إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

فى حالة الخطية ينفصل القلب عن الله فإن صارت محبته للعالم كاملة يكون أنفصاله عن الله كاملاً

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى

+ تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +



تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

نجاح الكنيسة في تسالونيكي


اعتاد الرسول بولس أن يبدأ رسائله بإبراز الجوانب الطيبة لتشجيع من يكتب إليهم، فلا يتحدث عن المشاكل أو الضعفات مهما تفاقمت أو بلغت خطورتها إلاَّ بعد أن يشجع، فاتحًا باب الرجاء أمام الجميع. وهنا إذ يكتب إلى كنيسة تئن من الضيق، يعلن في وضوح عن نجاحها في حياتها الإيمانية العملية، وشهادتها للسيد المسيح أمام كنائس أخرى.

1. مقدمة الرسالة 1.

2. نجاح الكنيسة

أ. شكره لله على نجاحهم 2.

ب. إيمانهم، ورجاؤهم ومحبتهم 3-6.

ج. صيرورتهم قدوة للجميع 7-10.

١. مقدمة الرسالة

"بولس وسلوانس وتيموثاوس إلى كنيسة تسالونيكي،، في الله الآب والرب يسوع المسيح. نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع" [1].


ليس للرسول بولس مقدمة ثابتة يفتتح بها كل رسائله، وإنما يكتب لكل رسالة المقدمة التي تناسبها. وهنا إذ يكتب إلى كنيسة تئن من الضيق، نلاحظ في مقدمته الآتي:

أ. يذكر الرسول اسمه "بولس" دون الإشارة إلى لقبه الرسولي، لأن الإنسان في وسط الضيق يود أن يجد الكل حوله بلا ألقاب ولا كلفة، إنما يتحدث معهم بروح الصداقة الأخوية. ولعله لذات السبب يضم إلى اسمه سلوانس وتيموثاوس كأنهما شريكان معه في كتابة الرسالة، مع أنه هو الكاتب لها وحده. لقد أراد في تواضع أن يؤكد للمؤمنين أنه ليس وحده يحمل إليهم مشاعر الحب والحنو وسط ضيقتهم، وإنما يشاركه في ذلك كل من اشترك في خدمتهم.

يا له من راعٍ محبٍ مملوء تواضعًا, يدخل وسط الحملان كحمل معهم يشاركهم آلامهم, لا ليربطهم به شخصيًا لحساب كرامته الخاصة، وإنما ليعلن لهم محبة كل راعٍ، فيلمسوا محبة المسيح لهم فيه كما في غيره!

ب. يوجه الكاتب رسالته "إلى كنيسة التسالونيكيين" في الله الآب والرب يسوع. فقد ضمت الكنيسة الحديثة في ذلك أعضاء من اليهود كما من الأمم، لكن الكل صار كنيسة واحدة، بدخولها في "الرب يسوع المسيح" كجسده الواحد المقدس، لتجد لها موضعًا في الله الآب، لأنه حيث يوجد الابن تكون معه كنيسته في الأحضان الأبوية. وكما يقول السيد: "حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا... ليس أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي" (يو 14: 3، 6)

ج. يلقب الرسول الله "أبانا"، فالمؤمنون محتاجون في ضيقتهم إلى التمتع بأبوة الله الحانية، وإدراك اهتمامه بخلاصهم ومن ناحية أخرى إذ يكتب الرسول في صلب رسالته عن أبوته لهم أراد في المقدمة أن يؤكد أبوة الله نفسه التي هي مصدر كل أبوة روحية وجسدية.

د. يطلب لهم الرسول النعمة والسلام؛ فإن السلام الحقيقي الداخلي لا يتحقق برفع الآلام التي تحل بنا، وإنما بتمتعنا بنعمة الله الخفية. ففي وسط الضيق يحاصر الإنسان بأفكار قاتمة قادرة على تحطيم سلامه الداخلي، لكن نعمة الله تستطيع أن ترفع الفكر فوق الأحداث، وتسنده ضد كل هجوم فيمتليء بسلامٍ إلهيٍ فائقِ. عندئذ ينفتح لسان القلب الداخلي ليرنم، قائلاً: "عند كثرة همومي في داخلي تعزياتك تلذذ نفسي" (مز 94: 19).

٢. نجاح الكنيسة

إذ كانت الكنيسة مُحاصرة بالضيق من اليهود كما من الأمم سحب الرسول فكرها بالروح القدس إلى النجاح الذي حققته في حياتها الروحية بالرب، فحدثها عن ثلاثة أمور:

أ. شكره لله على نجاحهم وصلاته من أجلهم [2].

ب. ابرز الجوانب الطيبة في حياتهم [٣-٦].

ج. صيرورتهم قدوة للجميع [٧-١٠].

أ . شكره لله على نجاحهم وصلاته من أجلهم

"نشكر الله كل حين من جهتكم، ذاكرين إياكم في صلواتنا" [٢]. إذ يرى الرسول نجاح كنيسة التسالونيكيين الناشئة يقدم هو ورفيقاه، القديسان تيموثاوس وسيلا، الشكر لله في كل حين، كما يصلون من أجلهم ليزدادوا نموًا. حقا إنه راعٍ حكيم لا تسحبه الآلام عن النظر إلى النفع الروحي للمتألمين، لهذا وإن كان يئن معهم مشاركًا إياهم آلامهم، لكنه في نفس الوقت يقدم الشكر لله من أجل البركات الروحية التي ينعمون بها وسط ضيقتهم. بهذه الكلمات أيضًا يرفع الرسول شعبه فوق الآلام الخارجية، الأمر الذي كما أظن كان غاية هذه الرسالة، ومن ناحية أخرى يؤكد لهم أن سرّ كل بركة روحية ونجاح في حياتهم هو الله نفسه، رافعًا إياهم نحو التواضع. وأخيرًا فإنه إذ يذكرهم في صلواته يعلن صدق حبه لهم.

ب . إيمانهم ورجاؤهم ومحبتهم

يحول الرسول بولس أنظار شعبه عن التفكير في الأحداث الجارية إلى التأمل في عمل نعمة الله داخلهم خلال الإيمان والرجاء والمحبة، إذ يقول: "متذكرين بلا انقطاع عمل إيمانكم، وتعب محبتكم، وصبر رجائكم ربنا يسوع المسيح أمام الله وأبينا" [٣]. كأنه يسألهم إلاَّ ينشغل فكرهم في شيءٍ غير هذه الأمور، متذكرين بلا انقطاع عمل الله فيهم خلال أعمال إيمانهم وتعب محبتهم وصبر رجائهم. إنه يود أن يتأملوا على الدوام في الإيمان والمحبة والرجاء، لا خلال مفاهيم نظرية عقلية بحتة، وإنما كما يعيشونها عمليًا، ناسبًا للإيمان العمل، وللمحبة التعب وللرجاء الصبر.

ماذا يقصد بقوله "عمل إيمانكم"؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من يؤمن يحتمل الكثير، فإن إيمان الإنسان يظهر خلال أعماله. لهذا بحق يُقال أن الإيمان ليس أمرًا مجردًا، وإنما يعلن خلال أعمالكم وثباتكم وغيرتكم.]

ويتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن "تعب المحبة"، قائلاً: [أي تعب هو للمحبة؟...حينما تثور آلاف الأمور لتسحبنا بعيدًا عن المحبة، فنقف نحن أمام جميعها، أفلا يحسب هذا تعبًا؟]

لعل الرسول يشير بقوله "تعب محبتكم" إلى ما رود في سفر الأعمال (١٧ : ٥-٦) عن ياسون وأهل بيته كيف احتملوا الكثير من أجل محبتهم للرسولين بولس وسيلا، ومن أجل محبتهم للإنجيل، عندما ثار الأشرار عليهم وقدموهم أمام حكام المدينة.

أخيرًا إذ لم يتوقف الضيق الذي حلَّ بالكنيسة منذ بدء انطلاقها، بل استمر حتى بعد ترك الرسولين المدينة، واجهت الكنيسة الناشئة حديثًا بصبر من أجل رجائها في الملكوت، وانتظارها لعريسها الحقيقي ربنا يسوع المسيح، لهذا يكمل الرسول: "وصبر رجائكم ربنا يسوع المسيح أمام الله وأبينا".

هذه هي الأمور الثلاثة التي من أجلها يقدم الرسول الشكر لله، والتي يركز أنظاره عليها أثناء صلواته عن هذه الكنيسة: عمل إيمانهم، تعب محبتهم، وصبر رجائهم. هذه الأمور في الحقيقة تمثل وحدة واحدة لا يمكن تقسيمها أو فصلها عن بعضها البعض، فإن كان الإيمان بكلمة الحق يدفع المؤمن للعمل لحساب الملكوت الأبدي، فإنه يفتح القلب بالحب لله والناس، فيشتهي المؤمن لا أن يعمل بل يتعب، مسرعًا بنفسه إلى الصليب عوض الراحة الزمنية، وإذ يفتح قلبه بالحب يرى السماوات كأنها مُعلنه قدامه فيترجى التمتع بكمال مجدها. فلا يئن من الضيق والتعب، بل يحمل صبر المسيح الذي "من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي" (عب ١٢: ٢). حقًا تحل الأبدية فيزول الإيمان إذ نرى الله وجهًا لوجه، وينتهي الرجاء إذ ننعم بما كنا نترجاه، لكنه تبقى المحبة التي لا تسقط أبدًا (١ كو ١3: ٨)، هذه التي قامت على أساس الإيمان، وانطلق لهيبها خلال الرجاء. في بقاء الحب الأبدي تكريم للإيمان وتتويج للرجاء!

أما سرّ نجاح مؤمني تسالونيكي وتمتعهم بالإيمان الحي والمحبة والرجاء فهو اختيار الله لهم كأولاد له، إذ يقول الرسول: "عالمين أيها الإخوة المحبوبون من الله اختياركم" [٤]. وكأن الرسول يؤكد لهم أن سرّ القوة فيهم وسط آلامهم ليس منهم بل من الله الذي أحبهم ويحبهم. إنه العامل فيهم من أجل اختياره لهم وهكذا بقدر ما خشي الرسول لئلا يتحطموا بسبب ثقل الضيقات المحيطة بهم وبه كان يحدثهم عن نجاحهم الروحي مفتخرًا بهم. كان حريصًا أيضًا لئلا يسقطوا في الكبرياء بسبب صبرهم على التجارب، فكان يوجه أنظارهم نحو الله الذي أحبهم أولاً، لأنه اختارهم، ولا يزال يعمل فيهم حتى يدخل بهم إلى أمجاده. ما أحوج الكنيسة إلى الراعي الحكيم الذي يسند شعب الله بالكلمات المفرحة التي تبعث في النفوس الرجاء والثقة، وفي نفس الوقت بلا تملق أو مداهنة يوجههم إلى الله الذي وحده سرٍّ نجاحهم ونموهم!

ولعل كلمات الرسول: "عالمين أيها الإخوة المحبوبون من الله اختياركم" يقصد بها الكشف عن سرّ حب الرسول نفسه لهم وجهاده من أجلهم. كأنه يقول: إن كان الله يحبكم وقد اختاركم أولادًا له، فهل أكف عن العمل ليلاً ونهارًا في خدمتكم لتحقيق غاية الله فيكم؟ هذه هي نظرة الراعي الحكيم للخدمة، فإنه لا يعمل في كرم بشري لحساب الناس، لكنه يخدم البشرية خليقة الله المحبوبة لديه والتي يشتهي الله خلاصها والدخول بها إلى أمجاده الأبدية، فيعمل لحساب الله، ومن خلاله وبإمكانيات الله!

إدراك الرسول بولس حب الله لهم واختياره لهم جعل كرازته لهم ليست مجرد كلمات ينطق بها، أو فلسفة يقدمها لهم، وإنما بالحق قوة قادرة على تجديد حياتهم، فدخل إليهم بالروح القدس في يقينٍ شديدٍ أن الله يعمل فيهم. وكما يقول الرسول: "إن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط، بل بالقوة أيضًا، وبالروح القدس وبيقين شديد، كما تعرفون أي رجال كنا بينكم من أجلكم" [٥]. وكأن الرسول بولس يؤكد لهم أن حب الله لهم واختيارهم من قبله قدم له ثلاث إمكانيات للعمل بينهم: "القوة، والروح القدس، واليقين الشديد". هذه الإمكانيات هي سرّ نجاحه.

لقد انطلق إليهم يحمل "القوة". أي قوة الإنجيل للخلاص. الله الذي اختارهم قدم لهم الخلاص بقوة خلال الصليب أو الإنجيل، فجاء الرسول مختفيًا في هذا الصليب بالإنجيل، فلم يقدم لهم كلمات مجردة، بل سرّ الحياة الجديدة القوية خلال الصليب. لم يدخل إليهم هزيلاً، بل تسلح بالإنجيل القادر أن يأسر الإنسان في الحب الإلهي، ويدخل به إلى ملكوت الله، ليحيا كابن لله بقوة الروح.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email
حب الله للمؤمنين واختياره لهم قد سلحاه بقوة إنجيل الخلاص، وقدما له روح الله القدوس لكي يعمل فيه للخدمة والكرازة. لقد دخل إليهم بالروح القدس، الذي وحده يقدر أن يعلن محبة الآب لنا المتجسدة في تقديم ابنه فدية عنا. حقًا إن الإنجيل هو قوة الكارز في تحقيق رسالته، لكن لا يقدر الكارز أن يعمل إلاَّ بالروح القدس الذي يجتذب النفوس بقوةٍ إلى دائرة الصليب، وينطلق بها إلى المصالحة مع الله في ابنه، ويدخل بها إلى الحياة الجديدة على المستوى السماوي.

أخيرًا، فإن إدراك الرسول لاختيارهم بواسطة الله جعله يدخل إليهم "بيقين شديد"، مطمئنًا أن خلاص البشر يشتهيه الله نفسه ويعمل على تحقيقه. إنه مطمئن، وفي رجاء أن الله يحقق غايته خلال كرازته. أقول أن سرّ قوة الرسول بولس هو نظرته المملوءة رجاء حتى في وسط الضيقات الخارجية أو الداخلية. إن هاج اليهود أو الأمم أو قامت انقسامات وانشقاقات فإن الرسول يثق أن الله قادر على العمل لتجديد الخليقة. إنه يعمل بغير تشاؤم ولا يأس مهما كانت الظروف!

يقول الرسول بولس: "كما تعرفون أي رجال كنا بينكم من أجلكم" [٥]. وكأنه يقول أن جهادنا وسط الآلام ورعايتنا لكم ليلاً ونهارًا أو والتهاب قلبنا بالعمل الكرازي وسطكم يشهد كيف كنت متسلحًا بالقوة والروح القدس واليقين الشديد. ولكن الفضل ليس لي، وإنما لكم إذ أنتم موضوع حب الله واختياره. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [(حديثه) هنا يمس أعمالهم الصالحة بطريقة خفية، فإنه يرغب في تضخيم مديحهم. وكأنه يقول : إني أعرف أنكم عظماء وشرفاء، إذ أنتم مختارون، لهذا نحتمل كل شيء من أجلكم. فقوله: "أي رجال كنا بينكم من أجلكم" هو تعبير ينطق به من يظهر غيرة عظيمة ونشاطًا زائدًا. إننا مستعدون أن نقدم حياتنا من أجلكم، ومع هذا فالشكر واجب لكم وليس لنا، لأنكم مختارون. ولهذا يقول في موضع آخر: "أنا أصبر على كل شيء لأجل المختارين" (٢ تى 2: 10) فإنه أي شيء لا يحتمله الإنسان من أجل محبوبي الله؟]

أما الذي يفرح قلب الرسول فهو امتثالهم به، بل وبالرب نفسه في احتمالهم الألم بفرح، إذ يقول: "وأنتم صرتم متمثلين بنا وبالرب، إذ قبلتم الكلمة في ضيقٍ كثيرٍ بفرح الروح القدس" [٦]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم:

[يا للعجب! أي مديح هذا، فقد صار التلاميذ معلمين فجأة!

فإنهم لم يسمعوا الكلمة فحسب، وإنما ارتفعوا إلى علو بولس.

إنه يمدحهم قائلاً: "قبلتم الكلمة في ضيق كثير بفرح الروح القدس". قبلوها ليس في ضيقٍ فحسب وإنما في ضيق كثير. هذا ما يخبرنا به سفر أعمال الرسل كيف ثار الاضطهاد ضدهم (أع ١٧ : ٥-٨)، فقد هيج (الأشرار) كل حكام المدينة ضدهم، وأثاروا المدينة عليهم. ولم يقف الأمر عند تألمهم وإيمانهم مع حزنهم وإنما فرحوا، الأمر الذي فعله الرسل، إذ قيل عنهم أنهم (ذهبوا) "فرحين لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه" (أع ٥ : 4١).

هذا هو العجب، فإن احتمال الضيقات ليس بالأمر الهين، ومع ذلك نجد بعضًا من البشر قد تعدوا حدود الطبيعة البشرية، وكأنهم بلا جسد يتأثر بالألم!

ولكن كيف كانوا متمثلين بالرب؟ لأنه احتمل آلامًا كثيرة بفرحٍ، متقدمًا إليها بإرادته، فمن أجلنا أخلى ذاته، وإذ كان الوقت يقترب لكي يُبصق عليه ويُضرب ويُصلب، كان يفرح باحتماله هذه الأمور، قائلاً للآب: "مجدني" (يو ١٧ : ١ -٥)...

ولكن لكي لا يقول أحد: كيف يتحدث عن الضيق والفرح معًا؟ كيف يلتقي الاثنان معًا؟ لهذا يضيف: "بفرح الروح القدس". فيتحقق الضيق في الأمور الجسدية، أما الفرح ففي الروحيات؛ كيف؟ الأمور التي حدثت لهم مؤلمة، لكن الروح لا يتركهم.

لهذا يمكن لمن يتألم ألا يفرح إن كان ذلك بسبب خطاياه، ويمكنه أن يكون مبتهجًا إن تألم من أجل المسيح. هذا هو فرح الروح.

فما يبدوا محزنًا يلد بهجة! يقول الرسول أنهم يضايقونكم ويضطهدونكم، ولكن الروح لا ينساكم حتى في هذه الظروف.

وكما أن الثلاثة فتية في النار تمتعوا بالندى، هكذا أنتم تنتعشون في الضيقات. حقًا إنه ليس من طبيعة النار أن تمطر ندى ... هذا ليس من طبيعة الضيق أن ينتج فرحًا، لكن الروح يلطف الألم متى كان من أجل المسيح، ففي أتون النار يكون (المؤمنون) في راحة.]

لقد وعدنا السيد بالألم لكن ليس بدون الفرح ، إذ يقول: "فأنتم كذلك عندكم الآن حزن، ولكن سأراكم أيضا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم... قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا (أفرحوا) أنا غلبت العالم "(يو 16 : 22، 32).

ج . صيرورتهم قدوة للجميع

"حتى صرتم قدوة لجميع الذين يؤمنون في مكدونية وفي آخائية" [٧]. لقد آمنت مكدونية بالسيد المسيح قبل تسالونيكي، لكن الأخيرة صارت مثالاً وقدوة للأولى. لقد صارت كمعلمة ليس لغير مؤمنين بل لمؤمنين سبقوهم في الإيمان. في وقت قصير قبلت تسالونيكي الإيمان وصارت مثلاً حيًا ليس فقط لمكدونية التي في الشمال والتي تُعتبر تسالونيكي من أهم مدنها، وإنما أيضًا لآخائية في الجنوب. وكأن أثرها قد امتد شمالاً وجنوبًا.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [ليته لا ييأس أحد قط حتى وإن كان قد أضاع زمنًا طويلاً دون أن يفعل شيئًا، فإنه يستطيع في وقت قصير جدًا أن يحقق الكثير مما لم يسبق له عمله في الماضي. إن كان الذين لم يكونوا قبلاً مؤمنين قد صاروا هكذا مشرقين منذ بداية إيمانهم، فكم بالحري يمكن للذين كانوا مؤمنين من قبل أن يفعلوا هكذا (أي منذ ميلادهم)؟]

يكمل القديس بولس حديثه عن فاعلية حياتهم الجديدة وإيمانهم الممتدة في كل موضع، إذ يقول:

"لأنه من قبلكم قد أذيعت كلمة الرب، ليس فقط في مكدونية وآخائية، بل في كل مكانٍ أيضًا قد ذاع إيمانكم بالله، حتى ليس في حاجة أن نتكلم شيئًا، لأنهم هم يخبرون عنا أي دخول كان لنا إليكم، وكيف رجعتم إلى الله من الأوثان لتعبدوا الله الحي الحقيقين وتنتظروا ابنه من السماء الذي أقامه من الأموات، يسوع الذي ينقذنا من الغضب الآتي" [٨ -١٠].

وللقديس يوحنا الذهبي الفم تعليق جميل على هذه العبارات، إذ يقول: [كما أن الطيب الزكي الرائحة لا يحتفظ برائحته الكامنة فيه، وإنما ينشرها إلى مسافات بعيدة، معطرًا الهواء بنسماته، فيتقبله الجيران، هكذا أيضًا مشاهير الناس وعظماؤهم لا يغلقون على فضائلهم في داخلهم، وإنما يربحون بسمعتهم الطيبة الكثيرين ويحولونهم إلى حياة أفضل. هذا هو ما حدث هنا... وكأنه يقول لهم: لقد أشبعتم جيرانكم بالتعليم وملأتم العالم بالدهشة!]

إن قوله "قد أذيعت" إنما يعبر عن نوع من القوة الروحية لإيمانهم وحيويته، فقد سمع العالم بإيمانهم، كأنه قد أذيع للجميع، ولم تعد هناك حاجة إلى حديث الرسول عنه، إذ يقول: "حتى ليس لنا حاجة أن نتكلم شيئًا". كانت حياتهم الإيمانية العملية تحمل شهادة داخلية، وكأنها بوق عالٍ يدوي لا في الولايات المحيطة بهم فحسب وإنما على مسافات متباعدة جدًا. وقد سُمع صوته "في كل مكان". لقد كان الرسول يود أن يتحدث عنهم كمثال حيّ يشهد به عن عمل الله في الإنسان، لكن الذين رأوهم في قوة حياتهم شهدوا لهم مبوقين في كل موضع، وكأنهم قاموا بالرسالة التي اشتهى الرسول أن يتممها!

ماذا يقصد بقوله: "لأنهم هم يخبرون عنا أي دخول كان لنا إليكم!" لعله أراد أن يعلن لهم أن حياتهم الروحية المجيدة وسط الضيقات والآلام لم تذع مجدهم الروحي، فحسب وإنما أيضًا قدمت تطويبًا للرسول نفسه، فصار الكل يتحدثون عن دخوله إليهم ومعه سيلا، وكيف خدما هناك وحولا هؤلاء الرجال إلى الإيمان الحي بالله القادر أن يقيمهم من الموت إلى الحياة. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذا التعبير إنما يوضح دخول السيد إليهم في وسط مخاطر وميتات كثيرة قبلها بفرح وها هم الآن يحملون المخاطر كما سبق فاحتملها الرسول ... أما سر احتمال الألم بفرح سواء بالنسبة للرسول أو لهم فهو إيمانهم بالقائم من الأموات.

هنا يوجه الرسول أنظارهم وهم وسط الضيق إلى الآب السماوي الذي أطاعه الابن نيابة عنا محتملاً الموت، فأقامه بالإرادة، أما الابن فقام بقوته وسلطانه كقوله: "لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها" (يو 10: 18).

1 بولس و سلوانس و تيموثاوس الى كنيسة التسالونيكيين في الله الاب و الرب يسوع المسيح نعمة لكم و سلام من الله ابينا و الرب يسوع المسيح
2 نشكر الله كل حين من جهة جميعكم ذاكرين اياكم في صلواتنا
3 متذكرين بلا انقطاع عمل ايمانكم و تعب محبتكم و صبر رجائكم ربنا يسوع المسيح امام الله و ابينا
4 عالمين ايها الاخوة المحبوبون من الله اختياركم
5 ان انجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوة ايضا و بالروح القدس و بيقين شديد كما تعرفون اي رجال كنا بينكم من اجلكم
6 و انتم صرتم متمثلين بنا و بالرب اذ قبلتم الكلمة في ضيق كثير بفرح الروح القدس
7 حتى صرتم قدوة لجميع الذين يؤمنون في مكدونية و في اخائية
8 لانه من قبلكم قد اذيعت كلمة الرب ليس في مكدونية و اخائية فقط بل في كل مكان ايضا قد ذاع ايمانكم بالله حتى ليس لنا حاجة ان نتكلم شيئا
9 لانهم هم يخبرون عنا اي دخول كان لنا اليكم و كيف رجعتم الى الله من الاوثان لتعبدوا الله الحي الحقيقي
10 و تنتظروا ابنه من السماء الذي اقامه من الاموات يسوع الذي ينقذنا من الغضب الاتي


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

أبوة الرسول للمتألمين


كان أهل تسالونيكي وسط آلامهم في حاجة إلى التلامس مع أبوة الرسول الروحية الحانية، لذلك كتب إليهم يفيض عليهم بحنوٍ فائقٍ نابعٍ من القلب، مؤكدًا لهم أنه يشعر معهم بآلامهم ولا يتجاهل مشاعرهم، مؤكدًا مدى اشتياقه إلى الحضور إليهم ليكون قريبًا منهم بالجسد كما بالقلب في هذه الفترة القاسية.

1. أبوة الرسول ١ - ١٢.

2. تألم الكنيسة في تسالونيكي ١٣ - ١٦.

3. شوق الرسول إليهم ١٧ - ٢٠.

١. أبوة الرسول

إذ أراد الرسول أن يكشف عن صدق أبوته لهم في المسيح يسوع أكد لهم أنه لا ينطق بكلمات جوفاء للتملق، إنما ينطلق من أتعابٍ إلى أتعابٍ جديدةٍ، من أجل المجاهرة بكلمة الإنجيل في كل موضع في أبوة روحية صادقة، قائلاً: "لأنكم أنتم أيها الإخوة تعلمون دخولنا إليكم أنه لم يكن باطلاً، بل بعدما تألمنا قبلاً، وبُغي علينا كما تعلمون في فيلبي، جاهرنا في إلهنا أن نكلمكم بإنجيل الله في جهادٍ كثيرٍ" [1-٢]. وكأنه يعود بذاكرتهم إلى خدمته في فيلبي قبل مجيئه إليهم (أع ١٦) حيث احتمل تمزيق ثيابه والضرب بالعصي وإلقاءه في السجن الداخلي وربط رجليه في المقطرة (أع ١٦ :٢٤)، وكان يمكنه أن يدافع عن نفسه بكونه رومانيًا، لكنه فضل أن يحتمل من أجل المناداة بالإنجيل. فكرز لحافظ السجن وبيته. وحينما التزم بالمجيء إليهم لم يكن ذلك هروبًا من الضيق الذي حلّ به في فيلبي، وإنما جاء ليجاهر بكلمة الإنجيل "في جهادٍ كثيرٍ".

وإن كانوا هم يعانون من الألم بسبب حق الإنجيل، فإنه وهو أبوهم الروحي تألم أيضًا من أجل الكرازة بالإنجيل، حاسبًا أن احتماله للآلام والإهانات علامة حية على دخوله إليهم للكرازة بالأخبار السارة الإلهية بطريقة فعالة. لقد أكد لهم أن دخوله إليهم لم يكن باطلاً، إذ تألم قبلاً واحتمل الظلم في فيلبي، ومع ذلك لم يتوقف عن الجهاد المستمر من أجل الكرازة.

يقول الأب غريغوريوس (الكبير): [أعلن الكارز القديس أن دخوله كان يحسب بلا فاعلية لو لم يعامل معاملة سيئة، أما أنت فترفض احتمال الشرور.]

كأن الرسول يجعل من احتمال الآلام والظلم علامة رئيسية على صدق رسالته وفاعلية كرازته بالإنجيل الإلهي.

وفي أبوته العملية خلال إنجيل الله احتمل الآلام ليعلن كلمة الله من أجل الله وليس إرضاءً للناس، إذ يقول: "لأن وعظنا ليس عن ضلال ولا عن دنس ولا بمكر، بل كما استحسنا من الله نؤتمن على الإنجيل، هكذا نتكلم لا كأننا نرضي الناس، بل الله الذي يختبر قلوبنا" [٣-٤]. وكأنه يقول لأولاده: "إذ أؤمن برسالة الإنجيل كعملٍ إلهيٍ قدمته إليكم وسط الآلام الكثيرة، لهذا لاق بكم وقد عرفتم الإنجيل أن تقبلوه أنتم أيضًا وسط الآلام. لقد اؤتمنت على الإنجيل عن حق بلا ضلال ولا دنس وفي غير مكرٍ، وأنتم تتلمذون عليّ لتحملوا ذات الروح".

وإن كانت الآلام المستمرة من الخارج والجهاد الشخصي الكثير علامة فاعلية رسالته الإنجيلية، فإن صدق رسالته إنما ينبعث عن إعلانه الحق "بغير ضلال"، في حياة مقدسة "بلا دنس"، وبقلب محب "بلا مكر"، لكي يكون الوعظ إنجيلاً إلهيًا حيًا، يليق بمن يقدمه أن يحمل هذه الشروط الثلاثة: الحق والقداسة والحب!

أما إن تسرب الضلال (الهرطقة) أو الدنس أو المكر إليه فإنه يفقد عمله الكرازي، ويشوه إنجيل الله. هذه الأمور الثلاثة خفية في القلب يعرفها الله "الذي يختبر قلوبنا".

ويؤكد الرسول بولس أنه لا يكرز لإرضائهم، ولا لإرضاء غيرهم، بل الله نفسه مختبر قلبه، فهو لا يتألم بسببهم، بل لأجل الله الذي دعاه للخدمة، مقدمًا لهم الحق بحياة مقدسة خلال قلبه المتسع حبًا، بكونه أبًا لهم ليس خلال أبوة جسدية أرضية، وإنما أبوة في الله أبيهم.

أبوته لهم في الله تلزمه وسط الآلام أن يجاهد كثيرًا ليقدم لهم حق الإنجيل بغير ضلالٍ، معلنًا في حياته التي بلا دنس ونابعًا عن قلبه الذي بلا مكر. فلا يطلب إلاَّ العمل الإنجيلي دون انتظار مكافأة مادية أو معنوية. "فإننا لم نكن قط في كلام تملق كما تعلمون، ولا علة طمع، الله شاهد. ولا طلبنا مجدًا من الناسن لا منكم، ولا من غيركم، مع أننا قادرون أن نكون في وقارٍ كرسل المسيح" [٥-٦].

من حقه أن يكون في وقارٍ كرسول للسيد المسيح، ويطلب من المؤمنين تكريمه، ويستخدم سلطانه، لكن الرعاية في قلبه أولاً وقبل كل شيء أبوة لا تطلب ما لنفسها، بل ما هو للآخرين! حقًا أمران يفسدان حياة الخادم أو الكارز: طلب مجد الذات والطمع. والأمران في حقيقتهما هما تمركز حول الأنا، فيطلب الخادم ما لنفسه عوض ما للآخرين.، ويأخذ عوض أن يعطي، ويخدم ذاته بالإنجيل عوضًا عن أن يخدم الإنجيل بحياته.

يشبه الرسول نفسه بالأم المرضعة التي تهتم برضيعها، فإنها تحنو عليه وتهتم به ليس بغية مجدٍ زمني، ولا طمعًا في مال، وإنما حبًا برضيعها. "كنا مترفقين في وسطكم، كما تربي المرضعة أولادها. هكذا إذ كنا حانين إليكم كما نرضي أن نعطيكم، لا إنجيل الله فقط، بل أنفسنا أيضًا، لأنكم صرتم محبوبين إلينا" [ ٧-8].

إنه أب مملوء حنوًا وترفقًا يعيش في وسطهم. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على التعبير "في وسطكم" هكذا كأنه يقول: "إني كنت كواحدٍ منكم لا أتعالى". ما أحوج الرعاة أن ينمو كل يوم ليبلغوا قامة ملء المسيح الذي حلّ في وسط شعبه كواحدٍ منهم بلا تعالٍ ولا كبرياء! إن موضوع جهاد الراعي الحكيم إنما يكون لا في التدريب على قوة البيان والقدرة على الخطابة، وإنما على دخوله وسط أولاده الروحيين كواحدٍ منهم، يتدرب على استعباد نفسه لهم وغسيل أقدامهم، فيحمل روح الوالدية الروحية وتلتحم كلماته الكرازية بتقديم نفسه باذلاً كل حياته من أجلهم. وإن كان الله قد أعلن رعايته لأولاده بالحب خلال الكرازة بالصليب، فإن هذه الكرازة يكون لها فاعليتها، حينما تلتحم برعاية الكارز أيضًا لهم في الله، مقدمًا نفسه لخدمتهم في الرب.

يقدم الرسول نفسه كمرضعة مملوءة حنوًا على أطفالها الصغار بقلب متسع للجميع. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس شيء أكثر اتساعًا من قلب بولس الذي أحب كل المؤمنين بكل غيرة. ولم تكن محبته جزئية ولا ضعيفة، بل كان يقدمها بكمالها لكل أحد، والعجيب أن محبته نحو المؤمنين هي بعينها لغير المؤمنين، فكان قلب بولس يحتضن العالم كله.]

وقد جاءت كلمة "مترفقين" [٧] في اليونانية بمعنى "رضع"، وقد ترجمها بعض الآباء هكذا في كتاباتهم: "كنا كرضع في وسطكم". وكأن الرسول بولس وهو يقدم نفسه كأم مترفقة بأطفالها الرضع تود أن تقدم حياتها لهم، إذا به يظهر في وسطهم أيضًا كرضيعٍ بين الرضع، معلنًا بساطة تعامله معهم. حقًا إن المؤمنين محتاجون أن يروا رعاتهم في وسطهم يسلكون معهم بروح البساطة والوداعة بعيدًا عن روح السلطة!

ونستطيع أن نرى الرسول بولس كحاملٍ لسمات السيد المسيح، الذي صار جنينًا في أحشاء العذراء مريم ليشارك الأجناء حياتهم، وصار رضيعًا ليفرح به الرضع، ويقبلوا صداقته فتنطلق ألسنتهم الروحية بالتسبيح. وصار طفلاً ليرفع من شأن الطفولة جاذبًا إليه الأطفال كأصدقاء له. هكذا إذ يرى الرسول بولس مخدوميه كرضع يحتاجون إلى حنو الأم المرضعة لا يتقدم لهم فقط بهذا الفكر ليحتضنهم ويقوتهم، وإنما أيضًا صار كرضيعٍ بينهم ليستريحوا إليه.

هذا وقد جاءت كلمة "تربي" في عبارته "كما تربي المرضعة أولادها" بمعنى "تعطي دفئًا"، واستخدمت في العهد القديم للتعبير عن احتضان الطير فراخه الصغار (تث ٢٢: ٦)، حيث يشعر الفراخ بدفء حنو الأم. كما استخدمت في العهد الجديد للتعبير عن علاقة السيد المسيح بكنيسته: "فإنه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه كما الرب أيضًا للكنيسة" (أف ٥: 2٩). هكذا يحنو الرسول على شعب الله كأولادٍ له، وكأنه الطير الذي يحتضن صغاره. أو بالحري يحمل سمات سيده في حنوه نحو الكنيسة واهتمامه بأمورها.

خلال هذا الحب الأبوي أو الوالدي في الرب كان الرسول يقدم لهم إنجيل الله، لكي يختبروا حب الله العملي خلال الصليب، فيقبلوا البنوة له قبل أن يكون أولادًا لبولس. لكن هذه الكرازة لم يقدمها بطريقة وعظية بحتة، إنما قدمها ملتحمة بعطائه كل ما يملك، إن أمكن حتى نفسه وكأنه يقول: إن كنت أقدم لكم إنجيل الله الذي يعلن تقديم الله ابنه فدية عنكم، فإني ككارز بهذا الإنجيل أحمل سمات سيدي، فأقدم أنا أيضًا حياتي لأجلكم إنجيلنا لكم، ليس وعظًا وفلسفة، لكنه حب إلهي عملي، تستطيعون أن تلمسوه فيَّ عمليًا خلال علاقتي بكم.

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم: [كأنه يقول: كنا نريد لو أمكن أن نفني نفوسنا من أجلكم... حقًا إننا نعلن الإنجيل لأن الله أمر به، ولكننا نحن أيضًا نحبكم حتى لو أمكننا أن نقدم نفوسنا لكم.] كما يقول: [يليق بمن يحب أن تكون محبته على مستوى أنه إن طُلبت نفسه منه وأمكنه تقديمها فلا يرفض، لا أقول إن طُلبت وإنما بالحري يسعى بنفسه ليقدمها هدية. فليس شيء أعذب من الحب.]

وفي وضوح أكثر يتحدث الرسول عن أبوته العاملة قائلاً: "فأنكم تذكرون أيها الإخوة تعبنا وكدنا، إذ كنا نكرز بإنجيل الله، ونحن عاملون ليلاً ونهارًا، كي لا نثقل على أحد منكم. أنتم شهود الله بطهارة وببرّ وبلا لوم كنا بينكم أنتم المؤمنين. كما تعلمون كيف كنا نعظ كل واحد منكم، كالأب لأولاده ونشجعكم، ونشهدكم لكي تسلكوا كما يحق لله الذي دعاكم إلى ملكوته ومجده" [٩-١٢].

القديس بولس الرسول كارز الأمم في دول كثيرة، أحنى ظهره ليحمل أثقال الكنائس الناشئة واهتماماتها، لكنه كان يعمل بيديه نهارًا وليلاً حتى لا يثقل على أحد! كأب يتعب في الكرازة كما في عمل اليدين حتى يريح أولاده، ولا يثقل عليهم. وكما كتب إلى أهل كورنثوس يقول: "ألستم تعلمون أن الذين يعملون في الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون، الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح. هكذا أيضًا أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون. أما أنا فلم أستعمل شيئًا من هذا، ولا كتبت هذا لكي يصير فيَّ هكذا، لأنه خير لي أن أموت من أن يعطل أحد فخري" (١ كو ٩: ١٣- ١٥).

بلا شك كان الرسول يتقبل العطايا أحيانًا من الكنائس التي سبق أن كرز بها (فى 4: ١٦)، وبمحبة كان يتقبل أحيانًا دعوة المؤمنين لافتقاد بيوتهم أو الإقامة لديهم. لكنه كان يتمنع بكل قلبه وطاقته عن الأخذ أثناء الكرازة بالإنجيل، حينما تكون الخدمة حديثة حتى لا يتعثر أحد فيه أو يتشكك في أمره. ولكي لا يشعر هو أنه أثقل على أحد. فالإنجيل في عينيه فوق كل اعتبار، وخلاص كل نفسٍٍ لديه فوق كل مصلحة!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email

وإن كان الرسول كأب يقدم حياته مبذولة، متنازلاً حتى عن حقوقه في طلب الضروريات، مهتمًا بوعظهم وخدمتهم للدخول إلى ملكوت الله ومجده، فإن هذا الحب الأبوي يقوم على حياة الرسول المقدسة في الرب، إذ يشهدهم كما يشهد الله نفسه كيف عاش في وسطهم بطهارة وبرِّ (عدل) وبلا لوم. يشهدهم على التصرفات الظاهرة والمشاعر التي يتلمسونها في حياته، ويشهد الله على أعماق قلبه الداخلية. إنه يسلك بالطهارة والبرّ وبلا لوم! ولعله قصد بالطهارة حياته، ويشهد الله على أعماق قلبه الداخلية، أنه يسلك بالطهارة والبرّ وبلا لوم! ولعله قصد بالطهارة حياته المقدسة في علاقته بالله، وبالبرّ أو العدل حياته البارة في علاقته بالآخرين؛ وأما "بلا لوم" فتعني حياته الروحية الداخلية وأمانته مع نفسه. وكأن أبوته الباذلة تستند على حياته في الرب، سواء في علاقته مع الله أو مع الآخرين أو مع نفسه، وإن كان لا يمكن تقسيم الحياة الروحية إلى حياة مع الله وأخرى مع الناس وثالثة مع الإنسان نفسه. فهي حياة واحدة متكاملة من كل الجوانب، لكن يمكننا أن نقول أن الرسول يقصد بكلماته هذه أن حبه الباذل لهم إنما هو جانب من جوانب حياته الجديدة في الرب، والتي تتسم بالطهارة والبرّ وعدم اللوم، أو قل أن عمله الرعوي الأبوي إنما يتكامل مع حياته الروحية المقدسة في الرب!

وبعد أن أعلن الرسول حبه الأبوي أو الوالدي بلا أنانية، وجهاده الكثير من أجل تمتعهم بالإنجيل، وسهره وتقديم حياته شهادة حق للإنجيل، عندئذ يتحدث عن وعظه لهم، ليس فقط على المستوى الجماعي، وإنما على مستوى كل عضوٍ فيهم، بكونه الأب الذي لا يتجاهل ابنًا من أولاده مهما بلغ عددهم، إذ يقول: "كما تعلمون كيف كنا نعظ كل واحدٍ منكم، كالأب لأولاده ونشجعكم، ونشهدكم لكي تسلكوا كما يحق لله الذي دعاكم إلى ملكوته ومجده" [11]. علاقته بالمؤمنين تقوم على أساسٍ أبويٍ (١ كو 4: ١٤؛ ٢ كو 6: ١٣، غل ٤: ١٩؛ فل ١٠). خلال هذه الأبوة يجد راحته وفرحه وإكليله في أن يتمتع كل أبنائه بالملكوت والأمجاد الأبدية. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لأنه بالنسبة للمعلم الحكيم، الحياة والراحة والتعزية إنما تكون في نمو تلاميذه. فإنه لا شيء يكشف عن قدرته على التدبير مثل الحب أيضًا حتى بعد الولادة! فإن كانت الطبيعة تلزم وجود الحب لدى الأب، فكم بالأكثر تكون الحاجة إليه خلال (الأبوة) بالنعمة؟ ]

أخيرًا ما أجمل كلمات الرسول "نعظ كل واحد منكم كالأب لأولاده"، فقد كان قلب الرسول بولس ملتهبًا نحو خلاص العالم كله، لكنه وسط تيارات الخدمة المتسعة واهتماماته بكل الكنائس ومشاكلها العامة كان الرسول يهتم "بكل أحد"! إنه يحمل سمة سيده الذي في أبوته للبشرية كلها ينقش اسم كل واحدٍ منهم على كفه، وكأنه الوحيد الذي يهتم به الله. وفي دراستنا لحياة القديس يوحنا الذهبي الفم رأينا كيف لم تشغله الآلاف من الجماهير التي تستمع لعظاته عن الاهتمام بكل عضوٍ في شعب الله له، هذه الأبوة الصادقة النابعة عن الأعماق!


٢. تألم الكنيسة في تسالونيكي

"حياة الألم" جزء لا يتجزأ من كلمة البشارة أو إنجيل المسيح، يعيشها المسيحي كخبرة روحية، يقتنيها خلال تمتعه بملكوت الفرح الداخلي. فمع الفرح الداخلي آلام في الخارج، ومع كل نموٍ روحيٍ حرب يثيرها الشيطان. وكأن الألم علامة حية على قبول الإنسان كلمة الخبر المفرح، واتحاده مع المسيح المصلوب، وتفاعله مع الحياة الإنجيلية. يقول الرسول: "من أجل ذلك نحن أيضًا نشكر الله بلا انقطاع، لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله قبلتموها، لا ككلمة أناسٍ، بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل أيضًا فيكم أنتم المؤمنين. فإنكم أيها الإخوة صرتم متمثلين بكنائس الله التي هي في اليهودية في المسيح يسوع، لأنكم تألمتم أيضًا من أهل عشيرتكم، تلك الآلام عينها كما هم أيضًا من اليهود، الذين قتلوا الرب يسوع وأنبياءهم واضطهدونا نحن" [١٣-١٥].

كأن الدليل على أن الكلمة التي قبلوها من الرسول ليست كلمة بشرية بل هي كلمة الله أنهم احتملوا ذات الآلام التي عانت منها الكنيسة في أورشليم وكل اليهودية ،حيث حملت سمة مسيحها المتألم من إخوته بني جنسه. فمؤمنو تسالونيكي قبلوا الآلام أيضًا من بني جنسهم، فقد هاج اليهود على إخوتهم اليهود الذين قبلوا الإيمان، والوثنيون على إخوتهم الذين آمنوا بالمسيح. إن ما تعانيه كنيسة التسالونيكيين من آلام إنما هو شركة حب مع مسيحها المتألم ومع بقية الكنائس المتألمة.

إن كان الألم يتحقق بسماحٍ إلهيٍ بالشركة المقدسة مع السيد المسيح المتألم، لكن هذا لا يبرر المتسببين في الألم، إذ يقول: "وهم غير مرضيين لله وأضداد لجميع الناس، يمنعوننا من أن نكلم الأمم، لكي يخلصوا حتى يتمموا خطاياهم كل حين، ولكن قد أدركهم الغضب إلى النهاية" [١٥-١٦].

حقًا إن الله كضابط الكل يستخدم حتى شر الأشرار لتزكية الأبرار، فيخرج من الآكل أكلاً ومن الجافي حلاوة، لكن استخدام الله لهم لا يبرر موقفهم، ولا يجعلهم موضوع رضا الله، وإنما "هم غير مرضيين لله". صار شرهم جزء من خطة الله لخلاص المختارين وتزكيتهم، لكنه لم يلزمهم بذلك، وكان يمكنه أن يستخدم وسائط أخرى لو لم يسلك هؤلاء بالشر. فالله لم يلزم يهوذا بالخيانة، وإنما إذ سبق الله فعرف شره وخطته، استخدم هذا الشر في تسليم السيد المسيح كجزءٍ من خطة خلاصنا.

لا يقتني الأشرار عداوة الله لهم بشرهم ومقاومة أولاده، وإنما أيضًا يسقطون تحت عداوة جميع الناس، إذ هم "أضداد لجميع الناس". قد يصادقهم البعض، ويشجعهم الآخرون على شرهم، لكن لابد للشر أن ينفضح، فيفقد الشرير كل من هم حوله.

أخيرًا فإن غاية الأشرار الثائرين في تسالونيكي هو مقاومة كلمة الحق ومضادة الإيمان الحيّ. لكنهم عوض أن يحققوا هدفهم "يتمموا خطاياهم كل حين". يريدون مقاومة كلمة الله، لكن كلمة الله لا تُقيد، والمؤمنون يتزكون خلال هذه المقاومة. وفي نفس الوقت يمتليء كيل الأشرار ليشربوا كأس العقاب الأبدي حتى النهاية. ما أعجب رعاية الله الذي يستخدم حتى شر الأشرار ليتمم إرادته في المختارين، ويعلن عدله في المقاومين غير التائبين!

٣. شوق الرسول إليهم

إن كان الرسول قد سحب قلب المؤمنين من الآلام الخارجية إلى الفرح بكلمة الله العاملة فيهم، والبهجة بالشركة مع المسيح المتألم ومع الكنائس الأخرى المتألمة، لكنه وسط هذه الانطلاقة الروحية العالية يكشف عن مشاعر الشوق الحقيقي التي تملأ قلبه نحوهم. إنه الإنسان الروحي الواقعي الذي يشتهي أن ينطلق مع إخوته إلى السماوات عينها دون تجاهل للجانب الإنساني والمشاعر والأحاسيس البشرية، إذ يقول: "فإذ قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب، اجتهدنا أكثر باشتهاءٍ كثيرٍ أن نرى وجوهكم. لذلك أردنا أن نأتي إليكم أنا بولس مرة ومرتين، وإنما عاقنا الشيطان. لأن من هو رجاؤنا وفرحنا وإكليل افتخارنا؟ أم لستم أنتم أيضًا أمام ربنا يسوع المسيح في مجيئه، لأنكم أنتم مجدنا وفخرنا" [1٧-20].

إنه كأب روحي حقيقي يشعر بوجودهم في قلبه. إن كان قد حرم منهم زمانًا يسيرًا فلم ينظرهم جسديًا كما لزمان ساعة واحدة، لكنهم يحتلون قلبه في المسيح يسوع. إنه يحبهم ويشتاق إليهم، معبرًا عن هذه المشاعر المقدسة بلا حرج، قائلاً: "اجتهدنا أكثر باشتهاء كثير أن نرى وجوهكم". إنها مشاعر بشرية إنسانية قد تقدست في المسيح يسوع. لهذا يعتز بها الرسول في كل كتاباته. فمع ارتفاع قامته الروحية وانسحاب قلبه إلى السمويات يتعامل بطريقة واقعية، مقدسًا كل علاقة بشرية. هذا ما نراه بصورة واضحة للغاية في نهاية رسالته إلى أهل رومية، إذ يكتب: "سلموا على ابينتوس حبيبي... سلموا على أمبلياس حبيبي في الرب... سلموا على برسيس المحبوبة التي تعبت كثيرًا في الرب... سلموا على روفس... وعلي أمه" (رو ١6: ٥-١٣). إنه بحق لا يحّقر من المشاعر التي تقدست في الرب، ولا يكتمها، بل يعلنها بقوة الروح.

يدعو الرسول بولس أولاده في الرب رجاءه وفرحه وإكليل افتخاره! إنه يراهم في يوم مجيء الرب أولادًا مقدسين، يقدمهم كثمرة تعبه للمخلص، فيُحسبون مجده وفخره! كل تعب يعانيه من أجلهم وكل ألم يقاسيه إنما يزيد بهاء مجده الأبدي.

خلال هذه النظرة، اشتياقه المقدس الملتهب في داخله نحوهم وإدراكه أنهم إكليله ومجده، بذل الرسول كل الجهد للذهاب إليهم وسط محنتهم، لكن الشيطان عاقه. لقد حاول أكثر من مرة لكن الحرب الشيطانية كانت قاسية، حرمته من التمتع بمساندة أولاده وسط ضيقتهم بالذهاب إليهم، فأرسل إليهم تلميذه تيموثاوس.

أخيرًا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا نقول؟ هل للشيطان أن يعيقه؟ نعم فإن الإعاقة لم تكن من قبل الله. في رسالته إلى أهل رومية يقول أن الله أعاقه (رو 15: 22)، وفي موضع آخر يقول لوقا أن الروح عاقهما عن الذهاب إلى آسيا (أع ١٦: ٧). وفي الرسالة إلى أهل كورنثوس يقول أن الإعاقة إنما هي من عمل الروح، أما هنا فقط فيقول أنها من عمل الشيطان.]

1 لانكم انتم ايها الاخوة تعلمون دخولنا اليكم انه لم يكن باطلا
2 بل بعدما تالمنا قبلا و بغي علينا كما تعلمون في فيلبي جاهرنا في الهنا ان نكلمكم بانجيل الله في جهاد كثير
3 لان وعظنا ليس عن ضلال و لا عن دنس و لا بمكر
4 بل كما استحسنا من الله ان نؤتمن على الانجيل هكذا نتكلم لا كاننا نرضي الناس بل الله الذي يختبر قلوبنا
5 فاننا لم نكن قط في كلام تملق كما تعلمون و لا في علة طمع الله شاهد
6 و لا طلبنا مجدا من الناس لا منكم و لا من غيركم مع اننا قادرون ان نكون في وقار كرسل المسيح
7 بل كنا مترفقين في وسطكم كما تربي المرضعة اولادها
8 هكذا اذ كنا حانين اليكم كنا نرضى ان نعطيكم لا انجيل الله فقط بل انفسنا ايضا لانكم صرتم محبوبين الينا
9 فانكم تذكرون ايها الاخوة تعبنا و كدنا اذ كنا نكرز لكم بانجيل الله و نحن عاملون ليلا و نهارا كي لا نثقل على احد منكم
10 انتم شهود و الله كيف بطهارة و ببر و بلا لوم كنا بينكم انتم المؤمنين
11 كما تعلمون كيف كنا نعظ كل واحد منكم كالاب لاولاده و نشجعكم
12 و نشهدكم لكي تسلكوا كما يحق لله الذي دعاكم الى ملكوته و مجده
13 من اجل ذلك نحن ايضا نشكر الله بلا انقطاع لانكم اذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله قبلتموها لا ككلمة اناس بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل ايضا فيكم انتم المؤمنين
14 فانكم ايها الاخوة صرتم متمثلين بكنائس الله التي هي في اليهودية في المسيح يسوع لانكم تالمتم انتم ايضا من اهل عشيرتكم تلك الالام عينها كما هم ايضا من اليهود
15 الذين قتلوا الرب يسوع و انبياءهم و اضطهدونا نحن و هم غير مرضين لله و اضداد لجميع الناس
16 يمنعوننا عن ان نكلم الامم لكي يخلصوا حتى يتمموا خطاياهم كل حين و لكن قد ادركهم الغضب الى النهاية
17 و اما نحن ايها الاخوة فاذ قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب اجتهدنا اكثر باشتهاء كثير ان نرى وجوهكم
18 لذلك اردنا ان ناتي اليكم انا بولس مرة و مرتين و انما عاقنا الشيطان
19 لان من هو رجاؤنا و فرحنا و اكليل افتخارنا ام لستم انتم ايضا امام ربنا يسوع المسيح في مجيئه
20 لانكم انتم مجدنا و فرحنا




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 3 جـ1 PDF Print Email

إرسال تيموثاوس إليهم


بعث الرسول بولس إلى كنيسة تسالونيكي تلميذه القديس تيموثاوس لكي يسندهم في فترة آلامهم، إذ لم يقدر أن يحضر إليهم بنفسه، وقد عاد إليه القديس يحمل تقريرًا مفرحًا عنهم.

1. إرسال تيموثاوس 1 - ٥.

2. تقرير تيموثاوس عنهم ٦ - ١٣.

1. إرسال تيموثاوس

"لذلك إذ لم نحتمل أيضًا استحسنا أن نُترك في أثينا وحدنا، فأرسلنا تيموثاوس أخانا وخادم الله والعامل معنا في إنجيل المسيح، حتى يثبتكم ويعظكم لأجل إيمانكم"[١-٢].

لم يكتب الرسول بولس إلى أهل تسالونيكي "لقد اخترنا لكم تيموثاوس:"، وإنما في حكمة بالغة أوضح أنه من أجل محبته لهم استحسن أن يحرم نفسه من تيموثاوس مرسلاً إياه لهم. وكأنه يقول لهم أن إرسال تيموثاوس إليكم ليس استخفافًا مني بكم، ولا هو امتناع مني عن الحضور إليكم، وإنما هو من قبيل محبتي لكم، ففضلتكم عن نفسي، وقبلت أن أُترك وحدي في أثينا ولتتمتعوا أنتم بحضوره إليكم.

حقًا إن تعبير الرسول بولس إنما يكشف عن حكمته وحبه وتواضعه. فمن جانب كان حكيمًا غاية الحكمة، إذ لم يذكر ما قد أشيع بين أهل تسالونيكي أنه تجاهلهم، مرسلاً لهم تيموثاوس عوض حضوره بنفسه، وإنما دافع عن موقفه بطريقة غير مباشرة حتى لا يجرح مشاعر القديس تيموثاوس متى قرأ الرسالة، وفي نفس الوقت لكي لا يثبت ما قد حدث من إشاعات مغرضة للتنكيل بمحبته نحوهم. ومن جانب آخر كشف عن محبته لهم، إذ أوضح ما في إرسال تيموثاوس من تضحية، مفضلاً أن يُحرم هو منه لأجل تمتعهم به. وأظهر أيضًا تواضعه بكشفه عن عوزه الشديد للقديس تيموثاوس، حتى حسب نفسه كمن يعيش وحيدًا بدونه. إنه في حاجة ماسة إليه!

إن كان البعض قد أثار بين مؤمني تسالونيكي بعض الشائعات حول إرسال القديس تيموثاوس عوض حضور الرسول بولس بنفسه، فإن الرسول وسمه بثلاث صفات، إذ دعاه أخاه وخادم الله والعامل معه في إنجيل المسيح. إنه لم يقصد مدحه أمامهم، وإنما أراد أن يبرز اعتزازه بهم، فقد أرسل إليهم أغلى ما يمكن تقديمه. مقدمًا لهم أخيه وخادم الله وشريكه في العمل الكرازي. وكأنه يقول لهم - في أسلوب لطيف يهدئ ثورتهم - هل لدي أعظم من تيموثاوس لأرسله إليكم؟ إن كنتم قد توقعتم حضوري. فإن الذي جاء إليكم إنما هو أخي، نظيري لا يختلف عني في شيء. إنه خادم الله، اقبلوه في الرب فتقبلون الرب نفسه. وهو عامل معي في إنجيل المسيح، خبراتنا في العمل الكرازي مشتركة!

افتتاحه هذا الأصحاح بقوله: "لذلك إذ لم نحتمل أيضًا..." إنما يوضح أن إرساله القديس تيموثاوس جاء ثمرة طبيعية لما تحدث عنه قبلاً في الأصحاح السابق، أي أبوته لهم. إنه لم يحتمل في أبوته أن يسمع عن آلامهم فأرسل إليهم خير من يثبتهم في الإيمان ويعزيهم!

يوضح الرسول بولس غاية إرساله القديس تيموثاوس، قائلاً: "كي لا يتزعزع أحد في هذه الضيقات، فإنكم أنتم تعلمون أننا موضوعون لهذا" [٣]. لم يسأل الرسول أن ينزع الله الضيقة عنهم، لكنه يطلب لهم الثبات وسط الضيقة، وكأن غاية إرساله تلميذه تيموثاوس لهم هو تثبيتهم وسط المرّ الذي يعيشون فيه. وقد استلفت نظر القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يقول لهم "أننا موضوعون لهذا"، كأن الألم قد صار غاية للمؤمنين بوجه عام وللرعاة على وجه الخصوص فالرسول يرى أن حياته إنما وضعت لهذا، أي لقبول الألم من أجل المسيح. ويبدو أن أهل تسالونيكي لم يتأثروا بما عانوه من آلام بقدر تأثرهم بما سمعوه عن الرسول أنه عانى آلامًا شديدة في كل بلد حلّ بها، وأن إرساله تيموثاوس لتثبيتهم ليس فقط بسبب ما حل بهم من ضيقات، وإنما أيضًا بسبب ما كانوا يئنون منه بسبب آلامه هو.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يقول هنا؟! فإن التجارب التي تحل بالمعلمين تقلق تلاميذهم، ولما كان الرسول قد سقط في تجارب كثيرة، إذ يقول بنفسه إنما عاقنا الشيطان (١ تس 2: ٨)، وأيضًا "أردنا أن نأتي إليكم مرة ومرتين" ولم يستطع كدليل على الشدة المرة التي يعانيها، لذلك اضطربوا بسببه أكثر من اضطرابهم بسبب ما حلّ عليهم من تجارب... وذلك كالجندي الذي لا يضطرب بسبب ما يحل به من جراحات مثلما يضطرب عند رؤيته جراحات قائده.]

لكي يعزيهم يعود بذاكرتهم إلى أحاديثه معهم حين كان في وسطهم يكرز لهم بالإنجيل. إذ كان يحدثهم عن الصليب والتجارب والآلام كأمور ضرورية مرتبطة بالإيمان. إنه يقول: "لأننا لما كنا عندكم سبقنا فقلنا لكم، أننا عتيدون أن نتضايق كما حصل أيضًا، وأنتم تعلمون. من أجل هذا إذ لم أحتمل أيضًا، أرسلت لكي أعرف إيمانكم، لعل المجرب يكون قد جربكم فيصير تعبنا باطلاً" [٤-٥].

نستطيع أن ندرك من هذا النص أن الرسول بولس كان يتحدث عن الآلام التي تحل بالمؤمنين حتى في بدء كرازته سواء لليهود أو للأمم. إنه يتكلم بقلب الأب الروحي الذي لا يخفي عن أولاده شيئًا، موضحًا لهم صعوبة الطريق ومتاعبه، وإذ يدخل أولاده في الضيق فعلاً يسرع بمساندتهم حتى لا يضيع تعبه معهم.

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص هكذا: [إنه يقول: "ينبغي ألا تضطربوا، فإنه لم يحدث أمر غريب أو غير متوقع!" فإن مجرد توقع حدوثه يرفع نفوسهم. أليس لهذا السبب سبق المسيح فأخبر تلاميذه: "قلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون" (يو ١٤: ٢٩). يا له من أمر عظيم يهب راحة إذ يسمعون المعلم يخبرهم بما هو مزمع أن يحدث! ذلك كالمريض الذي لا يضطرب لما يحدث له إن كان الطبيب قد سبق فأخبره بما سيحدث له، لكن إن حدث له أمر غير متوقع يظن في نفسه أنه في حالة خطرة ويحزن مضطربًا. لهذا السبب أخبرهم بولس بما سبق فعرف أنه سيحدث لهم.]

هذا هو ما يفرحنا وسط الألم، أن السيد المسيح قد سبق فأخبرنا عنه، والرسول بروح النبوة أكد لنا أننا لهذا موضوعون. فما يتحقق من آلام لا يتم اعتباطًا، وإنما بسماحٍ إلهيٍ سبق فأكده لنا.

بعدما أعلن الرسول أن ما يحدث إنما تم بسماحٍ إلهيٍ فتنبأ بنفسه لهم عنه، عاد ليؤكد أن ما يحل بهم يمثل أيضًا "دخولاً في تجربة"، يحاول الشيطان المجرب أن يفسد العمل الرسولي فيهم، أي يحطم ما قد بناه الرسول فيهم خلال الكرازة بالإنجيل، وكأن القديس تيموثاوس قد ذهب إليهم ليطمئن على خدمة الرسول لئلا يكون المجرب قد حطمها. هكذا يشعر الرسول أن كل ضعف يحل بشعب الله الذي خدمه خلال الكرازة بالإنجيل إنما يمس تعبه إكليله، ويفقده فرحه وتهليل قلبه. كأن الرسول يقول لهم بطريقة غير مباشرة لماذا تحسبون إرسال القديس تيموثاوس استهانة بكم، فإن أمركم يمس صميم رسالتي، ونجاحكم هو نجاحي، وضعفكم هو تحطيم لعملي!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email
٢. تقرير تيموثاوس عنهم

"وأما الآن فإذ جاء إلينا تيموثاوس من عندكم، وبشرنا بإيمانكم ومحبتكم، وبأن عندكم ذكرًا لنا حسنًا كل حين، وأنتم مشتاقون أن ترونا، كما نحن أيضًا أن نراكم" [٦].

ما قدمه القديس تيموثاوس للرسول بولس لم يكن تقريرًا مجردًا عن أحوالهم الروحية والنفسية، وإنما بالحري كان بشارة أو إنجيلاً، إذ يقول: "بشرنا بإيمانكم ومحبتكم".

كأن كنيسة تسالونيكي قد ردت الدين للرسول بولس، فهو كرز لها بالإنجيل ودخل بأعضائها إلى الإيمان خلال البشارة المفرحة التي نادى لهم بها، وها هم الآن يردون له البشارة المفرحة والإنجيل العملي خلال إيمانهم ومحبتهم، الأمر الذي عزى قلب الرسول وأبهجه. لقد سمع الرسول، عن طريق تلميذه تيموثاوس، أخبار إيمانهم العملي خلال ضيقتهم وخلال ضيقة الرسول المستمرة فلم تهتز حياتهم الإيمانية بل ازدادت صلابة وقوة. وقد ترجموا هذا الإيمان بالله عمليًا خلال الحب إذ يقول: "بشرنا بإيمانكم ومحبتكم"، وأعلنوا عن محبتهم عمليًا خلال ذكرهم الرسول بولس بالخير كل حين، وشوقهم لرؤيته مع أنه كان في ذلك الوقت يئن من آلام كثيرة لاحقته أينما وُجد. أنهم يحبونه وهو غائب عنهم بالجسد، ولا يكفون عن ذكره بالخير، ليس وهو يصنع آيات وعجائب وإنما وهو يحتمل الضيقات!

هنا لم يستطع الرسول أن يكتم مشاعره، إذ يقول: "كما نحن أيضًا (نشتاق) أن نراكم". إنها مشاعر الحب المتبادل بين الأب وأولاده، أو الراعي ورعيته، وهم جميعًا في أتون الضيق.

يكمل الرسول: "من أجل هذا تعزينا أيها الإخوة من جهتكم في ضيقنا وضرورتنا بإيمانكم" [٧].

لقد جاء التعبير اليوناني لكمة "تعزينا" لا بمعنى تمتعه بالراحة فحسب، وإنما تمتعه أيضًا بالقوة. وكأن إيمان كنيسة تسالونيكي الناشئة كان سندًا للرسول بولس الذي لاحقته الآلام المتوالية من ضربات كثيرة وسجن في فيلبي (أع ١٦: ٢٣)، وهياج ضده في تسالونيكي (أع ١٦: ٥) وتكرار الأمر في بيريه وأثينا وكورنثوس. وسط كل هذه الأتعاب جاءته أخبارهم إنجيلا ًحيًا عمليًا، إذ سمع عن إيمانهم بالله وعدم تزعزعهم بسبب ضيقتهم أو ضيقته.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على قول الرسول "في ضيقتنا وضرورتنا" هكذا: [إنه لم يطلب منهم أن يشكروه لأنه يتألم بسببهم، وإنما كان يشكرهم لأنهم كانوا ثابتين في آلامه. وكأنه يقول لهم: "كان الأذى سيلحق بكم أكثر مما يلحق بنا أنتم الذين كنتم تُجربون أكثر منا بالرغم من أن الآلام لا تسقط عليكم بل علينا".]

لقد حسب الرسول أن جراحاته لا تؤذيه قدر ما تؤذي أولاده إن لم يثبتوا في الإيمان أمام هذه الأحداث. لهذا إذ رآهم ثابتين فرح جدًا بهم وتقوى وسط آلامه، وحسبهم مصدر تعزية له. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [المعلم الصالح لا يشغل ذهنه شيئًا إلاَّ ما يمس تلاميذه، لهذا يقول لهم: إننا نتعزى خلالكم، أنتم تثبتوننا مع أن الحادث هو عكس ذلك.]

يا للعجب كان القديس بولس يتألم من أجل الإنجيل وإذ ثبت أولاده وسط الآلام حسب ذلك تثبيتًا له ومصدر تعزية، فيمدحهم وهو المستحق للمديح!

كأنه يقول لهم إنه بسبب ثباتهم وسط آلام الرسول استرد الرسول أنفاسه ولم يعد يشعر بالآلام، إذ يؤكد لهم: "لأننا الآن نعيش إن ثبتم في الرب، لأنه أي شكر نستطيع أن نعوض إلى الله من جهتكم، عن كل الفرح الذي نفرح به من أجلكم قدام إلهنا"! [8-٩].

يعلن الرسول إنه إذ يسمع عن ثباتهم في الرب وسط آلامه وآلامهم يعيش ولا يبالي بالميتات الكثيرة التي تلاحقه في كل موضع. فإن نجاح أولاده في الرب هو سرّ حياته، أما تعثرهم فيُحسب بالنسبة له كفقدان لحياته أو الدخول إلى حالة موت! والعجيب أنه لا يقول: "الآن نفرح إن ثبتم في الرب" بل "الآن نعيش". هكذا يرتبط الراعي بشعبه كمن هم روحه وحياته!

ما أعذب روح الرسول بولس، فإنه لا يريد أن يربط شعب الله بشخصه وسط آلامه وآلامهم بل بالرب نفسه، إذ يؤكد لهم: "إن ثبتم في الرب". يقول القديس أغسطينوس على لسان الرسول بولس: ["لا أريد أن تثبتوا فينا بل في الرب. فإنه ليس الغارس شيئًا ولا الساقي بل الله هو الذي ينمي" (١ كو ٣ : ٧).] إن ما ينعش قلب الراعي الحكيم ويفرح قلبه ليس التفاف الشعب حوله وإنما ثباتهم في الرب نفسه.

هذا التقرير الذي قدمه تيموثاوس بل هذه البشارة المفرحة أثارت في نفس الرسول الرغبة في تقديم ذبيحة شكر لله كإيفاء دين مقابل صنيعه معهم، قائلاً: "لأنه أي شكر نستطيع أن نعوض إلى الله من جهتكم عن كل الفرح الذي نفرح به من أجلكم قدام إلهنا!" هذا من جانب ومن جانب آخر التهب قلبه بالأكثر مشتاقًا إلى رؤية وجوههم وتكميل نقائص إيمانهم، إذ يقول: "طالبين ليلاً ونهارًا أوفر طلب أن نرى وجوهكم، ونكمل نقائص إيمانكم، والله نفسه أبونا وربنا يسوع المسيح يهدي طريقنا إليكم" [١٠-١١].

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن حنينه لرؤية وجوههم مصليًا ليلاً ونهارًا لتحقيق ذلك إنما هو علامة على فرحه بثمرهم الروحي، وذلك كالمزارع الذي يسمع عن أرضه أنها امتلأت بسنابل القمح، فيشتهي أن يمتع بصره برؤية حقله.

ماذا يعني بقوله "نكمل نقائص إيمانكم"؟ لقد قدم عنهم القديس تيموثاوس تقريرًا مفرحًا يعلن فيه عن ثبات إيمانهم، لهذا فإن الرسول بولس لا يعني بقوله "نكمل" أنهم كانوا في ضعف، بل بالأكثر يعلن عن شوقه لنموهم الدائم في طريق الكمال بغير توقف. فإنه مهما بلغ إيماننا يلزمنا أن نطلب من الله أن يكمل نقائص إيماننا ونقائص إيمان إخوتنا، وكلما سرنا في طريق الفضيلة نصرخ إليه ليكمل عمله فينا حتى نبلغ قامة ملء المسيح.

إنه يطلب من الله الآب نفسه والابن الوحيد يسوع المسيح أن تنزع العقبات التي وضعها الشيطان لإعاقته عن زيارتهم، قائلاً: "والله نفسه أبونا وربنا يسوع المسيح يهدي طريقنا إليكم" [١١].

أخيرًا يصلي إلى الله لكي ينميهم على الدوام في المحبة، ليس فقط نحوه، وإنما أيضًا نحو بعضهم البعض ونحو الجميع، مؤمنين وغير مؤمنين. فإن المحبة الشاملة لكل البشر أمر جوهري في تقديس القلب بالروح القدس في عيني الله، إذ يقول: "والرب ينميكم ويزيدكم في المحبة، بعضكم لبعض وللجميع كما نحن أيضًا لكم، لكي يثبت قلوبكم بلا لوم في القداسة، أمام الله أبينا في مجيء يسوع المسيح البعض جميع قديسيه" [١٢-١٣]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنها المحبة هي التي تجعلهم بلا لوم.] إن كان غاية إيماننا هي الحياة المقدسة في الرب التي بدونها لا نقدر أن نعاين الرب (عب ١2: ١٤) ولا أن نوجد فيه ومعه، فإن هذه الحياة عمادها "المحبة". فإن كانت الحياة المقدسة هي تمتع بالشركة مع الله وممارسة حياته فينا، فإن الله ذاته إنما هو "المحبة" (يو ٤: ٨). وفي يوم مجيئه العظيم يعتز بسمة الحب التي لأولاده، فيدعوهم للملكوت المعد لهم منذ إنشاء العالم من أجل المحبة التي أظهروها في صغاره، بينما يًحرم الأشرار من الملكوت، لأنهم لم يحملوا سمة الحب (مت ٢٥: ٤١ ، ٤٦).

من الذي يهب الحب ومن الذي ينميه فينا إلاَّ الرب نفسه [١٢]؟ أي الروح القدس. إذ يقول القديس أمبروسيوس: [ماذا يعني بالرب هنا الذي ينمينا في المحبة، ويزيدنا فيها، ويثبتنا في القداسة أمام الله ويهبنا ترقب مجيء الابن إلاَّ الروح القدس فإن القداسة هي عطية الروح (٢ تس ٢: ١٣)!] ويؤكد القديس باسيليوس أن الرسول يشير بقوله "الرب" هنا إلى الروح القدس".

1 لذلك اذ لم نحتمل ايضا استحسنا ان نترك في اثينا وحدنا
2 فارسلنا تيموثاوس اخانا و خادم الله و العامل معنا في انجيل المسيح حتى يثبتكم و يعظكم لاجل ايمانكم
3 كي لا يتزعزع احد في هذه الضيقات فانكم انتم تعلمون اننا موضوعون لهذا
4 لاننا لما كنا عندكم سبقنا فقلنا لكم اننا عتيدون ان نتضايق كما حصل ايضا و انتم تعلمون
5 من اجل هذا اذ لم احتمل ايضا ارسلت لكي اعرف ايمانكم لعل المجرب يكون قد جربكم فيصير تعبنا باطلا
6 و اما الان فاذ جاء الينا تيموثاوس من عندكم و بشرنا بايمانكم و محبتكم و بان عندكم ذكرا لنا حسنا كل حين و انتم مشتاقون ان ترونا كما نحن ايضا ان نراكم
7 فمن اجل هذا تعزينا ايها الاخوة من جهتكم في ضيقتنا و ضرورتنا بايمانكم
8 لاننا الان نعيش ان ثبتم انتم في الرب
9 لانه اي شكر نستطيع ان نعوض الى الله من جهتكم عن كل الفرح الذي نفرح به من اجلكم قدام الهنا
10 طالبين ليلا و نهارا اوفر طلب ان نرى وجوهكم و نكمل نقائص ايمانكم
11 و الله نفسه ابونا و ربنا يسوع المسيح يهدي طريقنا اليكم
12 و الرب ينميكم و يزيدكم في المحبة بعضكم لبعض و للجميع كما نحن ايضا لكم
13 لكي يثبت قلوبكم بلا لوم في القداسة امام الله ابينا في مجيء ربنا يسوع المسيح مع جميع قديسيه


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

تثبيت المؤمنين


إن كانت الضيقات التي عاشها أهل تسالونيكي مباشرة في بلدهم أو خلال الرسول بولس المتألم من أجل الله والخدمة قد زكتهم أمام الله والناس، وصارت شهادة حق، وسرّ كرازة للإيمان في كل مكان، وتمجد الرسول بسببهم، فإنه يركز أنظارهم إلى النمو أكثر فأكثر من أجل بنيان نفوسهم الروحي، حتى يتهيأوا خلال الحياة الفاضلة (المقدسة) في الرب خاصة الحب، للالتقاء مع العريس السماوي القادم. لهذا يحدثهم الرسول عن:

1. مفهوم الحياة الفاضلة ١ - ٣.

2. التخلي عن الزنا ٤ - ٨.

3. النمو في الحب ٩ - ١٦.

4. مجيء الرب الأخير ١٣ - ١٨.

١. مفهوم الحياة الفاضلة

"فمن ثم أيها الإخوة نسألكم ونطلب إليكم في الرب يسوع، كما تسلمتم منا، كيف يجب أن تسلكوا وترضوا الله تزدادون أكثر، لأنكم تعلمون أية وصايا أعطيناكم بالرب يسوع، لأن هذه هي إرادة الله قداستكم" [١-٣].


يبرز الرسول في هذه العبارات المختصرة مفهوم الحياة الفاضلة، أو السلوك المسيحي المقدس، بمنظار مسيحي إنجيلي، يمكن أن نلخصه في النقاط التالية:

أولا: الحياة الفاضلة ليست أخلاقيات اجتماعية مجردة وسلوكًا أدبيًا يتدرب عليه الإنسان بقدراته الخاصة وجهاده الذاتي، وإنما أولاً وقبل كل شيء هي تفاعل حيّ مع الوصية الإلهية في المسيح يسوع. لهذا يقول الرسول: "نسألكم ونطلب إليكم في الرب يسوع"، أي نوصيكم فيه.

إن كان الرسول يوصيهم في الرب يسوع، وليس من عندياته، وإلا كانت وصايا بشرية قد تكون براقة وجميلة لكنها عاجزة عن العمل في أعماق القلب. وصية الرب "في الرب يسوع" هي كلمة الله التي يقول عنها الرسول في موضع آخر: "حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومميزة أفكار القلب ونياته" (عب ٤ :13).

لقد كشف الرسول عن دوره بكل وضوح بقوله: "إذاً نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا، نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله" (٢ كو ٥ :2). فنحن لا نتقبل الوصية، حتى وإن كانت من فم رسول إلاَّ بكونها وصية إلهية، يعلنها المسيح فينا، لكي يكون لها سلطان في داخلنا لتغيير حياتنا والدخول بنا إلى أعماق جديدة.

إن قول الرسول "في الرب يسوع"، إنما تعني أنه لا يتحدث معنا إلاَّ وهو مختفي في الرب يسوع، حيث يجد له في أحشائه موضع راحة وسلام فائق، متذوقًا الحب الإلهي فيه. من هذا الموضع الجديد يتحدث معنا لكي نُوجد نحن أيضًا "في الرب يسوع"، ويكون لنا معه ذات المصير المفرح. في المسيح يسوع ربنا يختفي الراعي كما الرعية، وفيه يوصي الكاهن أولاده، ويتقبل الأبناء الروحيون الوصية، وفيه يجاهد الكل، كما فيه يتكلل الكل. في اختصار نقول أن الحياة الفاضلة في جوهرها هي الدخول المستمر "في الرب يسوع" للتمتع بأعماق جديدة خلال عمله الدائم فينا بنعمته المجانية العاملة في قلوب المجاهدين.

ثانيًا: إن كانت الحياة الفاضلة هي قبول الوصية الإلهية في المسيح يسوع ربنا لتعمل فينا، فإننا نتقبلها خلال التسليم Paradosis، إذ يقول الرسول: "كما تسلمتم منا كيف يجب أن تسلكوا وترضوا الله". فالسلوك المسيحي هو جزء لا يتجزأ من التسليم الرسولي. إنه مرتبط بالإيمان المسيحي أو إنجيل المسيح الذي تقبلته الكنيسة من السيد المسيح خلال تلاميذه كتسليمٍ حي يعيشه المؤمنون ويُسلم خلالهم عبر الأجيال. هكذا بالتسليم - في مفهومه الأصيل الروحي - نتقبل الإنجيل الحيّ، لا كأفكارٍ عقائديةٍ مجردة، وإنما بالحري حياة إيمانية عملية معاشة في القلب في الداخل، ومًعلنة خلال العبادة الجماعية والعائلية والشخصية، وفي السلوك العائلي ومع الإخوة والغرباء. إنها حياة تمس كيان الإنسان في كل لحظة من لحظات وجوده وترتبط بكل نسمة من نسمات حياته، تتفاعل مع أفكاره وأحاسيسه وكلماته وأعماله. هكذا يظهر الإنجيل خلال التسليم عقيدة وسلوكًا بغير انفصال.

ثالثًا: غاية الحياة الفاضلة هي: "يجب أن تسلكوا وترضوا الله". لم يكن ممكنًا إرضاء الله بعد أن فقد الإنسان صورة الله وتشوه المثال الذي له فيه. يتطلع الله إلى البشرية بعد سقوطها فلا يشتم فيها رائحة رضا بل يجد "الكل قد زاغوا معًا، فسدوا، ليس من يعمل صلاحًا ولا واحد" (مز ١٤: ٣). لكن إذ جاء كلمة الله متجسدًا، وحل بيننا، انفتحت السماوات لتسمع صوت الآب "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت ٣: ١٧؛ ١٧: ٥). سمعناه حين دخل السيد المسيح إلى مياه المعمودية في الأردن، وحين ارتفع بتلاميذه على جبل التجلي، ونحن إذ نقبل العضوية في جسده المقدس - في الأردن الجديد - إنما نتقبل رضا الآب وسروره، حيث يرانا متحدين في ابنه، موضوع سروره. وإذ يرتفع بنا الروح القدس على جبال الكتاب المقدس كما على جبل تابور ليتجلى مسيحنا فينا، ويعلن ملكوته في داخلنا ونسمع ذات الصوت من الآب الذي يفرح بثمرة روحه القدوس فينا.

إن كانت الحياة الفاضلة هي دخول "في المسيح يسوع"، فإننا فيه نجد رضا الآب وسروره، وخارجًا عنه لا يُمكن إرضاؤه. وكما يقول الرسول: "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه" (عب ١١: ٦). بمعنى آخر الحياة الفاضلة ليست سلوكًا اجتماعيًا مجردًا، فيه يلتزم الإنسان ألا يضر الغير بل يعينه ويسنده، وإنما هي أعمق من ذلك. هي دخول إلى الإتحاد مع الله في المسيح يسوع، لكي يستريح بنا وفينا بكوننا أعضاء جسد ابنه، مقدمًا لنا موضعًا في أحضانه الأبوية.

رابعًا: يقول الرسول: "تزدادون أكثر". بهذا المفهوم لا تقف الحياة الفاضلة الحقيقية عند حدود، إذ لا يستريح المؤمن حتى يبلغ إلى "قياس قامة ملء المسيح" (أف ٤: ٣)، يحمل سماته واضحة ونامية فيه بلا انقطاع، حيث يتجلى السيد نفسه فيه من يومٍ إلى يوم، ليدخل به إلى عظمة بهائه.

إن كنا "في المسيح يسوع" ندخل إلى رضا الآب، فإننا في المسيح يسوع أيضًا ينبغي أن نجاهد بغير انقطاع لكي ننعم بالنمو فيه، ونزداد بالأكثر من جهة رضا الآب. لقد أدرك الرسول أنه بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه، لكنه ليس خلال التراخي أو الكسل، وإنما خلال الجهاد الذي لا ينقطع كجندي روحي، إذ يقول: "ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضى من جنده" (٢ تي ٢: ٤). إنه يجاهد لكي بعدما صار في الروح لا يعود بعد إلى الحياة في الجسد، لأن "الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله" (رو ٨: ٨). وفي جهاده غير المنقطع لا يطلب مديح الناس بل رضا الله، كقوله: "أفأستعطف الآن الناس أم الله؟ أم أطلب أن أرضي الناس؟ فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح" (غل ١: ١٠). من أجل إرضاء الآب يتنازل ليس فقط عما هو شرير من شهوات الجسد وطلب مديح الناس وإنما يتنازل حتى عن حقوقه الشرعية، حتى يبلغ كمال الرضا، وذلك كأن يحيا في البتولية ليس تدنيسًا للحياة الزوجية، وإنما للتفرغ ما استطاع للجهاد الروحي، إذ يقول: "غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب" (١ كو ٧: ٣٢).

خامسًا: لخص الرسول الحياة الفاضلة المرضية لدى الآب في العبارة: "لأن هذه هي إرادة الله قداستكم" [3]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [لاحظ كيف أنه لا يتطلع إلى أي موضع بحماسٍ كهذا. فإنه يكتب عنه في موضع آخر: "اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب" (عب ١٢: ١٤). لماذا نتعجب إن كان يكتب لتلاميذه عن هذا الأمر في كل موضع، ففي رسالته إلى تيموثاوس يقول: "احفظ نفسك طاهرًا" (1 تي ٥: 22)، وفي رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس يقول: "في صبر كثير، في أصوام، في طهارة" (٢ كو ٦ : ٥-٦).]

ماذا يعني الرسول بالقداسة التي يريدها الله فينا؟ إنها اعتزال ما قد دخل إلى طبيعتنا كأمرٍ غريبٍ، وقبول ما هو لله. بمعنى أن القداسة إنما تحمل عمليتين متلازمتين ومتكاملتين: تفريغ وامتلاء، تفريغ عن الشر الذي تسرب إلى طبيعتنا خلال اعتزالنا الله، وامتلاء من الله نفسه القدوس كسرّ حياتنا. فإن كان الله هو القدوس، فإن حياتنا الفاضلة هي أن تتحقق إرادته المقدسة فينا، فنحمل قداسته داخلنا، ونكون قديسين فيه.

إذ ندخل بالروح القدس إلى المسيح نفسه، فإن الروح يأخذ مما للمسيح ويخبرنا (يو ١٦: ١٤)، ليس بالكلام فقط، وإنما يخبرنا عمليًا، فيحول فكرنا إلى فكر المسيح، وتصير إرادتنا إنما هي إرادة المسيح، وتصير أعضاؤنا أعضاءه، وآلامنا آلامه الخ. وكأن القداسة إنما هي تجلي المسيح القدوس في حياتنا الداخلية وسلوكنا الظاهر!


٢. التخلي عن الزنا

إذ يتحدث الرسول عن الحياة الفاضلة في الرب، يتعرض للجانبين السلبي والإيجابي، فإنه لا تمتع للتقديس بدون التفريغ عن النجاسة، ولا يمكن أن يكون موضع لله داخل القلب مع بقاء الشر فيه. الحياة الفاضلة عملية ديناميكية مستمرة، خلالها يأخذ الإنسان ويفرغ، وينعم بلذة الحياة مع الله مع رفض لذة الخطية، يقبل الفكر الإلهي متخليًا عن الأفكار الشيطانية.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:[تنقسم الفضيلة إلى أمرين: ترك الشر وصنع الخير. فإن التخلي عن الشر لا يكفي لبلوغ الفضيلة، إنما يُحسب هذا مجرد ممر وبداية تقود إلى ما بعدها، فإننا في حاجة إلى نشاطٍ عظيمٍ.]

هنا يتحدث الرسول عن الجانب السلبي للحياة الفاضلة، وهو التخلي عن كل شرٍ خاصة الزنا بكل أبعاده، أي بالفكر والنظر والعمل، مقدمًا مفهومًا حيًا لتركه يمكن توضيحه في النقاط التالية:

أولا: إن كان الزنا بكل صوره من أبشع الخطايا، فإن الرسول وهو يتحدث عن التخلي عنه يتحدث عن الجانب الإيجابي أي اقتناء القداسة. وكأن التخلي لا يمكن أن يتم منفردًا دون الأخذ. إنه يقول: "أن تمتنعوا عن الزنا، أن يعرف كل واحد منكم أن يقتني إناءه بقداسة وكرامة، لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله" [٣-٥]. فالأممي لا يقدر أن يترك هوى الشهوة، لأنه لا يعرف الله، أي لا يعرف اقتناء الله والاتحاد معه. إن عرفه إنما خلال معرفة الفكر النظري والفلسفة الذهنية، لذا يبقى في فراغه لا يقدر أن يتخلى عن الشهوات والملذات لعلها تقدر أن تشبع حياته. أما المؤمن الحقيقي فإنه يستطيع الامتناع عن الزنا، بل ويستنكف منه ولا يطيقه، لأن في الامتناع عنه لا يشعر بحرمان أو فراغ، إنما يقتني إناءه الذي هو جسده بقداسة وكرامة، يشعر بفيض إلهي ينبع داخله ويرويه ويفيض! خلال الإتحاد مع الله في ابنه القدوس لا يشعر المؤمن بعطش إلى ملذات زمنية، فإن ما يناله أفضل مما يتركه!

خلال هذه الحياة الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسوع يجاهد المؤمن ممتنعًا عن الزنا كأمر لا يليق بالطبيعة الجديدة التي تمتع بها في المعمودية، متطلعًا إلى جسده كإناء مقدس وآلة برّ لله.

يمكننا أيضًا النظر إلى "الإناء" بمعنى الزوجة أو الزوج، فإن المسيحي يتطلع إلى الطرف الثاني في حياته الزوجية بكونه "إناءه"، يدخل في قلبه ويستقر بالحب خلال الوحدة الذي يقدمها لهما الروح القدس. في استقرار كل منهما في قلب الآخر لا يمكن لأحدهما أن ينطلق إلى موضع آخر. إنه يكون كحمامة نوح لا تستريح إلاَّ في يديه، وليس كالغراب الذي يمكنه أن يستقر على الجثث والجيف.

ويرى القديس أغسطينوس أن الحديث هنا يخص العلاقة الزوجية، فكل طرف يتطلع إلى الآخر بنظرة مقدسة، كإناءٍ مقدسٍ، فلا تقوم العلاقة بينهما على أساس شهوة الجسد بل الحب، فينجبان الأطفال كثمرة الحب والوحدة لا ثمرة شهوات الجسد التي بلا ضابط.

والقديس أمبروسيوس تفسير رمزي للإناء المقدس، إذ يرى في الكاهن أو الخادم الذي ينطق بكلمات الكرازة في رياء، أي يعظ ولا يعمل كمن يفسد قلوب الآخرين عوض أن يقتنيها آنية مقدسة للرب، فتحسب كآنية للهلاك بدلاً من أن يقتنوهم آنية للكرامة!

ثانيًا: يرى الرسول بولس في الزنا تعدي على الإخوة، إذ يقول: "أن لا يتطاول أحد ويطمع على أخيه في هذا الأمر" [٦]. من يتطلع إلى آخر بنظرة شهوانية يطمع في جسده لحساب شهوته الخاصة. فالحب في جوهره بذل وعطاء وتكريم، أما الشهوة فأخذ واغتصاب وامتهان للغير. الحب انفتاح القلب للعطاء بلا تمييز للجنس أو الشكل، به يحترم الإنسان الطرف الآخر في إنسانيته، ويقدر فكره ومواعيده وحياته. فالمرأة المحبوبة لدى رجلها هي التي تجد في قلبه كما في نظراته حبًا خالصًا لا لإشباع شهوات جسده، وإنما خلال العطاء والبذل والتقدير يهتم بشخصها وفكرها ومواهبها. إنه يتعامل معها خلال إنسانيتها ككل، وليس خلال الجسد منعزلاً، وبهذا تكون العلاقة الجسدية ثمرة محبة صادقة سامية.

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم مثالاً حيًا للتمييز بين الحب والشهوة، فبحسب فكرنا البشري أو تعبيرنا الدارج يقال عن امرأة فوطيفار أنها أحبت يوسف، لكن في الحقيقة لم تحبه بل أرادت أن تشبع شهوتها الخاصة، والدليل على ذلك أنه إذ رفض طلبها سلمته للسجن ظلمًا، وعرضت حياته للخطر. أما يوسف فكان بالحق يحبها، فإنه وإن كان قد امتنع عن الالتصاق بها في الشر، لكنه في رقةٍ قدم لها إرشادًا كافيًا لإخماد لهيب شهوتها، فذّكرها بزوجها حتى يخجلها، ولم يقل "زوجك" بل "سيدي" لكي يوقظ ضميرها وتعرف مركزها أنها سيدته. وكأنه في لطف يعاتبها: عار عليكِ أن تطلبي الشر مع عبدٍ لكِ، تأملي زوجة من أنتِ؟ وبالرغم من لطفه الشديد وعتابه معها زجت به في السجن، وحينما نال كرامة في عيني فرعون وصار الرجل الثاني بعده لم ينتقم لنفسه منها.

إذن، الزنا هو طمع للغير وليس حبًا، هو انغلاق النفس من أجل إشباع الإنسان هواه الخاص!

ويقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تفسيرًا آخر لكلمات الرسول: "أن لا يتطاول أحد ويطمع في هذا الأمر" بقوله: [لقد رسم الله للإنسان زوجة، واضعًا قيودًا طبيعية، فلا يتصل أحد إلاَّ بواحدة فقط. فمن يتصل بأخرى يكون قد تطاول وأخذ أكثر مما له، إنه بهذا يتصرف بلصوصية، بل وأقصى من اللصوصية، لأننا لا نحزن أن سلب مالنا مثلما إذا انتهك زواجنا. أندعوه أخًا ونخطيء إليه في أمور دنسة (باغتصاب زوجته)!]

ثالثًا: الدعوة للقداسة والامتناع عن الزنا دعوة إلهية وليست اجتماعية، إذ يقول: "لأن الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة" [٧]. وكأن السلوك بالقداسة هو تحقيق لإرادة الله فينا، والزنا تعدي على الله نفسه قبل أن يكون تعدي على أجسادنا وتطاول على إخوتنا. لذلك يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه بنفسه قد دعاك، وها أنت تهين من دعاك.]

لا يقدر الزاني أن يحتج بأن ما يرتكبه إنمًا برضا الطرف الآخر، ليس فيه اغتصاب أصاب أحدًا بضررٍ. فإن هذه الجريمة موجهة ضد الله القدوس نفسه الذي يهب روحه القدوس لتقديس الإنسان. من يرتكب الزنا يهين الروح الساكن فيه وفي أخيه. إذ يقول الرسول: "وإنما من يرذل لا يرذل إنسانًا، بل الله الذي أعطانا أيضًا روحه القدوس" [٨]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [يقول الرسول إن كنت تدنس إمبراطورة أو جارية لك متزوجة فإن الجريمة واحدة، لماذا؟ لأن الله ينتقم لا عن الأشخاص الذين أصابهم الضرر وإنما ينتقم لنفسه.]

لم يبخل الله علينا بشيء حتى وهبنا روحه القدوس - في سرّ الميرون ليعمل فينا، مقدسًا إيانا، ومهيئًا حياتنا للمملكة السماوية، فنُحسب ملوكًا خلال إتحادنا مع الله في المسيح ملك الملوك (رؤ ٧: ١٤)، وقديسين بثبوتنا في قدوس القديسين، لهذا إن كل خطية نرتكبها وإن ظننا أنها لا تسيء إلى أحدٍ، فهي تهين ذاك الذي رفعنا إلى هذه الكرامة لنكون قديسين وملوكًا. فالملك الذي يلبس الأرجوان ويحمل تاجًا على رأسه ويمسك صولجانًا إن ارتكب حماقة يهين كرامة المركز الذي وُجد فيه!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 4 جـ2 PDF Print Email
٣. النمو في الحب

أ. يقول الرسول: "وأما المحبة الأخوية فلا حاجة لكم أن أكتب إليكم عنها" ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [ينطق الرسول بهذا من قبل حكمته العظيمة وتعاليمه الروحية، فإنه بهذا أظهر أمرين: أولاً: أن الأمر ضروري جدًا حتى أنه لا حاجة للتعليم عنه، فإن الأمور الهامة جدًا واضحة أمام الجميع. وثانيًا: بقوله هذا يجعلهم أكثر خجلاً مما لو قدم لهم نصيحة. فإنه إذ يحسبهم أنهم سالكون باستقامة بهذا يقودهم إلى الاستقامة أكثر مما لو قدم لهم النصيحة، حتى وإن كانوا هم ليسوا كما يظن هو.]

ب. ربما بقوله هذا أراد أن يكشف لهم أنهم بالفعل يمارسون الحب، فلا حاجة لهم أن يكتب إليهم عنه. وإنما إن كتب يطلب نموهم بالأكثر في محبتهم التي يعيشونها. بهذا يشجعهم الرسول حتى لا يشعروا بصغر نفس، بل يدفعهم إلى النمو في الحب دون توقف عند حدود معينة. هذا هو منهج الرسول بولس في كل كتاباته، إنه يشجع النفوس ويبعث الرجاء في كل نفس، حتى إن وبخ أو انتهر. فهو يدرك حاجة الإنسان إلى الكلمات التي تسنده، لا التي تحطمه! هذا ومن جانب آخر فإن كل مسيحي دخل إلى العضوية في الكنيسة أي في جسد السيد المسيح إنما نال عطية الحب المجانية لكي يصير خلال جهاده الروحي بالروح القدس الساكن فيه. لذلك يقول الرسول: "لأنكم أنفسكم متعلمون من الله يحب بعضكم بعضًا" [9]. إننا متعلمون ليس فقط خلال الوصايا الإلهية الخاصة بالحب، ولا خلال الامتثال بالله محب البشر، وإنما بالأكثر خلال عمله فينا، إذ يعطينا طبيعة الحب عاملة فينا.

ج. قدم لنا الرسول مثلاً عمليًا للمحبة الأخوية، ألا وهو الجهاد في العمل لمساعدة الآخرين عوض أن نطلب مساعدتهم لنا، إذ يقول:

"أن تحرصوا على أن تكونوا هادئين، وتمارسوا أموركم الخاصة، وتشتغلوا بأيديكم أنتم كما أوصيناكم، لكي تسلكوا بلياقة عند الذين هم خارج، ولا تكون لكم حاجة إلى أحد" [١١-١٢].

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارات بقوله: [يظهر الرسول كم من الشرور تسببها البطالة، وكم من المنافع يحققها العمل، فالعمل هو علامة الحب للإخوة، به لا نأخذ منهم وإنما نساعدهم... إذ قيل: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع ٢٠: ٣٥).]

اهتم آباء الكنيسة الأولون بالحديث عن "عمل اليدين" ليس فقط بكونه تعبيرًا عن المحبة الأخوية حيث يعمل الإنسان ليسند المحتاجين ولا يثقل على أحد، وإنما أيضًا كجزء لا يتجزأ من الحياة الروحية. فقد قدَّس الله العمل البشري فصار مرتبطًا بالعبادة يشتمه الله رائحة رضا وعلامة حب لله خلال أمانة المؤمن في عمله كما في عبادته. ومن جانب آخر فإن العمل يسند النفس والفكر في الحياة مع الله. نذكر على سبيل المثال ما قاله القديس يوحنا كاسيان في حديثه عن الضجر بالنسبة للرهبان معلقًا على كلمات الرسول التي بين أيدينا هكذا: [يقول الرسول: "أن تحرصوا أن تكونوا هادئين"، بمعنى أن تقيموا في قلايتكم ولا ترتبكوا بالشائعات التي تنبعث عادة عن الكسالى وعن ثرثرتهم، فيقلقون ويسببون للآخرين قلقًا]. وكأن البطالة تسبب فراغًا في النفس كما في الفكر فيرتبك الإنسان بأمور تافهة، ويفقد سلامه لسبب أو لآخر، بل ويدفع الآخرين إلى فقد سلامهم معه، له فالعمل نافع لهدوئنا الداخلي وهدوء الآخرين.

يفسر القديس يوحنا كاسيان كلمات الرسول "تمارسوا أموركم الخاصة" هكذا: [لا تكونوا فضوليين تستطلعون شئون الغير أو تفحصون حياتهم، فتبددون طاقتكم لا في نمو حياتكم والتمتع بالفضيلة وإنما في الانتقاص من قدر إخوتكم]. فالإنسان العاطل يحاول أن يملأ فراغ قلبه الداخلي لا بالاهتمام فيما يبني نفسه، أي بأموره الخاصة، وإنما يشغل ذهنه بتصرفات الغير لإدانتهم في الفكر إن لم يكن بالكلام أيضًا، والتحقير من شأن الآخرين.

يؤكد الرسول "وتشتغلوا كما أوصيناكم"، وكأنه سبق فأوصاهم بالعمل في الفترة الوجيزة التي كرز فيها الرسول بينهم حتى لا يسبب لهم الفراغ قلقًا أو يسحب قلبهم إلى تصرفات الغير خلال حب الاستطلاع وإدانتهم. هذه العبارة تكشف عن جانب هام في كرازة الرسول بولس، إنه وهو يتحدث عن إنجيل المسيح كعصب الإيمان المسيحي وسر حياة المؤمنين، إذا به يوصي بالأمور العملية في دقةٍ وتفصيلٍ، حيث يوجههم هنا للعمل اليدوي كجزء لا يتجزأ من بنيان حياتهم الروحية... إنه يكرز بالإنجيل غير منفصل عن الحياة اليومية، فالإيمان يمس حياتنا الروحية كما يمس حياتنا النفسية والاجتماعية والجسدية، بكونها جميعًا تمثل حياة واحدة لا تتجزأ، تمتعنا بالحياة الجديدة في المسيح يسوع يقدس أرواحنا وأجسادنا، وكل ما في داخلنا وكل تصرف ظاهر حتى أعمالنا اليومية بل وأكلنا وشربنا، ونومنا ويقظتنا وتسليتنا الخ.

هذه النظرة المتكاملة للإنسان تنزع عنا كل دهشة بخصوص اهتمام سليمان الحكيم بالحديث عن تدبير كل حياة الإنسان خاصة العمل وتجنب الكسل والفراغ في أكثر من موضع. فمن كلماته: "كل كسول سيكتسي بالخرق والثياب البالية" (أم 23: ٢١ الترجمة السبعينية). ويعلق القديس يوحنا كاسيان على هذه العبارة، قائلاً: [من المؤكد أن الكسول لا يستحق أن يتزين بالحلة التي لن تبلى ولن تفسد، التي يتحدث عنها الرسول: "البسوا الرب يسوع المسيح" (رو ١٣: ١٤) وأيضًا: "لابسين درع الإيمان والمحبة" (١تس 5: ٨)، والتي تكلم عنها الرب نفسه بلسان النبي موجهًا الحديث لأورشليم: "استيقظي، البسي عزك يا صهيون" (إش ٥٢ : ١). فمن يستبد به نوم التراخي أو الضجر يستحسن لا أن يكتسي بعمله وكده بل بخرق الكسل].

طريق الكسول مملوءة أشواكًا وحقله الداخلي، أي قلبه، لا يخرج إلاَّ شوكًا وحسكًا، إذ يقول الحكيم: "عبرت بحقل الكسلان وبكرم الرجل الناقص الفهم، فإذا هو قد علاه كله القريص وقد غطى العوسج وجهه وجدار حجارته انهدم" (أم ٢٤ : ٣٠). أما النفس العاملة بحكمة فلا يكون في داخلها أشواك بل ثمار الروح القدس المفرحة، ولا تكتسي بالخرق البالية بل ببهاء المسيح نفسه. عن هذه النفس التي يفرح بها السيد كعروس مقدسة له يقول الحكيم: "امرأة فاضلة من يجدها لأن ثمنها يفوق اللآلىء... تطلب صوفًا وكتانًا وتشتغل بيدين راضيتين. هي كسفن التاجر، تجلب طعامها من بعيد، وتقوم إذ الليل بعد. وتعطي أكلاً لأهل بيتها وفريضة لفتياتها. تتأمل حقلاً فتأخذه، وبثمر يديها تغرس كرمًا. تنطق حقويها بالقوة وتشدد ذراعيها" (أم ٣١: ١٠- ١٧). إنها النفس التي لا تكف عن العمل نهارًا وليلاً، فتشبع قلب المسيح عريسها بثمر روحه، وتقدم طعام الحب لإخوتها، تعيش بروح القوة، بذراع متشددة.

فالعمل التزام إيماني مقدس، يلتزم به كل مسيحي حتى وإن كان في غير عوز. ولا يعفى من هذا الالتزام حتى الرهبان المتوحدين، إذ يقول القديس باسيليوس الكبير في حديثه عن كمال حياة المتوحدين: [يليق بالمسيحي ألا يكون بلا ترتيب. من يقدر على العمل يلزمه ألا يأكل خبز الكسل، ومن ينشغل بالعمل فليفعل هذا حسنا لمجد المسيح.]

٤. مجيء الرب الأخير

بعدما حدثهم عن الثبوت في الحياة الفاضلة في الرب، وجه أنظارهم إلى القيامة من الأموات ومجيء الرب الأخير ليبعث فيهم روح الرجاء في جهادهم الروحي ولتثبيتهم إلى النهاية أثناء الضيق. وقد أوضح الرسول النقاط التالية:

أولاً:
صار الموت خلال إيماننا بالسيد المسيح رقادًا، إذ يقول: "ثم لا أريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم" [١٣]. وكما يقول الأب افراهات: [الخاطيء وهو حي ميت لله، أما البار فإنه وهو ميت حي لله. مثل هذا الموت يحسب رقادًا، وكما يقول داود: "أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت" (مز 3: 5). ويقول إشعياء: "استيقظوا يا سكان التراب" (٢٦: ١٩). ويقول الرب عن ابنة رئيس المجمع: "الصبية لم تمت ولكنها نائمة" (مت ٩: ٢٤). وعن لعازر يقول لتلاميذه: "لعازر حبيبنا قد نام، لكني أذهب لأوقظه"(يو ١١: ١١).]

إنه يدعو الأموات بالراقدين، لأن نفوسهم قد تمتعت بالقيامة من الأموات خلال دفنهم مع السيد المسيح في المعمودية، فلا سلطان للموت عليها. إنها في حالة رقادٍ أو نومٍ مؤقت إلى يوم الرب العظيم، حيث تستيقظ أجسادهم لتتمتع بالمجد. فتشارك النفس إكليلها ويحيا الإنسان في أمجاد الحياة الأبدية. إن كان الموت راحة ورقادًا، فإن القيامة هي الحياة. لذلك يقول القديس أمبروسيوس: [الراحة حسنة، لكن الحياة أفضل، لهذا يسأل الرسول القيامة لمن هو في راحة ليكون في الحياة، قائلاً: "استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح" (أف 5: ١٤).]

ثانياً: ما دام الموت رقادًا فإنه يليق بنا ألا نحزن بلا رجاء من جهة الراقدين كمن هم بلا إيمان. لقد بكى السيد المسيح عندما خرت مريم عند قدميه قائلة: "يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي" (يو ١١: 3٢)، حتى "قال اليهود: أنظروا كيف كان يحبه". لقد قدس السيد ببكائه مشاعرنا البشرية، فنشارك المتألمين آلامهم، ونشعر بالشوق نحو أحبائنا الراقدين، لكن في رجاء حيّ أننا نلتقي معهم.

يقول القديس أمبروسيوس: [ليس كل بكاء ينبع عن عدم إيمان أو ضعف. فالحزن الطبيعي شيء، وحزن عدم الثقة شيء آخر. هناك فارق كبير بين الاشتياق إلى ما فقدناه والنحيب (بيأس) على ما فقدناه. هذا ويلاحظ أنه ليس الحزن فقط يسبب دموعًا وإنما للفرح أيضًا دموعه.] وكتب القديس باسيليوس الكبير إلى كنيسة بارنوسيوس شمال كبادوكية مؤكدًا لهم أن الرسول لم ينزع عنا بكلماته هذه مشاعرنا نحو الراقدين، إنما يحذرنا من الاستسلام للحزن، إذ يقول: [لست أعني بهذا أننا نكون بلا إحساس نحو الخسارة التي لحقت بنا وإنما ألا نستسلم لحزننا.]

أما سرّ عدم استسلامنا للحزن فهو رجاؤنا الذي يتخطى حدود هذه الحياة الزمنية ليرى المؤمن الأبدية معلنة في داخله وكما يقول القديس باسيليوس الكبير: [لو حُصر رجاء المسيحيين في حدود هذه الحياة لكان نصيبنا مرًا بحقٍ، إذ يحصر في الجسد قبل الأوان (أوان الأبدية)، أما إن كانت لهم محبة الله وتعتزل نفوسهم قيود الجسد، فإنهم يحسبون ذلك بداية الحياة الحقيقية، فلماذا تحزن كمن لا رجاء لهم؟ إذن فلتسترح ولا تسقط تحت متاعبك وإنما لتظهر نفسك أسمى من المتاعب ومترفع فوقها].

ثالثا: يقول الرسول: "لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام، فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضًا معه" [١٤]. يسمي الرسول الأموات بالراقدين بيسوع، أي أنهم يحملون السيد في داخلهم، لهذا لا يقوى الموت عليهم. في داخلهم "القيامة" (يو ١١: ٢٥) ذاته وإن ماتوا حسب الجسد لكنهم يقومون بالمسيح الساكن فيهم، القيامة ليست بغريبةٍ عنهم ولا بعيدة وإنما في داخلهم، عاملة في أجسادهم كما في نفوسهم.

يقول القديس كبريانوس: [يقول الرسول (عن غير المؤمنين) أنهم يحزنون على رحيل أصدقائهم بلا رجاء، أما نحن فنعيش في رجاء، ونؤمن بالله ونثق أننا نسكن في المسيح الذي تألم عنا وقام، ونقوم به وفيه، فلماذا لا نريد الرحيل من هذه الحياة، بل ننتحب ونحزن على أصدقائنا عند رحيلهم كما لو كانوا مفقودين، بينما السيد المسيح نفسه ربنا وإلهنا يشجعنا قائلاً: "أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيًا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد" (يو ١١: ٢٥). إن كنا نؤمن بالمسيح فلنؤمن بكلماته ومواعيده أننا لن نموت إلى الأبد. لنأتِ إليه بثقة أكيدة وفرح هذا الذي به نغلب ونملك إلى الأبد.]

رابعًا: يعلن الرسول عن قيامة الراقدين ومجدهم قائلاً: "سيحضرهم الله أيضًا معه" [١٤]. هذا هو سرّ مجدهم وكرامتهم أنهم سيكونون معه، وهو يكون معهم وفي وسطهم. لقد سمع القديس يوحنا الحبيب صوتًا من السماء يصف الحياة الأبدية، قائلاً: "هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعبًا، والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم" (رؤ ٢١ : ٣). وفي حديث يوجهه القديس يوحنا الذهبي الفم لمن مات ابنه، يقول: [حينما تطلب ابنك، ابحث عنه حيث يوجد الملك، وحيث يوجد جيش الملائكة. لا تطلبه في القبر على الأرض، لئلا بينما يكون هو مرتفعًا في الأعالي تبقى أنت زاحفًا على الأرض.]

خامسًا:
يتحدث الرسول عن لقاء الراقدين والأحياء، قائلاً: "فإننا نقول لكم هذا بكلمة الرب، أننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب لا نسبق الراقدين، لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء، والأموات في المسيح سيقومون أولاً. ثم نحن الأحباء الباقين سنُخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء. وهكذا نكون كل حين مع الرب. لذلك عزوا بعضكم بعضًا بهذا الكلام" [١٥- ١٨].

لقد أراد الرسول أن يظهر بأن القيامة ليست بالأمر الصعب على الله، فإن الذي يختطف الأحياء لملاقاته في السحب يستطيع أيضًا أن يقيم الأموات ليكون لهم ذات النصيب.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أن قول الرسول: "نحن الأحياء الباقين" لا يقصد بها الرسول نفسه والجيل المعاصر له، وإنما قصد المؤمنين الذين يبقون حتى يوم مجيئه. أما قوله "نحن" فعلامة الوحدة في الكنيسة، ما يتحقق مع أولاده الذين يكونون أحياء في ذلك الحين يحسبه الرسول كأنه يتحقق معه.

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان (السيد) نازلاً، فلماذا نختطف نحن إلى فوق (في السحب)؟ من أجل الكرامة! فإنه عندما يدخل ملك مدينة ما يخرج إليه أصحاب الكرامة لملاقاته، أما المدانون فيبقون في الداخل ينتظرون القاضي. عند مجيء أب حنون يأخذ أولاده الحقيقيين ومن هم مستحقون أن يكونوا كأولاد في مركبة ليخرجوا وينظروه ويقبلونه، أما الخدم المخطئون فييبقون في الداخل، هكذا نُحمل نحن في مركبة أبينا (السحب): فقد أُخد هو في السحابة (أع ١: ٩) ونحن أيضًا نختطف في السحب. أنظروا أية كرامة هذه! إنه ينزل إلينا فنصعد نحن لملاقاته! ما أعظمها غبطة أن نكون نحن معه!]

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن اختطاف المؤمنين على السحاب لكي يلتقوا بالسيد القادم إليهم ويكونوا معه إلى الأبد، إنما هو علامة التغيير الذي يتم في أجسادنا، فتتحول من الفساد الذي كان يمثل ثقلاً يجتذبها إلى الأرض إلى عدم الفساد، فترتفع خفيفة منطلقة إلى السحب لملاقاة الرب. إنه يقول: [عندما يُسمع بوق القيامة الذي ييقظ الأموات، ويحول الذين هم أحياء إلى شكل الذين تمتعوا بالتغيير الخاص بالقيامة أي إلى عدم الفساد، فلا يعود يكون وزن الجسد ثقيلاً ينزل بهم إلى الأرض، إنما يرتفعون إلى أعلى في الهواء كقول الرسول].

وفي موضع آخر يقول: [ما حدث لناسوت المسيح إنما هو منحة عامة مقدمة للبشرية كلها. فإننا إذ نرى فيه ثقل الجسد الذي بحسب الطبيعة ينجذب نحو الأرض، قد صعد في السماوات خلال الهواء نؤمن بكلمات الرسول أننا نحن أيضًا نُختطف في السحب لملاقاة الرب في الهواء.]

وللقديس أغسطينوس فكر مشابه، إذ يقول: [إننا سنكون ليس بلا أجساد عندما نُوجد مع الرب على الدوام، لكن إذ تكون الأجساد غير قابلة للفساد فإنها لا تثقل على نفوسنا. إن تطلعنا بدقة فإننا نجد نفوسنا لا تلتصق بالأجساد بل الأجساد تلتصق بنفوسنا ونحن (نفوسنا) نلتصق بالله.]

1 فمن ثم ايها الاخوة نسالكم و نطلب اليكم في الرب يسوع انكم كما تسلمتم منا كيف يجب ان تسلكوا و ترضوا الله تزدادون اكثر
2 لانكم تعلمون اية وصايا اعطيناكم بالرب يسوع
3 لان هذه هي ارادة الله قداستكم ان تمتنعوا عن الزنا
4 ان يعرف كل واحد منكم ان يقتني اناءه بقداسة و كرامة
5 لا في هوى شهوة كالامم الذين لا يعرفون الله
6 ان لا يتطاول احد و يطمع على اخيه في هذا الامر لان الرب منتقم لهذه كلها كما قلنا لكم قبلا و شهدنا
7 لان الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة
8 اذا من يرذل لا يرذل انسانا بل الله الذي اعطانا ايضا روحه القدوس
9 و اما المحبة الاخوية فلا حاجة لكم ان اكتب اليكم عنها لانكم انفسكم متعلمون من الله ان يحب بعضكم بعضا
10 فانكم تفعلون ذلك ايضا لجميع الاخوة الذين في مكدونية كلها و انما اطلب اليكم ايها الاخوة ان تزدادوا اكثر
11 و ان تحرصوا على ان تكونوا هادئين و تمارسوا اموركم الخاصة و تشتغلوا بايديكم انتم كما اوصيناكم
12 لكي تسلكوا بلياقة عند الذين هم من خارج و لا تكون لكم حاجة الى احد
13 ثم لا اريد ان تجهلوا ايها الاخوة من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم
14 لانه ان كنا نؤمن ان يسوع مات و قام فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله ايضا معه
15 فاننا نقول لكم هذا بكلمة الرب اننا نحن الاحياء الباقين الى مجيء الرب لا نسبق الراقدين
16 لان الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة و بوق الله سوف ينزل من السماء و الاموات في المسيح سيقومون اولا
17 ثم نحن الاحياء الباقين سنخطف جميعا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء و هكذا نكون كل حين مع الرب
18 لذلك عزوا بعضكم بعضا بهذا الكلام


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 4 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 5 جـ1 PDF Print Email

وصايا ختامية


يختتم الرسول بولس رسالته بوصايا عملية وذلك كعادته في كل رسائله، فيتحدث هنا عن:

1. حياة السهر ١ - ١١.

2. محبة الرعاة ١٢ - ١٣.

3. وصايا أخرى ١٤ - ٢٢.

4. ختام الرسالة ٢٣ - ٢٨.

١. حياة السهر

إذ يكتب الرسول إلى الكنيسة المتألمة المترقبة بصبر سرعة مجيء الرب، يطالبهم بالسهر الدائم مبرزًا النقاط التالية:

أولاً: أن يوم الرب لا يأتي بمراقبة، إذ لا يعلم أحد اليوم ولا الساعة (مت ٢٤: ٢6)، وكما يقول الرسول: "وأما الأزمنة والأوقات فلا حاجة لكم أيها الإخوة أن أكتب إليكم عنها" [١]. إنه يردد كلمات السيد المسيح قبيل صعوده: "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" (أع ١: ٧)، ليس لأن الله يريد أن يخفي عنا أسراره، وإنما في محبته يود أن يجعلنا في حالة سهرٍ دائمٍ ملتهبة قلوبنا بمجيئه، ومستعدين للدخول معه في العرس الأبدي.

وكما أن يوم مجيئه سرّ خاص بالله، يتحقق عندما يكمل المختارون، ليس لنا أن نعرف زمانه، هكذا أيضًا في حياتنا الروحية، يلزمنا أن نجاهد بالروح القدس الساكن فينا لنمارس الحياة الفاضلة في الرب، وبيقين شديد أنه يعمل فينا لنمونا الروحي، لكننا لا ننتظر عطاياه الروحية بمراقبة. في رجاء حقيقي يجاهد الإنسان متكئًا على صدر الرب، مطمئنًا لمحبة الله الذي يهب بسخاء ولا يعيِّر. لكننا نترك له موعد العطاء، فهو يهب ما لمجد اسمه وما لبنيان الكنيسة ولخلاصنا، ويحدد الموعد المناسب، ويعطي قدر ما يرى هو، كما ننتظر بشوقٍ مجيء الرب دون معرفة الأزمنة, نفتح قلوبنا بشوق لنعمه الروحية الغنية دون تحديد أزمنة. وما أريد أن أوضحه أن الله لا يبخل علينا، لكنه لهدفٍ معينٍ قد يتأخر في الاستجابة، كأن يعلمنا حياة المثابرة أو يدربنا على الصلاة بلجاجة، أو ليزكي إيماننا فيه، أو لكي لا نستخف بالعطايا الإلهية. فالتأخير في العطاء في الحقيقة هو جانب من جوانب رعاية الله الفائقة لفكرنا.

ثانيًا: يأتي هذا اليوم بالنسبة لغير المستعدين كلصٍ في الليل، في لحظة لا يتوقعونها أو كالمخاض للحبلى، إذ يقول: "لأنكم أنتم تعلمون بالتحقيق أن يوم الرب يأتي كلص في الليل هكذا يجيء، لأنه حينما يقولون سلام وأمان، حينئذ يفاجئهم هلاك بغتة، كالمخاض للحبلى فلا ينجون" [2-3]. إنه يوم ظلمة وقتام لغير المستعدين، فيكون كمن ينام ظانًا أنه في سلام وأمان، فيسطو عليه اليوم فجأة كلصٍ ينهبه، أو يكون كالحبلى غير المستعدة للمخاض فيفاجئها وتهلك. وكما يقوم عاموس النبي: "ويل للذين يشتهون يوم الرب، لماذا لكم يوم الرب هو ظلام لا نور؟" (عا ٥: ١٨).

يرى القديس أغسطينوس أن عنصر المفاجأة يتحقق بالنسبة لغير المستعدين إما بمجيء الرب لإدانتهم أو انتقالهم، إذ يقول: [لتسهروا بالليل حتى لا تفاجئوا باللص، فإن نوم الموت قادم، إن أردتم أو لم تريدوا.]

ثالثًا: إن كان يوم الرب بالنسبة لغير المستعدين ظلامًا، فإنه بالنسبة للمؤمنين الساهرين يوم عرس مفرح ومنير، يقول الرسول: "وأما أنتم أيها الأخوة فلستم في ظلمة حتى يدرككم ذلك اليوم كلص. جميعكم أبناء نور وأبناء نهار. لسنا من ليل ولا من ظلمة، فلا ننم إذًا كالباقين، بل لنسهر ونصحُ. لأن الذين ينامون فبالليل ينامون، والذين يسكرون فبالليل يسكرون" [٤-٧].

لقد كنا قبلاً أبناء ليل وأبناء ظلمة كاللصوص والزناة الذين يترقبون الليل ليمارسوا نشاطهم الشرير، ويرتكبوا أعمال الظلمة من لصوصية وزنى .. وكما يقول القديس أغسطينوس: [من هم أبناء الليل؟ وأبناء الظلمة؟ أولئك الذين يرتكبون الشرور. إنهم أبناء ليل، إذ يخافون لئلا تُنظر الأمور التي يفعلونها... ليس أحد يعمل في الفجر (مع بدء النهار) إلاَّ الذي يعمل في المسيح!]

كنا قبلاً نسلك في الليل كمن في حالة نوم، يأتينا يوم الرب كلص، أو كالمخاض للحبلى غير المستعدة، أما الآن فإذ قبلنا شمس البرّ فينا، دخلنا إلى النور، وصرنا أبناء نور وأبناء نهار، نترقب مجيئه بفرحٍ، بقلبٍ متيقظٍ.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كيف يمكن أن يوجد أبناء للنهار؟ ويجيب: يقال ابن الهلاك وابن جهنم أي الذين يعملون أعمالاً تناسب جهنم، إذ يقول المسيح للفريسيين: "ويل لكم لأنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحدًا ومتى حصل تصنعونه ابنًا لجهنم" (مت ٢٣: ١٥). وأيضًا يقول بولس: "الأمور التي من أجلها يأتي غضب الله على أبناء المعصية" (كو ٣: 6)، أي الذين يعملون أعمال المعصية. هكذا أيضًا أبناء الله هم الذين يعملون الأمور التي ترضي الله، وأبناء النهار وأبناء النور هم الذين يعملون أعمال النور.]

رابعًا: يلتزم أبناء النهار وأبناء النور بالسهر، لا بمعنى الامتناع عن النوم الطبيعي، وإنما دوام يقظة النفس الداخلية، فلا يكون لها ليل قط تسترضي فيه بل كما يأمرنا الرسول "لنسهر ونصح" تكون حياتنا كلها نهارًا وكلها نورًا. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه بالنسبة للجسد يوجد ليل ونهار بغير إرادتنا، فيلتزم الجسد بالنوم وقتًا ما، أما بالنسبة للنفس ففي سلطاننا أن يكون لنا نهار أو ليل، فإنه إذ نغمض أعيننا الداخلية ونفقد بصيرتنا الروحية ونسترخي تنام النفس. أما النفس اليقظة، فتقول: "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش 5: 2)، حتى وإن نام الجسد وبدت الحواس مسترخية، فإن القلب لا يعرف الليل ولا الظلمة ولا الاسترخاء!

هذا ولا تنكر أهمية سهر الجسد أيضًا فيما هو لبنيان الروح، في الصلاة أو التسبيح أو دراسة الكتاب المقدس أو خدمة المرضى الخ .. يقول القديس يوحنا الدرجي: [العين الساهرة تجعل العقل نقيًا، وأما النوم الكثير فيقيد الروح، النوم الكثير يولد النسيان أما السهر فينقي الذاكرة.]

خامسًا:
يقول الرسول: "لأن الذين ينامون فبالليل ينامون، والذين يسكرون فبالليل يسكرون" [٧]. فالنفس لا تنم إلاَّ إذا قبلت أن يكون لها ليل وظلمة، حينئذ تسترخي. وأيضًا لا تسكر إلا إذا قبلت أن تشرب خمر الشر الذي يجعلها مترنحة، فتفقد كل اتزانها، ويضيع الهدف من أمام عينيها. النفس التي تشتهي غنى العالم، وتجري وراء المجد الباطل، وتسعى وراء الشهوات والملذات الجسدية تعيش كما في ليلٍ وظلمةٍ وكمن يشرب خمرًا، بل وتكون كمن هو في حلمٍ، فتستيقظ يومًا على أثر ندائها لتخرج من الجسد، فلا تجد شيئًا من كل ما كانت تسعى وراءه. لقد عاشت في حالة نومٍ وسكرٍ حين كانت في الجسد تسترخي وتترنح بخمر محبة العالم، فلا تطلب ما هو بحق ليبقى لها رصيدًا في أبديتها.

سادسًا: يقول الرسول: "وأما نحن الذين من نهار فلنصح، لابسين درع الإيمان والمحبة وخوذة هي رجاء الخلاص" [9]. إن كنا قد قبلنا ألاَّ يكون لنا ليل ولا ظلمة، فنحيا في النهار صاحين، نتقدم لله كجنودٍ روحيين نحتمي بدرع الإيمان والمحبة وخوذة الرجاء، هذه الأمور الثلاثة "الإيمان والمحبة والرجاء" هي أدوات الحرب الروحية التي اختبرها أهل تسالونيكي كما جاء في مقدمة الرسالة: "متذكرين بلا انقطاع عمل إيمانكم وتعب محبتكم وصبر رجائكم" (1: 3).

مادمنا أبناء النور لن يقدر الشيطان "رئيس الظلمة" أن يتوقف عن تصويب سهامه النارية ضدنا. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليلتف الإيمان والحب حول نفسك (كدرعٍ) فلا يقدر أي سهم ناري للشيطان أن يخترقه.]

يقول الأب سيرنيوس:

[الإيمان هو الذي يوقف سهام الشهوة الشريرة ويهلكها بالخوف من الدينونة العتيدة والإيمان بملكوت السماوات... والمحبة في الواقع هي التي تحيط المناطق الحيوية للصدر، فتحميه من التعرض لجراحات الأفكار المتزايدة المهلكة، وتحفظه من الضربات الموجهة ضده، ولا تسمح لسهام الشرير أن تتعمق إلى الإنسان الداخلي لأن "المحبة تحتمل كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء" (١ كو ١٣: ٧)... وخوذه رجاء الخلاص هي التي تحمي الرأس.

فالمسيح هو رأسنا، لذلك ينبغي علينا في التجارب أن نحمي رأسنا برجاء الأمور الصالحة العتيدة، وعلى وجه الخصوص أن نحفظ الإيمان كاملاً وطاهرًا. فمتى فقد إنسان جزء من جسده، يمكنه أن يعيش مهما كان هزيلاً، لكنه لا يستطيع أن يحيا ولا لفترة قصيرة بدون الرأس.]

لقد رتب الرسول أسلحة الروح هكذا: الإيمان فالمحبة ثم الرجاء. مع أنه في مواضع أخرى يرتبها هكذا: الإيمان فالرجاء ثم المحبة، لأن الإيمان هو سرّ لقائنا بالله والتمتع بالشركة معه في ابنه، والرجاء هو الذي يهبنا الفرح خلال اليقين الشديد أننا مدعوون للميراث الأبدي. فإن كان الإيمان يفتح بصيرتنا لندرك أسرار محبة الله، فإن الرجاء هو الذي يدفعنا لقبول هذه الأسرار بغير يأس. أما المحبة فهي ثوب العرس الأبدي، والنصيب الذي يبقى معنا في السماوات، لأن "المحبة لا تسقط أبدًا". فسينتهي الإيمان برؤيتنا لله وأسراره، والرجاء بتمتعنا العملي بالميراث، أما المحبة فلا تزول بل تبقى سرّ أبديتنا كلغة التفاهم في السماوات. أما هنا فإذ يتحدث إلى أهل تسالونيكي وهم في ضيقة مرّة مع الرسول المتألم لذلك ترك الحديث عن الرجاء بعد الإيمان والمحبة، لتأكيد حاجتهم إلى الصبر الدائم بغير يأس، حتى يكملوا طريق الآلام مترقبين بفرح مجيء الرب الأخير والتمتع بالأمجاد الأبدية.

أما سر قوتنا في جهادنا الروحي، فهو اختيار الله لنا وبذله ابنه الوحيد فدية عنا وخلاصًا لنفوسنا، إذ يقول الرسول: "لأن الله لم يجعلنا للغضب بل لاقتناء الخلاص بربنا يسوع المسيح، الذي مات لأجلنا" [٩- ١٠]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا تيأس يا إنسان من جهة ذهابك إلى الله، فإنه لم يبخل عليك بابنه. لا تضعف أمام الشرور الحاضرة. لقد قدم الله ابنه الوحيد ليخلصك وينقذك من جهنم، فأي شيء لا يقدمه لخلاصك؟ هكذا يليق بنا أن نترجى كل شيء بحنوٍ. فلا تخف لأننا ذاهبون إلى الديان ليحكم علينا، فإنه هو بنفسه الذي أظهر لنا حبًا عظيمًا مقدمًا ابنه ذبيحةً عنا. إذن فلنترجَ نوال أمور عظيمة ونبيلة ما دمنا قد نلنا الأساسيات، ولنؤمن إذ رأينا مثالاً أمامنا، ولنحب لأنه أي جنون ينسب لمن لا يحب من عوامل هكذا؟]

إن كانت أسلحتنا الروحية هي الإيمان والمحبة والرجاء، فإننا خلال ذبيحة السيد المسيح ننعم بهذه الأسلحة، فنؤمن به كمخلص، وننهل من صليبه سرّ المحبة الإلهية المتدفقة، وخلاله نترجى التمتع بالأمجاد خلال هذه الذبيحة يمتليء المؤمن إيمانًا وحبًا ورجاء.

خلال هذه الذبيحة دخلنا في ملكية الله، فصرنا له، سواء كنا ساهرين في هذا العالم خلال حياة الجهاد المستمر أو نومنا أي رقادنا للراحة في الرب حتى تقوم أجسادنا من جديد. إذ يقول الرسول: "حتى إذا سهرنا أو نمنا نحيا جميعًا معه" [١٠]. وكما يقول: "لأنكم قد اشتريتم بثمن فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (١ كو ٦ :٢٠). ويقول القديس بطرس: "عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (١ بط ١: ١٨-١٩).

بموت السيد المسيح صرنا في ملكية الله، له كل القلب موضعًا يستريح فيه، ولنا فيه موضعًا نستريح نحن فيه ومعه. بهذا صار لجهادنا على الأرض غاية واضحة هي الوجود مع الله. هذا هو سرّ تعزيتنا الحقيقية التي نسند بها إخوتنا، إذ يقول الرسول: "لذلك عزوا بعضكم بعضًا وابنوا أحدكم الآخر" [١١].


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email
٢. محبة الرعاة

"ثم نسألكم أيها الإخوة أن تعرفوا الذين يتعبون بينكم، يدبرونكم في الرب وينذرونكم، وأن تعتبروهم كثيرًا جدًا في المحبة من أجل عملهم" [١٢-١٣].

بعد أن حثهم على حياة السهر الروحي والجهاد، منتظرين مجيء الرب في صبرٍ بدأ يسألهم تكريم آبائهم الروحيين ومدبريهم الساهرين عليهم، طالبًا منهم أن يعتبرونهم كثيرًا جدًا في المحبة. ولعل السبب في هذا أن بعض المغرضين حاولوا تشويه صورة الرسول بولس عند الكنيسة في تسالونيكي إذ لم يحضر إليهم وسط ضيقتهم، مكتفيًا بإرسال تلميذه وشريكه في الخدمة الرسولية تيموثاوس. لقد سبق فرأينا كيف كشف الرسول عن أبوته لهم وحنانه نحوهم ومشاركته آلامهم. والآن لا يطلب لنفسه هذه الكرامة، وإنما يسألهم الحب لجميع من يخدمونهم روحيًا. إذ طهر السيد المسيح أبرصًا قال له: "اذهب أر نفسك للكاهن" (مت 8: 4) ويقول الرسول: "أما الشيوخ المدبرون حسنًا فليحسبوا أهلاً لكرامة مضاعفة، ولا سيما الذين يتعبون في الكلمة والتعليم" (١ تي ٥: ١٧). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على عبارات الرسول في هذا الأصحاح، قائلاً: [من يحب المسيح يحب الكاهن - أيًا كان - فمن خلاله ينعم بالأسرار الشرعية... أما تحبه كثيرًا كعينيك؟ أما تقبله؟ إنه يفتح لك السماء، أفما تقبله وتكرمه؟ إن كانت لك زوجة فلتحبه بالأكثر، لأنه قدمها لك. إن كنت تحب المسيح إن كنت تحب ملكوت السماوات فاعرف أنك تقتني هذا خلاله.]

الكرامة التي نقدمها للكاهن، أو الحب الذي نظهره له، إنما يُعلن خلال طاعتنا لكلمة الله، وقبولنا لحياة الشركة مع الله، فإنه ليس شيء يبهج قلب الخادم ويشبع نفسه مثل أن يرى أولاده في أحضان الله. فالكاهن ليس في حاجة إلى كلمات مديح، ولا يسر بالمحبة العاطفية قدر ما يفرح بخلاص أولاده. تكريمنا له يتحقق بمساندته في رسالته خلال نمونا الروحي، وعملنا في كرم الرب لحساب ملكوت السماوات. هذا ما لمسناه بوضوح في دراستنا للقديس يوحنا ذهبي الفم إذ يصرخ لشعبه طالبًا أن يبسطوا أيديهم ويترفقوا به كمن هو في خطر، وذلك خلال التوبة الصادقة والعمل في كرم الرب.

يقول الرسول: "وأن تعتبروهم كثيرًا جدًا في المحبة من أجل عملهم" [١٣]. عمل الراعي الحكيم يتركز في جهاده المستمر وسهره ويقظته على كل إنسان لكي يدخل به إلى التمتع بالحياة في المسيح يسوع بواسطة الروح القدس، الأمر الذي يعرضه كثيرًا لمضايقة حتى من يخدمهم لأجل توبتهم وخلاصهم بالرب. لهذا يوصي الرسول بحب الرعاة واضعين في قلوبنا جهادهم ومحبتهم التي تدفعهم لمثل هذه التصرفات التي قد تكون في نظرنا مؤلمة. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هكذا كما يضطر الأطباء إلى مضايقة المرضى لكن المرضى يقبلون ذلك من أجل فائدتهم، وكما أن الآباء كثيرًا ما يضايقون أبناءهم، هكذا بالأكثر جدًا يفعل المعلمون ذلك. يتضايق المرضى من الطبيب ومع هذا فغالبًا ما يدخلون معه في علاقة ود... ويمارس الأب سلطانه على ابنه بسهولة شديدة بحكم الطبيعة وخلال القوانين الوضعية، فيقوم بتأديب ابنه بغير إرادة الابن ومع ذلك فلا يجد ما يعوقه ولا يقدر الابن أن يرفع نظره إليه، أما الكاهن فإن فعل هكذا يجد صعوبة شديدة. فمن جهة الكاهن ملتزم بتدبير أمور شعب يطيعونه بإرادتهم (دون إلزام) ويشكرونه على تدبير أمورهم، وإن كان هذا لا يتحقق بسهولة، فإن دان الكاهن شخصًا ووبخه، فبالتأكيد لا يشكره الشخص، بل يتحول إلى عدوٍ، وهكذا إن قدم نصيحة أو نذر. فإن قلت لكم انفقوا غناكم على المحتاجين أكون كمن يهاجمكم ومن هو ثقيل عليكم. وإن قلت لكم اكبحوا غضبكم، واطفئوا غيظكم، واضبطوا شهواتكم الشريرة، وتخلوا عن الترف، تحسبوا هذا أمرًا ثقيلاً وهجومًا ضدكم. فإن عاقبت إنسانًا كسولاً أو طردته من الكنيسة أو استبعدته عن الصلوات العامة يحزن لا لأنه سيحرم من هذه الأمور، وإنما لأنه يحسب في ذلك إهانة عامة قد لحقت به.]

هكذا يلتزم الكاهن أحيانًا في محبته الأبوية أن يكون حازمًا، الأمر الذي يعرضه لمضايقة الناس منه، فلا تُقابل أبوته بالحب بل بالبغضة، لهذا يقول الرسول: "وأن تعتبروهم كثيرًا في المحبة من أجل عملهم".

٣ . وصايا أخرى

ختم الرسول رسالته بوصايا قصيرة مترابطة معًا، وهي:

أولاً: "انذروا الذين بلا ترتيب": ماذا يعني بالترتيب؟ في اليونانية تعني "طقس" أو "نظام"، وهي لا تقف عند حدود التنظيمات الخارجية وإنما تحوي منهج الحياة، كأن نقول "طقس الملائكة" أي الحياة الملائكية في نقاوتها وتسابيحها وتفكيرها الخ. وهكذا عندما نقول "طقس الرهبنة" يعني الفكر الرهباني العميق بما يحمله من اتجاهات داخلية مع تدابير. فالمسيحي له طقسه الخاص به الذي هو "الحياة في المسيح"، فتكون له إرادة المسيح وفكر المسيح وسلوك المسيح في عبادته الشخصية والعائلية والجماعية وحياته اليومية كما في حياته الخفية الداخلية.

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [من هم الذين بلا ترتيب؟ الذين يعملون ما يضاد إرادة الله... الإنسان الشتام يسلك بلا ترتيب، والسكير أيضًا، وكل الذين يخطئون. هؤلاء يسلكون بلا ترتيب يليق برتبتهم، إذ ينحرفون عنه، لهذا يطرحون خارجًا.]

الحياة المسيحية هي طقس متكامل، يحمل جوانب عديدة تعبدية وسلوكية، فكل من ينحرف عن العقيدة أو الترتيب التعبدي الكنسي أو السلوكي إنما يسلك بلا ترتيب.

ثانيًا: "شجعوا صغار النفوس، اسندوا الضعفاء، تأنوا على الجميع" [١4]. كأن الرسول يعلن لهم أن إنذار من هم بلا ترتيب يلزم أن يكون بحنوٍ وترفقٍ، حتى لا يسقط صغار النفوس ولا يتحطم الضعفاء. بمعنى آخر إذ ننذر الذين بلا ترتيب إنما نفعل هذا بكل أناة. فإن كان خدام الكنيسة ملتزمين أن ينذروا من هم بلا ترتيب، لكن الأساس في هذا العمل هو الحب المترجم عمليًا خلال طول الأناة، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس دواء يعادل هذا (طول الأناة) يناسب المعلم، ولا ما يناسب من هم تحت التدبير مثله.]

ماذا يقصد الرسول بصغار النفوس؟ إنهم الذين لا يحتملون الإهانة، فتصغر نفوسهم جدًا، ويتعرضون لليأس، مثل هؤلاء يلزم أن نستخدم معهم أسلوب التشجيع، فنترفق بهم حتى عند انتهارهم، فالانتهار ليس غاية في ذاته، ولا واجب يلتزم به المدبر، وإنما هو وسيلة للبنيان، فإن حطم نفسًا صغيرة تطلب هذه النفس من المدبر.

يجد الراعي بين شعبه من هم "ضعفاء" في الإيمان، فلا يحتقرهم بل يترفق بهم ويسندهم حتى يمتلئوا قوة، متشبهًا بالسيد المسيح نفسه الذي قيل عنه "قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفيء".

أخيرًا يقول "تأنوا على الجميع"، فإن كل نفس، مهما بلغ سموها الروحي، تحتاج إلى طول الأناة.

ما أعذب الكلمات التي نطق بها القديس أمبروسيوس: [يا رب هب لي أن تكون سقطات كل إنسان أمامي، حتى احتملها معه، ولا أنتهره في كبرياء بل أحزن وأبكي. في بكائي من أجل الآخرين، أبكي على نفسي قائلاً: هي (ثامار) أبر مني (تك ٣٨: ٢٦)]. وكلمات القديس يوحنا الدرجي: [أيها الراعي النشيط اطلب الضال، واحمله على منكبيك بفرح، فتقدر على شفاء الأمراض المميتة المؤلمة، فالمحبة تعظم الجبابرة وهي موهبة الطبيب.]

في دراستنا للحب الرعوي رأينا أن عمل الكنيسة أن تحل لا أن تربط، وإن ربطت عند الضرورة القصوى، إنما لكي تحل. تترفق بالجميع في طول أناة، مهما ثقلت الخطايا، ولكن بغير مهادنة.

ثالثًا: "انظروا أن لا يجازي أحد أحدًا عن شرٍ بشرٍ" [١٥]. وكأن الرسول يعلن أن الحب لا يقف عند حدود مساندة الضعفاء والترفق بالخطاة، وإنما يلزم احتمال شر الأشرار بقلبٍ متسعٍ دون انتقام الإنسان لنفسه.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تقول أن إنسانًا كهذا شرير قد أحزنني وسبب لي أضرارًا جسيمة. أتريد أن تنتقم لنفسك؟ لا تثأر لنفسك، بل أتركه ولا تنتقم. هل تقف عند هذا الحد؟ لا، "بل كل حين اتبعوا الخير بعضكم لبعض وللجميع" [١٥]. هذا هو علو الفلسفة أننا لا نقابل الشر بالشر، بل نقابله بالخير. فإن هذا بحق هو انتقام يسبب لنفسك نفعًا، ويمكن للآخر أيضًا أن ينتفع إن أراد.] بمقابلة الشر بالخير ينتفع صانع الخير ويتزكى أمام الله والناس، بينما يفقد الشرير الكثير أمام الجميع إن لم يتب. هذا ويؤكد الرسول أن هذا التصرف لا يكون فقط في تعاملنا مع الإخوة، وإنما مع الجميع حتى الذين يضايقوننا باطلاً، فإن النار لا تُطفأ بالنار بل بالماء.

رابعًا: "افرحوا كل حين" [١٦]. إذ يتسع القلب بالحب للجميع حتى للأشرار ترتدي النفس ثوب العرس المفرح وتُحسب أهلاً للحياة السماوية فتنعم بالفرح كعطية سماوية حتى وسط الآلام، فلا يقدر الغم أن يتسرب إليها تحت أي ظرف، وإن تسرب لا يقدر أن يستقر فيها. حقًا إن الفرح الدائم وإن كان وصية إنجيلية لكنه في نفس الوقت هو عطية الروح القدس (غل ٥: ٢٢) يوهب للنفس خلال إتحادها بالله الآب في ربنا يسوع المسيح. لذلك يقول القديس غريغوريوس صانع العجائب: [انظروا أيها الأعزاء المحبوبين كيف يهبنا الله في كل موضع وبطريقة متكاملة الفرح الدائم الفائق المعرفة.] ويقول القديس ديديموس الضرير: [لقد دعا الروح القدس الذي يرسله بالمعزي. ملقبًا إياه هكذا بسبب عمله، لأنه ليس فقط يريح من يجدهم مستحقين ويخلصهم من كل غم واضطراب في النفس، بل في نفس الوقت يمنحهم فرحًا أكيدًا لا ينحل، فيسكن في قلوبهم فرح أبدي حيث يقطن الروح القدس.]

خامسًا: "صلوا بلا انقطاع" [١٧]. ربما يتساءل البعض: كيف نتمم الوصايا السابقة أو كيف ننعم بالمواعيد السابقة من حبٍ بلا حدود، وفرح في كل حين؟ يجيب الرسول بوصية جديدة هي سرّ العطايا الإلهية: "صلوا بلا انقطاع. اشكروا في كل شيء، لأن هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم" [١٧-١٨]. ما أحوجنا إلى الصلاة الدائمة، إنها عمل الملائكة خاصة التشكرات في كل شيء. بهذا تتحقق غاية الله فينا في المسيح حياتنا حيث تصير لنا الحياة السماوية معلنة في داخلنا كما في تصرفاتنا.

ماذا تعني الصلاة الدائمة؟

أ. إن كانت الصلاة تعني "الصلة"، فإن الصلاة الدائمة تعني العلاقة المستمرة مع الله وإدراك وجودنا في الحضرة الإلهية بلا انقطاع، في عبادتنا كما في أثناء عملنا، وفي يقظتنا كما في أثناء نومنا. يقول القديس چيروم: [كان العبرانيون مطالبين أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات في السنة (خر ٢٣: ١٧)... إذ كان الكتاب المقدس يتحدث في سفر الخروج إلى أناس صغار (في القامة الروحية)، أما هنا فيحث النبي (الرسول) المؤمنين بالله أن يطلبوه على الدوام، إذ يأمرنا العهد الجديد بالصلاة بلا انقطاع.]

ب. الصلاة الدائمة في ذهن القديس هيلاري أسقف پواتييه هي تخطي حدود الجسد ومطالبه التي تربطنا على الدوام لنهتم بالأكثر بالروحيات، إذ يقول: [إننا ملتزمون أن نستخف بمطالب الجسد وأن نستمر في الصلاة بلا عائق.]

لا يعني هذا تجاهل الجسد واحتقاره, وإنما لأننا قد أُسرنا باحتياجاته بطريقة مبالغ فيها يلزمنا أن نتحرر من هذه العبودية لنحيا روحيًا فنعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله, فيما نهتم باحتياجات الجسد دون استعباد له نهتم بالروح بلا انقطاع!


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى اصحاح 5 جـ3 PDF Print Email
كيف نمارس الصلاة الدائمة؟

يقول القديس أغسطينوس: [هل بقوله: صلوا بلا انقطاع يعني أننا نحني ركبنا ونطرح أجسادنا أو نبسط أيدينا بلا انقطاع؟ لو كانت الصلاة تعني هذا فإنني أظن أننا لا نقدر على الصلاة بلا انقطاع. وإنما يوجد نوع آخر داخلي للصلاة بلا انقطاع، وهي رغبة القلب إلى أمر يعمله... فإن كنت مشتاقًا إلى السبت (الراحة الأبدية) فأنت لا تكف عن الصلاة. إن أردت ألاَّ تمتنع عن الصلاة، فلا تكف عن الشوق إليها، فإن استمرار الاشتياق إنما هو استمرار للصلاة.]

فالصلاة الدائمة إنما هي التهاب القلب المستمر بل والمتزايد، في حنين لا ينقطع نحو الحياة الأبدية أو السكنى مع الله وفيه إلى الأبد. هذا الحنين يلتهب كلما خلع الإنسان عنه ثوب الدنس وارتدى بالروح القدس الناري الحياة المقدسة، منطلقًا من حياة الخطية المثقلة للنفس إلى الحياة الفاضلة في الرب التي تسحب الفكر والقلب وكل الأحاسيس نحو الإلهيات. وكما يقول الأب إسحق: [لا نقدر أن ننفذ هذه الوصية (الصلاة بلا انقطاع) ما لم يتنقَ عقلنا من كل وصمات الخطية إلى الفضيلة حتى يكون صلاحه طبيعيًا، ويتغذى على التأمل المستمر في الإله القدير.]

هذه الصلاة المستمرة تسندها الصلوات اليومية للسواعي، وكما يقول القديس چيروم: [إن كان الرسول يأمرنا أن نصلي بلا انقطاع، وإن كان حتى النوم ذاته يُحسب توسلاً بالنسبة للقديسين، يلزمنا أن نحدد ساعات للصلاة، حتى إذا ما أعاقنا العمل يذكرنا الموعد نفسه بالتزامنا. الصلاة، كما يعرف الجميع، يلزم أن تمارس في الثالثة والسادسة والتاسعة وفي الفجر والغروب. لا تبدأ وجبة طعام بدون صلاة، وقبل ترك المائدة يلزم تقديم الشكر للخالق. يلزمنا أن نقوم في الليل مرة ومرتين ونراجع أجزاء من الكتاب المقدس التي نحفظها عن ظهر قلب. عندما نترك السقف الذي ننام تحته لتكن الصلاة هي سلاحنا، وعندما نعود من الشارع فلنصل قبل أن نجلس، ولا نعطي للجسد الهزيل راحة حتى تتقوت النفس.]

سادسًا: "اشكروا في كل شيء" [١٨]. قلنا أن الشكر في كل شيء هو سمة خاصة بالسمائيين، الذين إذ يدركوا الله كلي الحكمة والحب يشكرونه من أجل صلاحه وتدبيراته الصالحة. بهذا فإن المؤمن لا يقدر أن يشكر في كل شيء بلسانه ما لم يحمل، خلال المعمودية، الطبيعة الجديدة السماوية والمستنيرة، فيلهج قلبه بتسبحة شكر لا ينقطع. يشعر أنه مدين لأبيه السماوي بكل حياته، مدركًا أبوة الله له ورعايته الفائقة، فتصرخ أعماقه بتسابيح الحمد الخفية، وينفتح لسان إنسانه الداخلي بالترنم كما فعل الأطفال والرضع عند دخول السيد أورشليم.

سابعًا: "لا تطفئوا الروح" [١٩]. لقد شغلت هذه العبارة آباء الكنيسة، وقد سبق لي عرض آراء بعض آباء الكنيسة فيها في كتاب "الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر.

الله الذي يهبنا روحه القدوس عطية مجانية ليعمل فينا بلا انقطاع يحذرنا على فم رسوله من أن نطفىء الروح، أي نوقف عمل استنارته فينا خلال مقاومتنا له. حقًا إن الروح لن يفارقنا قط مهما أخطأنا، لكنه يحزن علينا، وينطفيء عمله فينا خلال عدم تجاوبنا معه. يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم عطية الروح القدس بمصباح أو سراج منير داخل البيت، فإن فتح إنسان بابين متقابلين دخل تيار الهواء بشدة وأطفأه. لهذا يقول [إن فتح إنسان باب فمه بكلمة إهانة ضدك فلا تفتح أنت بابك بإهانة مماثلة، فترد السب بالسب، لئلا يدخل في نفسك تيار هواء الحقد ويطفيء لهيب الروح المشتعل في داخلك! ليفتح الشرير بابه أمامك لكنك في حكمة إذ تترك بابك مغلقًا تبقي عطية الروح ملتهبة في الداخل.]

أما زيت هذا السراج فهو أعمال الحب، فإن الروح القدس الناري يبقى عمله ملتهبًا فينا مادامت أحشاؤنا تتجاوب معه بالحب لله والناس، أما إذا أغلقنا أحشاءنا تجاه الله والناس فإننا نفقد زيت الحب الذي ينير فينا. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن اللصوص عند سلبهم بيتًا ما، فإنهم إذ يدخلونه يطفئون السراج الذي فيه حتى يقدروا أن يحققوا غايتهم، وهكذا فإن عمل الشيطان الرئيسي عند إقتحامه قلب مؤمن هو تحطيم عمل الروح فيه حتى يسلبه كل حياته.

ثامنًا: "لا تحتقروا النبوات"[20]. كما تهتم الكنيسة أن يبقى عمل الروح القدس الناري دائم الالتهاب داخلنا، هكذا تهتم أيضًا أن يبقى ملتهبًا خلال منبرها، فلا يقف إنسان ليتكلم بنبوة (عظة) بغير اكتراث. بمعنى آخر، يلزمنا ألاَّ نحتقر عمل الروح فينا لئلا ينطفيء، ولا نحتقره في كلمة الوعظ بل تكون كجمرة نار متقدة يمسكها الكاهن كما بملقط وكأنه بشاروبيم يقدمها في قلوب أولاده الروحيين حتى يلتهبوا هم أيضًا بالنار الإلهية المقدسة ولا ينطفيء فيهم الروح.

حقًا ما أحوج الكنيسة إلى كهنة ملتهبين نارًا كالشاروبيم، يقدمون كلمة الله كجمرة نار قادرة على العمل في قلوب الناس.

تاسعًا: روح التمييز: "امتحنوا كل شيء، تمسكوا بالحسن، امتنعوا عن كل شبه شر" [٢١-٢٢]. إن كان يليق بالخادم ألاَّ يحتقر المنبر بل يقدم خلال حياته الملتهبة كلمة الله كنارٍ متقدة، فإنه يلزم للشعب أيضًا أن يحمل روح التمييز (١ كو ١٢: ١٠) فيقبل كلمة الله الصادقة ويرفض اللبن الغاش. بهذا الروح يقدر المؤمن أيضًا أن يفرز الفكر الذي يخطر به، فيقبل فكر الله ويرفض الفكر الشرير وما هو شبه شرير كالأفكار الباطلة التي وإن كانت ليست شرًا لكنها مفسدة للوقت ومضيعة للطاقة.

4. ختام الرسالة

يختم الرسول رسالته بالبركة الرسولية أو تقديم صلاة عنهم، إذ يقول: "وإله السلام يقدسكم بالتمام، ولتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم، عند مجيء ربنا يسوع المسيح" [٢٣].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظ حب المعلم، فإنه يصلي بعد أن ينصح، بل يضيف الصلاة إلى رسالته، فإننا في حاجة إليها كما إلى المشورة. لهذا السبب نقدم لكم نحن أيضًا المشورة وبعد ذلك نرفع عنكم الصلوات.]

ما هي طلبتنا ككهنة من أجل شعب الله إلاَّ أن يقدسهم إله السلام ويحفظ روحهم ونفسهم وجسدهم بلا لوم، فيأتي ليجد كل ما لهم قد تقدس له، وتهيأ لملاقاته، فيشترك معه في المجد. أننا نصلي إلى الثالوث القدوس، الله الواحد، ملك السلام، ليهب التقديس، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [كما أن الآب يقدس هكذا أيضًا الابن والروح القدس.]

التقديس هو من عمل الثالوث القدوس، وإن كان يُنسب على وجه الخصوص للروح القدس، لأنه هو الذي يهب حياه الشركة والاتحاد مع الله في ابنه، مقدمًا لنا هذا العمل كسرّ غفران خطايانا وتقديس حياتنا الروحية والجسدية، وذلك في استحقاقات الابن الوحيد الذي قدم دمه ثمنًا لتقديسنا، منطلقًا بنا إلى الآب القدوس لنستقر في أحضانه المقدسة. فالروح القدس هو روح القداسة وواهبها، والابن هو الذي دفع الثمن، والآب هو الذي يريد تقديسنا، مرسلاً ابنه الحبيب إلينا بغية هذا الهدف. لهذا ينسب الكتاب عمل التقديس للآب كقول السيد المسيح نفسه: "قدسهم في حقك، كلامك هو حق" (يو ١٧: ١٧)، كما ينسهب للابن كقول الرسول: "ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسةً وفداءً" (١ كو ١: ٣٠)، وينسب الروح القدس: "الله اختاركم من البدء للخلاص بتقديس للروح وتصديق الحق" (٢ تس 2: 13).

غاية الرسول من كرازته ورعايته وصلواته أن يرى شعب الله مقدسين في الحق، لتتحقق فيهم طلبة السيد المسيح نفسه في صلاته الوداعية: "قدسهم في حقك ... لأجلهم أقدس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضًا مقدسين في الحق" (يو ١٧: ١٩). هذا التقديس يمس حياة المؤمنين "روحهم ونفسهم وجسدهم"، كقول الرسول: "لتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح" [٢٣]. ويعلق القديس ايريناؤس: [ماذا كان هدفه من الصلاة؟ أن يحفظ هؤلاء الثلاثة، النفس والجسد والروح، إلى مجيء الرب، فقد أدرك الرسول الحاجة إلى إعادة تكامل الإنسان، الأمر الذي يتحقق في الحياة العتيدة. فيتم إتحاد الثلاثة معًا ليرثوا معًا خلاصًا واحدًا بعينه.]

"الحياة المقدسة" ليست هدفًا لصلاة الرسول فحسب، وإنما غاية دعوة الله نفسه لنا، لذلك يقدم كل إمكانياته الإلهية لتحقيق دعوته لنا، إذ يقول: "أمين هو الذي يدعوكم الذي سيفعل أيضًا" [٢٤]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [تطلع إلى تواضعه! لا تظن أن هذه (القداسة) تتحقق لهم بسبب صلاته عنهم وإنما بسبب دعوة الله لهم إليها. لقد دعاهم للخلاص، وهو صادق فسيخلصهم بالتأكيد، لأن هذه هي إرادته.]

بعد أن صلى من أجلهم طالبهم بالصلاة من أجله، مقدمًا نفسه مثالاً حيًا للخادم الحي الذي يعرف رسالته وغايته، فعمله الرئيسي هو الصلاة عن الآخرين كقول النبي صموئيل: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطيء إلى الرب، فأكف عن الصلاة من أجلكم بل أعلمكم الطريق الصالح المستقيم" (١ صم ١٢: ٢٣)، وفي نفس الوقت يطلب صلوات شعبه من أجله مدركًا حاجته إلى مساندتهم خلال الصلاة.

أخيرًا يقول الرسول: "سلموا على الإخوة جميعًا بقبلة مقدسة. أناشدكم بالرب أن تُقرأ هذه الرسالة على جميع الإخوة القديسين. نعمة ربنا يسوع المسيح معكم. آمين" [٢٦- ٢٨].

إذ هو غائب عنهم بالجسد يود أن يقّبلهم بقبلات مقدسة في الرب، وإذ لا يستطيع أن يحقق ذلك يطلب منهم أن يقبلوا الإخوة نيابة عنه. هكذا يلتهب في قلبه نار الحب الروحي! أما طلبه أن تُقرأ الرسالة على جميع الإخوة فيحمل أيضًا علامة حبه للجميع، مشتهيًا أن يتحدث معهم ولو بالرسالة.

أخيرًا، يختم الرسالة بطلب نعمة ربنا يسوع المسيح تسندهم في ضيقهم في الحياة الفاضلة، وتحقق إرادة الله فيهم.

1 و اما الازمنة و الاوقات فلا حاجة لكم ايها الاخوة ان اكتب اليكم عنها
2 لانكم انتم تعلمون بالتحقيق ان يوم الرب كلص في الليل هكذا يجيء
3 لانه حينما يقولون سلام و امان حينئذ يفاجئهم هلاك بغتة كالمخاض للحبلى فلا ينجون
4 و اما انتم ايها الاخوة فلستم في ظلمة حتى يدرككم ذلك اليوم كلص
5 جميعكم ابناء نور و ابناء نهار لسنا من ليل و لا ظلمة
6 فلا ننم اذا كالباقين بل لنسهر و نصح
7 لان الذين ينامون فبالليل ينامون و الذين يسكرون فبالليل يسكرون
8 و اما نحن الذين من نهار فلنصح لابسين درع الايمان و المحبة و خوذة هي رجاء الخلاص
9 لان الله لم يجعلنا للغضب بل لاقتناء الخلاص بربنا يسوع المسيح
10 الذي مات لاجلنا حتى اذا سهرنا او نمنا نحيا جميعا معه
11 لذلك عزوا بعضكم بعضا و ابنوا احدكم الاخر كما تفعلون ايضا
12 ثم نسالكم ايها الاخوة ان تعرفوا الذين يتعبون بينكم و يدبرونكم في الرب و ينذرونكم
13 و ان تعتبروهم كثيرا جدا في المحبة من اجل عملهم سالموا بعضكم بعضا
14 و نطلب اليكم ايها الاخوة انذروا الذين بلا ترتيب شجعوا صغار النفوس اسندوا الضعفاء تانوا على الجميع
15 انظروا ان لا يجازي احد احدا عن شر بشر بل كل حين اتبعوا الخير بعضكم لبعض و للجميع
16 افرحوا كل حين
17 صلوا بلا انقطاع
18 اشكروا في كل شيء لان هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم
19 لا تطفئوا الروح
20 لا تحتقروا النبوات
21 امتحنوا كل شيء تمسكوا بالحسن
22 امتنعوا عن كل شبه شر
23 و اله السلام نفسه يقدسكم بالتمام و لتحفظ روحكم و نفسكم و جسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح
24 امين هو الذي يدعوكم الذي سيفعل ايضا
25 ايها الاخوة صلوا لاجلنا
26 سلموا على الاخوة جميعا بقبلة مقدسة
27 اناشدكم بالرب ان تقرا هذه الرسالة على جميع الاخوة القديسين
28 نعمة ربنا يسوع المسيح معكم امين


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكى +
 



14 مسرى 1733 ش
20 أغسطس 2017 م

تذكار معجزة القديس ثاؤفيليس 23

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك