إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

بدلاً من أن تجرح الناس حاول أن تكسبهم

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

نجاح الكنيسة في تسالونيكي


اعتاد الرسول بولس أن يبدأ رسائله بإبراز الجوانب الطيبة لتشجيع من يكتب إليهم، فلا يتحدث عن المشاكل أو الضعفات مهما تفاقمت أو بلغت خطورتها إلاَّ بعد أن يشجع، فاتحًا باب الرجاء أمام الجميع. وهنا إذ يكتب إلى كنيسة تئن من الضيق، يعلن في وضوح عن نجاحها في حياتها الإيمانية العملية، وشهادتها للسيد المسيح أمام كنائس أخرى.

1. مقدمة الرسالة 1.

2. نجاح الكنيسة

أ. شكره لله على نجاحهم 2.

ب. إيمانهم، ورجاؤهم ومحبتهم 3-6.

ج. صيرورتهم قدوة للجميع 7-10.

١. مقدمة الرسالة

"بولس وسلوانس وتيموثاوس إلى كنيسة تسالونيكي،، في الله الآب والرب يسوع المسيح. نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع" [1].


ليس للرسول بولس مقدمة ثابتة يفتتح بها كل رسائله، وإنما يكتب لكل رسالة المقدمة التي تناسبها. وهنا إذ يكتب إلى كنيسة تئن من الضيق، نلاحظ في مقدمته الآتي:

أ. يذكر الرسول اسمه "بولس" دون الإشارة إلى لقبه الرسولي، لأن الإنسان في وسط الضيق يود أن يجد الكل حوله بلا ألقاب ولا كلفة، إنما يتحدث معهم بروح الصداقة الأخوية. ولعله لذات السبب يضم إلى اسمه سلوانس وتيموثاوس كأنهما شريكان معه في كتابة الرسالة، مع أنه هو الكاتب لها وحده. لقد أراد في تواضع أن يؤكد للمؤمنين أنه ليس وحده يحمل إليهم مشاعر الحب والحنو وسط ضيقتهم، وإنما يشاركه في ذلك كل من اشترك في خدمتهم.

يا له من راعٍ محبٍ مملوء تواضعًا, يدخل وسط الحملان كحمل معهم يشاركهم آلامهم, لا ليربطهم به شخصيًا لحساب كرامته الخاصة، وإنما ليعلن لهم محبة كل راعٍ، فيلمسوا محبة المسيح لهم فيه كما في غيره!

ب. يوجه الكاتب رسالته "إلى كنيسة التسالونيكيين" في الله الآب والرب يسوع. فقد ضمت الكنيسة الحديثة في ذلك أعضاء من اليهود كما من الأمم، لكن الكل صار كنيسة واحدة، بدخولها في "الرب يسوع المسيح" كجسده الواحد المقدس، لتجد لها موضعًا في الله الآب، لأنه حيث يوجد الابن تكون معه كنيسته في الأحضان الأبوية. وكما يقول السيد: "حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا... ليس أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي" (يو 14: 3، 6)

ج. يلقب الرسول الله "أبانا"، فالمؤمنون محتاجون في ضيقتهم إلى التمتع بأبوة الله الحانية، وإدراك اهتمامه بخلاصهم ومن ناحية أخرى إذ يكتب الرسول في صلب رسالته عن أبوته لهم أراد في المقدمة أن يؤكد أبوة الله نفسه التي هي مصدر كل أبوة روحية وجسدية.

د. يطلب لهم الرسول النعمة والسلام؛ فإن السلام الحقيقي الداخلي لا يتحقق برفع الآلام التي تحل بنا، وإنما بتمتعنا بنعمة الله الخفية. ففي وسط الضيق يحاصر الإنسان بأفكار قاتمة قادرة على تحطيم سلامه الداخلي، لكن نعمة الله تستطيع أن ترفع الفكر فوق الأحداث، وتسنده ضد كل هجوم فيمتليء بسلامٍ إلهيٍ فائقِ. عندئذ ينفتح لسان القلب الداخلي ليرنم، قائلاً: "عند كثرة همومي في داخلي تعزياتك تلذذ نفسي" (مز 94: 19).

٢. نجاح الكنيسة

إذ كانت الكنيسة مُحاصرة بالضيق من اليهود كما من الأمم سحب الرسول فكرها بالروح القدس إلى النجاح الذي حققته في حياتها الروحية بالرب، فحدثها عن ثلاثة أمور:

أ. شكره لله على نجاحهم وصلاته من أجلهم [2].

ب. ابرز الجوانب الطيبة في حياتهم [٣-٦].

ج. صيرورتهم قدوة للجميع [٧-١٠].

أ . شكره لله على نجاحهم وصلاته من أجلهم

"نشكر الله كل حين من جهتكم، ذاكرين إياكم في صلواتنا" [٢]. إذ يرى الرسول نجاح كنيسة التسالونيكيين الناشئة يقدم هو ورفيقاه، القديسان تيموثاوس وسيلا، الشكر لله في كل حين، كما يصلون من أجلهم ليزدادوا نموًا. حقا إنه راعٍ حكيم لا تسحبه الآلام عن النظر إلى النفع الروحي للمتألمين، لهذا وإن كان يئن معهم مشاركًا إياهم آلامهم، لكنه في نفس الوقت يقدم الشكر لله من أجل البركات الروحية التي ينعمون بها وسط ضيقتهم. بهذه الكلمات أيضًا يرفع الرسول شعبه فوق الآلام الخارجية، الأمر الذي كما أظن كان غاية هذه الرسالة، ومن ناحية أخرى يؤكد لهم أن سرّ كل بركة روحية ونجاح في حياتهم هو الله نفسه، رافعًا إياهم نحو التواضع. وأخيرًا فإنه إذ يذكرهم في صلواته يعلن صدق حبه لهم.

ب . إيمانهم ورجاؤهم ومحبتهم

يحول الرسول بولس أنظار شعبه عن التفكير في الأحداث الجارية إلى التأمل في عمل نعمة الله داخلهم خلال الإيمان والرجاء والمحبة، إذ يقول: "متذكرين بلا انقطاع عمل إيمانكم، وتعب محبتكم، وصبر رجائكم ربنا يسوع المسيح أمام الله وأبينا" [٣]. كأنه يسألهم إلاَّ ينشغل فكرهم في شيءٍ غير هذه الأمور، متذكرين بلا انقطاع عمل الله فيهم خلال أعمال إيمانهم وتعب محبتهم وصبر رجائهم. إنه يود أن يتأملوا على الدوام في الإيمان والمحبة والرجاء، لا خلال مفاهيم نظرية عقلية بحتة، وإنما كما يعيشونها عمليًا، ناسبًا للإيمان العمل، وللمحبة التعب وللرجاء الصبر.

ماذا يقصد بقوله "عمل إيمانكم"؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من يؤمن يحتمل الكثير، فإن إيمان الإنسان يظهر خلال أعماله. لهذا بحق يُقال أن الإيمان ليس أمرًا مجردًا، وإنما يعلن خلال أعمالكم وثباتكم وغيرتكم.]

ويتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن "تعب المحبة"، قائلاً: [أي تعب هو للمحبة؟...حينما تثور آلاف الأمور لتسحبنا بعيدًا عن المحبة، فنقف نحن أمام جميعها، أفلا يحسب هذا تعبًا؟]

لعل الرسول يشير بقوله "تعب محبتكم" إلى ما رود في سفر الأعمال (١٧ : ٥-٦) عن ياسون وأهل بيته كيف احتملوا الكثير من أجل محبتهم للرسولين بولس وسيلا، ومن أجل محبتهم للإنجيل، عندما ثار الأشرار عليهم وقدموهم أمام حكام المدينة.

أخيرًا إذ لم يتوقف الضيق الذي حلَّ بالكنيسة منذ بدء انطلاقها، بل استمر حتى بعد ترك الرسولين المدينة، واجهت الكنيسة الناشئة حديثًا بصبر من أجل رجائها في الملكوت، وانتظارها لعريسها الحقيقي ربنا يسوع المسيح، لهذا يكمل الرسول: "وصبر رجائكم ربنا يسوع المسيح أمام الله وأبينا".

هذه هي الأمور الثلاثة التي من أجلها يقدم الرسول الشكر لله، والتي يركز أنظاره عليها أثناء صلواته عن هذه الكنيسة: عمل إيمانهم، تعب محبتهم، وصبر رجائهم. هذه الأمور في الحقيقة تمثل وحدة واحدة لا يمكن تقسيمها أو فصلها عن بعضها البعض، فإن كان الإيمان بكلمة الحق يدفع المؤمن للعمل لحساب الملكوت الأبدي، فإنه يفتح القلب بالحب لله والناس، فيشتهي المؤمن لا أن يعمل بل يتعب، مسرعًا بنفسه إلى الصليب عوض الراحة الزمنية، وإذ يفتح قلبه بالحب يرى السماوات كأنها مُعلنه قدامه فيترجى التمتع بكمال مجدها. فلا يئن من الضيق والتعب، بل يحمل صبر المسيح الذي "من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي" (عب ١٢: ٢). حقًا تحل الأبدية فيزول الإيمان إذ نرى الله وجهًا لوجه، وينتهي الرجاء إذ ننعم بما كنا نترجاه، لكنه تبقى المحبة التي لا تسقط أبدًا (١ كو ١3: ٨)، هذه التي قامت على أساس الإيمان، وانطلق لهيبها خلال الرجاء. في بقاء الحب الأبدي تكريم للإيمان وتتويج للرجاء!

أما سرّ نجاح مؤمني تسالونيكي وتمتعهم بالإيمان الحي والمحبة والرجاء فهو اختيار الله لهم كأولاد له، إذ يقول الرسول: "عالمين أيها الإخوة المحبوبون من الله اختياركم" [٤]. وكأن الرسول يؤكد لهم أن سرّ القوة فيهم وسط آلامهم ليس منهم بل من الله الذي أحبهم ويحبهم. إنه العامل فيهم من أجل اختياره لهم وهكذا بقدر ما خشي الرسول لئلا يتحطموا بسبب ثقل الضيقات المحيطة بهم وبه كان يحدثهم عن نجاحهم الروحي مفتخرًا بهم. كان حريصًا أيضًا لئلا يسقطوا في الكبرياء بسبب صبرهم على التجارب، فكان يوجه أنظارهم نحو الله الذي أحبهم أولاً، لأنه اختارهم، ولا يزال يعمل فيهم حتى يدخل بهم إلى أمجاده. ما أحوج الكنيسة إلى الراعي الحكيم الذي يسند شعب الله بالكلمات المفرحة التي تبعث في النفوس الرجاء والثقة، وفي نفس الوقت بلا تملق أو مداهنة يوجههم إلى الله الذي وحده سرٍّ نجاحهم ونموهم!

ولعل كلمات الرسول: "عالمين أيها الإخوة المحبوبون من الله اختياركم" يقصد بها الكشف عن سرّ حب الرسول نفسه لهم وجهاده من أجلهم. كأنه يقول: إن كان الله يحبكم وقد اختاركم أولادًا له، فهل أكف عن العمل ليلاً ونهارًا في خدمتكم لتحقيق غاية الله فيكم؟ هذه هي نظرة الراعي الحكيم للخدمة، فإنه لا يعمل في كرم بشري لحساب الناس، لكنه يخدم البشرية خليقة الله المحبوبة لديه والتي يشتهي الله خلاصها والدخول بها إلى أمجاده الأبدية، فيعمل لحساب الله، ومن خلاله وبإمكانيات الله!

إدراك الرسول بولس حب الله لهم واختياره لهم جعل كرازته لهم ليست مجرد كلمات ينطق بها، أو فلسفة يقدمها لهم، وإنما بالحق قوة قادرة على تجديد حياتهم، فدخل إليهم بالروح القدس في يقينٍ شديدٍ أن الله يعمل فيهم. وكما يقول الرسول: "إن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط، بل بالقوة أيضًا، وبالروح القدس وبيقين شديد، كما تعرفون أي رجال كنا بينكم من أجلكم" [٥]. وكأن الرسول بولس يؤكد لهم أن حب الله لهم واختيارهم من قبله قدم له ثلاث إمكانيات للعمل بينهم: "القوة، والروح القدس، واليقين الشديد". هذه الإمكانيات هي سرّ نجاحه.

لقد انطلق إليهم يحمل "القوة". أي قوة الإنجيل للخلاص. الله الذي اختارهم قدم لهم الخلاص بقوة خلال الصليب أو الإنجيل، فجاء الرسول مختفيًا في هذا الصليب بالإنجيل، فلم يقدم لهم كلمات مجردة، بل سرّ الحياة الجديدة القوية خلال الصليب. لم يدخل إليهم هزيلاً، بل تسلح بالإنجيل القادر أن يأسر الإنسان في الحب الإلهي، ويدخل به إلى ملكوت الله، ليحيا كابن لله بقوة الروح.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 


6 توت 1736 ش
17 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس أشعياء النبي بن آموص سنة 913 ق م
استشهاد القديسة باشيليا (باسيليا)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك