إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الرب هو الطبيب العظيم الذي يشفي الجروح ، سيشفي كل جروحك مهما كان عمقها أو اتساعها أو قدمها

الأنبا انطونيوس

تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

العبادة الكنسية العامة


بعدما كشف الرسول لتلميذه عن مفهوم الوصية كموضوع الرعاية لكي يتسع قلبه بالحب لخدمة الجميع خاصة الأشرار، فلا ينشغل بالمباحثات الغبية، بل بخدمة الحب العملي، باذلاً كل الجهد كجندي روحي صالح، بدأ يحدثه عن العبادة الكنسية الجماعية.

1. الصلاة من أجل كل البشرية ١ - ٧.

2. إرشادات للرجال في العبادة ٨.

3. إرشادات للنساء في العبادة ٩ - ١٥.

1. الصلاة من أجل كل البشرية

"فاطلب أول كل شيء أن تقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس" [١].

يكشف الرسول بولس عن رسالة الكنيسة، سواء على المستوى المسكوني أو المحلي، أو على مستوى كل عضوٍ فيها. فإن الكنيسة ليست مؤسسة تنافس العالم فيما له، لكنها أولاً وقبل كل شيء هي جماعة متعبدة لله لأجل تقديس العالم، تقدم الطلبات والصلوات والابتهالات والتشكرات عن جميع الناس.

يرى الأب إسحق أن ما ذكره الرسول هنا يمثل مراحل حياة الشركة مع الله التي ينعم بها المؤمن، كمراحل متصاعدة، وفي نفس الوقت متكاملة معًا. فيبدأ المؤمن بالطلبة أي السؤال عن احتياجاته الضرورية ليرتفع من الطلبة إلى الصلاة أي الالتصاق بالله والدخول معه في صلة عميقة وحب لأجل الله ذاته. خلال هذا الحب الإلهي يرتفع إلى الابتهال أو التشفع عن الآخرين، فلا يطلب ما لنفسه بل ما هو للغير، وينسى احتياجاته أمام محبته لإخوته. وأخيرًا يمارس التشكرات بكونها الحياة الملائكية التي تقوم على أساس الشكر الدائم بلا انقطاع والتسبيح لله بغير انقطاع.

على أي الأحوال، تمارس الكنيسة في صلواتها وليتورچياتها كل هذه الأنواع من الصلاة، خاصة في ليتورچيا الإفخارستيا، أي القداس الإلهي. فيطلب الإنسان من أجل نفسه لنوال غفران خطاياه والتمتع بالنمو الروحي وإشباع كل احتياجاته وأعوازه الروحية والنفسية والجسدية، وتمتزج هذه الطلبات بالصلوات فيدخل المؤمن في حديث سري مع الله في ابنه الوحيد بالروح القدس. ولا تكف الكنيسة عن ممارسة الابتهالات فتشفع عن جميع الناس، أما جوهر الإفخارستيا فهو التمتع بالحياة الجديدة الشاكرة، خلال ثبوتنا في المسيح يسوع ربنا، حتى دُعيّ القداس الإلهي بالافخارستيا أي "الشكر".

وتحدث العلامة أوريجينوس بشيء من التفصيل عن التمييز بين هذه الأنواع من الصلاة معطيًا أمثلة لذلك. فيرى أن الطلبة هي توسل برجاء أن ينال الإنسان شيئًا هو في عوز إليه، كطلبة زكريا الكاهن، إذ يقول له الملاك: "لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت، وامرأتك أليصابات ستلد لك ابنًا، وتسميه يوحنا" (لو : ١٣). أما الصلاة، فهي تعبير يقدم لله وحده يمثل عبادة فيها مديح له. وكما يقول أوريجينوس أنه يمكن تقديم التعبيرات الثلاث الأخرى لغير الله كأن يطلب إنسان شيئًا من آخر أو يشفع (يبتهل) عن آخر لدي أخيه، أو يشكر من صنع معه معروفًا، أما الصلاة فلا تقدم لغير الله. من أمثلة الصلاة، ما جاء في (١ صم ١: ١٠) عن حنة امرأة القانة أنها "صلت إلى الرب وبكت بكاءً" أما البتهال ففي رأيه هو طلب يُقدم لله من أجل أمور معينة يقدمه من له ثقة أكثر من المعتاد. أما المثل الفريد في الابتهال فهو عمل الروح كقول الرسول: "لكن الروح يشفع فينا بأنات لا ينطق بها"، ولكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح، لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين" (رو ٨: ٢٦-٢٧). أخيرًا الشكر هو عرفان بالجميل مع صلاة بسبب عطية الله وبركاته. وجاء حديث السيد المسيح مع أبيه مثلاً فريدًا، إذ يحمده لأجل عطاياه التي يقدمها للبسطاء، إذ يقول الكتاب: "في ذلك الوقت أجاب يسوع وقال: أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال" (مت ١١: ٢٥).

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص بكونه دعوة لعمل كنسي مملوء حبًا للكل يشترك فيه الكاهن مع الشعب صباحًا ومساءً، مصلين عن البشرية كلها حتى المقاومين الوثنيين، إذ يقول: [الكاهن أب كما لو كان للعالم كله، لذا يليق به أن يهتم بالجميع كالله الذي يخدمه... وهذا يؤدي إلى نفعين: أولاً نزع الكراهية من جهة من هم من الخارج إذ لا يقدر أحد أن يشعر بالكراهية نحو من يصلي من أجله، وثانيًا أن هؤلاء أنفسهم يصيرون في حالة أفضل بفعل الصلوات المرفوعة عنهم، فيتركون وحشيتهم التي يصوبونها ضدنا، فإنه ليس شيء يجتذب البشر للتعلم مثل أن يُحبوا ويحبوا. تطلع إلى الذين اضطهدوا المسيحيين وجلدوهم ونفوهم وقتلوهم، فإن المسيحيين كانوا يقدمون صلوات حارة لدى الله من أجل الذين عاملوهم ببربرية كهذه. وكما أن أبًا إن لطمه طفل صغير على وجهه يحمله على كتفيه، إذ أن تصرف الطفل لا ينزع عنه حنوه من جهته هكذا يليق بنا ألا نفقد إرادتنا الصالحة نحو من هم من الخارج حتى وإن ضربونا... ماذا يعني الرسول بقوله "أول كل شيء" [1]؟ أي في الخدمة اليومية وكما تعرفون كيف نقدم صلوات يومية في المساء والصباح من أجل العالم كله، عن الملوك وكل من هم في منصب.]

يكشف لنا هذا النص عن ممارسة الكنيسة لليتورچيات جماعية صباحية ومسائية، فيها تبتهل الكنيسة عن الملوك (الرؤساء) ومن هم في مراكز قيادية مع بقية الابتهالات عن كل البشرية. ونحن نجد في القداس الباسيلي الصلاة عنهم كجزء من الصلاة من أجل سلام الكنيسة قبل صلاه الصلح، وفي القداس الغريغوري تقدم أوشية خاصة بالملك (الرؤساء) والعاملين في البلاط (القصر) وجميع العاملين في الدولة والجند لأجل سلامهم.

"لأجل الملوك، وجميع الذين هم في منصب، لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار" [2].

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم إن كان يمكن الصلاة من أجل ملك وثني أثناء الاحتفال بالأسرار الإلهية؟ ويجيب قائلاً: [لقد أظهر الرسول فائدة ذلك بقوله: "لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة". وكأنه يقول إن سلام (المسئولين) هو آمان لنا. وفي رسالته إلى أهل رومية يأمرهم بالطاعة للحكام "ليس بسبب الغضب فقط بل أيضًا بسبب الضمير" (رو ٣: ٥)، فقد أقام الله الحكومة لأجل الصالح العام... ليس في تملقٍ، وإنما نطيع في اتفاق مع أحكام العدل. فإنهم إن لم يكونوا محفوظين ومنتصرين في الحروب ترتبك أمورنا حتمًا وندخل في متاعب، وإن هلكوا نتشتت.]

ماذا يعني الرسول بقوله: "لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار"؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا السؤال قائلاً بأنه يوجد ثلاث أنواع من الحروب: حرب تنشأ عن هجمات جيوش غريبة ضدنا، وحرب تثور فيما بيننا، والثالثة الحرب التي تنشأ داخل الإنسان نفسه. ويرى القديس أن هذه الطمأنينة وها الهدوء المذكور هنا يشير إلى هدوء النفس الداخلي، والراحة من جهة الحرب الثالثة، لذا يكمل الرسول "في كل تقوى ووقار". إن صلواتنا وطلباتنا من أجل جميع الناس وطاعتنا الصادقة للمسئولين تعطي سلامًا في القلب الداخلي كأبناء يحملون سمات عريسهم المحب المطيع! علاقتنا مع الآخرين لا تقوم على أساس نفعي مادي أو أدبي، ولا على أساس الخوف، وإنما على أساس إلهي، حيث نلتقي مع الجميع ونعمل على راحة الجميع من أجل الله محب البشر.

يكمل الرسول: "لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" [3-٤]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [ما هو هذا المقبول؟ الصلاة من أجل جميع الناس! هذا هو المقبول لدى الله، هذه هي إرادته!... تمثل بالله، فإنه يريد أن جميع الناس يخلصون! وها هو سّر صلاة الإنسان من أجل الجميع! إن كان الله يريد أن جميع الناس يخلصون، فلترد أنت أيضًا هذا! وإذ تكون هذه هي إرادتك، فصلِ لكي تتحقق هذه الإرادة، فإن الإرادة (الرغبة) تقود إلى الصلوات.]

ربما يسأل أحد: هل نصلي من أجل الأمم الوثنيين؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا تخف من أن تصلي من أجل الأمم، فإن الله يريد ذلك، إنما خف من أن تصلي ضد أحد، إذ لا يريد الله هذا. إن كنت تصلي من أجل الوثنيين فالطبع يلزمك أيضًا الصلاة من أجل الهراطقة. فلنصل من أجل الجميع ولا نضطهد أحدًا.]

قد يتساءل البعض: لماذا أصلي من أجلهم؟ أما تكفي إرادة الله نحوهم؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [للصلاة نفع عظيم لهم ولك فإنها تجتذبهم للحب، وتهبك أنت لطفًا. الصلاة قادرة على جذبهم للإيمان.]

أخيرًا فإن الرسول يؤكد حب الله لخلاص الجميع ليس فقط لكي نصلي في عبادتنا الكنسية والخاصة عن الجميع، إنما لينزع الثنائية الغنوسية التي تقسم المؤمنين إلى كاملين وبسطاء.

يربط الرسول بين الصلوات الكنسية العامة وما تحمله من حبٍ خالص نحو كل البشرية ووساطة السيد المسيح الكفارية لدى الآب عنا جميعًا، قائلاً: "لأنه يوجد إله واحد ووسيط بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية، لأجل الجميع الشهادة في أوقاتها الخاصة" [ ٥-٦].

لعل الرسول بولس أراد أن يؤكد أن اتساع قلبنا بالحب نحو البشرية ليس من عندياتنا، وإنما يتحقق فينا خلال اتحادنا بالوسيط الواحد الذي لم يقدم مجرد صلوات لفظية عن البشرية، لكنه تجسد وتألم ليفدي الكل! إن سمة الحب التي لنا في عبادتنا الجماعية الكنسية الشخصية هي سمة السيد المسيح نفسه "الإله الواحد" الذي صار "الإنسان" ليفتدي الكل!

يليق بنا أن نقف قليلاً عند كلمات الرسول بولس هنا، التي شغلت فكر الكنيسة الأولى وابتلعت مشاعر الآباء وهزت أعماقهم الداخلية.

من جهة لم يكن مجال الحديث هنا مهاجمة وساطتنا لبعضنا البعض بالحب لدى الله، وإنما كما نعلم أن الغنوسيين آمنوا بوجود انبثاقات متتالية بدأت من الكائن الأعظم وانتهت إلى مجيء السيد المسيح، هذه الانبثاقات هي أيونات تقدم المعرفة كطريق الخلاص. ففي نظرهم ينطلق الغنوسي خلال المعرفة إلى يسوع الذي يرفعه بالمعرفة أيضًا إلى أيون أعظم، وهذا يرفعه إلى ثالث أعظم، وهكذا يرتفع على سلم الأيونات حتى يبلغ بالمعرفة الكاملة إلى الكائن الأعظم. والرسول هنا يؤكد أن الحق الذي يريد الله أن يُقبل إليه جميع الناس [4] هو الإيمان بالآب الواحد الذي أرسل ابنه الوحيد الوسيط الكفاري الوحيد ليصالح البشرية المؤمنة معه، هادمًا بهذا فكرة الأيونات الغنوسية.

بهذا لا يمكننا بتر هذه العبارة عن مجالها الكامل ليستشهد بها البعض في إنكار الشفاعة أو صلوات الكنيسة عن بعضها البعض، سواء بالنسبة للأعضاء الراقدة في الرب أو المجاهدة على الأرض. فإن هذا انحراف بعيد عن فكر الوحي الإلهي. إنما ما أراد الوحي تأكيده هو عمل المسيح الفريد في خلاصنا ومصالحتنا مع أبيه، الأمر الذي لن يمكن لكائنٍ سماوي أو بشري القيام به!


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس +
 


10 توت 1736 ش
21 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة مطرونة
استشهاد القديس يؤانس المصري وزملائه
استشهاد القديسة باسين وأولادها الثلاثة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك