إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس

+ تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +



تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

الصليب سرّ الوحدة

يكتب رسول الأمم العظيم إلى الكنيسة المحبوبة إليه جدًا بروح الرجاء المفرح مع الصراحة الكاملة. بدأ رسالته بمقدمة مفرحة تبعث فيهم روح الرجاء، وانطلق بهم إلى صليب رب المجد يسوع ليجدوا فيه حلاًّ لكل مشاكلهم السلوكية والأسرية والكنسية والعقيدية. يدخل بهم إلى الصليب ليروا فيه سرّ الوحدة والقوة.

في هذا الأصحاح يتحدث الرسول إلى الكنيسة التي تعاني من الانقسامات مظهرًا أنه يتكلم بروح التواضع وفي نفس الوقت بسلطانٍ كرسولٍ معين من قبل اللَّه نفسه. وجاء شكره للَّه على نمو الكنيسة التي غرسها الرسول في كورنثوس فيه تأكيد وبرهان على نجاحه في تحقيق رسالته وصدق دعوته الإلهية للعمل.

أظهر لهم أيضًا أنهم كنيسة اللَّه المقدسة في المسيح يسوع وأنهم مدعوون قديسين، أغنياء في كثير من المواهب والنعم الفائقة، وأنهم ليسوا بأقل من أية كنيسة في أية موهبة. بهذا هيأ أذهانهم بروح الرجاء لقبول نصائحه بالدخول إلى سرّ الصليب والتمتع بقوة اللَّه للخلاص عِوض تبديد طاقاتهم ومواهبهم في الخلافات والانقسامات. في الصليب نرى اللَّه مصدر كل عطية صالحة، وكل حكمة وغنى فنفتخر به لا بأنفسنا.

1. افتتاحية الرسالة 1-2.

2. البركة الرسولية 3.

3. شكر على نمو الكنيسة 4-9.

4. تقرير أهل بيت خلوي 10-13.

5. رسالة بولس الرسول 14-17.

6. الصليب سرّ الحكمة 18-25.

7. الافتخار بالرب 26-31.

1. افتتاحية الرسالة

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم وكثير من الدارسين أن هذه المقدمة وما تحويه من البركة الرسولية وشكر على نمو الكنيسة تهيئ الطريق للرسول أن يناقش بكل حبٍ وصراحة المشاكل الخطيرة التي للكنيسة.

"بولس المدعو رسولاً ليسوع المسيحبمشيئة اللَّه وسوستانيس الأخ" [1].

يبدأ الرسالة بروح التواضع فلا يقول: "بولس رسول يسوع المسيح"، بل "المدعو رسولاً".

- انظروا كيف يطرد كبرياءهم منذ البداية وينزل حتى الأرض بتخيلاتهم العزيزة عليهم جدًا، إذ يتحدث عن نفسه قائلاً: "المدعو". يقول بولس: ما قد تعلمته لم أكتشفه بنفسي, وإنما دُعيت بينما كنت أضطهد الكنيسة. اللَّه هو الذي أراد أنكم أنتم أيضًا تخلصون بنفس الكيفية. فنحن لم نفعل شيئًا صالحًا من أنفسنا, بل خلصنا بمشيئة اللَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ هاجم البعض رسولية بولس وسببوا انقسامًا في الكنيسة افتتح الرسالة بتأكيد أنه رسول لا بمشيئة بشرية، ولا بدعوة من إنسان، وإنما "بمشيئة اللَّه". لقد دعاه الرب نفسه للعمل الرسولي بالنعمة المجانية، فتهيأ ليُعلن الخلاص المجاني للآخرين. إنه لم ينل الرسولية عن استحقاقٍ شخصيٍ بل خلال مشيئة اللَّه. وأنه ليس كالأنبياء الكذبة الذين قيل عنهم:"لم أُرسل الأنبياء بل هم جروا؛ لم أتكلم معهم بل هم تنبأوا" (إر21:23). لو تُرك الرسول لمشيئته الخاصة لما صار رسولاً إذ يقول: "فإذًا ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل للَّه الذي يرحم" (رو6:9). كما أنه لا يكتب لهم ليطلب منهم مديحًا أو لكي يقبلوه رسولاً، وإنما كرسول مدعو من اللَّه لخدمة الأمم، يكتب إلى الكنيسة التي زرعها بنعمة اللَّه لتكون مقدسة في الرب.

- يكتب أنه "رسول بمشيئة اللَّه", ملمحًا بهذا إلى الرسل الكذبة الذين لم يُرسلوا بواسطة المسيح, وتعاليمهم ليست حقًا. توجد فِرقْ كثيرة منحرفة, تكرز بالمسيح حسب أهوائهم، هؤلاء يحطمون الكنائس؛ ولا تزال أغصانهم الجافة باقية معنا إلى اليوم.

الأب أمبروسياستر

"سوستانيس الأخ": كان سوستانيس رئيس المجمع اليهودي، آمن بالسيد المسيح. وهو كورنثوسي المولد، محبوب لدى الشعب، لذا حسبه الرسول شريكًا معه في الرسالة حتى يقبل الكل ما ورد فيها. لعلّه هو نفسه سوستانيس الذي ذكره معلمنا لوقا البشير في أعمال 17:18 الذي نال بركة الضرب من اليونانيين أمام غاليون والي أخائية وهو بعد يهودي.

إذ قبل سوستانيس الإيمان المسيحي وكان مع الرسول بولس في أفسس ساهم في العمل الكرازي، الأمر الذي يفرح قلب كل مسيحي في كورنثوس. ولعل في ذكره دعوة لكل شعب كورنثوس أن يقتدوا بسوستانيس الذي تحوّل من رئيس مجمع يهودي إلى كارزٍ ومبشرٍ.

اعتاد الرسول أن يضم إليه في رسائله أحد العاملين معه أو أحد تلاميذه، ليبث في الشعب روح الحب والعمل الجماعي. بروح التواضع الممتزج بالحب يقدم سيمفونية سماوية مفرحة للسمائيين.

- إنه مثال آخر لتواضعه، فإنه يضع معه في ذات المرتبة من هو أقل من أبلوس، فإن الفارق بين بولس وسوستانيس عظيم. فإن كان يوجد فارق شاسع هكذا فيضع معه من هو أقل منه بكثير، ماذا يمكن أن يقول هؤلاء الذين يحتقرون من هم مساوين لهم؟

يصنع الاثنان سيمفونية: بولس وسوستانيس عندما كتبا الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس؛ وبعد ذلك بولس وتيموثاوس حين أرسلا الرسالة الثانية إلى نفس الأشخاص.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"إلى كنيسة اللَّه التي في كورنثوس المقدسين في المسيح يسوع،المدعوين قديسين، مع جميع الذين يدعون باسم ربنا يسوع المسيح في كل مكان لهم ولنا" [2].

إذ كثرت مشاكلهم أبرز في المقدمة الدعوة الإلهية الموجهة إليهم:

غاية الدعوة: أن نكون قديسين كما هو قدوس [2].

سرّ الدعوة: نٌدعى باسم يسوع المسيح [2].

خبرة الدعوة: الصليب قوة اللَّه وحكمته [24].

إمكانيات الدعوة: تحدى للحكماء والأغنياء الخ. [26-31].

6. كعادته يشجع الرسول الكل، فإذ يفند سلوكهم الكنسي المرّ، وأيضًا سلوك بعضهم الأخلاقي الفاسد لم يخجل من أن يقول لهم: إلى "المقدسين في المسيح يسوع، المدعوّين قديسين". هكذا يرفع الرسول من روحهم المعنوية حتى يمكنهم الإنصات إليه والتجاوب معه. يدعوهم "مقدسين"، و"مدعوين قديسين"، فقد تقدسوا في الرب يسوع وكرسوا قلوبهم له بنوالهم سرّ العماد، لذا لاق بهم أن يسلكوا طريق القداسة. إنهم كنيسة مقدسة، ليس من أجل انتسابهم لبولس أو أبلوس أو صفا (بطرس) بل من أجل اللَّه مقدسّهم.

- لا نصنع شيئًا صالحًا بأنفسنا وإنما بمشيئة اللَّه ننال هذا الخلاص؛ ونحن مدعوّون (قديسين) ليس لأننا نستحق ذلك، وإنما لأن في ذلك مسرته.

- إنه يذكّرهم بعدم طهارتهم التي حررهم منها، وهكذا يحثهم إلى تواضع الفكر، فإنه ليس بأعمالهم الصالحة تقدسوا بل بحنو اللَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

واضح أنه وهو يكتب إلى كنيسة كورنثوس يوجه الحديث إلى جميع الذين يدعون باسم يسوع المسيح ربنا في كل موضع، أي إلى الكنيسة الجامعة الممتدة من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها. فإن للرب بقية مقدسة في كل مكان في العالم في كل الأجيال تحيا معًا في شركة روحية. هذه البقية كرست حياتها للرب، أي عزلت نفسها لا عن العالم بل عن فساده لتحمل أيقونة القدوس، وهذا هو غاية إنجيل المسيح. فكلمة "مقدّسون" في اليونانية هنا "hagiazo" تعني الاعتزال لكي يصير الإنسان في ملكية اللَّه ولخدمته. فمن الخطورة أن ننظر إلى البشرية بمنظارٍ قاتمٍ، إذ يوجد في كل الأجيال قدّيسون يكرّسون قلوبهم وحياتهم للرب القدوس ويحملون روح الوحدة.

-مع أن الرسالة قد كُتبت إلى أهل كورنثوس وحدهم لكنه يشير إلى كل المؤمنين في كل الأرض، مُظهرًا أن الكنيسة في العالم يجب أن تكون واحدة مهما انفصلت عن بعضها في أماكن مختلفة، بالأكثر تكون هكذا في كورنثوس. إن كان المكان يفصلهم فإن الرب يضمهم معًا، إذ هم معروفون للكل. لهذا يوحدهم معًا بقوله "لهم ولنا".

القديس يوحنا الذهبي الفم

بقوله "لنا" يعني "لي ولسوستانيس"، فإنه يشعر بأن القدّيسين هم عطية اللَّه لخدامه. فكما يشعر الخادم أنه ليس لنفسه بل للبشرية التي مات المسيح عنها، يشعر أيضًا أن القديسين هم له سند ومعين بل وإكليل مجد يناله.

2. البركة الرسولية

"نعمة لكم وسلام من اللَّه أبينا والرب يسوع المسيح" [3].

جاءت البركة الرسولية في كل رسالة تكشف عن قلب بولس الرسول الملتهب حبًا، فيطلب لكل كنيسة كما لكل مؤمنٍ بركة إلهية وعطية تتناسب مع احتياجاته. في نفس الوقت هيأت هذه البركة الجو لقبول ما ورد في صُلب الرسالة.

يبدأ الرسول بالنعمة ثم السلام، إذ لا يمكننا أن نتمتع بالسلام ما لم يقدم لنا الرب نعمته المجانية الغافرة لخطايانا هذه التي تسبب العداوة مع اللَّه والناس. لاق برسول السلام أن يُعلن شهوة قلبه نحو الكنيسة التي في كورنثوس، وهو أن يمنحها اللَّه الآب والرب يسوع النعمة الإلهية التي تملأ النفس سلامًا عميقًا، كما يطلب لها السلام حتى لا يجد روح الانشقاق له موضعًا فيها.

حقًا إن كل بركة تنبع عن نعمة اللَّه الغنية في النفس وسلامها أو مصالحتها مع اللَّه. لقد طلب اللَّه من هرون وبنيه أن يباركوا الشعب قائلين: "يباركك الرب ويحرسك. يًضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك. يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلامًا، فيجعلون اسمي على بني إسرائيل، وأنا أباركهم" (عد24:6-27). هذه البركة تحققت بالحق خلال إنجيل السلام في العهد الجديد، إذ لا يمكن أن يتحقق سلامنا إلا بالمسيح المصلوب.

-إن كان سلامنا مصدره نعمة اللَّه، فلماذا تفتخرون مادمتم تخلصون بالنعمة؟ كيف يمكن لأحدٍ أن يجد نعمة لدى اللَّه إلا بالتواضع؟

- إن كان لكم سلام مع اللَّه فلماذا تميزون أنفسكم عن الآخرين؟ فإن هذا هو ما يفعله الانشقاق... مرة أخرى لا نستفيد شيئًا إن كان كل الناس يمدحوننا والرب يقاومنا، ولا يوجد خطر ما إن رفضنا الكل وأبغضونا ما دام اللَّه يقبلنا ويحبنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يعلن الرسول أن النعمة الإلهية والسلام السماوي هما من قبل اللَّه الآب والرب يسوع المسيح ليؤكد لنا أنهما لاهوت واحد. يقول ثيؤدورت أسقف قورش: [يقول بولس بأن المسيح واهب النعم مثله مثل الآب، موضحًا بجلاء أن الاثنين واحد.]

3. شكر على نمو الكنيسة

حمل الرسول بولس شركة سمات الرب يسوع، أحدها فتح باب الرجاء أمام الغير بروح التشجيع. فقد بدأ رسالته بدعوتهم قديسين تكرسوا لحساب الرب، والآن يقدم ذبيحة شكر للَّه من أجل نموهم.

"اشكر إلهي في كل حين من جهتكمعلى نعمة اللَّه المعطاة لكم في يسوع المسيح" [4].

يُعبّر الرسول بولس عن محبته الصادقة لاخوته ومخدوميه بتقديمه الشكر لهم وصلواته من أجلهم. بقلبه الكبير المتسع يهتم باخوته حتى في صلواته.

- ليس شيء يعادل اشتياقات الرسول، ليس من مثيل لحنو الطوباوي بولس وعطفه الذي قدم صلواته كلها من أجل كل المدن والشعوب، وكتب هكذا للكل: "أشكر إلهي من أجلكم، ذاكرًا إيّاكم في صلواتي". تأمل كيف أن في ذهنه كثيرين! إنه عمل مرهق أن يذكر كل هؤلاء. كم من أُناس يذكرهم في صلواته، ويشكر اللَّه من أجلهم جميعًا كما لو كان هو نفسه قد نال أعظم البركات.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لا يقدم بولس التشكرات من أجل أهل كورنثوس في بعض الأحيان, ولا عندما يصنعون صلاحًا, وإنما يضع نفسه في مركز الأب الذي يشكر عن أولاده كل الوقت مهما فعلوا.

العلامة أوريجينوس

- يهتم بولس أن يعطى عذوبة لأذهانهم قبل أن يبدأ بحثهم ونصحهم. ما يقوله حق, إذ يقدم التشكرات للَّه من أجل عطاياه لهم.

ثيؤدورت أسقف قورش

بينما يشكر اللَّه إلهه من أجل عطيته للكنيسة وهي النعمة التي صار بها كثيرون متحدين به في المسيح يسوع إذا به ينسب اللَّه إليه شخصيًا فيدعوه "إلهي".

-بعاطفته العظيمة يحسب ما هو عام للكل خاصًا به فيقول: "إلهي". هكذا اعتاد الأنبياء أن يقولوا من حين إلى آخر (مز4:43؛ 1:42).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"اشكر الهي في كل حين من جهتكم" [4]. يتحدث الرسول بولس عن مفاسد كثيرة لحقت بالبعض في هذه الكنيسة، من جوانب مختلفة تمس وحدة الكنيسة وقدسيتها وعبادتها وعقائدها، مع هذا يبدأ بالجانب الإيجابي فيُعلن شكره الدائم للَّه على الجوانب الطيبة والمقدسة في هذه الكنيسة. وكأن ضعفاتهم لم تحجب عنه ما تمتعوا به من بركات وعطايا إلهية ولا شغلته عن التسبيح والشكر للَّه من أجل النعمة التي ينالوها. فهو يقدم ذبيحة شكر دائمة "في كل حين" للَّه إلهه الذي دعاه لخدمته والعامل فيها بنعمته، والذي لا يتوقف عن أن ينميها.

مرة أخرى يبرز كل ما هو صالح فيهم، إذ يتمتعون بنعمة اللَّه الغنية في المسيح يسوع [4] التي دعتهم لا ليكونوا قديسين في المسيح يسوع فحسب، بل ويصيروا أغنياء في مواهب الروح التي يتحدث عنها في هذه الرسالة؛ أغنياء في كل كلمة وكل علم [5]؛ لا تنقصهم المواهب [7]؛ يترجون مجيء الرب الأخير [8].

- "المُعطاة لكم". بواسطة من أُعطيت؟ هل بواسطتي أنا أم بواسطة رسول آخر؟ مطلقًا لا، إنما بيسوع المسيح، فإنه هكذا يعني التعبير: "في يسوع المسيح".

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email

"أنكم في كل شيء استغنيتم فيه،في كل كلمة وكل علم" [5].

يشكر اللَّه إلهه من أجل فيض المواهب الروحية التي تمتعت بها الكنيسة في كورنثوس. فلا ينقصها شيء من المواهب ولا تخلفت عن الكنائس الأخرى، خاصة موهبة الكلمة والعلم، أي الشهادة لإنجيل المسيح والمعرفة الروحية. ارتبطت الكلمة أو القدرة على الكرازة بالعلم والمعرفة.

يميز العلامة أوريجينوس بين الكلمة والعلم أو المعرفة فيقول: [المعرفة تظهر ما أنت تعرفه. والكلمة تمتد لتوضح ما تعرفه.] كثيرون لهم موهبة الكلام لكن بعدم معرفتهم تصير أحاديثهم فارغة بلا ثمر، بل ومعثرة. ويوجد أيضًا من لهم العلم والمعرفة في مخزن عقولهم ويعجزون عن تقديمها للغير والشهادة لما في فكرهم. أما كنيسة كورنثوس فتمتعت بالصورة الكاملة للكلمة المرتبطة بالمعرفة، أي القدرة على التعليم الصادق المؤسس على الحق الإلهي. هكذا يود الرسول أن تنفتح أعينهم ليروا فيض الغنى الداخلي، فلا ينشغلوا بالانقسامات والأشخاص، بل بالخدمة والكرازة والتأمل الدائم في اللَّه.

- "في كل كلمة وكل معرفة". يوجد كثيرون لهم معرفة، لكن ليس لهم قوة الحديث، وذلك مثل غير المتعلمين العاجزين عن توضيح ما بأذهانهم بجلاء. يقول: أنتم لستم مثلهم وإنما قادرون أن تفهموا وأن تنطقوا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

-الشخص الكسول والمرتبك بأخطاء متنوعة يكون بالتأكيد مشغولاً، ويكون دومًا غريبًا عن التأمل في اللَّه وعن الغنى الروحي الذي يقول عنه الرسول: "في كل شيء استغنيتم فيه، في كل كلمة وفي كل معرفة".

القديس يوحنا كاسيان

- لنُضطهد لكي نركض، ولكننا إذ نركض فلا نجري باطلاً. لندخل السباق من أجل المكافأة عن العمل السماوي.

إذن لنركض فنقتني. ماذا نقتني؟ ما هي المكافأة؟ ما هو الإكليل؟

يبدو لي أن ما نرجوه ليس إلا الرب نفسه. فهو ديّان المجاهدين. وإكليل الفائزين.

هو الذي يقوم بتوزيع الميراث. وهو نفسه الميراث الصالح.

هو النصيب وهو مقدم النصيب، هو يجعلنا أغنياء وهو الغنى.

إنه يظهر لك الكنز وهو نفسه الكنز. إنه يجتذبك لتشتهي اللؤلؤة الجميلة، وهو يقدمها لك كما لو كانت للبيع إن كنت تود أن تتاجر حسنًا.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص"كما ثبتت فيكم شهادة المسيح" [6].

أدرك الرسول أن موهبة الشهادة القائمة على المعرفة الصادقة هي نعمة إلهية، أو كنز فائق يهب النفس غنى فلا تعتاز إلى شيء. لقد ثبتت فيهم شهادة المسيح، أي تأسيس إنجيل المسيح وتأصله فيهم.

- تثبت شهادة المسيح فينا إن كنا نستطيع القول مثل الرسول بولس: "فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة اللَّه في المسيح يسوع ربنا" (رو 8: 38-39). أما إذا كنا نضطرب لأتفه الأمور التي تحدث فلا تكون شهادة المسيح ثابتة فينا تمامًا.

العلامة أوريجينوس

-ثبتت شهادة المسيح فيهم لأنهم تقووا بإيمانهم. لم يثقوا في الأمور البشرية, بل بالأحرى كل رجائهم هو في المسيح, فلم تقتنصهم لذة ولا إغراء للذة.

أمبروسياستر

"حتى أنكم لستم ناقصين في موهبة ما، وأنتم متوقعون استعلان ربنا يسوع المسيح" [7].

- قدم المديح بنظام لائق لكي يهيئ أهل كورنثوس لقبول النقد القادم. لأن من يبدأ بكلمات مؤلمة يعادى سامعيه. بدأ بولس بمدحهم لكي يتجنب ذلك.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- وإن كان لا تنقصنا عطية ما إلا أننا ننتظر ظهور ربنا يسوع المسيح، عندئذ سيحفظنا في كل شيء، ويقدمنا بلا عيب عندما يأتي يوم الرب. نهاية العالم قادمة, عندما لا يتمجد جسد في عينيه.

القديس جيروم

اللَّه في سخاء محبته لم يدع كنيسته محرومة من أية موهبة أو عطية فهو أب سخي يهب كنيسته كل ما تحتاج إليه.

لا نعجب أنهم إذ كانوا شهود حق لإنجيل المسيح، أي لهم "شهادة المسيح"، كانوا يترقبون مجيئه الثاني، فإن هذا هو غاية إيمانهم وجهادهم وكرازتهم أن يستعدوا ليوم الرب، مترجّين سرعة مجيئه بفرحٍ عظيمٍ. لقد وعد الرب بمجيئه الثاني عندما حان وقت صلبه (يو3:14)، وتجدد الوعد عند صعوده إلى السماء (أع11:1). صار هذا الوعد هو رجاء المؤمنين الثابت (تي13:2؛ 2بط12:3؛ عب28:9). وخُتم الكتاب المقدس بتوسلٍ مملوءٍ غيرةٍ لكي يأتي الرب يسوع سريعًا.

- إن كان (اللَّه) لا يُرى لكنه موجود وحاضر الآن، وسيظهر بعد ذلك. لهذا توجد حاجة إلى الصبر، فإنه لهذه الغاية قبلتم العجائب حتى تصيروا بها ثابتين.

القديس يوحنا ذهبي الفم

-لا يتمتع البار في هذه الحياة بما يرجوه, بل بالأحرى يتألم ويتعرض لمخاطر. إنه يترقب إعلان المسيح القادم.

العلامة أوريجينوس

- في هذا اليوم سيُعلن الرب يسوع المسيح للمؤمنين وغير المؤمنين. عندئذ سيتحقق غير المؤمنين أن ما لم يريدوا أن يؤمنوا به هو حقيقة صادقة. أما المؤمنون فسيفرحون، إذ يجدون أن ما يؤمنون به أكثر عجبًا مما كانوا يتخيلون.

أمبروسياستر

"الذي سيثبتكم أيضًا إلى النهاية بلا لوم في يوم ربنا يسوع المسيح" [8].

يعلق القديس يوحنا ذهبي الفم على هذه الكلمات قائلاً: [تشير هذه الكلمات إلى أنهم لازالوا مهتزين ومعرضين للتوبيخ.]

اللَّه الذي وضع الأساس الثابت في قلوبهم، فالتهبت نفوسهم شوقًا نحو مجيئه كفيل أن يعمل فيهم وسط الضيقات والمتاعب التي قد تهز الإيمان فيجعلهم ثابتين ومستعدين لمجيئه. هو يبدأ معهم الطريق ويعمل فيهم ويرافقهم مسيرتهم ويبلغ بهم حتى النهاية. يحفظهم في طريق القداسة بلا لوم. لم يَعِد بنزع التجارب والضيقات والعثرات، إنما يحفظ مؤمنيه ويقدسهم، فيُحملوا به ويصيروا بلا لوم (يو1:13؛ في6:1).

جاءت كلمة "يثبت" في اللغة اليونانية الـ koine كتعبيرٍ قانونيٍ فني يشير إلى ضمان الآمان، وكأن اللَّه يقدم لمؤمنيه ضمانًا أنهم سيكونون في حضرته عند مجيء الرب يسوع.

تعبير "بلا لوم" لا يعني أن يصير الإنسان كاملاً، إنما يشير إلى براءته من الاتهام الموجه ضده؛ أي يصدر الحكم عليه بالبراءة. إنهم ليسوا كاملين بذواتهم، لكن اللَّه بنعمته يحفظهم من الدينونة، ليظهروا في يوم الرب أصدقاء له (رو33:8،34). بهذا يقدم المسيح كنيسته بلا لوم ولا غضن (أف37:5)، فيتمجد فيها.

"إلى النهاية" يعني إلى مجيء المسيح الثاني.

- من الذي سيثبتنا؟ يسوع المسيح, كلمة اللَّه وحكمة اللَّه.

إنه يثبتنا ليس ليومٍ أو يومين بل إلى الأبد.

العلامة أوريجينوس

- يثق بولس بأن أهل كورنثوس سيُحفظون في البرّ إلى يوم الدينونة. فإن الشعب الذي لم يهتز بالرغم من وجود متاعب كثيرة وانقسامات قد برهنوا أنهم سيبقون ثابتين في إيمانهم إلي النهاية. بمدحهم أيضًا يتحدى بولس أولئك الذين أفسدتهم أخطاء الرسل الكذبة, وبإعلانه إيمان السابقين يدعو الآخرين للتوبة.

أمبروسياستر

-بقوله أنه يترجى أنه يكونوا بلا لوم في يوم يسوع المسيح يشير بولس أنهم إلى الآن هم مخطئون.

ثيؤدورت أسقف قورش

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه [لم يكن هذا مديحًا بل توبيخًا مستترًا, حيث أن أهل كورنثوس كانوا بعيدين عن "عدم اللوم" كما تظهر بقية الرسالة.]

ا"أمين هو اللَّه،الذي به دُعيتم إلى شركة ابنه يسوع المسيح ربنا" [9].

"أمين هو اللَّه"، فهو صادق في مواعيده، لن يخدعنا. يبدأ معنا ويكمل حتى النهاية (في6:1). تعبير "أمين هو اللَّه" محبوب جدًا لدى اليهود القدامى، يفهمونه بأن اللَّه أمين في حفظ وعده لهم كشعبٍ خاص به، لهم الوعود الإلهية الفائقة. ويرون في إخلاص بعض المؤمنين وأمانتهم توضيحًا لإخلاص اللَّه وأمانته، فيذكرون القصتين التاليتين:

الأولى: قيل أن الحاخام فينحاس Rabbi Phineas بن يائير Jair كان مقيمًا في مدينة ما وقد جاءه بعض الأشخاص وقدموا له كيلتين من الشعير ليحفظهما لهم. نسي هؤلاء الرجال الأمر، وإذ عبرت سنة تلو الأخرى جاءوا إليه بعد سبع سنوات يسألونه الكيلتين من الشعير، أما هو فأخذهما إلى مخازن متسعة وأشار إليهم إلى كمية ضخمة للغاية من الشعير وطلب منهم أن يحملوها. سألوه: "ما هذا؟ نحن قدمنا كيلتين فقط وأنت تقدم لنا هذه الكمية الضخمة". أجابهم: "لقد وثقتم فيَّ وسلمتم إليّ كيلتين، وأنا بدوري قمت ببذرهم في الأرض سنة تلو الأخرى فجاء هذا المحصول، وهو ملك لكم". دُهش الكل لأمانته العجيبة وإخلاصه، وصاروا يتساءلون: "إن كانت هكذا هي أمانة رجال اللَّه، فماذا تكون أمانة اللَّه نفسه؟!"

أما القصة الثانية فتُنسب إلى الحاخام سيمون Rabbi Simeon بن شيتاخ Shetach أنه اشترى حمارًا من بعض أشخاصٍ من بني أدوم. بعد فترة اكتشف تلاميذه أن في قلادته التي حول عنقه لؤلؤة كثيرة الثمن. انطلقوا إليه حاملين اللؤلؤة وهو يقولون له أنه كمبارك الرب يصير غنّيًا كما جاء في أمثال 22:10 "بركة الرب هي تغني ولا يزيد معها تعبًا". أجابهم: "لقد اشتريت الحمار ولم اشترِ اللؤلؤة". أخذ اللؤلؤة وانطلق بها إلى البائعين من بني أدوم يسلمها لهم. هكذا هي أمانة رجال اللَّه كظلٍ لأمانة اللَّه العجيبة.

- يقول بولس هذا لكي لا يسقط أهل كورنثوس في اليأس عند ما ينتقدهم. إنه يذكرهم بأن المشكلة ليست في اللَّه، إنها بسبب خطايانا وعدم إيماننا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"دُعيتم" لا تعني مجرد دعوة مقدمة لنا، إنما تحمل إمكانية النعمة والقوة الإلهية لتحقيق الدعوة إن قبلناها.

- ليس بهذا أو ذاك بل يقول "بالآب" قد دعيتم، بواسطته أيضًا قد اغتنيتم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

دعينا إلى شركة ابنه يسوع، لكي نصير شركاء مع المسيح في الميراث (رو17:8-30)، نصير مثله كأبناء اللَّه (2تس14:2؛ 1بط13:4؛ 1يو3:1)، لكن ليس بالطبيعة بل بالتبني، باتحادنا معًا فيه.

-لقد دعيتم إلى شركة الابن الوحيد الجنس، فهل تدمنون الاعتماد على البشر؟ أي بؤس أشر من هذا؟

- إنه يعدنا أنه يجعلنا شركاء ابنه الوحيد الجنس، لهذا الهدف أيضًا دعانا... فإنه بالحقيقة كان يريد أن يعطي، لكنهم برفضهم أن يقبلوا طردوا أنفسهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- آمنوا بالمسيح دائمًا، فإنكم قد دعيتم لا لغرض آخر سوى أن تكونوا واحدًا فيه.

العلامة أوريجينوس

-الشركة هي أُخوّة. كما يعلن بولس أمانة اللَّه غير الساقطة من نحونا، هكذا يليق بنا نحن ألا نوجد غير أمناء أو مسيئين إلى بنوتنا. بالأحرى يلزمنا أن نبقى أمناء فيها.

أمبروسياستر

- كون اللَّه أمينًا يعنى أنه يمكننا أن نثق في إعلانه عن ذاته. كلمته تعلن عنه. أنه اللَّه الآمين.

القديس إكليمنضس السكندري

بقوله "شركة ابنه" نصير شركاء معه في الآتي:

أ. نصرته الدائمة على قوات الظلمة: "ولكن شكرًا للَّه الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين و يظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان" (2 كو 2: 14).

ب. الطبيعة الإلهية، حيث يقدم لنا بروحه القدوس أن نصير أيقونة له، حاملين سماته. "لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة" (2 بط 1 : 4).

ج. آلامه وصلبه (1بط13:4؛ كو24:1؛ في10:3). "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبها بموته" (في10:3).

د. حياته المُقامة (مت28:9).

هـ. الميراث الأبدي وشركة المجد: "مبارك الله ابو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاءٍ حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات، لميراثٍ لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل، محفوظ في السماوات لأجلكم" (1بط 1 :3-4).




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email

4. تقرير أهل بيت خلوي

"ولكنني أطلب إليكم أيها الاخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تقولوا جميعكم قولاً واحدًا، ولا يكون بينكم انشقاقات، بل كونوا كاملين في فكرٍ واحدٍ ورأيٍ واحدٍ" [10].

إذ انتهى الرسول من المقدمة بدأ يحثهم على الكف عن الانشقاقات ليكون لهم القلب الواحد والفكر الواحد، مركزين كل طاقاتهم في التمتع برجاء الإنجيل.

يطلب إليهم "باسم ربنا يسوع"، فإنه يدرك ما لهذا الاسم من قوة في عمل الآيات، ولعل من أهم هذه الآيات هي أن يجمع الكل معًا فيه، فيصير لهم القول الواحد والفكر الواحد، ولا تجد الانشقاقات لها موضعًا فيها.

لاحظ القديس يوحنا ذهبي الفم أن اسم يسوع المسيح أُشير إليه في هذه الرسالة أكثر من غيرها. غاية الرسول من ذلك هو أن يسحب قلوب كل فريق من الإعجاب بالمعلمين إلى شخص المسيح نفسه.

- حسنًا أضاف بولس اسم المسيح هنا، إذ لم يكن أهل كورنثوس يمجدونه.

ثيؤدرت أسقف قورش

يسألهم أن يقولوا جميعهم "قولاً واحدًا"، فإنهم وإن اختلفوا في الآراء في أمور كثيرة لكن حين يعلنون عن إيمانهم باللَّه وعمله الخلاصي يلزمهم أن ينطقوا بذات الكلمات حتى لا تحدث انشقاقات في الكنيسة.

بالإيمان يصيروا كملائكة اللَّه الذين لن يعانوا قط من أية انشقاقات أو خلافات. بالحب الحق يتمتع الكل بالفكر الواحد، أي ينالوا فهمًا واحدًا للحقائق الإلهية والحياة السماوية.

-وقف بولس أولاً ضد المرض نفسه، نازعًا جذور الشرور وثمارها: روح الانشقاق. وقد استخدم الجرأة في الحديث، لأن هؤلاء كانوا تلاميذه أكثر من غيرهم. لذلك يقول: "إن كنت للآخرين ليس رسولاً، فعلى الأقل لكم، أنتم ختم رسالتي" (1كو2:9). علاوة على هذا كانوا في حالة ضعف أكثر من الآخرين.

- يسهل أن نشارك شخصًا رأيه ولا نشاركه مشاعره. ويمكن الاتحاد في الإيمان وليس في الحب. هذا هو سبب قول بولس بأنه يجب أن نتحد في الفكر والرأي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لتصغِ إلى الرسول: "اطلب إليكم أيها الاخوة... كونوا كاملين في فكرٍ واحدٍ ورأيٍ واحدٍ". كان يتحدث إلى الجموع، لكنه أراد أن يجعل منهم "واحدًا" (1 كو10:1).

القديس أغسطينوس

- الكنيسة المنظورة هي جسد مختلط يحوي شعبًا بارًا وشعبًا غير بارٍ. هذا هو السبب الذي لأجله يمتدح بولس أعضاءها وينتقد آخرين.

فالشخص الذي يتفق مع التعليم السليم وتعاليم الكنيسة بخصوص الآب والابن والروح القدس وأيضًا مع التدبير الخاص بنا بخصوص القيامة والدينونة ويتبع أنظمة الكنيسة لا يكون في انقسام.

العلامة أوريجينوس

- يطلب بولس أن يفكر أهل كورنثوس جميعهم في أمر واحد، أعني أن الذين ولدوا ثانية هم أبناء اللَّه. يريدهم أن يتحدوا بالكمال في التعليم الذي قدمه لهم. إنه يحاورهم أن يفكروا بهذه الطريقة وأن يدافعوا عن تعليمه.

أمبروسياستر

"لأني أخبرت عنكم يا اخوتي من أهل خلويأن بينكم خصومات" [11].

استلم الرسول رسالة من كنيسة كورنثوس يسألونه عن مشاكل كنسية تعبدية وإيمانية لكنهم لم يشيروا إلى الانشقاقات، أما أهل بيت خلوي فابلغوا بالوضع الحقيقي للكنيسة وظروفها. غالبًا كانت خلوي سيدة مكرمة في كورنثوس ومتدينة، قبلت أسرتها الإيمان بالسيد المسيح. أُرسل بعض من أسرتها إلى الرسول بولس يخبروه بما حلّ بالكنيسة من انقسامات. ولعل استفانوس وفرتناتوس وأخيكس المذكورين في 1 كو17:16 هم أبناء خلوي. يقول الأب أمبروسياستر أن البعض يظنون بأن أهل خلوي هم أولئك الذين بقوا أمناء وحملوا ثمار الإيمان بالمسيح. آخرون ظنوا أن خُلوي هي مدينة، كأن يقول أحد "أهل إنطاكية".

يرى الذهبي الفم أنه بقوله "أهل خلوي" كان بولس حريصًا أن يشير إلى مصدر معلوماته دون أن يحدد شخصًا معينًا. فمن جانب يؤكد أن معلوماته مصدرها سليم دون أن يثير شعب كورنثوس ضد شخصٍ معينٍ.

وجدت الخصومات كثمرة طبيعية للانشقاق، فكان كل فريق يدافع عن نفسه مخاصمًا الفرق الأخرى.

- يبدو أن الكورنثوسيين جميعًا كانوا جسديين وطبيعيين، لا يدركون أمور روح اللَّه (1 كو 14:2)، كانوا مغرمين بالصراعات ومملوءين حسدًا ويسلكون كبشر".

القديس أغسطينوس

العجيب وهو يوبخهم على ما دبَّ بينهم من خلافات شقت الكنيسة يُظهر لهم كل حنوٍ فيقول: "يا اخوتي".

- يدعوهم "اخوة"، فبالرغم من أن الخطأ واضح لا يوجد ما يمنع دعوة الشعب اخوة.

القديس يوحنا الذهبي الفم "فأنا أعني هذا أن كل واحد منكم يقول أنا لبولس وأنا لابلوس وأنا لصفا وأنا للمسيح" [12].

إذ يتحدث عن الانقسامات يبدأ بالفريق الذي ينسب نفسه إليه (12:1)، حتى لا يظن أحد أنه يريد أن يضم الكل إلى فريق خاص به، فهو لا يطلب مجد نفسه.

- أثناء الهجوم وضع نفسه أولاً كما ترون، وبعد ذلك أشار إلى أبلوس ثم صفا. فعل ذلك لا لكي يمجد نفسه، وإنما ليطلب تصحيح الأخطاء فيما يخص شخصه أولاً.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى البعض أن الرسول بولس لا يعني هنا وجود أربع فرق، إنما قدم الأسماء هنا لتوضيح الموقف.

- كان حواره لطيفًا إذ لم يشر بالاسم إلى مسببي الانشقاق العنفاء في الكنيسة، بل أخفي أسماءهم كما بقناع تحت أسماء الرسل.

- إن كان لا يحق لهم أن يدعوا أنفسهم باسم بولس أو أبلوس أو صفا فبالأكثر لا يدعوا أنفسهم بأسماء آخرين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى آخرون أن الكنيسة في كورنثوس كانت منقسمة إلى فريقين، فريق هو جماعة المؤمنين الذين من أصل أممي، والآخر من أصل يهودي (أع 18)، كل فريق حمل في داخله انقسامًا. الفريق الأول ينسب نفسه لبولس الذي أسس الكنيسة هناك وأبلوس لأنهم آمنوا على يديه إذ جاء بعد بولس (أع24:18)، واعجبوا ببلاغته.

أما الفريق الثاني فانقسم إلى فريق نسب نفسه إلى بطرس الرسول كرسول الختان (غلا7:2) أو لكبر سنه. ربما لم يروه حتى ذلك الحين لكنهم سمعوا عنه من تقارير وردت إليهم من اليهودية على خلاف بولس المُتّهم بتجاهله للناموس الموسوي. وفريق نسب نفسه للسيد المسيح، إما لأنهم أرادوا أن يعيشوا بلا نظام وتدبير فلا يريدون قيادة رسولية، وفي تشامخ ينسبون أنفسهم للسيد المسيح، محتقرين كل قيادة، أو لأنهم رأوا الرب في اليهودية فحسبوا أنفسهم مُميزين عن بقية المؤمنين.

- لم يرد أن يكون سببًا للانقسام. لذلك نصح الذين ينسبون أنفسهم إلى اسمه ويقسمون المسيح: "كل واحد منكم يقول أنا لبولس وأنا لأبلوس وأنا لصفا وأنا للمسيح" [12]. احكموا إذن كم هم أشرار هؤلاء الذين يريدون أن يسببوا انشقاقًا للمسيح، هذا الذي لا يريدهم أن ينشقّوا.

القديس أغسطينوس

- الذين يقولون "أنا لبولس وأنا لأبلوس وأنا لصفا وأنا للمسيح" ليسوا في سيمفونية، بل يوجد بينهم انشقاقات. وأما الحل فهو أنهم إذ يجتمعون في شركة مع روح بولس بقوة الرب يسوع المسيح لا يعود يضرب الواحد الآخر ويفترسه، فيأكل الواحد الآخر. لأن النزاع يُهْلِك، كما أن الاتفاق يجمع معًا، ويجعل ابن اللَّه يحل في وسطهم إذ صاروا في اتفاق.

العلامة أوريجينوس

- على أي الأحوال بخصوص هؤلاء الذين يرون (في المعلمين) أنهم رعاة صالحون، يلزمهم ليس فقط أن يسمعوا الأمور الصالحة التي يعلمونها، وإنما يقتدون أيضًا بالأعمال الصالحة التي يمارسونها. من هؤلاء كان الرسول القائل: "كونوا متمثلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح" (1كو1:11). لقد كان نورًا اشتعل بواسطة النور الأبدي، الرب يسوع المسيح نفسه الذي وُضع على المنارة إذ تمجد في صليبه. عن هذا قال: "حاشا لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح" (غلا14:6). أضف إلى ذلك أنه لم يطلب الأشياء الخاصة به، بل ما يخص يسوع المسيح، بينما يحث الذين ولدهم في الإنجيل (1 كو 15:4) أن يقتدوا بحياته. ومع ذلك فهو يوبخ بعنف الذين يسببون انقسامات تحت أسماء الرسل، وينتقد بحزم القائلين "أنا لبولس". "هل صلب بولس لأجلكم؟ أو هل اعتمدتم باسم بولس؟"

القديس أغسطينوس

يقول الأب أمبروسياستر أن الرسول بولس استعرض خطأهم دون أن يشير إلى أسماء الأشخاص المسئولين عن الانقسام. لقد ذكر أسماء المعلمين الصالحين، ولكنه إذا أشار إليهم بهذه الطريقة تحدث عن الرسل الكذبة. فإن كان لا يليق بأهل كورنثوس ألا يفتخروا بتكريسهم أحد هؤلاء (الصالحين) فكم بالأحرى يكون الأمر بالنسبة للمعلمين الكذبة وقد أشار إلى فساد تعليمهم فيما بعد.

ربما يتساءل البعض: هل كان المسيح رأسًا لإحدى الفرق المنقسمة؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك بقوله أن الصراعات في كورنثوس لم تكن بخصوص أمور تافهة بل حول أمور أساسية. حتى الذين ادعوا أنهم تبع المسيح كانوا مخطئين إذ ينكرون عمليًا تبعية الآخرين له، ويجعلون منه رأسا لفريق وليس للجميع.

"هل انقسم المسيح؟ألعل بولس صلب لأجلكم؟أم باسم بولس اعتمدتم؟" [13].

كمؤسس للكنيسة في كورنثوس وأب روحي لهم لم يرد أن ينسبوا أنفسهم إليه، ولا إلى آخر غيره بل يحفظوا وحدانية الروح في المسيح يسوع الواحد الذي قدم الخلاص ووهبهم بروحه القدوس التبني للَّه الآب خلال المعمودية المقدسة.

كأبٍ يتحدث الرسول بولس في مرارة، لأن تصرفاتهم بلغت من الخطورة أنها مزقت جسد المسيح، الذي هو الكنيسة. أما سرّ الانقسام فيرجع إلى أمرين: الأول إلى التحزب لشخصٍ ما مهما بلغت قداسته كأنه قد خلصه على الصليب وباسمه اعتمد، الأمر الثاني هو الانشقاق في الفكر والتعليم.

- بالاعتقاد في أمور متباينة عن المسيح يمزقه الناس. يظن شخص ما أن المسيح مجرد إنسان، وآخر أنه اللَّه فقط. واحد يقول بأنه قد تنبأ عنه الأنبياء، والآخر ينكر ذلك.

أمبروسياستر

- عندما أدرك الرسول بولس أنه قد اُختير وأُحتقر المسيح قال: "هل انقسم المسيح؟ ألعل بولس صلب لأجلكم؟ أم باسم بولس اعتمدتم؟" لهذا فأنتم لستم فيّ بل أنتم معًا ومعي (في الرب). أنتم لستم تحت سلطاني بل تحت سلطانه.

القديس أغسطينوس

- بهذا يعني أنه لم يطلب نوال كرامة متزايدة تقدمها له الجماهير ولا فعل هذا من أجل المجد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لا تقل إذن أن شيئًا (صالحًا) هو منك، بل في كل شيء مجد اللَّه. لا تنسب شيئًا ما إلى إنسان.

- إن كنا نجد أن سعادتنا تكمل في آخر لنقف قليلاً على الطريق ونضع رجاءنا في السعادة في إنسان أو ملاكٍ. الإنسان المتكبر والملاك المتكبر بغير مبرر ينسبان هذا لأنفسهما، ويُسران أن يصير رجاء الآخرين مُركزًا فيهما. على النقيض من ذلك فإن الإنسان القديس والملاك القديس عندما يجدان أننا متلهفون ومشتاقون إلى الوجود معهما ونوال راحة فيهما يربطان طاقاتنا بالعون الذي ينالونه من اللَّه لأجلنا كما لأجلهم. إنهما يحثاننا على الانتعاش بالسعادة التي تُقدم للجميع في طريقنا نحو اللَّه. حتى الرسول يصرخ: "ألعل بولس صلب لأجلكم؟..." [13]. مرة أخرى يقول: "ليس الزارع شيئًا ولا الساقي بل اللَّه الذي ينمي" (1كو7:3). ويحث الملاك الإنسان الذي أراد أن يسجد له أنه يجب بالأحرى أن يسجد للَّه الذي يخضع له هو أيضًا كعبدٍ شريكٍ له (رؤ10:19).

عندما تبتهج بإنسان في اللَّه، تتمتع باللَّه لا بالإنسان. تتمتع باللَّه الذي به تصير سعيدًا، وتُسرّ أن تأتي إليه، الذي تضع رجاءك في حضرته فرحًا.

- لكونى كنت جاهلاً بهذه الأمور، فقد هزأت بأبنائك وخدامك القديسين، ولكن لم أربح من وراء هذا سوى ازدرائك بي.

القديس أغسطينوس

-"ألعل بولس صلب لأجلكم أم باسم بولس اعتمدتم؟!"

أنظر فكر بولس المملوء بحب المسيح، مظهرًا أن كل الأمور التي تشير إليه لا تخص إنسانًا...

"أم باسم بولس اعتمدتم؟" لقد عمد كثيرين، لكن موضع البحث ليس من هم الذين قاموا بالعماد؟ إنما باسم من تم العماد؟ كأنه يقول: "لا تخبرنى من الذي قام بالعماد، بل باسم من قد تّم العماد، لأن موضوع البحث ليس الذي يعمد بل الذي له عمله في العماد، ذاك الذي يغفر الخطايا"...

فالعماد حقًا أمر عظيم، لكن عظمته لا تنصب في العمل الإنسانى الذي يعمد (أي مجرد المظهر) فهذا في ذاته (بدون الروح القدس) من جهة عملنا البشري لا يساوي شيئًا...

لكن أقول أيضًا يا لعظمة العماد؟! بدونه لن يمكن نوال الملكوت!

القديس يوحنا ذهبي الفم

لما كانت الكنيسة هي جسد المسيح، فإن انقسامها يسيء إليه كأن جسده قد انقسم. ولما كان دم المسيح الثمين هو سرّ خلاصنا لاق أن نرتبط جميعنا به، لأنه هل سفك بولس أو أبلوس أو بطرس دمهم كفارة عنا؟ ولما كانت المعمودية هي باب التمتع بالبنوة للَّه الآب باتحادنا بابن اللَّه الوحيد الجنس فهل كان هؤلاء الرسل أو الخدام أبناء اللَّه بالطبيعة حتى نعتمد بأسمائهم؟

وإن كان جسد المسيح واحدًا الذي نحن هو، ودمه سرّ خلاص كل الكنيسة، وباسمه نعتمد، لاق بنا أن يكون لنا القلب الواحد والفكر الواحد والإيمان الواحد، حتى لا ينقسم المسيح الواحد.

- إذ كان هو أيضًا علة انقسامهم إذ دعوا أنفسهم على اسم من عمّدوهم، صحح هذا الخطأ قائلاً: "هل اعتمدتم باسم بولس؟" إنه يقول: "لا تخبروني من الذي عمّدكم؟ وإنما باسم من اعتمدتم؟ فإن رصيدكم ليس من عمّدكم بل باسم من تمت المعمودية.

- هل تدركون كيف يثبتهم دومًا كما بمسامير في اسم المسيح. أترون كيف يكرر اسم المسيح؟ فإنه واضح حتى لقليل الملاحظة جدًا أنه ليس مصادفة ولا بغير إدراك فعل ذلك، وإنما لكي بالتكرار المستمر بلا توقف لهذا الاسم المجيد يثير لهيبهم وينزع عنهم فساد المرض.

القديس يوحنا ذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ4 PDF Print Email

5. رسالة بولس الرسول

"اشكر اللَّه إني لم أعمد أحدًا منكم إلا كريسبس وغايس" [14].

"حتى لا يقول أحد إني عمدت باسمي" [15].

بتدبير اللَّه وعنايته الفائقة لم يعمد الرسول بولس في كورنثوس أحدًا سوى كريسبس رئيس مجمع اليهود السابق (أع8:18)، وغايس الذي استضافه (رو23:16) ربما هو الشخص الذي وجهت إليه رسالة يوحنا الثالثة (3يو50). أما بقية الأعضاء فغالبًا ما قام بعمادهم سيلا وتيموثاوس.

يشكر الرسول اللَّه أنه لم يسمح له بأن يعمد أحدًا غير اللذين ذكرهما حتى لا يتهمه أحد بأنه عمّد باسمه. كان حذرًا ألا يعمد أحدًا قدر المستطاع حتى لا يظنوا أنه يكوِّن لنفسه فريقًا يرتبط باسمه.

- كتب بولس هذا إلى شعب يظن أنه من الأفضل أن يُعمد الإنسان من أشخاص دون آخرين, فانحرفوا ببلاغتهم, وسقطوا في بعض الشباك بالاعتقاد في بعض التعاليم الفاسدة إنها حق.

- كان هؤلاء الكورنثوسيون مثل أتباع نوفاتيان Novatianists والدونستيينDonatists في هذه الأيام ينسبون العماد لأنفسهم ولا يعترفون بأحدٍ آخر. فالذين يعتمدون هكذا ويتمجدون تحت اسميّ نوفاتيان Novatian ودوناتس Donatus محرومون من اسم المسيح. لقد دُعي كريسبس وغايس كشاهدين، فإنهما وإن كانا قد اعتمدا بواسطة بولس لم يظنا قط أنهما نالا مجدًا بسبب هذا.

أمبروسياستر

- لا تقوم عظمة العماد على الذي يعمد بل على الاسم المدعو به العماد. لذلك فإنه وإن كان العماد هامًا وضروريًا لنوال الملكوت لكنه لا يزال أقل من الكرازة بالإنجيل. الإنسان غير الممتاز في مواهبه يقدر أن يعمد، لكن الموهوب حقًا يستطيع أن يكرز بالإنجيل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- العماد الذي قام به بطرس لم يكن عمادًا من بطرس بل من المسيح؛ والذي قام به بولس كان عمادًا ليس من بولس بل من المسيح. والعماد الذي قام به أولئك الذين كانوا في أيام الرسول يكرزون بالمسيح ليس عن إخلاص بل بعلةٍ (في 15:1-16)، ليس عمادًا منهم بل هو عماد المسيح... ولما كان العماد من المسيح لذلك فمع وجود اختلاف في سمات الأشخاص الذي تمموا العماد وتباين شخصياتهم فإن النفع الذي يتمتع به المعمدون هو واحد. لو كان سِموّ العماد يعتمد على سموّ من يتممه يكون الرسول مخطئًا أن يشكر اللَّه أنه لم يُعمد أحدًا في كورنثوس سوى كريسبس وغايس وبيت استفانوس [14]، لأن بهذا يكون عماد المهتدين إلى الإيمان في كورنثوس لو تم بواسطة الرسول نفسه أكثر سموًّا من أن يتممه آخر غيره.

القديس أغسطينوس

"وعمدت أيضًا بيت استفانوس،عدا ذلك لست أعلم هل عمدت أحدًا آخر" [16].

يظهر من 1 كو 15:16، 17 أن بيت إستفانوس هم بكور المؤمنين في أخائية، غالبًا ما قبلوا الإيمان واعتمدوا على يد الرسول بولس. ويبدو أن ايبنتوس (رو5:16) كان أحد أفراد هذه الأسرة.

يرى بعض الدارسين أنه بقوله "بيت إستفانوس" يعني أن الكنيسة الأولى تهتم بعماد الأسرة كلها: البالغين والأطفال، كما العبيد والخدم. فإنه إذ يقبل رب الأسرة الإيمان كان يسحب قلوب الكل معه ليتمتعوا بالحياة الجديدة المُقامة، فلا يهتم بزوجته أو زوجها والأبناء فحسب بل والخدم والعبيد.

بقوله: "لست أعلم هل عمدت أحدًا آخر" يظهر أن كل ما يشغل فكره هو الكرازة بإنجيل المسيح وسحب كل قلب إلى المسيح المصلوب القائم من الأموات، لا يشغله عدد من قام بعمادهم. يهتم بخلاص الناس لا بالإحصائيات. السيد المسيح نفسه لم يعمد أحدًا (يو 2:4).

"لأن المسيح لم يرسلني لأعمد بل لأبشر،لا بحكمة كلام، لئلا يتعطل صليب المسيح [17].

يترجم البعض هذا النص: "لأن المسيح لم يرسلني لأعمد بل بالأكثر لأبشر"، وإلا كان عماده غير قانوني، إنما من حقه أن يُعمد، لكن ما يمارسه بالأكثر هو الكرازة. كان عمل الرسل الأول هو تأسيس الكنائس والاهتمام بالكرازة، فلم يكن لديهم من الوقت ليمارسوا العماد، ليس استخفافًا بالعماد ولكن تفرغًا للشهادة بين غير المؤمنين واجتذابهم للإيمان بالمسيح المصلوب. لم يقلل الرسول من أهمية العماد فقد مدحه بصورة فائقة (رو3:6). لقد عمد البعض وسيعمد آخرين، لكن عمله الرسولي أصعب وهو الكرازة بالإنجيل.

- أرسلني المسيح لا لأعمد بل لأكرز بالإنجيل. أرسلني في الجانب الشاق، الذي يحتاج بالأكثر إلى التعب وإلى نفسٍ حديديةٍ، الأمر الذي عليه يعتمد كل شيء بعد ذلك.

- الكرازة بالإنجيل هي عمل خاص ربما بشخصٍ أو اثنين، أما العماد فتُمنح ممارسته لكل شخصٍ في الكهنوت.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أي شخص يمكنه أن يعمد إن كان كاهنًا، أما الكرازة فهي عطية تُوهب لقليلين، ولكن يلزم ألا تختلط بالبلاغة المجردة التي هي أمر ثانوي تمامًا.

ثيؤدوريت أسقف قورش

-من يقدر أن يحطم وباء الجهل والظلمة والدمار؟ لا نبي ولا رسول ولا إنسان بار! بالأحرى يجب أن توجد قوة إلهية نازلة من السماء قادرة أن تموت من أجلنا جميعًا، فبموته يتحقق الدفاع عنا ضد إبليس.

العلامة أوريجينوس

هنا يكشف الرسول بولس عن أسلوبه في الخدمة، فإنه يقدم قوة الصليب للعالم، ولا يكرز خلال الحوار الذي اتسمت به المدارس اليونانية الفلسفية. إنه لم يقتدِ بالمعلمين اليونانيين فيعتمد على البلاغة والمنطق، بل قدم روح القوة، وكشف عن عمل النعمة الإلهية. قدم صليب المسيح في بساطة دون محاولة لوضعه في أسلوب فلسفي برّاق. قدم الروح القدس القادر أن يبلغ أعماق القلب على الدوام، وليس الفلسفة البشرية التي تجتذب الفكر إلى حين. لقد تربّى شاول الطرسوسي عند قدميّ غمّالائيل، لكنه إذ بدأ الكرازة بالصليب تجاهل كل ما ناله من تعليم وفلسفة.

إذ يبدأ الرسول بولس في الحوار بخصوص ما حدث في الكنيسة من انشقاقات وتشويش التي انشغل بها الفلاسفة في كورنثوس وجد الفرصة مناسبة لمناقشة موضوع "الفلسفة البشرية" أو "الحكمة البشرية" المجردة خارج دائرة الصليب. حتى يدخل بهم إلى حكمة اللَّه المعلنة في الصليب، فيتمتعوا بالفكر الواحد والرأي الواحد.

صليب المسيح لا يحتاج إلى ثوبٍ فلسفيٍ برّاق، إنما يشرق بنوره الإلهي على القلب ويجدد الطبيعة البشرية، ويصالح الإنسان مع اللَّه إلهه، ويقدم له روح اللَّه القدوس ساكنًا فيه، ويفتح له باب البنوة للَّه!

لم يستخدم الفلسفة في الكرازة حتى لا يُنسب نجاح الخدمة إلى بلاغته وفلسفته بل إلى قوة الصليب والعمل الإلهي الفائق. كرسول للسيد المسيح، طبيب النفوس، يقدم لهم العلاج الذي هو صليب المسيح، وليس الحوار والفلسفة.

 

6. الصليب سرّ الحكمة

من الملامح الرئيسية لهذه الرسالة إبراز قوة الصليب بكونه قوة اللَّه وحكمته للخلاص. إنه القوة المحركة لتغيير أساسات الإنسان الداخلي وتجديد الأعماق، بهذا تتغير حياة العالم الوثني القديم. لم يحقق بولس ولا أبلوس ولا صفا هذا العمل الخلاصي العجيب، إنما تحقق بالكرازة بالمسيح المصلوب.

"فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة،وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة اللَّه" [18].

يُعلن التعليم بالصليب عن خلاص العالم الذي دمرته الخطية. فالذين يهتمون بالفلسفات البشرية دون خلاصهم يجدونه غباوة، يرون في المسيح أنه من الناصرة، كان فقيرًا بلا بيت يستقر فيه، وأن أصدقاءه قليلون، ليس له مركز اجتماعي أو ديني عظيم، لم يقدم أفكارًا فلسفية للحوار العقلي، مرفوض من خاصته، وفي ضعف رُفع على خشبة الصليب. سقط تحت العقوبة التي تحل بالعبيد، وكان عاجزًا عن أن يخلص نفسه من عار الصليب. هذا كله لأنهم لم يصدقوا قيامته. وأما الذين يهتمون بخلاصهم فيجدونه قوة اللَّه.

-لا تُعرف قوة الصليب بواسطة الهالكين، لأنهم بلا تعقل يعملون كمجانين، يشتكون من الأدوية التي تجلب الخلاص ويرفضونها.

- لاحظ الآن عندما أقول "صُلب" يقول اليوناني "وهل يُعقل ذلك؟" ذاك الذي لم يجد عونًا أثناء الصليب وعانى من حكمٍ مرٍ في لحظات الصليب، كيف يقوم بعد ذلك ويُعين الآخرين؟... حقًا يا إنسان إن هذا الأمر بالحقيقة يفوق العقل. قوة الصليب لا يُنطق بها. فإنه إذ كان بالفعل وسط الأهوال يُظهر نفسه فوق كل الأهوال. وبكونه في قبضة العدو يغلب العدو، هذا يتحقق بالقوة غير المحدودة.

- لم ينزل من الصليب، ليس عجزًا منه، ولكن لأنه لم يرد ذلك... ذاك الذي يحجم طغيان الموت كيف يمكن لمسامير الصليب أن تحده؟ هذه الأمور المعروفة لنا لم يعرفها بعد غير المؤمنين.

- هكذا يبدو الصليب موضوع مقاومة، ومع ذلك فهو أعظم من أن يُقاوم، إذ يجتذب (المقاومين).

- يتحدثون عن الصليب كجهالةٍ وضعفٍ. حقيقة الأمر ليس هكذا، بل هذا هو رأي الآخرين. فإنه إذ يعجز الفلاسفة عن أن يدركوه بالطرق العقلانية يبدو لهم ما هو سامٍ للغاية جهالة.

- أي شيء لم يقدمه الصليب؟ تعليم خلود النفس، وما يخص قيامة الجسد، والازدراء بالزمنيات، والاشتياق إلى الأخرويات. حقًا إنه يجعل من البشر ملائكة، ويمارس الكل في كل موضعٍ بذل الذات، ويظهرون لك أنواع الاحتمال.

- أما تعرف كيف أصلح الصليب أخطاء كثيرة؟ ألم يحطم الموت، ويمسحُ الخطية، وينهى قوة الشيطان، وُيشبع كيان جسدنا الصالح؟ألم يصلح العالم كله، ومع هذا لا تثق أنت فيه؟

- من يخبر عن أعمال الرب القديرة؟ (مز2:105) من الموت صرنا خالدين، هل فهمتم النصرة والطريق التي بلغتها؟ تعلموا كيف اُقتنيت هذه الغلبة بدون تعب وعرق. لم تتلطخ أسلحتنا بالدماء ولا وقفنا في خط المعركة، ولا جُرحنا، ولا رأينا المعركة لكننا اقتنينا المعركة. الجهاد هو مسيحنا، وإكليل النصرة هو لنا.

ما دامت النصرة هي لنا، إذن يليق بنا كجنود أن نرتل اليوم بأصوات مفرحة بتسابيح الغلبة. لنسبح سيدنا قائلين: "قد أُبتلع الموت إلى غلبة. أين غلبتك يا موت أين شوكتك يا هاوية؟" (1كو54:15-55).

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بفعله هذا (الصلب) يظهر اللَّه أن الأعمال تتحدث بصوت أعلى من الكلمات.

أمبروسياستر

"لأنه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء،وأرفض فهم الفهماء" [19].

هذه العبارة مقتبسة من إشعياء النبي 14:29، وقد جاءت في الترجمة السبعينية: "سأبيد حكمة الحكماء، وأخفي فهم الفهماء". يبيد اللَّه حكمة الحكماء، بمعنى أن خطته الخلاصية لا تقوم عليها، وأما الذين يظنون أنهم فهماء فإن فهمهم لا قيمة له. يحمل الإيمان المسيحي "الحق" الذي يفوق الفكر البشري.

- يتحدث بولس عن حكمة هذا العالم وليس على البلاغة ذاتها، فإن اللَّه أيضًا يعطيها. اللَّه هو الذي قسم اللغات وأعطى لكل لغةٍ سمتها الخاصة. هو الذي وهب اللغة اليونانية سموها. أما الذين يفسدون هذه العطايا فيعدون طعامًا للخداع ويكرزون بقصصٍ باطلة.

ما يعترض عليه بولس ليس بلاغتهم هذه بل تعليمهم الباطل الذي وراء هذه البلاغة.

ثيؤدورت أسقف قورش

- إن كانت هذه الحكمة (البشرية) في حرب ضد الصليب وصراع ضد الإنجيل، فإنه لا يليق الافتخار بها بل الانسحاب منها في خجلٍ. لهذا السبب لم يكن الرسل حكماء، ليس خلال أي ضعف في العطية، وإنما لئلا تتعطل الكرازة بالإنجيل.

القديس يوحنا ذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ5 PDF Print Email

"أين الحكيم؟ أين الكاتب؟أين مباحث هذا الدهر؟ألم يجهل الله حكمة هذا العالم؟" [20].

أين هم؟ إنهم لا يوجدون إذ جعلهم اللَّه كلا شيء [19]. يقصد بالحكيم الفيلسوف اليوناني، وبالكاتب الرجل اليهودي المتعلم، أما مباحث هذا الدهر فيشمل المحبين للحوار النظري العقيم سواء كانوا يهودًا أو أمميين.

يرى البعض أن الحكيم والكاتب ومباحث هذا الدهر يشيرون إلى اليهود كما ورد في (إش 14:29؛ 18:33؛ 25:44). فالحكيم عند الرسول هو chataam عند إشعياء النبي، ويعني به من يمارس التعليم. والكاتب يقابل copeer عند إشعياء النبي وهو الشخص المتعلم والمتميز عن عامة الشعب، خاصة في معرفة التقاليد اليهودية. والمباحث هو derosh أو dorshan الذي يجيب على الأسئلة ويعطي فهمًا رمزيًّا للكتاب المقدس. هؤلاء الثلاثة كانوا معروفين لليهود.

"ألم يجهل الله حكمة هذا العالم؟" يجعل اللَّه حكمة هذا العالم جهالة، إذ ينقصها الإيمان بالمسيح المصلوب، وبالتالي تعجز عن تقديم الخلاص للناس.

جاء في التقليد اليهودي أنه لا يكون أحد حكيمًا أو قويًا أو غنيًا بدون اللَّه. فيرون أنه يوجد حكيمان في العالم هما أخيتوفل الإسرائيلي (2 صم 15-17) وبلعام الأممي (عدد 22-24)، وكلاهما كانا بائسين في العالم. ويوجد رجلان قويان هما شمشون اليهودي في لحظات سقوطه (قض 13-16) وجليات الأممي (1 صم 17)، وكلاهما كانا بائسين في العالم. ويوجد غنيّان في العالم هما قورح الإسرائيلي (عدد 16) وهامان الأممي (إس 5-7)، وكلاهما كانا بائسين. لماذا؟ لأن هؤلاء جميعًا حسبوا مواهبهم ليست من عند اللَّه.

حيث تُعلَن حكمة اللَّه تذبل كل حكمة بشرية مجردة، وتُحسب أمامها كلا شيء. فإنه إن اجتمعت كل الكواكب معًا لا تقدر أن تجعل من الليل نهارًا، لكن الشمس وحدها تفعل ذلك. وهكذا لا تقدر أن تقيم كل مواهب الإنسان منه قديسًا مهما بلغت، إنما هو عمل المسيح المصلوب، شمس البرّ.

- نسمع ابن اللَّه يقول: "اعترف لك أيها الآب، رب السماء والأرض". بماذا يعترف له؟ بماذا يمتدحه؟ "لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال الصغار" (مت 25:11). من هم الحكماء والفهماء؟ ومن هم الأطفال الصغار؟ يعني بالحكماء والفهماء الذين يقول عنهم بولس: ""أين الحكيم؟ أين الكاتب؟ أين مباحث هذا الدهر؟ ألم يجهل اللَّه حكمة هذا العالم؟" ربما لا تزال تسأل من هم هؤلاء؟ هؤلاء هم المتجاسرون في حوارهم بخصوص اللَّه وينطقون بالباطل عنه، وينتفخون بتعاليمهم الذاتية.

- إنه يحقق ما تنبأ عنه بحق الأنبياء: "أبيد حكمة الحكماء وأنزع فهم الفهماء". فإنه لا يبيد عطيته فيهم ولا ينزعها عنهم بل ما ينسبونه لأنفسهم وما لم ينالوه منه... هذا محتقر كأمرٍ ضعيفٍ وغبيٍ موجود في الحكماء والأقوياء من أنفسهم. ولكن هذه هي النعمة التي تشفي الضعفاء الذين لا ينتفخون في كبرياء بطوباوية من عندياتهم بل بالأحرى في تواضعٍ يعرفون بؤسهم الحقيقي.

القديس أغسطينوس

-حكمة العالم غير حكمة اللَّه. حكمة اللَّه هي حق بدون إضافات تفسدها، وأما حكمة العالم فغبية، وإن كانت بساطة حكمة اللَّه تجعل الذين يقتنونها يظهرون كجهلاء في أعين العالم.

- لا تقتات بطعام الفلسفة المخادع، فإنه قد يبعدك عن الحق.

- أستطيع القول بكل ثقة أنه ليس محبة البلاغة الدنيوية، ولا سفسطة الفلاسفة، ولا أخطاء المنجمين الخاصة بدورات الكواكب، ولا تأليه الشياطين الكذبة، ولا أي علم آخر خاص بالمستقبل مستخدمًا خداعات شريرة، يقدر أن يفصلنا عن محبة اللَّه التي في المسيح يسوع ربنا.

العلامة أوريجينوس

- يصمت الحكيم والعاقل في هذا الأمر، لأنهما يزدريان بحكمة اللَّه.

القديس هيلاري أسقف بواتيية

- هنا يعدد بولس نوعين أو ثلاثة أنواع مختلفة من الحكمة. الأول هو ما يدعوه العالم جهالة، الحكمة التي هي أعظم من الأنواع الأخرى. بعد ذلك توجد حكمة تُعطى للبشر بها نتعقل ونعمل، وبواسطتها نتقدم ونخترع أشياء، وبها يمكن أن نعرف اللَّه. يوجد نوع ثالث من الحكمة, يوجد خلال التأمل في الخليقة.

الحكمة التي يحسبها العالم جهالة يهبنا إياها المخلص، حتى أن الذين يعرفون اللَّه بالحكمة الطبيعية والذين ينقادون إليه بالتأمل في نظام الخليقة يمكنهم أن ينالوا الخلاص، الأمر الذي لا يستطيع النوعان الآخران من الحكمة أن يقدماه بدون خطأ.

ثيؤدورت أسقف قورش

"لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمةاستحسن الله أن يُخلص المؤمنين بجهالة الكرازة" [21].

بقوله "كان العالم في حكمة اللَّه" لا تُفهم الحكمة التي مصدرها اللَّه، وإنما الحكمة التي غايتها البحث في اللَّه. فقد ظن كثير من الفلاسفة أنهم قادرون على التعرف على طبيعة اللَّه وأسراره وخطته بحكمتهم البشرية المجردة.

يرى الرسول أن فلاسفة العالم في بحثهم في أعمال اللَّه وخليقته لم يعرفوا اللَّه، فسقطوا في أعماق ظلمة الجهالة (رو 20:1-21). أو أنه إذ ترك اللَّه الإنسان ليحكم بنفسه بحكمته لم يبلغ إلى المعرفة الصادقة، لهذا تدخل اللَّه بإنجيل الصليب الذي يراه العالم جهالة ليكشف لهم عن الحق الإلهي، ويقدم لهم الخلاص. لقد ترك للبشر وقتًا كافيًا، حوالي 4000 عامًا، ومع هذا فشل الإنسان في إدراك المعرفة.

بالفلسفة البشرية المجردة أنكر الإنسان وجود اللَّه تمامًا أو أنكر عنايته ورعايته للبشرية. ولم يستطع خلال فهمه ولا خلال تأمله في الطبيعة أن يتلمس يد اللَّه ويتعرف على خطته. فإنه ليست من حكمة تقدر أن تنير أعماق الذهن وتكشف له عن الأسرار الإلهية بل وتجدده وتهب للإنسان خلاصًا، وتدخل به إلى الأمجاد السماوية سوى الصادرة من اللَّه.

-كما أن المعلم يأمر تلميذه أن يتبعه حيثما يقوده، وإذ يراه ممتنعًا عن ذلك ويريد أن يتعلم كل شيء بذاته، يسمح بأن يتركه يضل. وإذ يدرك التلميذ أنه عاجز عن بلوغ المعرفة يقدم له المعلم ما يتعلمه، هكذا فإن اللَّه أيضًا يأمر من البداية أن يقتفي البشر أثره بالفكرة التي تقدمها الخليقة، وإذ لم يريدوا فإنه بعد أن أظهروا بالخبرة أنهم عاجزون بأنفسهم يقودهم إليه مرة أخرى بطريق آخر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

-هذه الجهالة في الكرازة و"جهالة اللَّه التي هي أحكم من الإنسان" تجتذب الكثيرين إلى الخلاص. تجتذب ليس فقط العاجزين عن إدراك طبيعة اللَّه بتعقل واضح، الأمر الذي قبلوه بالإيمان، بل وتجتذب حتى الذين لم يتعلموا طبيعة نفوسهم ذاتها ليُميّزوا بين الجوهر غير المادي والجسد ككل مع تأكيدهم أنهم يعيشون ويفهمون ويريدون. حتى هؤلاء لا يُحرمون من الخلاص، حيث تُقدم جهالة الكرازة للمؤمنين.

القديس أغسطينوس

- الإيمان بالمسيح المصلوب يهبنا سلطانًا، وإذ ينقصنا شيء في إيماننا تقدمه لنا قوة اللَّه.

العلامة أوريجينوس

"لأن اليهود يسألون آية،واليونانيين يطلبون حكمة" [22].

يرى بعض الدارسين أنه لم يكن يوجد شعب بطيء في قبول الإيمان باللَّه مثل اليهود، وإذ كانوا دائمًا يخشون الخداع. كانوا يطلبون من الأنبياء أن يصنعوا أمامهم آيات وعجائب. هذه هي سمات الشعب اليهودي أنهم لم يكونوا قادرين على التعرف على اللَّه إلا بصنع آيات وعجائب ملموسة. وكانوا يفتخرون بذلك، ويطلبونها من كل نبي يظهر لكي يتأكدوا من صدق إرساليته من قِبَلْ اللَّه. لهذا احتقروا الكرازة البسيطة بالمسيح المصلوب. كانوا ينتظرون المسيا الذي يصنع آيات من السماء (مت38:12)، فيخلصهم من الأعداء بالقوة.

يقصد باليونانيين هنا الأمم بصفة عامة، خاصة الفلاسفة، فإنهم يطلبون ديانة تعتمد على الحكمة البشرية، ولهذا استخفوا بالإنجيل.

-في الرسالة إلى كنيسة كورنثوس نجد ذاك الذي نتحدث عنه بسموٍ، معلم كل الكنائس، أقصد بولس يقول: "اليهود يطلبون آية، واليونانيون حكمة. لكننا نكرز بالمسيح مصلوبًا، لليهود عثرة، ولليونانيين جهالة. وأما لنا نحن المخلصين، سواء كنا من اليهود أو اليونانيين، فالمسيح قوة اللَّه وحكمة اللَّه".

يا له من معلم قوي للإيمان!

فإنه حتى في هذه العبارة إذ يعلم الكنيسة يحسب أنه لا يكفي الحديث عن المسيح بأنه اللَّه، بل يضيف أنه صُلب عن عمدٍ، من أجل التعليم عن الإيمان الواضح والصلد. هذا الذي يعلن عنه، والذي دعاه المصلوب هو حكمة اللَّه.

لم يستخدم إذن المهارة ولا احمر وجهه خجلاً عندما أشار إلى صليب المسيح. ومع كونه عثرة لليهود وجهالة للأمم أن يسمعوا بأن اللَّه قد وُلد (بالجسد) في شكل جسدي، وأنه تألم وصلب إلا أنه لم تضعف قوة ملامحه التقية بسبب شر اليهود المقاومين، ولا قلل من قوة إيمانه بسبب غباوة الآخرين وعدم إيمانهم.

إنه بكل صراحة أصر بجسارة أن يُعلن أن ذاك الذي هو عثرة وجهالة للبعض هو قوة اللَّه وحكمته. كما أن الأشخاص مختلفون فيما بينهم، لذلك هم مختلفون في أفكارهم. فما ينقص إنسان من فهم صادق وعجز عن الصلاح الحقيقي، وفي جهالة يُنكر هذا في عدم إيمان، إذًا بالمؤمن الحكيم يشعر في أعماق نفسه أنه عطية مقدسة واهبة حياة.

القديس يوحنا كاسيان

"ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا،لليهود عثرة ولليونانيين جهالة" [23].

ما كان يشغل قلب الرسل ليس صنع الآيات والعجائب، ولا تقديم فلسفات عقلية مجردة، بل الكرازة بصليب السيد المسيح ليتمتع اليهود كما الأمم بقوة الخلاص.

تعثر اليهود لأنهم لم يجدوا في المسيح الملك الأرضي الذي يصنع آيات وعجائب من السماء ليُقيم منهم مملكة عظيمة ويخلصهم من الاستعمار الروماني (مت35:12). جاءهم السيد المسيح وديعًا ومتواضعًا، لا يطلب المجد الزمني فتعثروا فيه.

وحسب اليونانيون الصليب غباوة لأنه يقدم شخصًا مصلوبًا، لا معلمًا يحاور في فلسفات وأفكار متغيرة. إنه من اليهودية عاجز عن الدخول في ركب الفلاسفة.

أورد الشهيد يوستين بعض كلمات السخرية التي تكلم بها تريفو Trypho ضد المسيحيين: [يسوعكم سقط تحت لعنة اللَّه العظمى. في دهشة لسنا ندرك كيف تتوقعون أمرًا صالحًا من اللَّه وأنتم تضعون رجاءكم في إنسان مصلوب!]

يقول أيضًا الشهيد يوستين: [يحسبوننا مجانين أننا نضع إنسانًا مصلوبًا بعد اللَّه السرمدي أب الجميع! يقول الأمميون: أين فهمكم يا من تعبدون إلهًا هو نفسه مصلوب؟]

هكذا صار الصليب لليهود عثرة وللأمم جهالة. المسيا المصلوب هو الحجر الذي تعثر فيه اليهود (مت44:21). عِوض التمتع بنعمة الخلاص بالصليب سقطوا في إنكار المسيح وجحودهم لعمل اللَّه الخلاصي فزادت خطيتهم.

- المسيح الذي نكرز به في كل العالم ليس مسيحًا يتزين بإكليل أرضي، وليس مسيحًا غنيًا بكنوز العالم، يشتهر بممتلكات أرضية، وإنما هو مسيح مصلوب. هذا كان محتقرًا من كل أمم الشعوب المتعجرفة، ولا يزال مرذولاً من البقية بين الأمم، لكنه هو موضوع إيمان القلّة وليس كل الأمم. لأنه عندما كُرز بالمسيح المصلوب في ذلك الحين آمن به عدد ليس بقليلٍ، إذ جعل العرج يمشون والخرس يتكلمون والصم يسمعون والعمي يرون والموتى يقومون. هكذا حطم كبرياء العالم، فإنه حتى بين أمور هذا العالم ليس شيء أكثر قوة من تواضع اللَّه [23-25].

القديس أغسطينوس

"وأما للمدعوين يهودًا ويونانيينفبالمسيح قوة الله وحكمة الله" [24].

الذين قبلوا الدعوة الإلهية سواء كانوا يهودًا أم من الأمم صارت لهم نظرة واحدة نحو المسيح المصلوب. إنهم يرونه قوة اللَّه، إذ يجدون قوة الخلاص العامل في حياتهم. ويدركون حكمة اللَّه، أي خطته الإلهية للغفران والتقديس وتمجيد الإنسان أبديًّا في الرب. يرون في الصليب سرّ تمتع أعماقهم بالجمال الحقيقي، والسمو في الفكر وضمان الخلاص. يرونه مشرقًا على كل المسكونة ليضم الكل معًا فيه. الكل، سواء من أصل يهودي أو أممي، مدعوون ليصيروا بالحق عروس المسيح العفيفة الواحدة، تحمل قوة اللَّه وحكمته.

إن كان اليهود يطلبون آية، فإن المسيح ذاته هو أعظم الآيات، صليبه الذي يبدو لليهود عثرة هو قوة اللَّه للخلاص لمن يؤمن به. يتلامسون بالآية بتجديد أعماقهم. وإن كان اليونانيون يطلبون حكمة، فالمسيح هو حكمة اللَّه (كو3:2).

- من يؤمن حقًا يتحد تمامًا بذاك الذي فيه الحق واللاهوت والجوهر والحياة والحكمة، ويرى فيه كل هذه والتي ليست فيمن لا يؤمن. فإنه بدون ابن اللَّه لا يكون لك وجود ولا اسم، ويصير القوي بلا قوة، والحكيم بلا حكمة. لأن المسيح هو "قوة اللَّه وحكمة اللَّه" (1كو24:1)، فإن من يظن أنه يرى اللَّه الواحد بلا قوة ولا حق ولا حكمة ولا حياة ولا نور حقيقي إما أنه لا يرى شيئًا بالمرة أو بالتأكيد يرى ما هو شر.

-عندما خلق اللَّه كل الأشياء... لم يكن محتاجًا إلى أية مادة لكي يعمل، ولا إلى أدوات في إقامة الخليقة، لأن قوة اللَّه وحكمته لا تحتاج إلى عونٍ خارجي. بل المسيح قوة اللَّه وحكمة اللَّه به كل الأشياء خُلقت، وبغيره لم يكن شيء مما كان كما يشهد يوحنا (يو 3:1).

- الآن إذ تمم الابن مشيئة الآب، وهذا في لغة الرسول هو "أن يخلص كل بشر" (1تي 4:2) ، يلزمهم لأجل نفعهم أن يكرموا الآب والابن مثله، إذ لم يكن ممكنًا أن يتحقق خلاصنا ولم يكن لإرادة اللَّه الصالحة أن تصير عملاً واقعيًّا من أجلنا إلا خلال قوته؛ وتعلمنا الكتب المقدسة أن الابن هو قوة الآب [24] .

- إذ يعلن أن طبيعته تسمو وتفوق كل عقل يستخدم أسماء مجيدة، فيدعوه "إلهًا فوق الكل" (رو15:9)، "الإله العظيم" (تي13:2)، "قوة اللَّه وحكمة اللَّه" [24]، وما أشبه بذلك.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

-إن كنا جسد المسيح، وقد رتب اللَّه الأعضاء، كل عضو في الجسد فيهتم كل واحد بالآخر، ويتناغم مع الآخر، وعندما يتألم عضو تتألم كل الأعضاء معه، ومتى تمجد عضو تفرح الأعضاء معه، يلزمنا أن نمارس الحنو النابع من الموسيقى الإلهية، إنه متى اجتمعنا معًا في اسم المسيح يكون في وسطنا كلمة اللَّه، وحكمته وقوته.

العلامة أوريجينوس

إنها عثرة لليهود عندما يسمعون المسيح يدعو نفسه ابن اللَّه وهو يكسر السبت. إنها غباوة للأمم إذ يسمعون عن أمور مثل الميلاد البتولي والقيامة يُكرز بهما.

"لأن جهالة الله أحكم من الناس،وضعف الله أقوى من الناس" [25].

خطة اللَّه للخلاص بالصليب التي تبدو للناس جهالة أو صلب المسيح الذي يبدو ضعفًا (2كو4:13) هو سرّ حكمة المؤمنين وقوتهم. فما يبدو لهم جهلاً هو أكثر حكمة من حكمة الناس، إذ لا تقدر الحكمة البشرية بذاتها أن تدركها. وما يبدو ضعفًا هو أعظم قوة مما للناس من قوة، إذ تحول البشريين إلى سمائيين، والأرض إلى سماء، والضعف إلى قوة.

- هذه هي مسرته أيضًا أن يخلص بجهالة الإنجيل. أقول ليست جهالة حقيقية، بل تبدو هكذا. فإن ما هو مدهش للغاية قد جلبه ونشره، وهي حكمة أسمى من الأولى لكنها تبدو غباوة. كمثال طُرد أفلاطون لا خلال فيلسوف أكثر مهارة، بل بصيّادي سمك غير متعلمين. بهذا صارت الهزيمة أعظم والنصرة أسمى.

- مرة أخرى يطلب اليونانيون منّا نظام البلاغة والسفسطة. وإذ نحن نبشر لهم بالصليب الذي يبدو لليهود ضعفًا، فإنه بالنسبة لليونانيين جهالة. لذلك عندما نعجز عن تحقيق طلباتهم بل نقدم لهم العكس تمامًا، عندما يطلبون علامات وحكمة ليس فقط لا ينالون ما يطلبونه بل يسمعون عكس ما يطلبون ومع ذلك بواسطة الأمور العكسية ينجذبون، أليس هذا بقوة ذاك الذي يُكرز به بطريقة لا يُنطق بها؟

- حيث توجد حكمة اللَّه لا حاجة بعد إلى حكمة الإنسان. قبلاً كان يُدرك أن الذي صنع العالم العظيم هكذا هو اللَّه الذي لا تُقاوم قوته ولا يُنطق بها. هذا الإدراك هو جزء من الحكمة البشرية. أما الآن فلا حاجة لنا إلى هذه البراهين العقلية، إنما يكفي الإيمان وحده. فإن من يؤمن أنه صُلب ودُفن، ويقتنع تمامًا أن هذا الشخص نفسه قام وجلس في الأعالي، هذا لا يحتاج إلى حكمة ولا إلى براهين عقلية بل إلى الإيمان. فقد جاء الرسل أنفسهم لا بالحكمة بل بالإيمان وفاقوا الحكماء الوثنيين في الحكمة والسموّ، وأكثر من هذا فإن إثارة الحوار أقل من قبول الإلهيات بالإيمان. بهذا سما على كل الفهم البشري.

- سنعرف قوته وسلطانه برد الذين كانوا في عداوة معه إلى زمان طويل إليه. "فإن ضعف اللَّه أقوى من الناس"، فبذات القوة التي أقام بها المسيح من الأموات يجتذبنا هو إليه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ألم ينزل الحكمة لكي يهيئ نفسه لضعفنا، ولكي يظهر لنا نموذج الحياة المقدسة في شكل بشريتنا. ومع ذلك فإننا إذ نأتي نحن إليه نفعل ذلك بالحكمة. هو نفسه عندما جاء إلينا حُسب عمله جهالة في نظر البشر المتكبرين. عندما نأتي إليه نصير أقوياء، وعندما جاء إلينا نُظر إليه كضعيفٍ. ولكن "جهالة اللَّه أقوى من الناس، وضعف اللَّه أقوى من الناس" [25]. هكذا فإن الحكمة أيضًا هي الطريق الذي به نبلغ بيتنا.

القديس أغسطينوس




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ6 PDF Print Email

7. الافتخار بالرب

"فانظروا دعوتكم أيها الاخوةأن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد،ليس كثيرون أقوياء،ليس كثيرون شرفاء [26].

يوجه الرسول أنظارنا إلى بركات الصليب، فإننا مدعوون أن نتمتع خلال الصليب بالحكمة والقوة والكرامة (شرفاء). كان اليهود يعتقدون بأن الروح الإلهي لن يستقر على إنسان ما لم يكن حكيمًا وقويًا وغنيًا. لقد تحقق هذا كله بالصليب لا حسب الجسد ولا حسب فكر العالم، بل صارت لنا حكمة اللَّه وقوته للخلاص وفيض غناه. هذه هي دعوة إنجيل الخلاص لكل البشرية.

"بل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء،واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء" [27].

"واختار الله أدنياء العالم والمُزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود" [28].

يشير هنا إلى المختارين للخدمة ممن ينقصهم التعليم الزمني والغنى والسلطان والجاه فيبدو أنهم أغبياء، وكانوا محتقرين من العظماء والأغنياء. اختارهم لكي يُدرك من يظنوا في أنفسهم أنهم حكماء وأقوياء وعظماء أنهم محتاجون إلى العمل الإلهي. بالنعمة يصيرون أبناء اللَّه، فينالون كرامة حتى أمام السمائيين، ويغتنوا بكنوز إلهية لا تُقدر!

- كان بولس غير متعلمٍ لكنه غلب أفلاطون، أقول كانت النصرة جلية. فإنه قد جذب الأول تلاميذ الأخير. مع أنه غير متعلم أقنعهم وأخذهم إلى صفِّه. من هذا يتضح أن الإنجيل لم يكن ثمرة حكمة بشرية بل نعمة اللَّه.

- لنربحهم بحياتنا. فإن كثيرين من بين غير المتعلمين ادهشوا ب


لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه" [29].

تشير كلمة "جسد" هنا إلى البشر كما جاء في (مت 22:24؛ لو 6:3؛ يو 2:17؛ أع 17:2؛ 1 بط 24:1).

يدخل بنا إنجيل المسيح إلى التواضع أمام اللَّه، لا إلى التشامخ، حيث يتمتع الكل بذات البركات بلا تمييز بسبب الكرامة أو السلطة أو الغنى. اللَّه الذي لا يستخف بالمحتقرين، صانعًا عجائب خلالهم، يحث المتكبرين ألا يتشامخوا بسبب عظمتهم أو حكمتهم أو غناهم، بل يفتخروا بالرب.

-ماذا يعني: "حسب الجسد"؟

حسب ما هو منظور، حسب الحياة الحاضرة، حسب نظام الأمم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ومنه أنتم بالمسيح يسوع،الذي صار لنا حكمةً من الله وبرًا وقداسةً وفداءً" [30].

بقوله "ومنه أنتم" تقابل "هم" الذين يجدون فخرهم ومجدهم في حكمة العالم. إذ صرتم أبناء للَّه في المسيح يسوع، يتحقق وجودكم الروحي من اللَّه بالاتحاد مع المسيح يسوع، ليس حسب الجسد [26-29] بل بالروح صرتم وكالته وسفراء عنه تحملون إمكانياته. كل صلاح فينا هو هبة من اللَّه نتمتع بها خلال شركتنا مع المسيح، فقد جاء يسوع المسيح ليهبنا بركات الإنجيل.

- تعبير "ومنه" [30] أظن أنه استخدمه هنا ليس بخصوص تمتعنا بالوجود، وإنما بخصوص الإيمان، أي أن نصير أولاد اللَّه، "ليس من دم ولا من مشيئة جسد" (يو 13:1). لا تفكروا أنه قد نزع عنا مجدنا، وتركنا هكذا، إذ يوجد مجد آخر، مجد أعظم، هو عطيته. فإنكم أنتم أبناء له، يليق أن تتمجدوا في حضرته، هذا ما تنالونه في المسيح. وإذ قال "اختار جُهّال العالم والمزدرى بهم" يعني بهذا أنهم يصيرون أكثر شرفًا من الكل إذ أخذوا اللَّه أبًا لهم. بخصوص سمونا فعلته ليس هذا الإنسان أو ذاك بل المسيح الذي جعلنا حكماء وأبرارًا وقديسين. هذا ما تعنيه الكلمات: "صار لنا حكمة".

القديس يوحنا الذهبي الفم

"صار لنا حكمة"، يتقدم إلينا لنقتنيه بكونه حكمة الآب الذي يفوق حكمة الفلاسفة والكتّاب والباحثين في هذا العالم. تقدم لنا الحكمة البشرية فلسفات بلا قوة، أما هو فمصدر الحكمة يهبنا كسفراء عنه سرّ الحكمة. يصير "لنا" كي نمتلكه وهو يمتلكنا. نعتز به فنصير حكماء. مسيحنا هو مصدر كل حكمة، يقدم لنا الحقائق الإلهية لننال معرفة حيّة اختباريه قادرة على خلاصنا. بروحه القدوس يدخل بنا إلى طريقه الملوكي، فلا ننحرف يمينًا ولا يسارًا، بل نسلك في طريق الحكمة. يفتح لنا أبواب مدرسته ليقودنا بروحه القدوس في طريق الحياة وننعم بخبرات جديدة كل يوم.

- لماذا لم يقل "جعلنا حكماء"، بل قال "صار لنا حكمة"؟ لكي يُظهر فيض العطية. وذلك كقوله: "أعطانا نفسه". لاحظ كيف أكمل الحديث في ترتيبٍ لائقٍ. أولاً جعلنا حكماء بإنقاذنا من الخطأ. بعد ذلك أبرارًا وقديسين بإعطائنا الروح. هكذا خلصنا من كل الشرور لكي نصير "منه". هذا لا يعني تعبيرًا عن علاقة وجود وكيان بل حديث عن الإيمان.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- هل تحققت هذا أن المسيح هو قوة اللَّه وحكمة اللَّه؟ تقول: "نعم إني مقتنع بهذا" اسمع إذن: "نفس البار هي كرسي الحكمة" (الحكمة 1). نعم! فإنه أين يوجد كرسي اللَّه إلا حيث يسكن؟ وأين يسكن إلا في هيكله، فإن "هيكل اللَّه مقدس، والذي أنتم هو" (1كو17:3). لتدرك إذن كيف قبلتم اللَّه.

القديس أغسطينوس

"صار لنا برًّا"، نلبسه فنختفي فيه، ونظهر أمام الآب أبرارًا، الأمر الذي يعجز الناموس عن تحقيقه (غلا21:2؛ 21:3). بدمه ليس فقط ننال غفران خطايانا وإنما نحمل بره فينا. ليس فقط ينزع عنا الغضب الإلهي، بل ونصير موضع سرور الآب.

- برّ اللَّه هو المسيح، يقول الرسول: "صار لنا من اللَّه حكمة وبرًّا وقداسة وفداءً"؛ كما هو مكتوب "من يفتخر فليفتخر في الرب".

برّ اللَّه الذي هو عطية النعمة بدون استحقاقات، لا يُعرف بواسطة أولئك الذين يريدون أن يُقيموا برّهم الذاتي، فلا يخضعون لبرّ اللَّه الذي هو المسيح.

في هذا البرّ نجد غنى عذوبة اللَّه التي يقول عنها المزمور: "ذوقوا وانظروا ما أعذب الرب" (مز 8:43).

القديس أغسطينوس

"صار لنا قداسة"، يعمل فينا في أعماقنا، فنصير أيقونة القدوس. احتل مكاننا على الصليب فصار بلا جمال. ودخل بنا إلى مقادسه السماوية، فصرنا نحمل قداسته العجيبة.

"صار لنا فداء"، ليس من عبودية المصريين ولا من السبي البابلي ولا من الاستعمار الروماني، بل من عبودية إبليس والموت والفساد لننعم بمجد حرية أولاد اللَّه. قدم لنا خروجًا جديدًا، ليس تحت قيادة موسى النبي بل خلال دمه، لنعبر إلى السموات عينها. هذا هو فداؤنا.

- إن كنا لم نرَ بعد المسيح قد صار "الكل في الكل" كقول الرسول، فإنه لا يزال بهذه الطريقة نجده جزئيًّا في الكل. قيل عنه "الذي صار لهم حكمة وبرًّا وقداسة وفداء". فإنه إذ يوجد في واحد حكمة، وفي آخر برًّا، وفي آخر قداسة، وآخر لطفًا، وآخر عفّة، وآخر تواضعًا وآخر صبرًا، فإن المسيح قد انقسم في الوقت الحاضر، عضو بعضوٍ بين كل القديسين. ولكن عندما يأتي الكل معًا في وحدة الإيمان والفضيلة، يتشكل في إنسان كاملٍ، يكمل كمال جسده في مفاصل وما لأعضائه. إلى أن يحين هذا الوقت حيث يصير اللَّه "الكل في الكل" يمكن القول بأن اللَّه حاضر في الكل، خلال فضائل معينة، وإن كان ليس بعد "الكل في الكل" خلال كمال الكل.

القديس يوحنا كاسيان

- لا تتعجب إننا نتحدث عن فضائل محبة المسيح، حيث أنه في حالات أخرى نود أن نعتبر المسيح هو نفسه كيان هذه الفضائل عينها. تجد هذا كثيرًا في الكتب المقدسة، يُكيّف ذاته حسب ظروف (المؤمنين)، فنجده مثلاً لا يدعى فقط العدل بل والسلام والحق.

العلامة أوريجينوس

حتى كما هو مكتوب من افتخر فليفتخر بالرب" [31].

جاء في سفر إرميا النبي: "هكذا قال الرب: لا يفتخرن الحكيم بحكمته، ولا يفتخر الجبار بجبروته، ولا يفتخر الغني بغناه، بل بهذا ليفتخرن المفتخر بأنه يفهم ويعرفني إني أنا الرب الصانع رحمة وقضاءً وعدلاً في الأرض، لأني بهذا أسر يقول الرب" (إر 23:9-24). علة الافتخار بالرب أنه مصدر الحكمة والقوة والغنى والقداسة وكل بركة حاضرة ومستقبلة. نفتخر باللَّه الآب الذي وهبنا كل عطية صالحة في المسيح يسوع. لم يعد فخرنا في الجسد ولا في العالم بحكمته وغناه وسلطانه بل نفتخر بالرب وحده للأسباب التالية:

- خطة خلاصه تفوق كل فكر بشري.

- بتواضعه الذي أُعلن في أعماقه على الصليب وهبنا تجديد أعماقنا لنشاركه تواضعه.

- يقدم لنا نفسه مصدر فرح، إذ فيه ننعم بالنصرة على الخطية ونتمتع ببره وقداسته، ونغتني بعطاياه وننعم بشركة مجده.

من وحي 1كو1

صليبك سرّ وحدتي

-صليبك سرّ خلاصي وقوتي وتسبحتي.

خلال صليبك أرى اخوتي مدعوّين قديسين.

أراهم حاملين برّك العجيب!

- صليبك يحوّل حياتي إلى تسبحة شكر.

أشكرك من أجل عطاياك لاخوتي,

فأحسب ما تمتعوا به أتمتع أنا به.

أراك عجيبًا في حبك ورعايتك لكل بشر.

- على الصليب اكتشف أسرارك الإلهية.

أراك تهبني كل شيء لحسابي.

فلا انتسب لرسولٍ أو ملاكٍ،

لم يمت أحد من أجلي سواك!

لم أنلْ العماد باسم آخر غيرك مع أبيك وروحك القدوس.

- صليبك هو فخري!

حسبه اليهود عثرة والفلاسفة جهالة،

لكنهم يروه فيّ قوة اللََّه العجيبة!

به أملك وأصير سماويًا.

به أحمل حكمة اللََّه الفائقة.

به أتحدى أنا غير الموجود كل موجود متعجرف،

به أتحدى أنا الضعيف من يظن أنه قوي!

به أنال كرامة سماوية تنقص كثير من الشرفاء!

- صرت بالصليب أيها الفادي برّي!

به صرت قداستي وفدائي!

كيف لا افتخر بصليبك يا أيها الحب الإلهي؟


1 بولس المدعو رسولا ليسوع المسيح بمشيئة الله و سوستانيس الاخ
2 الى كنيسة الله التي في كورنثوس المقدسين في المسيح يسوع المدعوين قديسين مع جميع الذين يدعون باسم ربنا يسوع المسيح في كل مكان لهم و لنا
3 نعمة لكم و سلام من الله ابينا و الرب يسوع المسيح
4 اشكر الهي في كل حين من جهتكم على نعمة الله المعطاة لكم في يسوع المسيح
5 انكم في كل شيء استغنيتم فيه في كل كلمة و كل علم
6 كما ثبتت فيكم شهادة المسيح
7 حتى انكم لستم ناقصين في موهبة ما و انتم متوقعون استعلان ربنا يسوع المسيح
8 الذي سيثبتكم ايضا الى النهاية بلا لوم في يوم ربنا يسوع المسيح
9 امين هو الله الذي به دعيتم الى شركة ابنه يسوع المسيح ربنا
10 و لكنني اطلب اليكم ايها الاخوة باسم ربنا يسوع المسيح ان تقولوا جميعكم قولا واحدا و لا يكون بينكم انشقاقات بل كونوا كاملين في فكر واحد و راي واحد
11 لاني اخبرت عنكم يا اخوتي من اهل خلوي ان بينكم خصومات
12 فانا اعني هذا ان كل واحد منكم يقول انا لبولس و انا لابلوس و انا لصفا و انا للمسيح
13 هل انقسم المسيح العل بولس صلب لاجلكم ام باسم بولس اعتمدتم
14 اشكر الله اني لم اعمد احدا منكم الا كريسبس و غايس
15 حتى لا يقول احد اني عمدت باسمي
16 و عمدت ايضا بيت استفانوس عدا ذلك لست اعلم هل عمدت احدا اخر
17 لان المسيح لم يرسلني لاعمد بل لابشر لا بحكمة كلام لئلا يتعطل صليب المسيح
18 فان كلمة الصليب عند الهالكين جهالة و اما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله
19 لانه مكتوب سابيد حكمة الحكماء و ارفض فهم الفهماء
20 اين الحكيم اين الكاتب اين مباحث هذا الدهر الم يجهل الله حكمة هذا العالم
21 لانه اذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة استحسن الله ان يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة
22 لان اليهود يسالون اية و اليونانيين يطلبون حكمة
23 و لكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبا لليهود عثرة و لليونانيين جهالة
24 و اما للمدعوين يهودا و يونانيين فبالمسيح قوة الله و حكمة الله
25 لان جهالة الله احكم من الناس و ضعف الله اقوى من الناس
26 فانظروا دعوتكم ايها الاخوة ان ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ليس كثيرون اقوياء ليس كثيرون شرفاء
27 بل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء و اختار الله ضعفاء العالم ليخزي الاقوياء
28 و اختار الله ادنياء العالم و المزدرى و غير الموجود ليبطل الموجود
29 لكي لا يفتخر كل ذي جسد امامه
30 و منه انتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله و برا و قداسة و فداء
31 حتى كما هو مكتوب من افتخر فليفتخر بالرب




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

سرّ الحكمة المكتومة

تحدث الرسول بولس في الاصحاح الأول عن موضوع وحدة الكنيسة، بدأ بالكشف عن المرض ثم تحدث عن المسيح الواحد، المصلوب من أجل الكل، وباسمه نلنا العماد، مقدمًا صليبه لنا كي نختبر قوة اللَّه وحكمة اللَّه, فيه يتمتع جميع المؤمنين بالحكمة والبر والقداسة والفداء. الآن يكشف الرسول عن عمل الروح القدس، روح المسيح الذي يوحدنا معه في حياتنا اليومية. إنه يهبنا معرفة الصليب، ويقدم لنا القوة لمواجهة الضيقات والاضطهادات والمخاوف. ويعطينا برهان الروح والقوة، وخبرة سرّ مجدنا الأبدي، ويعلن لنا عن أسرار اللَّه، ويمتعنا بالتمييز الروحي وفكر المسيح.

في هذا الاصحاح يوضح لهم الرسول بولس كيف بدأ معهم الخدمة. ذكَّرهم بمنهجه الإنجيلي الذي استخدمه، وقد حوى هذا المنهج ثلاثة جوانب:

الجانب السلبي: وهو عدم استخدامه سمو الكلام أو الحكمة البشرية.

الجانب الإيجابي: تتحقق الشهادة للَّه بإعلانٍ إلهيٍ.

النهاية: ركّز على شخص المسيح المصلوب حتى يتمتع المؤمنون بكنز الحكمة الحقيقية السماوية التي تفوق كل حكمة بشرية في هذا العالم، وبقوة اللَّه عِوض الانشغال بالحوارات العقلية الجافة. بالصليب يتجلى الرب فيهم ويتمجد في الكل.

يمثل الإصحاح رحلة النفس المؤمنة تحت قيادة الروح القدس الذي يعبر بها إلى فكر اللَّه قبل الدهور الخاص بخلاصنا، وينطلق بها إلى الأمجاد الأبدية الخاصة بمجدنا.

1. الصليب وبرهان الروح 1-4

2. قوة اللَّه والحكمة الكاملة 5-6.

3. سرّ الحكمة المكتومة 7-8.

4. سرّ المجد الأبدي 9-12.

5. الإنسان الروحي 13-15.

6. لنا فكر المسيح 16.

1. الصليب وبرهان الروح

"وأنا لما أتيت إليكم أيها الاخوة،أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة مناديًا لكم بشهادة اللَّه" [1].

يكمل الرسول بولس حديثه عن سرّ الوحدة الكنسية وارتباطها بالصليب أو بحكمة اللَّه التي يراها اليهود عثرة واليونانيون جهالة. الآن يؤكد الرسول انه لم يأتِ إليهم كخطيبٍ بليغٍ ولا كفيلسوفٍ ماهرٍ، ولم يُظهر حكمة بشرية بألفاظٍ براقةٍ. فقد تربى في مدرسة جديدة هي مدرسة الحكمة الإلهية المكتومة، بروح التواضع والمخافة الإلهية. حمله روح اللَّه إلى الأمجاد التي لا يُعبر عنها، ويكشف له الإلهيات الفائقة. رفعه من إنسان جسداني وطبيعي إلى إنسان روحي يحمل فكر المسيح.

يؤكد لهم أنه إذ جاء إليهم يكرز بالإنجيل لم يستخدم البلاغة وسمو الكلام مثل فلاسفتهم، إنما قدم لهم الحق الإلهي في بساطة. كأنه يقول لهم: "وأنا أيها الاخوة كجاهلٍ وضعيفٍ ومحتقرٍ استخدمني اللَّه لمجد اسمه. جئت أتحدث في بساطة لكي يكون حديثي متناغمًا مع خطة اللَّه الخلاصية".

في طرسوس درس الرسول بولس كتابات الفلاسفة، وحسب أن الفكر الهيليني هيأ الطريق للخلاص لكنه فشل في تجديد العالم، حيث يحتاج الأمر إلى عمل إلهي.

تمتع الرسول بولس بالثقافة اليونانية (الهيلينية) التي اهتم بها بعض اليهود في طرسوس والإسكندرية، كما تمتع بالجنسية الرومانية بالميلاد التي حفظته من استخدام العنف معه وهو يكرز بين الأمم، ودرس الشريعة الموسوية والتقليد اليهودي في أورشليم. وتفاعل الثلاثة معًا في حياة الرسول بولس لخدمة الكرازة، لكن ما يشغل قلب الرسول بولس وفكره هو التمتع بخدمة الكرازة بالقوة الإلهية العاملة للخلاص خلال صليب رب المجد يسوع.

- لم يتهيأ أحد للمعركة مثل روح بولس، أو بالأحرى أقول ليس روحه (إذ لم يكن هو نفسه مخترع هذه الأمور)، بل لا يوجد ما يعادل النعمة العاملة فيه الغالبة لكل شيء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"شهادة اللَّه": جاءت في بعض النسخ القديمة "سرّ اللَّه". يُدعى الإنجيل "شهادة المسيح"؛ هنا يقصد الشهادة التي يحملها الإنجيل من نحو خطة اللَّه الخلاصية بالصليب لا بالبلاغة اللغوية.

- ما يدعوه بولس هنا شهادة هو اللَّه الكلمة المتجسد، المخفي عن كل الدهور مع اللَّه. يقوم الهراطقة بدور متهور ومتهاون في هذه الأمور. إنهم يكرزون بتعاليمهم الشريرة ببلاغة عظيمة، سالكين بحكمة العالم. إنهم ينزعون عن صليب المسيح قوته.

أمبروسياستر

"لأني لم اعزم أن أعرف شيئًا بينكمإلا يسوع المسيح وإياه مصلوبًا" [2].

وجد الرسول بولس في صليب يسوع المسيح شبعه الداخلي، وأدرك أنه ينبوع الحكمة وكل سعادة. لهذا فإن موضوع كرازته هو أن يتعرف الكل على الصليب.

إنه لا يهدف إلى تقديم معرفة أخرى ولا إلى الكرازة بأمرٍ آخر، أو اكتشاف أسرارٍ أخرى، فقد أُبتلع كل قلبه وفكره وأحاسيسه بشخص المسيح المصلوب. فالمسيح هو جوهر الكرازة، وصليبه هو العَلَمْ الذي يدعو الكل ليحتموا تحت ظله. هكذا بروح اللَّه القدوس دخل سرّ الحكمة الأزلية، فعرف سرّ الصليب الذي كان في خطة اللَّه حتى قبل السقوط، وانطلق به إلى الأبدية ليرى الأمجاد التي أعدها المصلوب لمؤمنيه.

- إنه الكلمة المتجسد الذي تمم سرّ خلاصنا. هو الذي حررنا وخلصنا. إننا نؤمن به ذاك الذي هو مخلصنا بالصليب وبقيامته.

ماريوس فيكتوريانوس

- أتيت إليكم لا ببلاغة وحكمة، ولا نطقت بشيء سوي أن "المسيح قد صُلب".

القديس يوحنا الذهبي الفم

-ينطق بولس بهذا لأنه يتحدث عن أولئك العاجزين عن أن يبصروا التعاليم السامية جدًا عن لاهوت المسيح.

القديس أغسطينوس

"وأنا كنت عندكم في ضعفٍ وخوفٍ ورعدةٍ كثيرةٍ" [3].

لعل ضعف الرسول وخوفه ورعدته كان بسبب شعوره في البداية بمقاومة البعض له وفشله في الخدمة. "فقال الرب لبولس في رؤيا في اللَّه: لا تخف بل تكلم ولا تسكت لأني أنا معك، ولا يقع بك أحد ليؤذيك، لأن لي شعبًا كثيرًا في هذه المدينة" (أع 18: 9-10). هكذا يقدم لنا الرسول صورة حية للخادم الذي يدرك ضعفه وعجزه وخوفه ورعدته، فيقبل عمل روح اللَّه القدوس الذي يهبه قوة ويسنده فينجح بالنعمة الإلهية.

-هذا أيضًا موضوع آخر، وهو أن المؤمنين ليسوا فقط غير متعلمين ولا أن المتحدث غير متعلم... ولكن مع هذا الأمور توجد أيضا مقاومة أخرى ومخاطر وخطط ومخاوف يومية لكي تصطاده. فإن كلمة "ضعف" بالنسبة له في مواضع كثيرة يقصد بها الاضطهادات. "ضعفي الذي في جسدي لم يزدروا به" (غلا 4: 14). "إن كان يجب الافتخار فسأفتخر بأمور ضعفي" (2 كو 11: 30)...

بالحق أنه بسبب إحساسه بالتصميم حتى وهو خائف من الموت والضرب لم يخطئ بسبب الخوف. لذلك فإن الذين يدعون بأن بولس لم يكن خائفًا من الضرب ليس فقط لا يكرمونه بل وينزعون عظمته. فإن كان بلا خوف فأي احتمال أو ضبط للنفس كان له عندما احتمل المخاطر؟...

من جانبي إني أعجب به من هذا الجانب، فإنه وهو في خوفٍ، وليس في خوفٍ بل وفي رعبٍ وسط مخاطره يجري هكذا لكي يحفظ إكليله ولا يستسلم بسبب أي مخاطرٍ، وذلك للعمل في العالم، في كل موضعٍ، سواء بالبحر أو الأرض غارسًا الإنجيل...

بماذا تقول، هل يخاف بولس من المخاطر؟ كان يخاف ويرتعب منها جدًا، فمع كونه بولس إلا أنه إنسان. لكن هذا ليس اتهام ضد بولس بل هو ضعف الطبيعة البشرية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بالكرازة بالمسيح ظهر بولس كغبي للحكمة البشرية وبهذا أثار ضده الكراهية والاضطهاد.

أمبروسياستر

ولعله يقصد أنه كان في خوف ورعدة ليس من الناس، ولكن من أجل الناس، فكان قلبه يحترق مع كل متعثرٍ، ويضعف مع كل ضعيفٍ. هذا ما اختبره أهل كورنثوس أثناء حضرة الرسول بولس التي استمرت على الأقل سنة ونصف (أع 18: 11).

اتسم الرسول بولس بروح التواضع والوداعة، خاصة عند الكرازة حتى اتهمه بعض الكورنثوسيين بالضعف: "الرسائل ثقيلة وقوية وأما حضور الجسد فضعيف والكلام حقير" (2 كو 10:10). يبدو أن صوت الرسول كان خافتًا، وجسمه قليلاً، وملامحه غير جذابة، هذا بجانب عدم استخدامه للبلاغة أو الفلسفة. ومع هذا كانت الوثنية تتحطم أمامه، والقلوب تلتهب بحب السماء. فكان اللَّه مُعلنًا في عمله، وأما إمكانياته البشرية فلا تشغل المستمعون إليه. بضعفه وخوفه ورعدته تجلى مسيحنا المصلوب الحامل ضعفنا ليعلن قوته، إذ "اختار اللَّه ضعفاء العالم يخزى الأقوياء" (1 كو 1: 27).

"وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع،بل ببرهان الروح والقوة" [4].

كانت كلمات الرسول بولس ممسوحة بالروح تجتذب القلوب، وفى نفس الوقت تحمل قوة. هذا ما نلمسه من الرجل الأعرج في لستره: "هذا كان يسمع بولس يتكلم فشخص إليه" (أع 14: 9) وإذ شفاه "فالجموع لما رأوا ما فعل بولس رفعوا صوتهم بلغة ليكأونية قائلين إن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا، فكانوا يدعون برنابا زفس وبولس هرمس إذ كان هو متقدم في الكلام" (أٍع 14: 11،12). تأثر الكل بروح القوة، فأراد كاهن زفس أن يذبح له حتى مزق الرسولان ثيابهما وبالجهد منعا الجماهير من أن يذبحوا لهما.

قدم الرسول بولس الكرازة بالسيد المسيح المصلوب القائم من الأموات ليس في ثوبٍ فسلفيٍ براق، وإنما في بساطة اللغة والكشف عن الحقائق الإلهية والتدبير السماوي، كما سلمه له الروح القدس القادر أن يخترق قلوب الناس ويعمل فيها لقبول الكلمة. بهذا استطاع أن يقول: "إن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوة أيضًا وبالروح القدس، وبيقينٍ شديدٍ كما تعرفون أي رجالٍ كنا بينكم من أجلكم" (1تس1:5).

"كلامي وكرازتي"، لعله يقصد بالكلام التعاليم التي نادى بها والأفكار الإيمانية الخاصة بإنجيل الحق، أما الكرازة فتحمل معنى الشهادة لهذا الإيمان ليس بالكلام فحسب وإنما بالعمل والسلوك. هذا ما أعلنه الروح القدس بقوةٍ خلال تجديد النفوس والقلوب، فتمتع المؤمنون بالقداسة والطهارة والحب، الأمور التي تعجز فلسفات العالم أن تحققها.

ولعله قصد بالكلام الأحاديث الخاصة في اللقاءات الفردية أو العائلية، وبالكرازة الأحاديث العامة.

-القول بأن الإنجيل يُكرز به بدون حكمة لا يُقلل من شأنه، بل هذه هي عظمة الإنجيل الكبرى، والآية الأكثر جلاء بأنه إلهي ومن السماء. فالبرهان بالحكمة الخاصة بالكلمات البشرية أضعف، بالحوار بأن له مهارات بلاغية عظمى... البرهان بالأعمال والآيات أكثر قوة منه بالكلمات...

إذ يرى أنه توجد عجائب خادعة، كتلك التي يفعلها العرافون فإنه ينزع هذا التشكك أيضًا. إذ لم يقل فقط "القوة" بل يقول أولا "برهان الروح" ثم "والقوة، فيعني أن الأمور التي صنعت روحية. فإنه ليس الأمر فيه احتقار أن الإنجيل لم يُعلن بواسطة الحكمة، بل بالأحرى هذا زينة عظمي للغاية. فإنه إذ يحدث هذا فهو علامة واضحة علي أنه إلهي، تمتد جذوره في الأعالي، وأنها من السماء. لذلك يضيف أيضًا: "لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة اللَّه" [5]. فإن الدليل بالأعمال والآيات أعظم من الكلمات.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لو أن الأسفار المقدسة اجتذبت الناس للإيمان لأنها مكتوبة بفن البلاغة ومهارة فلسفية لكان إيماننا قائمًا بلاشك على فن الكلمات والحكمة البشرية أكثر منه على قوة اللَّه.

العلامة أوريجينوس




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email

2- قوة اللَّه والحكمة الكاملة

"لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس،بل بقوة اللَّه" [5].

يبدأ الرسول حديثه هنا بتأكيد أن الحكمة التي اتسم بها حقيقية وفعالة، حتى أن العالم رفضها، مقدما مثالاً عمليًا لذلك, فقد ذكرهم بمجيئه إليهم في ضعفٍ ورعدةٍ ولم يستخدم أسلوب الفلاسفة، مع ذلك جذب الروح القدس كثيرين إلى الحق الإنجيلي, نجاح الرسول في كورنثوس برهان قوي علي إمكانية الحكمة الإلهية في العمل في حياة الناس.

يؤكد الرسول أن إيمانهم يقوم علي استنارة نفوسهم وتمتعهم باللقاء مع اللَّه، ليس فيه شيء بشري. فالمسيحي الحقيقي يحمل شهادة لقوة الإنجيل وحكمته في أعماقه، خلال خبرته وتجديد طبيعته، الأمر الذي لن يقدر كائن ما أن يفعله سوى اللَّه نفسه. يشهد المؤمن أن رجاءه وأفراحه وسلامه وتقديسه واشتياقه للعبادة وتمتعه بأسرار الكتاب المقدس وحبه للَّه والناس والتهاب قلبه بالسماويات وشركته مع الملائكة هذه كلها تتحقق بقوة اللَّه العامل فيه.

-الحكمة البشرية تجحد الصليب، أما الإيمان فيُعلن قوة اللَّه. الحكمة لم تفشل في إعلان الأمور التي يبحث عنها البشر ولكنها أيضًا تشجعهم على التشامخ من أجل ما بلغوه. أما الإيمان فليس فقط يقدم لهم الحق، وإنما يشجعهم أيضًا على تمجيد اللَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين،ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر،ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون" [6].

يرى البعض إن الرسول بولس وهو يتحدث عن الحكمة في ذهنه أربعة أنواع:

حكمة الأمم، أو الفلسفة اليونانية، وتدعى في العبرية yewaniyt أوchokmaah، يرذلها اليهود، ويحسبون من يلتصق بها تحل عليه اللعنة، ومن يعلم ابنه الحكمة اليونانية يسقط تحت اللعنة.

حكمة اليهود الخاصة بالكتبة والفريسيين الذين ظنوا في صلب المسيح تحقيقًا للحكمة (1 كو 2:8).

حكمة هذا الدهر بالعبرية aioonos وباليونانية toutou، وهى الحكمة التي استقاها اليهود من كتابات معلميهم، خاصة بالحياة الزمنية، يميزونها عن حكمة الدهر الآتي، أي الخاصة بأيام المسيا. فحكمة هذا الدهر تنطبق إما على حال الأمم المنهمكين في فلسفات نظرية أو حالة اليهود الذين فسروا كلمة اللَّه بطريقة حرفية أفسدت المفاهيم الروحية السماوية.

حكمة الإنجيل: وهى تمس خلاصنا ومجدنا الأبدي.

لم يأتِ الرسول بولس إليهم بسمو الحكمة البشرية سواء حكمة الأمم أو حكمة اليهود أو حكمة هذا الدهر، بل فتح لهم كنوز الحكمة العلوية الحقيقية التي هي حكمة الإنجيل، التي يدركها الكاملون، هؤلاء الذين صاروا ناضجين في معرفة اللَّه والذين استناروا بروح اللَّه القدوس. لقد صاروا حكماء وكاملين بالحق الذي تمتعوا به.

فيقصد بالحكمة هنا ليس فقط التعرف على خطة اللَّه الخلاصية بل والتمتع بها، أي المعرفة الإختبارية الحية. هذه التي يختبرها الكاملون الذين يسعون نحو الأبدية. وكما يقول الرسول بولس عن المجاهدين الذين يسعون نحو جعالة دعوة اللَّه العليا في المسيح يسوع: "فليفتكر هذا جميع الكاملين منا، وإن افتكرتم شيئا بخلافه فاللَّه سيعلن لكم هذا أيضًا" (في 3: 15).

الحكمة التي يقدمها الرسول مختلفة تمامًا عن حكمة عظماء هذا الدهر، فهي ليست حكمة سياسية ولا حكمة الفلاسفة ولا حكمة الحرفيين في دراستهم للشريعة، بل حكمة سماوية خفية مكتومة، تُقدم للراغبين في الحياة المقدسة في الرب، لا لطالبي المجد الزمني.

عظماء هذا الدهر لا يريدون التفكير في حقيقة حالهم، انهم أشبه بالخاطئ الذي لا يرغب في الانشغال بما وراء الزمن. انهم يرفضون حكمة اللَّه التي تقودهم إلى الرجاء في المجد الأبدي.

بقوله "يبطلون" يشير الرسول إلي فاعلية الحكمة الباطلة، فإن خططها حتمًا تبطل وتنتهي. ومن يتمسك بالباطل يصير هو نفسه باطلاً، حيث تنتهي حياته وأمجاده عند القبر ولا يتمتع بالمجد الأبدي بل يسقط تحت دينونة مهلكة.

- الاسم الذي أعطاه للإنجيل هو "حكمة" بكونه وسيلة الخلاص، الذي يتحقق بالصليب.

"الكاملون" هم "الذين يؤمنون". إذ هم بالحقيقة كاملون، هؤلاء الذين يعرفون أن كل الأمور البشرية عاجزة تمامًا، متطلعين إليها وهم مقتنعون بأن مثل هذه لن تنفع شيئًا،هكذا هم المؤمنون الحقيقيون...

بقوله "عظماء الدهر" هنا يعني الفلاسفة وأصحاب البلاغة. هذه النوعية متسلطة، غالبًا ما يصيروا قادة الشعب. يدعوهم "عظماء الدهر" لأن سلطانهم لن يمتد بعد العالم الحاضر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- عندما يتحدث بولس عن حكمة عظماء هذا الدهر يبدو أنه كان يتحدث لا عن حكمة واحدة مشتركة بينهم، بل عن أنواعٍ مختلفة من الحكمة خاصة بكل واحدٍ منهم.

العلامة أوريجينوس

- الكاملون هم الذين يكرزون بالصليب بكونه الحكمة، إذ يشهدون عن قوة اللَّه العاملة. إنهم يعرفون أن الأعمال تنطق بصوتٍ عالٍ أعظم من الكلمات. حكمتهم ليس من هذا الدهر بل من الدهر الآتي، حينما يُعلن حق اللَّه للذين ينكرونه الآن.

أمبروسياستر

3- سرّ الحكمة المكتومة

"بل نتكلم بحكمة اللَّه في سرّ،الحكمة المكتومة التي سبق اللَّه فعينها قبل الدهور لمجدنا" [7].

لا يفتخر المؤمن بالجهل، ولا يحسب الجهالة فضيلة، لكنه وهو يتطلع إلى جمال حكمة اللَّه العجيبة ويتذوق عمله الخلاصي، تشبع نفسه فتدوس عسل العالم. يختبر الحكمة الأبدية فلا ينشغل بالحكمة الزمنية. حكمة اللَّه لا تُقارن بحكمة العالم، فاللَّه في حبه وبحكمته يشرق بنوره علينا، فندرك إننا مرضى نحتاج إلى الطبيب السماوي، ونعانى من تفليسة تحتاج إلي واهب الغنى. حكمة اللَّه لا تقوم على التغطية لكنها وهى تكشف الضعف تهب قوة، وهى تعلن حالة الموت تقدم لنا قوة القيامة. أما الحكمة البشرية فكثيرًا ما تقوم علي التغطية للمواقف دون إمكانية تقديم الحلول الإيجابية القوية.

مصدر الحكمة التي قدمها الرسول هو اللَّه نفسه، التي ترجع إلى ما قبل الدهور حيث تدبير اللَّه الأزلي لخلاصنا، وتمتد إلى ما بعد الدهور حيث تدخل بنا إلى شركة المجد السماوي.

حكمة اللَّه تعمل لتقيم من الإنسان قديسًا ممجدًا. تعمل في حياته الزمنية لكي تحمله إلي ما فوق الزمن، فيحيا في هذا العالم محتميًا بقوة اللَّه وفى العالم الآتي متهللاً بالمجد الفائق.

لم يقل الرسول: "بل تكلم في جهل" بل "تكلم بحكمة اللَّه" فالرسول وهو يتحدث عن عدم اتكاله على الحكمة البشرية يعلن التزام المؤمنين خاصة الخدام أن يتسلموا حكمة اللَّه، وهي أعظم وأقوى وأكثر جاذبية من كل حكمة بشرية.

لم يقل الرسل إن كرازتهم كانت سرية ولا أن تعليمهم لا يُدرك بالعقل، إنما يشير إلى حقيقة هذه الحكمة إنها كانت "مخفية في سرّ" عن البشرية حتى جاء الزمان اللائق لإعلانها بالإنجيل، وهى حكمة تفوق الإدراك البشري لكنها لا تناقضه.

بقوله "لمجدنا" يشير إلى المجد الذي يناله المؤمن حيث يتمتع بالبنوة للَّه وسكنى الروح القدس فيه كعربون للمجد الأبدي الُمعد لنا في السماء (2 كو 4: 17).

- بالحكمة يقصد بولس الصليب وكل تدبير الخلاص.

ثيؤدور أسقف الميصة

- كيف يدعوها سرًا؟ لأنه ليس ملاك ولا رئيس ملائكة ولا أية قوة أخري عرفها قبل تحقيقها عمليًا. لهذا يقول: "لكي يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين في السماويات بواسطة الكنيسة بحكمة اللَّه المتنوعة" (أف 3: 10)...

مع أن غير المؤمنين يسمعون إلا أنه يبدو كأنهم غير سامعين، أما المؤمنون فإذ لهم المهارة بواسطة الروح القدس، يحملون معني الأمور المخزنة فيها. هذا عينه ما يعنيه بولس عندما قال أنه حتى الآن الكلمة التي يكرز بها سرّ، تشير الكلمة أيضًا إلي أن الإنجيل يضاد كل ما هو متوقع. لا يود الكتاب المقدس أن يدعو ما يحدث فوق كل رجاء وفوق كل فكر البشر غير هذا الاسم: "سرّ"...

لذلك فإن ما هو فوق كل الأشياء سرّ، يُكرز به في كل مكان، لكنه لا يعرفه الذين ليس لهم فكر سليم، ولا يُعلن خلال الحكمة بل بواسطة الروح القدس، وإذ يصعب جدًا قبوله دعي سرّا، بمعني انه ليس أحد من القوات العليا يتعلم هذا قبلاً منا، وليس كثيرون الآن يعرفونه.

- يعتبر خلاصنا مجده، كما يدعوه غناه (أف 3:8)، مع أنه بذاته غني في الصلاح ولا يحتاج إلي شيء ليصير غنيًا.

يقول "سبق فعينها" [7]، مشيرًا إلى العناية الخاصة بنا... فانه لو لم يحبنا لما سبق أن عين لنا غنانا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يشهد بولس أنه مُرسل ليُعلن عن حكمة خفية لم يعرفها عظماء هذا العالم، ولذلك يُنعتون بُالغباء. حكمة اللَّه مخفية لأنها ليست في كلمات بل في قوة. يستحيل إبرازها بتعبيرات بشرية، وإنما يُعتقد بها بقوة الروح. سبق اللَّه فرأى خطايا العالم المقبلة ولذلك شرع هذه الحكمة بطريقة مربكة للذين يريدون يحولون حكمته إلى غباوتهم، وأيضًا لكي يمجدنا نحن الذين نؤمن به.

أمبروسياستر

-لا يقصد بولس أنه يتحدث الآن في أسرار وغومض، وإنما الرسالة التي يكرز بها كانت قبلاً مخفية.

- كان السرّ مخفيًا، لكنه كان معدًا قبل العالم.

ثيؤدورت أسقف قورش

"التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر،لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد" [8].

إن كان الرسول قد تمتع بالحكمة السماوية ليقدمها للمؤمنين، فإن عظماء هذا الدهر من الرومانيين واليهود واليونانيين يجهلونها. ولعله قصد هنا الوالي الروماني والقادة المدنيين وقادة اليهود من رئيس الكهنة والكتبة والفريسيين والناموسيين الخ. هؤلاء هم عظماء هذا الدهر الذين لو عرفوا الحكمة الإلهية وأدركوا شخص المسيا لما صلبوا رب المجد. لم يعرفوا الحق فأصابهم العمى وسلكوا في جهالة. يرى البعض أن هذا ينطبق على هيرودس وبيلاطس لكن لا ينطبق بنفس الطريقة على رئيسي الكهنة والكتبة، إذ عرفوا يسوع أنه المسيح. إنهم مثل العاملين في الكرم القائلين: "هذا هو الوارث، هلمّ نقتله، فيصير لنا الكرم" (مت 38:21). ويرى آخرون أن قادة اليهود لم يدركوا حقيقة شخص المسيح ولا حكمة خطته ولا فهموا رسالته، فأُغلقت أعينهم عن فهم نبوات العهد القديم، ورفضوا شخص يسوع، ولم يقبلوه أنه هو المسيا، لذا صلبوه في جهلٍ. لقد كان كل ما يشغلهم هو الخلاص من الأعداء الظاهرين والتمتع بالمجد الزمني. كانوا يطلبون مسيحًا حسب فكرهم البشري الطبيعي.

صلبوا "رب المجد" أو "ملك المجد" الذي انشد له السمائيون في مزمور (24: 7-9) يطلبون من الأبواب الدهرية أن ترتفع لكي يدخل إلى عرشه. هذا اللقب: "رب المجد" الذي دعي به السيد المسيح خاص بيهوه (أع 7: 2).

- بخصوص الكلمات: "لو عرفوا" يبدو لي إنها قيلت هنا ليست بخصوص شخص المسيح، وإنما فقط بخصوص التدبير المخفي وراء هذا الحدث. وكأنه يقول، لم يعرفوا ما يعنيه "الموت" و"الصليب"... إذ لم يعرفوا أن الصليب يشرق هكذا ببهاء، وأنه يحقق خلاص العالم، والمصالحة بين اللَّه والناس، وأن مدينتهم تؤخذ منهم، وانهم يصيرون في أبأس حال.

بقوله "الحكمة" يقصد كلاً من المسيح والصليب والإنجيل... فإذ يري (الرسول) أن الصليب الذي حُسب موضوع عارٍ كان مجدًا عظيمًا. ولكن كانت هناك حاجة إلي حكمة عظيمة لا ليعرفوا اللَّه فقط بل ويدركوا أيضًا هذه الخطة الإلهية.

- ماذا إذن؟ هل غفرت خطيتهم بخصوص الصليب؟ بالفعل تم ذلك، إذ قال: "اغفر لهم" (يو 23: 34).

إن تابوا تُغفر لهم. فإنه حتى ذاك الذي وجه ضربات بلا حصر ضد اسطفانوس واضطهد الكنيسة، بولس نفسه صار قائدًا للكنيسة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ظن اليهود أنه يُمكن أن يُغلب فسخروا به وعلقوه علي الشجرة قائلين: "إن كان ابن اللَّه فلينزل عن الصليب ونحن نؤمن به" (مت 27:42). رأوا جانبًا منه، ولم يعرفوا الجانب الآخر. "لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد".

- ما هو ظاهر فيه أُحتقر، وما هو مخفي فيه لم يُعرف، "لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد".

القديس أغسطينوس

- غفر اللَّه لبيلاطس وهيرودس وقيافا والبقية من أجل جهلهم أثناء الصلب، ولكن بعد أن قام المسيح وصعد إلى السماء وحلّ الروح القدس وصنع الرسل عجائب سلّمهم للعقوبة، إذ قاوموا في عدم إيمان.

ثيؤدورت أسقف قورش

- عظماء هذا الدهر ليسوا هم العظماء بين اليهود الرومانيين بل كل قوة روحية تقيم نفسها ضد اللَّه.

لا يمكن لعظماء اليهود أن يُحسبوا عظماء هذا الدهر لأنهم كانوا خاضعين للرومان. ولم يصلب الرومان يسوع، لأن بيلاطس نفسه قال أنه لم يجد عليه علة.

العظماء الذين صلبوه هم الشياطين. لقد عرفوا أن يسوع هو المسيا، لكن لم يعرفوا أنه ابن اللَّه، ولذلك يمكن القول أنهم صلبوه في جهل.

أمبروسياستر

- ولكن لو لم يحكم على المسيح بالموت، لما مات الموت. لقد انهزم الشيطان بنصرته ذاتها، إذ فرح عندما أغوى الإنسان الأول، وطرده إلى الموت. بإغوائه الإنسان الأول قتل نفسه (تك 1:3-19). وبقتله الإنسان الأخير فلت الأول من شباكه.

القديس أغسطينوس

أما عن نسبة الصلب لرب المجد، فالكتاب المقدس استخدم تبادل الألقاب بين لاهوت السيد المسيح وناسوته Communicato idiomatum، فتُنسب كل أعمال وكلمات السيد للأقنوم الواحد، كلمة اللَّه المتجسد.

-إذ أخذ نفسًا وجسد إنسان لم تحدث إضافة إلى عدد الأقانيم، إذ بقي الثالوث كما هو قبلاً. وذلك كما أنه في كل إنسان فيما عدا ذاك الذي وحده أخذ اتحادُا اقنوميًا فإن النفس والجسد يمثلان شخصًا واحدًا، هكذا في المسيح الكلمة ونفسه البشرية وجسده يمثلون شخصًا واحدًا. وكما أن اسم "الفيلسوف" كمثال يُعطي لإنسان بالتأكيد بخصوص نفسه وحدها، إلا أنه لا يُحسب سخافة، بل هو أمر عادي ولائق في اللغة، أن نقول بأن الفيلسوف قتل، الفيلسوف مات، الفيلسوف دفن، مع أن هذه الأحداث جميعها تسقط علي جسده وليس علي العنصر الخاص به كفيلسوف, هكذا بنفس الطريقة اسم اللَّه أو ابن اللَّه أو رب المجد، أو أي اسم آخر يعطي للمسيح بكونه الكلمة، ومع هذا فإنه من الصواب القول بان اللَّه صُلب، إذ لا مجال للتساؤل في انه احتمل هذا الموت في طبيعته البشرية وليس في تلك التي بها هو رب المجد.

القديس أغسطينوس

-والكلمة صار جسدًا. هنا بولس العجيب للغاية إذ يحث الذين يستمعون إليه علي التواضع يتحدث عن يسوع المسيح الذي وهو صورة اللَّه أخلى ذاته ليحمل شكل عبد، وتواضع حتى الموت، موت الصليب. مرة أخري في عبارة أخرى يدعو المصلوب "رب المجد". "لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد". حقا إنه يتحدث بأكثر صراحة من هذا عن ذات الطبيعة الجوهرية بواسطة اسم "الرب" إذ يقول "الآن الرب هو الروح" (2 كو 3: 17). إذن فالكلمة الذي كان في البدء، وهو الروح، هو الرب، ورب المجد.

- النفخات الخاصة بالعبد الذي فيه تُنسب للرب، والكرامات الخاصة بالرب أحاطت بالعبد، حتى انه خلال الالتصاق والاتحاد بين الطبائع تجعل سمات الواحدة تنسب للأخرى. لقد قبل الرب جلدات العبد، بينما تمجد العبد بكرامة الرب. لهذا قيل عن الصليب انه "صليب رب المجد"، ولهذا يعترف كل لسان إن يسوع هو الرب لمجد اللَّه الآب.

-تمجدت الطبيعة البشرية إذ أخذها له، ولم تفسد الطبيعة الإلهية بتنازله، بل جعلت العنصر البشري يخضع للآلام بينما بقوته الإلهية تتحقق قيامة المتألم. هكذا لا ينسب إلى اللاهوت خبرة الموت ذاك الذي صارت له شركة في طبيعتنا الممكنة باتحاده بالناسوت، بينما في نفس الوقت الأسماء المجيدة الإلهية تُنسب للإنسان، حتى أن ذاك الذي ظهر علي الصليب يُدعي "رب المجد" حيث تُنقل الأسماء المجيدة من اللاهوت إلى الناسوت خلال اتحاد طبيعتهما بالطبيعة الأقل.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 2 جـ3 PDF Print Email

4- سرّ المجد الأبدي

"بل كما هو مكتوب ما لم ترَ عين،ولم تسمع أذن،ولم يخطر على بال إنسانما أعده اللَّه للذين يحبونه" [9].

الحياة الأبدية وأمجادها وخلودها أمور أعلنها الإنجيل (2 تي 1: 10)، هذه التي لا تستطيع الحواس أن تتلمسها ولا اللغة البشرية بكل بلاغتها أن تتحدث عنها، ولا الفكر البشرى أن يتخيلها. إنها فوق كل حكمة أو إمكانية بشرية.

- ما يناله أولئك السالكون في الحياة الصالحة من أمور صالحة مذكورة في الأناجيل لا يمكن وصفها بدقةٍ. إذ كيف يمكن ذلك للأشياء التي لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر علي قلب إنسان؟

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- أسألكم حبوا اللَّه محبة صادقة، ليس خوفا من جهنم بل رغبة في الملكوت، وبالأكثر من أجل الأمور المقبلة عندما "يطأ أعداءه تحت قدميه" (1 كو15: 25). فلا يوجد بعد مقاوم. عندما يرى الأبرار الأمور المباركة التي لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر علي قلب إنسانٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- رجاؤنا أيها الاخوة ليس في الأمور الحاضرة ولا في هذا العالم، ولا في السعادة التي أعمت الناس فنسوا اللَّه... فلم نصر مسيحيين من أجل بركات الزمان الحاضر. وإنما من أجل ما وعد به اللَّه، ولم ندركه بعد. فقد قيل عن هذا الصلاح "ما لم تره عين....

- عطاياه عظيمة للغاية، لكننا ننال ما هو أقل، لأن إمكانياتنا ضيقة في قبولها. لذلك قيل لنا: "كونوا أنتم أيضا متسعين، لا تكونوا تحت نيرٍ مع غير المؤمنين" (2 تي 6: 13، 14). فإنه بالنسبة لبساطة إيماننا وثبات رجائنا واتقاد رغبتنا، بأكثر اتساع نتقبل ما يُقدم لنا بفيض عظيم هذا الذي "لم تره عين"، لأنه ليس له لون، ولم تسمع به أذن، إذ ليس لها صوت، ولم يصعد إلي قلب إنسان بل قلب الإنسان يصعد إليه.

- سنرى اللَّه، سنحيا ونكون في آمان وسلام، فلا نعاني من جوعٍ وعطشٍ، ولا نسقط في قلقٍ، ولا يضغط علينا نوم. كل هذه ماذا تكون بالنسبة للسعادة برؤية اللَّه؟ فإن اللَّه لا يُمكن أن يعلن عنه الآن كما هو، لكننا سنراه.

الصلاح الذي سنراه "ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن" هو الرحوم الذي ستعاينه. هذا ما سيراه المؤمنون، سيراه أولئك الذين ينعمون بالنصيب الصالح في قيامة الجسد، إذ كانت لهم الطاعة في قيامة القلب.

القديس أغسطينوس

- يُعلن لنا الكتاب المقدس أن الخيرات المقبلة لا يمكن إدراكها وليس لها شبيه هنا.

مار اسحق السرياني

- من هذا يمكننا أن ننال فكرة عن مدى عظمة السمو والجمال والبهاء التي للجسد الروحي.

لا يظن أحد أن اللَّه يتحيز فيُعلن السرّ للبعض ويسمح للآخرين أن يهلكوا في الجهالة. بالأحرى يلزم معرفة أنه هذا سابق معرفة تتحقق بقوته (الإلهية). لقد أعد اللَّه الأمور اللائقة لكل شخص حسب استحقاقاته، إذ سبق فعرف ما سيختاره كل أحد قبل أن يحدث.

سيفريان أسقف جبالة

"فأعلنه اللَّه لنا نحن بروحه،لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق اللَّه" [10].

أعلن اللَّه عن حكمته بالإنجيل، فأعدنا للتمتع بالمجد الأبدي والسعادة السماوية. يعلن أسراره المفرحة وأعماله المجيدة لمؤمنيه الذين ينتظرونه. وكما قيل: "لم ترَ عين إلهًا غيرك يصنع لمن ينتظره" (إش34: 4)، "ويقال في ذلك اليوم: "هوذا إلهنا انتظرناه فخلصنا. هذا هو الرب انتظرناه؟ نبتهج ونفرح بخلاصه" (إش 25: 9).

يعلن اللَّه عن حكمته بروحه القدوس، الروح الذي أعلن كلمة اللَّه فتمتعنا بالكتاب المقدس، إذ تحدث رجال اللَّه قديمًا مسوقين بالروح القدس (2 بط 1: 21). وتحدث الرسل في العهد الجديد بذات الروح القدس. هذا الروح الذي ليس كروح الإنسان المحدود الذي يعرف أعماق الإنسان، بل الروح الإلهي الذي يعرف أعماق اللَّه. معرفته غير محدودة، يكشف الأسرار الإلهية الخفية. الروح القدس هذا الذي أعلن الخطوط العريضة للحق السماوي خلال الأنبياء قدم الحق كاملاً خلال الرسل والإنجيليين.

- لا يحتاج الروح القدس إلى تعليم بالكلام، فبكونه اللَّه يقول الرسول انه "يفحص كل شيء حتى أعماق اللَّه".

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- الذين لهم الروح يطلبون أعماق اللَّه، أي الأسرار الخفية التي تحول بالنبوة.

القديس إكليمنضس السكندري

- الروح وحده يقدر أن يفحص كل شيء تعجز النفس البشرية عنه. هذا هو السبب الذي لأجله نحن في حاجة أن نتقوى بالروح ما دام يخترق حتى أعماق اللَّه.

العلامة أوريجينوس

- يعلن اللَّه هذه الأمور بروحه لمؤمنيه، لأن الأمور الخاصة باللَّه لا يمكن معرفتها بدون روحه، فروح اللَّه يعرف كل ما يخصه.

-يعلمنا روح اللَّه ما يعرفه بالطبيعة لا ما تعلمه. لذلك يعلمنا سرّ المسيح، فإنه وهو روح اللَّه هو أيضًا روح المسيح.

أمبروسياستر

- من ينال إعلان الروح يتقبل أيضًا فهم الروح.

ثيؤدورت أسقف قورش

"لأن منْ من الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه؟هكذا أيضًا أمور اللَّه لا يعرفها أحد إلا روح اللَّه" [11].

لا يستطيع إنسان أن يدخل إلى أعماق إنسان آخر ويدرك أفكاره وخططه الخفية ومقاصده وما يدور في ذهنه، ولا يعرف أحد شيئًا من هذه سوى الإنسان نفسه، هكذا لا يعرف ما للَّه سوى روح اللَّه الذي يعلن هذه الأسرار للرسل المهتمين بتحقيق خطة اللَّه من جهة خلاص العالم0

-بتوزيع ثروتهم بين الفقراء، هكذا يخزنوها في أكثر الأماكن أمانًا في كنز السماء. إن وُجد عائق يمنعك من صنع هذا بسبب التزامات أسرتك، فأنت تعرف نفسك أي حساب تقدمه للَّه عن استخدامك لغناك فإنه لا يستطيع أحد أن يعرف ما يجتاز داخل إنسان إلا روح الإنسان الذي فيه. يليق بنا ألا نحكم في شئ قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب، وحينئذ يكون المدح لك من اللَّه (2 كو 4: 5) .

القديس أغسطينوس

"ونحن لم نأخذ روح العالم،بل الروح الذي من اللَّه،لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من اللَّه" [12].

لم نأخذ روح العالم، أي لم نتسلم من العالم فكره وفلسفته في المعرفة. نظرتنا إلى الحق لا تقوم على نظريات فلسفية متغيرة لكنها عطية روح اللَّه واهب الحق.

ما ينطق به الرسول لم يتعلمه بحكمة بشرية بل هو عطية الروح القدس للكنيسة. إنها لا تتقبل إيمانها بروح العالم بل بروح اللَّه، لهذا لم يغَّلف كرازته بثوب بشري براق، بل يقدمها في بساطة حسبما تسلمت الكنيسة من اللَّه. البلاغة والفلسفة والحكمة البشرية تعجز عن تقديم ما يخص اللَّه، لكن روح اللَّه وحده قادر أن يقدم ما يخص اللَّه.

يتحدث الرسول عن نفسه وعن بقية الرسل الحقيقيين أنهم قبلوا روح اللَّه الذي به يعرفون ما للَّه، خلال هذه المعرفة يكرزون بالمسيح المصلوب. إنهم لم يقبلوا روح العالم الذي للمعلمين اليهود، هؤلاء الذين يطلبون مملكة زمنية ومسيحًا أرضيًا، مفسرين ما ورد في العهد القديم بطريقة مادية زمنية.

-روح العالم هو ذاك يقتنيه أناس متباينون. إنه لا يعرف الحق، وإنما يمكنه أن يستخدم الحدس (التخمين)، لهذا فهو يخدع الآخرين، كما هو نفسه ينخدع بالمظاهر.

أمبروسياستر

- يظهر بولس بقوله هذا أن الروح القدس ليس مخلوقًا بل له طبيعته الإلهية.

ثيؤدورت أسقف قورش

5- الإنسان الروحي

"التي نتكلم بها أيضًا،لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية،بل بما يعلمه الروح القدس،قارنين الروحيات بالروحيات" [13].

"قارنين الروحيات بالروحيات" كثيرا ما ينشغل الدارسون بتقديم الإيمان خلال مقارنته بالعلم أو باستخدام النظريات الفلسفية. الحاجة إلى الكشف عن الروحيات بالروحيات، فما ورد في العهد الجديد هو تحقيق لنبوات العهد القديم التي نطق بها رجال اللَّه مسوقين بالروح القدس. وكل عبارة في الكتاب المقدس تكشفها أسفار الكتاب, نتعرف على الأسرار الروحية بإعلانات الروح ولغة الروح.

لا يستطيع الجسدانيون أن يفهموا الروحيات، إذ يقول الرسول يهوذا: "هؤلاء هم المعتزلون بأنفسهم نفسانيون لا روح لهم" (يه 19). الذين لا يتمتعون بتقديس الروح لا يمكنهم إدراك الروحيات. فإن الفهم الروحي تحطم بفساد الخطية وصارت الحاجة ملزمة أن يتقدس الإنسان بروح الرب فيتهيأ ذهنه وقلبه وكل أعماقه لإدراك الروحيات والتجاوب معها. فالإنسان الجسداني يحمل أعينا ضعيفة عاجزة عن رؤية أشعة شمس البرّ والتمتع بجمالها. لذا لا يقبل النور بل يود أن يعيش في جهالة الظلمة.

كأنه يقول: لا نعود نستخدم لغة اليهود أو الأمم حين نتحدث عن اللَّه والإلهيات، إنما نستخدم لغة روح اللَّه، فننطق بالروحيات، لغة البساطة والوضوح والصراحة.

بقوله "قارنين الروحيات بالروحيات" يعني أيضًا أنه لا يستطيع أن ينطق بالأمور الروحية إلا ذاك الذي صار روحيًا. فالأمور الروحية تحتاج إلى أناس روحيين (1 كو 2: 6، 9-10، 14-15، 3: 1).

- بعض الحقائق الروحية غير واضحة وتحتاج إلى تفسير، لكن هذا يمكن تحقيقه فقط بمقارنتها بأمور روحية أخرى. كمثالٍ عندما أقول أن المسيح قام من الأموات، أقارن ذلك بخلاص يونان من بطن الحوت (يونان 10:2). وعندما أقول أنه وُلد من عذراء أقارن ذلك بالحبل الذي يتم للعواقر مثل سارة ورفقة وغيرهما (تك1:21-7؛ 21:25) .

القديس يوحنا الذهبي الفم

-هذا لا يعني أن بولس لم تكن لديه أية حكمة بشرية، وإنما يكرز بحكمة الروح.

ثيؤدورت أسقف قورش

"ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح اللَّه،لأنه عنده جهالة،ولا يقدر أن يعرفه،لأنه إنما يحكم فيه روحيًا" [14].

لكي يستطيع الإنسان الطبيعي أن يحكم يلزمه أن يعرف فكر الرب. ومن يقدر أن يعرف ذلك؟ تُفهم الكلمات هنا هكذا: "هل يقدر الإنسان الطبيعي أن يعرف فكر الرب؟" أو "من يدرك فكر ألا يلزمه أن يعلم به؟".




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 2 جـ4 PDF Print Email

ماذا يعنى الإنسان الطبيعي؟

يرى البعض أن الإنسان الطبيعي هو مقابل الإنسان الروحي. فالأخير يقوده الروح القدس فيقدس جسده وفكره ونفسه وروحه وكل طاقاته حتى يبدو كأنه كله روح. أما الإنسان الطبيعي فتحكمه الغرائز الطبيعية والشهوات الحيوانية. ويرى بعض الكتاب اليونانيين أن الإنسان الطبيعي يشترك مع الحيوانات في الانحصار في المحسوسات دون أن يسمو ليحيا بالفكر المرتفع والضمير الحي. يدعوه البعض "الإنسان الحيواني".

يرى البعض أن كلمة "طبيعي" تشير هنا إلي الجسد قبل القيامة، والروحي إلى "الجسد القائم من الأموات" كما جاء في 1 كو 15: 44 "يُزرع جسمًا حيوانيًا وُيقام جسمًا روحانيًا". فالإنسان طبيعي هو المحصور في ملذات الجسد الترابي، أما الروحاني فهو الذي يجد لذته في المجد الأبدي.

يرى كثيرون أن الإنسان الطبيعي هو ذاك الذي يجعل نفسه الحيوانية animal soul (psuche) تحكم في روحه، فلا يقودها روح اللَّه ا(يه 19). مثل هذا الإنسان لا يحي الروح جسده، فيكون غريبًا عن الإلهيات.

الإنسان الجسداني هو الإعلان العملي للإنسان الطبيعي، يقوده عدو الخير فيحمل حكمة "أرضية نفسانية شيطانية" (يع 3: 15).

يرى البعض انه يعني الإنسان الذي لا يتعدى عقله وقلبه وأعماقه الأمور الطبيعية، فيحبس حتى عواطفه ومشاعره في الشهوات الحيوانية. مثل هذا الإنسان لا يقدر أن يدرك قيمة الروحيات، فهو ينكرها بل ويقاومها. السماء بالنسبة له وهم وخيال.

لا يستطيع الإنسان الطبيعي أن يدرك الروحيات كما أن الأذان البشرية لا تقدر أن تسمع موجات الراديو العالية، ولا يستطيع الأصم أن يحكم في مسابقات الموسيقى، ولا الأعمى أن يميز الألوان.

-أعطانا اللَّه عقلاً لكي نتعلم ونتقبل عونًا منه، لا أن يكون العقل مكتفيًا بذاته. الأعين جميلة ونافعة، لكنها إن أرادت أن ترى بدون نورٍ يصير جمالها بلا نفع، بل وقد يصير ضارًا. هكذا إذ تختار نفسي أن ترى بدون الروح تصير في خطر... الإنسان الطبيعي ينسب كل شيء إلى البراهين العقلية، حاسبًا أنه ليس في حاجة إلي عون علوي، هذه علامة الغباوة التامة. فإن اللَّه منحنا العقل لكي نتعلم ونقبل العون منه، لا أن نحسبه مكتفيًا بذاته. فالأعين جميلة ونافعة لكن إن اختارت أن ترى بدون النور فجمالها لا ينفع شيئا، ولا إمكانياتها الطبيعية، وأيضًا أن اختارت أن ترى بدون الروح تصير عائقًا لنفسهًا.

- كما أنه لا يقدر إنسان أن يتعلم الأمور السماوية بهذه الأعين، هكذا لا تقدر النفس التي لا يسندها الروح. ولماذا أتحدث عن الأمور السماوية؟ فإنها لا تقدر حتى أن تقبل الأمور الأرضية كلها. فإننا عندما نتطلع من بعيد إلي برج مربع نظن أنه دائري. هذا هو خداع النظر، هكذا نرى أن الإنسان الذي بفهمه وحده يفحص الأمور البعيدة يبلغ إلي نتائج سخيفة.

إذا يقول: "عنده جهالة" [14]. هذا لا يتحقق من طبيعة الأشياء نفسها، وإنما من ضعفه، إذ هو عاجز عن أن يتقبل عظمتها خلال أعين نفسه.

- تبدو الظلمة مناسبة للعين المريضة أكثر من النور، لذلك يفضلون الذهاب إلي حجرة بها ظل. هذا هو أيضًا الحال بالنسبة للحكمة الروحية. تبدو الحكمة التي من اللَّه جهالة للذين هم في الخارج، مع أن حكمتهم هم التي بالحق جهالة ويحسبونها حكمة. ذلك مثل شخص ذو خبرة في الإبحار ويعد بأنه يعبر البحر الذي بلا حدود بدون مركب، ويجاهد أن يبرهن عقلانيًا أن هذا الأمر ممكن، وشخص آخر يجهل كل هذه الأمور ويعهد بنفسه لدى قائد المركب والبحارة والسفينة، فيسير في أمان. ما يبدو انه جهالة لهذا الإنسان هو أحكم من حكمة الأول.

القديس يوحنا الذهبي الفم

-الإنسان الحيواني لا يعرف ما لروح اللَّه لأن عنده جهالة. يقول بعد ذلك بقليل لأناسٍ من هذا النوع، أي لأناسٍ حيوانيين (جسديين): "وأنا أيها الاخوة لم أستطيع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين" (1 كو 3:1). هذا يُفسر بنفس الطريقة إن الجزء يؤخذ ليعَّبر عن الكل. فإن كلاً من النفس والجسد يكونان الإنسان ويمكن استخدام أحدهما ليعني الإنسان كله، وهكذا الإنسان الحيواني والإنسان الجسداني ليسا شيئين مختلفين بل هما واحد، نفس الشيء، إنسان يعيش حسب الإنسان.

القديس أغسطينوس

- الإنسان غير الروحي هو ذاك المسرور بأفكاره ولا يقبل تعليم الروح ولا يفهمه.

ثيؤدورت أسقف قورش

- بالنسبة للجهلاء والحسيين تبدو الأمور الباطلة أكثر جمالاً من تعاليم الحق.

العلامة أوريجينوس

 


وأما الروحي فيحكم في كل شيء،وهو لا يُحكم فيه من أحد" [15].

الذي يتقدس ويتمتع بذهن روحي فيهتم بما للروح (رو8:6) يحكم في كل شيء ويميز كل الأمور. فإنه إذ يتمتع بمذاقٍ روحيٍ للحقائق الإلهية الصادقة يستطيع أن يحكم حتى في الحكمة البشرية. يدرك الأسرار الإلهية، ويتمتع بقوتها، ويتهلل بإعلاناتها. حياته مخفية في المسيح حكمة اللَّه (كو 3:3). أما الإنسان الجسداني، فمهما نال من معرفة بشرية، يبقي غريبًا عن خبرة الحياة الإلهية وأسرارها، فلا يقدر أن يدرك ما في ذهن اللَّه، ولا يتعرف على الحق الإلهي.

من له فكر المسيح يستطيع أن يميز ويحكم بالروح.

جاء في مناظرات القديس يوحنا كاسيان حديث للأب دانيال يكشف عن التمييز بين الإنسان الروحي الذي يهتم بالأعماق الداخلية والنمو الروحي المستمر، وبين الإنسان الطبيعي الذي ينشغل بالممارسات الخارجية والنسك الجسدي دون الاهتمام بالأعماق. فهو يحذر الرهبان من ذلك فيقول: [لقد بدأنا نعتزل التعامل مع الذين في العالم، ولم يعد لنا ما نفعله علانية بخصوص فساد الجسد. لكن يليق بنا أن نحرص علي الجهاد بكل إمكانياتنا حتى يبلغ حالة روحية (نصير روحيين)، لئلا نخدع أنفسنا فنظن إننا بلغنا أعالي الكمال بمجد إنساننا الخارجي وتخلصنا من دنس الزنا الجسدي. فنكون مهملين ومتراخين في أمر نقاوتنا من الأهواء الأخرى، وإذ نبقى هكذا نعجز عن بلوغ مرحلة التقدم الروحي.]

- من يتقبل موهبة الروح ينتعش ليعلم الآخرين، وإلا ما ينطق به يكون بلا نفع تمامًا.

ثيؤدورت أسقف قورش

- الإنسان الروحي قادر أن يحكم في كل شيء، سواء كان يونانيًا أو بربريًا، حكيمًا أو غبيًا. ولا يمكن أن يحكم عليه أحد بسبب عمق فهمه وتجاوبه.

العلامة أوريجينوس

- من يقدر أن يدين شخصًا يخبر بالحق؟ عندما يقول عنه أنه باطل وهو حق؛ فإن اتهاماتهم تصير كلا شيء إذ يدينهم حكم الحق.

أمبروسياستر

- إذ يحكم الروحي في كل شيء ولا يحكم عليه أحد، يليق أن نتحدث عنه بكونه كرسي اللَّه.

القديس أغسطينوس

- يتعرف الرسول علي ثلاث أقسام من الأوضاع، يدعو واحدًا منها "جسديًا" وهو المشغول بالبطن واللذات المرتبطة بها. والآخر "طبيعيًا" الذي يحتل مركزًا متوسطًا ما بين الفضيلة والرذيلة، فيرتفع عن القسم الأول ولكن دون شركة ظاهرة مع القسم الآخر. وآخر يدعوه "روحيًا" وهو الذي يدرك كمال الحياة التقية. لذلك عندما يتحدث مع الكورنثوسيين موبخًا إياهم علي انهماكهم في الملذات والشهوات يقول "أنتم جسديون"، غير قادرين علي قبول التعليم الأكثر كمالاً, بينما في موضع آخر يقارن بين النوع المتوسط من الكمال فيقول: "ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح اللَّه، لأنه عنده جهالة... وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من أحد".

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

6- لنا فكر المسيح

"لأنه من عرف فكر الرب فيعلمه؟ وأما نحن فلنا فكر المسيح" [16].

في اختصار أراد الرسول بولس في هذا الأصحاح أن يسحب قلوب الشعب من الانشغال بالانشقاقات الكنسية إلى البركات الإلهية التي تمتعوا بها خلال الإيمان.

بينما ينشغل الفلاسفة بالكلمات والتعبيرات الفلسفية غير المجدية ينال المؤمنون قوة اللَّه المجددة لأعماقهم فيصيروا كاملين. يجهل العظماء فكر اللَّه، بينما يستنير المؤمنون بالروح القدس ويدركوا حكمة اللَّه الأزلية. بينما يعيش العظماء بروح العالم كأناس طبيعيين، يتمتع المؤمنون بروح اللَّه كأناسٍ روحيين.

لا يقدر العظماء إن يحكموا في الإلهيات بينما يحكم الروحى فيها ولا يحكم عليه أحد. بينما يعيش العظماء بالفكر البشري المجرد، يتمتع المؤمنون بفكر المسيح.

يا لعظمة عطية اللَّه لنا، فقد صار لنا فكر المسيح معلنًا لنا بروحه القدوس.

- عندما يقود المسيح النفس لكي تدرك فكره، يُقال إنها تدخل في حجال الملك، الذي فيه تختفي حكمته ومعرفته.

- تسأل عروس المسيح عن أماكن الراحة في الظهيرة، وتطلب من اللَّه فيض من المعرفة لئلا تظهر كأنها أحد مدارس الفلاسفة، والتي يقال عنها أنها ترتدي حجابًا، لأن فيض الحق مخفي ومُحتجب. أما عروس المسيح فتقول: "وأما نحن فنرى مجد اللَّه بوجهٍ مكشوفٍ" (2 كو 3: 18).

العلامة أوريجينوس

- "لنا فكر المسيح"، أي ما هو روحي وإلهي، وليس فيه شيء بشري. فإن المسيح نفسه وليس أفلاطون ولا فيثاغورس يضع أموره في أذهاننا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- اللاهوت عقل وكلمة. ففي "البدء كان الكلمة". كان لأتباع بولس فكر المسيح [16] يتكلم فيهم. لم تُحرم البشرية تمامًا من هذا، فانك تري في نفسك كلمة وفهمًا، يتمثلان بالعقل ذاته والكلمة ذاته.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- يقول بولس ذلك لأن المؤمنين شركاء في الحكمة الإلهية.

أمبروسياستر

-بعطية الروح القدس لم يكن قلب الأنبياء قلبًا بشريًا بل كان قلبًا روحيًا.هكذا يقول هنا "لنا فكر المسيح". وكأنه يقول: "قبل نوالنا بركة الروح وتعلم الأمور التي لا يقدر إنسان أن ينطق بها، لم يكن أحد منا ولا من الأنبياء مدركًا هذه الأمور في ذهنه. كيف يمكننا ذلك إن كان حتى الملائكة أنفسهم لم يدركوها؟". يقول: أية حاجة لنا أن نتحدث عن عظماء هذا العالم إذ لا يوجد إنسان يدرك هذه الأمور، حتى القوات العلوية؟

- نحن نعرف الأشياء التي في فكر المسيح، والتي يريد أن يُعلنها لنا. هذا لا يعني أننا نعرف كل شيء يعرفه المسيح، بل بالأحرى كل ما نعرفه هو من عنده وهو روحي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يبرهن بولس بوضوح كافٍ أنه لا يوجد شيء ناقص في تعليم اللَّه. لا يعني هذا أنه يحوي كل المعرفة، لكن اللَّه يخرج لنا الحكمة كما من مخزنٍ لكي نفهمها بلياقة.

ثيؤدورت أسقف قورش

-يشير فكر المسيح إلى الآب، فيقول بولس أن لدينا أب المسيح فينا.

أوكومينوس

من وحي ا كو 2

ليدخل بي روحك القدوس إلى فكرك

فأتعرف على سرّ حكمتك المكتومة!

 

- لأعزف عن الحكمة المتعجرفة،

وأتعرف على صليبك،

يا أيها العجيب في حبك وتواضعك!

حكمة العالم لها جاذبيتها ولكن بلا عمل،

صليبك يحملني إلى عرشك،

ويدخل بي إلى حجالك السماوي، يا أيها العريس الأبدي!

- عظماء هذا الدهر يودون صلبك، والخلاص منك في أعماقي!

آه لو عرفوك، وأدركوا سرّ صليبك لما فارقوك!

بل يحبوك ويرتفعوا ليروا ما أعددته لهم!

حقًا لطلبوا روحك العجيب ليدخل بهم إلى أعماقك!

- أعترف لك إني إنسان جسداني،

من يجعلني روحاني سوى روحك الناري؟

في غباوة أردت أن أكون طبيعيًا،

وأنت بحبك لن تقبل أن أكون أقل من روحاني!

تريدني أصير وكأن كل كياني قد صار روحًا!

تريد حتى جسدي يصير خفيفًا للغاية،

فأطير وأكون معك في سمواتك!

- هب لي روحك عاملاً فيَّ بلا انقطاع!

أحمل فكرك وأدرك الحق!

نعم، لا يحكم فيَّ أحد، بل أحكم في كل شيء!

لأنك أنت فيَّ وأنا فيَّ، يا أيها الحق!

1 و انا لما اتيت اليكم ايها الاخوة اتيت ليس بسمو الكلام او الحكمة مناديا لكم بشهادة الله
2 لاني لم اعزم ان اعرف شيئا بينكم الا يسوع المسيح و اياه مصلوبا
3 و انا كنت عندكم في ضعف و خوف و رعدة كثيرة
4 و كلامي و كرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الانسانية المقنع بل ببرهان الروح و القوة
5 لكي لا يكون ايمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله
6 لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين و لكن بحكمة ليست من هذا الدهر و لا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون
7 بل نتكلم بحكمة الله في سر الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا
8 التي لم يعلمها احد من عظماء هذا الدهر لان لو عرفوا لما صلبوا رب المجد
9 بل كما هو مكتوب ما لم تر عين و لم تسمع اذن و لم يخطر على بال انسان ما اعده الله للذين يحبونه
10 فاعلنه الله لنا نحن بروحه لان الروح يفحص كل شيء حتى اعماق الله
11 لان من من الناس يعرف امور الانسان الا روح الانسان الذي فيه هكذا ايضا امور الله لا يعرفها احد الا روح الله
12 و نحن لم ناخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الاشياء الموهوبة لنا من الله
13 التي نتكلم بها ايضا لا باقوال تعلمها حكمة انسانية بل بما يعلمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات
14 و لكن الانسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لانه عنده جهالة و لا يقدر ان يعرفه لانه انما يحكم فيه روحيا
15 و اما الروحي فيحكم في كل شيء و هو لا يحكم فيه من احد
16 لانه من عرف فكر الرب فيعلمه و اما نحن فلنا فكر المسيح




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

فلاحة اللَّه وبناء اللَّه

في الأصحاح الأول سحب الرسول قلب الشعب إلي الصليب ليتحد الكل معًا في المسيح يسوع بروح الحكمة والقوة عوض الانشغال بالانشقاقات والانقسامات. وفي الإصحاح الثاني قدم لهم الروح القدس واهب الشركة ومقدم الحكمة الحقة لكي يتمتع الكل باستنارة الروح ويكون لهم فكر المسيح، ويدرك الكل الروحيات عوض بقائهم أناسًا طبيعيين يجهلون ما هو للَّه. هذا هو روح الشركة والوحدة بينهم في الرب. أما هنا فيقدم اللَّه العامل في حياة الكنيسة. وكأنه في الإصحاح الأول تحدث عن دور الأقنوم الثاني، الكلمة المتجسد المصلوب لأجل خلاصنا، وفى الثاني عن دور الروح القدس، والثالث دور الأب. فوحدة الكنيسة تشغل الثالوث القدوس، العامل معًا لأجل وحدتنا معا في الرب.

إن كانت الكنيسة هي فلاحة اللَّه [9]، أو كرمه، فإن الكل يعملون مع اللَّه [9]، كل حسب موهبته [5]. لكن اللَّه وحده هو الذي ينمي. وإن كانت الكنيسة هي بناء اللَّه [9] فإن هذا البناء هو من عمل اللَّه نفسه حيث وضع المسيح نفسه أساسًا واحدًا للكل، ويسكن الروح القدس الواحد في هذا البناء، فيقيم منا هيكلاً مقدسًا للَّه [17].

اللَّه مهتم بنا بكوننا فلاحته وبناءه، فلماذا ننشغل بالعاملين في الكرم أو البناء؟ لقد أقامهم اللَّه من أجلنا. كل شئ هو لنا!

. حلول الانقسام بين الجسديين 1-4

2. أنتم فلاحة اللَّه 5-9

3. أنتم بناء اللَّه 10-11.

4. فحص العمل بنارٍ 12-15.

5. أنتم هيكل اللَّه 16-17.

6. عدم الافتخار بالحكمة 18-20.

7. كل شيء لكم 21 -23.

1. حلول الانقسام بين الجسديين

يبدأ الرسول بولس بتوبيخهم من أجل ضعفهم كأطفال لم ينضجوا بعد في الروحيات. لهذا لم يستطع أن يتحدث معهم كروحيين بل كأطفال في المسيح [1]. لقد قبلوا الأسس الأولى للإيمان المسيحي، لكنهم لم ينضجوا بعد في فهمهم لها، ولا تمتعوا بالقداسة اللائقة بهم، بل انشغلوا بالفلسفة والحكمة في تشامخ وكبرياء. لهذا التزم أن يتعامل معهم كأطفالٍ في معرفة الأمور المقدسة.

"وأنا أيها الاخوة لم استطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين،كأطفالٍ في المسيح" [1].

"كجسديين"، هنا يشير إلي الأشخاص الذين لا يبالون بمجد اللَّه ولا يطلبون ما لبنيان اخوتهم، بل في أنانية يطلبون ملذات أنفسهم. يتحدث معهم كجسديين sarkihios أو skrhinois وهى تعني أناسًا تحت تأثير الشهوات الجسدية، يدب فيهم الحسد، وينشغلون بالزمنيات.

كلمة "أطفال" هنا تقابل الكاملين في النضوج أو الكاملين في المسيح (كو 1: 28، عب 5 : 13-14). إنهم يعيشون في المسيح، لكن في ضعف كما لو كانوا أطفالاً لم يسلكوا نحو الإنسان الكامل إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4 : 13).

يشبه المؤمنين بطريقة رمزية تارة كأطفال وأخرى كعذراء وثالثة كرجال وكما يقول العلامة أوريجينوس: [لتفسر معي بطريقة رمزية الأطفال كما جاء في العبارة "لم أستطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين كأطفال في المسيح" [1]، ونفسر النساء كما جاء في القول: "أريد أن أقدمكم جميعًا كعذراء عفيفة للمسيح"، والرجال كما جاء في القول:" وإذ صرت رجلاً أترك ما هو للأطفال".]

إنهم أطفال في المسيح، عاجزون عن أخذ قرارٍ فيما يخص حياتهم الإيمانية، أو أنهم غير أهل للتمييز بين معلمٍ وآخر، حتى يصدروا قرارًا سليمًا, بمعنى آخر تنقصهم المعرفة الروحية اللائقة في إدراك الإلهيات.

- لمن يقول الرسول: "لم أستطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين" [1]؟ يكون الإنسان روحيًا في هذه الحياة بطريقة ما، وهي أنه وهو جسدي له جسده يرى ناموسًا آخر في أعضائه يحارب ناموس ذهنه. لكنه وهو في الجسد سيكون روحيًا إذ ينال هذا الجسد عينه القيامة التي قيل عنها: "يُزرع جسمًا حيوانيًا ويُقام جسمًا روحانيًا" (1 كو 15:44).

ماذا يكون هذا الجسد الروحاني؟ وكم هي عظمة نعمته؟ أخشى أن أكون متهورًا عند الحديث عن هذا إذ لم أنل بعد هذه الخبرة.

- لا يتحدث بولس عن أجسادهم، وإنما عن أرواحهم الجسدانية.

- كان هؤلاء الناس جسديين، لأنهم كانوا لا يزالوا عبيدًا لشهوات العالم الحاضر، مع أنهم اعتمدوا وقبلوا الروح القدس، لكنهم كانوا جسديين، لأنهم بعد عمادهم عادوا إلى حياتهم القديمة التي جحدوها. يسكن الروح القدس في الشخص متى ثبت هذا الشخص في إيمانه القوي بميلاده الجديد، وإلا يفارقه. إن تاب هذا الشخص يسكن فيه إذ هو دائمًا مستعد لما هو صالح، وهو محب للتوبة.

أمبروسياستر

"سقيتكم لبنًا لا طعامًا،لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون،بل الآن أيضًا لا تستطيعون" [2].

يقول الرسول: أقدم لكم لبنًا، أي المبادئ الأولية للمسيحية في بساطة، بسبب عجز ذهنكم عن إدراك المعرفة الروحية والحقائق الإنجيلية. إنه يدهش أنهم وهم بعد يشربون اللبن كأطفال يحكمون بين معلمٍ وآخر.

يليق بالراعي كأب أن يعرف كيف يقدم الطعام اللائق بكل شخصٍ، فالطفل يحتاج إلى اللبن لكي ينمو وينضج ويصير رجلاً في الرب، والناضج يحتاج إلى طعامٍ دسمٍ حتى لا يفقد قوته الروحية ونموه المستمر. يقدم لنا الرسول بولس طعامًا للثلاث مجموعات من البشر.

يحتاج الإنسان الطبيعي إلى الخلاص (2:14)، إذ لا يقبل ما للروح القدس. إنه تنقصه الحكمة الروحية الحقيقية.

ويحتاج الإنسان الجسداني كطفلٍ إلي التقديس (3: 1). فهو مشغول بالانشقاقات والصراعات بين البشر حتى إن كانوا رجال اللَّه القديسين، ولا ينشغل باللَّه مخلصه.

يحتاج الإنسان الروحاني إلى العمل المستمر بروح اللَّه لكي يصير دائم النمو (3: 14).

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول أحدر روح الكبرياء منهم بالكشف عن أنهم لم يعرفوا الأمور الكاملة، وأن جهلهم يرجع إليهم. بجانب هذا يشير إليهم بأنهم حتى ذلك الوقت كانوا غير قادرين أن يحتملوا هذه الأمور الكاملة.

- لو أنهم كانوا غير قادرين بسبب الطبيعة لكان يمكن أن يُعفي عنهم، ولكن إذ يحدث هذا عن اختيار فليس لهم عذر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

-يقصد بولس باللبن التعاليم السلوكية والمعجزات، وبالغذاء القوي المقابل له إعلان تعاليم اللَّه.

سفريان أسقف جبالة

- في الأمور الروحية "الطعام القوي" يعني التعاليم الخاصة بالآب والابن. في العهد القديم الطعام القوي يظهر تحت المظهر الخارجي للرمزية.

كمثال عندما نقرأ عن الحيّة التي رفعها موسى في البرية (عد8:21-9)، كانت هذه الحيّة صورة أو رمزًا للمسيح، والتي توضح لماذا قد أُنقذ الشعب عندما تطلع إليها.

العلامة أوريجينوس

- بالرغم من أنهم نالوا الميلاد الجديد في المسيح، لم يتهيأوا بعد لقبول الروحيات. وبالرغم من قبولهم الإيمان الذي هو بذار الروح لم يأتوا بعد بثمرٍ لائق باللَّه، وإنما كأطفالٍ يشتهون الأحاسيس الجسدية لغير الكمال.

أما بولس الذي هو رجل اللَّه والطبيب الروحي فيقدم اللبن في الأمور الروحية بسبب عدم كمالهم وعدم خبرتهم.

يحاور بولس بقوة الذين يشتكون أنهم لم يسمعوا شيئًا روحيًا منذ زمان طويل، إذ كانوا بالحق غير أهلٍ لسماعها. أما الرسل الكذبة فيقدمون رسالتهم كما لأشخاص يودون أن يُسمعوا دون تمييز من جانبهم.

يتفق الكل بأن ربنا يسوع المسيح تحدث بطريقة ما علانية وبطريقة أخرى مع تلاميذه على وجه الخصوص، ومؤخرًا اختار على وجه الخصوص من بين الآخرين، معلنًا مجده على الجبل لثلاثة فقط من تلاميذه، وأخبرهم ألا يقولوا شيئًا عما حدث حتى يقوم من الأموات.

أمبروسياستر

- قد يسيء أحد الفهم... حاسبًا أن من يخبئ الحقيقة عن الآخرين في أي ظرف من الظروف يكون كمن يتكلم باطلاً. لقد أضاف الرب "لا تعطوا القدس للكلاب. ولا تطرحوا دُرَركم قدام الخنازير. لئَلاَّ تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزّقكم". الرب نفسه رغم عدم نطقه بالكذب قط أخفى حقائق معينة إذ يقول: "إِن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأَقُول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن" (يو 12:16). كما يقول الرسول بولس: "وأنا أيُّها الاخوة لم أستطع أن أكلّمكم كروحيّين بل كجسديّين كأطفالٍ في المسيح. سقيتكم لبنًا لا طعامًا لأنكم لم تكونوا بعدُ تستطيعون بل الآن أيضًا لا تستطيعون" (1 كو 1:3، 2).

القديس أغسطينوس

- يُهبِط بولس من مستوى تعليمه حسب عجزهم عن الفهم.

ثيؤدورت أسقف قورش

يقدم الرسول بولس للشعب البسيط في معرفته لبنًا ويرى الأب قيصريوس أسقف آرل أن بعض المعلمين يشبهون البقرة التي تقدم لبنًا. [ليس بطريقة غير لائقة أيها الأعزاء المحبوبون يبدو الشيوخ أنهم يحملون شبهًا للبقر. كما أن البقرة لها ثديان لتقوت عجلها (باللبن) هكذا أيضًا يليق بالشيوخ أن يعولوا الشعب المسيحي بثدييهم الاثنين: بالعهدين القديم والجديد.]

"لأنكم بعد جسديون،فإنه إذ فيكم حسد وخصام وانشقاقألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر؟" [3]

انهم يعانون من أخطاء بأفكارهم كما بكلماتهم وسلوكهم. فالحسد هنا يشير إلى فساد القلب الداخلي الذي لا يتسع بالحب نحو الناجحين والنامين. والخصام يشير إلى تحويل الفكر إلي كلمات جارحة والدخول في خصومة كلامية. والانشقاق يشير إلى خطأ يمس السلوك العملي، حيث لم يستطيعوا أن يتفقوا معًا، فصاروا منفصلين عن بعضهم البعض، فمزقوا كنيسة المسيح. هكذا قادهم الحسد الداخلي والخصام بالحوار غير البناء إلى تقسيم كنيسة المسيح الواحدة. أما من يخضع لروح الرب فيسلك كإنسان روحي مملوء في أعماقه سلامًا، ويسكب هذا السلام إن أمكن علي كل من هم حوله.

الحسد ينزع عن النفس سلامها فلا تحتمل سلام الجماعة وبنيانها وكما يقول القديس كبريانوس: [كل الشرور لها حدود، وكل خطأ ينتهي بارتكاب الجريمة... أما الحسد فليست له حدود. إنه شر يعمل على الدوام وخطية ليس لها نهاية.] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الحاسد أردأ من الوحوش الضارية، وأخبث من الشياطين، لأن غضب الوحوش وشرها ينتج عن جوعها أو خوفها منا، أما الحاسدون فمن يحسن إليهم يكون كمن ظلمهم.] [الشيطان حاسد لكنه يحسد البشرية ولا يحسد شيطانًا آخر. أما أنت فإنسان وتحسد أخاك الإنسان، وبالأخص الذين هم من عائلتك وعشيرتك، الأمر الذي لا يصنعه الشيطان.]

- كيف تُحفظ الوحدة؟ "في رباط السلام".

فإنه لا يمكن أن توجد هذه الوحدة مع العداوة والخصام.

- فانه في هذا يجعلهم الحسد جسديين، وإذ يصيرون جسديين لم يعد لهم الحرية ليسمعوا الحق من نوعٍ سامٍ.

- إن كان الحسد يجعل البشر جسديين، ولا يسمح لهم أن يكونوا روحيين، مع أنهم كانوا يتنبأون ويظهرون أعمالاً عجيبة أخري. الآن إن كان ليس لدينا حتى مثل هذه النعمة، فأي موضع نجده لأعمالنا إن كنا نرتكب ليس فقط هذا الأمر وحده بل ونرتكب أمورًا أعظم؟!

بهذا نتعلم أنه حسنًا قال المسيح: "من يفعل الشر لا يرى النور" (يو 3: 20)، وأن الحياة غير الطاهرة هي عائق أمام التعاليم السامية، فلا تسمح بالرؤية الواضحة للفهم. لذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال لإنسانٍ يعيش في خطأ أن يبقى فيه مادام يحيا باستقامة. هكذا ليس بسهولة لمن يمارس الظلم أن يرفع نظره إلى التعاليم المسلمة لنا، إنما يلزمه أولاً أن يتطهر من كل الأهواء التي تسيء للحق. من يتحرر من هذه يتحرر أيضًا من خطأه ويدرك الحق. وامتناعكم فقط من الطمع أو الزنا ليس كافيًا لبلوغ هذا الهدف. ليس كذلك! يليق بالكل أن يتناغموا مع ذاك الذي يطلب الحق. لذا يقول بطرس: "بالحق انا اجد ان اللَّه لا يقبل الوجوه، بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البرّ مقبول عنده" (أع 10: 34-35)، بمعني أنه يدعوه ويجتذبه إلى الحق.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إذ يعيش البعض حسب الجسد وآخرون حسب الروح قام نوعان من المدن مختلفان ومتصارعان معًا. حسنًا قيل: "يعيش البعض حسب البشر، والآخرون حسب اللَّه". يقول بولس لأهل كورنثوس بكل وضوح: "فإنه إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر؟! " [3]. من يسلك حسب البشر ومن يدعي جسدانيًا نفس الشيء، فإنه يقصد بالجسد جانبًا من جوانب الإنسان.

القديس أغسطينوس

"لأنه متى قال واحد أنا لبولس وآخر أنا لأبلوسأفلستم جسديين؟" [4].

ليست هناك حاجة للقول بأن بولس وأبلوس حملا ذات الإيمان، ولم يوجد بينهما أدنى فارق في الجانب الإيماني، بينما انقسم الشعب، فالبعض يفضل هذا عن ذاك. هذا دليل قاطع على أنهم جسديون، لأنه لا يوجد أدنى سبب لهذا الانقسام. إذ انشغلوا بالمظاهر الخارجية انقسموا حيث لا يوجد مجال للانقسام. ولو أنهم سلكوا بالروح لقدمت لهم نعمة اللَّه روح الوحدة.

2. أنتم فلاحة اللَّه

فمن هو بولس؟ ومن هو أبلوس؟بل خادمان آمنتم بواسطتهما، وكما أعطى الرب لكل واحد" [5].

الرسل المتباينون ليسوا إلا أدوات في يد اللَّه الواحد ليدخل بكم إلى معرفة المسيح، ويقدموا لكم كلمة الحياة. لم يكرز أحد منهم باسم نفسه ولا تحدث عن ذاته بل عن شخص رب المجد يسوع. حقًا توجد مواهب مختلفة حتى بين الرسل، إنها عطية اللَّه لهم. وهو وحده يعرف كيف يعمل بالمواهب التي قدمها لرسله وخدامه. وزع الهبات بما فيه بنيان الكنيسة التي للمسيح الواحد، دون تمييز بين هذه الهبة وتلك.

اللَّه هو الكل في الكل، والرسل ليسوا إلا خدامًا له يعملون باسمه وبقيادته ولحسابه. إنهم ينالون كرامة العمل في كرمه وفي نفس الوقت اللَّه يعمل بهم بكونهم آلات خاصة به، يعتز بهم ويهبهم روحه القدوس ليحملوا قوته.




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email

عندما تحدث الرسول بولس عن نفسه وعن أبلوس قال انهما خادمان، وجاءت الكلمة اليونانية الأصلية diakonoi ومعناها "خادمان"Servants في مقابل "سادة" (مت 20 :26، مر 9 : 35، 10 :34). وكأن كرامة الرسول هو أن ينحني كخادم ليغسل أقدام من مات سيده عنهم ليقيمهم أبناء للَّه. بمعني آخر كرامة الرسولية والأسقفية وكل الرتب الكنسية ليس في السلطة بل في غسل الأقدام، وخدمة أبناء سيدهم.


إنهما خادمان لا يطلبان كرامة زمنية ولا سلطة إنما سرّ قوتهما فيمن أرسلهما ويعمل بهما. إنهما ليسا المصدر الأصلي للإيمان بل خادمان للَّه يقدمان المعرفة والحقائق التي يعلنها اللَّه لهما. يعمل كل منهما حسب الموهبة التي يقدمها له مرسله لبنيان الكنيسة.

- بقوله: "من هو بولس؟ ومن هو أبلوس؟" أضاف: "بل خادمان آمنتما بواسطتهما" هذا في ذاته أمر عظيم يستحق مكافاءات عظيمة، لكنه إن قورن بمثال الصلاح وأصل كل الصلاح فيعتبر كلا شيء.

- لئلا يقولوا: ما هذا؟ أما نحب الذين يخدموننا؟ يقول: نعم ولكن لنعرف إلى أي حد، فإنه حتى هذه الأمور ليست من عندهم بل من اللَّه واهبها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- كيف لطف هذه التعبيرات؟ أولا بإضافة الاستهانة بشخصه هو: "من هو بولس؟ ومن هو أبلوس؟" بعد ذلك ينسب كل شيء إلى اللَّه مُعطي كل الأشياء. فبعدما قال: "هذا الشخص غرس" أضاف "ليس الغارس شيئًا" ثم "بل اللَّه هو الذي ينمي".

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أنا غرست، وأبلوس سقى، لكن اللَّه كان ينمي" [6].

"أنا غرست"، غرس بذار الإنجيل في كورنثوس وفى منطقة آخائية. وأبلوس "سقى"، جاء أبلوس بعد بولس وبكرازته روي البذار التي غرسها بولس الرسول, فتحولت البذور إلى جذور وقدمت ثمارًا، ليس بفضل بولس أو أبلوس بل بفضل نعمة اللَّه , فإن اللَّه وحده هو الذي يهب الإنسان ثمار الروح كعطية إلهية مجانية.

يلزم أن تُغرس البذور وأن تُروى بالماء، لكن النمو يتحقق لا بالغرس في ذاته ولا بالماء إنما باللَّه الذي يهب البذرة الحياة ويقدم لها الماء لنموها. اللَّه هو الذي دبر أمر الغارسين والسقاة، لكنه يبقى هو واهب الحياة.

- إنه لأمر بهيج أن تهتم بفلاحة اللَّه، وان تشعر بالبهجة بعطاياه، وبالعمل في حقله. فإنه إذ تعب الرسول في هذه الفلاحة قال: "تعبت أكثر منهم جميعهم" (1 كو 15: 10) لكن قوة العمل وُهبت له من رب الحصاد. لهذا يضيف: "ولكن لا أنا بل نعمة اللَّه التي معي". لقد أظهر بوضوح أنه قد عُين للعمل في هذه الفلاحة، إذ يقول: "أنا غرست وأبلوس سقى".

- ما المنفعة إن غرسنا أو سقينا إن لم ينمِ اللَّه؟ فإنه ليس الغارس شيئًا، ولا الساقي، بل اللَّه الذي ينمي.

- ماذا تظنون؟ هل يناقض الرسول نفسه فإنه وهو يقول أن البشر يصيرون متعلمين بعمل الروح القدس يقدم توجيهات كيف وما يجب أن يعلموا؟ أم يلزمنا أن نفهم أنه وإن كان من واجب البشر هو أن يعلموا ولا يتوقف المعلمون (عن التعليم) عندما يعطي الروح القدس، فإنه ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل اللَّه الذي ينمي [7]. لهذا وإن كان القديسون معينين لنا والملائكة القديسون يساعدوننا لكن لا يتعلم أحد الأمور الخاصة بالحياة مع اللَّه باستقامة ما لم يكن اللَّه نفسه مستعدًا أن يُعلم. هذا الإله الذي يوجه إليه في المزمور القول: "علمني إرادتك، فأنت هو إلهي" (مز 134: 10).

القديس أغسطينوس

- ألقيت أولاً بالكلمة في التربة، ولكي لا تجف هذه البذور خلال التجارب قام أبلوس بدوره، ولكن هذا كله من اللَّه.

- أسس بهذا نقطة أخري أيضًا ألا يفتخر أحدهم علي الآخر. تأكيده انهم واحد يشير إلى عجزهم عن فعل أي شيء بدون اللَّه الذي ينمي. بقوله هذا لم يسمح للذين يعملون أكثر أن يتشامخوا علي الذين ساهموا بما هو أقل، ولا الآخرين أن يحسدوا السابقين.

- كأنه يقول: "لا تخافوا لأني قلت إنكم واحد، فانه بالمقارنة بعمل اللَّه هم واحد، ومع ذلك بالنسبة للأعمال ليسوا هكذا، بل كل واحد ينال جزاءه".

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أن تغرس يعني أن تكرز وتجلب الآخرين للإيمان. وأن تسقي يعني أن تعمد... أما غفران الخطاة وتقديم الروح فهذا من اختصاص اللَّه وحده.

أمبروسياستر

- لقد غُرست في بيت الرب أقصد في الكنيسة، لا في الجدران بل في تعاليمها. كل من غُرس في بيت الرب وعمّق الجذور فيها يخرج زهورًا.

القديس جيروم

"إذًا ليس الغارس شيئًا، ولا الساقي،بل اللَّه الذي ينمي" [7].

يليق بنا أن نقدم المجد للَّه وحده، فمن عنده وحده البذور التي هي كلمة الكرازة بالإنجيل. ومن عنده الأرض، أي قلوب البشر وأذهانهم التي هي صنعة يديه. ومن عنده العاملون إذ هو الذي يدعوهم للخدمة، ومن عنده الثمار إذ هي ثمار روحه القدوس.

يحرص الرسول بولس أن يكشف عن دور الرسل في الخدمة، وهو أنهم خدام للَّه ووكلاء أسراره، يلزم عدم تأليههم، لأنهم ليسوا مصدر إيماننا ولا غاية حياتنا، إنما هم أدوات مقدسة في يد اللَّه. ومن جانب آخر ليس لهم قالب واحد، بل لكل منهم موهبته التي تسلمها من اللَّه وله دوره المكمل للآخر. الكل يقدم سيمفونية حب واحدة متناغمة معًا. فلا يجوز المقارنة بينهم أو المفاضلة بين أعمالهم، فالكل مدعوون من اللَّه الواحد، والكل لهم هدف واحد هو مجد اللَّه وخلاص كل نفس بشرية.

بقوله هذا يؤكد الرسول الحقائق التالية:

أولاً: أن اللَّه هو العامل الحقيقي، لأن خلاص النفس من اختصاصه وحده.

ثانيًا: وأن اختلفت المواهب لكن خدام اللَّه يعملون معًا في تناغمٍ وانسجامٍ.

ثالثًا: إن غاية خدمته وخدم اخوته هو نفع المخدومين لا طلب المجد الزمني.

-إني أتكلم وأفحص الأمور غير ناظرٍ إلي ما هو لنفعي بل إلي ما هو لخلاصكم. إن كان أحد يلزمه أن يتطلع إليها. إن كانت هذه الأمور لا تشغل أحدًا فهي تشغلني أنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- انظروا كيف يرفض فكرة أنه يُعبد كمن هو في موضع المسيح، وكيف يرفض أن يقدم نفسه في مكان العريس لنفسٍ ترتكب الزنا. أما يبدو أن الغرس والسقي أمران عظيمان؟ ولكن ليس الغارس شيئًا ولا الساقي. كيف عبر عن خوفه؟ إنه لم يدعُ نفسه شيئًا من جهة خلاص الذين يريدهم أن يبنوا في المسيح.

القديس أغسطينوس

إن كان الأب شيريمون قد ركز علي الأعمال حتى اعتبره البعض شبه بيلاجي، لكنه يؤكد أن اللَّه وهب كل إنسانٍ شيئًا من الصلاح، ولا يقدر أن يتمتع به المؤمن بدون نعمة اللَّه.

-بلا شك توجد بالطبيعة بعض بذار الصلاح في كل نفس، غرسها فيها حنو الخالق. لكن لا يمكن لهذا البذور أن تنمو في الكمال ما لم تنتعش بالعون الإلهي. وكما يقول الرسول: "ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل اللَّه الذي ينمي".

الأب شيريمون

- يليق بنا أن نسرع بالأكثر لنري عمل اللَّه أكثر من عملنا نحن. فإننا إن خدمنا بأية صورة نكون مدينين له (بهذا العمل) لا للبشر. لهذا يقول الرسول: "ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل اللَّه الذي ينمي".

- إذ لا يمكن للرسل أن يحققوا شيئًا إن لم يقدم اللَّه النمو، فكم يكون الأمر بالنسبة لكم ولي أو لأي شخصٍ في أيامنا الذي يتباهى بأنه معلم.

القديس أغسطينوس

- بالنسبة لكرامة اللَّه، تُحسب الكرامة البشرية كلا شيء. في الخدمة يُكرم الإنسان بالطريقة التي تناسب الخادم.

أمبرروسياستر

"والغارس والساقي هما واحد،ولكن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه" [8].

الغارس والساقي هما واحد، إذ قدم كل من بولس وأبلوس ذات التعليم، كلاهما خدما لمجد اللَّه وخلاص النفوس، فما الداعي للانشقاق ما دام الرسل يحملون الروح الواحد والفكر الواحد والإيمان الواحد والهدف الواحد؟

مع أن الكرم خاص باللَّه وهو العامل بخدامه، وبدونه لن تنجح الخدمة، لكنه إذ يعتز بهم يهبهم مكافأة عظمى، فيقدم لكل واحد أجرته حسب تعبه. اللَّه لا يجازى الإنسان حسب ثمر جهاده، بل حسب أمانته في العمل الذي يلتزم به، حتى لا يقول أحد "باطلاً تعبت أو جاهدت".

الغارس والساقي ليسا شخصًا واحدًا، لكنهما يُحسبان واحدًا لأنهما يمارسان عملين مختلفين لتحقيق هدفٍ واحدٍ. واحد يغرس طالبًا المحصول، والثاني يسقي لذات الهدف، ولا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر. فغرس البذور دون سقيها تبديد لها، والسقي بدون غرس البذور تبديد للمياه. إنهما واحد أيضا لأن الاثنين مرسلان من قبل اللَّه الواحد. إنهما يعملان، كلٍ بموهبته، لكن اللَّه الواحد هو الذي يحقق هدف الاثنين، وبدونه يصير عملهما باطلاً.

- وإن كانا متساويين لكن الذي يكرز بالإنجيل لا يزال أعظم من الذي يعمد، وسينال مكافأة أعظم.

أمبروسياستر

"فإننا نحن عاملان مع اللَّه،وأنتم فلاحة اللَّه، بناء اللَّه" [9].

يترجم البعض هذه العبارة "العاملان معًا في عمل اللَّه".

كل ما نفعله ليس من أنفسنا، بل ما يقدمه اللَّه لنا كعطية مجانية من عنده، لذا فكل نجاح نتمتع به هو من قبله ولمجده.

نتم بناء اللَّه": أنهم ليسوا فقط كرم اللَّه الذي غرسه بيمينه وتعهده كما جاء في إشعباء 5، لكنهم بناء اللَّه، يقوم ببنائه ويود السكنى فيه. كما أن الإنسان الذي يتطلع إلى مبني ضخم ويقف أمامه في دهشة لا ينشغل بالذي حفر الأساس ولا بمن قطع الحجارة ولا بمن وضع مواد البناء بل يمجد المهندس الذي وضع خطة المبنى والذي أشرف على إتمامه حسب رسوماته الهندسية هكذا لا ينشغل من يتطلع إلى كنيسة المسيح بالرسول بولس أو أبلوس أو بطرس الرسول، إذ هم خدام يعملون تحت إشراف المهندس الأعظم الذي وضع رسومات المبنى ليسكن فيه.

إن كان الإنسان الأول قد اختار أن يُعطي ظهره للَّه ويهرب من وجهه، فإن اللَّه من جانبه يجري وراءه ويقيم منه مسكنًا مقدسًا له، فلا عجب إن تحدث الرسل عن المؤمنين والكنيسة كما على كنيسة السماء كهيكل اللَّه وروح اللَّه ساكن فيه [16]، هيكل مقدس [17]، " مسكن اللَّه فى الروح" (أف 2:22) بيت روحي كهنوت مقدس لتقديم ذبائح روحية (1 بط 2 :15)، مسكن اللَّه مع الناس (رو 21 :3)، المدينة العظيمة أورشليم المقدسة نازلة من السماء من عند اللَّه (رؤ21 : 10-11).

إننا كرمه وهو بنفسه يفلحنا حتى نثمر. نحن بناء اللَّه، إذ يسكن فينا من يفلحنا. فاللَّه هو الذى ينّمي، فهل يُدعى الرسل كرامين؟

إن الكّرام يغرس ويروي: "أنا غرست وأبولس سقى"، لكن "لا أنا بل اللَّه الذى معي" (1كو10:15). لهذا إن حدث نمو فيك أو تغيير ولو كان بواسطة الملائكة، فإن اللَّه هو الكّرام، ولو حدث على أيدي الأنبياء أو الرسل فهو ذاته الكّرام. فماذا نكون نحن؟ ربما عمال لدى الكّرام، نعمل بقوته ونعمته الممنوحة لنا من لدنه.

- البناء ليس ملكًا للعاملين بل للسيد. فإن كنتم بناءً يلزمكم ألا تفصلوه عن بعضه البعض لأنه بهذا لا يكون مبنى.

إن كنتم فلاحة يلزمكم ألا تنقسموا، بل تُحاطوا بسورٍ واحدٍ، أعني عدم العداوة.

- يعتز الرسول بولس بعمله، فيشعر أنه مرسل من اللَّه، يعمل بروحه القدوس، ويعمل معه ( 2 كو 6:1)، مشغول بما يشغل فكر اللَّه، ويجد لذته فيما يسر اللَّه به. بلاشك إنه بناء يستمر إلي مجيئه.

- "فإننا نحن عاملان مع اللَّه، وأنتم فلاحة اللَّه، بناء اللَّه" (1كو9:3).

فإذ قال الرسول "أنا غرست" احتفظ بالتشبيه ذاته قائلاً أنهم إن كانوا هم فلاحة اللَّه، فما يجوز انتسابهم للغارس بل للَّه، فالحقل لا يُنسب لمن يزرع فيه بل لمالكه.

"أنتم بناء اللَّه" والبناء أيضًا لا يُنسب لمن يعمل فيه بل لصاحبه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ليت نفوسنا تبارك الرب، وليباركنا الرب.

فعندما يباركنا الرب ننمو نحن، وعندما نبارك الرب ننمو نحن أيضًا، وفى كليهما نستفيد نحن (لا اللَّه).

أولاً لتكن فينا بركة الرب، وعندئذ نباركه نحن، فهذا هو المطر (أي بركته لنا) وهي ذاتها الثمرة (أي نباركه بالبركة التي باركنا بها). إن المطر يرتد كثمرٍ للَّه صاحب الأرض الذي أمطر علينا وأفلحنا.

لنتغنى بهذه الكلمات، بعبادة مثمرة، وكلمات غير جوفاء، وبقلبٍ حقيقيٍ. فإنه من الواضح أن اللَّه الآب قد دُعي كرامًا (يو1:15)، والرسول يقول: "أنتم فلاحة اللَّه، بناء اللَّه" (1كو9:3). كان يقوم بفلاحة حقله. فاللَّه الآب كّرام له حقل، يقوم بفلاحته وينتظر منه ثمرًا.

ويقول الرب يسوع نفسه أنه "غرس كرمًا...وسلمه إلى كرامين"، هؤلاء ملزمون بتقديم الثمار في أوانها.

- "فإن ملكوت السموات يشبه رجلاً رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر فعلة لكرمه" (مت 1:20).

اللَّه يقوم بفلاحتنا نحن كرمه...أما زرعنا فهو العمل الذي في قلوبنا، وهو لا يعمل بأيدٍ بشرية.

إنه يقوم بفلاحتنا، كما يصنع الفلاح بحقله. وبفلاحته إيانا يجعلنا في حياة أفضل...أما الثمرة التي يطلبها منا فهي أن نقوم نحن بالفلاحة عنده في كرمه... وهذه الثمرة لا تغني اللَّه بل تسعدنا نحن.

أنظر إذن، اسمع ما قلته لك أن اللَّه يقوم بفلاحتنا... فإن السامع لهذه الكلمات يشعر برهبةٍ، يسمع أن اللَّه يقوم بفلاحة الإنسان.

يقول الرب فى الإنجيل: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان...وأبي الكّرام" (يو 1:15، 5). وماذا يفعل الكّرام؟! يقوم بفلاحة حقله. فاللَّه الآب كّرام له حقل، يقوم بفلاحته وينتظر منه ثمرًا.

القديس أغسطينوس

- يدعونا بولس العاملين مع اللَّه، وليس خدامه أو عبيده.

ثيؤدور أسقف الميصة

- العاملون مع اللَّه هم الذين إذ يرون سم الكبرياء زاحفًا إلى قلب أخٍ فيحاولون بكل سرعة أن يزيلوه بدواء التواضع الحقيقي.

قيصريوس أسقف آرل

3. أنتم بناء اللَّه

"حسب نعمة اللَّه المعطاة لي،كبناءٍ حكيم قد وضعت أساسًا،وآخر يبني عليه،ولكن فلينظر كل واحدٍ كيف يبني عليه" [10].

خطة البناء هي من تصميم اللَّه نفسه، المهندس الأعظم، لذا لاق أن يعمل البناءون بما يتفق والخطة الإلهية. يأتمن المهندس الإلهي رسوله بولس ليبدأ البناء بوضع الأساسيات، أي بالكرازة بتعاليم الإنجيل الأساسية الثابتة, هذه الأساسات تسلمها بولس الرسول من اللَّه نفسه لأجل خلاص البشرية. اللَّه الذي اختار بولس رسولاً للأمم أرسل آخرين ليتمموا العمل بما يتفق مع الفكر الإلهي، فيقوم البناء متناسقًا, فما يفعله البناءون يتناغم مع ما فعله بولس الرسول الذي وضع الأساسات.

إذ يتحدث عن نعمة اللَّه العاملة في خدامه يتحدث الرسول بولس عن نفسه انه وضع الأساس. فمع انه هو الذي بدأ العمل في كورنثوس إلا أن الفضل لنعمة اللَّه المعطاة له وليس له, لقد صار بنَّاءً حكيمًا، لا لأجل قدراته الشخصية ومواهبه وإنما لأنه قدم الأساس السليم، شخص الرب يسوع مخلص العالم، المسيا الحقيقي.

كل ما يفعله الرسول هو من إحسانات اللَّه عليه. هو الذي اختاره ودعاه، وهو الذي دربه على العمل وأعطاه الحكمة الحقيقية، وهو العامل به وفيه. واضح أن تعبير "كل واحد" هنا يشير إلي المعلمين والخدام، فيمارس كل واحدٍ عمله حسب عطية اللَّه له.

- هذا التحذير موجّه إليكم وإليّ. فإن لم أبْنِ كما يليق على الأساس الموضوع أمامي فستحرق النار عملي في يوم الدينونة.

العلامة أوريجينوس

- البناء الحكيم هو من يكرز بنفس الإنجيل الذي كرز به المخلص. بعد ذلك يبني آخرون على الأساس، أحيانًا بناء حسنًا وأحيانًا بناء رديئًا. يلزمنا أن نتيقظ ونتأكد بالإيمان ما نبنيه يلتصق بالأساس لئلا يتشقق وينهار بالرغم من بقاء الأساس سليمًا. فإنه حتى عندما يُعلّم البعض بطريقة رديئة يبقى اسم المسيح بكونه الأساس بينما تنهار التعاليم الرديئة.

أمبروسياستر




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 3 جـ3 PDF Print Email

"فانه لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضع،الذي هو يسوع المسيح" [11].

لا يوجد مجال لاختلاف الرأي بين العاملين في البناء، خاصة في وضع الأساس، فانه لا يوجد سوى أساس واحد يقوم عليه كل البناء، وهو ربنا يسوع المسيح مخلص العالم.

كثيرا ما يدعي يسوع المسيح الأساس والحجر، وحجر الزاوية الذي عليه تقوم الكنيسة (إش 28 : 16؛ مت 21 : 42؛ أع 4 : 11؛ أف 2 : 20؛ 2 تي 2: 19؛ 1 بط 2: 6).

إذ يتحدث الرسول بولس عن الأساس يري القديس غريغوريوس أسقف نيصص أنه لا يوجد عذر للإنسان، فإن أساسنا كلمة اللَّه الأزلي الذي يقوم عليه بناؤنا. يقول: [وضع أولاً أساسنا قبل العالم القادم ككلمات بولس: "لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا غير الذي وُضع" كما قيل حقًا: "ولدني قبل ينابيع المياه، وقبل أن تتأسس الجبال، قبل أن يخلق الأعماق، وقبل كل التلال".]

- وضع الرسل الآخرون هذا الأساس بين اليهود بينما وضعاه بولس وبرنابا بين الأمم.

العلامة أوريجينوس

4. فحص العمل بنارٍ

"ولكن أن كان أحد يبني على هذا الأساسذهبًا فضة حجارةً كريمة خشبًا عشبًا قشًا" [12].

الأساس واحد، لكن العاملين يقيمون البناء على هذا الأساس إما ذهبًا أو فضة أو حجارة كريمة أو خشبًا أو عشبًا أو قشًا. يقصد بالذهب والفضة والحجارة الكريمة أنها تعاليم سماوية (ذهب) تقوم على كلمة اللَّه (الفضة) وتحمل مجد اللَّه (الحجارة الكريمة), أما الخشب والعشب والقش فتشير إلى التعاليم الباطلة مثل إنكار القيامة من الأموات أو التي لا ترتبط بالحياة المقدسة في الرب، هذه تحول الإنسان نفسه كما إلى خشب يحترق أو عشب أو قش يصير أشبه برمادٍ بلا قيمةٍ، يُلقى في المزبلةٍ ويُداس من الناس.

ربما يقصد بالحجارة الكريمة هنا الأنواع الممتازة الجميلة من الرخام الكثير الثمن.

يُستخدم احيانًا الخشب سريع الاحتراق بدلاً من الرخام لفترة مؤقتة، كما يُستخدم في اقامة حجرة حراسة صغيرة ملاصقة لأسوار الكرم.

العشب والقش يستخدمه بعض فقراء الفلاحين في تغطية منازلهم أو أكواخهم الفقيرة كسقفٍ يحميهم، وإن كان يمثل خطرًا متى تعرض لشرارة نارٍ.

- بعد الإيمان توجد حاجة إلي البنيان، إذ يقول في موضع آخر: "ابنوا الواحد الآخر بهذه الكلمات" (راجع 1 تس 11:5، 5:4)، فإن كلا من الصانع والمعلم يساهمان في البنيان.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ما هو الذهب والحجارة الكريمة التي تُبنى علي الأساس إلا تمتعنا بالطاعة للوصية الإلهية.

-يجب أن يوضع الأساس أولاً بكل وسيلة. ليُبن الذهب النقي والحجارة الكريمة الثمينة كقول الرسول. فإن هذا هو عمل الوصية التي وصفها النبي الصارخ: "أحببت وصيتك أكثر من الذهب والحجر الكريم".

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- إن كنا نفكر فيما هو حق وصالح فنحن نبني على أساسٍ من ذهب. إن كنا نكرر كل كلمة مقدسة قيلت دون أن نفسدها فنحن نقيم مبنى على أساس من فضة. إن كانت كل أعمالنا صالحة فنحن نقيم على حجارة كريمة. ولكن إن كنت أخطئ بعد أن وضعت الأساس فأنا أبني على خشب. إن استمررت في ذلك فأنا أبني على خشبٍ.

- في هذا الوضع يدعو نفسه حكيمًا، لا للافتخار بل ليقدم لهم مثالاً، ولكي يشير أن هذا هو دور الحكيم أن يضع أساسًا. يلزمكم أن تلاحظوا مثالاً واحدًا لاحتماله بتواضع، وهو إذ يتحدث عن نفسه كحكيم لم يسمح لهذا أن يظهر كما لو كان من عنده، بل أولاً ينسب نفسه لهذا الاسم، فيقول: "حسب نعمة اللَّه المعطاة لي".

- ليتنا ليس فقط نتمسك بالمسيح بل ونلتصق به، فإننا إن انفصلنا عنه نهلك. فإن الذين يبتعدون عنه يهلكون. لذا قيل: "لنقترب إليه ونلتصق به بأعمالنا" (مز 27 LXX) فإن "من يحفظ وصاياي يثبت في" (يو 14: 21) .

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى ثيؤدورت أسقف قورش أن الحديث هنا لا يشير إلى التغيير في التعاليم المسيحية بل إلى أخلاقيات وسلوكيات.

"فعمل كل واحد سيصير ظاهرًا،لأن اليوم سيبينه لأنه بنار يُستعلن،وستمتحن النار عمل كل واحدٍ ما هو" [13].

بقوله: "كل واحد" يضم إليه الرسل الخدام. وكأنه عوض الانشغال بالأشخاص مما يسبب انقسامات فلينشغل كل خادمٍ بالمكافأة التي يعدها اللَّه له، فيطلب أن يعمل جاهدًا مع الرسل وبقية الخدام. يوم الرب مثل النار تزيد النقي نقاوة وبهاء، وتحرق الخشب والعشب والقش.

يرى البعض أنه يشير إلى ما سيحدث حيث يُحرق الهيكل اليهودي على يدي تيطس الروماني، وكأن الذين يريدون التمسك بحرفية الشريعة الموسوية يفقدون كل شيء. أما الذين يلتهبون بالروح فيزدادون مجدًا وبهاءً.

لا يتحدث هنا عن نار مطهرة كما يظن المنادون بوجود مطهر بعد الموت مباشرة. إنما يتحدث هنا عن نار فاحصة للتعاليم الصادقة والمزيفة, ففي يوم الرب العظيم تفحص هذه كنار (زك 3 :2؛ عا 4: 11؛ يه 23). إنه بالكاد يخلص البناءون لكنهم يفقدون كل تعبهم في الخدمة لأنهم أخطأوا في تقديم التعاليم.

- ستختبر النار نوع عمل كل إنسان، إن بقى عمله يتسلم مكافأته. إن احترق عمله يفقد مكافأته، أما هو فسيخلص. في هذه النار لا يهلك الإنسان إلى الأبد، وإن كانت النار تفيد الواحد وتضر الآخر، بكونها اختبارًا للاثنين.

القديس أغسطينوس

"إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أجرة" [14].

يرى البعض أنه يشير هنا إلى تقديس الأواني حسب الشريعة الموسوية، فالأواني التي تصمد أمام النار تتطهر بالنار، أما التي لا تصمد فيتم تطهيرها بالماء (عدد 31 :23).

- إن كان هذا القول خاصًا بالتلاميذ والمعلمين، فإن المعلم لا يخسر بسبب رفض التلاميذ أن يسمعوا. لهذا يقول: "كل واحدٍ ينال جزاءه حسب عمله"، وليس حسب النتيجة، بل حسب العمل.

ماذا إن رفض السامعون أن يهتموا؟ هذه العبارة تؤكد أن القول خاص بالأعمال. الآن فإن ما يقصده هنا أنه إن كان إنسان ما شريرًا في حياته مع إيمان مستقيم، فإن إيمانه لن يحميه من العقوبة، بل يحترق عمله.

تعبير "يحترق" يعني انه لا يحتمل عنف النار، ولكن إن كان لدى إنسان ما سلاح ذهبي ويعبر أتونًا من النار فإنه يخرج من العبور أكثر بهاءً. أما إذ عبر فيه ومعه قش فإنه يصير أبعد من أن ينتفع شيئًا بل يحطم نفسه أيضًا، وهكذا في أعمال البشر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

راحة الإنسان الحقيقية هي في جهاده حيث يسمر عينيه علي المكافأة الأبدية، فيجد عذوبة في تعبه.

- إن تذكّى عمل إنسان إلى النهاية يتسلّم أجرته. سيكون مثل الثلاثة اخوة في أتون النار (دا 1:3-10)، معينًا لاستلام الحياة السماوية والمجد كأجرة له.

أمبروسياستر

- إني لا انحاز نحو الراحة بل أتطلع إلي عرق التعب. إنه أكثر مجدًا من هدوء الراحة، إذ أدرك تمامًا أن كل واحد ينال مكافأة حسب أعماله كقول الرسول. أما من يهمل العمل اللائق بطاقته فحتما ينال عقوبة.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

"إن احترق عمل أحد فسيخسر،وأما هو فسيخلص ولكن كما بنارٍ" [15].

- إنها ليست كلمات إنسان يبعث لعنة بل من يتنبأ.

-ماذا إن كان الإنسان غنيًا، وإن كان من الأشراف، فإنه عندما تسبيه خطية ما يصير أكثر فسادًا من كل فساد. فإن كان الإنسان ملكًا قد أسره البرابرة يصير أكثر الناس بؤسًا، هكذا بالنسبة للخطية، إذ هي بربرية، والنفس التي تصير أسيرة لا تعرف كيف تتخلص من الأسر، فتقوم الخطية بدور الطاغية لتحطم كل من يلتصق بها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إن كان أحد بكل إخلاص يكرز لكنه لم يقدم الكرازة كما يليق فإن مراحم اللَّه تلحق به ويخلص في يوم الرب كما بنارٍ.

-المعلم يعلم ما هو حق، فيتبعه البعض وآخرون لا يتبعونه. الذين يتبعونه يكونون كالذهب والفضة يتنقّون بالنار ويتلألئون عندما يخرجون منها. الآخرون سيحترقون، أما المعلم فلا يفقد شيئًا بسبب هذا، إن كان مؤمنًا، فسينال مكافأته بغض النظر عما حدث.

ثيؤدورت أسقف قورش

5. أنتم هيكل اللَّه

"أما تعلمون أنكم هيكل اللَّه،وروح اللَّه يسكن فيكم؟" [16].

يتحدث الرسول بولس عن الجسد كهيكل اللَّه، وفي ذهنه الأعداد الكبيرة من النسوة الكاهنات اللواتي كن يمارسن الفساد بكورنثوس لحساب الهيكل هذا ما دفع الرسول بولس لتأكيد علاقة جسد المؤمن بالسيد المسيح كهيكل اللَّه ومسكن الروح القدس. هذا أيضًا ما دفعه للحديث في هذه الرسالة عن قدسية الزواج وخطورة التصاق الجسد بزانية (6: 15، 16).

في القديم كان إسرائيل يحسب نفسه هيكل اللَّه ومسكنه، لأن اللَّه سكن في وسطهم, الآن وقد أعلن السيد المسيح أنه إذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه يكون في وسطهم صارت كنيسة المسيح هيكله المقدس. حيث يوجد الرب يوجد هيكله الذي يقدسه روحه القدوس. أعلن السيد المسيح لتلاميذه أن موضوع كرازتهم هو: "ملكوت اللَّه داخلكم" فالكنيسة ككل هي هيكله أو ملكوته، وكل عضو في الكنيسة هو هيكل الرب. يليق به ألا يفسد هذا الهيكل، إذ هو ليس في ملكيته بل هو أشبه بوكيل على ما ائتمنه الرب عليه.

جسم المؤمن هو:

- هيكل اللَّه (3: 16، 17، 6:19).

- للرب (13، 15).

-يلزم تقديمه ذبيحة حية للَّه (رو 12:1).

- موضع سكنى اللَّه (أف 2: 21، 22).

- موضع مجد اللَّه (ا كو 20:6).

- موضع القداسة (1 تس 3:7، مز93: 5).

- موضع السلام (في 3:7، حجي 2: 9، يو 16: 33).

- موضع إعلان المسيح (رو 8: 29، 2 كو 4: 10، 11).

-أعضاؤه آلات للبر (رو 6: 13).

-يتشبه بجسد المسيح (في 3: 20-21، 1يو3:2).

ماذا يعني بقوله إننا هيكل اللَّه وروح اللَّه ساكن فينا؟

أ. الكنيسة على مستوي الجماعة كما على مستوي العضو هي كرسي اللَّه أو عرشه حيث يجلس ويعمل لحسابها ولتحقيق مسرته.

ب. الكنيسة هي ملكوته أو وكالته خلالها يبعث ثمر الروح من حب وفرح وسلام وطول أناة (غلا 5 : 22- 23).

ج. خلال الكنيسة يقود اللَّه شعبه وسط وادي الآلام واهبًا إياهم تعزيات الروح القدس.

د. الكنيسة مقدس للرب لا يجوز استخدامها إلا فيما للَّه، حتى أعضاء جسمنا هي أعضاء المسيح.

هـ. إنها موضوع حبه، عزيزة عليه جدًا.

الجسد هو أداة يحركها الروح والعقل، فما تريده الروح يشترك فيه الجسد، سواء كانت الإرادة مقدسة أو شريرة.

"الآن نعيش إن ثبتم أنتم أيها الاخوة في الرب" (1 تس 8:3). لست أريد أن تثبتوا فينا بل في الرب.

- لم يكن بولس بالحقيقة لاشيء، لكنه إن قورن باللَّه فإنه يُحسب هكذا [3].

-لا يقل أحد في قلبه: "اللَّه لا يبالي بخطايا الجسد". يقول الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل اللَّه وروح اللَّه يسكن فيكم؟ إن كان أحد يفسد هيكل اللَّه فسيفسده اللَّه، لأن هيكل اللَّه مقدس، الذي أنتم هو" [16-17]؛ "لا يخدعن أحد نفسه" [18].

ربما يقول إنسان: "نفسي هي هيكل اللَّه وليست جسدي"، مضيفًا الشهادة التالية: "لأن كل جسد كعشبٍ وكل مجد إنسان كزهر عشب" (1 بط 1:24). يا له من تفسير مر! يُدعي الجسد عشبًا لأنه يموت. لكن لتدرك أن الذي يموت إلي حين لا يقوم أيضا بالخطية. أتريدون حكمًا واضحًا في هذه النقطة أيضًا؟ يقول الرسول نفسه: "أما تعلمون أن جسدكم هو هيكل الروح القدس الذي فيكم الذي لكم من اللَّه؟" (1 كو 6:19). لا تعودوا تتجاهلوا بعد خطايا الجسد، متطلعين إلى أجسادكم أنها من اللَّه. إن كنتم تتجاهلون خطية الجسد أما تتجاهلون خطية ترتكبونها ضد الهيكل؟ جسدكم ذاته هو هيكل روح اللَّه الذي فيكم. احذروا مما تفعلوه بهيكل اللَّه.

إن كنتم تختارون ارتكاب الزنا في الكنيسة داخل هذه الحوائط، فأي شر أعظم من هذا؟ الآن أنتم أنفسكم هيكل اللَّه. في خروجكم وفي دخولكم، إن سكنتم في بيوتكم، إن استيقظتم، في كل هذا أنتم هيكل. إذن احذروا الهيكل لئلا يترككم فتتحطمون.

إذ يتحدث الرسول عن الزنا وعدم الاستهانة بخطية الجسد يقول: "أما تعلمون أن أجسادكم هي هيكل الروح القدس الذي فيكم، الذي لكم من اللَّه، وأنتم لستم لأنفسكم". إنكم اشتريتم بثمنٍ عظيمٍ. إن كنتم تستخفون بأجسادكم راعوا ثمنكم.

القديس أغسطينوس

- واضح أننا هيكل اللَّه إن صنعنا الصلاح. إن كان إنسان ما هيكلا للَّه، فإن ما بالهيكل بالضرورة يكون خاصًا باللَّه... لا يوجد هيكل للَّه حيث تكون كثرة من الرذائل.

الأب فاليريان

- من يؤمن بالمسيح يتقبل الروح القدس الذي يسكن فيه بغسل الميلاد الجديد، وبهذا يكون روحيًا. أما مثل هؤلاء إن عادوا وخدموا شهوات العالم، بهذا يكونون جسدانيين. يقول بولس أن الذين صاروا روحيين حسب اعتراف إيمانهم ربما يعيشون مع هذا كجسدانيين فيهيينون الروح القدس الساكن فيهم.

ثيؤدور أسقف الميصة




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 3 جـ4 PDF Print Email

"إن كان أحد يفسد هيكل اللَّه فسيفسده اللَّه،لأن هيكل اللَّه مقدس، الذي أنتم هو" [17].

يليق بنا أن نحرص على قدسية هيكل الرب خلال قبولنا تقديس الروح القدس الذي يتحقق بالإيمان الصادق والتعاليم السليمة وخبرة الحياة الجديدة, وكأن الانحراف في الإيمان وفساد السلوك يفسدان الهيكل.

لم يقل "أنكم هياكل اللَّه" بل "هيكل اللَّه" يمثل وحدة واحدة تضم حجارة حية كثيرة ومتنوعة (1 بط 2: 5).

بالتأكيد في العالم الإلهي يوجد موضع خاص باللَّه يسر أن يسكن فيه هو الكنيسة أيقونة السماء، هذه التي تشهد لعمله الخلاصي وحبه الفائق.

- الإنسان البار يمكن أن يُدعي سماء، فقد قيل عنه: "لأن هيكل اللَّه مقدس، الذي أنتم هو" [17]. لذلك إن كان اللَّه يسكن في هيكله، وأن القديسين هم هيكله، فإن التعبير "الذي في السموات" يعني بحقٍ "الذي في القديسين".

- ليفهم المسيحيون الذين دعوا إلى الميراث الأبدي تلك الكلمات: "الذي في السموات" على أنها "الذي في القديسين والأبرار"، لأن اللَّه لا يحده مكان معين. فالسموات هي الجزء المرتفع على الأجسام المادية في العالم ومع ذلك فهي مادية، لذلك فهي محدودة بحيزٍ إلى حد ما. فإن اعتقدنا أن اللَّه كائن بالجزء العلوي من العالم، فستكون الطيور أفضل منا لأنها تحيا بالقرب من اللَّه. غير أنه لم يكتب "قريب هو الرب من طوال القامة أو سكان الجبال" بل "قريب هو الربّ من المنكسري القلوب" (مز 18:34) إشارة إلى التواضع. فإن كان الأشرار قد دعوا "أرضًا"، هكذا يدعى الأبرار "سماءً". وقد قيل عنهم "لأن هيكل اللَّه مقدس الذي أنتم هو" (1 كو 17:3). فإن كان اللَّه يسكن في هيكله وقد دعا القديسين هيكلاً له، لذلك فإن القول "الذي في السموات" يعني "الذي في القديسين" إذ تليق المناظرة بين الأبرار والأشرار روحيًا بالسماء والأرض ماديًا.

القديس أغسطينوس

- يقول بولس هذا لكي يحث ضمائر أولئك الذين أفسدوا أجسادهم بالحياة الشريرة، خاصة الإنسان الذي ارتبط بزوجة أبيه (1كو1:5-5) .

أمبروسياستر

6. عدم الافتخار بالحكمة

"لا يخدعن أحد نفسه،إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهرفليصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا" [18].

"فليصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا"، أي لا يمجد حكمته البشرية المتعجرفة، بل ينحني بتواضعٍ أمام اللَّه فيهبه روح الحكمة السماوية. لا يسلك الإنسان بحكمته الذاتية التي تضاد حكمة الإنجيل، بل يسلك بروح الإنجيل، فيطلب خلاص العالم كله بفكر سليم.

يرى العلامة أوريجينوس والقديس كبريانوس أن المعنى هنا هو أنه إن وجد أحد بينكم يظن في نفسه أنه حكيم فلا يتردد في أن يصير جاهلاً في نظر هذا العالم لكي يصير بالحق حكيمًا, ويرى آخرون أن المعني هو أنه إن كان أحد يشتهر بالحكمة في جيله ويفتخر بهذا حاسبًا نفسه فيلسوفًا وعالمًا ومتعلمًا فليتمسك بالإنجيل حيث يتهمه الآخرون بالجهل, يرى أن كل حكمة زمنية لا قيمة لها إن قورنت بفلسفة خلاصه. يحذر الرسول بولس من خداع النفس، فقد يظن الإنسان أنه أكثر حكمة من الآخرين، مثل ديوفريتس.

إذ يصير المؤمن الحقيقي والحكيم في عيني اللَّه جاهلاً في نظر العالم يجد مسرته في أنه شريك مع المسيح المطرود خارج المحلة حاملاً العار، عار الصليب، من أجل حبه حتى لطارديه. ينبذه أصدقاؤه السابقين ليدخل في جماعة المساكين بالروح والمطرودين والمرذولين. هذا هو طريق المسيح الضيق الذي يعبر المؤمنون به إلى السماء عينها.

- إنه يأمر الشخص لكي ما يكون كأنه ميت عن العالم، هذا الموت لن يضر قط بل بالأحرى ينفع، إذ يصير علة الحياة. هكذا يأمره لكي يكون جاهلاً في هذا العالم ليدخل بنا إلي الحكمة الحقيقية. الآن يصير جاهلاً في العالم ذاك الذي يستهين بالحكمة الخارجية، مقتنعًا أنها لا تساهم في إدراكه للإيمان.

- إذ يأمر البشر أن ينسحبوا منها سريعًا، يضيف السبب قائلاً: "لأن حكمة هذا العالم هي جهالة اللَّه"، فإنها ليس فقط لا تساهم في شيء بل وتحجب (الإيمان)، لهذا يليق أن ننسحب منها بكونها ضارة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- كن جاهلاً في العالم كما يوجهك الرسول فتصير حكيمًا. لا تتحيز (لرأيك) ولا تصدر حكمًا من ذاتك فيما تسأل فيه، بل اظهر الطاعة علي الدوام بكل بساطة وإيمان. اهتم فقط أن تكون هذه الأمور مقدسة ونافعة وحكيمة، إذ تعلن عن شريعة اللَّه، وتكشف عن رأي أبيك الروحي في تلك الأمور.

القديس يوحنا كاسيان

- أولئك الذين لهم جسد خفيف (مز6:114)، والذين بكونهم حكماء في العالم تركوا معرفتهم... وصاروا كأطفالٍ بكامل حريتهم سيتعلمون الحكمة التي لا تُقتنى خلال تعب الدراسة.

مار اسحق السرياني

"لأن حكمة هذا العالم هي جهالة عند اللَّه،لأنه مكتوب: الآخذ الحكماء بمكرهم" [19].

ما هي حكمة العالم إلا انشغال البعض بالفلسفات الباطلة على حساب إيمانهم الحق أو استعبادهم للحرف اليهودي على حساب حريتهم الداخلية, تقدم الفلسفة كبرياء وتشامخًا ويقدم الحرف اليهودي تدميرًا للنفس.

"الآخذ الحكماء بمكرهم" مقتبسة من أيوب (5: 13). يظن الحكماء انهم بحكمتهم الذاتية ينجحون، لكن إذ يتركهم الرب يشربون من الكأس الذي يملأونه يدمرون أنفسهم. لقد ظن الحكماء الوثنيون أنهم يحطمون الإيمان فإذا بهم يحطمون أنفسهم ويتزكى المؤمنون وينتصرون.

بقوله هذا لا يعني التسخيف بالدراسات الفلسفية والعلمية في كل مجالاتها المختلفة، فقد وهبنا اللَّه العقل والرغبة في التعرف علي الحقائق. الدراسات العلمية تشهد بعمل اللَّه الفائق وتمجده (مز 92 : 4، 11: 2). هنا يحدثنا الرسول عن حكمة الفلاسفة القدامى التي تمس علاقتنا باللَّه، والتي تقاوم إعلانات اللَّه لنا.

كل علم ومعرفة وحكمة صادقة هي بركة إن تناغمت مع أغنية خلاصنا، لا بمعني أن تصير الكنيسة هي الحكم في الأمور العلمية، وإنما أن تسحب قلوب العلماء إلي روح التواضع الحقيقي والإيمان الحي والتمتع ببركات الخلاص.

- حكمة هذا العالم التي تنقصها نعمة اللَّه بشرية تمامًا في سماتها.

ثيؤدورت أسقف قورش

"وأيضًا الرب يعلم أفكار الحكماء أنها باطلة" [20].

اقتبس الرسول هذه العبارة من مز 94 :11. يعلم اللَّه أن أفكار الحكماء في أعين أنفسهم فارغة لا تقدر أن تشبع أعماقهم، وباطلة تقودهم إلي الدمار.

- إذ هم متكبرون يظنون أنهم قادرون أن يسروا اللَّه بذواتهم لا بما هو من اللَّه، الذي هو إله المعرفة، لهذا يعلم اللَّه ضمائر الناس وأفكارهم إنها باطلة [20]، إن كانت من الناس وليست من عنده.

القديس أغسطينوس

7. كل شيء لكم

"إذا لا يفتخرن أحد بالناس،فإن كل شيء لكم" [21].

مسكين من يطلب مجده من الناس، فإن اللَّه وحده هو واهب المجد, من يتحد باللَّه ليس فقط يتمتع بالمجد بل يدرك أن كل شيء هو له، لخلاصه وبنيانه وسعادته ومجده الأبدي.

كان من عادة اليهود واليونانيين أن يفتخروا بالتصاقهم بشخصية قيادية لها شهرتها الدينية أو الفلسفية, من هؤلاء القادة هليل وشمعي عند اليهود، وأفلاطون وفيثاغورس وزينون وأرسطو عند اليونانيين. يبدو أن هذا الاتجاه بدأ يتسلل إلي الكنيسة في كورنثوس لذا قاومهم الرسول بولس ووبخهم علي هذا الموقف الخاطئ.

يدعونا الرسول ألا نطلب المجد من إنسان، فإن الرسل القديسين أيضًا هم لنا، أرسلهم اللَّه محب البشر للعمل لحسابنا, إننا نحبهم لأنهم معلمون يقدمون لنا بركات الرب إن تمسكنا بدعوى اللَّه لنا خلالهم.

ليس فقط بولس وأبلوس وصفا وسائر الرسل لهم، يعملون جميعًا لأجل بنيانهم في الرب، إنما كل شئ هو لخيرهم. فالعالم بالنسبة لهم قنطرة من صنع اللَّه لكي نعبر خلالها إليه، والحياة هبة منه تدخل بنا إلى حياة أبدية أعظم، والموت عبور إلى الراحة الدائمة في السماء، والأشياء الحاضرة هي بركات تسندنا في غربتنا والمستقبلة هي مجد نترقبه بفرح... كل شيءٍ هنا في هذا العالم الحاضر وهناك في الدهر الآتي هو لنا.

شتان ما بين نظرة المؤمن الحقيقي الروحي ونظرة الإنسان الطبيعي. الإنسان الروحي يري في كل الأشياء عطية اللَّه له، ويشتم رائحة المسيح فيها، أما الإنسان الطبيعي فتتحول حياته إلى صراعات وانقسامات وحوارٍ مستمر، ناسبا نفسه لهذا أو ذاك.

الإنسان الروحي يرى في العالم بأفراحه وأحزانه مجالا للشكر للَّه وقبول كل ضيق كشركة آلام مع المصلوب، أما الطبيعي فيستعبده العالم ويأسر أحاسيسه ومشاعره وتحطمه التجارب والضيقات.

الإنسان الروحي يترقب لحظات الموت بفرحٍ مشتاقًا أن يرى رب المجد يسوع وجهًا لوجه وأن تصير له شركة أعمق مع السمائيين والقديسين. أما الطبيعي فيخشى الموت لأنه يحطم كل رجائه.

يتطلع الروحاني إلى الحياة الحاضرة كمجالٍ لتذوق عناية اللَّه الفائقة مع كل لحظة من لحظات عمره، ويتطلع إليها الطبيعي تارة كمجال للتمتع بالسطوة والكرامة والغنى ومرة أخرى كحياة مرة لا يعرف كيف يخلص منها، يشتهى الموت ولا يجده.

يتطلع الروحاني إلي الحياة المقبلة كحقيقة يختبر عربونها الآن ويتذوق عذوبتها، ويظن الطبيعي أن الحياة المقبلة هي خيال نادت بها الأديان لكي تحطم حرية الإنسان وتحرمه من ملذات العالم ومباهجه.

لا يليق بالمؤمن أن يجد فخره بأنه ينتسب إلى معلمٍ ما لأن هذا المعلم وكل المعلمين، بل وكل شيء إنما له.

مجد المؤمن وفرحه وسلامه كل هذا عطايا من اللَّه نفسه الذي يعمل خلال المعلمين.

- يملك المؤمن كل شيء موجود، أما غير المؤمن فهو في الواقع لا يملك فلسًا. كل ما لديه يُسرق منه.

العلامة أوريجينوس

-التعقل البشري غير حكيم وضعيف، فلا يفتخر أحد بإنسان بل باللَّه الذي لا تتغير كلمته. كل تفكير في أمور بشرية خارجًا عن اللَّه هو غباوة.

أمبروسياستر

"أبولس أم أبلوس أم صفا أم العالم أم الحياة أم الموت أم الأشياء الحاضرة أم المستقبلة،كل شيء لكم" [22].
إن كان السيد المسيح قد قدم حياته مبذولة من أجل الإنسان لكي يتمتع المؤمن به ويقتنيه، فهو يدرك أن كل شيء هو له. وكما رأينا الرسل بكل مواهبهم المختلفة هم له. والعالم خُلق من أجله، لا لكي يُستعبد له، بل لكي يستخدمه لحسابه. الحياة هي له، كجسر للعبور إلي الأبدية. الموت هو له، يشتهيه المؤمن ليعبر إلى العالم الجديد ويتمتع بالمجد المعد له. بالحق يرى المؤمن حياته رحلة ممتعة في صحبة مسيحه الذي يتبادل معه الحب، فيرى كل شيء له. الزمن والأبدية، الحياة والموت، الرسل ومملكة المسيح، إنه لا يعوزنا شيء، إذ يهبنا ذاته.

يري الأب شيريمون أنه بالحب الحقيقي يسمو المؤمن إلي أعلى درجات البنوة حيث يدرك أن كل ما لأبيه هو له.

-يجدر بنا نحن أيضًا أن نسرع هكذا بغير توانٍ بواسطة نعمة الحب الثابتة لنصعد إلى المرحلة الثالثة التي للبنوة، حيث نؤمن أن كل ما للأب هو لنا، ويمكننا أن نقتدي بالابن في قوله: "كلُّ ما للآب فهو لي" (يو15:16).

هذا ما يعلنه الرسول الطوباوي قائلاً: "فإن كل شيءٍ لكم. أَبولس أم أَبُلُّوس أم صفا أم العالم أم الحياة أم الموت أم الأشياء الحاضرة أم المستقبلة كلُّ شيءٍ لكم". وتحثنا وصايا مخلصنا بما يشبه ذلك إذ يقول: "فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل" (مت 48:5).

يجدر بنا أن نبذل كل طاقتنا لكي نرتقي في اشتياق كامل من الخوف إلى الرجاء، ومن الرجاء إلى محبة اللَّه ومحبة الفضائل نفسها، وهكذا إذ نعبر بثبات إلى محبة الصلاح ذاته، نثبت في الصلاح قدر ما تستطيع الطبيعة البشرية.

الأب شيريمون

- يقول الابن الحقيقي (مع السيد المسيح): "كل ما للآب فهو لي"؛ فمن كان غير مجرب بالقلق الخاطئ وغير مرتبك وبلا هم يتحرر من الاضطراب ويكون سعيدًا بقلبه، ناجحًا في كل شيء، معتبرًا كل شئ له. ويسمع كل يوم إعلان الرسول له: "كل شئ لكم"، سواء الأشياء الحاضرة أم المستقبلة. كما يسمع إعلان سليمان له: "ينال المؤمن العالم كله بغناه" هكذا ينال مائة ضعف كمكافأة له، بأمورٍ ثمينةٍ متباينة لا يمكن تقديرها.

الأب إبراهيم

- هل يتحقق وعد الرب بالمائة ضعف في هذا العالم؟

بالأحرى إن جزاء المكافأة التي وعد بها الرب هو مائة ضعف في العالم بالنسبة للذين زهدهم كامل، إذ يقول: "وكلُّ مَن ترك بيوتًا أو اخوةً أو أخواتٍ أو أبًا أو أمًا أو امرأَةً أو أولادًا أو حقولاً من أجل اسمي يأخذ مائة ضعفٍ ويرث الحياة الأبدية" (مت29:19). يتحقق هذا بحق وصدق. ولا يضطرب إيماننا لأن كثيرين استغلوا هذا النص كفرصة لبلبلة مفاهيم البعض قائلين بأن هذه الأمور (المائة ضعف) تتحقق جسديًا في الألف سنة… لكن الأمر المعقول جدًا والواضح وضوحًا تامًا أن من يتبع المسيح تخف عنه الآلام العالمية والملذات الأرضية، متقبلاً اخوة وشركاء له في الحياة ارتبط بهم ارتباطًا روحيًا. فيقتني حتى في هذه الحياة حب أفضل مائة مرة عن (الحب الناتج عن الرباط الدموي). فبين الآباء والأبناء والاخوة والزوجات والأقارب يقوم الرباط على مجرد علاقات القربى، لذا فهو قصير الأمد وينحل بسهولة. أما الرهبان فيحتفظون بوحدة باقية في ألفة، ويملكون كل شيء في شركة عامة بينهم، فيرى كل إنسان أن ما لاخوته هو له، وما له هو لاخوته. فإذا ما قارنا نعمة الحب التي لنا هكذا بالنسبة للحب الذي يقوم على مجرد الرباطات الجسدية، بالتأكيد نجده أعذب وألذ مائة ضعف.

هكذا أيضا نقتني من العفة الزيجية (حيث ترتبط النفس بالرب يسوع كعريسٍ لها) سعادة تسمو مئات المرات عن السعادة التي تتم خلال وحدة الجنس.

وعوض الفرح الذي يختبره الإنسان بملكيته حقلٍ أو منزلٍ، يتمتع ببهجة الغنى مئات المرات بكونه ابن للَّه يملك كل ما يخص الآب الأبدي، واضعًا في قلبه وروحه مثال الابن الحقيقي القائل: "كلُّ ما للآب هو لي" (يو15:16). إنه يربح لنفسه كل شيء، منصتًا كل يوم لإعلان الرسول: "كل مالي هوٍ لكم" (1 كو22:3).

هكذا يتحقق لنا المائة ضعف عن طريق تقبلنا لأمور من نوع أعظم في القيمة... فلو أعطينا عوض وزن معين من النحاس أو الحديد أو أي معدن شائع وزنه ذهبًا، بهذا يكون قد رُد لنا ما هو أكثر من مائة ضعف. وهكذا عوض المباهج المزدرية والعواطف الأرضية يُوهب لك فرح روحي وسعادة الحب الثمين للغاية، ولو بنفس الكمية، لكنه أفضل منها مائة ضعف وأكثر.

الأب إبراهيم

"وأما أنتم فللمسيح،والمسيح للَّه" [23].

السيد المسيح هو حجر الزاوية فيكم، جمعكم من العالم ليقيم منكم شعبًا له وابناء للَّه، هو لكم وأنتم له.

"والمسيح للَّه" إذ نصير جسد المسيح يقدمنا للَّه أبيه، الواحد معه في الجوهر، عطية حبه الباذل علي الصليب. وكأن الرسول يسألنا عوض انتسابنا إلي هذا الرسول أو ذاك بروح الانشقاق والتعصب، ندرك أن الكنيسة الجامعة من آدم إلي آخر الدهور تتحد معًا سواء من رجال العهد القديم أو العهد الجديد، سواء كانوا خدامًا أو مخدومين، ليقدمهم المسيح للَّه الآب. بينما يعتز المسيح يسوع ربنا بنا لدي الأب يرتبك البعض بالانشقاقات تحت أسماء رسل معينين. بمعنى آخر فإن بناء اللَّه هو وحدة واحدة لا تنقسم، الكل يعمل معًا على الأساس الواحد , كل حجرٍ حي في البناء يرى أن كل البناء له، وأنه سيقدم للَّه الآب بواسطة المسيح الواحد وحدة واحدة بلا تقسيم.

"وأما أنتم فللمسيح" المؤمن الحقيقي يدرك تمتعه بالمسيح وتسليم كل كيانه للسيد المسيح مخلصه. يقدم كل مواهبه وقدراته وممتلكاته وطاقاته الداخلية لحساب السيد المسيح. إنه يكرس كل القلب لذاك الذي مات لأجله.

إذ يصير المؤمن للمسيح، يحملهم فيه كأعضاء جسده الحاملين بره والمقدسين بروحه القدوس. لقد صالحهم مع الآب مقدمًا دمه ثمنًا لذلك. لهذا يتقدم بنا إلي حضنه فنرى المسيح للَّه، إذ صرنا نحن أعضاء جسده.

- إننا حقا للمسيح بكوننا عمله، و"المسيح للَّه" بكونه ابنه الأصيل وليس عملاً، بالمعني الذي فيه حتى العالم ليس عالمنا. فمع أن القول واحد لكن المعنى مختلف. لأن العالم هو لنا إذ خُلق لأجلنا، ولكن المسيح هو للَّه بكونه مصدره بكونه الآب. ونحن للمسيح إذ هو خلقنا. الآن يقول إن كانوا هم لكم لماذا تفعلون ما هو ضد ذلك، إذ تنسبون أنفسكم لأسمائهم وليس للمسيح وللَّه (الآب)؟

- في الواقع يتحدث معهم كمن هم أبناء من أصلٍ عالٍ، لهم معلمون، وهم ورثة كل شيءٍ.

يمكننا أيضًا أن نقول بمعنى آخر، أن كلا من موت آدم وموت المسيح لأجلنا، موت آدم لكي يصحح حالنا، وموت المسيح لكي نخلص...

القديس يوحنا الذهبي الفم

- نحن للمسيح إذ نحن من عمله بدنيًا وروحيًا.

أمبروسياستر

من وحي 1 كو 3

أنا فلاحة اللَّه! أنا هيكل الرب!

 

-من أنا في عينيك يا إلهي؟

تريدني كائنًا ناضجًا، أسلك بالروح لا بالضعف الجسدي!

ليس للشهوات موضع فيَّ!

لا أعرف الحسد، ولا أقدر أن أمارس البغضة!

لا أعرف إلا الحب الصادق!

- بالحب أصير فلاحة اللَّه المثمرة!

كثيرون غرسوا جنتي وكثيرون سقوني!

كيف أنسى تعب الأنبياء وجهاد الرسل وسهر الرعاة؟

لكن أنت وحدك تهبني النمو!

أنا مدين لك بكل ما في داخلي!

لتأتِ يا حبيبي إلى جنتك، فهي من عمل يديك!

لتقطف من ثمر روحك القدوس،

من أشجار الحب والفرح والصلاح

وطول الأناة واللطف والصلاح

والإيمان والوداعة والتعفف.

لتقدم لأبيك برّك الذي وهبتني إياه!

- من أنا في عينيك حتى تهبني برك وتقدم لي ذاتك؟

قدمت الأنبياء لي، والرسل لي، والحياة لي، وكل شيء لي!

حتى أنت يا خالق الكل لي!

فلماذا أنسب نفسي لهذا أو ذاك؟

ولماذا أفرح أن يرتبط أحد بي؟

- بالحب أقمت مني هيكلاً مقدسًا لروحك القدوس!

أنت الأساس الذي عليه يقوم كل البناء!

روحك الإلهي يقيم حجارة ذهبية وفضية وحجارة كريمة!

1 و انا ايها الاخوة لم استطع ان اكلمكم كروحيين بل كجسديين كاطفال في المسيح
2 سقيتكم لبنا لا طعاما لانكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الان ايضا لا تستطيعون
3 لانكم بعد جسديون فانه اذ فيكم حسد و خصام و انشقاق الستم جسديين و تسلكون بحسب البشر
4 لانه متى قال واحد انا لبولس و اخر انا لابلوس افلستم جسديين
5 فمن هو بولس و من هو ابلوس بل خادمان امنتم بواسطتهما و كما اعطى الرب لكل واحد
6 انا غرست و ابلوس سقى لكن الله كان ينمي
7 اذا ليس الغارس شيئا و لا الساقي بل الله الذي ينمي
8 و الغارس و الساقي هما واحد و لكن كل واحد سياخذ اجرته بحسب تعبه
9 فاننا نحن عاملان مع الله و انتم فلاحة الله بناء الله
10 حسب نعمة الله المعطاة لي كبناء حكيم قد وضعت اساسا و اخر يبني عليه و لكن فلينظر كل واحد كيف يبني عليه
11 فانه لا يستطيع احد ان يضع اساسا اخر غير الذي وضع الذي هو يسوع المسيح
12 و لكن ان كان احد يبني على هذا الاساس ذهبا فضة حجارة كريمة خشبا عشبا قشا
13 فعمل كل واحد سيصير ظاهرا لان اليوم سيبينه لانه بنار يستعلن و ستمتحن النار عمل كل واحد ما هو
14 ان بقي عمل احد قد بناه عليه فسياخذ اجرة
15 ان احترق عمل احد فسيخسر و اما هو فسيخلص و لكن كما بنار
16 اما تعلمون انكم هيكل الله و روح الله يسكن فيكم
17 ان كان احد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لان هيكل الله مقدس الذي انتم هو
18 لا يخدعن احد نفسه ان كان احد يظن انه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلا لكي يصير حكيما
19 لان حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله لانه مكتوب الاخذ الحكماء بمكرهم
20 و ايضا الرب يعلم افكار الحكماء انها باطلة
21 اذا لا يفتخرن احد بالناس فان كل شيء لكم
22 ابولس ام ابلوس ام صفا ام العالم ام الحياة ام الموت ام الاشياء الحاضرة ام المستقبلة كل شيء لكم
23 و اما انتم فللمسيح و المسيح لله




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

أبوة الرسول

في الأصحاحات الثلاثة السابقة وجه الرسول بولس الكنيسة إلى التمتع بالوحدة الكنسية القائمة على التمتع بحب اللَّه الفائق خلال عمل الابن الخلاصي أو خلال الصليب (ص1)، وشركة الروح القدس (ص2)، وقبول رعاية الآب الذي يهتم بكنيسته بكونها فلاحة اللَّه أو بناء اللَّه (ص3). وكأن الرسول يود ألا ينشغلوا بالانقسامات بل باللَّه الكلي الحب. الآن يلتزم بالدفاع عن نفسه، ليس لكي يسحب أنظارهم إليه، ولا من أجل مجدٍ زمنيٍ يشتهيه، وإنما لتأكيد هذه الوحدة الكنسية. إنه خادم للمسيح الواحد ووكيل أسرار اللَّه الواحد، وهو أب لهم في المسيح يسوع لا يُسر بتكوين فرقة تنسب نفسها إليه وإنما بتحقيق رسالته بأمانة وانشغال المؤمنين باللَّه مخلصهم.

قدم لنا هذا الاصحاح صورة حية لالتزام الخادم بالأمانة: أمانة للَّه كوكيل أسراره، أمانة للكلمة المتجسد ليهتم بخدمة الخلاص، وأمانة للكنيسة ليحمل سماتها المتواضعة، وأمانة للخدمة فيقدم أبوة حانية ملتزمة.

1. وكيل أسرار اللَّه 1-4.

2. عدم إدانة الخدام 5-6.

3. عدم كبرياء الخدام 7-8.

4. متاعب الخدمة 9-14.

5. أبوة الرسول 15-16.

6. إرساله تيموثاوس 17.

7. وعده بزيارتهم 18-21.

1. وكيل أسرار اللَّه

إذ يتحدث الرسول بولس عن الوحدة الكنسية يكشف عن الدور الحقيقي للرسول أو الخادم أو المعلم، فهو مجرد خادم للسيد المسيح ووكيل لأسرار اللَّه، ما يشغله هو تمتع شعبه بعمل المسيح الخلاصي وأن يوجد أمينًا في وكالته لأسرار اللَّه، إذ يقول:

"هكذا فليحسبنا الإنسانكخدام المسيح ووكلاء سرائر اللَّه" [1].

بقوله "يحسبنا" يشير إلى نفسه وإلى أبُلّوس وإلى أي رسول أو معلم في الكنيسة. وبقوله "يحسبنا الإنسان" يعلن الرسول أن رسالته أن يعمل لحساب المسيح ليس في حياة المؤمنين وحدهم، بل وفي حياة كل إنسان. يود أن يكون في أعين كل البشرية خادمًا للمسيح ووكيلاً لأسرار اللَّه.

أولاً: يؤكد الرسول بولس أن عمله الرئيسي هو الخدمة لحساب المسيح، فلا يطلب كرامة أو مجدًا لنفسه. إنه ليس بالسيد الذي يسيطر ويملك، بل الخادم الذي يعمل لحساب سيده. إنه الوكيل الذي يتمم مشيئة سيده، ليس صاحب الوكالة الذي يتصرف حسب أهوائه. إنه عامل بسيط يأخذ أوامره من سيده ويفرح أن يرى أولاد سيده يمثلون أسرة سماوية واحدة.

يسوع المسيح شخصيًا هو راعي الكنيسة ومؤسسها "أبني كنيستى" (مت18:26). هي من عمله هو ولا آخر سواه. يدرك ذلك جيدًا من يشعر بقيمة المهر الذي قدمه لها "عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب... بل بدمٍ كريمٍ كما من حملٍ بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بط 16:1، 19)؛ فمن يقدر أن يفلح كرم الرب أو يرعى قطيعه؟!

يسوع المسيح في رعايته ليس بمحتاجٍ إلى رعاة مساعدين، إنما من قبيل حبه غير المتناهي للإنسان، دعاه ليشاركه في هذا العمل. وإن كنا مع هذا نُدعى رعاة مجازًا، لأن الذي يرعى ليس نحن بل الراعي ذاته فينا، فلا زال هو الراعي الوحيد رغم دعوتنا نحن رعاة!

ثانيًا: إنه وكيل أسرار اللَّه، يقدم الأسرار الإلهية والكلمة طعامًا للنفوس. لا يقدم شيئًا من عنده، بل مما هو لسيده. وما هي أسرار اللَّه سوى سرّ الحب الذي يربط السمائيين والأرضيين معَا في وحدة أبدية مجيدة. فليس من حق الخادم أن يدعي الحكمة والمعرفة فيما لا يخص خلاص اخوته. فلا يستغل محبتهم له وثقتهم فيه ليقدم غير أسرار اللَّه السماوية، إنما يترك كل عملٍ في أيدي المتخصصين: السياسة لرجال السياسة والعلم لرجال العلم والقضاء لرجال القانون! إنه وكيل مملكة النعمة الإلهية، ينهل منها ليقدم للجميع. إنه قبل كل شيء هو كارز وخادم للكلمة يقدمها مائدة سماوية لكل إنسانٍ!

تذمر أحدهم على أحد الأساقفة قائلاً بأنه لا يؤمن أن الخبز والخمر يتحولان إلى جسد الرب ودمه على يد كاهنٍ شريرٍ، فطلب منه أن يحضر خاتمًا للقربان من الذهب. ثم أتى بقطعة من العجين وختم نصفها بالخاتم الذهبي والآخر بالخشبى، وقال له: ميزّ إن أمكنك أي القربانتين خُتمت بخاتم الذهب وأيهما بخاتم الخشب؟ وعندئذ نصحه ألا يدين الكاهن سواء أكان ذهبًا أو عشبًا، فإن اللّه سيدينه، لكنه يقبل البركة التي ينالها من يد الكاهن مهما كان شريرًا... وهو لشره تكون إدانته أقسى من الشعب.

- لا تنظر إلى استحقاقات الأشخاص، بل إلى وظيفة الكهنة...

إن كنت تنظر إلى الاستحقاقات، اعتبر الكاهن كإيليا... ففي القديم نزلت نار منظورة حتى يؤمنوا. أما بالنسبة لنا نحن المؤمنون، فإن اللَّه يعمل بطريقة غير منظورة لأن ما حدث في القديم كان رمزًا، وفي نفس الوقت هو تحذير لنا.

آمن إذن أن الرب يسوع هو الحاضر أثناء صلوات الكاهن... لأنه إن كان قد قال:"إن اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون أنا في وسطهم" (مت 20:18)، فكم بالأكثر يهبنا حضوره عندما تجتمع الكنيسة (الكهنة) وتتم الأسرار؟!

القديس أمبروسيوس

ثالثًا: كوكيل للَّه يستحق الكرامة في الرب، لكنها ليست كرامة للكبرياء والتسلط، إنما كرامة لحساب صاحب الأسرار نفسه.

رابعًا: كوكيل لأسرار اللَّه يليق به أن يدرك أن عمله الرئيسي كما قلنا هو تقديم الأسرار الإلهية لا للتدخل في حياة الناس اليومية وربطهم به بطريقة بشرية.

خامسًا: جاء التعبير اليوناني oihsnomous يعني أنه المدبر أو نائب عن السيد في تدبير أمور أسرته، يهتم بتقديم المئونة للبيت في الوقت المناسب وبكميات مناسبة. عليه التزام بمسؤوليات خطيرة. تحت يديه خزانة سيده ليقدم منها ما هو لازم للعائلة، على أن يعطي حساب الوكالة أمام سيده. إنه ليس مصدر العطايا إنما مؤتمن على مخازن سيده.

سادسًا: سرائر اللَّه هي الإنجيل أو التعاليم الإلهية الخاصة بخلاص العالم. خلال آلام السيد وصلبه وقيامته، التي أعلنها لنا اللَّه عمليًّا.

سابعًا: إذ ظن الكورنثوسيون أنهم رؤوس ورؤساء يريدون أن يحركوا حتى الرسل حسب أهوائهم يؤكد الرسول أنه هو وزملاءه يحسبون أنفسهم عاملين لدي المسيح، منه يأخذون التعليمات لتحقيق إرادته، ومنه وحده ينالون المكافأة. لن يقدر أحد مهما استخدم من ضغوط أو إغراءات أن يغير سلوكهم في الخدمة.

يعتز الرسول بولس وغيره من الرسل بتعبير "خادم المسيح". هكذا يليق بالكاهن أن يدرك أن عمله هو مشاركة السيد المسيح غسله للأقدام، فلا يظن في نفسه رئيسًا. بهذا لن يقبل إقامة فريق باسمه في الكنيسة مما يسبب الانشقاقات.

كوكيل ليس من حقه إخفاء الأسرار الإلهية عن الشعب بل إعلانها للجميع. وكوكيل يلتزم بالآتي:

- يكرس كل طاقاته ووقته لحساب موكله، وليس لحساب آخر.

- أن يكون أمينًا على الوكالة [1-2] فلا يبددها أو يفسدها [4].

- يُدرك أنه مُعيّن من قِبل المسيح نفسه لا من البشر [3].

- لا يرتبك بحكم زملائه بل بحكم الموكل نفسه، يقدم حسابًا له [3-4].

- ينشغل بيوم الرب، يوم سيده لا يوم بشرٍ [5].

يميز العلامة أوريجينوس بين خادم المسيح ووكيل أسرار اللَّه، قائلاً: [يوجد فارق كبير بين أن يكون الشخص خادمًا للمسيح وأن يكون وكيل سرائر اللَّه. أى بين شخصٍ يقرأ الكتاب ليمكنه أن يكون خادمًا للمسيح وشخص يلتزم أن يدخل إلى أعماق الأسفار المقدسة فيكون وكيلاً لسرائر اللَّه. كان بولس يعمل كوكيلٍ لأسرار اللَّه عندما عهد للوقا أن يكتب إنجيله, وعندما أرسل تيموثاوس (1 تى 1: 1- 4) يفرز (التعاليم الصادقة عن الخرافات) في كنيسة أفسس. أتجاسر أيضًا فأقول أن بولس عمل كخادم المسيح في كورنثوس بينما صار وكيلا لأسرار اللَّه في أفسس.]

إنه كخادم المسيح ووكيل أسرار اللَّه يفرز نفسه عن الرسل الكذبة الذين يخدمون أنفسهم ويطلبون كرامتهم الذاتية فيقَّسمون كنيسة المسيح الواحدة.

- قال بولس هذا لأن بعض الكورنثوسيين قد أهانوه. إنه لم يكرز بشيء مختلف عما بشّر به الرسل. فإذ يدعو نفسه خادمًا للمسيح ووكيل أسرار اللَّه يشير بطريقة عملية كاملة لا تحتمل الشك إلى الرسل الكذبة من هم. إنه يرفض القول بأنهم يكرزون بالمسيح, لأن كرازتهم لا تتفق مع التقليد الرسولي.

أمبروسياستر

-"هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء سرائر اللَّه". يقوم الوكيل بإدارة أمور موكله حسنًا دون أن ينسب لنفسه ما لموكله، بل على العكس ينسب ما لديه لسيده... أتريد أن ترى مثالاً لوكلاء مؤمنين؟ اسمع ما يقوله بطرس: "لماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشى؟" (أع 12:3).

وعند كرنيليوس أيضا قال: "قم أنا أيضًا إنسان"... وبولس الرسول لا يَقِلْ عنه أمانة فيقول: "أنا تعبت أكثر من جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمة اللَّه التي معي" (1 كو 10:15).

وعندما قاوم الرسول أولئك الأشخاص غير الأمناء قال: "وأي شيء لك لم تأخذه؟"

القديس يوحنا ذهبى الفم

"ثم يسال في الوكلاء لكي يُوجد الإنسان أمينًا" [2].

ماذا تعني الأمانة هنا سوى التزام الخادم بتقديم الوصية الإلهية طعامًا لائقًا للأسرة الإلهية أو كنيسة اللَّه. يقدم السيد المسيح الكلمة على المائدة لكي تشبع النفوس منه وتتحد به، فتصير جسده الواحد.

في ذهن الرسول بولس كل خادمٍ أو كل مؤمنٍ يلتزم أن يكون وكيلاً أمينًا في الشهادة للحق الإلهي بروح القوة والشجاعة والحكمة.

يكون أمينًا للَّه الآب لكي يدخل هو واخوته إلى أحضانه الإلهية كابناءٍ له.

يكون أمينًا للسيد المسيح لكي يتمتع الكل بشركة آلامه وصلبه ويختبر الكل قوة قيامته.

يكون أمينًا للروح القدس لكي يشكل البشرية أيقونة حية للعريس السماوي.

يكون أمينًا لكنيسة اللَّه ليعمل بروح القداسة والنقاوة، فيشهد لإيمانه بأعماله في الرب.

ويكون أمينًا لخدمته حتى لا يُلام إنجيل المسيح، فيسلك الطريق الملوكي المعتدل، ويقود قطيع المسيح بحسب فكر المسيح لا فكره الشخصي.

إن كان الرسل يخشون على الدوام أن يسألهم الموكل السماوي عن مدى أمانتهم في الوكالة، فكم يليق بنا نحن أن ندقق في حياتنا وخدمتنا حتى نستطيع مجاوبة اللَّه في يوم الرب العظيم؟

- إن كان بولس ينطق بهذا عن أناس مثله ومثل بطرس وأبلوس فكم يكون هذا بالأكثر صادقًا بالنسبة لنا؟ يلزمنا أن نكون حذرين ومتيقنين أن نوجد وكلاء أمناء.

العلامة أوريجينوس

يشعر الخادم الحقيقي أنه كوكيل لأسرار اللَّه مدين له بكل قدراته ومواهبه ومعرفته للحق، وأنه عاجز عن التمتع بسمة الأمانة بدون عون إلهي. لهذا لن يكف عن الصلاة الدائمة لكي تعمل نعمة اللَّه فيه.

- إذ تسلمتم كل شيء, أدعو اللَّه في كل شيء. اعلموا دومًا أنكم مدينون له.

القديس أمبروسيوس

كوكيل لأسرار اللَّه يشعر الخادم بالالتزام بالأمانة من جانبين: الجانب الأول أنه أمين علي مخازن اللَّه فلا يُقدم طعامًا غاشًا بل طعامًا سماويًا من مخازن موكله السماوي. ومن الجانب الثاني فقد أوتمن على نفوس أبناء سيده، فكل نفسٍ تهلك بسبب تراخيه يُطلب دمها من يديه! هذه هي الوكالة التي يُسأل عنها خادم الرب.

- لا يمكن للصراف أن يستهين ويستخف بودائع الآخرين, إنما بالأحرى يهتم بها لكي يحفظها في آمان إذ هو الشخص الذي وثقوا فيه.

ثيؤدورت أسقف قورش

"وأما أنا فاقل شيء عندي أن يُحكم فيَّ منكم أو من يوم بشرٍ،بل لست أحكم في نفسي أيضًا" [3].

يؤكد الرسول بولس أنه لا يرتبك بالناقدين له، هؤلاء الذين أقاموا أحزاب في الكنيسة تحت اسماء بطرس وأبُلوّس والمسيح لمهاجمة الرسول بولس. فإنه لا يطلب ما هو لمجده الشخصي بل ما هو لمجد سيده الذي يطلب خلاص كل النفوس.

المقياس الذي به يتعرف الرسول على أمانته ليس حكم الناس ولا حكمه الشخصي ولكن انشغاله بيوم الرب العظيم الذي فيه يكشف اللَّه السرائر الخفية.

بقوله "أقل شيء عندي" يظهر الرسول أنه لا يستخف بهم ولا بحكمهم عليه، لكنه أن قورن الأمر بحكم اللَّه فلا وجه للمقارنة.

"يوم بشرٍ" أو "يوم إنسانٍ". كل يومٍ قبل يوم الرب يُحسب "يوم بشرٍ".

- واضح أن بولس لم يكن قلقًا من جهة نفسه إذ كان له ضمير نقي.

أمبروسياستر

-يتهم بولس أهل كورنثوس بأمرين؛ الأول أنهم يبالغون في المديح, والثاني أنهم يحكمون على الآخرين عندما لا يجوز لهم ذلك.

ثيؤدورت أسقف قورش

"فإني لست أشعر بشيء في ذاتي،لكنني لست بذلك مبررًا،ولكن الذي يحكم فيَّ هو الرب" [4].

إذ يُسلم الرسول نفسه بالكلية للَّه الموكل والمعين والديان، ولا ينشغل حتى بالحكم على نفسه، يحمل شعورًا مقدسًا في الرب. فمن جانب يتصاغر أمام عيني نفسه بروح التواضع، وفي نفس الوقت لا يعاني من الشعور بالذنب. ففي تواضع يعلن أنه ليس مبررًا، لأن ما يتمتع به من برَّ هو من فضل النعمة الإلهية.

ومن جهة أخرى يعلن عدم معاناته من الشعور بالذنب إذ يقول: "لست أشعر بشيء (من عدم الأمانة) في ذاتي". لا يعني أنه بلا خطأ، إنما الرب يحكم عليه خلال رحمته ونعمته الفائقة. يشعر بالتقصير مهما كان أمينًا لكن الرب يكمل ضعفاته ويبرره. فلماذا يحكم أهل كورنثوس عليه كمخطئ؟ كأنه يقول: "من جهتي لست أحسب نفسي شريرًا أو غير أمين في وكالتي". إذ له ضمير صالح، لن يشك في أن الله يبرره (رو 5: 1)، لكنه لا يحسب نفسه بلا ضعف. لكنه يحرص ألا يفقد إكليله في يوم الرب العظيم (1 كو 3: 14 - 15).

مع مقاومة حتى الذين خدمهم له، يبقى الرسول مملوء بروح الرجاء واليقين أن خدمة المسيح لن تفشل وخطة اللَّه حتمًا تتحقق!

- يعرف بولس أنه وإن كان قلبه لم يزل يميل إلى الخطية إلا أن أعماله مستقيمة.

العلامة أوريجينوس

- ألا ترون أنه لا ينتفخ، بل بكل وسيلة يتواضع، وأنه بقي هكذا حتى بلغ إلى القمة.

القديس يوحنا ذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email

2. عدم إدانة الخدام

إذًا لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب،الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب،وحينئذ يكون المدح لكل واحدٍ من اللَّه" [5].

يطالب الرسول المهتم بخلاص نفسه وخلاص اخوته ووحدة الكنيسة أن توضع الأمور في نصابها. فمن جانب لا يستطيع أحد أن يحكم عليه، فلا يأتمن حتى قرار نفسه الداخلي لأن فحص القلوب هو من سلطان اللَّه وحده. ومن جانب آخر فإن اللَّه ترك الحكم إلى يومه العظيم وأيضا هو وحده القادر أن يمدح بتقديم المكافأة السماوية والمجد الذي لا يزول ولا يفسد! فلماذا نغتصب كرسي اللَّه بإدانة الآخرين؟ لنترك الحكم في يد القادر على إصدار الحق والعارف بخبايا القلوب، ولا نتعجل الزمن، فالوقت مقصر ويوم الرب قادم سريعًا، والمجد مُعد لنا! كأنه يقول: "إن كان اللَّه ينتظر حتى اليوم الأخير لكي يمدح السالكين بأمانة لينالوا مجدًا سماويًا، فلماذا تنشغلون بإدانة الخدام وتحكمون عليهم كمن يجد لذة في هلاك الآخرين؟"

نحن الآن ننظر ما هو من الخارج لكن لا يقدر أحد أن يدرك نية الغير ودوافعه، فلا يستطيع أن يحكم على أمانته. لذا يليق الانتظار حتى يحل يوم الرب فيكشف الداخل ويكون المدح من الله لا الناس (يع5: 7).

- إن كنت عاجزًا عن الحكم على نفسي، فكيف أدعى الحق في الحكم على الآخرين؟

ثيؤدورت أسقف قورش

- سيحكم اللَّه في وقته المناسب. فإن القاضى يُهان متى ادعى خادم ونطق بحكم قبل معرفة قرار الحكم الذي للقاضي.

أمبروسياستر

يحاول العدو أن ينحرف بنظر الكنيسة عن العريس الحقيقي إلى صديق العريس، تمجده في ذاته أو تذمه. والكنيسة من حيث هي عروس للعريس الواحد يسوع، ليس لها آخر سواه، ليس لها إلا أن يسيطر العريس وحبه والتفكير في مجيئه على أفكارها وعواطفها فيملأ قلبها وعقلها وحياتها من كل جانب. والعدو من حيث لا يطيق أن يرى نفسًا تنشغل بيسوع المسيح يعمل جاهدًا على الانحراف بنا عن العريس نحو آخر، ولو كان صديقًا للعريس فننشغل بالرعاة الصالحين بتمجيدهم في ذواتهم ومدحهم، دون أن تمجد اللَّه معطي البشرية هذا السلطان أو هذه الإمكانية. أما الأشرار فتدينهم وتنقدهم. وهكذا يتحول فكرها من حب العريس إلى الإدانة بالمدح أو الذم.

- إن حام بن نوح، جلب على نفسه اللعنة، لأنه ضحك عندما رأى عورة أبيه. أما اللذين سترا عورة أبيهما فقد نالا البركة.

القديس أمبروسيوس

- من جهة الرعاة الصالحين يجب علينا ألا نضع رجاءنا فيهم بسبب أعمالهم الصالحة، إنما نمجد اللَّه أبانا السماوى الذي جعلهم صالحين هكذا. وأما الرعاة الأشرار الذين أشار إليهم الرب بالكتبة والفريسيين فقد أوصانا عنهم بأنهم يعملون بما هو صالح رغم أعمالهم الشريرة.

فبخصوص الرعاة الصالحين قال: "أنتم نور العالم. لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل ولا يوقدون سراجًا ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة، فيضىء لجميع الذين في البيت. فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكى يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" (مت 5: 14-16).

أما عن الرعاة الأشرار، فقد أوصى الرعية قائلاً: "على كرسى موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه. ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون" (مت23: 2-3).

يا قطيع المسيح، عندما تصغون حتى إلى المعلمين الأشرار، اسمعوا صوت يسوع، وبهذا تقتاتون في آمان، ولو كان الذين في مرعى الرب رعاة أشرارَا!...

أما بالنسبة لأولئك الذين يرونهم صالحين، فانهم لا يكتفون بسماع أقوالهم بل يقتدون بأعمالهم. ومن بين هؤلاء الرعاة كان الرسول القائل: "متمثلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح" (1 كو11: 1). إنه نور استضاء بالنور السرمدى أي بالرب يسوع المسيح نفسه الموضوع على منارة متمجدًا على صليبه. أما عن الرسول نفسه فقد قال: "حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صلب العالم لي وأنا للعالم" (غلا 6: 14). فلم يكن يطلب لنفسه شيئًا بل يطلب ما هو ليسوع المسيح لذلك بينما يطلب ممن ولدهم خلال الإنجيل أن يتمثلوا به (1كو4: 15)، نجده يعنف بشدة أولئك الذين سببوا انقسامات تحت أسماء الرسل، زاجرًا إياهم "..ألعل بولس صلب لأجلكم؟! أم باسم بولس اعتمدتم؟!" (1 كو 1: 13).

فالرعاة الصالحون هم الذين لا يطلبون ما لذواتهم بل ما ليسوع المسيح، والقطيع الصالح هو الذي رغم تمثله برعاته الصالحين الذين بخدمتهم يجمعونه، لكنهم (المؤمنون) لا يضعون رجاءهم في رعاتهم بل في الرب، الذي خلصهم بدمه. حتى أنهم إن خضعوا لرعاة أشرار، يبشرون بتعاليم المسيح غير عاملين بها، فانهم يعملون بما يسمعون منهم لا بأعمالهم، دون أن يتركوا مراعي الكنيسة الواحدة بسبب الرعاة الأشرار. ففي الكنيسة الجامعة ستجد رعاة صالحين ورعاة أشرارًا.

- لكوني كنت جاهلاً بهذه الأمور، فقد هزأت بأبنائك وخدامك القديسين، ولكن لم أربح من وراء هذا سوى ازدرائك بي.

القديس أغسطينوس

-أضف إلى ذلك، لو أعطى ملك هذا الشرف لأحد الخاضعين له، واهبًا إياه سلطانًا أن يسجن من يراهم يُسجنون ثم يطلق من يستحق أن يُطلق، فإن هذا الشخص يكون موضوع حسد واحترام كل الناس، فكم بالأحرى ذلك الذي نال من اللَّه هذا السلطان العظيم جدًا، بقدر سمو السماء عن الأرض، وعظمة الأنفس عن الأجساد، مع أن البعض يبدو لهم كما لو أنهم نالوا شيئًا قليل القيمة...

ليُنزع عنا مثل هذا الجنون!! لأن الازدراء بعملٍ عظيمٍ كهذا هو جنون مطبق لأن بغيره يستحيل الحصول على الخلاص أو نوال الأمور الصالحة التي وعدنا بها. فإن كان أحد لا يدخل إلى ملكوت السماوات ما لم يولد من الماء والروح، ومن لا يأكل جسد الرب ويشرب دمه يُستبعد من الحياة الأبدية، وهذه جميعها تتم على أيديهم المقدسة، أقصد أيدى الكهنة، فكيف يمكن لأحد بدونهم أن يهرب من نار جهنم أو يقدر أن يربح تلك الأكاليل المعدة للفائزين؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

لاحظ العلامة أوريجينوس أن الرسول بولس لم يقل: "يكون المدح والذم لكل واحد من اللَّه"، فإن اللَّه لا يود أن يذم أحدًا ولا أن يهلك أحدًا، بل أن يمدح ويمجد!

- لماذا يشير بولس فقط إلى المدح الذي من اللَّه, ولم يشر إلى شيء من الإدانة؟ يبدو لى أن السبب أن ما يستحق المديح يصل إلى أذني اللَّه, أما الأمور الأخرى فتعبر في سكون. بل ويمكنني أن أقول أكثر من هذا بأن اللَّه يتقبل الأمور المستحقة المديح, أما الأمور الأخرى فتعبر إلى إبليس.

العلامة أوريجينوس

-اعترف أنني أخطئ كل يوم بخصوص هذا، فإنني لست أعرف متى وكيف ألاحظ حكم الكتاب المقدس: "الذين يخطئون وبّخهم أمام الجميع لكي يكون عند الباقين خوف" (1تي20:5) والحكم: "اذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما" (مت15:18)، وبين الحكم: "لا تحكموا في شيء قبل الوقت" [5]. فإنه لا يُعرف أحد من آخر بدقة كما يعرف الشخص نفسه. بل ولا يعرف الشخص حتى ذاته حتى يتأكد من سلوكه في الغد ماذا سيكون. لذلك فإنه بالرغم من أن كثيرين يُعرفون من ثمارهم، فالبعض يبهجون أقرباءهم بحياتهم الصالحة بينما يحزن الآخرون أقرباءهم بحياتهم الشريرة، إلا أن أذهان البشر غير مدركة وغير مستقرة، لذا فإنه من باب الحكمة العلوية أن يحثنا الرسول: "لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب، وحينئذ يكون المدح لكل واحدٍ من اللَّه".

- كم تكون خطيتنا ضد الآخرين عندما نستخدم نفس الطريقة التي يستخدمونها عندما يوبخنا هؤلاء الذين يجدون خطأ في آرائنا فيشتهون أن يجرحوننا لا أن يصححوا خطأنا.

حقًا هذا يحدث بسبب العداوة المرة بين الأشخاص حتى بين المرتبطين ببعضهم البعض بعاطفة قوية وصداقة حميمة، عندما "يفتكروا فوق ما هو مكتوب كي لا ينتفخ أحد لأجل الواحد على الآخر" [6]. وبينما يعض الواحد الآخر ويفترسه يلزم أن نخاف لئلا يهلك الواحد الآخر (غلا 15:5).

القديس أغسطينوس

واضح أن حديثه هنا عن "خفايا الظلام" لا يعني أعمال الظلمة أو الليل، أو ما كان يمارسه البعض خفية في هياكل الأوثان ليلاً، وإنما يقصد الأمور السرية، أي نيات القلب ودوافعه وأسراره وخططه التي تبدو كما في مكان خفي مظلم، فلا تقدر الأعين البشرية أن تعاينها. تبقي هذه جميعها مخفية حتى يكشفها الديان القدير في يوم الرب العظيم. لا يعني هنا أعمال الظلمة الشريرة، إنما كل النيات الصالحة أو الفاسدة المخفية عن أعين البشر، والتي يكشفها يوم الرب العظيم.

" "فهذا أيها الاخوة حولته تشبيهًا إلى نفسي وإلى أبلوس من أجلكم، لكي تتعلموا فينا أن لا تفتكروا فوق ما هو مكتوب كي لا ينتفخ أحد لأجل الواحد على الآخر" [6].

جاءت الكلمة اليونانية المترجمة تشبيهًا تعني تغيير شيء بآخر أو تحويل شيء إلى آخر ليكون رمزًا له.

لقد أشار الرسول بولس إلى نفسه وإلى أبلوس في تشبيه حتى يخفي أسماء المتهمين الكورنثوسيين الحقيقية لكي يمنع استياء الناس إليهم حتى يرجعوا ويتوبوا.

الاثنان كخادمين أمينين للمسيح يحملان ذات الفكر. فلا يحسبوا هذه الرسالة شخصية منه إنما تحمل فكر الإنجيل الذي يكرز هو به ويكرز به أبلوس أيضًا.

ماذا يتعلمون منهما؟

يليق بهم أن يروا خطة القديسين بولس وأبلوس وعمل اللَّه في حياتهما وخدمتهما، كيف عملا بكل طاقتهما بروح الحب والتواضع والانسجام معًا، دون أن يطلب أحدهما أن يكون رئيسًا للكنيسة، ولا سببا انشقاقًا. لهذا لاق بالخدام والشعب في كورنثوس عوض أن يقيموا فرقًا تحت اسميهما أن يسلكوا بروحهما.

3. عدم كبرياء الخدام

بعد أن تحدث الرسول عن التزام الشخص بعدم إدانة خدام المسيح ووكلاء أسرار اللَّه كشف لهم عن مرارة نفسه من جهة ما أصاب بعض الخدام من كبرياء.

يسألهم ما هو أساس كبريائهم؟ ما هو الذي يميز المؤمن عن أخيه أو حتى عن غير المؤمن؟ فإن كل ما يتمتع به هو عطية إلهية. فمن الغباء والجهالة أن ينسب المعلم أو المؤمن ما قد ناله كأنه من قدرته، بل يليق به أن يسبح اللَّه قائلاً: "ليس لنا يارب، ليس لنا، لكن لاسمك أعطِ مجدًا، من أجل رحمتك، من أجل أمانتك" (مز 115: 1).

"لأنه من يميزك؟وأي شيء لك لم تأخذه؟وإن كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟" [7]

هنا يوجه الرسول حديثه إلى بعض المعلمين الذين نالوا مواهب معينة ككلمة الوعظ أو المعرفة الخاصة بإنجيل المسيح. فهو يسألهم لماذا يفتخرون بما وهبهم اللَّه، ألم يقدمها اللَّه لهم لكي يحملوا روح التواضع لا الكبرياء؟

إن كان اللَّه قد ميز البعض بمواهب معينة فهي هبات مجانية مقدمة لا عن استحقاق الشخص ولا من أجل جهاده الشخصي ومهارته وسعيه بل من أجل بنيان الجماعة المقدسة. لهذا يليق بالمعلم الموهوب أن يشكر اللَّه الذي ميزه بمواهب معينة فلا يرد العطية بالعجرفة والجحود بل بروح الشكر في تواضعٍ.

-لا يمكن بإرادة أي إنسان أو رغبته مهما كانت غيرته واشتياقه للفضيلة أن يصل إلى مكافأة الكمال وشرف الطهارة المستقيمة، وإن تكون هذه الإرادة كافية، طالما هو مُحاط بالجسد الذي يحارب الروح ما لم تسنده مراحم اللَّه.

ولكي يدرك رغبته العظيمة التي يسعى إليها عليه أن يدرك "أن كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار" (يع17:1)، "لأنه من يميزك وأي شئ لك لم تأخذه، وإن كنت قد أخذت، فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟!" (1كو7:4) .

القديس يوحنا كاسيان

- ما كنا نصلي لكي لا ندخل في تجربة لو كانت إرادتنا فيها الكفاية لحمايتنا... لذلك تُقدم لنا الإرادة عندما نصير حكماء بعطيته (الإلهية)، لكن يلزمنا أن نصلي لكي نصير قادرين على تحقيق ما نريده. في الواقع إذ تبدأ في ممارسة هذه الحكمة الحقيقية تجد مجالاً لتشكر: "أي شيء لك لم تأخذه؟ وإن كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟" [7]، إي إن كنت قادرًا أن تأخذ من عندك. إذ تعلم من أين أخذت هذه اسأل ذاك الذي بعطيته بدأت أن تنال حتى تصير العطية كاملة.

القديس أغسطينوس

يدفعهم الرسول بولس إلى التواضع بطريقة لطيفة، فإنهم يظنون أنهم مكتفين وملوك وحكماء أفضل من الرسل.

"إنكم قد شبعتم،قد استغنيتم،ملكتم بدوننا،وليتكم ملكتم لنملك نحن أيضًا معكم" [8].

الشبع هنا يشير إلى الشبع من الطعام خاصة في الاحتفالات والأعياد. فقد ظنوا أن سعادتهم وغناهم في الفلسفات الزمنية والحكمة الزمنية أو في المواهب الروحية التي أعطيت لهم (1 كو 14: 26)، فصاروا أغنياء وملوكًا، يتمتعون بأمور كثيرة، في كرامة ومجدٍ. فحسبوا بروح الكبرياء أنهم ليسوا في عوز إلي أحد.

يشتهي بولس الرسول أن يملكوا بالحق، فإنهم إذ يبلغوا الملكوت يصيرون إكليل فرحه في حضرة ربنا يسوع (1 تس 2: 19).

4. متاعب الخدمة

إذ وبخهم الرسول علي كبريائهم وتشامخهم بدأ يكشف لهم عما يحتمله الرسل وخدام المسيح الحقيقيين من أجلهم.

"فإني أرى أن اللَّه أبرزنا نحن الرسل آخرين،كأننا محكوم علينا بالموت،لأننا صرنا منظرًا للعالم، للملائكة والناس" [9].

اقتبس الرسول هذا الأمر مما كان يحدث في المسارح الدموية الرومانية حيث كان المجرمون المحكوم عليهم بالموت يُقدمون إلى الساحة ليصارعوا مع الوحوش المفترسة أو ليُقاتلوا بعضهم البعض. وكان الشخص الغالب لا ينجو من الموت إذ يدخل مع معركة ثانية وثالثة حتى ينتهي مصيره بسفك دمه.

وكانوا أحيانًا يُلزمون بدخول الساحة عراة ليسخر الكل منهم، ويجد الكل مسرتهم في ما يعانوه من جراحات قاتلة. إذ كان الأباطرة الرومان يلقون المجرمين في الساحة كنوع من الترفيه عن الشعب الذي يجد لذته في هذه العروض العنيفة.

وصف سنيكا هذه المشاهد في رسالته السابقة بأنها كانت مجازر، وأن الذين كانوا يلقون للوحوش المفترسة الجائعة في الصباح يُحسبون أنهم يُعاملون بالرحمة والشفقة عن الذين يتركون إلى الظهيرة ليقاتل المحكوم عليهم بالموت بعضهم البعض.

حُسب الرسل كسيدهم ليسوا أهلاً أن يعيشوًا كمن حُكم عليهم بالموت لكي يتخلص العالم منهم. يرى البعض أن الرسول بولس يكتب هذا وفي ذهنه عادة عامة بين كثير من الدول الوثنية أن يقدموا ذبائح بشرية في وقت الكوارث الخطيرة وحلول الأوبئة. غالبًا ما يختاروا أشر الأشخاص وأدناهم في المركز الاجتماعي وأسوأهم خلقًا. هذا وكان البعض في العصور الأولى يتطلعون إلى المسيحيين كمصدر غضب الآلهة وعلة حدوث الكوارث الطبيعية أو الهزيمة أمام الأعداء، فكانت الجماهير تثور عليهم وتلقي القبض عليهم وتقدمهم ذبائح للآلهة كي يرفعوا غضبهم عنهم. كانوا يحسبونهم كأقذار العالم ووسخ كل شيء، ينبغي الخلاص منهم تمامًا. إنهم لا يستحقون الحياة.

يرى البعض أنه يقصد هنا "الملائكة الأشرار" حيث يجد إبليس وملائكته لذتهم في السخرية بالمؤمنين وتعذيبهم.

ولعل الرسول يعلن هنا بأن البشر جميعًا، حتى غير المؤمنين، لا يقدروا أن ينكروا طول أناة الرسل وقبولهم حكم الموت بفرحٍ، بل وتدهش الملائكة لعمل نعمة اللَّه فيهم.

يسمح السيد المسيح لتلاميذه ورسله أن يعانوا هذه المتاعب لكي يصيروا منظرًا للناس والملائكة، حيث تتجلى أمانتهم وتُعلن نعمة اللَّه التي تهبهم قوة واحتمالاً وتدخل بهم إلى الأمجاد السماوية.

- كان بولس أهلاً أن يكون منظرًا للملائكة إذ جاهد لينال مكافأة المسيح, فقد صارع ليقيم حياة الملائكة على الأرض, وأن ينزع شر الملائكة في السماء, إذ صارع مع الشر الروحي. بحق كان العالم يتطلع إليه ليقتفي آثاره.

القديس أمبروسيوس

- كانت الملائكة تتعجب لاحتمال الرسل. أما بالنسبة للبشر فالبعض يفرحون بأحزان الرسل, بينما آخرون يشفقون عليهم ولكن ليس لهم ما يقدمونه من عون لهم.

ثيؤدورت أسقف قورش




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 4 جـ3 PDF Print Email

نحن جهال من أجل المسيح، وأما أنتم فحكماء في المسيح. نحن ضعفاء، وأما أنتم فأقوياء. أنتم مكرمون، وأما نحن فبلا كرامة" [10].

- واضح أن ما قيل هو أن بولس ورفقاءه كانوا ضعفاء بينما كان الكورنثوسيون أقوياء.

سفيريان أسقف جبالة

يحدثهم الرسول بنوعٍ من التوبيخ الهادئ إذ لم يكن بولس الرسول جاهلاً ولا ضعيفًا ولا بلا كرامة، وهم ليسوا حكماء ولا أقوياء ولا مكرمين، هذه وجهة نظرهم من نحوه ونحوهم. إنه لا يعترض علي ذلك ولا يثور علي اتهاماتهم ضده وضد سائر الرسل، وإنما يقبل هذا "من أجل المسيح".

بقوله: "أنتم حكماء في المسيح" تعني أنه من أجل المسيح يراهم الرسول حكماء أو في طريقهم لنوال الحكمة الروحية.

- الذين يحبون المسيح هم جهلاء كما يحسبهم العالم.

أمبروسياستر

"إلى هذه الساعة نجوع ونعطش ونُعرى ونُلكم وليس لنا إقامة" [11].

يستعرض الرسول بولس متاعبه هو والعاملين معه فإنه "إلي هذه الساعة", أي بعد خدمتهم بينهم وبين كنائس كثيرة لا يزالوا يجوعون ويعطشون ويتعرون ويلكمون كعبيدٍ (1 بط 2: 20)، ليس لهم مكان إقامة يستقرون فيه، ويعملون بأيديهم لأجل احتياجاتهم اليومية بالرغم من التزاماتهم ومسئولياتهم العظيمة التي في أعماقهم نحو العالم. يالها ما صورة مؤلمة لرسل ملك الملوك الذين يحتاجون إلى أكل وشرب وملبس ومكان يستقرون فيه فلا يجدون! لكنهم لم يبلغوا بعد الفقر الذي للسيد المسيح الذي ليس له أن يسند رأسه (لو 9: 58 ؛ مت 8: 20).

تبدو هذه الصورة لخدام المسيح الحقيقيين قاتمة للغاية، فمن أجل الخدمة ليس فقط يتهموا بالجهل والضعف ويصيبهم الهوان [10]، وإنما يعانون من الجوع والعطش والعري واللكم والتشريد. لكن هذه الصورة تصير بهية للغاية إن أدرك الخادم أن ما حلّ به لا يقُارن بما حلّ بسيده، الذي لم يكن له موضع يسند فيه رأسه (لو 9: 58). إنه يشاركه جوعه وعطشه وعريه علي الصليب وآلام الصلب والرفض حتى من خاصته! الحب يحول الآلام والأتعاب إلى شركة مجد مع المصلوب!

بقوله "إلى هذه الساعة" يؤكد الرسول أن الآلام والضيقات ليست عارضة ولا أحداث ماضية لكنها مستمرة خلال الخدمة، هي جزء لا يتجزأ من العمل الرسولي. وهي ليست خاصة بشخصٍ معين، بل بكل الرسل والخدام، إذ يتحدث الرسول بصيغة الجمع.

بكامل حرية إرادتهم يود الرسل أن يشاركوا سيدهم آلامه فيصومون حتى يجوعوا ويعطشوا، أما أنهم يتعروا فتحمل معنى تحركهم المستمر حتى تبلى ثيابهم ولا يجدوا مالاً يشترون به ثيابًا جديدة.

لم يخجل بولس الرسول من الوقوف أمام ملوك وولاة بثياب بالية, لأنها تبلى بسبب خدمة سيده.

لم تمنعه ثيابه البالية من الدخول إلى بيت الرب والوقوف أمام اللَّه للعبادة. إنها في عيني اللَّه مجد وكرامة لبولس!

لا يخجل الرسول من القول بأن "ليس لنا إقامة" يُطردون من موضع إلى آخر ويجولون بلا موضع استقرار. ليس له عائلة مستقرة تعطيه شيئًا من التعزية خلال السلام الأسري.

بينما يظن الكورنثوسيون أنفسهم ملوكًا [8] إذ به يُلكم، أي يُعامل كعبدٍ مرذولٍ (ا بط 2: 20)، فقد لُكم سيده وهو في طريقه إلى الموت كعبدٍ (مت26: 67).

"ونتعب عاملين بأيدينا، نُشتم فنبارك، نُضطهد فنحتمل" [12].

يالها من صورة رقيقة عجيبة، فإن الإنسان بطبعه، بعد السقوط، متعجرف يود أن ينتقم لنفسه، فيرد الشتيمة بشتيمة، مدافعًا عن كرامته وعن مصالحه. إنها نعمة اللَّه هي التي تفتح قلب المؤمن كي لا يقاوم المسيئين إليه بل يحبهم، مباركًا لاعنيه، مقدمًا خيرًا لمن يضايقونه.

يعلنون عمليًا عن فكر مخلصهم الذي قابل شر البشرية بالحب وطول الأناة. إنها نعمة اللَّه القادرة وحدها أن تهبهم الشركة في سمات السيد المسيح.

-إن حفظنا وصايا المسيح، إن احتملنا مضرات، إن سمحنا بأن نُحرم من المكاسب، إن شُتمنا نبارك، إن اضطهدنا نفعل صلاحًا؛ إن كانت هذه هي الممارسة العامة بيننا فليته لا يكون أحد متوحشًا كمن لم يتغير إلى الصلاح. بإظهار هذا، فإن بولس كان رجلاً واحدًا لكنه كم من الناس جذبهم ليكونوا مثله؟!

- يأخذ المسيحيون موقفًا مناقضًا من أجل المغفرة للآخرين ونسيان تعدياتهم. فقد قيل: "نُُشتم فنبارك، نُضطهد فنحتمل". اسمع إسطفانوس يقول: "يا رب لا تقم لهم هذه الخطية" (أع 6:6).

القديس يوحنا ذهبي الفم

-"سمعتم أنه قيل: تحبُّ قريبك وتبغض عَدُوَّك. وأما أنا فأقول لكم أَحِبُّوا أعداءَكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مُبغِضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئُون إليكم ويطردونكم. لكي تكونوا أبناءَ أبيكم الذي في السموات... فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل".

ولكن من أين لنا القدرة على احتمال كل تلك الأضرار السابق الإشارة إليها، إلا إذا كنا قد نفذنا أوامر السيد المسيح بمحبتنا لأعدائنا ومضطهدينا؟

فإن كمال الرحمة والمحبة والاحتمال لا يمكن أن يمتد إلى أكثر من الأعداء. لذلك اختتم رب المجد ذلك بقوله: "فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل؟" على أنه ينبغي أن نذكر أن كمال اللَّه يختلف عن كمال نفوسنا كبشر...

القديس أغسطينوس

"يُفترى علينا فنعظ. صرنا كأقذار العالم،ووسخ كل شيء إلى الآن" [13].

جاءت الكلمة اليونانية المترجمة " يُفتري" بمعنى يُجدف علينا. يُفترى علي اللَّه حين يُجدف عليه بإنكار وجوده ومقاومة الإيمان به أو الإساءة إلى سماته وعنايته الإلهية ونعمته ومقاومة تعاليمه ووصاياه؛ حينما يحتقر الشخص هذه الأمور أو ينكرها أو يقاومها. ويُجدف علي الإنسان حين يؤذيه أحد في شخصه أو كرامته أو سلوكه أو ممتلكاته.

لكي نفهم هذه العبارة يليق بنا أن نعرف بعض العادات التي كانت تسود العالم الوثني. عندما كانت تحل كارثة عامة كانت الجماهير تختار بعض الأشخاص المرذولين والبائسين والأدنياء في أعينهم الذين يقوم المجتمع بإعالتهم طول السنة، ويقودونهم بعد وضع أكاليل من الورود علي رؤوسهم ليقدموهم ذبائح كفارية لإرضاء الآلهة. يلقون باللعنات التي للبلد كلها علي رؤوسهم ثم يجلدونهم سبع مرات، ويحرقونهم أحياء، ويأخذون الرماد ليلقونه في البحر بينما تقول الجماهير: "كونوا كفارة عنا".

هكذا يري الرسول بولس أن رسل السيد المسيح الذين هو كفارة عن العالم كله، يُعاملون كمن حُكم عليهم بأنهم لا يصلحون لشيء سوي أن يكونوا ذبائح كفارية للشياطين وذلك من أجل السلام والصالح العام.

كلمتا "أقذار" و"وسخ" في اليونانية تشيران إلى تقديم ذبيحة خلاصية للتطهير. كما تشيران إلى الزبالة التي تجمع من البيت وتُلقي فيصير البيت نظيفا. في مثل هذه الحالات يُلقي الشخص في البحر مثل الذبيحة. يقول العلامة أوريجينوس أن ربنا في تقديم ذاته كفارة عن خطايانا كان أكثر من تلاميذه الذين هم ذبيحة تطهير للعالم، وذبيحة معينة عن كل البشر.

كأن الرسول يعني أنه هو وزملاءه كانوا يعاملون ككائنات بائسة حُكم عليهم ألا يصلحوا في شيء إلا أن يكونوا ذبائح بشرية لاسترضاء الآلهة من أجل سلام الآخرين وخلاصهم.

بقوله: "أقذار العالم" يعني هنا أنه يُنظر إليهم أنه لا يوجد في العالم من هم أكثر منهم خسة وحقارة ليتخلص منهم.

بعد أن أبرز ما يلحق بهم هو وزملاءه من إهانات حتى حُسبوا كأقذار العالم ووسخ كل شيء يجب الخلاص منهم لأجل تطهير العالم منهم، يتحدث معهم بلغة الحب واللطف. إنه أب وليس رئيسًا، إذ ينذر إنما في حب أبوي وحنو. أبوته تلزمه أن ينذرهم ليخجلهم ويصلح من شأنهم.

ليس لكي أخجلكم أكتب بهذا بل كأولادي الأحباء أنذركم" [14].

كأنه يقول: "لست أكتب إليكم كمن يبحث عن خطأ ضدكم، ولا كمن يطلب منكم حتى الاحتياجات الضرورية للحياة " (1 كو9: 15)، بل كأبٍ يبحث عن بذل ذاته لأجل أبنائه المحبوبين لديه جدًا.

لست أكتب إليكم لكي أخجلكم متي قارنتم أتعابكم بأتعابي. هذا ليس هو هدفي أن أخجلكم فأظهر كمن غلبكم وأفحمكم. إني أب، لن أقبل أن تكونوا في عارٍ أو خزيٍ.

-يعمل بولس هنا كطبيبٍ صالحٍ يهدئ من الألم الذي تسبب من العملية التي قام بها ليزيل المر, حتى يُشفي المريض.

أمبروسياستر

5. أبوة الرسول

لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرون، لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" [15].

كأبٍ يكتب إليهم لا لتوبيخهم أو إبراز أخطائهم كأعداءٍ له، بلا خلال أحشائه الأبوية يطلب بنيانهم. يشتهي إصلاحهم وتقديسهم لا دينونتهم والحكم عليهم.

إذ ينذرهم يميز بينهم وبين خطاياهم، يحبهم كأولاد له، ولا يطيق خطاياهم إذ يطلب تقديسهم في الرب.

يميز الرسول بين المعلمين والأب، فهم محتاجون إلي معلمين يرشدوهم ويدربوهم علي الحق، لكنهم لم يبلغوا أحشاء الأب الذي ولدهم في الإنجيل فحملهم إلى البنوة للَّه. هو وضع الأساس إذ أنشأ الكنيسة هناك وآخرون أقاموا البناء عليه.

كأنه يصرخ إليهم أن يدخلوا إلي أحشائه ليجدوا فيها دفء الحب الفائق في المسيح يسوع. يحمل أبوة روحية لهم إذ قبلوا الإيمان بالمسيح علي يديه خلال كرازته. لقد وضع الأساس الإنجيلي ويأتي من بعده من يكمل البناء فيكون هو كمن ولدهم والآخرون يرشدونهم.

كلمة "المرشدون" هنا تشير إلى المدربين الذين يقودون الأطفال إلى المدرسة ويراعون سلوكهم أثناء المدرسة حتى يهذبون حياتهم. كما تحمل معنى المعلمين بصفة عامة الذين يقدمون تعاليم للتلاميذ من أي نوع.

وما هي المدرسة؟ "في المسيح"، فهم مرشدون روحيون يدخلون بهم إلى المعلم الحقيقي والمهذب الإلهي القادر وحده بروحه القدوس أن يجدد أعماقهم.

بقوله: "ربوات من المرشدين" واضح كثرة عدد الخدام والمعلمين في كورنثوس.

يكشف لنا القديس يوحنا الذهبي الفم عن مفهوم الأبوة الروحية للخادم في صورة رائعة، سبق أن اقتبست منها بعض عبارات تعبر عن خبرته الحية العجيبة.

- ليس أحب إليّ أكثر منكم،

لا، ولا حتى النور! إني أود أن أقدم بكل سرور عيني ربوات المرات وأكثر، إن أمكن، من أجل رجوع نفوسكم!

عزيز عليّ جدًا خلاصكم، أكثر من النور نفسه...

لأنه ماذا تفيدني أشعة الشمس إن أظلم الحزن عينيّ بسببكم؟...

أي رجاء يكون لي إن كنتم لا تتقدمون؟

وعلى العكس أي يأس يقدر أن يحل بي مادمتم نامين؟ فإنني إذ أسمع عنكم أخبارًا مفرحة أبدو كمن صار له أجنحة... تمموا فرحي...

إني أحبكم، حتى أذوب فيكم، وتكونون ليّ كل شيء، أبي وأمي واخوتي وأولادي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ويحدثنا القديس يوحنا الذهبي الفم عن أبوة الرسول بولس العملية لكل البشرية فيقول في عظاته في مدح الرسول:

[لقد رأيتم إنسانًا جاب الأرض كلها، لأن طموحه وهدفه هما أن يقود كل إنسانٍ إلى اللَّه. وقد حقق بكل ما ادخره من قوة هذا الطموح، وكأن العالم كله قد صاروا أبناءه، لهذا كان على عجلة من أمره.

كان دائم التجوال، كان دائم الحماس لدعوة كل البشرية لملكوت السموات، مقدمًا الرعاية والنصح والوعود والصلاة والمعونة وانتهار الشياطين، طاردًا الأرواح المصرة على التحطيم.

استخدم إمكانيته الشخصية ومظهره والرسائل والوعظ والأعمال والتلاميذ وإقامة الساقطين بجهده الشخصي. فكان يسند المجاهدين ليثبتوا في جهادهم، ويقيم كل من طُرح ساقطًا على الأرض. كان يرشد التائبين ويعزي المتألمين ويحذر المعتدين، ويراقب بشدة المقاومين والمعارضين. شارك القائد والطبيب الشافي في الصراع، فمدّ يد المعونة ليهاجم أو يدافع أو يرشد حسب الحاجة في ساحة العمل، فكان كل شيءٍ للمنشغلين بالصراع.]

-الأب هو ذاك الذي غرس بذرة الإنجيل في نفوسهم. المرشدون هم الذين أخذوا الطفل بعد ولادته وأعانوه لكي ينمو.

العلامة أوريجينوس

- يخبر بولس الكورنثوسيين بأنه ليس أحد غيره سيحبهم مثله.

أمبروسياستر

- إذ لا يطلب ما لنفسه، بل مما ليسوع المسيح، وهو يحث الذين ولدوا بالإنجيل أن يتمثلوا به ومع هذا فإنه يوبخ بعنف الذين يسببون انشقاقات تحت أسماء الرسل، ويوبخ الذين يقولون: "أنا لبولس، هل صُلب بولس لأجلكم؟ أو هل اعتمدتم باسم بولس؟" (12:1، 13).

القديس أغسطينوس

تتحقق بنوتنا للَّه خلال عمل الثالوث القدوس، فالروح القدس يهبنا البنوة إذ يربطنا بالابن الوحيد الجنس ويُقيم منا أعضاء جسده. والكلمة نزل إلينا ليسكن فينا ونحن فيه فنتمتع بالبنوة خلاله، أما الآب فمسرته أن يحقق الخلاص بابنه الوحيد الجنس لنتأهل للبنوة له.

-الآن قد تسلمنا في الإنجيل الثلاثة أقانيم والثلاثة أسماء خلالهم يتحقق الميلاد الجديد أو تجديد المؤمنين. من يولد من هذا الثالوث يولد من الآب والابن والروح القدس. فيتحدث الإنجيل عن الروح أن "المولود من الروح روح هو"، ويلد بولس "في المسيح"، والآب هو "أب الجميع".

- يعلن في أقوال اللَّه في أية مناسبة يكون الحبل والميلاد أمرًا صالحًا، وأي أنواع من الولادات الكثيرة يشتهيها قديسو اللَّه. فإن كلا من إشعياء النبي والرسول الإلهي أوضحا ذلك وأكّداه. صرخ أحدهما: "بخوفك يا رب أنا حبلت". والآخر يفتخر أنه صار والدًا لأضخم أسرة، إذ أنجب مدنًا بأسرها وأممًا، ليس فقط الكورنثوسيين الذين شكّلهم للرب بالآلام، بل الكل في دائرة أورشليم حتى إلليريكيون (رو 15: 19)، فقد ملأ أبناؤه العالم، مولودين بواسطته في المسيح خلال الإنجيل.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

يذكر آدم كلارك أنه جاء عن الحاخام شيموث أن فتاة فقدت والديها فقام الوصي بتربيتها وكان رجلاً أمينًا ومخلصًا. وإذ بلغت الفتاة سن الزواج أراد أن يُظهر حبه لها فتقدم لزواجها. إذ بدأ الكاتب يسجل عقد الزواج سأل الفتاة عن اسمها فأجابته. عاد يسألها عن اسم والدها فصمتت طويلاً حتى دُهش الكل. تطلع إليها الوصي وقال لها: "لماذا تصمتين؟" أجابت الفتاة: "لأني لا أعرف لي أبًا سواك، لأن من يهذب طفلاً في حياة صالحة هو أفضل من الأب الذي ولده". ربما كانت هذه هي مشاعر الرسول بولس الذي اهتم بتربية مخدوميه في المسيح بعد أن قدم لهم الإنجيل ونالوا الولادة الجديدة في المعمودية.

"فأطلب إليكم أن تكونوا متمثلين بي" [16].

يسألهم أن يتمثلوا به كما هو بالمسيح (1 كو 11: 1). :انه يقول: "إني تلميذ المسيح، أريدكم كأبناء لي لا أن تكونوا تلاميذي بل تلاميذ المسيح نفسه الأمناء. بكل أمانة قد جلس في السماويات ويسلك نحو السماء". إنه يسألهم أن يتمثلوا به فيحملوا معه ذات الخبرة، ويسلكوا نفس الطريق.

هنا لم يطلب الرسول بولس من الخدام والشعب أن يطيعوا وصاياه بل كأطفال يقلدون أباهم عمليًا ويحملون روحه. حقًا كثيرًا ما نجد من يقدم تعاليم ووصايا لكن قليلين هم الذين يقدمون حياتهم عظة عملية للمخدومين.

يرى ثيؤدرت أسقف قورش أن الرسول هنا يدعوهم للاقتداء به في تواضعه واحتماله الآلام فيجدوا مجدهم في قبولهم المصاعب بفرحٍ لا في نوالهم مواهب معينة.

- يقول بولس للكورنثوسيين: "تواضعوا كما أنا متواضع. احتملوا الآلام كما أتألم أنا. فإنكم ستكافئون لا على مواهبكم بل على آلامكم".

العلامة أوريجينوس

- يود بولس أن يكونوا مقتدين به في تلك الأمور, كما احتمل مصاعب من غير المؤمنين لأجل خلاصهم ولا يزال يحتمل ما دام يكرز بعطية نعمة اللَّه المجانية ليلاً ونهارًا, حتى يبقوا في إيمانه وتعليمه ولا يقبلوا التعاليم الشريرة التي للرسل الكذبة.

أمبروسياستر




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 4 جـ4 PDF Print Email

6. إرساله تيموثاوس

يوبخ الرسول أولئك الذين أشاعوا بأنه لم يرد أن يزورهم بل اكتفي بإرسال الشاب تيموثاوس استهانة بهم.

" "لذلك أرسلت إليكم تيموثاوس الذي هو ابني الحبيب والأمين في الرب، الذي يذكركم بطرقي في المسيح كما أعلِّم في كل مكان في كل كنيسة" [17].

أرسل إليهم تلميذه الشاب تيموثاوس ليس استخفافًا بهم لكنه هو الابن الحبيب والابن في الرب، قادر أن يذكرهم بكلمات الرسول وسلوكه العملي في الرب. دعاه ابنه لأنه قبل الإيمان بالسيد المسيح علي يديه (أع 14: 6- 7).

ما يقدمه القديس تيموثاوس ليس بالأمر الجديد إنما يجدد أذهانهم ليتذكروا ما سمعوه وما رأوه في الرسول بولس. هذا وأن ما كرز به الرسول في كورنثوس هو بعينه قدمه في كل مكان: الحق الإنجيلي الواحد. فإن الإنجيل هو طريق كل عصر ويناسب كل إنسانٍ، فالسيد المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلي الأبد (عب13: 8).

لم يقل أنه يعلمكم لئلا يتضايقوا بسبب صغر سنه إنما يذكرهم بما علمهم به الرسول بولس.

- بقوله: "طرقي في المسيح" يعني بولس أعماله الصالحة التي أخذت شكلاً ثابتًا. إنه يخبر الكورنثوسيين أن يتذكروها, فإنها تحمل شهادة ذاتية ولا تحتاج إلى من يعلم بها.

العلامة أوريجينوس

- حقًا إن محبته له (لتيموثاوس) واضحة في كل موضع (1 كو 17:4؛ 1 كو 10:16-11؛ عب 23:13).

القديس يوحنا الذهبي الفم

7. وعده بزيارتهم

"فانتفخ قوم كأني لست آتيًا إليكم" [18].

- كان بعض الكورنثوسيين غاضبين لأن بولس لم يأتِ إليهم, ليس لأنهم كانوا يريدونه، وإنما لأنهم كانوا متكبرين، وكانوا يظنون أن بولس يحسبهم غير أهلٍ لزيارته لهم. في الواقع كان بولس يود أن يذهب لكنه كان مشغولاً بأعمال أهم.

أمبروسياستر

"ولكني سآتي إليكم سريعًا إن شاء الرب،فسأعرف ليس كلام الذين انتفخوا بل قوتهم" [19].

يتحدث هنا عن بعض المعلمين الذين ظنوا في أنفسهم شيئًا، فسلكوا بروح العجرفة، وأشاعوا بأن بولس يحتقرهم ويرفض زيارتهم.

في خطته أن يذهب إليهم لكنه لن يجزم بذلك، لأنه أداة في يد الرب الذي يقوده حسب مشيئته. أخبرهم ماذا سيفعل عندما سيأتي إليهم. إنه لا يدخل مع المتعجرفين المقاومين له في حوار، لكن حضوره سيكون إجابة وافية مقنعة وقوية ضد افتراءاتهم عليه. من جهة يعدهم الرسول بالزيارة لكى يتهيأوا باصلاح أمورهم في الرب, وفي نفس الوقت يؤكد أنه لا يتحرك بدون مشيئة اللَّه.

- ليس الكلام اللطيف هو الذين يعلن عن حضرة ملكوت اللَّه بل القوة. متى وجدت قوة في الكلمات يكون الملكوت حاضرًا فيها.

العلامة أوريجينوس

-يقدم بولس وعده بأنه سيأتي بارادة اللَّه, لأن اللَّه يعرف أكثر من الإنسان. إن كان هناك نفع لزيارة بولس لكورنثوس فسيكشف اللَّه عن ذلك. أما إذا لم يتحقق ذلك فليعلم الكورنثوسيون أن اللَّه لا يشاء هذا.

أمبروسياستر

"لأن ملكوت اللَّه ليس بكلامٍ بل بقوةٍ" [20].

ملكوت اللَّه هو تمتع بالحياة المُقامة في المسيح يسوع، والتي تحول المؤمن كما إلي كائنٍ سماوي، يحمل روح القوة.

- إننا نصير متساوين مع الملائكة. يٌقدم لنا الملكوت فنُحسب متحدين مع المسيح. إننا نعلم أننا بدون الفضيلة نصير أدنى من الحيوانات العاقلة، لذا يليق بنا أن نتدرب أن نكون بشرًا، لا بل بالأحرى نكون ملائكة، لكي ننعم بالبركات الموعود بها خلال نعمة ومحبة بنا يسوع المسيح.

-يمكننا إن أردنا وبمعونة نعمة اللَّه العاملة فينا أن ننافس بأرواحنا الأرواح السماوية، بل وقد نفوقها.

القديس يوحنا ذهبي الفم

-لا تكفي الكرازة بملكوت اللَّه للخلاص, إنما يليق بالشخص أن يسلك الطريق اللائق بالملكوت.

ثيؤدورت أسقف قورش

- يليق بنا ألا نخدع أنفسنا بالأمان الكاذب, ظانين أن الإيمان دون التجاوب معه بأعمال صالحة يمكن أن يخلصنا في يوم الدينونة.

قيصريوس أسقف آرل

"ماذا تريدون؟أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟" [21].

ما هي العصا التي لا يريد الرسول بولس أن يستخدمها سوي سلطانه الرسولي للتأديب، لقد قدم لهم حق الخيار بين استخدامه السلطان الرسولي الأبوي أن أصروا علي العناد والمقاومة، أو استخدام روح اللطف والحنو إن أظهروا توبة ورجوعًا إلى الحق. بالنسبة له فهو يفضل الاختيار الأخير لا الأول، لكن الأمر بين يديهم، وهم أصحاب القرار الأخير.

في قصتي حنانيا وسفيرة وعليم الساحر وغيرهم واضح أنه كان للرسل سلطان التأديب العلني للعصاة لكي يكونوا عبرة للكل.

- هكذا يعلم بولس ويسير في خطوات سيده مقدمًا مقاله حسب احتياجات تلاميذه، فيستخدم تارة السكين والمشرط وأحيانًا الأدوية البسيطة.

القديس يوحنا ذهبي الفم

-لا تعني العصا عدم وجود المحبة, ولكن المحبة مخفية وراء ضرباتها, ولا يدركها ذاك الذي تسقط عليه.

العلامة أوريجينوس

- يشير بولس أولاً إلى العصا لكي يعطيهم بعد ذلك الراحة بروح الوداعة.

القديس أمبروسيوس

-يقصد بولس بالعصا قوة الروح المُلزمة, التي اعتاد أن يستخدمها ضد عليم, والتي استخدمها اللَّه ضده.

سفيريان أسقف جبالة


من وحي 1كو4

هب لي روح الأبوة

يا أب كل البشرية

 

- في أحضانك الإلهية أجد دفء الحب،

اجتمع مع كل مؤمن بروح الوحدة الحقّة،

واشتهي أن أجد كل البشرية معي!

- حسبتني خادمًا لك، ووكيل أسرارك الإلهية.

وأي خدمة ألتزم بها سوى الكرازة بالحب؟

وأية أمانة أقدمها لك سوى ممارسة الحب؟

هب لي القلب المتسع،

فيحمل أيقونة حبك،

ويضم كل نفسٍ إليك.

هب لي أن أكون سفيرًا بالحب العملي،

يا أيها الحب الحق!

-في أحضانك أنشغل بما يشغل قلبك،

أنشغل بخلاص كل نفس!

فلا أجد فرصة لإدانة خادم أو مخدوم!

لا أطلب في حب استطلاع أن أعرف ما في قلوبهم،

ولا أتعجل يوم الدينونة،

ولا أسرق كرسي حكمك!

هبني بالبساطة أرى في كل أحد بهاء مجدك.

أراك في الجميع فتفرح نفسي بك،

ولا يتسلل فكر الدينونة إلى قلبي!

- عِوض الإدانة أقدم ذبيحة شكر لك.

أراك مصدر كل موهبة روحية لي ولكل خادم، بل ولكل مؤمن!

قلبي يرنم لك تسبيحًا جديدًا.

ونفسي تغني لك أغنية فائقة.

ولساني يلهج دومًا بالشكر لك.

لم تنقصني وأخوتي شيئًا،

ولم تعوزنا من مواهبك،

بل بكل فيض تهب ولا تعير!

- مع كل أغنية شكر أقدم تسبحة المحبة.

اشتهي أن يملك الجميع بدوني،

وأن يتمجد الكل على حسابي،

ويستريح الكل وسط آلامي معك.

ليغتنوا، أما أنا فغِناي هو شركة فقرك.

ليتمجدوا، فعاري هو شركة عار صليبك!

- حكموا عليك بالموت يا واهب الحياة.

فلماذا تئن نفسي إن حسبوني منظرًا للتسلية.

ولماذا أتضايق إن صرت منظرًا للناس والملائكة.

لأُطرد، وأموت معك.

فأحسب عارك مجدًا فائقًا.

- هب لي روح الأبوة يا أب كل البشرية.

لاحتضن الكل في أحشائي، يا من تحتضني في أحشائك.

لأحب الكل أكثر من النور الزمني،

فأشاركك حبك يا من سلمت نفسك من أجلي!

-ماذا أطلب منك يا أبي؟

لن أطلب إلا أن أكون أيقونة حيّة لك.

كل ما في داخلي أبوة مُحِبْة وحكيمة!


1 هكذا فليحسبنا الانسان كخدام المسيح و وكلاء سرائر الله
2 ثم يسال في الوكلاء لكي يوجد الانسان امينا
3 و اما انا فاقل شيء عندي ان يحكم في منكم او من يوم بشر بل لست احكم في نفسي ايضا
4 فاني لست اشعر بشيء في ذاتي لكنني لست بذلك مبررا و لكن الذي يحكم في هو الرب
5 اذا لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى ياتي الرب الذي سينير خفايا الظلام و يظهر اراء القلوب و حينئذ يكون المدح لكل واحد من الله
6 فهذا ايها الاخوة حولته تشبيها الى نفسي و الى ابلوس من اجلكم لكي تتعلموا فينا ان لا تفتكروا فوق ما هو مكتوب كي لا ينتفخ احد لاجل الواحد على الاخر
7 لانه من يميزك و اي شيء لك لم تاخذه و ان كنت قد اخذت فلماذا تفتخر كانك لم تاخذ
8 انكم قد شبعتم قد استغنيتم ملكتم بدوننا و ليتكم ملكتم لنملك نحن ايضا معكم
9 فاني ارى ان الله ابرزنا نحن الرسل اخرين كاننا محكوم علينا بالموت لاننا صرنا منظرا للعالم للملائكة و الناس
10 نحن جهال من اجل المسيح و اما انتم فحكماء في المسيح نحن ضعفاء و اما انتم فاقوياء انتم مكرمون و اما نحن فبلا كرامة
11 الى هذه الساعة نجوع و نعطش و نعرى و نلكم و ليس لنا اقامة
12 و نتعب عاملين بايدينا نشتم فنبارك نضطهد فنحتمل
13 يفترى علينا فنعظ صرنا كاقذار العالم و وسخ كل شيء الى الان
14 ليس لكي اخجلكم اكتب بهذا بل كاولادي الاحباء انذركم
15 لانه و ان كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس اباء كثيرون لاني انا ولدتكم في المسيح يسوع بالانجيل
16 فاطلب اليكم ان تكونوا متمثلين بي
17 لذلك ارسلت اليكم تيموثاوس الذي هو ابني الحبيب و الامين في الرب الذي يذكركم بطرقي في المسيح كما اعلم في كل مكان في كل كنيسة
18 فانتفخ قوم كاني لست اتيا اليكم
19 و لكني ساتي اليكم سريعا ان شاء الرب فساعرف ليس كلام الذين انتفخوا بل قوتهم
20 لان ملكوت الله ليس بكلام بل بقوة
21 ماذا تريدون ابعصا اتي اليكم ام بالمحبة و روح الوداعة




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 5 جـ1 PDF Print Email

جريمة فاضحة!

بعد أن عالج الرسول بولس مشكلة الانقسامات التي حلت بكنيسة كورنثوس قدم قضية لجريمةٍ فاضحةٍ أساءت إليهم جميعًا.

قبل أن يناقش موضوع "خميرة الشر" التي يجب عزلها أوضح الرسول بولس أمرين: الأول أُبوّته في المسيح يسوع (15:4) التي كلفته موته اليومي من أجل خلاص النفوس. والثاني هو ملكوت اللَّه أنه ليس بكلام بل بقوة (20:4).

حياتنا هي تمتع ببرّ المسيح، هذا البرّ نناله منه ونمارسه لأجله. هو خبرة يومية تعيشها الكنيسة كعروس للعريس البار، لذا فهي تحرص على عزل الخمير الفاسدة لا للعقوبة، وإنما لتأديب الفاسد حتى ينحل فساده ويتمتع ببرّ المسيح خلال التوبة الصادقة.

1. خطورة القضية 1.

2. نزع الخميرة الفاسدة 2-6.

3. الاحتفال بعيدٍ دائمٍ 7.

4. عزل الأخ الخبيث 8-13.

1. خطورة القضية

يُسمع مطلقًا أن بينكم زنى، وزنى هكذا لا يُسمى بين الأمم حتى أن تكون للإنسان امرأة أبيه" [1]."

كلمة "زنى" هناporneia تحمل المعنى الواسع للزنا وعدم الطهارة، خاصة الزنا في صورته البشعة.

يظن البعض أن هذه السيدة كانت أممية قبلت اليهودية، وبحسب الشريعة اليهودية فإن مثل هذه السيدة في حل من كل علاقاتها الماضية حتى زوجها غير المؤمن، فمن حقها أن تطلق رجلها وتتزوج مؤمنًا حتى وإن كان ابنا لزوجها غير المؤمن.

بالرغم من إنها قد تكون حالة فردية لكن يليق بالكنيسة أن تقف في حزمٍ ضد فسادٍ كهذا. هنا نتلمس كيف لم يستطع الرسول بولس أن يشتم رائحة الزنا تفوح من عضوٍ في الكنيسة، سواء كان قائدًا أو من الشعب. فإن كانت الطهارة أو القداسة هي العين التي بها نعاين القدوس، فإن الزنا يعكر القلب فلا يعاين اللََّه.

- أحرص على طهارة جسمك وسلامة قلبك، فإنك إن تحققت من نوالهما تبصر اللََّه ربك.

- حب السلام والطهارة فتتأهل لمعاينة وجه الرب إلهك.

- كما أن البخور يعطي لذة للأنف، هكذا يُسر الروح القدس بالطهارة ويسكن في الإنسان.

مار إفرام السرياني

الطهارة هي تأله البشر، زينة الفضائل، تكريس الجنس، رباط العفة، ينبوع النقاء، راحة المسكن، تاج التآلف...

الطهارة لا تبحث عن شيء يزينها، لأنها هي بهاء ذاتها. إنها توصي الرب بنا، وتجعلنا متحدين مع المسيح...

بعكس عدوتها، النجاسة، المبغوضة دائمًا، صانعة بقعة قذرة وقبيحة لمن يخدمونها، غير تاركة الأجساد ولا النفوس من قذارتها. لأنه حينما يسود طبعها تجعل الإنسان كله تحت نير شهوتها... تبدأ بالإغراء وتنتهي بخرابٍ عظيم للنفس التي استمالت نحوها

القديس كبريانوس

لم يوجه الرسول اللوم إلي زوجة الأب، ربما لأنها لم تكن قد قبلت الإيمان بالسيد المسيح.

أجرة الخطية بلا شك أن هي موت، فلماذا يقول الرسول: "زنا هكذا"؟ تميز الكنيسة بين السقوط في الخطية عن عمدٍ، والسقوط عن ضعفٍ. وبين السقوط مع شخصٍ غريبٍ والسقوط مع شخص من المحرم الزواج بهم كالابنة أو الابن أو أحد الوالدين أو زوجة الأب أو زوج الأم الخ.

- نتعلم من هذا أنه توجد أنواع كثيرة من الزنا, بعضها أكثر خطورة من الأخرى. عندما يدينها اللَّه, فإنه يضع في الاعتبار عوامل الخطورة ويجعل العقوبة مختلفة حسبها. في هذه الحالة يعلمنا بولس بأنه حتى وإن تم زواج شرعي, فإنه إن كان ذلك ضد شريعة اللَّه يُحسب الزواج زنا ويستحق الدينونة.

العلامة أوريجينوس

يري البعض أن ما ارتكبه هذا الشخص يرفضه حتى الأمم، وبحسب الشريعة الموسوية يستحق الموت، فكيف يتجاسر مؤمن مسيحي أن يرتكب مثل هذه الخطية؟

- كان هذا الشخص مستحقًا الموت (حسب الشريعة الموسوية) بسبب جريمته, وأما الذين كانوا يسندونه فهم أيضًا غير أبرياء.

أمبروسياستر

2. قطع الفساد

"أفأنتم منتفخون؟ وبالحري لم تنوحوا حتى يُرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل" [2].

يبدو أن هذا الزاني كان قائدًا بليغًا، له موهبة الكلام، فكانوا يفتخرون به عوض أن ينوحوا عليه ويعزلوه.

ويرى البعض أن فريقًا مضادًا إذ سمعوا عن زناه افتخروا بأنه لا يوجد بينهم فساد مثل هذا، فكانوا يعيرون الفريق الأول بدلاً من الاهتمام بخلاص نفسه والبكاء عليه. هذه هي إحدى ثمار الانقسام أن يعير كل فريق الآخر بضعفاته عوض الاهتمام بقداسة الكنيسة كلها.

"يُرفع من وسطهم" تعني عزله أو حرمانه من العضوية الكنسية.

- يحدر بولس كبرياءهم لكن بطريقة بها يرغبون في التعاون معه ولا يكونوا غاضبين.

أمبروسياستر

"فإني أنا كأني غائب بالجسد ولكن حاضر بالروح قد حكمت، كأني حاضر في الذي فعل هذا هكذا" [3].

اعتبر الرسول بولس أنه حاضر بالروح بالرغم من غيابه بالجسد بكونه الكارز الأول لهذه المدينة، فإذ ينعقد مجمع كنسي لبحث هذه القضية يحسب نفسه مسئولاً عن الكنيسة حاضرًا في المجمع بروحه كرئيسٍ له.

- لاحظوا طاقته، فإنه لم يسمح لهم بالانتظار إلى حين حضوره، ولا أن يستقبلوه أولاً وبعد ذلك يصدر الحكم... ولكن كمن ينتزع العدوى قبل أن تنتشر في بقية الجسم فأسرع بحصرها.

- هذا هو معنى أنه حاضر بالروح، كما كان إليشع حاضرًا مع جيحزي وقال له: "ألم يذهب قلبي معك؟" (2مل26:5) يا للعجب! يا لعظمة قوة هذه العطية إذ تجعل الكل معًا كأنهم واحد، وتؤهلهم لمعرفة الأمور البعيدة: "قد حكمت كأني حاضر".

القديس يوحنا ذهبي الفم

"باسم ربنا يسوع المسيح إذ أنتم وروحي مجتمعون، مع قوة ربنا يسوع المسيح" [4].

باسم ربنا يسوع المسيح بكونه رأس الكنيسة، وبسلطانه يتم كل أمر. حضوره بروحه ليحكم علي هذا الزاني ربما يقصد به سلطانه الرسولي الذي تسلمه من الرب.

- لئلا يظنوا أنه متسلط جدًا وأن نغمة صوته تحمل تشبثًا برأيه لاحظوا كيف جعلهم شركاء معه في الحكم.

- ما هو هذا؟ "إذ أنتم مجتمعون باسم الرب"، بمعنى: "اسمه الذين فيه تلتقون وتجتمعون معًا" ومع "روحي". مرة أخرى يقيم نفسه كرأس لهم حتى يصدر الحكم. فإنه ليس لهم إلا أن يقطعوا العاصي كأنه حاضر، وإلا يتجاسر أحد ويحكم عليه بالعفو، واضعًا في اعتباره أن بولس يعلم كل التفاصيل والحيثيات.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- كان يليق بالكورنثوسيين أن يعزلوا هذا الرجل ليس فقط بالموافقة الجماعية بينهم، وإنما أيضًا في قوة المسيح التي كان بولس وكيلاً لها.

أمبروسياستر

"أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد،لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" [5].

يرى البعض أنه إذ يشعر الزاني بأنه قد عُزل من الكنيسة يصير في مرارة نفس، ويشعر كأن الموت قد حلّ به، فيهزل جسده جدًا، أو يقبل حياة الإماتة، ويصير في حكم الموت، بهذا يرجع إلي نفسه بالتوبة ويتمتع بخلاص نفسه.

ويرى آخرون أن الرسول بولس يطلب بسلطانٍ رسوليٍ من السيد المسيح أن يسمح لهذا الزاني أن يُسلم لأمراض جسدية ومتاعب حتى يصير كمن في حكم الموت وكمن هو تحت سلطان إبليس، فيكون ذلك فرصة لعودة قلبه إلي مخلصه.

أشار التلمود إلي درجات للعزل أو الحرمان التالية:

- nidduy منع الشخص من أن يأكل مع آخرين لمدة معينة، غالبًا ثلاثين يومًا.

- cherem أناثيما لمدة 90 يومًا.

- shamata استقصاء دائم من الجماعة المقدسة.

يرى آباء الغرب أن الكتاب المقدس يقدم لنا مملكتين لا ثالث لهما، هما ملكوت اللَّه ومملكة إبليس، فتسليم الشخص للشيطان إنما يشير إلى عزله من الكنيسة، مملكة اللَّه، فيكون منتميًا إلى مملكة إبليس التي اختارها بإصراره علي شره ورفضه التوبة، حتى متى أدرك حاله يتوب فيرجع إلي مملكة اللَّه وتخلص نفسه.

لعل هذا التعبير يشير إلي السماح بتأديب الشخص أو دخوله في ضيق، كقول اللَّه للشيطان عن أيوب: "ها هو في يدك ولكن احفظ نفسه" (أي 2: 6). وقول الرسول بولس: "هيمينايس والإسكندر اللذان أسلمتهما للشيطان لكي ويُؤدبا حتى لا يجدفا" (1 تي 1:20).

لم يقل لهلاك الجسم بل لهلاك الجسد مشيرًا إلى إماتة شهوات الجسد، أما الجسم فيشارك النفس المجد الأبدي، فإن الجسد الفاسد لا يرث ملكوت اللَّه. "هلاك الجسد" لا يعني موته أو هلاك جسمه، إذ عاد الرسول يطلب من أهل كورنثوس أن يردوه إلى شركتهم (2 كو 2:7). إنما يقصد هنا أعمال الجسد كقول الرسول: "وأعمال الجسد ظاهرة التي هي زنى عهارة نجاسة دعارة" (غلا 5:20). إذن يقصد هلاك شهوات الجسد الفاسدة.

- لم يقل أنه "ييأس منه" بل "يُسلّم" للشيطان، فيفتح أمامه أبواب التوبة، ويسلمه كما لناظر مدرسة.

يقول: "مثل هذا" دون ذكر اسمه. "لهلاك الجسد" كما حدث في حالة الطوباوي أيوب، ولكن ليس على نفس الأساس؛ لأنه في الحالة الأخيرة كانت له أكاليل بهيّة، أما هنا فلأجل إزالة الخطايا وبعض الأمراض الأخرى.

القديس يوحنا ذهبي الفم

يجيب القديس يوحنا ذهبي الفم على السؤال: ألم يكن في سلطان الرسول أن يعاقب؟

-لم يكن هذا لكي يٌعاقبوا بل لكي يتعلّموا. فإنه قد أظهر أن له سلطان كما جاء في عبارات أخرى: "ماذا تريدون: أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟" (1 كو 21:4). مرة أخرى يقول: "لكي لا استعمل جزمًا وأنا حاضر حسب السلطان الذي أعطاني إيّاه الرب للبنيان لا للَّهدم" (2 كو 10:13). لماذا إذن دعا الشيطان ليعاقبهم؟ لكي يكون عارهم أعظم فيكون الضيق والعقوبة أكثر إثارة.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- إن كان أحد ما قد مُنع من الصلاة (الجماعية) بسبب خطأ ما قد ارتكبه، فليس من حق أحد أن يصلي معه قبل إتمام ندامته على أساس سليم، ويتمتع بالمصالحة والعفو عن معصيته علانية بواسطة الأب قدام جميع الاخوة. فإنه بهذه الخطة يعزلون أنفسهم عن الشركة معه في الصلاة للسبب التالي. فإنهم يعتقدون أن الذي مُنع من الصلاة كما يقول الرسول: "سُلِّم للشيطان". فإن تحرك أحد بعاطفة شريرة وأقام شركة معه في الصلاة قبل أن يقبله الشيخ يجعل من نفسه شريكًا معه في اللعنة التي حلَّت به، ويُسلِّم نفسه بكامل إرادته للشيطان الذي سُلِّم له الآخر من أجل تصحيح جريمته. وهو بهذا يسقط في معصية أكثر خطورة، لأنه بالاتحاد معه خلال الشركة سواء بالكلام أو الصلاة يعطيه فرصة ليبقى في تشامخه ويشجع العاصي ليجعله أكثر عنادًا.

القديس يوحنا كاسيان

-ينتقد أتباع ماني العهد القديم ولا يعترفون به لأجل تلك الأحكام (التأديبية). ولكن عليهم أن يتأملوا ما قاله بولس الرسول بخصوص الخاطئ الذي أُسلم إلى الشيطان لهلاك الجسد "لكي تخلص الروح" (1 كو 5:5). ورغم أن هذا النص لا يُفهم منه موت الجسم إلا أن الرسول كان يفرض هذا التأديب لا عن كراهية بل في حبٍ كما يتضح من قوله "لكي تخلص الروح".

القديس أغسطينوس

- إن كل ما يحل بنا هو بواسطة اللَّه أو بسماحٍ منه، سواء ما يظهر في الوقت الحالي محزنًا أو مفرحًا، فإنه لأجل نفعنا كما من أبٍ فائق الحنان وطبيب عظيم الترفق. ولهذا فإن البشر كما لو كانوا تحت عناية معلمين يُذلون هنا حتى إذا ما رحلوا من هذا العالم يصيرون في الحياة الأخرى في حال أعظم نقاوة. إنهم ينالون هنا عقابًا خفيفًا حتى كما يقول الرسول: يُسلمون في الوقت الحاضر "للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1 كو 5:5).

الأب سيرينوس




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email

3. نزع الخميرة العتيقة

"ليس افتخاركم حسنًا.ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمر العجين كله؟" [6].

إذ كان هذا الرجل في مركز قيادي فإنه وإن أخطأ كحالة فردية لكنه يمثل خميرة تفسد العجين كله، أي يجلب فسادًا علي كنيسة اللَّه.

- إن لم يُعزل هذا الشخص لن تخلص روح الكنيسة في يوم الدينونة, لأن مصدر العدوى قد أصاب الكل.

- كما أن خطية شخص واحد تعدي الكثيرين إن لم تُعالج في الحال متى اُكتشفت، هكذا تكون أيضًا خطية الكثيرين متى عرفوها ولم يحيدوا عنها أو يتظاهروا كمن لم يلاحظوها. تبدو الخطية كأنها ليست خطية إن لم تُصحح أو يتجنبها الشخص.

أمبروسياستر

- لا يُؤخذ هذا بمعنى حرفي. ما يعنيه بولس أن هذا الشخص يُعزل من الكنيسة، فيلتزم أن يحيا في العالم الذي يسيطر عليه الشيطان. بهذه الوسيلة سيتعلم مخافة الرب ويهرب من العقوبة العظمى المقبلة.

ثيؤدور أسقف المصيصة

-يسلم بولس للشيطان من هم قد جدفوا بكامل إرادتهم.

القديس جيروم

- إنه لا يعني أنه يسلمه لقوى الشرير, بل بالأحرى إلى شرور هذه الحياة مثل الأمراض والأحزان والآلام والظروف الأخرى المنسوبة للشيطان. هذا المعنى هو ما استخدمه بولس. ما يعنيه أن هذا الإنسان يلزم أن يُطرد ليواجه متاعب الحياة.

سفيريان أسقف جبالة

-نتعلم من هذا أن ابليس يقتحم الذين انفصلوا عن جسد الكنيسة إذ يجدهم محرومين من النعمة.

ثيؤدورت اسقف قورش

- "خميرة صغيرة": لست أود أن أُكمّل العبارة، بل بالأحرى أرغب أن أتوسل إليكم وأنصحكم أن تتحول الخميرة ذاتها إلى ما هو أفضل، لئلا تغير العجين كله إلى ما هو أردأ كما حدث فعلاً.

القديس أغسطينوس

"إذًا نقوا منكم الخميرة العتيقةلكي تكونوا عجينًا جديدًا كما أنتم فطير،لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذُبح لأجلنا" [7].

يطلب النقاوة من الخميرة العتيقة لكي تكون الكنيسة كلها بوجه عام طاهرة ومقدسة للرب، لا تضم أعضاء فاسدين ودنسين. هكذا يليق بالكنيسة ككلٍ كما بكل عضوٍ فيها أن يحفظ حياة الطهارة والنقاوة في الرب.

إذ قتل اليهود السيد المسيح (الفصح الحقيقي) حفظوا العيد بفطيرٍ بلا خميرة، أما نحن فيليق بنا أن نحفظ عيدنا لا لمدة سبعة أيام بل كل أيام حياتنا بلا خميرة من الفساد. يليق بنا أن نموت مع مخلصنا عن الخطية، ونحمل شبه موته بالإماتة عن الخطية، ونتمتع بقوة قيامته بتمتعنا بالحياة الجديدة المقدسة في الرب، في الداخل كما في الخارج.

يسألهم لا أن ينزعوا الخميرة الفاسدة التي يتحدث عنها هنا "الزنا" بل كل خميرة فاسدة، أي كل خطية، لأنهم إذ قبلوا الولادة الجديدة صاروا "فطيرًا" لا موضع للفساد فيهم. فلا يليق بهم أن يعودوا ويسمحوا للشر أن يدخل في حياتهم ويفسد طبيعتهم الجديدة، الإنسان الجديد المخلوق علي صورة المسيح.

كما كان يلزم لليهود أن ينزعوا كل أثر للخميرة من مساكنهم حتى يعيدوا الفصح، هكذا يليق بنا نحن أن ننزع كل فسادٍ في حياتنا مادمنا نعيد بالمسيح فصحنا. وكما كان الحمل رمزًا للسيد المسيح حمل اللَّه الحامل خطية العالم، هكذا ترمز الخميرة إلي الفساد الذي يلزم نزعه من القلب.

- كان اليهود دائمًا ينسون إحسان اللَّه لهم. لهذا فإن اللَّه ربط معنى هذه الأمور، إحسانه، ليس فقط بزمنٍ معينٍ بل وبعاداتهم مثل الأكل. لهذا كانوا يأكلونه متمنطقين وأحذيتهم في أرجلهم (خر 11:15). فإن سُئلوا عن السبب يقولون: كنا مستعدّين للرحلة، كنا على وشك الخروج من مصر إلى أرض الموعد، كنا مستعدّين لخروجنا. هذا إذن هو الرمز التاريخي.

لكن الحقيقة هي أننا نحن أيضًا نأكل فصحنا المسيح، لأنه قد ذبح لأجلنا [7]. ماذا إذن؟ يلزمنا أن نأكله متمنطقين وأحذيتنا في أرجلنا. لماذا؟ لكي نكون نحن أيضًا مستعدّين لخروجنا، لرحيلنا من هنا.

- لنشرح لماذا نُزعت الخميرة من كل الجوانب. ما هو معناها الخفي؟ يليق بالمؤمن أن يهرب من كل شر. فكما يفسد (العجين) متى وُجدت فيه خميرة قديمة هكذا نحن أيضًا إذ وُجد فينا شر فستكون العقوبة عظيمة.

-لدي اقتناع قوي بأن القول بخصوص الخميرة يخص أيضًا الكهنة الذين يسمحون بالتعامل مع الخميرة القديمة أن تكون في الداخل ولا ينزعونها خارج حدودهم، أي خارج الكنيسة، الطمّاعين والعنفاء وكل المُستبعدين من ملكوت السموات. فالطمع حتمًا هو خميرة عتيقة، ومهما بدا بسيطًا ودخل أي منزل يجعله غير نقي؛ ربما تكسب قليلاً لكن بظلمك يختمر الكل!

القديس يوحنا ذهبي الفم

- أنه بسبب هذه البداية للحياة الجديدة، بسبب الإنسان الجديد الذي أمرنا أن نلبسه ونخلع الإنسان العتيق (كو 9:3-10) يلزمنا أن ننقي الخميرة العتيقة لكي تكون عجينًا جديدًا، لأن المسيح فصحنا مُقدس لأجلنا (1كو7:5).

القديس أغسطينوس

- للخميرة العتيقة هنا معنى مزدوج. فمن جانب تشير إلى التعليم الخاطئ كما حذر يسوع تلاميذه أن يتحرزوا من خمير الفريسيين (مت 16: 6- 12؛ مر 8 : 15؛ لو 12 : 1). ومن جانب آخر تشير أيضًا إلى خطية الزنا التي يعالجها هنا. يعلم بولس أن الفصح هو ذبيحة وليست خروجًا كما يظن البعض. الذبيحة تأتي أولاً, وبعد ذلك يصير ممكنًا الانتقال من الحياة العتيقة إلى الحياة الجديدة. لهذا السبب فإن الصليب هو الحقيقة المخلصة التي أشار إليها فصح العهد القديم.

أمبروسياستر

"إذا لنعيد ليس بخميرة عتيقة،ولا بخميرة الشر والخبث،بل بفطير الإخلاص والحق" [8].

يحذرنا الرسول من الاستهانة بأية خطية مهما بدت تافهة، فإنها كالخميرة تفسد العجين كله، سواء علي مستوى الفرد أو الجماعة.

مسيحنا هو الحمل الذي بلا عيب، الفصح الطاهر، مات لكي نكون نحن طاهرين، قدس القدوس نفسه لأجلنا لكي نكون له قديسين.

يقدم لنا الرسول بولس مفهومًا جديدًا للحياة المسيحية، وهي احتفال مستمر ودائم بعيد الفصح مادمنا نقبل صلبه وموته ونختبر قيامته كل يومٍ. الحياة الكنسية هي عيد مفرح عل الدوام إذ هي شركة مع المسيح مصدر فرحنا الحقيقي.

- إنه عيد، كل أيام حياتنا. فمع قوله "لنحفظ العيد" فإنه لم يقل هذا بخصوص حلول الفصح أو البنطقستي، وإنما يشير إلى كل الزمن كعيد للمسيحيين، وذلك بسبب سمو الخيرات التي نتقبّلها.

-إنه عيد، يمتد كل زماننا. لذلك يقول بولس: "افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا" (في4:4). في أيام العيد لا يرتدي أحد ثيابًا قذرة. هكذا ليتنا نحن أيضًا لا نفعل ذلك. فقد تحقق الزواج، الزواج الروحي، لأنه يقول: "يشبه ملكوت السموات إنسانا ملكًا صنع عرسًا لابنه" (مت2:22).

- ليته لا يدخل أحد ملتحفًا بخرقٍ... فإن كان حيث يوجد الكل بمظهر بهي وُجد شخص واحد في العرس مرتديًا ثيابًا قذرة قد طُرد بمهانة، فكم يكون الأمر يتطلب غاية الدقة وبكل طهارة لمن يدخل في حفل العرس هذا.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- إن سعادة عيدنا يا إخوتي هي قريبة منا جدًا، ولن يفشل في بلوغها من يرغب في تبجيله، لأن "الكلمة" هو قريب، هذا الذي هو بالنسبة لنا كل شيء لخيرنا.

لقد وعدنا ربنا يسوع المسيح أن يكون معنا على الدوام... قائلاً: "ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر" (مت20:28).

فإذ هو الراعى، ورئيس الكهنة، والطريق، والباب، وكل شيء في نفس الوقت لأجلنا، هكذا يظهر أيضًا "عيدًا" لنا كقول الطوباوى بولس: "لأن فصحنا المسيح قد ذبح" (1 كو 7:5).

إنه هو ما كنا ننتظره، لقد أضاء على مرتل المزامير القائل: " وأفرح برحمتك، لأنك نظرت إلى مذلتي وعرفت في الشدائد نفسي" (مز 7:31).

إنه بحق فرح حقيقي، إذ يخلصنا من الشر، وهذا يبلغه الإنسان خلال تبنيه الأحاديث الصالحة، وتزكية فكره بخضوعه للّه.

البابا أثناسيوس الرسولي

- كما أن خميرة قليلة تخمر العجين كله, هكذا الحياة الشريرة تفسد الإنسان كله. لهذا يريدنا بولس أن نتجنب ليس فقط الأفعال الشريرة, بل وكل اهتمامات الخطية, حتى بالاخلاص تغتسل حياتنا ويُنزع الحق كل خداع.

أمبروسياستر

4. عدم الشركة مع الاخوة الزناة

"كتبت إليكم في الرسالة أن لا تخالطوا الزناة" [9].

بينما يرى البعض أن الرسول يشير هنا إلى رسالة سبق فكتبها إليهم بخصوص هذا الأمر, يرى البعض أنه يتحدث هنا عن ما سبق فكتبه في نفس هذه الرسالة. يرى القديس يوحنا ذهبي الفم وثيؤدورت وأغلب المفسرين اللاتين مع إجماع الكتاب الألمان بأن النص هنا يشير إلى ذات الرسالة وليس إلى رسالة سابقة مفقودة.

- يعني بولس أنه من الأفضل الموت (الخروج من العالم) عن الاختلاط بزملاء مؤمنين يخطئون مثل الزاني موضوع الحديث هنا, لأن الموت يضع نهاية لذلك حالاً دون تأخير.

أمبروسياستر

- غير المؤمنين الزناة لا يستطيعون أن يؤذوا الكنيسة, أما المؤمنون الزناة فيفسدونا في الداخل, لهذا يجب تجنبهم وعزلهم.

العلامة أوريجينوس

- واضح أنه إن كان يجب ألا نشاركهم في الطعام العادي, يلزم ألا نشترك معهم في مائدة الرب.

ثيؤدورت أسقف قورش

"وليس مطلقًا زناة هذا العالم أو الطماعين أو الخاطفين أو عبدة الأوثان،وإلا فيلزمكم أن تخرجوا من العالم" [10].

يخطئ الزناة في حق أنفسهم، إذ يفقدوا طهارتهم ونقاوتهم. ويخطئ الطامعون والخاطفون في حق اخوتهم، أما عبدة الأوثان فيخطئون في حق اللَّه.

"وأما الآن فكتبت إليكم أن كان أحد مدعو أخًا زانيًا أو طماعًا أو عابد وثن أو شتامًا أو سكيرًا أو خاطفًا أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا" [11].

- يمكن أن يوجد أناس ليسوا أبناء حقيقيين، مثل أولئك الذين قيل عنهم: "إن كان أحد مدعو أخًا..."[11]. هنا يوجد بالإيمان، لكنه ليس ابنًا حقيقيًا. حقيقة هو ابن، لأنه نال مرة النعمة وتجدد (وُلد ثانية)، لكنه ليس بالابن الحقيقي، لأنه غير أهلٍ لأبيه الذي هجره وصار أسير سلطان آخر.

- ليتنا لا نطرد النعمة. لقد أخبرنا أن ننسحب من كل أخ يسلك بلا ترتيب. هذا كان شرًا عظيمًا يجب فصله عن كل جسد الاخوة. بهذا في الواقع يعاقب الكل، وكما في موضع آخر في رسالته إلى أهل كورنثوس يقول: "لا تُواكلوا مثل هذا" [11]. لكننا نجد الآن الغالبية لا يعتقدوا أن هذا شر عظيم. إنما كل شيء مرتبك وفاسد، فنختلط مع الزناة والطمّاعين بلا ضابط، كأنه أمر حتمي.

إن كان يجب أن ننسحب ممن كان ينال معونة وهو كسلان فماذا يكون الحال مع الآخرين؟

يجب أن تعرفوا كم هو أمر مرعب أن يُفصل أحد من جماعة الاخوة، وأي نفع ينالونه عندما يُوبّخ هؤلاء بفكرٍ سليمٍ. اسمع ماذا حدث مع ذاك الرجل الذي افتخر بخطيته وبلغ قمّة الشر، الذي ارتكب مثل هذا الزنا الذي لا يُسمّى حتى بين الأمم، والذي لم يشعر بجرحه هذا والذي فسد، فإنه بعد هذا كله، فإن هذا قد انحنى وتواضع. حتى أن بولس قال: "مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذي من الأكثرين... اطلب أن تُمكّنوا له المحبة" (2 كو 6:2، 8). إذ كان في ذلك الوقت كعضوٍ منفصل عن بقية الجسم.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- ماذا نفعل بخصوص هذه الحقيقة وهي أن الرسول نفسه قدم لنا قائمة ضخمة من الرذائل، وأشار من بينها إلى السُكر وختمها بالتحذير من أن نأكل خبزًا مع من يخطئون بمثل هذه الأمور؟

- إنه لأمر مثير للشفقة مذكّرًا إيّانا مدى خطورة الأكل مع الذين هم يخطئون بالنهم حتى في بيوتهم.

القديس أغسطينوس




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 5 جـ3 PDF Print Email

 

"لأنه ماذا لي أن أدين الذين من خارج ألستم أنتم تدينون الذين من داخل؟" [12].

استخدم بعض المفسرين هذه العبارة للَّهجوم علي الحياة الرهبانية كحياة غير إنجيلية، فيها انسحاب من العالم وانغلاق وعدم شهادة للإنجيل أمام الغير. ولعل سرّ هذا عدم إدراكهم للفكر الرهباني الإنجيلي الحق. فالرهبنة منذ بدء نشأتها هي انطلاق النفس نحو السماء، واتساع القلب بالحب نحو كل البشرية. الراهب حتى في توحده يرفع يديه نحو السماء، حاملاً في قلبه كل البشر مشتهيًا خلاص الكل. فتح القديس أنبا انطونيوس أب كل الأسرة الرهبانية في العالم مغارته لكثير من الفلاسفة الوثنيين، وكسب بعضهم للسيد المسيح. وقام الرهبان الروحيون بخدمة الكثيرين، في الكنيسة وفي العالم .

- أيها الاخوة، هذا هو عملي أن أتحدث إليكم، عملي أن أتكلم مع المسيحيين، "لأنه ماذا لي أن أدين الذين من خارج؟" [12].

القديس أغسطينوس

- سأل الرسول: "لأنه ماذا لي أن أدين الذين من خارج؟" حقًا هؤلاء الأشخاص هم خارج المحكمة التي فيها تُنطق كلمات أسرارنا، إنهم لا يُنصبون تحت سقف اللَّه، وإنما في دير الشرير. إنهم يؤسرون بواسطته بإرادته. لهذا فهم لا يفهمون أن كل الفضائل توجد في الاعتدال وإن أي انحراف من أي جانب يتحول إلى رذيلة.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- لا يستطيع الأسقف أن يصنع شيئًا مع غير المؤمنين. أما الأخ الذي يُمسك مرتكبًا مثل هذا الأشياء فُيمكن للأسقف أن يمنعه ليس فقط عن الأسرار بل وعن الأحاديث العادية العامة مع زملائه, حتى متى تجنبوه يشعر بالخجل فيتوب.

أمبروسياستر

- طالما يصعب علينا معرفة هدف الآخرين من اكتنازهم للأشياء الزمنية... فقد يكون قلبهم بسيطًا أو مزدوجًا، لذلك يليق أن يُقال: لا تدينوا لكي لا تدانوا. لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون. وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم.

أظن أننا من هذه الوصية نتعلم ضرورة افتراض أحسن قصدٍ ممكنٍ لأعمال الآخرين التي يمكن أن نشك في نيتها.

أما عندما كُتب: "من ثمارهم تعرفونهم" فقد قصد بها الثمار التي لا يُمكن الشك فيها مثل الدعارة والتجديف والسرقة والسكر وأمثال ذلك التي سُمح بالحكم فيها (من الكنيسة) حيث يقول الرسول: "لأنه ماذا لي أن أدين الذين من الخارج؟ ألستم أنتم تدينون من الداخل؟" (1 كو 12:5) فلا ندين إنسانًا من أجل أكل معين، فقد يأكل بنية صالحة بدون شهوة. لهذا يمنع الرسول الممتنعين عن أكل اللحم وشرب الخمر عن إدانة من يأكلونه ويشربونه، قائلاً: "لا يزدري مَنْ يأكل بمَنْ لا يأكل. ولا يدِنْ مَنْ لا يأكل مَنْ يأكل". كما يقول: "مَنْ أنت الذي تدين عبد غيرك. هو لمولاهُ يثبت أو يسقط" (رو 3:14-4).

القديس أغسطينوس

"أما الذين من خارج فاللَّه يدينهم،فاعزلوا الخبيث من بينكم" [13].

الكنيسة في اتساع قلبها لا تدين الذين في الخارج بل تصلي لأجلهم لكي يكشف لهم الرب القداسة الحقة خلال نعمة اللَّه الغنية. لكنها ملتزمة أن تعيش طاهرة ومقدسة، لذا تكون حازمة مع الذين في الداخل، وكلما نال العضو مركز قياديًا أكبر وأخطأ يكون التأديب أكثر حزمًا.

- اصنع ما في وسعك أن تستبعد الإنسان الشرير, فإنه إذ يرحل يحضر المسيح فيك.

العلامة أوريجينوس


من وحي 1كو5

انزع فسادي،

فأفرح بك يا عيدي الدائم

 

- بإرادتي سمحت لعدوّي أن يتسلل إلى قلبي،

ويسيطر على إرادتي،

فأسلك بما لا يليق كابنٍ حقيقيٍ لك!

- مع كل تهاونٍ وتراخٍ واستهتارٍ،

مع كل خطيةٍ ارتكبها،

أُُهين بنوتك يا أيها الكلّي القداسة.

- قل كلمة،

هب لي روح القوة،

فلن اسمح للخميرة الفاسدة أن تفسد عجين حياتي.

اطرد بقوة كل فسادٍ في داخلي،

فأصير لك فطير الحق بلا خميرة فساد.

وأتهلل بعيد فصحٍ دائم، يا أيها الفصح الحقيقي.

- أراك دومًا على الصليب يا حمل اللََّه.

تُقدم ذاتك فصحًا، لتعبر بي من أرض العبودية.

تُخرجني من المرارة إلى عذوبة الحرية.

أنت فصحنا جميعًا.

حوّلتَ حياتنا إلى عيدٍ دائم لا ينقطع!

أقمتَ في داخلي حفل عُرس لا ينتهي!

حوّلتَ نوحي إلى فرح!

-هب لي بروحك ألا أقبل دنسًا في أعماقي،

بل بالحق أصير أيقونتك يا أيها القدوس.

أتقدس فلا أدين أحدًا في الخارج.

بل أدين نفسي في الداخل!

- هب لكنيستك روح القوة والقداسة.

بروحك تنتزع كل فسادٍ،

لا لتدين بل لتؤدب.

لا بروح النقمة بل بدموع الحنان.

تبتر الشر وتبكي على الشرير.

لا تطيق رائحة الفساد،

ولا تحتمل هلاك أحد!

لتحكم أنت فيها يا أيها الحب الحقيقي الحازم!


1 يسمع مطلقا ان بينكم زنى و زنى هكذا لا يسمى بين الامم حتى ان تكون للانسان امراة ابيه
2 افانتم منتفخون و بالحري لم تنوحوا حتى يرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل
3 فاني انا كاني غائب بالجسد و لكن حاضر بالروح قد حكمت كاني حاضر في الذي فعل هذا هكذا
4 باسم ربنا يسوع المسيح اذ انتم و روحي مجتمعون مع قوة ربنا يسوع المسيح
5 ان يسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع
6 ليس افتخاركم حسنا الستم تعلمون ان خميرة صغيرة تخمر العجين كله
7 اذا نقوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينا جديدا كما انتم فطير لان فصحنا ايضا المسيح قد ذبح لاجلنا
8 اذا لنعيد ليس بخميرة عتيقة و لا بخميرة الشر و الخبث بل بفطير الاخلاص و الحق
9 كتبت اليكم في الرسالة ان لا تخالطوا الزناة
10 و ليس مطلقا زناة هذا العالم او الطماعين او الخاطفين او عبدة الاوثان و الا فيلزمكم ان تخرجوا من العالم
11 و اما الان فكتبت اليكم ان كان احد مدعو اخا زانيا او طماعا او عابد وثن او شتاما او سكيرا او خاطفا ان لا تخالطوا و لا تؤاكلوا مثل هذا
12 لانه ماذا لي ان ادين الذين من خارج الستم انتم تدينون الذين من داخل
13 اما الذين من خارج فالله يدينهم فاعزلوا الخبيث من بينكم




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 6 جـ1 PDF Print Email

لوم علي محاكمات الاخوة

في الأصحاح السابق أوضح القديس بولس أنه ليس من حق الكنيسة أن تدين الذين في الخارج بل من هم في الداخل. الآن يُعالج الرسول موضوع "المحاكم الزمنية". هل يمكن للأخ أن يشتكي أخاه في المحكمة؟

في هذا الاصحاح يوبخهم الرسول بولس لأنهم يقودون بعضهم البعض إلي المحاكم من أجل أمورٍ تافهةٍ، كان يمكن للكنيسة أن تحكم فيها. إذ لا يليق كسر المحبة الأخوية بالدخول في قضايا ومحاكم من أجل أمور زمنية. وكما يقول سليمان الحكيم أن كسب الأخ أفضل من كسب مدينة بأكملها: "الأخ أمنع من مدينة حصينة، والمخاصمات كعارضة قلعة" (أم 18 : 19). من يتحصن بالحب الأخوي أفضل ممن يتحصن في مدينة حصينة، ومن يدخل في مخاصمات يكون كمن دخل وراء قضبان قلعة لا يقدر أن يخرج منها.

1. التجاء المسيحيين إلي المحاكم الوثنية 1-6.

2. لنحتمل الظلم ولا نمارسه 7-8.

3. لن يرث الأشرار ملكوت اللَّه 9-10.

4. ربنا يبررنا من خطايانا 11.

5. ليس كل ما يحل لنا يوافقنا 12.

6. قدسية الجسد 13.

7. قيامة المسيح مصدر قيامتنا 14.

8. عضويتنا في جسد المسيح 15-17.

9. خطورة الزنا 18.

10. الجسد هيكل للروح القدس 19-20.

1. التجاء المسيحيين إلي المحاكم الوثنية

أيتجاسر منكم أحد له دعوى على آخر أن يحاكم عند الظالمينوليس عند القديسين؟" [1].

بينما يدعو القضاة الوثنيين "ظالمين" يدعو رجال الكنيسة قديسين، فإنه يليق بالمسيحيين أن يحملوا روح القدوس فيسلكوا في القداسة.

التجاء الاخوة للمحاكم الزمنية فيه مضيعة للوقت والمال، وفيه تحطيم للحب الأخوي، يدفع الطرفين إلي الثورة والغضب، وربما إلي الألفاظ القاسية غير اللائقة، تفقدهما سلامهما الداخلي وفرحهما، وتدفعهما إلى تجاهل رسالتهما كسفيرين للسيد المسيح، كما تهين الكنيسة بيت القديسين.

- لم يرد بولس أن يُدانوا من الذين في الخارج، لأنه لم يرد أن يكون التقصير الذي يحدث من أولئك الذين تعلموا السلوك الحسن والبرّ أن يسبب عثرة للذين هم خارج الكنيسة.

ثيؤدور أسقف الميصة

لماذا دعي القضاة الوثنين ظالمين مع أن بعضهم اتسم بنوع من العدالة؟

اللَّه هو مصدر العدل الحقيقي، في عدله حب، وفي حبه عدالة, يشتاق أن الكل يخلصون وإلي معرفة الحق يقبلون. لذا فإن الوثنيين وقد عزلوا أنفسهم عن الحق صاروا لا يبالون بخلاصهم ولا بخلاص من يحكمون بينهم. فإنهم وإن مارسوا العدالة الزمنية لكنهم يتجاهلون خلاص الناس فيُحسبون ظالمين.

ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟فإن كان العالم يُدان بكم أفأنتم غير مستأهلين للمحاكم الصغرى؟" [2].

-سيدين الاثنا عشر رسولاً الاثني عشر سبطًا لإسرائيل إن لم يؤمنوا بل يرفضوا المسيح. سيدين بقية القديسين الأمم الذين لم يتركوا عبادة الأوثان ويؤمنوا باللَّه الحقيقي.

سفيريان أسقف جبالة

- سيدين القديسون هذا العالم لأن عدم إيمان العالم سيُدان بمثال إيمانهم.

أمبروسياستر

"ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة؟ فبالأولى أمور هذه الحياة" [3].

يوضح لهم الرسول استفحال خطأهم, فإن كان المؤمنون يدينون العالم بحياتهم المقدسة والملائكة الأشرار في يوم الرب العظيم أليس بالأولى يحكموا في الأمور الزمنية التافهة؟ كأن الالتجاء إلي المحاكم بالنسبة للاخوة فيه إهانة للقديسين.

أخبرنا السيد عن تلاميذه الاثني عشر أنهم يجلسون علي كراسيهم ليدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر (مت 19:28). وفي موضع آخر نسمع عن ربوات القديسين الذين يدينون في يوم الرب العظيم (يه 14-15)، فإنه سيأتي مع قديسيه للدينونة (1 تس 3:13). لا يعني هذا أنهم يشاركون السيد المسيح في إدانة الناس، إنما يجلسون علي كراسي الكرامة لينظروا دينونة العالم الشرير.

إذ يتمجد المؤمنون في يوم الرب العظيم ويجلسوا عن يمين الديان كملكة تجلس عن يمين الملك، يدين الملك الملائكة الأشرار في حضور الملكة كمن تشاركه عمله. يرى البعض أن المؤمنين ينالون كرامة أفضل من الملائكة، إذ يتمتعون بعمل اللَّه الخلاصي ويشاركونه مجده، فيكرمهم الملائكة القديسون.

قيل عن القديسين أنهم سيظهرون أمام الديان ويدينهم، عندئذ يملكون معه، لكنهم لا يشاركونه الدينونة. فالدينونة هنا تشير إلي تمتعهم بالمجد كشهادة قوية ودينونة ضد غير المؤمنين والملائكة الأشرار.

ولعل إدانة الملائكة الأشرار قد بدأت بالصليب حيث جرد الرئاسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه (كو 2 :15). أعطي للكنيسة سلطانًا أن تحطم مملكة إبليس وتطرده من كثيرين. هكذا يحطم المؤمنون الحقيقيون سلطان إبليس وجنوده ويدينونه.

في الأصحاح السابق يتحدث الرسول عن نفسه ومعه الرسل أنهم صاروا منظرًا للملائكة، حيث يجد الشياطين بهجتهم في اضطهاد المؤمنين ومضايقتهم، ولم يدركوا أن هؤلاء المؤمنين سيكونون شهادة عليهم في يوم دينونتهم.

-لا يتحدث بولس هنا عن ملائكة حقيقيين بل عن الكهنة ومعلمي الشعب الذين سيُدانون بواسطة القديسين بسبب بطلان تعليمهم الخاص بالمسيح.

سيفريان أسقف جبالة

- يقول البعض أنه يشير هنا إلى الكهنة، لكن الأمر بعيد تمامًا عن هذا. حديثه هنا عن الشياطين. فلو أنه كان يتحدث عن الكهنة الفاسدين لكان يعني ذلك في العبارة: "إن القديسين سيدينون العالم" [2]. (لأن الكتاب المقدس اعتاد أن يدعو الأشرار أيضًا "العالم")، ولما كرّر الأمر مرّتين.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- يقصد بولس هنا بالملائكة الشياطين الذين كانوا قبلاً ملائكة.

ثيؤدورت أسقف قورش

- وإن كان بولس قد تعب أكثر من جميعهم (1كو10:15) إلا إنه ليس له كرسي للحكم. لكنه بحق يحسب نفسه ضمن القضاة عندما يقول: "ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة؟" [3].

القديس أغسطينوس

فإن كان لكم محاكم في أمور هذه الحياة فاجلسوا المحتقرين في الكنيسة قضاة" [4].

ربما يقصد بالمحتقرين المؤمنين غير المسئولين بعملٍ قيادي. فقد كان المجتمع اليهودي يضم خمس درجات من مجالس القضاء:

1. مجلس السنهدرين الأعظم Sanhedrin يضم 72 شيخًا، يجتمعون في أورشليم، لهم أعلى سلطة قضائية دينية.

2. مجلس السنهدرين الأصغر يضم 25 شخصًا في المدن الكبرى خارج أورشليم.

3. كرسي القضاء الثلاثي Bench of three في كل مجلس.

4. الكرسي المعتمد Authorized or Authentic bench.

5. الكرسي غير المعتمد، يُدعي هكذا لأنه لا يستمد سلطانه من السنهدرين، إنما يُختار أعضاؤه من الأطراف المتنازعة للفصل في منازعاتهم دون الدخول إلى مجالس رسمية.

"المحتقرون" والترجمة الحرفية هي "الذين بلا كرامة". لعله يقصد بالمحتقرين الذين لا يُوثق فيهم، هؤلاء سيكونون أفضل من الوثنيين المقاومين للحق الانجيلي. وكأن الرسول يقول لهم إن لم تجدوا إنسانًا يصلح من بين القيادات الكنسية فاختاروا أنتم ممن يظنهم البعض محتقرين لكي يحكموا في قضاياكم الداخلية.

-يريد الرسول أن يقوم الأشخاص الحكماء المؤمنون الذين تأسسوا حسنًا في مواضع مختلفة بالحكم في مثل هذه الأمور، وليس الأشخاص المشغولون بالكرازة والذين يتنقلون هنا وهناك... إن لم يوجد قضاة حكماء فإنه يود أن يقيموا أشخاصًا أقل ومحتقرين حتى لا تُقدم أمور المسيحيين إلى أعين العامة.

القديس أغسطينوس

- إذ أراد أن يعلمنا كما بقوة قدر المستطاع أنه ينبغي أن لا نسلم أنفسنا (في القضاء) للذين في الخارج، مهما كان الأمر، أثار بما يبدو كأنه اعتراض وأجاب عليه... فما يقوله هو هكذا: ربما يقول أحد: "ليس بينكم أحد حكيمًا ولا من هو قادر على إصدار حكم؛ الكل محتقرون". الآن ماذا يلي هذا؟ يقول: "حتى وإن لم يوجد بينهم حكيم فأنا أمر أن توضع الأمور بين يديّ المحتقرين".

القديس يوحنا ذهبي الفم

لتخجيلكم أقول: أهكذا ليس بينكم حكيم ولا واحد يقدر أن يقضي بين اخوته؟" [5]

كان الكورنثوسيون يفتخرون بأنهم أصحاب فلسفات وحكمة ويظنون انهم أفضل من بعضهم البعض بينما لا يجدون إنسانا حكيمًا واحدًا يقدر أن يفصل في قضايا الاخوة دون أن تبلغ المحاكم الوثنية. ولعله بسبب الانشقاقات التي عانت منها الكنيسة في كورنثوس لم يستطع المسيحيون أن يستقروا علي حكيمٍ واحد قادر أن يفصل في الخصومات بين الاخوة، مما جعل الأفراد يلجأون إلى قضاة وثنيين. لهذا يوبخهم قائلاً: "أهكذا ليس بينكم حكيم ولا واحد يقدر أن يقضي بين اخوته؟"

- يهاجم بولس الكورنثوسيين لأنهم وإن كانوا بالحق في وسط اليونان (مركز الفلسفة والحكمة) لم يوجد بينهم أناس حكماء مع أن كثيرين جاءوا إليهم يبشرون بالحكمة.

العلامة أوريجينوس

-"لكن الأخ يحاكم الأخ،  وذلك عند غير المؤمنين" [6].

لدينا رؤساء الكنيسة الذين يجب أن نلجأ إليهم في منازعاتنا حتى لا نُستدعى أمام المحاكم الشرعية لغير المؤمنين.

العلامة أوريجينوس

هذا لا يتعارض بأية كيفية مع ما جاء في رسالته إلى أهل رومية (ص13) حيث يخبرهم بولس أن يكرموا المسئولين.

إنه لا يطلب منا مقاومة السلطات العلمانية إنما بالأحرى ألا نلجأ إليهم.

ثيؤدورت أسقف قورش

الاتهام مزدوج وهو الذهاب إلى القضاء والوقوف أمام غير المؤمنين. فإن كان الدخول مع الأخ في محاكمة خطأ فإن تحقيق ذلك أمام غرباء كيف يُغفر له؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. لنحتمل الظلم ولا نمارسه

فالآن فيكم عيب مطلقًا، لأن عندكم محاكمات بعضكم مع بعض، لماذا لا تُظلمون بالحري؟  لماذا لا تُسلبون بالحري؟" [7].

كأنه يقول لهم إن لم يوجد بينهم حكيم واحد يفصل بين الاخوة فإن ما سيحل بأحدهم من ظلم خلال التدخل الكنسي أهون من استخدام حق القضاء ضد الاخوة في محاكم وثنية. فسلام القلب مع احتمال شيء من الظلم أفضل من الدخول في مخاصمات ومنازعات أمام القضاء، خاصة إن كان القاضي وثنيًا يكره الإيمان ويقاومه، فيسئ استخدام الموقف.

أي عيب مطلق فيهم؟ التجاؤهم إلي المحاكم الوثنية فيه فقدان للسلام والحب الأخوي والثقة المتبادلة بين المؤمنين ومخافة الرب. لهذا يقول: "لكن أنتم تظلمون وتسلبون وذلك للاخوة" [8]. ربما يشير هنا إلى الإنسان الذي يزني مع زوجة أبيه.

- يليق بالمسيحى ألا ينشغل برفع قضايا نهائيًا, ولكن إن كان الأمر خطير للغاية لا يمكن تجاهله فليعرض قضيته على الكنيسة.

- ينتهر بولس الذين يسلكون بالخطأ فيبدأون بالمشاحنات. فإن هؤلاء معرضون ليس فقط للعقوبة بسبب الخطأ الذي ارتكبوه، وإنما أيضًا يساهمون في خطأ الذين يلتزمون بسبب ما أصابهم من ضرر وغش أن يذهبوا إلى غير المؤمنين ليحكموا في أمرهم.

أمبروسياستر

- بهذه الطريقة نحن ننقذ خصمنا أيضًا من النتائج الشريرة ولو بغير إرادته. ونحن أنفسنا لا نستهين بوصية اللَّه, فكخدام له لا ندخل في مشاحنات ولا في طمعٍ، بل نهدف باستقامة لإعلان الحق ولن نتعدى حدود الغيرة.

القديس باسيليوس الكبير

- مرة أخرى فإن الجريمة مضاعفة وربما مثلثة بل وأربعة أضعاف.

أولاً: أنك لا تعرف كيف تحتمل، فهذا خطأ.

ثانيًا: أنك تمارس الخطأ.

ثالثًا: أنك تعرض الأمر حتى على الظالمين.

رابعًا: أنك تفعل هذا ضد الأخ. فإن أخطاء الناس لا يُحكم عليها بقانون واحد بعينه، فما يرتكب ضد شخص عفوًا غير ما يرتكب ضد عضو (في نفس العائلة أو الكنيسة).

القديس يوحنا ذهبي الفم




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 6 جـ2 PDF Print Email

3. لن يرث الأشرار ملكوت اللَّه

أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت اللَّه؟ لا تضلوا، لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت اللَّه" [9-10].

"لا تضلوا" أو "لا تنخدعوا"، فالرسول بولس يخشى أن يصيروا في خطر "الانخداع". والأخطر أن الذي يخدعهم ليس بإنسان من الخارج بل تخدعهم قلوبهم وأفكارهم الخاطئة، أو لعل الذين يخدعهم القادة الذين كان يجب أن يقودوهم في الطريق الملوكي الحق.

يقدم الرسول هنا عشرة طبقات تحرم نفسها من التمتع بحقوق أبناء اللَّه فلا يرثوا اللَّه، ولا يرثوا مع المسيح (رو 8 : 17). قدم الحق واضحًا وصريحًا، وهو أن مثل هؤلاء الخطاة المصممين علي عدم التوبة لن يرثوا ملكوت اللَّه. فالذين يمارسون عمل إبليس لن يتمتعوا بالمكافأة الإلهية، بل أجرة الخطية هو موت ( رو 6 :23). يليق بهم ألا يخدعوا أنفسهم فإنه يستحيل أن يزرع إنسان ما للجسد ويحصد ما هو للروح.

يحذرهم الرسول من ثلاثة مخاطر:

أ. أن يفقدوا ملكوت اللَّه.

ب. أن تسقط نفوسهم في شباك الخداع.

ج. أن يذهبوا إلي جهنم.

- انظروا ما يقوله بولس... ألا ترون كيف أن كل أنواع الشر قد غلبت؟ إنها حالة ظلمة ملبّدة وفساد لكل ما هو حق.

- أولاً فإن السُكر أمر لا يُستهان به ولا الشتيمة، متطلّعين إلى أن المسيح نفسه سلم من يقول لأخيه يا أحمق لجهنم.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- علينا ألا نُخدع لمجرد تسميتهم باسم المسيح دون أن يكون لهم الأعمال، بل ولا الأعمال ولا المعجزات أيضًا تخدعنا، لأن الرب الذي صنع المعجزات لغير المؤمنين حذرنا من أن نُخدع بالمعجزات ظانين أنه حيثما وجدت المعجزة المنظورة توجد الحكمة غير المنظورة. لذلك أضاف قائلاً: "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أَليس باسمك تنبَّأْنا؟ وباسمك أخرجنا شياطين؟ وباسمك صنعنا قوّاتٍ كثيرة؟ فحينئذٍ أصرّح لهم إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت7 : 22)، فهو لا يعرف غير صانعي البرّ. لهذا منع الرب تلاميذه من أن يفرحوا بصنع المعجزات مثل خضوع الشياطين لهم قائلاً: "بل افرحوا بالأحرى أن أسماءَكم كُتِبَت في السموات" (لو20:10)، أي في مدينة أورشليم التي لا يملكها سوى الأبرار والقديسون كما يقول الرسول: "ألستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت اللَّه؟" (1 كو 9:6) .

القديس أغسطينوس

- لا تنخدعوا يا اخوتي, فإن مفسدي البيوت لن يرثوا ملكوت اللَّه.

القديس أغناطيوس النوراني

-ملكوت اللَّه ينبغي أن يتطهر من كل خطية وزنا حتى يملك اللَّه فيه.

العلامة أوريجينوس

- إن قال أحد أنه لا يريد ملكوت اللَّه, وإنما يطلب الراحة الأبدية يلزمه ألا يخدع نفسه, فإنه لا يوجد سوى موضعان لا ثالث لهما. إن لم يستحق الإنسان أن يملك مع المسيح فبالتأكيد سيهلك مع الشيطان.

قيصريوس أسقف آرل

- يلزمنا أن نصارع ضد هذه الرذائل التي أشرنا إليها حتى نبلغ إلى استقرار الحياة. يلزمنا في رحلتنا أن نمارس التقوى والرحمة والتواضع وبرَّ الحياة الكامل، والطهارة والتعقل والسلام والإيمان والمحبة. فإنكم لن تبلغوا إلى الميراث الموعود به ما لم تنتزعوا في حياتكم الرذائل التي تثقل الجسم.

الأب فاليريان

4. ربنا يبررنا من خطايانا

أوهكذا كان أناس منكم. لكن اغتسلتم، بل تقدستم، بل تبررتم،  باسم الرب يسوع، وبروح إلهنا" [11].

هم بالطبيعة بائسون وخطاة، لكنهم يغتسلون بمياه المعمودية ويتمجدون علي الدوام بالروح القدس، ويتبررون بدم المسيح وحده. بهذا يتأهلون للتمتع باللَّه القدوس في مجده والسكني الأبدية في السماء.

اغتسل بعضهم بمياه المعمودية (تي 3 :5، عب 10: 22)، فتعهدوا أن يسلكوا كما يليق بأبناء القدوس. وتقدسوا، أي عزلوا أنفسهم عن الأوثان ليكرسوا القلب للَّه القدوس. وتبرروا، أي صاروا موضع سرور اللَّه في المسيح البار. هذا ما تمتعوا به باسم الرب يسوع ونالوه بقوة روحه القدوس.

يبدأ بالغسل في مياه المعمودية حيث ننال الميلاد الجديد، ثم التقديس حيث يعمل روح اللَّه علي تقديسنا اليومي، وأخيرًا إذ نحمل برّ المسيح نتبرر أمام الآب.

- نال الكورنثوسيون كل منافع النقاوة في عمادهم, التي هي أساس حق الإنجيل. في العماد يغتسل المؤمن ويتطهر من كل خطاياه, ويصير بارًا باسم الرب, وبروح اللَّه يصير ابنًا للَّه بالتبني. بهذه الكلمات يذكرهم بولس بمدى عظمة النعمة التي نالوها في التقليد الحق. لكنهم بعد ذلك إذ صاروا يفكرون ضد قانون الإيمان الخاص بالمعمودية حرموا أنفسهم من كل هذه المنافع. لهذا فهو يحاول أن يردهم إلى طريق تفكيرهم الأصلي حتى يستردوا ما قد سبق فنالوه.

أمبروسياستر

- خلاص إسرائيل من فرعون كان خلال البحر، وخلاص العالم من الخطيئة يتم بغسل الماء بكلمة الله (أف 26:5).

القديس كيرلس الأورشلمي

- خلاص إسرائيل من فرعون كان خلال البحر، وخلاص العالم من الخطيئة يتم بغسل الماء بكلمة الله (أف 26:5).

القديس كيرلس الأورشلمي

- لكي نفهم معنى الأردن الذي يطفئ الظمأ ويروي النعم من المفيد لنا أن نشير أيضا إلى نعمان السرياني الذي برأ من البرص...

ليس نهر آخر ينزع البرص من الإنسان إلا ذاك النهر الواحد (الأردن ) أن دخله الإنسان بإيمان وغسل نفسه في يسوع !...

السبب في ذلك أن الذين يغسلون فيه يخلصون من عار مصر (محبة العالم) [إذ عبر فيه يشوع بعد ترك مصر والبرية]، ويصيرون قادرين على الصعود إلى السماء [عبر في إيليا قبل ارتفاعه] ويتطهرون من البرص المرعب للغاية [نعمان السرياني]، بهذا يصيرون متأهلين لقبول الروح القدس .

-لم يتطهر أحد إلا نعمان السرياني الذي ليس من إسرائيل.

انظر، إن الذين يغتسلون بواسطة إليشع الروحي الذي هو ربنا ومخلصنا يتطهرون في سرّ المعمودية ويغتسلون من وصمة الحرف (الذي للناموس).

لقد قيل لك: "قم، اذهب إلى الأردن واغتسل فيتجدد جسدك".

لقد قام نعمان وذهب واغتسل رمزا للمعمودية، فصار جسمه كجسم صبي صغير. من هو هذا الصبي؟ إنه ذاك الذي يولد في جرن التجديد.

العلامة أوريجانوس

- لكي يخجلهم بالأكثر أضاف هذا، وكأنه يقول لهم:

"تأملوا من أية شرور خلّصكم اللَّه منها، وأية خبرات وبراهين على رأفاته العظيمة قدمها لكم!".

لم يحدّ خلاصه بإنقاذكم، بل امتد بدرجة عظيمة لنوال منافع، إذ غسلكم. هل هذا هو كل ما قدمه؟ لا، بل أيضًا قدّسكم. ولا هذا هو كل ما قدّمه، فإنه أيضًا برّركم. فإن كان الخلاص من خطايانا هو عطية عظيمة إلا أنه قد ملأكم ببركات لا تُحصى. هذا ما فعله باسم ربنا يسوع المسيح، وليس بهذا الاسم أو ذاك، نعم وبروح إلهنا.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- بعد قراءتهم هذه العبارات أطلب منهم أن يتأملوا كيف يمكن للمؤمنين أن يسمعوا هذه الكلمات: "لكن اغتسلتم" إن كانوا لا يزالوا يقاومون هذا في قلوبهم، أي في هيكل اللَّه الداخلي فيهم، ويسمحون برجاسات مثل هذه الشهوات التي يُغلق أمامها ملكوت السموات.

القديس أغسطينوس

5. ليس كل ما يحل لنا يوافقنا

كل الأشياء تحل لي، لكن ليس كل الأشياء توافق، "كل الأشياء تحل لي، لكن لا يتسلط علي شيء" [12].

قد يعترض أحد قائلاً: "أليس من حقي الدفاع عن حقوقي ضد أخي إن كان ظالمًا حتى وإن كان الأمر يستلزم الوقوف أمام محاكم وثنية؟" الإجابة هي إن كل الأشياء تحل لي، ولكن ليس كل الأشياء توافق.

ينطبق نفس المبدأ على الأكل من اللحوم التي قدمت ذبائح للأوثان وتُباع في الملحمة. كل الأطعمة محللة، لكن لا يليق بالمؤمن أن يكون نهمًا أو سكيرًا، فيفقد سلطانه علي بطنه أو فكره أو إرادته أو اتزانه.

يحدثنا هنا عن ناموس الإنسان المسيحي وهو:

ناموس الحرية، كل الأشياء تحل لي [12؛ 23:10].

ناموس الغلبة، فلا يتسلط عليّ شيء [12].

ناموس الابن، السلوك بما يليق بي [12].

ناموس النمو الدائم، فأسلك بما يبنيني [23:10، 24].

· - كل الأشياء شرعية, لكن من الواضح يجب أن تكون على أساس ضبط النفس.

القديس إكليمنضس السكندري

-بقوله: "كل الأشياء" يفترض بولس الأشياء التي يحتويها الناموس الطبيعي, والتي هي شرعية بالنسبة لزملائه الرسل. إنها لا تشير إلى ناموس موسى, لأن موسى منع أمورًا كثيرة بسبب قساوة قلب الشعب غير المؤمن الغليظ الرقبة.

أمبروسياستر

- إذ نحن لسنا تحت الناموس لنا حرية الاختيار, ولكن يلزم إدراك أن بعض الخيارات صحيحة والبعض خاطئة.

ثيؤدورت أسقف قورش

- إنه يتطلع إلى النهمين. فإنه إذ قصد مقاومة الزناة مرة أخرى، ولما كان الزنا يثيره الترف وعدم الاعتدال لهذا بكل قوة يعاقب هذا الهوى... لاحظ كيف أن كل واحدٍ منهم يقول: "من حقي أن أعيش في ترفٍ". يجيب: "إذ تفعلون هذا لا تعملون بعد كمن له سلطان على شيء، بل بالأحرى كمن أنتم أنفسكم تخضعون لمثل هذا السلطان. لأنه ليس لكم سلطان حتى على بطونكم ما دمتم تتسيّبون في سلوككم، بل هي التي لها سلطان عليكم". نقول نفس الشيء بالنسبة للغنى والأمور الأخرى.

القديس يوحنا ذهبي الفم

6. قدسية الجسد

الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة، واللَّه سيبيد هذا وتلك، ولكن الجسد ليس للزنا، بل للرب، والرب للجسد" [13].

الجسم ليس للزنا، فإن اللَّه لم يخلقه لهذا الهدف، وإنما لخدمة اللَّه ومجده، كأداة للبرّ في القداسة (رو 6: 19)، فلا يليق استخدامه في النجاسة. الجسم للرب حيث يمجد الرب بخدمته، والرب للجسد، إذ بذل ذاته من أجل تقديس الجسد، لأجل قيامته وتمجيده مع النفس.

حتمًا يأتي وقت فيه لا يحتاج الجسم إلى طعام حين يحمل طبيعة جديدة، ويصير له حق التمتع بالسماويات.

يقدم لنا الرسول نظرة مسيحية للجسد بكونه:

عضوًا في جسد المسيح (13،15؛ 27:12).

خيمة الروح الإنسانية (2 كو 1:5، 6).

إناء فيه كنز (2 كو 7:4).

ذبيحة حية للَّه (رو 1:12).

· - يلزمنا أن نضبط البطن ونحفظها تحت توجيه السماء. فإن اللَّه في النهاية سيحطم كل ما هو للبطن كما يقول الرسول.

القديس إكليمنضس السكندري

- إذ يُكرس الجسد للَّه ينال مكافأة روحية من أجل استحقاق من يحكمها, أي النفس العاقلة.

أمبروسياستر

- "الأطعمة للجوف" [13]. لا يقصد بالجوف هنا المعدة، بل نهم المعدة. وذلك كما يقول: "إلههم بطنهم" (في 19:3)، فلا يقصد جزءً من الجسم بل النهم... يقول: "الأطعمة" بمعنى النهم، ومع النهم فهي لا تستطيع أن تقودنا إلى المسيح بل تسحبنا إليها. فإن النهم هو هوى قوي بهيمي يجعلنا عبيدُا...

لا يقول هذا عن الطعام والجسم بل عن هوى النهم والمبالغة في الأكل، الأمر الذي يوبّخه، هذا ما يظهره حديثه بعد ذلك. "واللَّه سيبيد هذا وتلك". إنه لا يتحدث عن المعدة، وإنما عن الشهوة المبالغ فيها، ليس عن الطعام بل عن الأكل المستمر. فإنه لا يغضب على الطعام، إنما يضع له قواعد للالتزام بها، قائلاً: "فإن كان لنا قوت وكسوة فنكتفِ بهما" (1 تي 8:6). على أي الأحوال فإنه يجد أن هذا الأمر ككلٍ معيب، أما إصلاحه (بعد تقديم النصح لهم) فيُترك للصلاة.

القديس يوحنا ذهبي الفم

-حسنًا يليق بالذين يخشون أن يطلبوا أي شيء يبيد يومًا ما كأمر رئيسي يشتهونه، متطلّعين إلى أن كل شخصٍ يشترك بنصيبٍ مما يتعبد به، وقد حذر الرسول من ذلك عندما قال "إلههم بطنهم" (في19:3). وفي موضع آخر يقول: "الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة، واللَّه سيبيد هذا وتلك" [13].

القديس أغسطينوس

7. قيامة المسيح مصدر قيامتنا

واللَّه قد أقام الرب، وسيقيمنا نحن أيضًا بقوته" [14].

أوضح كيف أن الرب للجسد، بقيامته وهب الجسد قوة القيامة. وهبه عدم الفساد عوض الفساد، والخلود عوض الموت، والطبيعة الروحية عوض الطبيعة الترابية, فكما لبسنا صورة آدم الأول الترابي سنلبس صورة آدم الثاني السماوي.

الرجاء في القيامة التي صارت حقًا لنا في المسيح القائم من الأموات يحفظنا من تسليم الجسد لعبودية الفساد والشهوات.

إذ صار السيد المسيح ممثلاً لنا أقامه الأب كعربون لقيامتنا التي تتحقق خلال قوة قيامة المسيح، فنشاركه مجده.

- هل تدركون مرة أخرى حكمته الرسولية؟ فإنه على الدوام يؤسس الإيمان بالقيامة بالمسيح خاصة الآن. فإن كان جسمنا هو عضو المسيح، والمسيح قائم، بالتأكيد يلزم للجسم أن يتبع الرأس.

- إن كان ينسب قيامة المسيح للآب لا تضطربوا قط. فإنه ليس كما لو كان المسيح بلا سلطان عندما قال هذا، إذ هو نفسه يقول: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أُقيمه" (يو 19 :2)، وأيضًا: "لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضًا" (يو 18 :10). ويقول لوقا في سفر الأعمال: "الذين أراهم أيضًا نفسه حيًّا" (أع 3 :1). فلماذا يقول بولس ذلك؟ لأن كلا من أعمال الابن لحساب الآب، وأعمال الآب لحساب الابن. لذلك يقول: "لأنه مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك" (يو19: 5).

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لبس الفادي ثياب الموت...

تشبه بأهل المكان،

أشرق نوره على السكان،

فانطلقت التسابيح تشكر الديَّان.

وعندما سمع آدم صوت الابن الحنان،

ابتهج وقدم آيات الولاء والشكران.

كما فعل يوحنا في بطن أمه،

عندما زارتها العذراء،

فعل آدم في أرض الفناء،

لقد انتهي العقاب وفتحت الأبواب،

وزالت سلطة زبانية (شوكة) الهاوية.

لأن الرب أراد أن يرفع يدهم عن مخلوقاته برأفته المتناهية.

نزل إلى مدينة الأموات،  ليفك قيود أسرى الخطيئة والخطاة.  حطم الأغلال وفك القيود.

-جاء المخلص وانتهت المأساة،

وفتحت أبواب الحنان للمؤمنين الصالحين،

بفضل رب الجنة والتكوين.

وأخذ داود قيثارة ينشد مزاميره وأشعاره،  يقول: جاء الحي إلى الأموات ليعيد لهم الحياة،

سبحوا الرب يا سكان الأرض.

سبحوا الرب على المعجزة، فالحرّ يحل بين الأموات.

مار يعقوب السروجي

- لقد مسحني السرّ الإلهي... وإنني اتحد بالسرّ، الذي يحضرني إلى هذا اليوم العظيم المشرق، واهبًا عونًا لضعفي، فيعطني ذاك الذي قام من الأموات في مثل هذا اليوم - حياة لنفسي أيضًا، ويلبسني الإنسان الجديد (أف 23:4، 24)، ويجعلني من الخليقة الجديدة هؤلاء الذين ولدوا من اللَّه... فأكون مستعدًا أن أموت معه وأقوم أيضًا معه...

بالأمس (أول أمس) ذبح الحمل، ورشت القوائم بدمه... وعبر الملاك المهلك بسيفه المهلك مرتعبًا وخائفًا... لأننا محفوظون بالدم الثمين...

بالأمس قد صلبت مع المسيح، واليوم أنا ممجد معه!

بالأمس مت معه، واليوم وهبت حياة معه!

بالأمس دفنت معه، واليوم أقوم معه!

القديس غريغوريوس النزينزي




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 6 جـ3 PDF Print Email

8. عضويتنا في جسد المسيح

ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح؟  أفاخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية؟ حاشا" [15].

يتطلع المؤمن إلي كل أعضاء جسمه بكل وقارٍ بكونها أعضاء المسيح، وهيكلاً لروحه القدوس.

إذ يستخدم الجسم كأعضاء للمسيح يلزم ألا يكون أعضاء لزانية.

إذ تتحد النفس مع المسيح بالإيمان يصير كل كيان الإنسان عضوًا في جسد المسيح السري. يتحد الجسد كما النفس مع السيد المسيح. يا لكرامة المسيحي! فقد صار جسمه عضوًا في جسد المسيح.

-جميعكم أعضاء المسيح، إذ اتحدتم معه بميلادكم الثاني بالروح. لكم الرجاء أنكم ستقومون كما قام هو.

الأب ثيؤدور أسقف الميصة

- ليس شيء يرعب مثل هذا التعبير، إنه لم يقل: "آخذ أعضاء المسيح وأجعلها مرتبطة بزانية"، بل ماذا قال: "وأجعلها أعضاء لزانية"، الأمر الذي يثيره بحذاقة!

-حقًا إن الخوف من العقوبة كفيل أن يحفظهم في العفة، لكنه إذ لم يرد بالخوف وحده أن يضع هذه الأمور في نصابها، استخدم مع التهديد البراهين العقلية.

-إنه يتحدث معهم كأبناء من أصل شريف.

- كل الأشياء تنتمي للرب: الجسد والنفس والروح... لاحظوا كيف قدّم الكل للتأمل في المسيح، كيف رفعنا إلى السماء. إذ يقول: "أنتم أعضاء المسيح"، "أنتم هيكل الروح". فلا تصيروا بعد أعضاء لزانية لأنه هذا ليس جسدكم بالمرة بل خاص بالمسيح.

القديس يوحنا ذهبي الفم

أم لستم تعلمون أن من التصق بزانية هو جسد واحد؟  لأنه يقول يكون الاثنان جسدًا واحدًا" [16].

يقول اللَّه لآدم "لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكونان جسدًا واحدًا" (تك 2: 24، مت 19:5).

-الفساد الجنسي يجعل الاثنين واحدًَا في الطبيعة كما في الخطية.

أمبروسياستر

-الإنسان الذي يرتكب الزنا وعدم الطهارة الصادرة عنه يهين زواجه وزوجته. إنه يخطئ ضد جسمه، وبالتالي ضد زوجته لأن الاثنين جسد واحد.

أوكيمينوس

"وأما من التصق بالرب فهو روح واحد" [17].

ليست من خطية مرعبة مثل الزنا، فإنها تجعل الإنسان متغربًا عن السيد المسيح باتحاده مع زانية، فيصير معها جسدًا واحدًا. لن يمكن أن يتم اتحاد بين المسيح والزناة؛ خطية الزنا تسيء إلي رأس المؤمن وسيده السيد المسيح.

من يتحد بزانية يصير معها جسدًا واحدًا وليس روحًا واحدًا، إذ لا يتمتعا بعمل الروح القدس، أما من يلتصق بالرب، فيقبل روح الرب فيه فيصير معه واحدًا (يو 15 :1-7؛ 17 :21؛ يو 3: 6).

- يقيم روح اللَّه شركة بين اللَّه والكائنات البشرية عندما نتحد مع الرب.

أمبروسياستر

- إذ يغسلنا من كل خطية ويطهرنا يدخل القديس يوحنا إلى علاقة حسنة مع برِّه وبرّ أبيه، فحسنًا يقول الرسول: "من التصق بالرب فهو روح واحد" [17].

القديس أغسطينوس

- الكلمة صار جسدًا، وجسد الإنسان يرتفع إلى مجد اللَّه.

الأب بطرس خريسولوجوس

- الالتصاق يجعل الاثنين واحدًا ولا يبقيا بعد اثنين.

القديس يوحنا ذهبي الفم

9. خطورة الزنا

اهربوا من الزنى. كل خطية يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد، لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده" [18].

ليست خطية في بشاعة الزنا إذ تربط جسم الإنسان بجسد زانية ويصيرا جسدًا واحدًا. لنهرب منها كما هرب يوسف الشاب من شهوات سيدته المصرية.

-بالهروب السريع وحده يمكننا أن نتحفظ من عنف سيدة قاسية كهذه, ونهرب من عبودية شريرة كهذه.

القديس أمبروسيوس

- لاحظ أن بولس لم يقل أنه يلزم أن نكره الزنا، بل أن نتحفظ منه كأناس يحذرون ضرر الشر.

ثيؤدورت أسقف قورش

- لم يقل: "امتنعوا عن الزنا" بل قال: "اهربوا من الزنا"، أي بكل غيرة لكي تخلصوا من هذا الشر... يقول: "ماذا إذن، أليس المُحرّم يدنّس يداه؟ وماذا عن الشخص الطمّاع والعنيف؟ أظن أنه واضح أن هذا لكل أحد. ولكن إذ لا يمكن الإشارة إلى شيء أردأ من الزنا، فقد أوضح ضخامة الخطية بطريقة أخرى بحديثه عن الزاني، أنه يجعل الجسد كله دنسًا. يفسد الجسد ككله كمن سقط في إناء من الرجاسة وغطس في النجاسة.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- يثير شيطان الزنا الشهوة الجسدية، ويشن هجومه على النساك، ويجاهد لكي يتخلوا عن نسكهم، زارعًا في نفوسهم بأن نسكهم هذا بلا نفع. فإذا ما استطاع أن يدنس النفس، يبتدئ يهيئها لقول وسماع بعض الأحاديث (الشريرة) حتى يبدو كما لو أن العمل (الشرير) ذاته ماثل أمام أعينهم.

الأب أوغريس الراهب

10. الجسد هيكل للروح القدس

أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم، الذي لكم من اللَّه، وأنكم لستم لأنفسكم؟" [19]

بالخضوع للسيد المسيح بروحه القدوس تصير أجسامنا هيكل الروح القدس، فمن يزني يهين هيكل الرب نفسه. هكذا يليق بالمؤمن أن يحفظ قدسية هذا الهيكل ولا يسيء إلى الساكن فيه.

بقوله "جسدكم" وليس "أجسادكم" واضح أنه يتحدث عن كل جماعة المؤمنين كجسدٍ واحدٍ، إنهم هيكل الروح القدس. وكأن الكنيسة صارت هي الشكينة التي كان اللَّه يتحدث من خلالها لموسى وللشعب (خر 25: 22).

- كما لو أن الشخص يصير روحًا مع أن الجسد يحوط به. فإنه عندما لا يكون حوله ما هو مادي أو كثيف أو أرضي، فإن الجسد مجرد يحوط به لكن إدارة حياته كلها هي بالنفس والروح. بهذا يتمجد اللَّه.

القديس يوحنا ذهبي الفم

-في نظر أفلاطون الجسم سجن, أما في نظر بولس فهو هيكل اللَّه لأنه في المسيح.

العلامة ترتليان

لأنكم قد اشتريتم بثمن، فمجدوا اللَّه في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي للَّه" [20].

اللَّه الذي خلق الجسم كما الروح يتمجد في كيان المؤمن كله، فيستخدم الجسم كما الروح لحساب ملكوته. كما يُشتري العبد بثمنٍ فيصير في ملكية سيده، هكذا اُشترينا بدم السيد المسيح، فلم نعد ملك أنفسنا بل نحن ملك فادينا، نكرس الجسم مع الروح بكل الطاقات لحسابه.

-"فمجّدوا اللَّه في أجسادكم وفي أرواحكم" [20]. يقول هذه الأمور لا لكي نهرب من الزنا في الجسد فحسب، بل وفي الروح وفي الذهن، فنمتنع عن كل فكرٍ شرير، ومن انتزاع النعمة عنا.

القديس يوحنا ذهبي الفم

-لا تستسلموا للشهوات العالمية، "قد اشتُريتم بثمن" [20]. فمن أجلكم صار الكلمة جسدًا، ومن أجلكم صار ابن اللَّه ابن الإنسان، حتى تصيروا أنتم أبناء البشر أبناء اللَّه.

القديس أغسطينوس

- الذي أُشتري ليس له سلطان أن يأخذ قرارات, بل يقوم الشخص الذي اشتراه بذلك. ونحن إذ اُشترينا بثمنٍ غالٍ جدًا يليق بنا أن نخدم سيدنا بالأكثر, لئلا بإهانة ذاك الذي حررنا نعود فنسقط في الموت.

أمبروسياستر

- إذن لنمجد اللَّه، ونحمله في أجسادنا وأرواحنا. ربما يقول أحد: كيف يمجده الإنسان في الجسد؟ وكيف يمجده في الروح؟ هنا يدعو النفس روحًا ليُميّزها عن الجسد. ولكن كيف نمجده في الجسد والروح؟ يمجده في الجسد ذاك الذي لا يرتكب زنا والذي يتجنب النهم والسُكر، ولا يبالي بالاستعراضات الخارجية، ومن لا يطلب مئونة أكثر مما يلزم لصحته، وهكذا بالنسبة للمرأة فإنها لا تهتم بالروائح والمكياج بل تكتفي بما خلقها اللَّه عليه ولا تضيف شيئًا من عندها.

- ليتنا لا نهتم بالمظهر الجميل الباطل وبلا نفع. ليتنا ألا نعلم أزواجنا أن يعجبوا بالشكل الخارجي المجرد. لأنه إن كانت زينتكِ هي هذه فإنه يعتاد على رؤية وجهك هكذا فيمكن لزانية أن تُأسره بسهولة من هذا الجانب. لكن أن تعلم أن يحب أخلاقك الصالحة وتواضعك، فإنه لا يكون معدًا للضياع، إذ لا يجد في الزانية ما يجذبه إليها، هذه التي لا تحمل هذه السمات بل نقيضها. لا تعلّميه أن يُؤسر بالضحك ولا بالملابس الخليعة لئلا تهيّئين له السم.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- لنمجد اللَّه ونحمله في جسمٍ طاهرٍ بلا غضن, وفي حفظٍ كاملٍ. ليت هؤلاء الذين يخلصون بدم المسيح يخضعون لقانون مخلصهم في طاعةٍ كاملةٍ كخدام. لنهتم ألا نقدم شيئًا نجسًا أو دنسًا في هيكل اللَّه, لئلا إذ يُهان يترك المسكن الذي يقطن فيه.

الشهيد كبريانوس

 

من وحي 1كو 6

بروحك أسلك بما يليق

فأنا ابن لك!

- وهبتني بروحك القدوس البنوة للَّه أبيك.

نزلت معك إلى نهر الأردن،

ليحل روحك ويشكّلني أيقونة لك.

نعم، هب لي روحك الناري أن يجدد على الدوام طبيعتي،

فأسلك لما يليق كابنٍ وعضوٍ في جسدك.

- أنت الحاكم والديّان قبلتَ أن تُحاكم،

هب لي ألا أُحاكم أحدًا،

ولا أدين أحدًا،

بل بفرحٍ أحب وأربح حتى الذي يظلمني.

حبي لأخي أعظم من نوال أي حق بشري!

لأحتمل ظُلمه، فإني لا احتمل هلاكه الأبدي!

- أنت القدوس سلكت معي على أرضي،

شاركتني الحياة هنا،

هب لي قداستك عاملة فيّ،

فبدون القداسة لا أقدر أن أعاينك،

ولا أستطيع العبور إلى ملكوتك.

ليس من أثرٍ للخطية يقدر أن يعبر معي إلى سماءك!

فإن سماءك هي مقدس إلهي!

-أنت البار، وحدك بلا خطية.

لأقتنيك، فبك وحدك أتبرر.

وبدونك أبقى أسيرًا للخطية والفساد!

- أنت الإله، من يقدر أن يقاومك؟

لك الحق أن تفعل ما تشاء.

بحبك لي صرت عبدًا ولم تطلب حقًا لك.

اسمح لي أن اقتفي آثارك.

اسمح لي أن أحمل روحك.

اسمح لي ألا أُمارس إلا ما يوافقك!

- أنت الكلمة الأزلي، صرت جسدًا من أجلي!

يا لفرحي! يا لكرامتي! سيدي يحمل جسدًا مثلي!

فكيف احتقر الجسد بعد؟

كيف أستخف به؟

متى أراه يُشارك جسدك مجد القيامة؟

متى يعبر مع النفس ليتمتع بالأمجاد الأبدية؟

جسدي عطية إلهية،

سأعرف حقًا قيمتها عندما يصير جسدًا مجيدًا!

- أنت القيامة وواهبها!

لتدخل إلى قبري وتحملني إلى الحياة الجديدة.

من يقدر أن ينزع موتي ويهبني الحياة غيرك؟

من يحطم فسادي ويهبني عدم الفساد؟

من ينزع ضعف الجسد وهوانه ويهبه القوة والكرامة؟

لك المجد يا أيها الغني في عطائه.

- أنت الرأس مدبر كل أعضاء الجسم ومقدسها.

قدسني بروحك،

فلن يقدر الزنا أن يلتصق بي،

ولا تقدر النجاسة أن تقترب إلى حياتي.

أقم مني هيكلاً لروحك القدوس.

فيه تحل مع أبيك وروحك القدوس.

فيه تقيم سماءً جديدة.

فيه يحل الفرح الذي لا ينقطع!


11 ايتجاسر منكم احد له دعوى على اخر ان يحاكم عند الظالمين و ليس عند القديسين
2 الستم تعلمون ان القديسين سيدينون العالم فان كان العالم يدان بكم افانتم غير مستاهلين للمحاكم الصغرى
3 الستم تعلمون اننا سندين ملائكة فبالاولى امور هذه الحياة
4 فان كان لكم محاكم في امور هذه الحياة فاجلسوا المحتقرين في الكنيسة قضاة
5 لتخجيلكم اقول اهكذا ليس بينكم حكيم و لا واحد يقدر ان يقضي بين اخوته
6 لكن الاخ يحاكم الاخ و ذلك عند غير المؤمنين
7 فالان فيكم عيب مطلقا لان عندكم محاكمات بعضكم مع بعض لماذا لا تظلمون بالحري لماذا لا تسلبون بالحري
8 لكن انتم تظلمون و تسلبون و ذلك للاخوة
9 ام لستم تعلمون ان الظالمين لا يرثون ملكوت الله لا تضلوا لا زناة و لا عبدة اوثان و لا فاسقون و لا مابونون و لا مضاجعو ذكور
10 و لا سارقون و لا طماعون و لا سكيرون و لا شتامون و لا خاطفون يرثون ملكوت الله
11 و هكذا كان اناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع و بروح الهنا
12 كل الاشياء تحل لي لكن ليس كل الاشياء توافق كل الاشياء تحل لي لكن لا يتسلط علي شيء
13 الاطعمة للجوف و الجوف للاطعمة و الله سيبيد هذا و تلك و لكن الجسد ليس للزنا بل للرب و الرب للجسد
14 و الله قد اقام الرب و سيقيمنا نحن ايضا بقوته
15 الستم تعلمون ان اجسادكم هي اعضاء المسيح افاخذ اعضاء المسيح و اجعلها اعضاء زانية حاشا
16 ام لستم تعلمون ان من التصق بزانية هو جسد واحد لانه يقول يكون الاثنان جسدا واحدا
17 و اما من التصق بالرب فهو روح واحد
18 اهربوا من الزنا كل خطية يفعلها الانسان هي خارجة عن الجسد لكن الذي يزني يخطئ الى جسده
19 ام لستم تعلمون ان جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله و انكم لستم لانفسكم
20 لانكم قد اشتريتم بثمن فمجدوا الله في اجسادكم و في ارواحكم التي هي لله




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 7 جـ1 PDF Print Email

الزواج والبتولية

النظرة إلى الزواج والبتولية في العصر الرسولي

يجيب الرسول في هذا الأصحاح عن بعض الأسئلة التي بعث بها الكورنثوسيون إليه، منها هل يليق بالمؤمن ألا يتزوج في الظروف المعاصرة في كورنثوس؟ غالبًا ما قام بالتساؤل بعض المسيحيين الذين من أصل أممي وبعض ممن هم من أصل يهودي.

كان اليهود يرون الزواج أمرًا ضروريًا، ويحسبون من لا يريد الزواج قد ارتكب جرمًا. بينما يتطلع كثير من الفلاسفة إلى الزواج كشرٍ يجلب متاعب لا حصر لها، لكنه شر لا بد منه.

في قوانين Lycurgus كان غير المتزوجين يمنعون من مشاهدة الألعاب العامة, وفي قوانين Sportans كان غير المتزوجين يُعاقبون. وأعلن أفلاطون بأن هؤلاء لا يستحقون أية كرامة، ومع هذا وجد فلاسفة يونانيون يدافعون عن العزوبية وعدم الزواج.

أدت النظرة الخاطئة للجسد إلى تطّرفين: الأول الاستهانة به كعنصر ظلمة كله شهوات، فأسلمه هذا الفريق للزنا. والثاني دنسوا النظرة إلى العلاقات الزوجية الجسدية فنادوا بامتناع المتزوجين عن المعاشرة الزوجية.

دافع العلامة أوريجينوس، كما فعل من قبله معلمه القديس اكليمنضس السكندري، عن شرعية الزواج، ضد الإنكراتيين Encratites، الذين كان أغلبهم مرقيونيين Marcionites ومونتانيين Montanists. فيشير إليهم كـ "أتباع تعاليم الشياطين" كقول القديس بولس في (1 تي 3:4). في مرات كثيرة أشار إلى تحريمهم للزواج، ومناداتهم بالنسك (لكون بعض الأطعمة دنسة). جاء في كتابات أوريجينوس ضد المرقيونيين أنه ليس شيء خلقه اللَّه غير طاهر في ذاته. وأنه لا يتنجس شيء ما إلا بالأفكار والنيات الشريرة للبشر. إنهم يُحرمّون الزواج الذي حققته العناية الإلهية. دافع أوريجينوس عن الزواج المسيحي، بصفته نموذجًا للاتحاد بين الكنيسة والمسيح.

ويمكن تلخيص ما ورد في هذا الأصحاح عن الزواج والبتولية في النقاط التالية:

أ. يعلن الرسول عن سمو الحياة البتولية [1، 8] بالنسبة لمن لم يتزوج أو البتول. فقد عاش الرسول بولس بتولاً، متفرغًا للخدمة دون تحرق. فالبتولية ليست غاية في ذاتها، بل هي تكريس الطاقات والإمكانيات للعبادة أو الكرازة. فإن كان الرسول يشتاق أن يقتدي الكل به، ذلك ليس لأن الزواج خطية، وإنما لأجل الرب لمن وُهبوا هذه العطية. "فأريد أن تكونوا بلا همّ. غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب. وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته" [33].

ب. يلزم إلا يمتنع أحد عن العلاقات الزوجية كأمرٍ دنسٍ. إنما يمكن الامتناع إلى حين، للتفرغ للعبادة، وبموافقة الطرفين.

ج. إن قبل أحد الزوجين الإيمان المسيحي، وقبل الطرف الثاني، وهو غير مسيحي، أن يبقى معه فلا يمتنع الأول. لأن غير المؤمن مقدس في المؤمن، وإلا يُحسب الأولاد نجسين. هذا لا يعني التصريح للمسيحي بالزواج بغير المؤمنة، إنما يتحدث عمن كانا متزوجين قبل قبول أحدهما الإيمان بالمسيح.

د. لا يليق بالمتزوج أن يندم على زواجه، ويمكن للبتول أن يبقى هكذا، لكنه إن تزوج لا يخطئ. من لا يضبط نفسه فليتزوج، "لأن التزوج أفضل من التحرق" [9]. ولكل مؤمن موهبته الخاصة من اللَّه: الزواج أو البتولية [7].

يقول ثيؤدورت أسقف قورش: [سأل أهل كورنثوس بولس إن كان من حق المسيحيين المتزوجين, وقد نالوا العماد أن يتمتعوا بالعلاقات الجسدية بين الزوجين. أجاب بولس يمدح العفة, ويدين الزنا ويسمح بالعلاقات الزوجية.]

1. الزواج أفضل من التحرق 1-9

2. السماح بالبقاء مع غير المؤمنين 10-16

3. البقاء في الحال الذي عليه 17-24.

4. البتولية أفضل 25-35.

5. موقف الإنسان من عذرائه 36-38.

6. اعتزاز الأرامل بمركزهن 39-40

1. الزواج أفضل من التحرق

"وأما من جهة الأمور التي كتبتم لي عنها فحسن للرجل أن لا يمس امرأة" [1].

كانت الكنيسة في كورنثوس تعاني بجانب الانشقاقات تحت أسماء قادة معينين من صراعات بسبب مفاهيم الجنس والعلاقات الجسدية والزواج. فمن جهة كانت كورنثوس تفتخر بهيكل أفروديت وما تمارسه الكاهنات المكرسات للفساد لحساب الهيكل. ولعل البعض كان يحسب هذا التسيب علامة من علامات التحضر والتقدم. وأن العفة والطهارة نوع من التزمت غير اللائق بمواطني مدينة عظيمة مثل كورنثوس.

ومن الجانب الآخر تطلع البعض إلى الزواج وكأنه زنا مباح فقام بعض المعلمين الكذبة ينادون بالامتناع عن الزواج لأنه نجاسة وإشباع لشهوات جسدية. جاء رفضهم للزواج كمظهر من مظاهر القداسة والتقوى.

وظهرت آراء كثيرة متضاربة بين هذين التطرّفين، لهذا بعث البعض بأسئلتهم في هذا الشأن إلى القديس بولس الرسول بكونه مؤسس الكنيسة هناك والمسئول عنها، يطالبونه بإجابة محددة على أسئلتهم.

- إذ أُثيروا بواسطة الأذهان الفاسدة للرسل الكذبة الذين في ريائهم علّموا برفض الزواج حتى يحملوا مظهر القداسة أكثر من الآخرين, لهذا كتب أهل كورنثوس إلى بولس يسألونه عن هذه الأمور. وإذ كانوا غير سعداء بهذا التعليم تجاهلوا كل ماعدا ذلك وركزوا على هذا الأمر وكثفوا أسئلتهم.

أمبروسياستر

- يقول البعض أن هذا المقال يوجهه الرسول إلى الكهنة؛ لكنني أرى مما جاء بعد ذلك أن الأمر ليس كذلك، وإلا ما كان يقدم نصيحته في عبارة عامة. فلو أن هذه الأمور خاصة بالكهنة لقال: "جيد بالمعلم أن لا يمس امرأة".

القديس يوحنا الذهبي الفم

بدأ إجاباته على أسئلتهم بوضع المبدأ العام: "حسن للرجل أن لا يمس امرأة". وهو هنا يقدم تقديره الخاص لحياة البتولية التي يراها أنها حياة أفضل، لكنها ليست ملزمة للجميع.

- إذا كانت شرور البشر تحتاج إلى قوانين رادعة، فإن البتولية تأخذ مكانها المساوي للملائكة.

القديس كبريانوس

- كل الكلمات البشرية قاصرة عن أن تضيف شرفًا أكبر لنعمةٍ فائقة كالبتولية.

- ما انفصلت البتولية قط عن الملتصق بواهب صفات الألوهية... إن كل قواميس اللغة وأساليب البلاغة تُحتقر احتقارًا إن اُستخدمت في مدحها.

-البتولية رفيقة الإنسان في عمله الروحاني، ومساعدة له في البلوغ إلى الهدف السامي للحياة... إنها الطريق العملي في علم الحياة الإلهية. وهي تهب الأشخاص قوة حتى أنهم يتشبّهون بالطبائع الروحانية.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

يعتبر أوريجينوس البتولية أعظم المواهب كمالاً بعد الاستشهاد. ففي ذبيحة البتولية، يكون الإنسان هو الكاهن من خلال فكره، والذبيحة من خلال جسده، وذلك على مثال المسيح فوق الصليب. تمثل البتولية حلقة وصل متميزة بين السماء والأرض، حيث كان اللَّه قادرًا أن يتحد بالبشرية فقط من خلال جسد "مقدس" أخذه من امرأة عذراء بدون علاقة زوجية.

"ولكن لسبب الزنى ليكن لكل واحد امرأته، وليكن لكل واحدة رجلها" [2].

بجانب حياة الشركة والتعاون الأسري، فإن أحد أهداف الزواج هو حماية الغرائز الجنسية من الانحراف، فعلى الزوجين مسئولية اهتمام كل منهما بالآخر. تقدم لنا الحكمة الإلهية الزواج كعلاجٍ عملي ضد الزنا بكل أنواع الشهوات غير اللائقة. لكي يتجنب الإنسان السقوط في الزنا فيكون للرجل زوجته، وللزوجة رجلها.

- لا يظن أحد أنني أُقلل من قيمة الزواج كسُنّةٍ ونظام. نحن لا نجهل أن الزواج ليس غريبًا عن بركة اللََّه.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- البتولية ليست احتقارًا للزواج... ولا تلمح هذا الاستعلاء، لأن العلاقة بين الرجل والمرأة كعلاقة المسيح بالكنيسة.

القديس أغناطيوس الثيؤقورس

- من حيث أنه في الابتداء ظن أبونا أنهما اثنان، أنظر كيف لصقهما وضمهما معًا ليكونا جسدًا واحدًا بواسطة سرّ الزواج. لأنه يقول عِوض هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدًا واحدًا.

القديس يوحنا ذهبي الفم

-كيف يمكننا أن نعبَّر عن سعادة الزوجية التي تعقدها الكنيسة، ويثبتها القربان، وتختمها البركة؟

العلامة ترتليان

"ليوفِ الرجل المرأة حقها الواجب وكذلك المرأة أيضًا الرجل" [3].

-يسمح اللَّه لنا بالزواج، إذ ليس كل إنسانٍ قادرًا على حالة السموّ المُلزم بالنقاوة المطلقة.

- إنك تمتنع عن زوجتك التي ارتبطت بها. تقول إنني لا أسيء إليها وتظن أنك تقدر أن تعيش عفيفًا في نقاوة أعظم. أنظر كيف تحطم زوجتك البائسة كنتيجة لتصرفك, فإنها عاجزة عن احتمال طهارتك! يجب أن تلتصق بها جسديًا, لا من أجلك وإنما من أجلها هي!

العلامة أوريجينوس

- هذا هو السبب لماذا يدعو الأمر دينًا (يفي به) ليظهر أنه ليس أحد سيدًا على نفسه بل كل منهما خادم للأخر... الآن إن كان ليس للزوج أو الزوجة سلطان على جسديهما، بالأكثر ليس لهما سلطان على ممتلكاتهما. هذه مساواة عظمى في الكرامة وليس لأحدهما سلطان خاص أو حق خاص.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يلزم للزوج والزوجة أن يخضع كل للآخر في هذا الأمر. إذ صار الاثنان جسدًا واحدًا وإرادة واحدة حسب ناموس الطبيعة.

أمبروسياستر

-تقتضي النواميس البشرية أن تكون النساء عفيفات وإن لم تكن هكذا تعاقب, ولا تطالب بذلك بالنسبة للرجال. ذلك لأن الرجال هم الذين وضعوا الشرائع فلم يضعوا أنفسهم على قدم المساواة مع النساء بل أعطوا لأنفسهم تقديرًا أكثر. أما الرسول القديس الذي أوحى له بالنعمة الإلهية فهو أول من وضع قانون العفة موضع تطبيق للرجال أيضًا.

ثيؤدورت أسقف قورش

"ليس للمرأة تسلط على جسدها بل للرجل، وكذلك الرجل أيضًا ليس له تسلط على جسده بل للمرأة" [4].

ليس للرجل أن يتسلط علي جسده بل يقدمه لزوجته، وأيضا ليس للزوجة تسلط علي جسدها بل تقدمه للزوج. بهذا فإن الزنا وتعدد الزوجات هما خرق لقانون الزواج، حيث سلم كل منهما جسده للطرف الآخر، وليس من حقه أن يسلمه لشخص ثالث.

"لا يسلب أحدكم الآخر إلا أن يكون على موافقة إلى حين، لكي تتفرغوا للصوم والصلاة، ثم تجتمعوا أيضًا معًا، لكي لا يجربكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم" [5].

بالنسبة للمتزوجين فقد صاروا في ملكية متبادلة، كل يقدم جسده للآخر كملكٍ له، ليس له حق الامتناع عن العلاقة الجسدية وإلا صار سالبًا حق الآخرين [5]. فامتناع أي طرف من العلاقة الجسدية دون رضا الطرف الآخر هو سلب لحقوق الزواج. وبالأولي الالتصاق بطرف ثالث سلب لها. يمكن الامتناع إذا اتفق الاثنان للتفرغ للصوم والصلاة إلي حين، دون ضغط من أحد الطرفين على الآخر [5].

يُلاحظ أن الرسول لم يقل: "للصوم والصلاة"، وإلا كان ذلك معناه أن العلاقة دنسة، إنما "لكي تتفرغوا" لهما. يقول الرسول: "أقول ذلك علي سبيل الإذن لا علي سبيل الأمر" [6]، لئلا يظن من لا يمتنعا عن العلاقة للتفرغ أنهما قد كسرا وصية إلهية... إنه طريق الكمال للقادرين!

- ليس من الصعب بالنسبة للمتزوجين المخلصين أن يضعوا لمدة أيام ما تعهد به الأرامل والبتوليون القديسون أن يفعلوه كل أيام حياتهم، لهذا لتلتهب فيكم الغيرة, ولتُضبط الشهوات.

القديس أغسطينوس

- يلزم أن تتم أسرار الزواج بقدسيةٍ وبتريثٍ وليس بأهواء مشوشة.

العلامة أوريجينوس

- لست أخجل أن أنطق بهذا ما دام بولس لم يخجل من القول: "لا يسلب أحدكم الآخر"[5] فيبدو ما يقوله مخجل أكثر مما أقوله، ومع هذا لم يخجل. فإنه لا يهتم بالكلمات بل بالأعمال التي توضع في مكانها اللائق كما بسيوف.

-لماذا هذا؟ لأن شرورا عظيمة تصدر عن هذا النوع من الامتناع. لأن الزنا والنجاسة ودمار العائلات غالبًا ما يحدث بسبب هذا. فإن كان الرجال وهم لهم نساؤهم يتعرّضون لارتكاب الزنا فبالأكثر يسقطون إن نزعت عنهم هذه التعزية... يمكنك أن تعيش مع زوجة وتهتم بالصلاة. ولكن بالعفة تصير الصلاة أكثر كمالاً. إذ لم يقل: "لكي تصلوا، بل قال: "لكي تتفرغوا للصلاة"، فما يتكلم عنه ليس بسبب دنس ما وإنما للتفرغ أكثر... ألا ترون المعنى القوي الذي يقصده بأن العفة أفضل، ومع هذا فهو لا يُلزم الشخص العاجز عن بلوغها، لئلا يعترض أحد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولكن أقول هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر" [6].

علي سبيل الإذن، أي ليس وصية إلهية من لا ينفذها يُحسب عاصيًا للَّه، إنما هي وصية لمن يطلب الكمال، الأمر الذي لا يقدر الكل أن ينفذه.

ماذا يعني هذا؟ لا تلزموا أنفسكم بشيٍء أكثر من طاقتكم لئلا خلال امتناعكم المشترك تسقطون في الزنا؛ لئلا يجرّبكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم. ولكي لا يبدو كمن يأمر وهو مجرد يسمح بذلك (لأن ما يُطلب من شخص كأخلاقيات أقوى يختلف عما يسمح به للضعفاء)، لهذا أضاف في الحال: "ولكن أقول هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر، لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا"، وكأنه يقول: "لست أمركم أن تفعلوا هذا، لكنني أسامحكم إن فعلتموه".

القديس أغسطينوس

"ولكن أقول هذا... لاعلى سبيل الأمر" [6]. لأن هذا ليس حكم إلزامي بل هو متروك لمحبي العفة... أتريد أن تعرف رأي بولس في هذا الأمر؟ "لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا" [7].

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 7 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 7 جـ2 PDF Print Email

"قد اشتريتم بثمن، فلا تصيروا عبيدا للناس" [23].

يشتري الإنسان عبدًا، فيملك جسد،ه لكنه لن يقدر أن يسيطر علي أعماقه الداخلية أما السيد المسيح فاشترانا بدمه ليحرر الداخل.

- كيف يكون الحر عبدًا؟ عندما يخدم الناس في خدمة شريرة، إما لأجل النهم أو رغبة في الثروة... فمثل هذا الشخص وإن كان حرًا فهو عبد أكثر من أي إنسان آخر... كان يوسف عبدًا لكنه لم يكن عبدًا لبشرٍ، لأنه وهو في العبودية كان أكثر حرية من كل من هم أحرار. كمثال لذلك لم يخضع لسيدته، ولا خضع للأهداف التي كانت تبغيها وهي مالكة له. مرة أخرى كانت هي حرة لكنها لم تكن حتى مثل العبد، فكانت تناجي خادمها وتتوسل إليه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- جاء المسيح وردنا حين كنا نخدم ذاك السيد الذي بِعنا أنفسنا له بالخطية. لذلك يظهر بأنه يرد الذين له, هؤلاء الذين خلقهم. إنه يخلص الشعب الذي اختار سيدًا آخر بارتكاب الخطية.

العلامة أوريجينوس

- ثمن الإنسان هو دم المسيح. فقد قيل: "قد اشتريتم بثمنٍ, فلا تكونوا عبيدًا للناس" تحاول قوات الشرير أن تجعل هذا الثمن بلا نفع بالنسبة لنا. يحاولون أن يعودوا بنا إلى العبودية حتى بعدما تحررنا.

القديس باسيليوس الكبير

- لقد اشترينا بثمن مرتفع هكذا, فالمسيح وحده الذي يملك كل شيء قادر أن يدفعه. لهذا فمن أُشترى بثمن يلزم أن يخدم أكثر, مجاهدًا أن يرد للمشترى شيئًا. إذ اشترانا اللَّه يليق بنا أن لا نعود فنكون عبيدًا للناس. عبيد الناس هم الذين يقبلون الخزعبلات البشرية.

أمبروسياستر

-أي ثمن أعظم من أن يسفك الخالق دمه من أجل المخلوق؟!

القديس جيروم

"ما دعي كل واحد فيه أيها الاخوة فليلبث في ذلك مع اللَّه" [24].

يسمو الإيمان فوق كل الأوضاع. "ما دُعي كل واحد فيه أيها الاخوة فليلبث في ذلك مع اللَّه" [24].

يرى البعض أن بعض العبيد قبلوا الإيمان المسيحي فظنوا أنه من واجب سادتهم أن يحرروهم كاخوة لهم في المسيح يسوع. ما يؤكده الرسول هنا هو ألا يرتبك العبيد حتى إن لم يحررهم سادتهم. فالإيمان المسيحي يلزم السيد أن يعامل عبده كأخٍ له، يحبه ويقدره ويترفق به حتى وإن لم يحرره.

4. البتولية أفضل

"وأما العذارى فليس عندي أمر من الرب فيهن، ولكنني أعطي رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا" [25].

بالنسبة للعذارى يشتاق أن يبقين هكذا إن أمكن [25، 26]. أما قوله: "فليس عندي أمر من الرب فيهن ولكنني أُعطي رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا، فأظن أن هذا حسن لسبب الضيق الحاضر أنه حسن للإنسان أن يكون هكذا" [26]، لا يعني أن الرسول متشكك في الأمر، إنما لا يقدم وصية ملزمة وإلا التزمت جميع العذارى ألا يتزوجن حتى لا يكسرن الأمر الإلهي. هنا يقدم طريقًا لراغبي وراغبات الكمال البتولي كنصيحة وليس كأمر واجب.

بكل أمانة يعلن الرسول أنه لم يتسلم أمرًا من الرب في هذا الموضوع لكنه يكتب كرسولٍ يعلن له الروح القدس الحق ويوحي له به.

- من الواضح أن بولس يقول هذا ليس لأن لديه أمر بأن يعلم بخصوص البتولية, وإنما لأن اللَّه لم يخبره بأن هؤلاء الناس يلتزمون بممارسة العفة (البتولية). لهذا يكتب مقدمًا رأيه وموصيًا بالطهارة ( البتولية) دون إلزامهم بها.

سفيريان أسقف جبالة

- هنا يبلغ بولس حكمة علوية, لكنه يتردد في فرض (العفة) مباشرة, لأن هذا قد يظهر لسامعيه أنه غير مقبول. لهذا وضع الأمر كأنه رأي لا وصية ملزمة.

أوكليمينوس

- بعض الأحكام تقدم كوصايا اللَّه, بينما أحكام أخرى أكثر مرونة يتركها اللَّه لقرار الأفراد. النوع الأول هو الوصايا التي تمس الخلاص, والأحكام الأخرى للحياة الأفضل التي وإن لم نحفظها إلا أننا نخلص. إنها ليست ملزمة بأية طريقة, إنما ممارستها أمر اختياري.

العلامة أوريجينوس

"فأظن أن هذا حسن لسبب الضيق الحاضر أنه حسن للإنسان أن يكون هكذا" [26].

- يعلم بولس هنا أن البتولية أفضل, ليس فقط لأنها بالأكثر تسر اللَّه, وإنما أيضًا لأنها طريق معقول يسلكونه في الظروف الحاضرة.

أمبروسياستر

"أنت مرتبط بامرأة فلا تطلب الانفصال، أنت منفصل عن امرأة فلا تطلب امرأة" [27].

يعتبر الزواج مع قدسيته رباط لأن فيه كل طرف ملتزم بواجبات نحو الطرف الآخر، لذا لا يطلب حل هذا القيد أو الرباط.

- إنه لا يتحدث عن تلك التي اختارت البتولية، لأنه لو كانت كذلك لكانت تخطئ... الشر ليس في العِشرة الزوجية وإنما في إعاقة جديّة الحياة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

لكنك وإن تزوجت لم تخطئ،وإن تزوجت العذراء لم تخطئ، ولكن مثل هؤلاء يكون لهم ضيق في الجسد، وأما أنا فإني أشفق عليكم [28].

يبدو أنه ظهرت جماعات تدنس النظرة نحو الزواج أو تحرمنه (1 تي 4 :3) لهذا يؤكد الرسول أنه لا يحسب الزواج خطية، لكن من يدرك حقيقة الحياة كفترة قصيرة للعبور الي السماء لا يود أن يرتبك بمسئوليات الزواج بل يكرس طاقاته للعمل لحساب ملكوت اللَّه.

-البتول تخلص من المتاعب الأرضية وتتحرر بطهارتها, إذ هي تنتظر العريس الطوباوي.

العلامة أوريجينوس

-من يتزوج لا يخطئ لأنه يفعل أمرًا مسموحًا به. أما إذا رفض ذلك فيستحق المديح والإكليل في السماء, لأن هذا يتطلب ضبطًا عظيما للنفس لتجنب عمل ما هو ليس بممنوع.

أمبروسياستر

"فأقول هذا أيها الاخوة الوقت منذ الآن مقصر  لكي يكون الذين لهم نساء كان ليس لهم" [29].

لا تقوم البتولية على تدنيس النظرة إلى العلاقات الزوجية الجسدية وإنما على التفرغ للعبادة والخدمة، لأن الوقت مقصر. فالعالم خليقة اللَّه الجميلة والمقدسة، لكن كثيرين لا يستعملونه للتفرغ للعمل لحساب ملكوت اللَّه، هكذا الزواج مقدس، يرفضه البعض لا لدنس فيه وإنما من أجل الخدمة أو العبادة لضيق الوقت.

إذ الحياة فترة عابرة فإنه من يتزوج كمن لا يتزوج، تعبر حياته سريعًا بكل ملذاتها وآلامها, فلا يضع المؤمن قلبه في الراحة الجسدية.

- أنصتوا أيها الاخوة القديسون فإن رسول المسيح يقول في الكنيسة... "لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم" [29]. ونحن نعرف الكثير من الاخوة الذين أثمروا خلال النعمة، والذين من أجل اسم المسيح مارسوا ضبطا كاملاً باتفاق مشترك دون أن يحجموا عن الحب الزوجي. نعم فإنه كلما قلت العلاقات الأولى ( الجسدية) تزيد الأخرى قوة.

القديس أغسطينوس

- الذين يعرفون أن نهاية العالم قد اقتربت يتحققون من أنهم قريبًا يتعزون, لذا يريح الواحد الآخر بهذا الرجاء.

- يعني بولس بهذا أن نهاية العالم قادمة سريعًا. إذ يقدم هذه الحقيقة يلتزم المؤمنون ألا يرتبكوا بأن يكون لهم أطفال وإنما يكرسون أنفسهم لخدمة اللَّه. فإنه ستوجد ضغوط كثيرة غير متوقعة, وربما يسقطون في حبائل الشيطان. ليس أحد من بيننا له مخاوف لائقة من الضغوط التي سبق فأخبرنا عنها المخلص ويود أن يسقط فيها.

أمبروسياستر

- الذين لديهم عقر جسدي يلزمهم أن يحفظوا الإثمار في نفوسهم, والذين لا يستطيعون أن ينجبوا أطفالاً أرضيين يلزمهم أن يلدوا أطفالاً روحيين. أعمالنا هي أطفالنا. إن كنا نتمم أعمالاً صالحة كل يوم فإنه لا ينقصنا النسل الروحي.

قيصريوس أسقف آرل

- ليملك الشخص لا أن يُملك، ليمسك بالشيء لا أن يمسكه الشيء، ليكن سيدًا على ممتلكاته لا عبدًا لها وذلك كقول الرسول... [29-32]. ما هذا؟ ألا تحبوا ما تمتلكونه في هذا العالم؟ ليت هذه الممتلكات لا تمسك بأيديكم آلتي يجب أن تمسك باللَّه. ليت حبكم لا يكون منشغلاً بشيء إذ به تعبرون في الطريق إلى اللَّه، وتلتصقوا بالذي خلقكم.

القديس أغسطينوس




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 7 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 7 جـ3 PDF Print Email

"والذين يبكون كأنهم لا يبكون، والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون، والذين يشترون كأنهم لا يملكون" [30].

ليمارس المؤمن حياته التي توجد فيها أحزان وأفراح، وشراء وبيع الخ.، لكنه يليق ألا يضع قلبه في هذه الأمور فيصير عبدًا للأحداث، بل يبقي قلبه مترفعًا نحو السماء، مدركًا أن كل الأحداث زمنية ومؤقتة.

"والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه، لأن هيئة هذا العالم تزول" [31].
"فأريد أن تكونوا بلا هم، غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب" [32].

من جانب آخر فإن المؤمن في جهاده الروحي يصارع مع متطلبات جسده، فإن تزوج غالبًا ما يصارع أيضًا مع متطلبات الطرف الآخر عوض التفرغ للعبادة والخدمة. كمثال قد يودّ المؤمن أن ينتقل أو يسهر أو يصوم لفترات طويلة لأجل الخدمة، فيقف الطرف الثاني عائقًا بسبب عدم رغبته أو عدم استعداده في ذلك الحين. هذا ما عناه الرسول بقوله: "أريد أن تكونوا بلا هَّم؛ غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب، وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته" [32، 33].

- الانشغال بالأمور الخاصة باللَّه ليس قلقًا بل هو خلاص. يخبرهم بولس أنه يود أن يتحرروا من القلق.

أوكيمينوس

-يسمح بولس بالزواج ويحسبه مستحقًا البركة, ولكن يقابله وضعه هو باهتماماته باللَّه مشيرًا إلى أن الأمرين ليسا متعارضين.

القديس باسيليوس الكبير

- عندما تنتهي الدينونة وتزول هذه السماء وهذه الأرض، ستكون سماء جديدة وأرض جديدة. لأن هذا العالم يزول بتغيير هيئته لا بدماره المطلق. لذلك يقول الرسول: "لأن هيئة هذا العالم تزول، فأريد أن تكونوا بلاهم" [31، 32]. ستزول هيئة العالم لا الطبيعة.

القديس أغسطينوس

- هنا يوضح بولس لماذا البتولية مفضلة عن الزواج. فإنها لا ترتبط بالجنس كأمر صالح أو خاطئ, إنما الموضوع هو القلق الذي تنزعه عن الفكر والتركيز على عبادة اللَّه.

سيفريان أسقف جبالة

- طلب زوجة وأسرة أمر زمني. أحيانا من أجل حفظ سعادتهم يلزم ممارسة ما هو مستحق للعقوبة.

أمبروسياستر

- يستحيل على الشخص الذي يتجه نحو العالم، ويرتبك باهتماماته، وينشغل قلبه بإرضاء الناس أن يتمم وصية السيد الأولى والعظمى: "حب الرب إلهك من كل قلبك وكل قوتك"، كيف يستطيع أن يحقق هذا وقلبه منقسم بين اللَّه والعالم، ويسحب الحب الذي مدين به للَّه وحده إلى مشاعر بشرية؟ "غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضى الرب، وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضى امرأته" [33].

- عندما يكون أمامنا سيدان لنختار أحدهما، إذ لا نستطيع أن نخدمهما معًا، لأنه "لا يقدر إنسان أن يخدم سيدين". لذلك فإن الشخص الحكيم يختار السيد الأكثر نفعًا له. هكذا أيضًا عندما يوجد أمامنا زيجتان لنختار إحداهما، لا نستطيع أن نقيم عقد زواج مع كليهما، فإن "غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضى الرب، وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضى امرأته" [32، 33]. أكرر أن غاية العقل السوي ألا يفوته الاختيار الأكثر فائدة.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

"أما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته" [33].


"إن بين الزوجة والعذراء فرقًا، غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدسة جسدًا وروحًا، وأما المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضي رجلها" [34].

- المرأة غير المتزوجة لديها حصن البتولية الذي يحميها من عواصف هذا العالم. هكذا إذ تتحصن في حماية اللَّه لا تضطرب برياح، لذلك فإنه لكي نتأهل لكي نراه، سواء كنا في البتولية أو الزواج الأول أو الثاني لنسلك هكذا وهو أن نبغي ملكوت السموات خلال نعمة ورأفات ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة والكرامة مع الآب والروح القدس الآن وإلى الأبد آمين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الروح البشرية هي التي أما أن تقدس الجسد أو تفسده. فإن حاول شخص أن يكون له جسم طاهر ونفس فاسدة, فعليه أن يختار أحد الأمرين. إما أن يكرم النفس أو يُسحب الجسم إلى الفساد.

أمبروسياستر

"هذا أقوله لخيركم ليس لكي ألقي عليكم وهقًا، بل لأجل اللياقة والمثابرة للرب من دون ارتباك" [35].

في الأعداد 35-40 ربما يتحدث عمن اتفقا بعد الزوج على الحياة البتولية بكامل حريتهما، فليسلكا هكذا؛ أما إن ضعف أحدهما فلا خطية إن ارتبطا ببعضهما جسديًا.

5. موقف الإنسان من عذرائه

"ولكن إن كان أحد يظن أنه يعمل بدون لياقة نحو عذرائه إذا تجاوزت الوقت وهكذا لزم أن يصير فليفعل ما يريد. إنه لا يخطئ فليتزوجا" [36].

كلمة "عذارى" في اليونانية تنطبق علي البتول شابا كان أو فتاة.

يرى البعض أن الرسول بولس يعني هنا أنه إن عاش إنسان ما بدون زواج مشتاقًا إلى تكريس وقته للعبادة والكرازة، ولكنه شعر بعجزه عن السلوك في طهارة فلا يخجل من أن يتزوج علانية، مهما بلغ سنّه.

ولعلّه لهذا كان قادة الرهبنة يطلبون التزام طالبي الرهبنة عدم الالتحاق بها إلا بعد فترة طويلة من الاختبار. فإن شعر بالضعف لا يخزى إن عاد ليتزوج.

- بولس يريد دائمًا الأفضل للمسيحيين. فإن أحد بحق يريد أن يتزوج فالأفضل له أن يتزوج علانية بالسماح الممنوح له عن أن يسلك بطريقة رديئة ويكون في عارٍ خفية.

أمبروسياستر

"وأما من أقام راسخا في قلبه وليس له اضطرار بل له سلطان على إرادته وقد عزم على هذا في قلبه أن يحفظ عذراءه فحسنًا يفعل" [37].

هنا يتحدث عمن وهبه اللََّه إرادة قوية ليُمارس حياة البتولية، وقد قضى فترة اختبار وأدرك قوة إرادته وإصراره على هذا الفكر، فلا يتراجع.

يرى البعض أن الرسول يعالج موضع إنسان له ابنة عذراء، إن شعر أنه لصالحها ولعفتها أن تتزوج فليسندها في ذلك. أما إذا أدرك تصميمها علي البتولية وإنها قادرة علي حفظها فيفعل أحسن أن يتركها بتولاً.

هنا نلاحظ ثلاثة أمور هامة في زواج الأبناء والبنات:

1. ألا يقف الوالدان في سلبية في أمر زواجهم إنما يعملان ما هو لصالح أولادهم.

2. أن القرار في يد الأبناء، فليس من حق الوالدين أن يُلزما الأبناء بالزواج أو عدمه.

3. ألا ينشغل الوالدان بنظرة المجتمع بل بما هو لبنيان نفوس أولادهم.

"إذَا من زوج فحسنًا يفعل، ومن لا يزوج يفعل أحسن" [38].

-المرتبط بقيود الزواج مقيد, الآخر حرّ. واحد تحت الناموس والآخر تحت النعمة. الزواج صالح إذ خلاله ننال ميراث الملكوت السماوي واستمرار المكافآت السماوية.

القديس أمبروسيوس

6. اعتزاز الأرامل بمركزهن

"االمرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيًا، ولكن أن مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تريد، في الرب فقط" [39].

- ليت النسوة يصغين إلى هذا هؤلاء اللواتي يدخلن في زواجٍ ثانٍ ويسيئون مضطجع الزوج الراحل، مع أنهن يحبونه. لست بهذا أمنع الزواج الثاني، ولا أنطق بهذا على أنه دنس. فإن بولس لن يسمح لي بذلك، فيغلق فمي بقوله للنساء: " إن تزوجت لم تخطئ" [ 28, 40]. لكنها ليتها تنصت إلى ما بعد ذلك:" ولكنها أكثر غبطة إن لبثت هكذا " [40]. هذه الحال أفضل من الأخرى، لماذا؟ لأسباب كثيرة. فإنه الأفضل ألا يتزوج الإنسان نهائيًا عن أن يتزوج، وأما هذه الحال فهي أفضل بكثير. قد تقول: "ولكن البعض لا يحتملون الترمل ويسقطون في متاعب كثيرة". نعم لأنهم لا يعرفون ما هو الترمل. لأنه ليس الترمل مستثنى من الزواج الثاني، وأما البتولية فلا يسمح لها بالزواج نهائيا!

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولكنها أكثر غبطة أن لبثت هكذا بحسب رأيي وأظن أني أنا أيضًا عندي روح اللَّه" [40].

- إن ماتت زوجة أو زوج والآخر تزوج فهل هذا خطية؟ لا, لكن إن بقى بدون زواج ينال كرامة أعظم ومجدًا أفضل في عيني الرب.

هرماس

- إنها مطوبة إن تزوجت وصار لها زوج يحميها, لكن تكون أكثر تطويبًا إن كانت من أجل التقوى ترفض الزواج وتكرس حياتها بالكامل للَّه.

سفيريان أسقف جبالة

- لاحظ أن بولس لم يقل بأن المرأة التي تعقد زواجا ثانيا ستكون بائسة. إنما يقول بأنها تكون أكثر سعادة إن بقيت بلا زواج. إنه موضوع درجات.

ثيؤدورت أسقف قورش

-عندما يقول: "لأجل اللياقة" و"لكي تصغى للرب من دون ارتباك" [35]، يقدم ملخصًا لكل الفضيلة بطريقة معينة. ها أنتم ترون أنه ليس مجرد عدم عقد زواج ثان يمكن وحده أن يجعلها أرملة، إنما تحتاج إلى أمور أخري ضرورية. ولكن لماذا لا يشجع الزواج الثاني؟ هل هذا الأمر ممنوع؟ حتما لا! لأن هذه هرطقة. وإنما أراد هنا فقط أن تنشغل بالأمور الروحية موجهًا كل اهتمامها إلى الفضيلة. لأن الزواج ليس حالة من الدنس وإنما حالة انشغال. إنه يتحدث عن إيجاد وقت وليس أنهن يصرن أكثر طهارة ببقائهن بغير زواج. لأن الزواج بالتأكيد يتطلب اهتمامات عالمية أكثر. إن امتنعت عن الزواج لكي تجد وقتًا أكبر لخدمة اللَّه ولم تنتفع بهذا الوقت فلا نفع لها من ذلك، مادامت لا تتمم كل الخدمات للغرباء والقديسين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

من وحيّ 1 كو7

لتُهيئني ليوم عرسي يا أيها البتول!

- أقمت حواء زوجة لآدم الأول،

وتممت عرسه في جنة عدن!

باركت عرس قانا الجليل،

وقدست كل زواج يتم حسب مسرتك!

- أتيت إلى أرضنا لتُهيئني عروسًًا بتولاً.

أشتهي يوم عرسي بك يا أيها العريس السماوي البتول!

-هب لي في زواجي أن أُكرّس قلبي لك في بتولية الروح.

وهب لي في بتوليتي أن أتحد بك يا أيها البتول!

روحك القدوس يهب الحب والتكريس،

يهب البتولية والطهارة،

يُشَّكلني ويهيئني ليوم عرسي بك.

- أعمالك فائقة للطبيعة وعجيبة.

وُلدتَ من البتول، وبقيت بعد ولادتك بتولاً.

أتيت لتُقيم عرسًا سماويًا.

اخترت البشرية عروسًا.

تُقيم منها عروسًا بتولاً،

تضم متزوجين بتوليين بالروح،

وأرامل بتوليين بالقلب،

وبتوليين بالجسد لأجل بتولية الروح!

روحك يضم الكل: المتزوجين والأرامل والبتوليين.

يقيم من الجميع العروس البتول!


1 و اما من جهة الامور التي كتبتم لي عنها فحسن للرجل ان لا يمس امراة
2 و لكن لسبب الزنا ليكن لكل واحد امراته و ليكن لكل واحدة رجلها
3 ليوف الرجل المراة حقها الواجب و كذلك المراة ايضا الرجل
4 ليس للمراة تسلط على جسدها بل للرجل و كذلك الرجل ايضا ليس له تسلط على جسده بل للمراة
5 لا يسلب احدكم الاخر الا ان يكون على موافقة الى حين لكي تتفرغوا للصوم و الصلاة ثم تجتمعوا ايضا معا لكي لا يجربكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم
6 و لكن اقول هذا على سبيل الاذن لا على سبيل الامر
7 لاني اريد ان يكون جميع الناس كما انا لكن كل واحد له موهبته الخاصة من الله الواحد هكذا و الاخر هكذا
8 و لكن اقول لغير المتزوجين و للارامل انه حسن لهم اذا لبثوا كما انا
9 و لكن ان لم يضبطوا انفسهم فليتزوجوا لان التزوج اصلح من التحرق
10 و اما المتزوجون فاوصيهم لا انا بل الرب ان لا تفارق المراة رجلها
11 و ان فارقته فلتلبث غير متزوجة او لتصالح رجلها و لا يترك الرجل امراته
12 و اما الباقون فاقول لهم انا لا الرب ان كان اخ له امراة غير مؤمنة و هي ترتضي ان تسكن معه فلا يتركها
13 و المراة التي لها رجل غير مؤمن و هو يرتضي ان يسكن معها فلا تتركه
14 لان الرجل غير المؤمن مقدس في المراة و المراة غير المؤمنة مقدسة في الرجل و الا فاولادكم نجسون و اما الان فهم مقدسون
15 و لكن ان فارق غير المؤمن فليفارق ليس الاخ او الاخت مستعبدا في مثل هذه الاحوال و لكن الله قد دعانا في السلام
16 لانه كيف تعلمين ايتها المراة هل تخلصين الرجل او كيف تعلم ايها الرجل هل تخلص المراة
17 غير انه كما قسم الله لكل واحد كما دعا الرب كل واحد هكذا ليسلك و هكذا انا امر في جميع الكنائس
18 دعي احد و هو مختون فلا يصر اغلف دعي احد في الغرلة فلا يختتن
19 ليس الختان شيئا و ليست الغرلة شيئا بل حفظ وصايا الله
20 الدعوة التي دعي فيها كل واحد فليلبث فيها
21 دعيت و انت عبد فلا يهمك بل و ان استطعت ان تصير حرا فاستعملها بالحري
22 لان من دعي في الرب و هو عبد فهو عتيق الرب كذلك ايضا الحر المدعو هو عبد للمسيح
23 قد اشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيدا للناس
24 ما دعي كل واحد فيه ايها الاخوة فليلبث في ذلك مع الله
25 و اما العذارى فليس عندي امر من الرب فيهن و لكنني اعطي رايا كمن رحمه الرب ان يكون امينا
26 فاظن ان هذا حسن لسبب الضيق الحاضر انه حسن للانسان ان يكون هكذا
27 انت مرتبط بامراة فلا تطلب الانفصال انت منفصل عن امراة فلا تطلب امراة
28 لكنك و ان تزوجت لم تخطئ و ان تزوجت العذراء لم تخطئ و لكن مثل هؤلاء يكون لهم ضيق في الجسد و اما انا فاني اشفق عليكم
29 فاقول هذا ايها الاخوة الوقت منذ الان مقصر لكي يكون الذين لهم نساء كان ليس لهم
30 و الذين يبكون كانهم لا يبكون و الذين يفرحون كانهم لا يفرحون و الذين يشترون كانهم لا يملكون
31 و الذين يستعملون هذا العالم كانهم لا يستعملونه لان هيئة هذا العالم تزول
32 فاريد ان تكونوا بلا هم غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب
33 و اما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امراته
34 ان بين الزوجة و العذراء فرقا غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدسة جسدا و روحا و اما المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضي رجلها
35 هذا اقوله لخيركم ليس لكي القي عليكم وهقا بل لاجل اللياقة و المثابرة للرب من دون ارتباك
36 و لكن ان كان احد يظن انه يعمل بدون لياقة نحو عذرائه اذا تجاوزت الوقت و هكذا لزم ان يصير فليفعل ما يريد انه لا يخطئ فليتزوجا
37 و اما من اقام راسخا في قلبه و ليس له اضطرار بل له سلطان على ارادته و قد عزم على هذا في قلبه ان يحفظ عذراءه فحسنا يفعل
38 اذا من زوج فحسنا يفعل و من لا يزوج يفعل احسن
39 المراة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيا و لكن ان مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تريد في الرب فقط
40 و لكنها اكثر غبطة ان لبثت هكذا بحسب رايي و اظن اني انا ايضا عندي روح الله




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 7 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 8 جـ1 PDF Print Email

ضمائر الأقوياء والضعفاء

بسبب الطعام المكرّس للآلهة الوثنية بطقوس معينة في الهياكل، والذي كان يُباع في الملحمة، حدثت مشكلة خطيرة بالنسبة المسيحيين. فقد اعتاد بعض الوثنيين أن يدعوا أصدقاءهم المسيحيين ليأكلوا معهم في الهياكل، كما كان هذا اللحم يُباع بالملحمة لحساب الهيكل!

انقسم المؤمنون إلى فريقين:

فريق صاحب ضمير قوي: أغلبهم من أصل أممي لم يمتنعوا عن أكل ما ذُبح للأوثان، حاسبين انه لا توجد آلهة أو أوثان. وأن الأوثان عاجزة عن تقديس الذبيحة أو تدنيسها لأنها غير موجودة بالمرة. وأن ما ذًبح هي خليقة اللَّه التي أوجدها ليأكلها الإنسان. ويرون أنه من حقهم شراء أية لحوم من الملحمة بغض النظر عن مصدرها أو مآل ثمنها. فالمؤمن يستطيع أن يأكل دون أن يسأل عما إذا كانت هذه اللحوم من ذبائح وثنية أم لا.

الفريق الثاني ضعيفو النفوس، وكان أغلبهم من أصل يهودي. فقد تنجس ضميرهم بسبب تصرفات الفريق الأول، فالذين من أصل يهودي يرفضون هذا الطعام لأنه مرتبط بعبادة آلهة باطلة، ولأن الحيوانات لم تُذبح حسب الشريعة ولم يُُقدم عنها البكور والعشور. وأما الذين من أصلٍ وثني فحسبوا أن في ذلك مشاركة فعلية في العبادة الوثنية... فالأكل هنا - كما تعلموا - جزءًا لا يتجزأ من العبادة.

هذه المشكلة ليست قائمة الآن، لكن إجابة الرسول هامة لنا، إذ تقدم لنا مفاهيم روحية أساسية في سلوكنا اليومي المعاصر. وقد جاءت إجابة الرسول روحية حكيمة:

1. في رأي الرسول بولس أن المؤمن يجب أن يكون ضميره قويًا، يأكل دون أن يفحص. لكن إن كان الفريق الأول له علم صادق أنه لا يوجد آلهة وثنية حقة... فهي ليست معرفة خاصة بهم بل "نعلم أن لجميعنا علمًا" [1]؛ فلا يجوز لهم الافتخار على أصحاب الفريق ذي الضمير الضعيف كأنه فريق جاهل!

2. العلم دون الحب ينفخ، أما المحبة فتبني [1]. فيليق بسلوكنا أن يكون قائمًا على محبتنا للغير لا على معرفتنا المجردة. لقد وضع الرسول المبدأ التالي: "كل الأشياء تحل لي، لكن ليس كل الأشياء توافق"، وأيضًا: "كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء تبني" [23، 24].

3. عِلمنا الآن ناقص [2]، أما من يحب اللَّه فيصير موضوع معرفة اللَّه أو صداقته شخصيًا.

4. يحتاج الأمر إلى تنازلات حُبيّة، لا في أمور خطيرة إنما في أكل أو في شرب... "إن أكلنا لا نزيد، وإن لم نأكل لا ننقص" [8].

5. أكل ما ذبح للأوثان في ذاته بلا قيمة لكنه قد يعثر صاحب الضمير الضعيف فيأكل هو أيضًا كشركة في العبادة الوثنية [10]، بهذا يهلك أخوك الذي مات المسيح من أجله [11]... كأن الجرح يمس السيد المسيح نفسه الذي قدم حياته عمن أنت تعثره بأكلك لحمًا.

6. من أجل ضعيفي النفوس الذين مات عنهم المسيح يعلن الرسول استعداده للتنازلات مع الفريق الأول إلى أبعد الحدود: "لذلك إن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحمًا إلى الأبد، لئلا أعثر أخي" [13].

1 . الاعتماد علي العلم وحده 1-3

2 . طبيعة الوثن 4-5

3 . العبادة الحقيقية 6.

4 . الحرية المسيحية والحب 7-13

1 . الاعتماد علي العلم وحده

كان من عادة الوثنيين أن يقيموا ولائم علي ذبائحهم يأكلون منها ويدعون أصدقاءهم ليشتركوا معهم في الولائم، كان هذا يتم داخل الهيكل الوثني. وما يتبقي من الولائم من لحوم فهي من حق الكهنة، الذين كانوا يبعثون بها إلي الأسواق العامة لبيعها لحسابهم [25].

لم يعزل المسيحيون أنفسهم عن جيرانهم وأصدقائهم الوثنين لكي بسلوك المحبة يكسبون نفوسهم للإيمان، لذا كانوا يأكلون معهم في بيوتهم، لكن بعض المسيحيين ضعاف الضمير بدءوا يتشككون ويتعثرون في الذين يشاركون الوثنيين ولائمهم في الهيكل، أو يشترون اللحوم من السوق، وقد تكون مقدمة كذبائح للأوثان.

لقد عالج الرسول هذه المشكلة بكل صراحة في الإصحاح العاشر من هذه الرسالة، أما هنا فوضع مبادئ هامة يقرر خلالها المؤمن سلوكه.

بدأ بالحديث عن الذين يفتخرون بالعلم والمعرفة في عجرفة متجاهلين محبتهم لأخوة.

"وأما من جهة ما ذُبح للأوثان فنعلم أن لجميعنا علمًا. العلم ينفخ ولكن المحبة تبني" [1].

العلم بغير حب يدفع العقل الي التشامخ، ويملأ الذهن كما بالريح، فلا ينفع صاحبه ويسيء إلي الآخرين. أما الحب العملي أو الحنو نحو الغير فيجعلنا نهتم بهم ونعمل لبنيانهم، فنبني أنفسنا معهم.

من يظن أنه يعرف وله بالحق معرفة عقلية لكنه لا يحمل حبًا فهو لا يعرف شيئًا كما يجب أن يعرف، إذ يليق به أن يعرف أن يحب قريبه كنفسه، فلا يتشامخ علي الغير.

"فنعلم أن لجميعنا علمًا" غالبًا هذه ليست كلمات الرسول بولس إنما اقتطفها من رسالة كورنثوس له. فجميع الأطراف من الذين من أصل يهودي أو أممي تظن أن لها علم ومعرفة.

جاءت إجابة الرسول علي هذا بقوله أن المعرفة وحدها تتحالف مع الكبرياء، فتنفخ الذهن، إذ يُعجب الإنسان بنفسه، وتجعل من الإنسان شخصًا جسورًا ومتهورًا، إذ يأخذ قراراته بنفسه وغالبًا ما يحتقر رأي الآخرين، ويلقي باللوم عليهم. فمن الخطورة أخذ القرارات معتمدة علي المعرفة وحدها. أما المحبة فتبني إذ تقيم هيكل الرب الروحي بروح اللَّه القدوس داخل النفس.

الحب أكثر أمانًا من العلم في قيادة الإنسان في سلوكه مع الآخرين. العلم وحده قائد خطر علي حياة الإنسان ومن حوله، أما الحب للَّه والإنسان ففيه أمان اكثر. بالحب يترفق الإنسان بأخيه خاصة الضعيف، ويهتم لا بما لنفسه بل بما هو للآخرين، لذا تكون قراراته هادئة وحكيمة. ومن يحب اللَّه يكون قد تهيأ لكي يتعلم من قبل اللَّه الذي يقدم معرفته للنفوس المتواضعة.

من يحب اللَّه يحب اخوته فيحسب الحق أنه معروف لدي اللَّه، معرفة الصداقة والمسرة والحب، يعرفه كابنٍ له، ينسبه اللَّه إليه (مز 1:6، 2 تي2: 19 ). بالحب نعرف اللَّه الحب ذاته، ويعرفنا اللَّه إذ نقبل سمته فينا.

إذ عاش القديس أغسطينوس أغلب شبابه يبحث عن المعرفة ويعلّمها ويفتخر بها كفيلسوفٍ ومعلّم عندما اختبر اللقاء بالسيد المسيح الوديع والمتواضع القلب أدرك احتياجه إلى التطهر من الكبرياء بدم المسيح. رأى في نفسه كأحد العبرانيين، وقد حمل المعرفة بكونها الذهب والفضة الذي للمصريين، لكنه ما كان يمكنه أن يتحرر من عبودية فرعون ما لم يتطهر بدم الحمل الوديع. المعرفة صالحة إن تقدّست بدم المسيح وارتبطت بحبه الخلاصي ووداعته!

- إنه يشعر أنه مهما بلغت الثروة التي يأخذها معه من مصر، فإنه إن لم يحفظ الفصح لن ينجو، الآن المسيح هو فصحنا ذبح لأجلنا، وليس شيء مثل ذبيحة المسيح التي تعلمنا بكل وضوح عن الدعوة التي يوجهها بنفسه إلى من يراهم في تعب بمصر تحت سلطان فرعون، فيقول: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم؛ احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم، لأن نيري هيّن وحِملي خفيف" (مت28:11-30).

من حملهم خفيف إلا للودعاء ومتواضعوا القلب وحدهم، إذ لا تنفخهم المعرفة بل بالحب يبنون؟ إذن ليتذكروا أن الذين احتفلوا بالفصح في ذلك الحين كانوا ظلاً عندما مسحوا قوائم أبوابهم بدم الحمل، مستخدمين الزوفا في ذلك (خر22:12). هذا عشب وديع ومتواضع... في الزوفا رمز لفضيلة التطهير، فلا ينتفخ الصدر بالمعرفة التي تنفخ، ولا تفتخر باطلاً بالثروات التي أحضرها من مصر. يقول المرتل: "تنضح عليّ بزوفاك فأطهر، تغسلني فأبيض أكثر من الثلج، تسمعني فرحًا وبهجة" (مز7:51-8). يضيف بعد ذلك مباشرة "فتبتهج عظامي المنسحقة" مظهرًا أنه الزوفا يشير إلى التطهير من الكبرياء.

- هذه يمكن أن تفهم فقط بمعنى أنه بدون المحبة لا تقدم المعرفة صلاحًا، بل تنفخ الإنسان، وتجعله يتباهى بريح فارغة. الذين لهم معرفة بدون محبة متعجرفون يشتاقون إلى الكرامات الإلهية والأعمال الدينية التي يعلمون أنها تخفي اللَّه الحقيقي. ومع ذلك فإنهم يبذلون كل الجهد لكي يبثوا هذا على الذين لهم تأثير عليهم. عكس هذا الكبرياء الذي للشياطين الذي بسببه خضع الجنس البشري لعقوبة يستحقونها. ظهر عمليًا الأردن القدير لتواضع اللَّه الذي ظهر في شكل عبدٍ. غير أن الناس فشلوا في معرفته لأنهم ماثلوا الشياطين في الكبرياء لا في المعرفة، فانتفخوا في دنسٍ.

- المعرفة صالحة ما دامت في صحبة الحب, وإلا فإنها تنفخ الإنسان بالكبرياء.

-حقًا إن المتكبر يدعى منتفخًا كما لو كان متعاليًا مع الريح. هنا يقول الرسول: "العلم ينفخ ولكن المحبَّة تبني".

- "العلم ينفخ، ولكن المحبة تبني" [1]، لكن المحبة لا تنتفخ ولا تتكبر. لذلك ليت المعرفة تكون كقصة تقوم على مبنى المحبة التي ستبقى إلى الأبد عندما تسقط المعرفة [4،8].

- المعرفة التي من نوع صالح هي خادمة للحب، فإن المعرفة بدون الحب تنفخ [8]، ولكن إذ الحب يبني يملأ القلب فلا تجد المعرفة فراغًا به تنتفخ.

القديس أغسطينوس

- المحبة تبني. إنها تتحرك في طريق الحق وليس حسب الأهواء.

القديس إكليمنضس السكندري

- يعنى بولس أن المعرفة هي أمر عظيم ونافع للغاية لمن يقتنيها ما دامت تتلطف بالمحبة.

أمبروسياستر

-أولاً إذ يشير إلى أن (هذا العلم) كان عامًا يحد من كبريائهم الشديد. لأن الذين يملكون أمرًا عظيمًا وساميًا يبتهجون جدًا عندما ينالونه وحدهم، أما إذ كان مِلكًا مشاعًا مع الآخرين فلا يكون لهم هذه المشاعر. لذلك بدأ بإظهار أنه مِلك مُشاع إذ حسبوه خاص بهم وحدهم.

- لقد أظهر أن هذا الأمر ليس كاملاً في كل جوانبه، بل هم ناقص تمامًا. وليس فقط ناقص، وإنما هو مؤذي ما لم يرتبط بأمرٍ آخر. فإذ يقول: "لنا معرفة (علم)" يضيف "العلم ينفخ، ولكن المحبة تبني"، حتى متى كانت المعرفة بدون المحبة ترفع الإنسان إلى الشعور بالتباهي المطلق... إنه يعني أن المعرفة تقف في حاجة تامة إلى الحب... أما الحب فيجمعنا معًا ويقودنا إلى المعرفة.

- معرفتهم ليس فقط نفختهم، وإنما فرقتهم عن بعضهم البعض. لهذا كان كل واحدٍ يعارض الآخر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فإن كان أحد يظن انه يعرف شيئًا فإنه لم يعرف شيئًا بعد كما يجب أن يعرف" [2].

لم يحدد الرسول مجال المعرفة بل قال: "يعرف شيئا". فمع نفع المعرفة العلمية أو الفلسفية أو الخاصة بالأخلاقيات أو اللاهوتية تحسب هذه كلها كلا شيء إن لم تعمل لبنيان صاحبها وبنيان الجماعة خلال الحب.

- فقط عندما يكون للشخص حب عندئذ يُقال أنه يعرف كما يجب.

أمبروسياستر

-لاحظ كيف ينزل بكبريائهم المتزايد، إذ لم يقل: "ليست لكم معرفة لائقة عن الأمور المعروضة أمامنا"، وإنما "عن كل شيء". ولم يقل: "أنتم"، بل قال: "لم يعرف أحد"، سواء كان بطرس أو بولس أو آخر. فإنه بهذا يُهدئ منهم وبكل حرص يجعلهم متواضعين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولكن إن كان أحد يحب اللَّه، فهذا معروف عنده" [3].

-فإننا لم نعرفه بل هو يعرفنا، لهذا يقول المسيح: "لستم أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم"، ويقول بولس الرسول في موضع آخر: "سأعرف بالكامل كما عُرفت".

القديس يوحنا الذهبي الفم

ربما يتساءل أحد: لماذا يقول: "إن كان أحد يحب اللَّه، فهذا معروف عنده"؟ هل لا يعرف اللَّه من لا يحبه؟

يقول السيد المسيح: "ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا؟ وباسمك أخرجنا شياطين؟ وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟فحينئذ أصرح لهم أني لا أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 7: 21ـ 23). يحدثنا السيد عن يوم مجيئه الأخير، حيث فيه يلتقي مع الأشرار لا كعريس مفرح بل كديّان مرهب، لا تشفع فيهم صلواتهم الطويلة الباطلة، ولا كرازتهم باسمه، ولا إخراجهم الشياطين وصنعهم قوات باسمه، فهو لا يعرفهم لأنهم فعلة إثم.

اللَّه يعرف أولاده وخدامه المقدسين، ولا يعرف الأشرار فعلة الإثم، لهذا عندما سقط آدم في الخطية سأله: أين أنت؟ وكما يقول القديس جيروم: ]كان اللَّه يعرف أن آدم في الجنة، ويعلم كل ما قد حدث، لكنه إذ أخطأ آدم لم يعرفه اللَّه، إذ قال له: أين أنت؟[ كأنه لا يراه، لأن آدم اعتزل النور الإلهي والبرّ، فصار تحت ظلال الخطية وظلمة الموت. يعلق القديس أغسطينوس على قول السيد: "لا أعرفكم" هكذا: "لا أراكم في نوري، في البرّ الذي أعرفه". فالله لا يرانا في نوره إن كنا لا نحبه حتى وإن كنا نطيل الصلوات باطلاً أو نكرز باسمه أو نصنع قوات، وإنما حينما نحيا معه وبه ونسلك طريقه. فمن يحبه يتمتع بنور برّ المسيح ويتأهل أن يكون موضع معرفته.

2 . طبيعة الوثن

"فمن جهة أكل ما ذبح للأوثان نعلم أن ليس وثن في العالم، وأن ليس إله آخر إلا واحدا" [4].

"ليس وثن في العالم"، إذ لا يستطيع الوثن أن يفعل شيئًا في العالم. ليس فيه لاهوت، فهو أشبه بالعدم، لا كيان حقيقي له، يدعوه العهد القديم كذبًا وباطلاً. الأوثان هي آلهة وهمية، ليس لها أية قوة، عاجزة عن أن تدنس أولاد اللَّه وخدامه.

من جهة الطعام، فإن كل خليقة اللَّه صالحة إن أُخذت بشكر (1 تي 4 :4).

ربما ورث بعض اليهود الذين تنصروا الخلاف الذي كان قائمًا بين والحرفيين والمتسعي الفكر. الفئة الأول كثيرة الوساوس في الحرفية بخصوص المقدسات، حتى أنهم لم يسمحوا حتى باستخدام الحيوانات التي استخدمت لحساب العبادة الوثنية. بينما سمح الفريق الثاني باستخدامها بشرط ألا يكون عليها علامة الوثن, فالحيوانات التي لم توضع عليه علامة الوثن وقدمت ذبائح يمكن أكلها.

أما الأمم فبوجه عام كانوا يدركون أن الأكل من اللحوم إن لم يرتبط بالعبادة الوثنية لا يمثل مشاركة في هذه العبادة.

-وإن كان الإنسان يصنع آلهته مع ذلك صار أسيرًا لها متى سًلم للشركة معها بعبادته لها... لأنه ما هي الأوثان إلا كما يقول الكتاب أشياء لها أعين ولا تنظر؟

القديس أغسطينوس

- انظروا أي مأزق سقط فيه! فإنه بالحق كان ذهنه ملتزم بتأكيد أمرين: أنه يليق بالشخص أن يمتنع عن مثل هذه الوليمة، وأن هذه الوليمة لا قوة لها لأذية الذين يشتركون فيها؛ أمران يصعب التوافق بينهما.

- كما أن الإنسان يفكر أنه إن لمس جثمان ميت يلتزم أن يحسب نفسه نجسًا حسب العادات اليهودية، وفي نفس الوقت يرى آخرون لهم ضمير نقي وليس لهم ذات الفكر بأنهم يتدنسون إن لمسوا جثة. هذه هي مشاعرهم في ذلك الحين. يقول: "بل أناس بالضمير نحو الوثن إلى الآن"؛ ليس بدون سبب يضيف "إلى الآن" إنما يشير أنهم بدون أساس لرفضهم أن يتواضعوا، ولكن يجعل حواره كاملاً ليمنع أي شك مثل هذا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأنه وإن وُجد ما يسمى آلهة، سواء كان في السماء أو على الأرض، كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون" [5].

"ما يسمي آلهة" إذ هم ليسوا آلهة حقيقية، إنما يُدعون هكذا (2 تس 2 :4)، سواء في السماء كالشمس والقمر الخ. (تث 4 : 19)، أو علي الأرض كالملوك الذين كانوا يؤلهون أنفسهم.

ربما يقصد بالذين في السماء الآلهة التي يدعي الوثنيون إنها في السماء وإنها تزور الأرض مثل جوبيتر Jupiter وMercury - Jun. إنهم يعتقدون بآلهة تسكن في السماء وأخري صاحبة سلطان علي مناطق معينة علي الأرض وعلي البحار مثل Ceres وNeptune ، وثالثة تحت الأرض مثل Pluts.

"أرباب كثيرون" كان بعض الوثنيين يدعون الآلهة "البعليم"، وهي تعني "السادة" أو"الأرباب"، إذ يعتقدون أن لهم سلطان علي أفكار المتعبدين لهم، وأنهم آلهة حارسة تحفظ من يتعبد لهم.




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 8 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 8 جـ2 PDF Print Email

3 . العبادة الحقيقية

"لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح  الذي به جميع الأشياء، ونحن به" [6].

بالنسبة لنا اللَّه الواحد، اللَّه الآب منه وفيه وله كل الأشياء، ينبوع الوجود، ومصدر كل شيء، خالق العالم كله وحافظه ومدبره.

حقا أن الابن هو اللَّه المولود منه لكنه ليس إله آخر والروح القدس هو اللَّه منبثق منه وليس له لاهوت آخر. لنا رب واحد، وسيط واحد بين الآب والبشر، يسوع المسيح، هو كلمة اللَّه المتأنس.

- يشهد الكتاب المقدس أن الثلاثة تعبيرات: "معه" و"به" و"فيه" هي تعبير واحد في المسيح.

القديس أمبروسيوس

- "منه" تعني "من الآب" و"به" أي "بالابن" و"فيه" أي "في الروح القدس". هذه شهادة واضحة أن الآب والابن والروح القدس إله واحد.

القديس أغسطينوس

-كما يوجد اللَّه الآب الواحد الذي منه كل شيء هكذا رب واحد يسوع المسيح به كل الأشياء.

القديس كيرلس السكندري

- إذ يضع الرسول في اعتباره ما يحدث في الزمن يقول أن كل الأمور قد خلقها يسوع المسيح. إذ يقول: "رب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء" [6]. وعندما يتحدث عن آلام يسوع المسيح يظهر أنه رب المجد قد صُلب إذ يقول: "لو عرفوا لما صلبوا رب المجد".

القديس يوحنا كاسيان

- يقول النبي في شخص الآب: "يدي صنعت كل شيء"، قاصدًا بيده... قوة الابن الوحيد الجنس. الآن يقول الرسول إن كل الأشياء هي من الآب، وأن كل شيء صنع بواسطة الابن، ويتفق الروح النبوي مع التعليم الرسولي بطريقة ما حيث هو عينه يعُطى خلال الروح.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

4 . الحرية المسيحية والحب

"ولكن ليس العلم في الجميع بل أناس بالضمير نحو الوثن إلى الآن يأكلون كأنه مما ذبح لوثنٍ، فضميرهم إذ هو ضعيف يتنجس" [7].
"ولكن الطعام لا يقدمنا إلى اللَّه، لأننا إن أكلنا لا نزيد، وإن لم نأكل لا ننقص" [8].

- بمعنى ليس الأول يجعلني غنيًا ولا الأمر الأخير يجعلني فقيرًا.

- في هذا السؤال، سواء نصوم أم لا نصوم في اليوم السابع (السبت) فإنه ليس شيء أكثر أمانًا ويقود إلى السلام مثل قانون الرسول: "لا يزدرى من يأكل بمن لا يأكل، ولا يـدن من لا يأكل من يأكل" (رو3:14). "إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص" [8]. لتبقَ شركتننا مع الذين نعيش معهم والذين نحيا معهم في اللَّه محفوظة بلا اضطراب بسبب هذه الأمور.

القديس أغسطينوس

- أنه يتطلع إلى الشيء (الطعام) في ذاته أنه أمر كمالي، وكلا شيء. لأنه إذ يُفعل لن يفيد شيئًا، وإن لك يُفعل لا يضر، بهذا فهو أمر كمالي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولكن انظروا لئلا يصير سلطانكم هذا معثرة للضعفاء" [9].

يوجه الرسول بولس حديثه نحو أصحاب الضمائر القوية، فإنهم إذ يأكلون في هذه الولائم بضميرٍ قوي] هذا لا يعوقهم شيئا أمام اللَّه وفي حضرته لأنهم يعثرون الضعفاء، وإن امتنعوا عن الشركة في هذه الولائم لن يفقدوا شيئًا من سموهم الروحي وقوة ضمائرهم.

الأكل أو عدمه ليس فضيلة ولا رذيلة، لن يقربنا إلى اللَّه أو يفصلنا عنه. لهذا حتى في الأصوام يليق بنا أن ما يشغلنا ليس الامتناع عن الأكل بل الاقتراب إلي اللَّه والاتحاد معه

"لئلا تصير حريتكم (سلطانكم) هذه معثرة "

يحذرهم الرسول من إساءة استخدام سلطان الحرية وقوة ضمائرهم، فالحرية في الإيمان المسيحي لها التزام وهو الاهتمام بالضعفاء ومراعاة إمكانياتهم الروحية ومفاهيمهم. ففي حرية يأكل صاحب الضمير القوي مدركًا أن الوثن كلا شيء بينما يتمثل به الضعيف فيأكل ولكن بمفهوم آخر وهو الشركة مع الوثنيين في ارتباطهم بالأوثان.

لم يأمر الرسول بولس شعبه بالامتناع عن دخول هياكل الأوثان والاشتراك في موائدهم وشراء لحوم يشك فيها أنها مذبوحة للأوثان، كأن هذه الأمور محرمة ودنسة وإنما طالبهم بما هو أهم وهو الانشغال بخلاص كل نفسٍ حتى أصحاب الضمائر الضعيفة, فلا يليق بهم الانشغال بمناقشات عقلية جافة لاثبات أن الأوثان باطلة وأن كل ما خلقه اللَّه صالح، إنما يلزم الانشغال بخلاص الاخوة.

"لأنه أن رآك أحد يا من له علم متكئًا في هيكل وثن  أفلا يتقوى ضميره إذ هو ضعيف حتى يأكل ما ذبح للأوثان" [10].

الكلمة اليونانية المترجمة "يتقوى" أو "يتجاسر" في معناها الحرفي "يبني"، فكان يليق بالقوي أن يبني أخاه فيما هو لصالحه لا أن يبني ضميره فيما يهلكه.

العجيب أن الذين يظنون أنهم أصحاب ضمائر قوية يدخلون هياكل الأوثان ويشتركون في ولائم الوثنيين, هكذا دفعتهم المعرفة المجردة عن الحب إلى تصرفات يُمكن أن تفقدهم الأعماق الروحية الصادقة.

- ليكن الأمر هكذا: أنكم لا تصلحوهم ولا تثيروهم؛ ولكن لماذا تجعلوهم متعثّرين، بينما كان يجب أن تبسطوا لهم أيديكم؟ إنكم لم تتصرفوا بتعقلٍ، فعلى الأقل تجنبوا أن تهلكوهم. فإن كان أحد شريرًا يحتاج إلى تأديب، إن كان ضعيفًا يحتاج إلى شفاء، والآن هم ليسوا فقط ضعفاء وإنما هم أيضًا اخوة.

- إنه ليس ضعفه فقط بل وسلوكك غير المضبوط أيضًا يحقق الخطة التي ضده، فإنك أنت تجعله أكثر ضعفًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

-يوجد نوعان من الطعام, واحد يخدم الخلاص والثاني يناسب الهالكين... يليق بنا ألا نسيء استخدام عطايا الآب, ونقوم بدور المبذرين كما فعل الابن الغني في الإنجيل (لو15: 11-14). بالأحرى ليتنا نستخدمه بنوعٍ من ضبط النفس. حتمًا لقد أوصينا أن نكون سادة على الطعام لا عبيدا له.

القديس إكليمنضس السكندري

"فيهلك بسبب علمك الأخ الضعيف الذي مات المسيح من أجله" [11].

إذ يتمتع المؤمن بعطية الخلاص ويدرك الثمن الذي دفعه السيد المسيح لأجل خلاصه علي الصليب برد محبة المسيح بالحب، فيشتهي أن يموت من أجل اخوته. حقًا من يحمل روح المسيح يحب الذين يحبهم السيد المسيح، ويهتم ألا يحزنهم ولا يعثرهم في طريق خلاصهم.

- ضيقي شديد وحزني ومخاوفي كثيرة حتى أنني أفكر أن أسقط عند أقدامكم وأبكي حتى أفقد قوتي للبكاء، أود ببلاغة الحب التجئ أولاً إليكم من أجله، ويطلب كل واحدٍ من أجل الآخر، خاصة من أجل الضعفاء الذين مات المسيح من أجلهم.

- إنك تضع هذه العثرة في طريق ابن أمك (مز 20:50) الذي مات المسيح من أجله، والذي لا يزال في طفولة واهية، غير مستعدٍ للطعام القوي، بل يحتاج أن يقتات بلبن الأمم (1 كو 2:3).

- لا يتجاهل أحد هذا عندما يخطئ ضد أخٍ، إذ يقول الرسول: "إذ تخطئون إلى الاخوة وتجرحون ضميرهم الضعيف تخطئون إلى المسيح" [12]. لهذا إذ نحن جميعًا صرنا أعضاء المسيح كيف لا تخطئ إلى المسيح يا من تخطئ إلى عضو المسيح؟

- إن كنت تحب الشخص الضعيف أقل من الغير, بسبب فشله الأخلاقي الذي جعله ضعيفا أذكر ذاك الذي مات لأجله.

- إنه قانون المسيح نفسه أن يحتمل الشخص أحمال الآخر. علاوة على هذا فبحب المسيح تحتمل ضعف الغير بسهولة, حتى ذاك الذي لم نحبه بسبب عدم سماته الحسنة إلا أننا نتحقق أن الذي نحبه مات المسيح من أجله.

القديس أغسطينوس

"وهكذا إذ تخطئون إلى الاخوة، وتجرحون ضميرهم الضعيف، تخطئون إلى المسيح" [12].

الضرر الذي يصيب ضعيفي القلوب إنما يُحسب موجهًا ضد المسيح نفسه, من يسيء إلي القطيع إنما يهين الراعي الذي يجمعهم في ذراعيه ويحملهم إلي حضنه (إش 60 : 11)

لم يطلب الرسول من الأقوياء أن يشرحوا موقفهم لضعيفي النفوس ولا أن يدخلوا معهم في مناقشات ومجادلات، بل بالحب يقبلوا تنازلات لأجلهم.

-أولئك الذين هم أقوى ولا يرتبكون بالتشكك مع هذا يؤمرون بالامتناع حتى لا يعثروا هؤلاء الذين بسبب ضعفهم يجدون ضرورة في الامتناع عن الأكل.

القديس أغسطينوس

"لذلك أن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحمًا إلى الأبد، لئلا أعثر أخي" [13].

يسند الرسول شعبه بتقديم نفسه مثالاً لهم, إنه مستعد أن يمتنع عن أكل اللحم تمامًا من أجل اخوته الضعفاء. لم يقل أنه يمتنع عن الأكل تمامًا فقط وإلا ارتكب خطية شائنة.

-ذاك الذي يعلن أن كل شيء صالح وليس شيء مرذول إن أُخذ بشكرٍ، فإنه في ظروف معينة يقول: بأنه بسبب ضمير الأخ الضعيف يأمرنا أن نمتنع عن بعض الأشياء، وإن كان يحسبها ضمن الأمور المقبولة. يقول: "إن كان طعام يُعثر أخي فلن آكل لحمًا إلى الأبد، لئلا أعثر أخي".

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

من وحي 1 كو 8

هل لي من تقديم تنازلات،

لأجل ذاك الذي مات عنهم؟

- حقًا ما أسرع أن أتعرف على حقوقي،

وما أشهى أن أُدافع عنها.

لكن هب لي المعرفة الحقّة الملتهبة بالحب.

روحك القدوس، روح الحق، يكشف لي أسرارك،

ويقودني في طريق الحب الباذل،

طريق صليبك المجيد!

-ماذا انتفع بالمعرفة أن نقصتها المحبة!

تصير علّة تشامخي وهلاكي!

لا تحرمني أن أتمتع بحبك،

فأسلك به نحوك ونحو كل خليقتك.

-أنت هو الحق مصدر الحب.

أنت هو الحب واهب الحق.

بحبك قدمت من أجلي تنازلات لا حصر لها.

الخالق التحف بطبيعتي البشرية.

واهب الحياة دخل معي حتى قبري.

الغني افتقر لكي بفقره يغنيني.

الآن هب لي كرامة الشركة معك.

فأقدم تنازلات من جانبي لأجل محبوبيك.

لكن، ماذا لي لأقدمه،

وأنا تراب ورماد؟!

- هب لي أيها الحب السرمدي،

أحضانك المتسعة للعالم كله،

فأبسط معك وبك ذراعي، لأحتضن كل ضعيف.

نعم، بك ولأجل دمك الثمين،

أهتم بخلاص الضعيف لا بإفحامه بالحجج.

أهتم بشبعه الداخلي عِوض المناقشات الغبية.

أشتهى مجده الأبدي عِوض نقده والحكم عليه.

- ونحن أعداء أحببتنا وقدمت حياتك مبذولة لأجلنا،

فكيف لا نحب اخوتنا الضعفاء،

فنشتهي أن نموت،

من أجل الذين مت أنت عنهم؟!

1 و اما من جهة ما ذبح للاوثان فنعلم ان لجميعنا علما العلم ينفخ و لكن المحبة تبني
2 فان كان احد يظن انه يعرف شيئا فانه لم يعرف شيئا بعد كما يجب ان يعرف
3 و لكن ان كان احد يحب الله فهذا معروف عنده
4 فمن جهة اكل ما ذبح للاوثان نعلم ان ليس وثن في العالم و ان ليس اله اخر الا واحدا
5 لانه و ان وجد ما يسمى الهة سواء كان في السماء او على الارض كما يوجد الهة كثيرون و ارباب كثيرون
6 لكن لنا اله واحد الاب الذي منه جميع الاشياء و نحن له و رب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الاشياء و نحن به
7 و لكن ليس العلم في الجميع بل اناس بالضمير نحو الوثن الى الان ياكلون كانه مما ذبح لوثن فضميرهم اذ هو ضعيف يتنجس
8 و لكن الطعام لا يقدمنا الى الله لاننا ان اكلنا لا نزيد و ان لم ناكل لا ننقص
9 و لكن انظروا لئلا يصير سلطانكم هذا معثرة للضعفاء
10 لانه ان راك احد يا من له علم متكئا في هيكل وثن افلا يتقوى ضميره اذ هو ضعيف حتى ياكل ما ذبح للاوثان
11 فيهلك بسبب علمك الاخ الضعيف الذي مات المسيح من اجله
12 و هكذا اذ تخطئون الى الاخوة و تجرحون ضميرهم الضعيف تخطئون الى المسيح
13 لذلك ان كان طعام يعثر اخي فلن اكل لحما الى الابد لئلا اعثر اخي




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 8 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 9 جـ1 PDF Print Email

تنازلات الرسول

يطالب القديس بولس المؤمنين الأقوياء أن يحتملوا من أجل الضعفاء حتى يتأسسوا في نعمة اللَّه. هذا هو عمل الحب الإلهي في قلوبهم، إذ يهبهم أن يقدموا تنازلات من أجل خلاص اخوتهم.

في هذا الأصحاح يؤكد الرسول بولس حقيقيتين تمسان خدمته:

الأولى: يؤكد صدق رسوليته ضد الذين ينكرونها، وذلك ليس طلبًا للمجد، بل من أجل بنيان الشعب، موضحًا أن ما يشغله هو خلاص الغير حتى في دفاعه عن نفسه. إذ هاجمت بعض الفرق الرسول بولس في رسوليته بحجة أنه لم يَرَ السيد المسيح حين كان على الأرض، ولم يختره بين الإثني عشر تلميذًا أو السبعين رسولاً، لذلك أكد رسوليته وحريته في قبول الخدمة الرسولية [1]. يجيب عليهم انه قد رأى الرب وهو في طريقه إلى دمشق؛ وأنه قد خدم، وهم ختم رسالته في الرب [2]. وأنهم هم مخدوميه الأخصاء بالنسبة له.

والثانية: اعتاد الرسول ألا يقدم وصايا ما لم يختبرها في حياته. إنه كارز عملي، يقدم نفسه مثالاً حيًا لمخدوميه من جهة تنازلاته عن حقوقه الرسولية لأجل خلاص اخوته. فمع صدق رسوليته تنازل عن كثير من حقوقه.

- من حقه أن يأكل من الإنجيل [4]، لكنه رفض لكي لا يعثر أحدًا، فإنه وحده مع برنابا كانا يشتغلان ليعيشا ولا يسببا ثقلاً على الخدمة [6].

-من حقه أن يجول بأخت زوجة كباقي الرسل وأخوة الرب (أولاد خالته) [5]، أي يتزوج ويعيش معها كأخت تشاركه أسفاره. لكنه رفض لكي يتفرغ للخدمة تمامًا ويتحرك بأكثر سرعة لحساب ملكوت اللَّه.

- من حقه أن يمارس حريته، لكنه بكامل حريته اختار التنازل عن حريته، فاختار أن يكون ليس ملكًا لنفسه بل للكل كي ينعموا بحرية مجد أولاد اللَّه. يكون عبدًا لا لشخصٍ ما أو لعائلةٍ ما وإنما للجميع لكي يربح الكثيرين للمسيح [19].

- من حقه أن يسلك كمن هو قوي لكنه صار ضعيفًا ليربح الضعفاء، وصار للكل كل شيء ليُخلص على كل حالٍ قومًا (22:9).

1. صدق رسوليته 1-2.

2. حقه أن يأكل من الإنجيل 3-14.

3. تنازلاته من أجل الإنجيل 15-18.

4. اهتمامه بخلاص الجميع 19-23.

5. اهتمامه بخلاصه 24-27.

1. صدق رسوليته

أعلن السيد المسيح أنه ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه (مت 13: 57). ووجد الرسول بولس مقاومة من الكنيسة التي أنشأها في كورنثوس، لا من الذين في الخارج، بل من الذين قبلوا الإيمان بواسطته. لذا يليق بالخادم الحقيقي ألا ينتظر كرامة أو مديحًا ممن يخدمهم ويبذل نفسه من أجلهم بل يتوقع أن يجد مقاومة ورفضًا.

"ألست أنا رسولاً؟ ألست أنا حرًا؟ أما رأيت يسوع المسيح ربنا؟ ألستم أنتم عملي في الرب؟" [1]

بقوله: "أما رأيت يسوع المسيح ربنا؟" يؤكد صدق رسوليته. فإنه وإن كان لم ينعم ببركة التلمذة للسيد المسيح أثناء حياته علي الأرض، ولا سمع تعاليمه، ولا رآه في صلبه وبعد قيامته مباشرة حتى صعوده، لكن القائم من الأموات ظهر له، فصار شاهدًا لقيامته. هذه الشهادة أساسية في العمل الرسولي (أع 1: 22).

هنا يؤكد بولس الرسول صدق رسوليته بالآتي:

1. "ألست أنا رسولاً؟"، إذ اختاره السيد المسيح ودعاه للعمل الرسولي بعد صعوده إلى السماء.

2. "ألست أنا حرا؟" فمن جانب السيد المسيح هو دعاه، ومن جانب بولس فبكامل حريته قبل هذا العمل الفائق.

3.ما رأيت يسوع المسيح ربنا؟"، صار شاهدًا للقيامة، إذ ظهر له وهو في طريقه إلي دمشق (أع 9: 7، 17 ؛ 22: 17)

4. "ألستم أنتم عملي في الرب؟" عمل اللَّه فيهم خلال خدمته شهادة عملية حية لصدق رسوليته. فإن قبولهم للإيمان وتوبتهم الصادقة وحياتهم الجديدة، هذه كلها لم يكن ممكنًا أن تتحقق إلا باللَّه الذي أرسل بولس للكرازة.

يبدو أن الشك قد تسرب إلي بعض الاخوة بخصوص رسوليته للأسباب التالية:

1. انه لم يرَ السيد المسيح فلا يقدر أن يكون تلميذا

2. لم يطلب هو وبرنابا من الكنائس أن تمدهما باحتياجاتهما الضرورية كسائر الرسل.

3. التزم مع برنابا بالعمل حتى يعيشا.

- "ألست أنا رسولاً؟ ألست أنا حرًا؟" [1]، بمعنى "أليس لي سلطان على نفسي؟ هل يوجد من يحكم علّي ويحرمني من (حقوقي)؟"... بلى، ولا هذا يمجد رسوليتى، إذ يقول في هذا: "ألم أرَ يسوع المسيح ربنا؟ فإنه "آخر الكل، كأنه للسقط ظهر لي أنا" (1 كو 15: 8). هذه ليست بالكرامة الهينة، فقد قيل: "إن أنبياء وأبرارًا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا" (مت 13: 17)، وقيل: "ستأتي أيام فيها تشتهون أن تروا يومًا واحدًا من هذه الأيام" ( لو 17: 22).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"إن كنت لست رسولاً إلى آخرين فإنما أنا إليكم رسول،لأنكم أنتم ختم رسالتي في الرب" [2].

كأنه يقول: "كنت أتوقع أن يتشكك آخرون في رسوليتي، أما وقد أنشأت كنيسة المسيح في كورنثوس، وصرتم ختم رسالتي في الرب، فما يليق بكم أن تجحدوا رسوليتي. لو لم أكن رسولاً ما كان يمكنني أن أكسبكم لحساب ملكوت اللَّه".

إن كان "الختم" هو شكل معين يُنحت علي حجر أو علي خاتم تُختم به الرسائل لتأكيد صدق مصدرها ( يو 3: 33)، فإنهم ختمه الخاص الذي به يؤكد صدق رسالته. كلما أشار إليهم تأكد السامعون عمل الرسولية الواضح.

وبقوله: "في الرب" يؤكد أنه نال رسوليتة كهبة أو نعمة من قبل الرب، وأيضًا قبولهم الإيمان علي يديه هو بفضل نعمة اللَّه.

- يقول بولس أنه إن كان أحد يريد أن يختبر أعماله فليتطلع إلى الكورنثوسيين فإنهم شاهد كاف لأتعابه.

ثيؤدورت أسقف قورش

-إذ كان له أن يتحدث عن خدمته في العالم كله وبين الأمم المتبربرة، في البحار والبرّ، فإنه لم يشر إلي شيء من هذا كله، وإنما حمل هذه النقطة (خدمته في كورنثوس) لابراز الهبة، أنه نال أكثر مما يحتاج. وكأنه يقول: "لماذا أطلب أكثر ما دام ما لدي فيه الكفاية لتحقيق هدفي الحاضر؟ لست أتحدث لكي تلاحظوا ما أنجزته إلى مناطق أخرى، بل الإنجازات التي أنتم شهود لها. لست أطلب شهادة من المناطق الأخرى. أما بالنسبة لكم فمن حقي أن أطلب. ومع هذا فإنه وإن كان من حقي أن أخذ منكم إذ أنا معلمكم لم أخذ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أنكر المؤمنون الذين من أصل يهودي الذين استمروا في حفظ ناموس موسى أن بولس رسول, لأنه علم بأنه لا ضرورة بعد للختان وحفظ السبت... أما بالنسبة للكورنثوسيين فكان بولس رسولاً إذ رأوا علامات قوة اللَّه فيه.

أمبروسياستر

2. حقه أن يأكل من الإنجيل

بعد أن أكد رسوليته أوضح حقوقه كرسول، وكيف تنازل عنها بإرادته من أجل محبته لخلاص البشرية.

"هذا هو احتجاجي عند الذين يفحصونني" [3].

يتحدث الرسول بولس كمتهمٍ في محكمة يسمع الاتهامات الموجهة ضده ويجيب عليها بكل صراحةٍ وفي حبٍ، وقد أقامهم قضاة ليحكموا بصدق رسوليته.

"ألعلنا ليس لنا سلطان أن نأكل ونشرب؟" [4]

كلمة "سلطان" هنا معناها "حق"، فانه حق رسولي له أن يأكل ويشرب من خلال خدمته علي حساب الكنائس التي يكرز فيها. لم يطلب الكماليات ولا الغنى، إنما يطلب حد الكفاف وهو الأكل والشرب لكي يعيش ويخدم.

-التزم الرسول أن يقدم برهانًا على ذلك، مشيرًا إلي أنه ترك حتى الأمور المسموح بها، حتى لا يوجد عثرة لأحد، مع أن لا يوجد قانون يلزمه بهذا... فإن كان قد فعل أكثر مما يطلبه الناموس حتى لا يتعثروا وامتنع عما هو مسموح به من أجل بنيان الغير، فماذا يستحق هؤلاء الذين لم يمتنعوا عن ذبائح الأوثان، حيث بذلك يهلك كثيرون؟ الأمر الذي يلزم للشخص أن يتركه بغض النظر عن عثرة الآخرين فيه، لأنها "مائدة شياطين"؟

-إذ يظهر لكم أني قد امتنعت عن الأشياء المسموح في بها، فليس من العدالة أن تتشككوا فيَّ كمخادعٍ أو من يعمل لأجل الربح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ألعلنا ليس لنا سلطان أن نجول بأخت زوجة كباقي الرسل واخوة الرب وصفا؟" [5]

يري القديس إكليمنضس السكندري أن الرسل كانوا يجولون ومعهم نساؤهم اللواتي كن يشاركونهم الإيمان، ليس كزوجات بل كأخوات، حتى يخدمن ربات البيوت، حتى يدخل تعليم الرب إلي حياة النساء دون أية تشكك.

- ركز الرسل على الكرازة بدون تشتيت، فأخذوا زوجاتهم معهم كأخوات مسيحيات أكثر منهن زوجات, ليكن زملاء لهم في خدمة نساء البيوت حتى يُبلغ إليهن الإنجيل بدون عائق.

القديس إكليمنضس السكندري

"أم أنا وبرنابا وحدنا ليس لنا سلطان أن لا نشتغل؟" [6]

كان كلا من الرسولين بولس وبرنابا يعملان بإرادتهما لكي لا يعتازا إلي أحد. كان يمارسان حرفة مثل صنع الخيام (أع 18: 3؛ 20: 34؛ 2 تس 3: 8).

"من تجند قط بنفقة نفسه؟ ومن يغرس كرمًا ومن ثمره لا يأكل؟ أو من يرعى رعية ومن لبن الرعية لا يأكل؟" [7]

أكمل الرسول حديثه مقدمًا أمثلة من الواقع العملي ليدافع فيها عن نفسه, فالجندي الروماني يتوقع أن ينال أجرة ومئونة من الطعام مقابل خدمته للوطن لكي يعيش، والزارع والراعي للغنم يتوقعان عائدًا يعيشا به مقابل أتعابهما.

يشبه الرسول نفسه كجندي لا يتوقف عن الجهاد كما في معركة الخدمة، وكغارس كرم يُسر بالثمر، وكراعٍ يترفق بالقطيع العاقل. ومع هذا لم يأخذ أجرة كجندي، ولا انتظر ثمر الكرم، ولا طلب لبن القطيع! انه لم يطلب حتى الضروريات "نفقة نفسه"! لقد تعدي ما هو طبيعي ومعقول من أجل محبته للخدمة.

تشبه الكنيسة كجيش بألوية (نش 6: 4) وككرمة (نش 5)، وأيضا كقطيعٍ عاقل ( يو 21: 15 - 17).

غالبًا ما تكون أجرة رعاة الغنم في الشرق ليست مبلغًا من المال بل نسبة من اللبن الذي من القطيع. يقوم الألبانيون برعاية القطيع ملك الأتراك، فيعيشون في أكواخ فقيرة للغاية وينالون عُشر الناتج من اللبن كأجرة لهم يعيشون به. والرعاة أيضا في أثيوبيا لا يأخذون أجرة مادية بل نصيبًا من اللبن والزبدة الناتجة عن البقر.

الخادم الحقيقي هو جندي روحي (2 تي 2:3) وكرام ( 1كو 3: 6-8) وراع (1 بط 5:2،4).

- أسألكم أن تتأملوا كيف اختار أمثلة مناسبة لتحقيق هدفه. فقد بدأ أولا بالأمور التي يصحبها الخطر أي الجندية والجيوش والحروب. فإن الرسولية هي شيء من هذا القبيل، بل بالأحرى أكثر منها خطورة. فإن حربهم ليست مع أناسٍ بل ومع الشياطين، ضد رئيس هذه الكائنات...

"ومن يغرس كرما ومن ثمره لا يأكل؟" فكما أشار المثال السابق إلي مخاطره هكذا يبرز هنا أتعابه ومشاقه الكثيرة واهتمامه.

يضيف أيضا مثالاً ثالثًا، قائلاً: "أو من يرعى رعية ومن لبن الرعية لا يأكل؟" فإنه يستعرض هنا الاهتمام العظيم الذي يظهره المعلم نحو من يرعاهم.

-لقد أظهر نوعية الكاهن وماذا يجب أن يكون عليه. إذ يلزمه أن يحمل شجاعة الجندي، واجتهاد الفلاح، واهتمام الراعي، وفوق هذا كله ألا يطلب شيئا أكثر من الضروريات.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ألعلي أتكلم بهذا كإنسان؟ أم ليس الناموس أيضًا يقول هذا؟" [8]

"أتكلم بهذا كإنسانٍ" تحدث أولاً بالمنطق البشري، ثم أكمل بالمنطق الإلهي أو ناموس اللَّه [15].

كأنه يقول: "العلي انطق بهذا من عندي دون اللجوء إلي القانون الإلهي؟ أليس ما يبدو عدلاً ومقبولاً يسنده السلطان الإلهي نفسه؟"

إذ كانت الاعتراضات صادرة بالأكثر من الذين هم من أصل يهودي في الكنيسة بكورنثوس لجأ إلي ناموس موسي نفسه، فقد اعتاد الرسول أن يلجأ إلي العهد القديم حينما يتحدث مع اليهود.

"فإنه مكتوب في ناموس موسى: لا تكم ثورًا دارسًا. ألعل اللَّه تهمه الثيران؟" [9]

بعد أن لجأ إلي أمثلة من الواقع العملي اليومي، والقوانين العامة المقبولة علي مستوي كل البشر، التجأ إلي الناموس، فالشريعة تطالب بأن يتمتع خادم اللَّه بما يكفل له حياته.

"العل اللَّه تهمه الثيران؟" لقد اهتمت الشريعة بتقديم ما فيه راحة الثيران (تث 25: 4)، أفلا تهتم بالأولى بالإنسان الذي من أجله خُلقت الثيران، والذي تُقدم كذبائح من أجل تطهيره؟!

لقد أعطاه الناموس حق التمتع بالبركات الزمنية بقوله: "لا تكم ثورًا دارسًا"، فشبه نفسه بالثور الذي يدرس، ومع ذلك لم يذق شيئًا مما يدرسه!

لا يعني هذا أن الرسول ينكر اهتمام اللَّه بالثيران، لكنه إذ وضع هذا المبدأ اهتمامًا بالحيوانات أفليس بالأولى تطبيقه علي الإنسان، خاصة في خدمته للَّه؟

- "ألعل اللَّه تهمه الثيران؟" [9] أخبرني، ألا يهتم اللَّه بالثيران؟ حسنًا إنه يهتم بها، لكن بأن يسن قانونًا خاصًا بهذا. لهذا لو لم يكن بهذا يلمح إلي أمرٍ هام، مدربًا اليهود على عمل الرحمة في حالات البهائم، وبذلك يشجعهم أن يفعلوا هذا مع المعلمين أيضًا، لما كان أعطى اهتمامًا عظيمًا حتى يسن شريعة تمنعهم من أن يكموا فم الثور.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أم يقول مطلقا من أجلنا أنه من أجلنا مكتوب لأنه ينبغي للحراث أن يحرث على رجاء، وللدارس على الرجاء، أن يكون شريكًا في رجائه" [10].

ما جاء في الناموس لم يكن من أجل إنسانٍ معين، فلم يكن في ذهن موسى شخص الرسول بولس أو غيره إنما ما سجله هو من قبل اللَّه لأجل كل بشر، لكي يعمل الكل بروح الرجاء حتى يحصدوا ثمر تعبهم ويفرحوا بنجاح تعبهم.

"إن كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيات أفعظيم إن حصدنا منكم الجسديات؟" [11]

لقد بذل الرسول حياته كل يوم لكي يزرع لهم الروحيات ويتمتعوا بالخلاص الإلهي، فهل كثير عليه أن ينال قوت جسده؟ زرع الرسول فيهم بذار الإنجيل ووهبهم فرح الرجاء في السماويات. زرع فيهم ما هو أعظم من كل ما في العالم، إذ قدم لهم الحياة المقامة عوض الموت، وعمل في حياتهم كطبيب وكرام وراع ومحام... لأجل مجدهم الأبدي، فكيف لا يتفرغ لهذا العمل العظيم تاركًا الاهتمام بالاحتياجات الضرورية لحياته اليومية للكنيسة؟ إنه يعمل لحساب كل فرد كما لبنيان الجماعة كلها لذا لاق به التفرغ الكامل لهذه الرسالة البناءة.

- يقول: ليت التلميذ لا يحتفظ بشيء لنفسه، بل يكون كل ما لديه عام للجميع، لأن ما يعطيه أفضل مما يأخذه، كما أن السماويات أفضل من الأرضيات.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يؤكد بولس الحقيقة بأن زملاءه الرسل لم يخطئوا بأي حال عندما لم ينشغلوا بالعمل اليدوي من أجل ضرورات المعيشة, وإنما كما وجه الرب أن يعيشوا من الإنجيل, قبلوا ذلك. فلم يدفعوا شيئًا مقابل القوت الجسدي لأولئك الذين تمتعوا بالقوت الروحي دون أن يُطلب منهم شيئًا.

القديس أغسطينوس




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 9 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
<< Start < Prev 1 2 3 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


17 بؤونه 1733 ش
24 يونيو 2017 م

نياحة القديس لاتصون البهنساوى
عودة رفات القديس مارمرقس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك