تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس اصحاح 5 جـ2 Print


"فاوصِ بهذا لكي يكن بلا لوم" [7]. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية: [لا يُترك الأمر لاختيارهن. أوصِ، كما يقول، ألا يكن في ترف... فإن هذا أمر غير لائق بهن. ولا يجوز للمترفات أن يشتركن في الأسرار الإلهية... إذن لنوصي الأرامل المترفات ألا يكتتبن في قوائم الأرامل طاعة للرسول، وذلك كالجندي الذي لا يحسب مؤهلاً لوظيفته لأنه يكثر الدخول إلى الحمامات والمسارح.]

يكمل الرسول: "وإن كان أحد لا يعتني بخاصته، ولاسيما أهل بيته، فقد أنكر الإيمان، وهو شر من غير المؤمن" [٨]. لقد استغل بولس هذا الموقف الخاص برعاية الأرامل ليعلن التزام المؤمن ليس فقط نحو والدته أو جدته الأرملة، وإنما نحو كل عضو في الكنيسة المقدسة في عوز، خاصة أسرته. سمة المسيحي الحقيقي هو الحب بلا حدود، والاعتناء بالغير، فكم بالحري نحو خاصته وأهل بيته؟ جاء في سفر إشعياء: "لا تتغاضى عن لحمك" (٥٨: ٧). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم: [الاعتناء الذي يتكلم عنه جامع يخص النفس والجسد، أي الاعتناء بالاثنين معًا.] كما يقول: [من لا يعتني بعائلته يعتدي على شريعة الله وعلى ناموس الطبيعة... ليس الإيمان مجرد اعتراف بعقيدة، وإنما هو تتميم الأعمال اللائقة بالإيمان.]

لاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم أن بعض المؤمنين يهتمون برعاية الآخرين جسديًا أو روحيًا بينما يتجاهلون احتياجات عائلاتهم، هذا إ يكشف عن دافع خدمتهم للغير أنها ليست عن محبة أو لطف قلبي وإنما عن حب الظهور. فلو كانت خدمتهم نابعة من أعماق قلبية محبة لما تجاهلوا بيتهم حيث لا يراهم أحد ليشكرهم ويمدحهم.

يرى القديس أغسطينوس في الأرملة الوحيدة التي ألقت رجاءها على الله وهي تواظب على الطلبات والصلوات ليلاً ونهارًا وتسلك بغير ترف [5-٦] تمثل النفس البشرية المترملة كمن هي بلا رجل يعينها. إذ يقول: [كل نفس تدرك أنها مجردة عن عون إلاَّ الله وحده فهي مترملة... ما الذي يجعلها أرملة؟ إدراكها أنه ليس لها عون من مصدر آخر غير الله وحده. ليس لها زوج، ولا تنتفخ بحمايته لها، لذلك تبدو الأرامل مهجورات لكن معونتهن أعظم. الكنيسة ككل هي أرملة واحدة، سواء كانوا رجالاً أو نساء، متزوجين ومتزوجات، الكنيسة ككل أرملة واحدة مهجورة في هذا العالم! إن شعرت بهذا وعرفت حقيقة ترملها عندئذ يكون العون بين يديها حاضرًا لديها.]

بعد الحديث عن إعالة الأرامل تحدث الرسول عن "فئة الأرامل"، قائلاً: "لتُكتتب أرملة إن لم يكن عمرها أقل من ستين سنة، امرأة رجل واحد، مشهودًا لها في أعمال صالحة إن لم تكن قد ربت الأولاد، أضافت الغرباء، غسلت أرجل القديسين، ساعدت المتضايقين، اتبعت كل عملٍ صالح[9-١٠].

يقول Roger Gryson في كتابه عن "خدمة المرأة في الكنيسة الأولى أكثر من مرة وضع الاسكندرانيون الأرامل في نفس القوائم مع الأساقفة والكهنة والشمامسة، مثال ذلك إكليمنضس السكندري حيث يعلن أن "وصايا بلا حصر كهذه قد كتبت في الكتاب المقدس توجه إلى أشخاص مختارين، البعض للكهنة، والأخرى للأساقفة، كما للشمامسة وللأرامل". هذا لا يعني أن الأرامل يمثلن جزءً من الكهنوت، لكنهن يمثلن نصيبًا من التنظيم الكنسي، لهن عملهن الخاص، خاصة الصلاة. وقد أفرد كثير من الآباء مقالات خاصة عن "الترمل".

وقد حدد الرسول الشروط السابقة [٩-١٠] لاكتتاب الأرملة في الكنيسة. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه السمات بقوله: "يا للغرابة! أي دقة يتطلبها في الأرامل، فإنها تكون ذات السمات المطلوبة في الأسقف.]

وفيما يلي السمات:

أ. ألا يقل عمرها عن الستين عامًا، كأرملة يهتم الرسول بسنها حتى لا يتعثر أحد بتنقلاتها بين بيوت الفقراء والمرضي لخدمتهم، وأيضًا مرافقتهن للأسقف أو الكاهن عند زيارة بعض البيوت لخدمة النساء أو الفتيات، أو عند عماد الفتيات. إنهن سند قوي في خدمة النساء. وفي حديث القديس يوحنا الذهبي الفم لأرملة شابة يعلق على العبارة الرسولية التي بين أيدينا، قائلاً: [عندما نظم (الرسول) موضوع الأساقفة لم يحدد لهن السن، أما هنا فحدد السن، لماذا؟ ليس لأن الترمل أعظم من الكهنوت، إنما لأن للأرامل أعمال خطيرة... فهن محاصرات بأعمال متنوعة، عامة وخاصة. وكما أن المدينة غير الحصينة تكون نهبًا لمن يريد أن يسلبها، هكذا الشابة الأرملة، يترقبها كثيرون حولها، ليس فقط الذين يرغبون في نهب أموالها، وإنما الراغبون في إفساد عفتها أيضًا.]

ب. امرأة رجل واحد، فلا يكون قد سبق لها أكثر من زواج، بهذا تحمل سمة من سمات الأسقف والشماس. وكأن الكنيسة لا تستريح في خدامها أو العاملين فيها أن يكونوا غير أعفاء أو حتى سبق زواجهم أكثر من مرة.

ج. لها شهادة أنها تمارس الأعمال الصالحة، أي مشهود لها أن تكون بلا لوم كما قيل عن الأسقف. يقول القديس أمبروسيوس: [ليس فقط طهارة الجسد وحدها هو هدف الأرملة القوي، وإنما ممارستها للفضيلة على نطاق عظيم وبفيض.] كما يقول: [ليس بلا سبب يجب أن يكن بلا لوم، هؤلاء اللواتي إذ يرتبطن بالأعمال الفاضلة تكون لهن كرامة عظيمة حتى أن الأساقفة يكرمهن. ليس كبر السن وحده يجعل منها أرملة وإنما استحقاقها كأرملة.]

د. ربت أولادها حسنًا، فإذ تتسلم رعاية الفقراء والمرضى، يجب أن تكون قد نجحت فيما كان بين يديها، أي تربية أولادها، فتؤتمن على الغرباء.

ه. إضافة الغرباء: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظ أنه يتحدث عن إضافة الغرباء هنا ليس كمجرد استقبال لطيف لهم، وإنما التقدم إليهم بغيرة ونشاط واستعداد كمن يستقبل المسيح نفسه. يليق بالأرامل أن يحققن ذلك بأنفسهن ولا يعهدن بخدمة الغرباء لخادماتهن. يقول المسيح: "إن كنت وأنا السيد المعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض" (يو ١٣: ١٤)... إن كنتن تستقبلن الغريب كأنه المسيح، فلا تخجلن فإنكن تكن في مجدٍ، وإن كنتن لا تستقبلن هكذا المسيح فلا تقبلوه بالمرة.]

و. غسلت أقدام القديسين: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من هم هؤلاء القديسين؟ القديسون الذين في ضيقة وليس كل القديسين. يوجد قديسون يهتم بهم كثيرون مثل هؤلاء لا تفتقدهم إذ هم في وسع، إنما يجب أن تهتم بمن هم في ضيقة، غير المعروفين، أو يعرفهم قليلون. إنه يقول: "بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" (مت ٢٥: ٤٠).]

ويرفض العلامة أوريجينوس التفسير الحرفي لغسل أقدام القديسين، قائلاً بأن غسل الأقدام إنما هو عمل العبيد والخدم، لا يعنيه الرسول حرفيًا، إنما يعني تطهير النفس بالكلمات اللائقة. كما يقول: [تستحق هؤلاء الأرامل أن يُكرمن في الكنيسة، هؤلاء اللواتي يغسلن أقدام القديسين خلال التعليم الروحي، لا أقصد بالقديسين الرجال بل النساء، "إذ لا أسمح للمرأة أن تعلم أو يكون لها تسلط على الرجل" (١ تي ٢: ١٢). إنه يريد من النساء أن يعلمن ما هو صالح بمعنى أنهن يلقن الحدثات العفة دون الأحداث... إنهن يدربن الحدثات على العفة ومحبة رجالهن وأولادهن.]

من هذا النص نكتشف أن الأرامل في القرن الثاني كن بكنيسة الإسكندرية يقمن بعمل تعليمي بين الحدثات دون الشبان، يدربن إياهن على الحياة التقوية والحياة الروحية المملوءة حبًا، والسلوك الأسري المسيحي.

ز. في اختصار يقول الرسول: "اتبعت كل عمل صالح"، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [إن الأرملة يلزمها أن تتمم كل عمل صالح وإن لم تستطع فلتساهم فيه]، كما يقول: [هكذا يتطلب الرسول التدقيق في الأرامل أكثر مما يتطلبه في العذارى، يتطلب فيهن أن يكن أكثر دقة وأعظم فضيلة.]

أخيرًا يحذر الرسول بولس من اكتتاب الأرامل الحدثات بقوله: "أما الأرامل الحدثات فارفضهن، لأنهن متى بطرن على المسيح يردن أن يتزوجن، ولهن دينونة لأنهن يرفضن الإيمان الأول" [١1-١٢]. يخشى الرسول من العثرة التي تصدر عن الأرامل الحدَثات لئلا يبطرن على المسيح، أي بعد قبولهن حالة الترمل كحالة زواج مع السيد المسيح روحيًا، يعدن فيردن الزواج، فينقضن عهدهن من جهة تكريس كل وقتهن وطاقاتهن لخدمة الله وإرضائه. إنهن لا يسقطن تحت الدينونة بسبب زواجهن بعد الترمل، وإنما لانحراف فكرهن بعد تعهدهن بالتكريس لخدمة الرب. فكان الأفضل لهن أن يتزوجن قبل أن يكتتبن في قوائم الأرامل ليعملن في الكرم ثم يرجعن عن حياتهن المقدسة.

مثل هؤلاء الحدثات، إذ يتركن عريس نفوسهن يدخلن في حالة من البطالة، إذ يقول الرسول: "ومع ذلك أيضًا يتعلمن أن يكن بطالات يطفن في البيوت، ولسن بطالات فقط، بل مهٍذارات أيضًا وفضوليات يتكلمن بما لا يجب. فأريد أن الحدثات يتزوجن ويلدن الأولاد ويدبرن البيوت لا يعطين علة للمقاوم من أجل الشتم. فإن بعضهن قد انحرفن وراء الشيطان" [١٣-١٥]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك بقوله: [البطالة هي معلم كل خطية.] فالله لا يهان بزواج الأرامل وانجابهن أولادًا، إنما يهان ببطالتهن الروحية وفراغهن الداخلي، فلا يرضين الله بسلوكهن. الزواج ليس ممنوعًا، بل هو حصن للأرامل والحدثات حتى لا يترك مجالاً للمقاوم أن يغلبهن.

هكذا يكشف الرسول عن كرامة الأرامل كعرائس للسيد المسيح، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بقوله هذا جعلنا نفهم أن اللواتي فقدن رجالهن هن عرائس المسيح بدلاً من رجالهن... هذا أنت ترين أن كرامة عظيمة تُمنح للأرامل! هذا في العهد الجديد حيث أضاء نور البتولية أيضًا بوضوح. وبالرغم من شدة بهاء هذه الفئة (البتوليين) إلاَّ أنها لا تطغي على أمجاد الأرامل، حيث تضيء للكل محتفظة بقيمتها.]

يختم الرسول حديثه عن الأرامل بتأكيد التزام العائلات بأراملهم: "إن كان لمؤمن أو مؤمنة أرامل فليساعدهن، ولا يثقل على الكنيسة، لكي تساعد هي اللواتي بالحقيقة أرامل" [ ١٦]. نفهم من هذه العبارة بأن الكنيسة تلتزم أن تدبر الأمور المادية وتنظمها، لتعطي من في عوز وليس لهم من يعولهم، بينما تترك أمور المحتاجين ولهم من يعولهم في أيدي القادرين من أولادهم أو أحفادهم الخ. التنظيم لا يتنافى مع الروحانية، وكما يقول القديس أغسطينوس: [كان للرب صندوقًا (يو ١٣: ٢٦-٣١) يحتفظ فيه بتقدمات المؤمنين ليستخدمه في ضرورياته وضروريات من هم في عوز... فلا نفهم وصيته الخاصة بعدم الاهتمام بالغد (مت ٦: ٣٤) بمعنى إلاَّ يكون لقديسيه مالاً، وإنما لا يخدم الله بهدف كهذا.]




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس +