إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الذى يحب ذاته هو الذى يسر بها فى الطريق الضيق من أجل الرب ويحملها الصليب كل يوم

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

تثبيت المؤمنين


إن كانت الضيقات التي عاشها أهل تسالونيكي مباشرة في بلدهم أو خلال الرسول بولس المتألم من أجل الله والخدمة قد زكتهم أمام الله والناس، وصارت شهادة حق، وسرّ كرازة للإيمان في كل مكان، وتمجد الرسول بسببهم، فإنه يركز أنظارهم إلى النمو أكثر فأكثر من أجل بنيان نفوسهم الروحي، حتى يتهيأوا خلال الحياة الفاضلة (المقدسة) في الرب خاصة الحب، للالتقاء مع العريس السماوي القادم. لهذا يحدثهم الرسول عن:

1. مفهوم الحياة الفاضلة ١ - ٣.

2. التخلي عن الزنا ٤ - ٨.

3. النمو في الحب ٩ - ١٦.

4. مجيء الرب الأخير ١٣ - ١٨.

١. مفهوم الحياة الفاضلة

"فمن ثم أيها الإخوة نسألكم ونطلب إليكم في الرب يسوع، كما تسلمتم منا، كيف يجب أن تسلكوا وترضوا الله تزدادون أكثر، لأنكم تعلمون أية وصايا أعطيناكم بالرب يسوع، لأن هذه هي إرادة الله قداستكم" [١-٣].


يبرز الرسول في هذه العبارات المختصرة مفهوم الحياة الفاضلة، أو السلوك المسيحي المقدس، بمنظار مسيحي إنجيلي، يمكن أن نلخصه في النقاط التالية:

أولا: الحياة الفاضلة ليست أخلاقيات اجتماعية مجردة وسلوكًا أدبيًا يتدرب عليه الإنسان بقدراته الخاصة وجهاده الذاتي، وإنما أولاً وقبل كل شيء هي تفاعل حيّ مع الوصية الإلهية في المسيح يسوع. لهذا يقول الرسول: "نسألكم ونطلب إليكم في الرب يسوع"، أي نوصيكم فيه.

إن كان الرسول يوصيهم في الرب يسوع، وليس من عندياته، وإلا كانت وصايا بشرية قد تكون براقة وجميلة لكنها عاجزة عن العمل في أعماق القلب. وصية الرب "في الرب يسوع" هي كلمة الله التي يقول عنها الرسول في موضع آخر: "حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومميزة أفكار القلب ونياته" (عب ٤ :13).

لقد كشف الرسول عن دوره بكل وضوح بقوله: "إذاً نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا، نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله" (٢ كو ٥ :2). فنحن لا نتقبل الوصية، حتى وإن كانت من فم رسول إلاَّ بكونها وصية إلهية، يعلنها المسيح فينا، لكي يكون لها سلطان في داخلنا لتغيير حياتنا والدخول بنا إلى أعماق جديدة.

إن قول الرسول "في الرب يسوع"، إنما تعني أنه لا يتحدث معنا إلاَّ وهو مختفي في الرب يسوع، حيث يجد له في أحشائه موضع راحة وسلام فائق، متذوقًا الحب الإلهي فيه. من هذا الموضع الجديد يتحدث معنا لكي نُوجد نحن أيضًا "في الرب يسوع"، ويكون لنا معه ذات المصير المفرح. في المسيح يسوع ربنا يختفي الراعي كما الرعية، وفيه يوصي الكاهن أولاده، ويتقبل الأبناء الروحيون الوصية، وفيه يجاهد الكل، كما فيه يتكلل الكل. في اختصار نقول أن الحياة الفاضلة في جوهرها هي الدخول المستمر "في الرب يسوع" للتمتع بأعماق جديدة خلال عمله الدائم فينا بنعمته المجانية العاملة في قلوب المجاهدين.

ثانيًا: إن كانت الحياة الفاضلة هي قبول الوصية الإلهية في المسيح يسوع ربنا لتعمل فينا، فإننا نتقبلها خلال التسليم Paradosis، إذ يقول الرسول: "كما تسلمتم منا كيف يجب أن تسلكوا وترضوا الله". فالسلوك المسيحي هو جزء لا يتجزأ من التسليم الرسولي. إنه مرتبط بالإيمان المسيحي أو إنجيل المسيح الذي تقبلته الكنيسة من السيد المسيح خلال تلاميذه كتسليمٍ حي يعيشه المؤمنون ويُسلم خلالهم عبر الأجيال. هكذا بالتسليم - في مفهومه الأصيل الروحي - نتقبل الإنجيل الحيّ، لا كأفكارٍ عقائديةٍ مجردة، وإنما بالحري حياة إيمانية عملية معاشة في القلب في الداخل، ومًعلنة خلال العبادة الجماعية والعائلية والشخصية، وفي السلوك العائلي ومع الإخوة والغرباء. إنها حياة تمس كيان الإنسان في كل لحظة من لحظات وجوده وترتبط بكل نسمة من نسمات حياته، تتفاعل مع أفكاره وأحاسيسه وكلماته وأعماله. هكذا يظهر الإنجيل خلال التسليم عقيدة وسلوكًا بغير انفصال.

ثالثًا: غاية الحياة الفاضلة هي: "يجب أن تسلكوا وترضوا الله". لم يكن ممكنًا إرضاء الله بعد أن فقد الإنسان صورة الله وتشوه المثال الذي له فيه. يتطلع الله إلى البشرية بعد سقوطها فلا يشتم فيها رائحة رضا بل يجد "الكل قد زاغوا معًا، فسدوا، ليس من يعمل صلاحًا ولا واحد" (مز ١٤: ٣). لكن إذ جاء كلمة الله متجسدًا، وحل بيننا، انفتحت السماوات لتسمع صوت الآب "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت ٣: ١٧؛ ١٧: ٥). سمعناه حين دخل السيد المسيح إلى مياه المعمودية في الأردن، وحين ارتفع بتلاميذه على جبل التجلي، ونحن إذ نقبل العضوية في جسده المقدس - في الأردن الجديد - إنما نتقبل رضا الآب وسروره، حيث يرانا متحدين في ابنه، موضوع سروره. وإذ يرتفع بنا الروح القدس على جبال الكتاب المقدس كما على جبل تابور ليتجلى مسيحنا فينا، ويعلن ملكوته في داخلنا ونسمع ذات الصوت من الآب الذي يفرح بثمرة روحه القدوس فينا.

إن كانت الحياة الفاضلة هي دخول "في المسيح يسوع"، فإننا فيه نجد رضا الآب وسروره، وخارجًا عنه لا يُمكن إرضاؤه. وكما يقول الرسول: "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه" (عب ١١: ٦). بمعنى آخر الحياة الفاضلة ليست سلوكًا اجتماعيًا مجردًا، فيه يلتزم الإنسان ألا يضر الغير بل يعينه ويسنده، وإنما هي أعمق من ذلك. هي دخول إلى الإتحاد مع الله في المسيح يسوع، لكي يستريح بنا وفينا بكوننا أعضاء جسد ابنه، مقدمًا لنا موضعًا في أحضانه الأبوية.

رابعًا: يقول الرسول: "تزدادون أكثر". بهذا المفهوم لا تقف الحياة الفاضلة الحقيقية عند حدود، إذ لا يستريح المؤمن حتى يبلغ إلى "قياس قامة ملء المسيح" (أف ٤: ٣)، يحمل سماته واضحة ونامية فيه بلا انقطاع، حيث يتجلى السيد نفسه فيه من يومٍ إلى يوم، ليدخل به إلى عظمة بهائه.

إن كنا "في المسيح يسوع" ندخل إلى رضا الآب، فإننا في المسيح يسوع أيضًا ينبغي أن نجاهد بغير انقطاع لكي ننعم بالنمو فيه، ونزداد بالأكثر من جهة رضا الآب. لقد أدرك الرسول أنه بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه، لكنه ليس خلال التراخي أو الكسل، وإنما خلال الجهاد الذي لا ينقطع كجندي روحي، إذ يقول: "ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضى من جنده" (٢ تي ٢: ٤). إنه يجاهد لكي بعدما صار في الروح لا يعود بعد إلى الحياة في الجسد، لأن "الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله" (رو ٨: ٨). وفي جهاده غير المنقطع لا يطلب مديح الناس بل رضا الله، كقوله: "أفأستعطف الآن الناس أم الله؟ أم أطلب أن أرضي الناس؟ فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح" (غل ١: ١٠). من أجل إرضاء الآب يتنازل ليس فقط عما هو شرير من شهوات الجسد وطلب مديح الناس وإنما يتنازل حتى عن حقوقه الشرعية، حتى يبلغ كمال الرضا، وذلك كأن يحيا في البتولية ليس تدنيسًا للحياة الزوجية، وإنما للتفرغ ما استطاع للجهاد الروحي، إذ يقول: "غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب" (١ كو ٧: ٣٢).

خامسًا: لخص الرسول الحياة الفاضلة المرضية لدى الآب في العبارة: "لأن هذه هي إرادة الله قداستكم" [3]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [لاحظ كيف أنه لا يتطلع إلى أي موضع بحماسٍ كهذا. فإنه يكتب عنه في موضع آخر: "اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب" (عب ١٢: ١٤). لماذا نتعجب إن كان يكتب لتلاميذه عن هذا الأمر في كل موضع، ففي رسالته إلى تيموثاوس يقول: "احفظ نفسك طاهرًا" (1 تي ٥: 22)، وفي رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس يقول: "في صبر كثير، في أصوام، في طهارة" (٢ كو ٦ : ٥-٦).]

ماذا يعني الرسول بالقداسة التي يريدها الله فينا؟ إنها اعتزال ما قد دخل إلى طبيعتنا كأمرٍ غريبٍ، وقبول ما هو لله. بمعنى أن القداسة إنما تحمل عمليتين متلازمتين ومتكاملتين: تفريغ وامتلاء، تفريغ عن الشر الذي تسرب إلى طبيعتنا خلال اعتزالنا الله، وامتلاء من الله نفسه القدوس كسرّ حياتنا. فإن كان الله هو القدوس، فإن حياتنا الفاضلة هي أن تتحقق إرادته المقدسة فينا، فنحمل قداسته داخلنا، ونكون قديسين فيه.

إذ ندخل بالروح القدس إلى المسيح نفسه، فإن الروح يأخذ مما للمسيح ويخبرنا (يو ١٦: ١٤)، ليس بالكلام فقط، وإنما يخبرنا عمليًا، فيحول فكرنا إلى فكر المسيح، وتصير إرادتنا إنما هي إرادة المسيح، وتصير أعضاؤنا أعضاءه، وآلامنا آلامه الخ. وكأن القداسة إنما هي تجلي المسيح القدوس في حياتنا الداخلية وسلوكنا الظاهر!


٢. التخلي عن الزنا

إذ يتحدث الرسول عن الحياة الفاضلة في الرب، يتعرض للجانبين السلبي والإيجابي، فإنه لا تمتع للتقديس بدون التفريغ عن النجاسة، ولا يمكن أن يكون موضع لله داخل القلب مع بقاء الشر فيه. الحياة الفاضلة عملية ديناميكية مستمرة، خلالها يأخذ الإنسان ويفرغ، وينعم بلذة الحياة مع الله مع رفض لذة الخطية، يقبل الفكر الإلهي متخليًا عن الأفكار الشيطانية.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:[تنقسم الفضيلة إلى أمرين: ترك الشر وصنع الخير. فإن التخلي عن الشر لا يكفي لبلوغ الفضيلة، إنما يُحسب هذا مجرد ممر وبداية تقود إلى ما بعدها، فإننا في حاجة إلى نشاطٍ عظيمٍ.]

هنا يتحدث الرسول عن الجانب السلبي للحياة الفاضلة، وهو التخلي عن كل شرٍ خاصة الزنا بكل أبعاده، أي بالفكر والنظر والعمل، مقدمًا مفهومًا حيًا لتركه يمكن توضيحه في النقاط التالية:

أولا: إن كان الزنا بكل صوره من أبشع الخطايا، فإن الرسول وهو يتحدث عن التخلي عنه يتحدث عن الجانب الإيجابي أي اقتناء القداسة. وكأن التخلي لا يمكن أن يتم منفردًا دون الأخذ. إنه يقول: "أن تمتنعوا عن الزنا، أن يعرف كل واحد منكم أن يقتني إناءه بقداسة وكرامة، لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله" [٣-٥]. فالأممي لا يقدر أن يترك هوى الشهوة، لأنه لا يعرف الله، أي لا يعرف اقتناء الله والاتحاد معه. إن عرفه إنما خلال معرفة الفكر النظري والفلسفة الذهنية، لذا يبقى في فراغه لا يقدر أن يتخلى عن الشهوات والملذات لعلها تقدر أن تشبع حياته. أما المؤمن الحقيقي فإنه يستطيع الامتناع عن الزنا، بل ويستنكف منه ولا يطيقه، لأن في الامتناع عنه لا يشعر بحرمان أو فراغ، إنما يقتني إناءه الذي هو جسده بقداسة وكرامة، يشعر بفيض إلهي ينبع داخله ويرويه ويفيض! خلال الإتحاد مع الله في ابنه القدوس لا يشعر المؤمن بعطش إلى ملذات زمنية، فإن ما يناله أفضل مما يتركه!

خلال هذه الحياة الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسوع يجاهد المؤمن ممتنعًا عن الزنا كأمر لا يليق بالطبيعة الجديدة التي تمتع بها في المعمودية، متطلعًا إلى جسده كإناء مقدس وآلة برّ لله.

يمكننا أيضًا النظر إلى "الإناء" بمعنى الزوجة أو الزوج، فإن المسيحي يتطلع إلى الطرف الثاني في حياته الزوجية بكونه "إناءه"، يدخل في قلبه ويستقر بالحب خلال الوحدة الذي يقدمها لهما الروح القدس. في استقرار كل منهما في قلب الآخر لا يمكن لأحدهما أن ينطلق إلى موضع آخر. إنه يكون كحمامة نوح لا تستريح إلاَّ في يديه، وليس كالغراب الذي يمكنه أن يستقر على الجثث والجيف.

ويرى القديس أغسطينوس أن الحديث هنا يخص العلاقة الزوجية، فكل طرف يتطلع إلى الآخر بنظرة مقدسة، كإناءٍ مقدسٍ، فلا تقوم العلاقة بينهما على أساس شهوة الجسد بل الحب، فينجبان الأطفال كثمرة الحب والوحدة لا ثمرة شهوات الجسد التي بلا ضابط.

والقديس أمبروسيوس تفسير رمزي للإناء المقدس، إذ يرى في الكاهن أو الخادم الذي ينطق بكلمات الكرازة في رياء، أي يعظ ولا يعمل كمن يفسد قلوب الآخرين عوض أن يقتنيها آنية مقدسة للرب، فتحسب كآنية للهلاك بدلاً من أن يقتنوهم آنية للكرامة!

ثانيًا: يرى الرسول بولس في الزنا تعدي على الإخوة، إذ يقول: "أن لا يتطاول أحد ويطمع على أخيه في هذا الأمر" [٦]. من يتطلع إلى آخر بنظرة شهوانية يطمع في جسده لحساب شهوته الخاصة. فالحب في جوهره بذل وعطاء وتكريم، أما الشهوة فأخذ واغتصاب وامتهان للغير. الحب انفتاح القلب للعطاء بلا تمييز للجنس أو الشكل، به يحترم الإنسان الطرف الآخر في إنسانيته، ويقدر فكره ومواعيده وحياته. فالمرأة المحبوبة لدى رجلها هي التي تجد في قلبه كما في نظراته حبًا خالصًا لا لإشباع شهوات جسده، وإنما خلال العطاء والبذل والتقدير يهتم بشخصها وفكرها ومواهبها. إنه يتعامل معها خلال إنسانيتها ككل، وليس خلال الجسد منعزلاً، وبهذا تكون العلاقة الجسدية ثمرة محبة صادقة سامية.

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم مثالاً حيًا للتمييز بين الحب والشهوة، فبحسب فكرنا البشري أو تعبيرنا الدارج يقال عن امرأة فوطيفار أنها أحبت يوسف، لكن في الحقيقة لم تحبه بل أرادت أن تشبع شهوتها الخاصة، والدليل على ذلك أنه إذ رفض طلبها سلمته للسجن ظلمًا، وعرضت حياته للخطر. أما يوسف فكان بالحق يحبها، فإنه وإن كان قد امتنع عن الالتصاق بها في الشر، لكنه في رقةٍ قدم لها إرشادًا كافيًا لإخماد لهيب شهوتها، فذّكرها بزوجها حتى يخجلها، ولم يقل "زوجك" بل "سيدي" لكي يوقظ ضميرها وتعرف مركزها أنها سيدته. وكأنه في لطف يعاتبها: عار عليكِ أن تطلبي الشر مع عبدٍ لكِ، تأملي زوجة من أنتِ؟ وبالرغم من لطفه الشديد وعتابه معها زجت به في السجن، وحينما نال كرامة في عيني فرعون وصار الرجل الثاني بعده لم ينتقم لنفسه منها.

إذن، الزنا هو طمع للغير وليس حبًا، هو انغلاق النفس من أجل إشباع الإنسان هواه الخاص!

ويقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تفسيرًا آخر لكلمات الرسول: "أن لا يتطاول أحد ويطمع في هذا الأمر" بقوله: [لقد رسم الله للإنسان زوجة، واضعًا قيودًا طبيعية، فلا يتصل أحد إلاَّ بواحدة فقط. فمن يتصل بأخرى يكون قد تطاول وأخذ أكثر مما له، إنه بهذا يتصرف بلصوصية، بل وأقصى من اللصوصية، لأننا لا نحزن أن سلب مالنا مثلما إذا انتهك زواجنا. أندعوه أخًا ونخطيء إليه في أمور دنسة (باغتصاب زوجته)!]

ثالثًا: الدعوة للقداسة والامتناع عن الزنا دعوة إلهية وليست اجتماعية، إذ يقول: "لأن الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة" [٧]. وكأن السلوك بالقداسة هو تحقيق لإرادة الله فينا، والزنا تعدي على الله نفسه قبل أن يكون تعدي على أجسادنا وتطاول على إخوتنا. لذلك يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه بنفسه قد دعاك، وها أنت تهين من دعاك.]

لا يقدر الزاني أن يحتج بأن ما يرتكبه إنمًا برضا الطرف الآخر، ليس فيه اغتصاب أصاب أحدًا بضررٍ. فإن هذه الجريمة موجهة ضد الله القدوس نفسه الذي يهب روحه القدوس لتقديس الإنسان. من يرتكب الزنا يهين الروح الساكن فيه وفي أخيه. إذ يقول الرسول: "وإنما من يرذل لا يرذل إنسانًا، بل الله الذي أعطانا أيضًا روحه القدوس" [٨]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [يقول الرسول إن كنت تدنس إمبراطورة أو جارية لك متزوجة فإن الجريمة واحدة، لماذا؟ لأن الله ينتقم لا عن الأشخاص الذين أصابهم الضرر وإنما ينتقم لنفسه.]

لم يبخل الله علينا بشيء حتى وهبنا روحه القدوس - في سرّ الميرون ليعمل فينا، مقدسًا إيانا، ومهيئًا حياتنا للمملكة السماوية، فنُحسب ملوكًا خلال إتحادنا مع الله في المسيح ملك الملوك (رؤ ٧: ١٤)، وقديسين بثبوتنا في قدوس القديسين، لهذا إن كل خطية نرتكبها وإن ظننا أنها لا تسيء إلى أحدٍ، فهي تهين ذاك الذي رفعنا إلى هذه الكرامة لنكون قديسين وملوكًا. فالملك الذي يلبس الأرجوان ويحمل تاجًا على رأسه ويمسك صولجانًا إن ارتكب حماقة يهين كرامة المركز الذي وُجد فيه!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك