المعرفة عند حدود الجسد وإلا حُسب كمن لم يعرفه بعد. تنطلق محبة المسيح إلى قلوبنا وتنحدر محبة العالم تحت أقدامنا.

لم يتمتع بولس الرسول بالتعرف على شخص الرب يسوع وهو بعد في الجسد في هذا العالم كما تمتع به التلاميذ والرسل. هذا لن يقلل من رسوليته، فإنه التقى بالمسيح الساكن في السماء، وتجلى أمامه بل وفي أعماقه.

لقد قيم اليهود أنفسهم إذ رأوا أن إبراهيم هو أبوهم حسب الجسد، وأيضًا تشامخ بعض المعلمين الذين من أصل يهودي في كورنثوس لأنهم رأوا يسوع حين كان بالجسد على الأرض أثناء خدمته، وحسبوا أنفسهم أفضل من الرسول بولس الذي لم يرَ السيد أثناء خدمته.

- كل عقل يرتفع ويتشكل في الصلاة حسب نقاوته. فإن كان مهتمًا بالأمور المادية الأرضية يحمل هذه النظرة أمامه، وتبقى هذه النظرة قدام عينيْ نفسه الداخليتين في رؤيته للرب يسوع، سواء عندما جاء في تواضعه في الجسد، أو عند مجيئه في عظمته. أمثال هؤلاء لا يقدرون أن يروا الرب يسوع آتيًا في ملكوته، إذ هم مُمسكون بنوع من الضعف اليهودي (أي النظرة المادية)، ولا يستطيعون القول مع الرسول: "وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفهُ بعدُ" (2 كو 16:5).

أما الذين يرتفعون فوق الأعمال والأفكار الأرضية السفلية، ويصعدون على جبل الوحدة (العزلة) المرتفع، متحرّرين من الاضطراب بكل المتاعب والأفكار الأرضية، في أمان من تدخل الخطايا، ممجّدين بإيمانٍ قويٍ، هؤلاء يمكنهم أن يتطلعوا بعيون نقية إلى لاهوته، وفي أعالي الفضيلة يكتشفون مجده وصورة سموه...

يُعلن يسوع للموجودين في المدن والقرى والمزارع، أي الذين لهم أعمال يقومون بها، لكن ليس بالبهاء الذي يظهر به لمن يصعدون معه على جبل الفضائل السابق ذكره... ففي الوحدة (العزلة) ظهر اللَّه لموسى وتحدث مع إيليا.

الأب اسحق

- [لاحظوا أنه حتى ذاك نفسه الذي هو الحق والكلمة، والذي به كان كل شيء، وقد صار جسدًا ليسكن بيننا، مع ذلك يقول الرسول: "وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفه بعد"، لأن المسيح لم يرد فقط أن يهب ممتلكات لمن يكمل الرحلة، بل أيضا أن يكون هو نفسه الطريق للذين يشرعون في السير].

القديس أغسطينوس

- فإننا نتعلم من الرسول ألا نعرف المسيح بنفس الطريقة الآن كما كان قبلاً... بمعنى أن معرفة إحداهما تعلن لنا عن تدبيره المؤقت، والثانية عن وجوده الأبدي.

- لكي يفضي بهذا السرّ العظيم عن طريق تجسده وهو إن الطهارة هي المؤشر الوحيد الكامل لحضرة اللَّه ومجيئه؛ وأنه لا يستطيع أحد بالحقيقة أن يضمن هذا لنفسه ما لم يتغرب تمامًا عن أهواء الجسد. ما حدث مع مريم التي بلا دنس عندما أشرق خلالها كمال اللاهوت الذي في المسيح يحدث مع كل نفسٍ تسلك حياة البتولية. حقًا لا يعود يأتي السيد بحضور جسدي: "لا نعرف المسيح بعد حسب الجسد"، بل هو حضور روحي. يسكن فينا ويأتي معه الآب كما يخبرنا الإنجيل.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

"إذًا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا" [17].

ما أخطر إن يعتز الإنسان بتعرفه عن المسيح خلال القراءة وحدها أو خلال المعجزات الملموسة دون أن تتجدد طبيعته ليصير أيقونة له. فمن هو في المسيح، أي المؤمن الحقيقي، يتمتع بسكنى المسيح في قلبه بالإيمان وبالتجديد المستمر خلال عمل روحه القدوس، فيمارس بنوته للَّه جاحدًا بنوته القديمة التي لإبليس وأعماله الشريرة.

في المسيح ننال قلبًا جديدًا وفكرًا جديدًا وسلوكًا جديدًا وحياة جديدة، كما نعيش في خليقة جديدة، في السماويات.

من كان في المسيح يحيا حرًا من الخطية ومن محبة العالم وشهوات الجسد. إنه لا ينشغل بما يُرى وإنما بما لا يُرى.

المؤمن الحق ليس فقط يتمتع بالتجديد المستمر في داخله، وإنما يرى كل شيءٍ جديدًا؛ يتطلع خلال عيني المسيح فيرى حوله خليقة جديدة.

جاء الاسم هنا "الخليقة" Ktisis ktisoc في اليونانية بالمونث حيث أغلب الأسماء المؤنثة تنتهي بـ "sis" بينما المذكر بـ "ma". فالمؤنث يشير إلى التحرك والعمل والانتاج. الخليقة هنا ليست جامدة لكنها عاملة ومثمرة.

- إن آمن بي أحد يأتي إلى خليقة أخرى، إذ يولد ثانية بالروح... يليق بنا أن نعيش له... يحثنا بولس على حياة الفضيلة... مظهرًا كيف أنها "خليقة جديدة". يضيف: "الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا". ما هي الأشياء العتيقة؟ إما الخطايا أو عدم التقوى أو حفظ الممارسات اليهودية. نعم بالأحرى يعني هذه وتلك.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- هذا هو نفس الغرض الذي من أجله جاء ربنا يسوع المسيح، أن يغير الطبيعة البشرية، ويحوّلها، ويجدّدها.

يخلق النفس خلقةً جديدةً، النفس التي كانت قد انتكست بالشهوات بواسطة التعدّي,

جاء المسيح لكي يوحّد الطبيعة البشرية بروحه الخاص، أي روح اللاهوت، وقد أتى ليصنع عقلاً جديدًا، ونفسًا جديدة، وعيونًا جديدة، وآذانًا جديدة، ولسانًا جديدًا روحانيًا. وبالاختصار أُناسًا جددًا كلية، هذا هو ما جاء لكي يعمله في أولئك الذين يؤمنون به. إذ صيّرهم أوانٍ جديدة، ويمسحهم بنور معرفته الإلهية، لكي يصب فيهم الخمر الجديدة، التي هي روحه، لأنه يقول أن "الخمر الجديدة ينبغي أن توضع في زقاقٍ جديدة" (مت 17:9).

القديس مقاريوس الكبير

- صارت طبيعة الإنسان كلها خاطئة في شخص الذي خُلق أولاً. لكنها الآن قد تبرّرت من جديد في المسيح، لأنه صار لنا بداية ثانية لجنسنا بعد تلك البداية الأولى، ولذلك فكل الأشياء قد صارت جديدة فيه.

- [قد برز لنا عالم جديد (بمجيء مخلصنا)، وقد صارت لنا فيه كل الأشياء جديدة].

القديس كيرلس الكبير

- عندما شاخت الخليقة الأولى وتلاشت كانت هناك حاجة إلى خليقة جديدة في المسيح (كما يقول الرسول الذي يؤكد أننا لا نعود نرى في الخليقة الثانية أي أثر لما قد شاخ، قائلا: "إذ نخلع الإنسان العتيق بكل أعماله وشهواته نلبس الإنسان الجديد المخلوق حسب اللَّه"، "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا")، لأن خالق الطبيعة البشرية في الخليقة الأولى... أخذ ترابًا من الأرض وشكل الإنسان، مرة أخرى أخذ ترابًا من العذراء ولم يشكله إنسانًا مجردًا بل إنسانًا له. لقد خلق ثم صار خليقة. الكلمة خلق جسدًا، ثم صار الكلمة جسدًا حتى يحول جسدنا إلى روح، إذ صار شريكًا معنا في الجسد والدم. هذه الخليقة الجديدة في المسيح التي بدأ هو نفسه بها، دُعي البكر، بكر الجميع، كلاً من الذين ولدوا في الحياة والذين حيوا بالقيامة من الأموات.

- مرة أخرى إذ جعل نفسه بكر القيامة، نال اسم "بكر الراقدين"، إذ له الأولوية في كل شيء. بعد ذلك كما يقول الرسول: "الأشياء القديمة قد مضت". إنه يصير بكر الخليقة الجديدة للبشر في المسيح بميلادٍ جديدٍ مزدوج، واحد بالمعمودية المقدسة والآخر كنتيجة للقيامة من الأموات، صار بالنسبة لنا في كليهما رئيس الحياة والبكر... هذا البكر له أيضًا اخوة يتحدث عنهم مع مريم: "اذهبي اخبري اخوتي، أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم". في هذه الكلمات لخص كل غايته من تدبيره كإنسان.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- يقول لكي نثبت بأعمالنا ما نعلنه بالكلمات أن "الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا" "وإذا كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة".

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولكن الكل من اللَّه، الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح، وأعطانا خدمة المصالحة" [18].

كل هذه العطايا التي تمس تجديدنا الداخلي، أو الخلقة الجديدة هو هبة من اللَّه تمتعنا بها خلال المصالحة مع الآب في المسيح يسوع. فإن كانت الخطية قد نزعت التصاقنا باللَّه وحطمت العلاقة به، فتحولت إلى عداوة، فإن عمل المسيح الخلاصي هو المصالحة. صالحنا اللَّه مع نفسه بابنه الوحيد الجنس يسوع المسيح.

كل النعم التي ننالها من اللَّه مصدرها المصالحة التي تحققت بالشفيع الكفاري يسوع المسيح.

قدم لنا إلهنا خدمة المصالحة، ووهبنا الكتاب المقدس، الكلمة الإلهية، بكونه كلمة المصالحة، حيث تمتعنا بالسلام مع اللَّه خلال دم الصليب. نزع الصليب روح العداوة التي سيطرت على القلب نحو الإلهيات والسماويات، وقدم روح المصالحة معها والالتصاق بها.

- إذ ترون قوله: "أعطانا خدمة المصالحة" يستخدم قول مُصلح قائلاً: لا تظنوا أننا نعمل بسلطاننا. نحن خدام. الذي يعمل كل الأشياء هو اللَّه، الذي صالح العالم بواسطة ابنه الوحيد.

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس اصحاح 5 جـ6 PDF Print Email


"أي إن اللَّه كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه، غير حاسب لهم خطاياهم، وواضعًا فينا كلمة المصالحة" [19].

بقوله هذا يعلن إن اللَّه هو الذي يطلب من جانبه المصالحة. نحن بادرنا بالعداوة والمقاومة والتمرد والعناد وهو الذي يبادر بالحب وطلب المصالحة. هو الذي يسعى إلينا مقدمًا لنا إنجيله، "كلمة المصالحة".

- يوجد عالم شرير وعالم صالح، العالم الشرير هو كل البشر الأشرار في هذا العالم، والعالم الصالح هو كل الصالحين في العالم.

- "كون العالم (بالرب) ولم يعرفه العالم" (يو ١٠:١). أي عالم كوِّن به؟ وأي عالمٍ لم يعرفه؟ إنه ليس العالم الذي كُوِّن به؟ السماء والأرض، كيف لم تعرفه السماء هذه التي عند آلامه اظلمت الشمس؟ كيف لم تعرفه الأرض التي عندما عُلق على الصليب تزلزلت؟ لكن "العالم لم يعرفه" هذا الذي "رئيس هذا العالم يأتي ولا يجد فيّ شيئًا" (يو ٣٠:١٤). يُدعي الاشرار العالم، غير المؤمنين يدعون العالم. لقد نالوا هذا الاسم من أجل ما يحبونه. فبحبنا للعالم نُدعى "العالم". بحبنا للَّه نصير آلهة. هكذا بحب العالم ندعى العالم، لكن اللَّه صالح العالم معه في المسيح.

القديس أغسطينوس

- [الأناجيل أربعة. هذه الأربعة كما لو كانت عناصر إيمان الكنيسة، خلالها قد اجتمع حقا العالم الذي صولح مع اللَّه في المسيح].

العلامة أوريجينوس

"إذًا نسعى كسفراء عن المسيح، كأن اللَّه يعظ بنا، نطلب عن المسيح: تصالحوا مع اللَّه" [20].

إن كان اللَّه هو المبادر بطلب المصالحة يليق بخدامه كسفراء عنه أن يبادروا من جانبهم بطلب المصالحة. إنهم يتوسلون إلى الخطاة أن يقبلوا هذه المصالحة باسم اللَّه.

الخدام كسفراء للسيد المسيح يمثلونه، معلنين إرادته في مصالحتهم مع الآب، والكشف عن حب اللَّه الفائق لهم. كممثلين للمسيح الشفيع الكفاري يطلبون عن الخطاة ويسألون الخطاة أن يقبلوا عمله الكفاري، فيتمتعوا بأحضانه الإلهية التي تحملهم إلى حضن الآب.

- كسفراء عن المسيح، أي نيابة عنه، لأننا خلفناه في أعماله. لا تظنوا أنه يُطلب عنكم بواسطتنا، وإنما المسيح نفسه يطلبكم بواسطتنا... لقد هوجم ذاك الذي يمنح عشرات الالوف من البركات. وإذ هوجم ليس فقط لم يستخدم العدالة، وإنما أيضًا بذل ابنه الوحيد لكي يُصالح... ماذا يطلب؟ "تصالحوا مع اللَّه". لا يقول "صالحوا اللَّه معكم". إنه لا يحمل كراهية بل أنتم تحملونها. لن يحمل بغضة قط.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا، لنصير نحن برّ اللَّه فيه" [21].

الذي لم يعرف خطية صار ذبيحة خطية مقدمة عنا. الكلمة العبرية hamarita الواردة هنا ترجمت في السبعينية في أسفار الخروج واللاويين والعدد "ذبيحة خطية offering-Sin".

إذ قبل مسيحنا أن يكون تقدمة خطية وضع كل البشرية أيديهم عليه ليحمل كل ثقل الخطايا.

إذ احتل مسيحنا موضعنا حُسب كمن هو أعظم الخطاة، وهبنا أن نحتل موضعه فنُحسب في عيني الآب أبرارًا، إذ نحمل برّ المسيح.

هكذا قدم لنا هذا الإصحاح عرضًا رائعًا لمفهوم الخلاص وخدمة المصالحة مع الآب وتمتعنا ببرّ المسيح، حيث صار المسيح في موضعنا وقدم نفسه عنا ذبيحة خطية. إنه عرض فريد ورائع يكشف عن خبرة الرسول الفائقة مع صليب رب المجد يسوع المسيح.

- يعني أن ذاك الذي هو بار صار خطية، أي تألم كخاطي مُدان كمن لُعن ليموت.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- حدث أن صار مطيعًا إذ "أخذ ضعفاتنا وحمل أمراضنا" شافيًا عصيان البشر بطاعته، حتى بجلداته يشفي جرحنا، وبموته يطرد الموت العام لكل البشر. فمن أجلنا صار مطيعًا، ومن أجلنا صار "خطية" و"لعنة " لأجل التدبير لحسابنا، وليس بحسب الطبيعة، إنما صار هكذا في حبه للبشر.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

- من هو هذا الذي لم يعرف خطية إلا ذاك الذي قال: "هوذا رئيس العالم يأتي ولا يجد فيّ شيئًا" (يو ٣٠:١٤).

جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا، فالمسيح نفسه الذي لم يعرف خطية جعله اللَّه خطية لأجلنا. ماذا يعني هذا يا أخوة؟ لو أنه قيل: "جعله يُخطئ" لكان الأمر لا يُحتمل، فكيف نقبل ما قيل: "جعله خطية"، فيصير المسيح نفسه خطية؟

الذين لهم معرفة بكتب العهد القديم يدركون ما أقوله. لأن هذا ليس بالتعبير الذي استخدم مرة واحدة بل تكرر باستمرار، فالذبائح من أجل الخطايا تُدعى "خطايا". كمثال كان الماعز يقدم عن خطية، والكبش، وكل ما يُقدم عن خطية يُدعى خطية... ففي موضع تقول الشريعة: "يضع الكهنة أياديهم على الخطية" (لا ٢٩:٤)... كانت الخطية تقدم، وتبطل. قد سفك دم المخلص، قد أبطل صك المدين. هذا الدم الذي سفك عن كثيرين لمغفرة الخطايا (مت ٢٨:٢٦).

القديس أغسطينوس

من وحي 2 كو 5

نفسي تسبحك في خيمة جسدها!

إنها تترقب مسكنها معك أبديًا!

- لك المجد يا من وهبتني خيمة الجسد!

خيمة جميلة من عمل يديك،

لكنها زمنية ومؤقتة.

بإرادتي الفاسدة أفسدتها،

خلالها ترحل نفسي منطلقة إليك.

- تُرى متى اَلتقي بك وأتمتع بالمسكن السماوي!

متى أحمل جسدًا روحانيًا على مثال جسدك القائم من الأموات؟

ليس فيه فساد،

ولن يحل به الموت بعد!

- كثيرًا ما تشغلني ثياب جسدي!

لكنها لن تنزع عريي أمام السمائيين.

متى اختفي فيك فارتدي برّك ثوبًا أبديًا.

هوذا أنا على الأرض ارتدي ثيابًا لكني كمن هو عارٍ.

هناك لن ارتدي ثيابًا،

بهاؤك المنعكس عليَّ هو ثوب عرسي السماوي.

- تُرى هل أتمتع بعربون روحك القدوس؟

فأتمتع بثوبٍ لا يفسد ولا يضمحل.

أنعم بعربون الأبدية عِوض انشغالي بالزمنيّات.

- أراك بالإيمان وأنعم بك.

لكنني إذ أنا مستوطن في الجسد متغرّب عنك.

لأستوطن معك وأتغرّب عن الجسد الفاني.

هل لي أن أقول:

ليس لشهوات الجسد موضع فيّ!

فحيث تسكن أنت ليس للخطية مكان!

- نفسي تئن في داخلي:

تعال؛ لتقم في أعماقي.

فإن عشتُ هنا أو عبرت من العالم،

ليس ما يشغلني سوى مرضاتك!

لأرضيك، فمن يحبني مثلك؟

أحببتني ومتّ من أجلي ومن أجل كل اخوتي.

حبّك يحاصرني على الدوام.

- بحبك قبلت أن تموت لكي أحيا أنا ومعي اخوتي.

ماذا أرد لك فأنا بكلّي ملكك!

لأحيا لك يا من أتيت إلى العالم لأجلي.

لأتمتع بالاتحاد معك فوق كل حدود الجسد،

- صيرتني خليقة جديدة،

وحطّمت فساد طبيعتي القديمة.

لك المجد يا مجدد حياتي!

- صالحتني وأنا العدوّ المخطئ.

أرى نفسي تختفي فيك,

متى أرى الكل معي فيك؟

أنا سفيرك،

ليس لي هدف غير رؤية كل البشرية أبرارًا فيك.

متى أرى الكل ينعمون بشركة المجد معك؟

1 لاننا نعلم انه ان نقض بيت خيمتنا الارضي فلنا في السماوات بناء من الله بيت غير مصنوع بيد ابدي
2 فاننا في هذه ايضا نئن مشتاقين الى ان نلبس فوقها مسكننا الذي من السماء
3 و ان كنا لابسين لا نوجد عراة
4 فاننا نحن الذين في الخيمة نئن مثقلين اذ لسنا نريد ان نخلعها بل ان نلبس فوقها لكي يبتلع المائت من الحياة
5 و لكن الذي صنعنا لهذا عينه هو الله الذي اعطانا ايضا عربون الروح
6 فاذا نحن واثقون كل حين و عالمون اننا و نحن مستوطنون في الجسد فنحن متغربون عن الرب
7 لاننا بالايمان نسلك لا بالعيان
8 فنثق و نسر بالاولى ان نتغرب عن الجسد و نستوطن عند الرب
9 لذلك نحترص ايضا مستوطنين كنا او متغربين ان نكون مرضيين عنده
10 لانه لا بد اننا جميعا نظهر امام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرا كان ام شرا
11 فاذ نحن عالمون مخافة الرب نقنع الناس و اما الله فقد صرنا ظاهرين له و ارجو اننا قد صرنا ظاهرين في ضمائركم ايضا
12 لاننا لسنا نمدح انفسنا ايضا لديكم بل نعطيكم فرصة للافتخار من جهتنا ليكون لكم جواب على الذين يفتخرون بالوجه لا بالقلب
13 لاننا ان صرنا مختلين فلله او كنا عاقلين فلكم
14 لان محبة المسيح تحصرنا اذ نحن نحسب هذا انه ان كان واحد قد مات لاجل الجميع فالجميع اذا ماتوا
15 و هو مات لاجل الجميع كي يعيش الاحياء فيما بعد لا لانفسهم بل للذي مات لاجلهم و قام
16 اذا نحن من الان لا نعرف احدا حسب الجسد و ان كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الان لا نعرفه بعد
17 اذا ان كان احد في المسيح فهو خليقة جديدة الاشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدا
18 و لكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح و اعطانا خدمة المصالحة
19 اي ان الله كان في المسيح مصالحا العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم و واضعا فينا كلمة المصالحة
20 اذا نسعى كسفراء عن المسيح كان الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله
21 لانه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لاجلنا لنصير نحن بر الله فيه




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل كورنثوس +
 
<< Start < Prev 1 2 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


13 بابه 1734 ش
24 أكتوبر 2017 م

نياحة القديس زكريا الراهب بن قاربوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك