إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

ان اللة يعطيك ما ينفعك وليس ما تطلبة هو النافع لك وذلك لانك كثيرا ما تطلب ما لا ينفعك

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا

+ تفسير إنجيل يوحنا +



تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 11 جـ5 PDF Print Email

"قالت له: نعم يا سيد (رب)، أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم". (27)

قدمت مرثا قانون إيمانها بكل إخلاص: "أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم" (27). وهو ذات قانون الإيمان الذي نطق به بطرس الرسول وامتدحه السيد (مت ١٦: ١٦-١٧). جاء قانون إيمانها يحوي ثلاثة بنود رئيسية:

يسوع هو المسيح، أو المسيا الذي انتظره الآباء والأنبياء. كان كثير من يهود القرن الأول يترقبون مجيئه بشوقٍ عظيم.

 أنه ابن الله بالطبيعة (مز ٢: ٧).

 جاء إلى العالم ليقيم منه كنيسته المقدسة، ليس من اليهود وحدهم بل من العالم.

إن كان هو المسيا مخلص العالم، ابن الله بالطبيعة وقد نزل إلى العالم ليقيمه فهو حتمًا الحياة والقيامة.

- لقد رفع بالفعل رأيها الهابط عنه، فلا تحسبه واحدًا بين كثيرين. فإنها ليست ببساطة دعته "يا رب" بل ردت له الكرامة. وتحدثت بتلك الكلمات لتكرمه، يظهر ذلك مما قلته بعد هذا. إنها لم تضحك ولا سخرت ولا شكت إلى لحظة.

- يبدو لي أن المرأة لم تفهم القول، وإن كانت قد أدركت أنه أمر عظيم، لكنها لم تدركه بالكامل. لهذا السبب عندما سُئلت شيئًا أجابت بشيء آخر.

- لم تقل له "أقم أخي"، لكنها قالت: "أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم".

القديس يوحنا الذهبي الفم

 "ولما قالت هذا مضت ودعت مريم أختها سرًا قائلة: المعلم قد حضر، وهو يدعوكِ". (28)

لم تنتظر مرثا كلمة مديح من أجل إيمانها، لكنها أدركت خلال هذا اللقاء مفاهيم جديدة، وتمتعت بخبرات جديدة في فترة قصيرة، مضت ودعت أختها مريم لتتمتع هي أيضًا معها بما نالته. هذا وقد سأل السيد عن مريم لأنها لم تأتِ مع أختها. دعتها سرًا لأنه كان حولها كثيرون من المعزين، ولعل بعض المعزين - سواء كانوا رجالاً أو نساءً - ضد يسوع، لا يطيقونه. خشت مرثا لئلا تثير الدعوة اضطرابًا يعوق مريم عن الانطلاق سريعًا لتلتقي بيسوع وتتمتع بتعزياته.

نلاحظ في حديثها السري مع أختها عن مجيء السيد الآتي:

أولاً:
دعته "المعلم Didaskalos"، لا تقوم تعزياته على عواطف مجردة، وإنما مع الحب والحنو يقدم حقائق إيمانية فريدة، قادر أن يجتذب تلاميذه المحبوبين لديه وأصدقاءه إلى التعزيات الإلهية.

ثانيا:
"قد حضر" ذاك الذي طال انتظارنا لمجيئه، ونترجى الكثير من وجوده.

ثالثًا: "وهو يدعوك"، فقد سأل عنك بالاسم، لأنه يهتم بكِ، ويطلب سلامكِ وتعزية قلبكِ.

"أما تلك فلما سمعت قامت سريعًا، وجاءت إليه". (29)

إذ سمعت دعوة السيد المسيح على فم أختها "قامت سريعًا، وجاءت إليه". وقد علق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا التصرف النبيل، حاسبًا إياها أنها سلكت بالفلسفة الحقيقية، أي بالحكمة التي لا تطلب الأمور التافهة غير النافعة بل ما هو بالحق لخيرها، وقد نالت بسبب حكمتها. من يتصور سيدة مات أخوها منذ أربعة أيام ومعزون كثيرون حولها يبكين وينحن معها، وإذ تسمع عن يسوع لا تنتظر حضوره إليها ليعزيها، بل تنطلق إليه إلى خارج قريتها والنساء حولها يحسبن إياها أنها ذاهبة إلى القبر تبكي!

ما أحوجنا في وسط دموعنا وتجاربنا ألا نركز أنظارنا على المرارة، ولا نعطي اعتبارًا للمعزين المتعبين العاجزين عن تقديم السلام الحقيقي، بل تنطلق أعماقنا نحو ذاك الذي هو قادم إلينا ليفيض بتعزياته السماوية فينا! لنخرج بالحق من كل شكليات وليرتفع قلبنا بروح الله القدوس إلى السيد المسيح فهو وحده طبيب النفوس والأجساد، وواهب الحياة والقيامة، الإله القدير وحده الذي يبادر دومًا بالحب.

ما أحوج النفس وسط وادي الدموع هذا أن تترك كل ما يحطمها من متاعب، وتتجاهل كل تعليق بشري، لتنسحب بالرجاء نحو ذاك الذي وحده قادر أن يشكلها بروحه القدوس ويشبعها ويقيمها معه في مجده أبديًا!

الانشغال المستمر بأحزاننا يسبب لنا كآبة أكثر مرارة من الأحزان نفسها، أما اللقاء مع السيد المسيح، فيهب بهجة الحياة المقامة وتهليلها الدائم.

- انظروا كمثالٍ كيف نالت هذه المرأة مكافئتها بممارستها الحكمة الحقيقية. فإذ كان الكل جالسًا بجوارها إذ كانت تبكي وهي حزينة، لم تنتظر سيدها أنه يجب أن يأتي إليها، ولا طالبت بما يبدو أنه بحقها (فإن النساء الحزينات بجانب بؤسهن لديهن هذا البلاء وهو أنهن يهولن من وضعهن)، أما هي فلم تفعل شيئًا من هذا، فما سمعت حتى أسرعت إليه

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية، بل كان في المكان الذي لاقته فيه مرثا". (30)

بحكمة إلهية كان السيد يتحرك ببطءٍ شديدٍ حتى يعطي مرثا الفرصة لتسرع بدعوة أختها، ويهب مريم فرصة الإسراع نحوه، فينطلق معهما إلى القبر، ويحول أحزانهما إلى أفراح فائقة. هكذا كثيرًا ما يبدو الرب متباطئًا في حلّ مشاكلنا مع أنه يطلب سعادتنا، حتى يهبنا فرصة الالتجاء إليه، والتعبير عما في داخلنا من إيمان حي ورجاء ثابت، فنسرع إليه لندرك خطته الإلهية الخفية والفائقة من نحونا.

- قال عن السيد المسيح: "ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية، بل كان في المكان الذي لاقته فيه مرثا". لأنه مشى ببطءٍ، لئلا يُظن أنه يطرح ذاته في عمل الآية، لكنه انتظر حتى يسأله أولئك من أجلها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ثم أن اليهود الذين كانوا معها في البيت يعزونها، لما رأوا مريم قامت عاجلاً وخرجت، تبعوها قائلين: إنها تذهب إلى القبر لتبكي هناك". (31)

بينما دعت مرثا أختها سرًا، وقدمت لها دعوة السيد لها (٢٨)، فسحبتها من وسط بكائها ومن وسط المعزين لتجري نحوه، إذا مريم بتحركها الصامت سحبت كل من كان معها في بيتها وهم لا يدرون إلى أين يذهبون. حبها العملي للمخلص جذب الكثيرين ليروا ويلمسوا ذاك الذي يقيم من الأموات.

- لم تأتِ وحدها، بل سحبت معها اليهود الذين كانوا معها في البيت. بحكمة عظيمة دعتها أختها سرًا حتى لا تربك الحاضرين الذين جاءوا معًا، ولم تشر إلى سبب حديثها، فإنه بالتأكيد لو سمعوا لرجعوا إلى بيوتهم. أما الآن إذ خرجت تبكي تبعوها. ربما أكد هذا موت لعازر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فمريم لما أتت إلى حيث كان يسوع ورأته، خرت عند رجليه، قائلة له: يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي". (32)

لم يدخل السيد المسيح القرية ولا بيت لعازر وأختيه، وإنما التقى بالأختين ثم ذهب ومعه الجمع إلى القبر. إنه محب لعمله، قد جاء لينطلق إلى القبر، ويتمم عمله بلا تأخير.

- مريم هذه أحر شوقًا من أختها مرثا، لأنها لم تخجل من الجمع، ولا من الظنون التي امتلكها أولئك من أجله، فقد كان فيهم كثيرون من أعدائه، الذين قالوا: "ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضًا لا يموت؟" (٣٧). لكن عند حضور المعلم أبعدت عنها الأوهام الميتة كلها، وتمكنت في عزمٍ واحدٍ من تكريمها المعلم.

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 11 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 11 جـ6 PDF Print Email

6. إقامة لعازر من الأموات

"فلما رآها يسوع تبكي، واليهود الذين جاءوا معها يبكون، انزعج بالروح واضطرب". (33)

هنا يظهر السيد المسيح أنه قد صار بالحقيقة إنسانًا يحمل مشاعر إنسانية، يشارك المتألمين، ويبكي مع الباكين. إنه رجل أحزان (إش ٥٣: ٣). لم يوجد قط ضاحكًا، لكنه في أكثر من موضع وًجد باكيًا.

- لم يقل السيد المسيح لها شيئًا، ولا نطق بالأقوال التي قالها لأختها مرثا.، لأن جمعًا كثيرًا كان حاضرًا، ولم يكن وقت لتك الأقوال، لكنه تنازل إذ كشف عن طبيعته الإنسانية، ولم يرد أن يتخيلوا فيه شيئًا أكثر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أنتم تنزعجون بغير إرادتكم، أما المسيح فانزعج لأنه أراد ذلك.

يسوع جاع، هذا حقيقي، إنما لأنه أراد.

كان حزينًا، هذه حقيقة، لكن لأنه أراد. في سلطانه أن يكون هكذا أو كذلك، يتأثر أو لا يتأثر. لأن الكلمة أخذ نفسًا وجسدًا حاملاً فيه نفس الطبيعة البشرية واحدًا مع الكلمة، المسيح الواحد. بهذا الكلمة الذي له سلطان فائق يستخدم الضعف رهن إشارة إرادته، وبهذا فقد "انزعج".

القديس أغسطينوس

"وقال: أين وضعتموه؟قالوا له: يا سيد تعال وانظر". (34)

- إن سألت: لِم سأل هذا السؤال؟ أجبتك: إنه لم يرد أن يبادر هو، لكنه شاء أن يعرف من أولئك كل ما جرى، وأن يسألوه أن يعمل الآية حتى يستخلص الآية من كل تهمة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

 سيأتي المسيح إلى قبرك، وإذ يجد مرثا المرأة التي تقدم خدمة صالحة، ومريم التي تهتم بقلبها بكلمة اللَّه مثل الكنيسة المقدسة التي اختارت النصيب الصالح تبكيان، يحنو.

عند موتك يرى دموع الكثيرين فيقول: "أين وضعتموه؟" بمعنى في أية حال من الجريمة هو؟

في أية رتبة بين النادمين؟

أريد أن أرى من تبكون عليه، لكي ما يحركني بدموعه. سأرى إن كان قد مات فعلاً بالخطية فأعالجه بالمغفرة.

يقول له الشعب: "تعال وأنظر".

ما معنى "تعال"؟ لتأتِ مغفرة الخطايا، ولتأتِ الحياة إلى من رحل، والقيامة من الأموات، ليأتِ ملكوتك لهذا الخاطئ أيضًا.

القديس أمبروسيوس

- يا للعجب الذي جاء ليقيمه من الأموات يبدو كمن لا يعرف موضع القبر، إذ "قال: أين وضعتموه؟" (34). وكما يقول كثير من الآباء أن الله العالم بكل شيء يبدو كمن لا يعرف موضع الظلمة، ولا يعرف الشر ولا الأشرار. لهذا إذ أخطأ آدم في الجنة، سأل الرب: "أين أنت؟" (تك ٣: ٩). وفي يوم الدينونة يقول للأشرار: "لست أعرفكم" (مت ٧: ٢٣)، وهنا يتساءل: "أين وضعتموه؟"

- لست أراكم في نوري، في البرّ الذي أعرفه.

- ماذا تعني "أنظر"؟ ترفق، فإن الرب ينظر حين يتحنن. لذلك قيل له: "أنظر إلى تواضعي وألمي، واغفر لي كل خطاياي" (مت ٩: ١٣).

القديس أغسطينوس

"بكى يسوع". (35)

جاء الفعل "بكي" هنا في اليونانية مختلفًا عما ورد عن بكاء مريم وجمهور المحيطين بها (٣٣)، إذ لا يحمل العويل المرتفع مثلهم، بل انسياب الدموع من عينيه. إنها مجرد شهادة عملية لمشاعره العميقة ومشاركته للمتألمين أمام الجموع التي لم تدرك بعد كيف تواجه الموت. وقد وجدت الجموع في هذه الدموع شهادة حية عن محبته للعازر (٣٦).

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن كل ما صنعه السيد المسيح كان بحكمته الإلهية لكي تنتفع الجموع بصنع المعجزة، فمن جانب لم يتحدث مع مريم أمام الجموع بما قاله لمرثا حين التقت به منفردة. فقد تحدث عن إقامة لعازر. فلو سمعت الجموع ذلك حيث يحمل كثيرون له عداوة، لتركوه ورجعوا إلى أورشليم، ولم يروا إقامة لعازر. من جانب آخر أكد ناسوته في تلك اللحظات، حتى لا تنفر الجموع إن تحدث عما يخص لاهوته.

بكى في صمت، واضطرب ثم تنهد كمن يكبح اضطرابه، وسأل عن موضع القبر... كل هذا أثار تساؤلات في أذهان اليهود، ورغبة في معرفة ما سيفعله دون نفورٍ من جانبهم.

- ماذا فعل المسيح؟ لم يدخل معها في حوارٍ في ذلك الوقت، ولا قال لها ما قاله لأختها (لأنه لم يوجد جمع عظيم، وكان ذلك غير مناسب في ذلك الحين). كل ما فعله كان بقياسٍ (معين) وتنازلٍ منه، ليؤكد طبيعته البشرية، إذ بكى في صمت، وأجَّل صنع الآية في ذلك الوقت. فإذ كانت الآية عظيمة، وإذ كان يمارس أمرًا خطيرًا حتى يؤمن كثيرون بها، وحتى لا يتممها في غير حضورهم، فتوجد عثرة للجمهور، ولا ينتفعون بعظمتها، وحتى لا يفقد الفريسة قدم شهادات كثيرة لتنازله وأظهر تأكيدًا لناسوته. وقد بكى واضطرب. فعادة يثير الحزن المشاعر، وإذ تنهد بالروح أي ضبط اضطرابه سأل: "أين وضعتموه؟" (٣٤).

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بكى الرب نفسه أيضًا من أجل لعازر نفسه الذي سيقيمه إلى الحياة، بلا شك لكي يسمح لنا بمثاله أن نبكي على موتانا، وإن كان لم يعطنا وصيته بذلك، هذا مع إيماننا بأنهم يقومون إلى الحياة الحقيقية. ليس اعتباطًا جاء في سفر الحكمة: "اسكب دموعًا على الميت، وأبدأ بالحزن كمن أصابه ضرر عظيم"، لكنه يكمل بعد قليل قائلاً: "ولتتعزى في حزنك، لأن بالحزن يحل الموت، وأسى القلب يبتلع القوة" (جا 17:38، 19).

القديس أغسطينوس

- لكي يُظهر المخلص نفسه أن لديه مشاعر بشرية حقيقية حزن من أجل ذاك الذي سيُقيمه من الأموات.

القديس جيروم

"فقال اليهود: أنظروا كيف كان يحبه". (36)

إذ رأى اليهود دموع السيد قالوا: "انظروا كيف كان يحبه" (36)، ونحن إذ نرى دمه يتساقط من جسمه على الصليب نسبحه قائلين: "انظروا كيف يحبنا!"

- ألا ترون أنه لم يُظهر بعد أية علامة على إقامته له، وذهب لا كمن يقيم لعازر بل كمن يبكيه؟ هكذا بدا لليهود أنه ذاهب لينتحبه لا ليقيمه، وذلك من قولهم: "انظروا كيف كان يحبه" (٣٦).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وقال بعض منهم: ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضًا لا يموت؟" (37)

في جهالة ظنوا دموع السيد المسيح علامة عجز وعدم قدرة على العمل، ولم يدركوا أنها دموع الحب والحنو، وأنه ليس فقط كان قادرًا أن يشفيه وإنما لا يزال قادرًا أن يقيمه حتى بعد أن أنتن جسمه.

- لقد اعترف اليهود هنا أن السيد المسيح فتح عيني الأعمى، ولكنهم استكثروا عليه أن يجعل لعازر لا يموت.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فانزعج يسوع أيضًا في نفسه، وجاء إلى القبر، وكان مغارة، وقد وُضع عليه حجر". (38)

لا يفهم من انزعاج يسوع في نفسه فقدان سلامه الداخلي، لكنه كما أخلى ذاته ليحل بيننا كإنسانٍ حقيقيٍ كاملٍ، سمح بإرادته أن يدخل الانزعاج إلى نفسه حتى يشارك المنزعجين، فيحملهم إلى سلامه الإلهي.




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 11 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 11 جـ7 PDF Print Email
"قال يسوع: ارفعوا الحجر. قالت له مرثا أخت الميت: يا سيد قد أنتن، لأن له أربعة أيام". (39)

أمر برفع الحجر حتى يرى كل الواقفين أن الجسد ملقى في القبر ميتًا، كما يشتمون الرائحة، فيتأكدون أنه أنتن، وعند خروجه من القبر لا يظنوا أنه خيال بل هو جسد حقيقي.

جاء اعتراض مرثا غالبًا بعد أن بدأوا يحركون الحجر فاشتمت الرائحة.

- لماذا لم يدعُ لعازر وهو على بُعد من القبر ويأتي به أمام أعينهم؟ أو بالأحرى لماذا لم يجعله يقوم والحجر مُلقى على القبر؟ فإن ذاك القادر بصوته أن يحرك الجثمان ويظهره متمتعًا بالحياة مرة أخرى هل كان كثير عليه أن يدحرج الحجر بصوته؟

ذاك الذي له القوة بصوته أن يجعل من هو مربوط وملفوف بالأكفان يمشي هل كثير عليه أن يجعل الحجر يتحرك؟

فلماذا لم يفعل ذلك؟

لكي يجعل منهم شهودًا للمعجزة، فلا يقولون كما قالوا في معجزة الأعمى: "إنه هو"، "إنه ليس هو". فإن أياديهم ومجيئهم إلى القبر تشهد بالحق أنه هو.

لو لم يأتوا لبدا لهم أنهم نظروا رؤية أو أنه شخص عوض آخر.

الآن مجيئهم إلى الموضع ورفع الحجر والأمر بحل الميت الذي في الأكفان المربوطة، فإن الأحباء الذين حملوه إلى القبر يعرفون من الأكفان من هو. لم تترك أختاه خلفًا (من الجموع) إذ قالت إحداهما: "قد أنتن لأن له أربعة أيام" (٣٩). أقول أن كل هذه كانت كافية لتبكم أصحاب الميول الشريرة، إذ صاروا شهودًا للمعجزة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- سيأتي ويأمر برفع الحجر هذا الذي سقط على كتفي الخاطئ.

كان يمكنه أن يحرك الحجر بكلمة أمره، لأنه حتى الطبيعة الجامدة تود أن تطيع أمر المسيح.

كان يمكنه بقوة عمله الصامت أن يحرك حجر القبر. هذا الذي أثناء آلامه تحركت حجارة كثيرة من قبور الأموات وانفتحت فجأة.

لكنه أمر الرجال أن يرفعوا الحجر بالحق حتى يؤمن غير المؤمنين بما يرونه، وينظرون الميت يقوم.

لكن هذا يحمل رمزًا ليهبنا قوة تخفيف ثقل الخطايا، الضغط الثقيل الذي على المجرم. من جانبنا نحرك الأثقال، ومن جانبه يقيم ويخرج من القبور أولئك الذين يتحررون من أربطتهم.

القديس أمبروسيوس

- الآن قيل: "لقد مات منذ أربعة أيام". فإنه بالحقيقة تبلغ النفس إلى هذه العادة التي أتحدث عنها بنوع من التقدم أربع مرات.

المرحلة الأولى: هي كما لو كانت إثارة اللذة التي في القلب.

والثانية: هي قبولها.

والثالثة: هي تحولها إلى عمل.

والرابعة: تحولها إلى عادة.

يوجد من يلقون عنهم الأمور الشريرة عن أفكارهم كأنهم لا يجدون فيها لذة.

ويوجد من يجدون فيها لذة، ولكنهم لا يوافقونها. هنا لا يكمل الموت لكن يحمل بداية معينة، فقد أضيف إلى الشعور باللذة موافقة. في الحال تحدث إدانة للشخص.

بعد الموافقة يحدث تقدم للموافقة إذ تتحول إلى عملٍ ظاهرٍ.

والعمل يتحول إلى عادة. فيحدث نوع من اليأس، حتى يُقال: "قد أنتن لأن له أربعة أيام ". لذلك جاء الرب هذا الذي كل الأمور بالنسبة له سهلة. ومع هذا فوجد في هذه الحالة كما لو كانت هناك صعوبة. لقد اضطرب بالروح، وأظهر الحاجة إلى احتجاج كثير وعال ليقيم الذين تقسوا بالعادة. ولكن عند صرخة الرب تفجرت أربطة الضرورة. ارتعبت قوات الجحيم، وعاد لعازر حيًا. فإن الرب ينقذ حتى من العادات الشريرة هذا الذي له أربعة أيام ميتًا فإنه بالنسبة للرب وحده يُحسب راقدًا هذا الذي يريد الرب أن يقيمه.

القديس أغسطينوس

- حتى إن كنت راقدًا في قبرك، فالرب يُقيمك، وإن كان جسدك قد أنتن.

القديس جيروم

يرى العلامة أوريجينوس أنه إذ أصدر السيد المسيح أمره "ارفعوا الحجر" أعاقت مرثا تنفيذ الأمر بكلماتها: "يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام" (٣٩)، بعد ذلك رفعوه.

هذه اللحظات ما بين الأمر وتأخير تنفيذ تحمل نوعًا من عدم الإيمان، فلم يتحقق القول: "إن آمنتِ ترين المجد الله" (٤٠). لحظات التأخير هي لحظات عدم إيمان وعصيان.

- يليق بنا أن نؤمن أن فترة التأخير في تنفيذ الوصية هي وقت للعصيان بالنسبة لمن ينفذ الوصية بعد ذلك... لذلك وجب علينا أن نتذكر القول: "لا تتأخر في الرجوع إلى الرب، ولا تؤجله من يوم إلى يوم" (ابن سيراخ ٥: ٧)، والقول: "لا تقل لصاحبك اذهب وعد، فأعطيك غدًا، وموجود عندك" (أم ٣: ٢٨). يلزمنا أن نعتقد أنه دينونة على مرثا إن الكلمات: "فرفعوا الحجر" (٤١) قد كُتبت مؤخرًا، وكان يجب أن تُقال فورًا بعد الكلمات: "قال يسوع: ارفعوا الحجر".

العلامة أوريجينوس

- يقول: "ارفعوا الحجر" (٣٩). ارفعوا ثقل الناموس، واكرزوا بالنعمة. "لأنه لو أُعطي ناموس قادر أن يُحيي لكان بالحقيقة البرّ بالناموس. لكن الكتاب أغلق على الكل تحت الخطية ليُعطي الموعد من إيمان يسوع المسيح للذين يؤمنون" (غلا ٣: ٢١ - ٢٢). لذلك "ارفعوا الحجر".

القديس أغسطينوس

"قال لها يسوع:ألم أقل لكِ إن آمنت ترين مجد الله؟" (40)

- حقًا الإيمان هو بركة عظيمة، ويصنع أمورًا عظيمة للذين يتمسكون بالحق ويتمتعون ببركات كثيرة.

بالإيمان يستطيع الناس أن يمارسوا أعمال الله باسمه. حسنًا يقول المسيح: "لو كان لكم إيمان مثل حبة الخردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك، فينتقل" (مت ١٧: ٢٠). مرة أخرى: "من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا، ويعمل أعظم منها" (يو ١٤: ١٢). ماذا يعني بالأعظم منها؟ تلك التي شوهد التلاميذ يعملونها. فإنه حتى ظل بطرس أقام ميتًا، وهكذا ظهرت بالأكثر قوة المسيح. فإنه ليس عجيبًا أنه وهو حي صنع عجائب مثلما بعد موته يستطيع آخرون أن يصنعوا باسمه أعمالاً أعظم مما فعل. هذا برهان عن القيامة لا يُقاوم، فإنه حتى وإن شاهد الكل القيامة كانوا يؤمنون بها هكذا. لأنه يمكن للناس أن يقولوا إنها ظهور، أما من يرى حدوث عجائب بمجرد دعوة اسمه أعظم مما فعله حين كان بين البشر، فإنه لا يقدر أحد ألا يؤمن إلاَّ إذا كان عديم الحس.

إذن الإيمان بركة عظيمة عندما يصدر عن مشاعر وهَّاجة وحب عظيم ونفس متقدة.

بالحق يجعلنا الإيمان حكماء، ويخفي انحطاطنا البشري، ويلقي بالحجج إلى أسفل ويفلسف (يعطي حكمة) بخصوص السماويات، أو بالأحرى الأمور التي لا تستطيع حكمة البشر أن تكشفها. إنها تدركها بفيضٍ وتنجح فيها.

لنلتصق إذن بالإيمان، ولا نعتمد على الحجج الصادرة عنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعًا ورفع يسوع عينيه إلى فوق، وقال: أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي". (41)

إنها لحظات رهيبة حيث رُفع الحجر فظهر الجسد، وقد فاحت رائحة النتن العنيف، بينما وقف السيد المسيح يخاطب الآب، شاكرًا له أنه استمع له. إنه من جهة يؤكد علاقته بالآب حتى يطمئن الحاضرون أنه سماوي وليس كما ادعى بعض القادة أنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين. ومن جانب آخر لكي يكون قدوة لنا.

- ما أقوله دومًا، أقوله الآن، أن المسيح لم يتطلع كثيرًا نحو كرامته قدر ما كان يتطلع إلى خلاصنا، فلا يهتم بتقديم منطوقات سامية علوية، بل ما يمكن أن يجتذبنا إليه. لهذا فإن أقواله العلوية القديرة قليلة ومخفية، أما أقواله المتواضعة فكثيرة وفيَّاضة في مقالاته...

فلم يكن يتحدث بالأولى بطريقة عامة، لئلا تسبب دمارًا لمن يأتون بعده، ومن الجانب الآخر فلا يمتنع عنها تمامًا، لئلا يتعثر الذين كانوا في ذلك الوقت. فالذين يعبرون من الانحطاط إلى الكمال يستطيعون بتعليمٍ سامٍ منفرد أن يبلغوا إلى كل التعليم، وأما أصحاب الفكر الضعيف فإنهم ما لم يسمعوا دومًا أقوالاً في مستوى ضعيف لا يأتون إليه نهائيًا.

في الواقع بعد أقوال كثيرة مثل هذه (علوية) كانوا يريدون أن يرجمونه ويضطهدونه ويحاولون قتله ويعتبرونه مجدفًا... فعندما جعل نفسه مساويًا لله؛ قالوا: "هذا الإنسان يجدف" (مت ٩: ٣). وعندما قال: "مغفورة لك خطاياك" (يو ١٠: ٢٠) دعوه شيطانًا. وعندما قال أن من يسمع كلماته يصير أقوى من الموت، أو "أنا في الآب والآب فيَّ" (يو ٨: ٥١) تركوه. مرة أخرى قاوموه حين قال إنه نزل من السماء (يو ٦: ٣٣، ٦٠).

الآن إذ لم يستطيعوا أن يحتملوا مثل هذه المقولات، مع أنه نطق بها نادرًا جدًا وبالجهد فلو أن كل محادثاته كانت مشحونة دومًا بالأمور العلوية، من هذا النسيج، فهل كانوا يلتفتون إليه؟

لذلك كان يقول: "كما أوصاني الآب أتكلم" (يو ١٣: ٣١)؛ "لم آتِ من نفسي" (يو ٧: ٣٨)، عندئذ كانوا يؤمنون.

واضح أنهم آمنوا مما أشار إليه الإنجيلي قائلاً: "إذ قال هذه الكلمات آمن به كثيرون" (يو ٥: ٣٠). فإن كانت الأقوال التي تحمل تواضعًا تجتذب الناس إلى الإيمان، والكلمات العلوية تفزعهم، لذلك نطق بالكلمات المتواضعة من أجل السامعين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- من أجلنا قدم التشكرات لئلا نظن أن الآب والابن أقنوم واحد بعينه عندما نسمع عن إتمام ذات العمل بواسطة الآب والابن. لهذا فلكي يظهر لنا أن رد تشكراته ليست ضريبة يلتزم بها من هو في عجز عن السلطان، بل بالعكس أنه ابن اللَّه الذي ينسب لنفسه دومًا السلطان الإلهي، لذلك صرخ: "لعازر هلم خارجًا". هنا بالتأكيد أمرٍ لا صلاة.

القديس جيروم

- يصلي كابن الإنسان، ويأمر كابن الله.

القديس أمبروسيوس

- عندما يرفع أحد عينيه يليق به أن يرفعهما نحو السماء بطريقة لائقة، ويرفع أيضًا يدين مقدستين، خاصة عندما يقدم الصلوات بلا غضبٍ ولا جدال (١ تي ٢: ٨). فإنه عندما ترتفع العينان خلال التفكير والتأمل، واليدان ترتفعان خلال الأعمال، ترتفع النفس وتتمجد. وذلك مثل موسى الذي رفع يديه (خر ١٧: ١١)، ويقول الشخص: "ليكن رفع يدي كذبيحة مسائية" (مز ١٤٠: ٢)، فينهزم عماليق، وكل الأعداء غير المنظورين، وتنتصر الأفكار الإسرائيلية (المعاينة لله) التي فينا.

العلامة أوريجينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 11 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 11 جـ8 PDF Print Email
"وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا أنك أرسلتني". (42)

هنا يوضح أن العلاقة بين الآب والابن لا تستلزم مثل هذه الصلاة، لكن من أجل الحاضرين لكي يثقوا أنه على علاقة بالسماء.

- الاستماع هنا ليس عن موضوع طاعة، بل هو اتحاد أبدي. بنفس الطريقة فإنه يُقال عن الروح القدس أنه يستمع للآب ويمجد الابن. إنه يمجد، لأن الروح القدس علمنا أن الابن صورة اللَّه غير المنظور (كو 15:1)، وبهاء مجده، ورسم جوهره (عب 3:1) .

القديس أمبروسيوس

- وماذا لدى السيد المسيح أكثر من رسله إن كان هو يعمل آياته بالصلاة؟

أليق ما يُقال إن أولئك عملوا المعجزات بالصلاة، لكنهم في أكثر أوقاتهم عملوا الآيات بدون صلاة، لما دعوا باسم يسوع فقط. فإن كان اسمه قد حمل قوة هذا مقدارها، فلو احتاج هو إلى صلاة، لما كان اسمه اقتدر على شيء، وحين خلق الإنسان إلى أية صلاة احتاج؟

أما عن معادلته لأبيه في الكرامة فتظهر في مواضعٍ كثيرة، لأنه قال: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (تك 1: 26)... وما الذي يكون أضعف منه إن احتاج إلى صلاة؟

فلننظر ما هي صلاته؟ قال: "أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي"، ومن الذي صلى في وقت من الأوقات بهذه الصلاة؟ فقبل أن يقول شيئًا قال "أشكرك"، فقد أوضح أنه لا يحتاج إلى صلاة، وقوله: "لأنك سمعت لي يوضح أنه ليس فاقدًا سلطانه، ولكن أظهر أنه مالك إرادة واحدة مع أبيه.

فإن قلت: لِم اتخذ شكل صلاة؟ قلت لك: لا تسمع الجواب مني لكن منه، القائل: "ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا أنك أرسلتني"، فقد وضع السبب الصادق لصلاته، لكي لا يظنوا أنه ضد الله، ولا يقولوا إنه ليس من الله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم: لعازر هلم خارجًا". (43)

كان يمكنه أن يقيم حبيبه لعازر بكلمة هامسة أو في صمت، لكنه صرخ بصوتٍ عظيم مناديًا حبيبه: "لعازر هلم خارجًا". ذلك لكي يتأكد الحاضرون أنه أقامه بسلطانه الشخصي، لم يستخدم اسم آخر، إنما يأمر فيقوم الميت. ولعله صرخ بصوت عظيم ليدرك الحاضرون أن نفس لعازر لم تكن داخل القبر، بل يناديها السيد لتخرج من الجحيم، كما من مكانٍ بعيدٍ. أيضًا لكي يدرك الحاضرون أنه ذاك الذي قال بإشعياء النبي: "أنا الرب وليس آخر، لم أتكلم بالخفاء في مكان من الأرض مظلم" (إش ٤٥: ١٥: ١٦).

تكلم لكي ندرك أنه ذاك الذي في مجيئه الأخير يتكلم، فيسمع الأموات صوته ويحيون (يو ٥: ٢٥).

ناداه باسمه "لعازر" كمن يقيمه من نومٍ عميقٍ. يقول الله لموسى أنه يعرفه باسمه كعلامة اهتمامه به شخصيًا. لم يقل له "قم" بل "هلم خارجًا"، فحضرة المسيح واهب الحياة قدمت له الحياة، إنما صدر الأمر ليتحرك.

- لماذا صرخ بصوت عظيم كمن لم يرد أن يعمل بالروح ويأمر في صمت إلاَّ لأنه أراد أن يَظهر ما هو مكتوب: "في لحظة، في طرفة عين، عند البوق الأخير سيقوم من الأموات بغير فساد" (١ كو ١٥: ٥٢)؟ فإن رفع الصوت هو استجابة لدوي البوق. لقد صرخ "لعازر هلم خارجًا". لماذا أضاف الاسم إلاَّ لئلا يظن أحد أنه قام بدلاً من آخر، أو أن الإقامة تمت عرضًا وليس بالأمر.

القديس أمبروسيوس

- لم يقل السيد المسيح للعازر: "باسم أبي هلم خارجًا"، ولا قال "أيها الآب أقمه"؟ لماذا لم يستخدم كل هذه التعبيرات، وبعدما أخذ شكل من يصلي أظهر بكل أعماله سلطانه المستقل؟ لأن هذا أيضًا هو جزء من حكمته، ليظهر بالكلمات تنازله، وبالأعمال السلطان... فإذ لم يكن هناك أي اتهام ضده سوى أنه ليس من عند الله، وبهذا خدعوا كثيرين، لهذا أكد ببراهين كثيرة هذه النقطة بأقواله وذلك من أجل ضعفاتهم. فقد كان في سلطانه بطرق أخرى أن يظهر في نفس الوقت اتفاقه مع الآب وإظهار كرامته، لكن الجموع لم تكن بعد قد ارتفعت بعد.

- إنه لم يقل: "قم"، لكنه قال: "هلم خارجًا" مخاطبًا الميت كمن يخاطب حيًا، فما الذي يكون مساويًا لهذا السلطان؟

وإن كان قد فعل هذا بغير قوته، ماذا يكون له أكثر مما للرسل الذين قالوا: "لماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي؟" (أع ٣: ١٢)

لو أنه لم يعمل بقوته ولم يضف ما قاله الرسل عن أنفسهم لكانوا هم بالحقيقة حكماء أكثر منه، إذ يرفضون المجد. وفي موضع آخر يقولون لماذا يفعلون هذا؟ "نحن أيضًا بشر تحت الآلام مثلكم" (أع ١٤: ١٥). إذ لم يفعل الرسل شيئًا من أنفسهم لذلك تكلموا بهذه الطريقة، لكي يحثوا الناس على ذلك، أما بالنسبة له فعندما وُجدت مثل هذه الفكرة عنه، أما كان يجب عليه أن ينزع هذه الشكوك، لو أنه لم يفعل هذه بسلطانه؟

وإنما بالحقيقة فعل المسيح عكس ذلك عندما قال: "لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا" (٤٢)، لكي يؤمنوا أنه لا حاجة أن أصلي (أطلب).

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الآن ما هو: "هلم خارجًا" إلاَّ إظهار ما هو مخفي؟

من يعترف يخرج خارجًا.

"هلم خارجًا"
؛ ما كان يمكنه فعل ذلك لو لم يكن حيًا، وما كان يمكنه أن يكون حيًا لو لم يقم مرة أخرى. لهذا ففي الاعتراف إذ يفهم الإنسان نفسه يمجد الله.

- تأملوا حالة لعازر نفسه، فإنه خرج، ولكن بأربطته. كان حيًا بالفعل خلال الاعتراف، لكنه لم يصر حرًا بل كان متشابكًا إذ كان في أربطته. ماذا تفعل الكنيسة التي قيل لها: "ما تحلونه يكون محلولاً"، إلاَّ ما قاله الرب لتلاميذه: "حلوه ودعوه يمشي"؟

القديس أغسطينوس

- أتريد دليلاً أقوى على أن البعض يخلص بإيمان آخرين؟! لعازر مات، ومضى عليه يوم واثنان وثلاثة، وانحلت عضلاته ودب الفساد فعلاً في جسده. كيف يمكن لميت له أربعة أيام أن يؤمن، ويطلب بنفسه من المخلص؟

ولكن ما نقص عند الميت وُجد عند أختيه الحقيقيتين، فعندما أتى الرب سجدت الأخت أمامه. وعندما قال: "أين وضعتوه؟" أجابته: "يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام". فأجابها: "إن أمنتِ ترين مجد اللٌه" فكأنه يقول لها: ليكن عندك الإيمان الذي يقيم جثة الميت.

كان لإيمان الأختين قوة عظيمة هكذا حتى أعاد الميت من أبواب الجحيم!

إن كان للبشر بالإيمان، واحد لحساب الآخر، يمكن أن يقوم الميت، أما يكون النفع أعظم إن كان لك إيمان خالص لأجل نفسك؟!

بلى، حتى وإن كنت غير مؤمن أو قليل الإيمان فإن اللٌه محب البشر يتعطف عليك عند توبتك.

فمن جانبك، يليق بك أن تقول بذهن أمين: "اؤمن يا سيد، فأعن عدم إيماني" (مر 24:9). فإنك محتاج أن تقول مثل الرسول: "يا رب زد إيماننا". فإذ لك نصيب من جانبك، تتقبل النصيب الأعظم من اللٌه.

القديس كيرلس الأورشليمي

- لما كان "الرب يحل المسجونين" (مز 7:146)، ويهب راحة لمنسحقي الروح والمرتعب من كلماته (إش 2:66)، ربما يقول لي أنا الراقد في قبر الخطية: "جيروم، هلم خارجًا".

- إذ لا أزال ملقيًا في مقبرة خطاياي، ومقيدًا بأربطة شروري، انتظر أمر الرب الوارد في الإنجيل: "جيروم، هلم خارجًا".

القديس جيروم

- يا من ترقد في ظلمة الضمير وفي فساد خطاياك كما في سجن الجريمة، هلم خارجًا. لتعلن عن خطاياك فتتبرر. "الفم يعترف به للخلاص" (رو 10:10). إن اعترفت عن دعوة المسيح فستنكسر القضبان، وتنحل كل سلسلة، بل وتزول نتانة الفساد الجسدي الخطيرة.

القديس أمبروسيوس

"فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة، ووجهه ملفوف بمنديل، فقال لهم يسوع: حلوه، ودعوه يذهب". (44)

كيف خرج لعازر وهو مربوط اليدين والرجلين؛ إنه خرج كمن يحبو أو يعرج، وكان محتاجًا إلى من يحل رباطات الأكفان من جسمه.

بلا شك أن إقامة لعازر من الأموات أحدثت ضجة عظيمة في كل أورشليم التي جاء إليها كثيرون للاستعداد لعيد الفصح. انه ليس بالحدث الطبيعي، ولا بالمعجزة التي سبق أن شاهدها أحد، خاصة بعد أن اشتموا رائحة الفساد التي حلت بالجثمان.

- يقول يوحنا الرسول عن لعازر: "فخرج الميت" لنرى في فعل السيد المسيح شاهدًا له بسلطانه. وقوله: "فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة، ووجهه ملفوف بمنديل"، لكي لا يُظن أن الفعل خيالاً. فإن خروجه مربوطًا يبدو أنه ليس بأقل عجبًا من قيامته. وقول السيد المسيح للجمع: "حلوه" فلكي إذا لمسوه واقتربوا منه يعرفون بالحقيقة أنه هو ذاك. وقول السيد المسيح: "ودعوه يذهب"، لتعرف عزمه الخالي من التفخيم، لأنه ما اتبعه ولا اقتاده، ولا أراد أن يمشي معه حتى يريهم إياه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يلزمنا أن نهتم بهذا أيضًا، أن نقدم عملاً لائقًا بيسوع، فليس فقط نصلي لكي يصير الميت حيًا، بل أيضًا نصرخ إليه وندعو ذاك الذي في داخل الكهف والقبر إلى الأمور الخارج من القبر.

يلزمنا أن ندرك أنه يوجد لعازر كثيرون حتى الآن بعد أن صاروا أصدقاء يسوع، مرضوا وماتوا، وكموتى صاروا في القبر في أرض الأموات مع الموتى، ومؤخرًا صاروا أحياء بصلاة يسوع، ودعوا ليخرجوا من القبر إلى الخارج بصوت يسوع العالي.

من يثق في يسوع يخرج بالأربطة الخاصة بالموت من خطاياه السالفة، لكنه لا يزال مربوطًا حول وجهه، فلا يقدر أن يرى، ولا أن يمشى، ولا أن يفعل شيئًا ما بسبب أربطة الموت، حتى يأمر يسوع القادرين لكل يحلوه ويدعوه يمشي.

- مثل هذا يخرج من أجل صوت يسوع، لكنه لا يزال مربوطًا برباطات خطاياه. إنه حي، لأنه تاب وسمع صوت يسوع، لكنه إذ لم يتحرر بعد من رباطات الخطية لا يقدر أن يسير في الحال بقدمين متحررتين، وبكونه لم يتحرر ليتمم الأمور الفائقة فقد ارتبطت يداه وقدماه بأربطة كأربطة الموتى.

مثل هذا الإنسان بسبب الموت الذي فيه ملتصقًا بأربطة يديه وقدميه تغطى وجهه بالجهالة، وارتبط به حوله.

لهذا فإن يسوع لا يرغب فيه أن يعيش فحسب ويبقى في القبر ويكون مربوطًا عن أمور الحياة التي في خارج القبر... لذلك يقول يسوع للقادرين أن يخدموه: "حلوه ودعوه يمشي" (٤٤).

العلامة أوريجينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 11 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 11 جـ9 PDF Print Email
7. أثر إقامة لعازر

"فكثيرون من اليهود الذين جاءوا إلى مريم، ونظروا ما فعل يسوع، آمنوا به". (45)

كثير من أصدقاء مريم اليهود آمنوا به (45)، أكثرهم كانوا قد جاءوا من أورشليم، أقرب مدينة إلى قرية عنيا، وقد عُرف شعب أورشليم بمقاومته للسيد المسيح. بينما قدم البعض تقريرًا عما حدث للفريسيين (46)، الذين استدعوا مجمع السنهدرين للانعقاد (47)، وخططوا لقتل يسوع (48-57). لقد تنبأ قيافا رئيس الكهنة أنه ينبغي أن يموت واحد عن الشعب كله (49-52).

ثمر هذا العمل العجيب كالعادة يقدم رائحة حياة لحياة، ورائحة موت لموتٍ. كثيرون إذ نظروا ما صنع يسوع آمنوا به، بينما آخرون ذهبوا إلى رؤساء الكهنة والفريسيين، إما ليثيروهم أو ليقدموا شهادة عما حدث أو ليدعوهم للإيمان. وكان موقف رؤساء الكهنة والفريسيين مقاومًا للسيد المسيح.

شعرت المجموعة الأولى من المعزين أنه لا حاجة لاستشارة رؤساء الكهنة والفريسيين، وأنه يجب الكف عن مقاومة الحق الإلهي. صارت زيارة بيت الحزن علة تحولهم إلى الإيمان الحقيقي. وتحققوا من قول الحكيم أن الذهاب إلى بيت النوح أفضل من الذهاب إلى بيت الوليمة (جا ٧: ٢). هؤلاء جاءوا بنيةٍ صادقةٍ لتعزية مريم ومرثا، فخرجوا متعزين بعمل الله والإيمان بالسيد المسيح واهب القيامة. فإن من يروي يُروى (أم ١١: ٢٥). لهذا وجب ألاَّ يكف أحد عن عمل الخير ما دام في استطاعته (أم ٣: ٢٧).

لماذا قال: "جاءوا إلى مريم" ولم يقل إلى "مرثا" أيضًا؟ ربما كانت مريم أكثر شهرة في أورشليم عن مرثا، فجاءت الأغلبية لتعزية مريم. هذا ويرى البعض أن مرثا تميل إلى العمل والحركة بينما مريم تميل إلى الجلسات الهادئة (لو ١٠: ٣٨-٤٠). والذي يميل إلى العمل لا يجد وقتًا حتى للقاء مع المعزين، أما الذي يميل إلى الهدوء فيود أن يجلس مع المعزين.

"وأما قوم منهم فمضوا إلى الفريسيين، وقالوا لهم عما فعل يسوع". (46)

تمثل هذه الجماعة الشكليين في العبادة، فالحق واضح، والعمل الإلهي ملموس، لكنهم وهم يعلمون مقاومة القيادات له ذهبوا يخبرونهم.

"فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعًا وقالوا: ماذا نصنع، فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة". (47)

لما كانت المعجزة تصرخ بالحق الذي لا يمكن مقاومته ولا إنكاره عقد رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعًا. أدركوا أن قرارات السنهدرين لن تجدي. فالشعب التف حوله وصار الخطر يمس حياة الأمة كلها وسلامها. لم يُعقد المجمع للاستشارة أو إصدار قرارات للشعب، إنما للتحرك العملي للخلاص من يسوع.

ألبسوا القضية جانبًا سياسيًا خطيرًا في تحليلٍ للموقف مغالط للحقيقة، وهو أن يسوع هذا لا يكف عن عمل آيات كثيرة وفريدة مثل شفاء المولود أعمى وإقامة لعازر من الأموات، الأمر الذي حول الجميع إليه، يؤمنون به ويقيمونه ملكًا، بكونه المسيا المنتظر الذي يقيم خيمة داود الساقطة. بهذا يفقد مجمع السنهدرين سلطانه، ويفقد القادة الدينيون سلطانهم. وإذ يشعر الرومان بإقامة ملك لليهود يدخلون بجيش، ويستولون على أورشليم ويهدمون الهيكل، ولا يوجد من يقاوم أو يعارض. هكذا يحتل الرومان الموضع سياسيًا ودينيًا.

- أخفت هذه القيادات مشاعر حسدهم وغيرتهم الشريرة تحت ستار الدفاع عن الأمة اليهودية والهيكل الذي يعتبرونه أقدس موضع في العالم وأعظم مبنى وأفخمه.

انظر ماذا فعل اليهود، وقد كان واجبًا أن يُذهلوا ويتعجبوا من قيامة لعازر، إلا أنهم أرادوا أن يقتلوا من أقام ميتًا.

يا لغباوتهم إذ ظنوا أن يدفعوا إلى الموت من قهر الموت في أجسام آخرين.

وفي قول رؤساء الكهنة والفريسيين: "ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة" يدعونه إنسانًا... وقالوا لا ماذا نصنع؟ فقد وجب عليكم أن تؤمنوا وتسترضوه وتسجدوا له، ولا تظنوه أيضًا إنسانًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"إن تركناه هكذا، يؤمن الجميع به، فيأتي الرومانيون، ويأخذون موضعنا وأمتنا". (48)

يتساءل العلامة أوريجينوس عن هؤلاء القوم الذين مضوا إلى الفريسيين إن كانوا قد فعلوا هذا لكي يراجع الفريسيون أنفسهم ويؤمنوا، أم لكي يثيروهم بالأكثر ضده ويسرعوا بوضع الخطة للخلاص منه، وهو يميل إلى الرأي الثاني.

- ما خشاه رئيس الكهنة والفريسيون تحقق بطريقة رمزية. فإن كان رئيس الكهنة يمثل شهوات الجسد التي تقاوم شهوات الروح، فإنه لم يكن ممكنًا له أن يغلب رئيس الكهنة الأعظم ربنا يسوع المسيح، الذي بالحق احتل موضعه، لكن على مستوى سماوي أبدي. وعوض الفكر الفريسي الحرفي تمتعنا بالروح، فلم يعد للفريسيين موضع. أما أن يحتل الرومان موضع اليهود، فإن الرومان يمثلون كنيسة الأمم التي صارت إسرائيل الجديد، واحتلت موضع إسرائيل القديم كشعبٍ مقدسٍ كهنوتيٍ صاحب الوعود الإلهية.

العلامة أوريجينوس

- "تورط الوثنيون في الدمار الذي عملوه، في الشبكة التي أخفوها انتشبت أرجلهم" (مز ٩: ١٥ LXX). هذا هو حال اليهود.

لقد قالوا أنهم يقتلون يسوع، لئلا يأتي الرومانيون ويأخذون موضعهم وأمتهم، وعندما قتلوه حدثت هذه الأمور لهم. عندما فعلوا هذا الذي حسبوا أنهم به يهربون، إذا بهم لم يفلتوا منها. الذي قُتل هو في السماء، والذين قتلوه نصيبهم في جهنم.

-كأنهم قالوا: إذا رأى الرومانيون أن السيد المسيح مقلقًا للشعوب يظنون فينا العصيان عليهم، فيهدمون مدينتنا.

وأنا أسأل أحدهم: قل لي متى رأيت السيد المسيح يعلم بالعصيان؟ أما أشار بإعطاء الجزية لقيصر؟ أما أردتم أن تصيروه ملكًا فهرب؟ ألم يعش حياة بسيطة خالية من التباهي، ولم يمتلك منزلاً ولا شيئًا آخر من الممتلكات وأمثالها؟

فهذه الأقوال نطقوا بها ليس متوقعين أنها تحدث، لكنهم قالوها حسدًا، لأن من أبرأ المرضى وعلم الحياة الفاضلة وأشار بالخضوع للرؤساء، لا يثير عصيانًا، بل يهدم العصيان ويزيله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فقال لهم واحد منهم، وهو قيافا، كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئًا". (49)

بحسب الشريعة يُقام رئيس الكهنة مدى الحياة (خر ٤٠: ١٥)، وذلك بالوراثة متسلسلاً من هرون وأبنائه. لكن في ذلك تدخلت السلطات الرومانية، وحملت سلطة عزل وإقامة رئيس الكهنة كما يحلو لهم وفي أي وقتٍ يشاءون، دون التزام بالشريعة سوى أن يكون من النسل الكهنوتي. جاء في يوسيفوس المؤرخ أن قيافا هو اسم الشهرة، وأن اسمه الحقيقي هو يوسف. كان رئيسًا للكهنة لمدة ثماني أو تسع سنوات، وغالبًا ما قام فيتايليوس Vitellius والي اليهودية بعزله.

لم يتطلع الرومان إلى السيد المسيح كمقاومٍ لمملكتهم، ولم تشغلهم شعبيته قط، لأنه نادى بالخضوع للسلطات ودفع الجزية لقيصر، بل طالب سمعان بطرس أن يدفع عن نفسه وعنه الجزية. وفي محاكمته نرى بيلاطس يبذل الجهد عدة مرات ليطلقه.

"ولا تفكرون إنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب، ولا تهلك الأمة كلها". )50)

كان رئيس الكهنة يرتدي الصدرية التي بها الأوريم والتميم (خر 28: 30)، ويصلي إلى الله ليعطيه مشورة صادقة، لكن يبدو أن هذا الأمر كان قد انتهى تمامًا. فقدم رئيس الكهنة مشورته للمجمع لا خلال استشارة الله، بل خلال حسده الشرير. قدم ما يبدو حسب الفلسفة البشرية أنه منطقي وصادق مبني على فكرٍ سليمٍ، غير أنه في الحقيقة كان مبنيًا على مشاعر شريرة ورغبة قوية للخلاص من ذاك الذي سحب شعبيتهم وفضح شرهم. جاء في إشعياء النبي: "قد ارتد الحق إلى الوراء، والعدل يقف بعيدًا، لأن الصدق سقط في الشارع، والاستقامة لا تستطيع الدخول" (إش ٤٩: ١٤).
 
"ولم يقل هذا من نفسه، بل إذ كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة،تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة". (51)

- لم يتكلم قيافا رئيس الكهنة من نفسه، ولا أدرك معنى ما قاله، مع أنه نطق بنبوة. وفي بولس أيضًا وجد بعض معلمي الناموس "وهم لا يفهمون ما يقولون، ولا ما يقررونه" (١ تي ١: ٧). لكن ليس هذا حال الإنسان الحكيم الذي يقول عنه سليمان في الأمثال: "الحكيم يفهم كلمات فمه ويحمل تعقلاً على شفتيه" (راجع أم ١٦: ٢٣).

العلامة أوريجينوس

- أرأيت كم هي قوة الرئاسة الكهنوتية، لأن قيافا لما تأهل لرئاسة الكهنوت، على الرغم من كونه خاليًا من أن يكون مؤهلاً لها تنبأ، غير عارفٍ ما قاله. فقد استخدمت النعمة فمه فقط، ولم تلمس قلبه الدنس. وآخرون كثيرون قالوا أشياء قبل كونها وتنبأوا، وكانوا قد فشلوا في أن يكونوا أهلاً لذلك، وهم: نبوخذنصر وفرعون وبلعام. أنظر كم هي قوة الروح، إذ اقتدرت أن تُسخر نية خبيثة للنطق بألفاظٍ مملوءة نبوة عجيبة.

- ماذا يعني: "إذ كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة"؟ هذا الأمر كغيره قد فسد، فإنه منذ صارت تلك الوظائف موضوع شراء (بالمال)، لم يعودوا كهنة مدى حياتهم وإنما لمدة عام. ومع هذا كان لا يزال الروح حاضرًا في هذه الحالة. ولكن عندما رفعوا أيديهم ضد المسيح تركهم الروح وتحول إلى الرسل. هذا أعلنه الحجاب الذي انشق، وصوت المسيح القائل: "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا" (مت ٢٣: ٣٨). قال يوسيفوس الذي عاش فترة قصيرة بعد ذلك أن ملائكة معينين الذين بقوا معهم لعلهم يرجعون (عن شرهم) تركوهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وليس عن الأمة فقط، بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد". (52)

جاءت هاتان العبارتان شرحًا يقدمه الإنجيلي يوحنا كيف استخدم الله حتى شر رئيس الكهنة للشهادة للحق، والتنبؤ عن عمل المسيح الخلاصي لحساب اليهود، بل ولحساب أبناء الله في كل العالم من اليهود والأمم معًا.

من هم أبناء الله المتفرقون؟ المؤمنون من كل الأمم، إذ يجتمعون معًا كأعضاء في جسد المسيح الواحد. يرى العلامة أوريجينوس أن إسرائيل حسب الجسد أيضًا بعد التشتيت يقبلون الإيمان بالمسيح ليجتمعوا معًا إلى واحد.

"فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه". (53)

- بالحقيقة لقد طلبوا أن يفعلوا ذلك من قبل، إذ يقول الإنجيلي: "فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه" (يو ٥: ١٨)، وأيضًا قال (السيد): "لماذا تطلبون أن تقتلوني؟" (يو ٧: ١٩). كانوا قبلاً يطلبون ذلك أما الآن فإنهم قرروا ما قد صمموا عليه وتحركوا للعمل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فلم يكن يسوع أيضًا يمشي بين اليهود علانية، بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية إلى مدينة يقال لها افرايم،ومكث هناك مع تلاميذه". (54)

"افرايم" هي قرية صغيرة قريبة من بيت إيل، وقد ضمهما الكتاب المقدس معًا في ٢ أي ١٣: ١٩، وأيضًا في يوسيفوس.

يعتقد أنها ذات المدينة أو القرية الواردة في ١ مك ٥: ٤٦؛ ٢ مك ١٢: ٢٧. أعطاها يشير لسبط يهوذا (يش ١٥: ٩). يقول كل من يوسابيوس والقديس چيروم أنها على بعد حوالي ٢٠ ميلاً من أورشليم. يرى البعض انه مكث هناك من ٢٤ يناير إلى ٢٤ مارس، أي لمدة شهرين..

- أعتقد أن هذه الكلمات وما يشبهها سُجلت، لأن الكلمة يود أن يردنا عن التهور بسرعة شديدة وفي غير تعقلٍ للصراع مع الموت من أجل الحقٍ (سيراخ ٤: ٢٨) والاستشهاد.

فمن جانب من الصواب ألا تتجنب الاعتراف، وأيضًا ألا تتردد في الموت من أجل الحق، إن دخل إنسان في صراع من أجل الاعتراف بيسوع. ومن الجانب الآخر ليس بأقل صوابًا أيضًا أنه إذا وُجدت محنة عظيمة لا تسقط فيها، بل تتجنبها ما استطعت، ليس فقط لأن نتيجة ما سيحدث غير واضحة أمامنا، ولكن أيضًا لكي لا نكون مسئولين عن أن نثير الذين لا يريدون بالفعل أن يسفكوا دمنا، فيسقطون في هذه الجريمة، ويصيرون بالأكثر خطاة وأشرارًا، وذلك إن كنا نعمل ما هو لنفعنا ولا نبالي بالذين يتآمرون ضدنا للموت. بسببنا يسقطون في عقوبات أشد، إن ركزنا على أنفسنا ولا نعطي اعتبارًا لما يخص الآخرين، فنخلص أنفسنا بقتلنا بينما لا تكون هناك ضرورة تستدعي ذلك.

- "افرايم" معناها "إثمار"، وهو أخ منسي الأكبر منه ويعني "نسيان". فإنه إذ ترك خلفه الشعب "كما في النسيان" جاءت ثمار الأمم. حينما حول الله أنهار إسرائيل إلى برية، ومصادر المياه إلى أرض جافة والأرض الخصبة إلى أرض قاحلة وذلك بسبب شر الساكنين فيها (مز ١٠٦: ٣٣-٣٨). لكنه يحول البرية التي للأمم إلى أحواض مياه، وأرضهم الجافة إلى مصادر حياة.

العلامة أوريجينوس

"وكان فصح اليهود قريبًا،فصعد كثيرون من الكور إلى أورشليم قبل الفصح ليطهروا أنفسهم". (55)

- أراد اليهود أن يجعلوا يوم العيد قرمزيًا بدم الرب. فيه ذُبح الحمل الذي قدسه كيوم عيدٍ لنا بدمه. كانت هناك خطة بين اليهود لقتل يسوع، وذاك الذي جاء من السماء ليتألم أراد أن يقترب من موضع آلامه، لأن ساعة آلامه قد جاءت.

القديس أغسطينوس

- يا له من تطهير عجيب بتصميمٍ لارتكاب جريمة، ونيات تنزع نحو القتل، وأيادي سافكة للدماء!

القديس يوحنا الذهبي الفم
 
"فكانوا يطلبون يسوع ويقولون فيما بينهم وهم واقفون في الهيكل: ماذا تظنون هل هو لا يأتي إلى العيد؟" (56)

ربما كان أهل افرايم يطلبونه إذ فارق المدينة، لعله ذهب إلى أريحا أو إحدى نواحيها. ولعل الذين طلبوه هم من قبل رئيس الكهنة، كانوا يبحثون عنه ليخبروا رئيس الكهنة بالموضع الذي يقيم فيه أثناء الاحتفال بالعيد.

- جعلوا من الفصح فرصة للتخطيط ضده، وحسبوا وقت العيد وقت جريمة، فإنه سيسقط في أيديهم إذ يستدعيه موسم العيد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الذين بحثوا عنه والذين لم يبحثوا عنه هم ملامون. لهذا ليتنا نطلب المسيح ليكون هو لنا، فنحفظه، لا لكي نقتله.

القديس أغسطينوس

"وكان أيضًا رؤساء الكهنة والفريسيون قد أصدروا أمرًا،أنه إن عرف أحد أين هو، فليدل عليه لكي يمسكوه". (57)

- ليأتوا إلى الكنيسة ويسمعوا منا أين هو، يسمعوا ذلك من الإنجيل... إنه رحل (صعد)، وهو حاضر هنا. لقد عاد لكنه لم يتركنا. لقد حمل جسده إلى السماء لكنه لم يسحب جلاله من العالم.

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 11 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 11 جـ10 PDF Print Email
من وحيّ يو 11

لتصرخ بصوت عظيم مناديًا باسمي:

هلم خارجًا!

- مريم ومرثا تبعثان إليك رسالة من أجل أخيهما:

هوذا الذي تحبه مريض!

ها اخوتي المجاهدون يطلبون عني أمامك.

واخوتي الراحلون في الفردوس يشفعون أمام عرشك.

من يقدر أن يقيمني من مرضي سواك يا طبيب النفوس والأجساد!

- دبّ المرض في كل كياني،

احتلّ فكري وقلبي وكل حواسي.

واحتلّ الفساد داخلي.

من ينقذني من هذا الجسد الفاسد إلا أنت يا أيها القيامة!

- لتنطلق يا أيها السماوي إلى قبري!

فقد سببتُ انزعاجًا حتى لنفسك!

فإني موضوع حبك!

لتصرخ بصوتك الإلهي مناديًا اسمي،

ولتقل: "هلمّ خارجًا".

عبورك إلى قبري وهبني القيامة بعد الموت،

لا يكون للموت وجود في حضرة القيامة!

اعترف بخطيتي، وأتمتع بالحلّ الرسولي حسب وعدك:

ما حللتموه على الأرض يكون محلولاً في السماء!

- بك أتمتع بالحياة المُقامة المتهللة!

نعم، رددت لي بهجة خلاصك.

وتحوّل المأتم إلى عيدٍ لا ينقطع!

أختاي على الأرض وفي الفردوس تمجدانك،

أنت مخلص النفوس من فساد الموت!

- ليس لي ما انطق به،

صارت حياتي الجديدة شهادة حيّة لأعمالك الفائقة.

ليؤمن الكثيرون بك،

إذ يروك متجليًّا في ضعفي!

وليثر عدو الخير وجنوده،

فإنه لا يحتمل نور القيامة فيّ!

- أخيرًا اسمح لي أن أعبر معك على القبور،

لتنادي كل شخص باسمه،

ما أعذب صوتك لي، وأنت تصرخ:

"هلمّ خارجًا!

يا له من محفلٍ ممتعٍ،

إذ تخرج النفوس من قبورها مشرقة ببهائكّ

عِوض الفساد تتمتع بشركة طبيعتك الإلهية!

فيتحوّل الكثيرون إلى عروس سماوية،

مهيأة ومعدة للعرس الأبدي غير المنقطع!

1 و كان انسان مريضا و هو لعازر من بيت عنيا من قرية مريم و مرثا اختها
2 و كانت مريم التي كان لعازر اخوها مريضا هي التي دهنت الرب بطيب و مسحت رجليه بشعرها
3 فارسلت الاختان اليه قائلتين يا سيد هوذا الذي تحبه مريض
4 فلما سمع يسوع قال هذا المرض ليس للموت بل لاجل مجد الله ليتمجد ابن الله به
5 و كان يسوع يحب مرثا و اختها و لعازر
6 فلما سمع انه مريض مكث حينئذ في الموضع الذي كان فيه يومين
7 ثم بعد ذلك قال لتلاميذه لنذهب الى اليهودية ايضا
8 قال له التلاميذ يا معلم الان كان اليهود يطلبون ان يرجموك و تذهب ايضا الى هناك
9 اجاب يسوع اليست ساعات النهار اثنتي عشرة ان كان احد يمشي في النهار لا يعثر لانه ينظر نور هذا العالم
10 و لكن ان كان احد يمشي في الليل يعثر لان النور ليس فيه
11 قال هذا و بعد ذلك قال لهم لعازر حبيبنا قد نام لكني اذهب لاوقظه
12 فقال تلاميذه يا سيد ان كان قد نام فهو يشفى
13 و كان يسوع يقول عن موته و هم ظنوا انه يقول عن رقاد النوم
14 فقال لهم يسوع حينئذ علانية لعازر مات
15 و انا افرح لاجلكم اني لم اكن هناك لتؤمنوا و لكن لنذهب اليه
16 فقال توما الذي يقال له التوام للتلاميذ رفقائه لنذهب نحن ايضا لكي نموت معه
17 فلما اتى يسوع وجد انه قد صار له اربعة ايام في القبر
18 و كانت بيت عنيا قريبة من اورشليم نحو خمس عشرة غلوة
19 و كان كثيرون من اليهود قد جاءوا الى مرثا و مريم ليعزوهما عن اخيهما
20 فلما سمعت مرثا ان يسوع ات لاقته و اما مريم فاستمرت جالسة في البيت
21 فقالت مرثا ليسوع يا سيد لو كنت ههنا لم يمت اخي
22 لكني الان ايضا اعلم ان كل ما تطلب من الله يعطيك الله اياه
23 قال لها يسوع سيقوم اخوك
24 قالت له مرثا انا اعلم انه سيقوم في القيامة في اليوم الاخير
25 قال لها يسوع انا هو القيامة و الحياة من امن بي و لو مات فسيحيا
26 و كل من كان حيا و امن بي فلن يموت الى الابد اتؤمنين بهذا
27 قالت له نعم يا سيد انا قد امنت انك انت المسيح ابن الله الاتي الى العالم
28 و لما قالت هذا مضت و دعت مريم اختها سرا قائلة المعلم قد حضر و هو يدعوك
29 اما تلك فلما سمعت قامت سريعا و جاءت اليه
30 و لم يكن يسوع قد جاء الى القرية بل كان في المكان الذي لاقته فيه مرثا
31 ثم ان اليهود الذين كانوا معها في البيت يعزونها لما راوا مريم قامت عاجلا و خرجت تبعوها قائلين انها تذهب الى القبر لتبكي هناك
32 فمريم لما اتت الى حيث كان يسوع و راته خرت عند رجليه قائلة له يا سيد لو كنت ههنا لم يمت اخي
33 فلما راها يسوع تبكي و اليهود الذين جاءوا معها يبكون انزعج بالروح و اضطرب
34 و قال اين وضعتموه قالوا له يا سيد تعال و انظر
35 بكى يسوع
36 فقال اليهود انظروا كيف كان يحبه
37 و قال بعض منهم الم يقدر هذا الذي فتح عيني الاعمى ان يجعل هذا ايضا لا يموت
38 فانزعج يسوع ايضا في نفسه و جاء الى القبر و كان مغارة و قد وضع عليه حجر
39 قال يسوع ارفعوا الحجر قالت له مرثا اخت الميت يا سيد قد انتن لان له اربعة ايام
40 قال لها يسوع الم اقل لك ان امنت ترين مجد الله
41 فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعا و رفع يسوع عينيه الى فوق و قال ايها الاب اشكرك لانك سمعت لي
42 و انا علمت انك في كل حين تسمع لي و لكن لاجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا انك ارسلتني
43 و لما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر هلم خارجا
44 فخرج الميت و يداه و رجلاه مربوطات باقمطة و وجهه ملفوف بمنديل فقال لهم يسوع حلوه و دعوه يذهب
45 فكثيرون من اليهود الذين جاءوا الى مريم و نظروا ما فعل يسوع امنوا به
46 و اما قوم منهم فمضوا الى الفريسيين و قالوا لهم عما فعل يسوع
47 فجمع رؤساء الكهنة و الفريسيون مجمعا و قالوا ماذا نصنع فان هذا الانسان يعمل ايات كثيرة
48 ان تركناه هكذا يؤمن الجميع به فياتي الرومانيون و ياخذون موضعنا و امتنا
49 فقال لهم واحد منهم و هو قيافا كان رئيسا للكهنة في تلك السنة انتم لستم تعرفون شيئا
50 و لا تفكرون انه خير لنا ان يموت انسان واحد عن الشعب و لا تهلك الامة كلها
51 و لم يقل هذا من نفسه بل اذ كان رئيسا للكهنة في تلك السنة تنبا ان يسوع مزمع ان يموت عن الامة
52 و ليس عن الامة فقط بل ليجمع ابناء الله المتفرقين الى واحد
53 فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه
54 فلم يكن يسوع ايضا يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك الى الكورة القريبة من البرية الى مدينة يقال لها افرايم و مكث هناك مع تلاميذه
55 و كان فصح اليهود قريبا فصعد كثيرون من الكور الى اورشليم قبل الفصح ليطهروا انفسهم
56 فكانوا يطلبون يسوع و يقولون فيما بينهم و هم واقفون في الهيكل ماذا تظنون هل هو لا ياتي الى العيد
57 و كان ايضا رؤساء الكهنة و الفريسيون قد اصدروا امرا انه ان عرف احد اين هو فليدل عليه لكي يمسكوه


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 11 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 12 جـ1 PDF Print Email

عشاء في بيت لحم


خُتم الأصحاح السابق بصورة قابضة حيث بدأت الحرب الجدية ضد يسوع من القيادات اليهودية للخلاص منه، إذ حسبه الكتبة والفريسيون خائنًا للمجمع. لكن جاء هذا الأصحاح يكشف عن وجود أناس أمناء يشهدون للحق، فيمجدون السيد ويشهدون له وسط هذا الجو من البغض والكراهية.

جاءت الشهادة لمجده على كل المستويات: المستوى الفردي كأخت لعازر، والمستوى الجماعي كموكب أورشليم، المستوى الخارجي (اليونانيون)، كما تشهد له السماء، وأنبياء العهد القديم، وبعض الرؤساء، وأخيرًا السيد المسيح يشهد لنفسه.

1. سكب الطيب على قدمي يسوع ١ - ١١.

2. دخوله أورشليم منتصرًا ١٢ - ١٩.

3. تكريم اليونانيين ليسوع ٢٠ - ٢٦.

4. تمجيد السماء ليسوع ٢٧ - ٣٦.

5. شهادة الأنبياء لمجده ٣٧ - ٤١.

6. تمجيد بعض الرؤساء له ٤٢ - ٤٣.

7. شهادة المسيح لنفسه ٤٤ - ٥٠.

1. سكب الطيب على قدمي يسوع

"ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا، حيث كان لعازر الميت الذي أقامه من الأموات". (1)

بعد إقامة لعازر قام السيد المسيح بزيارة ودية لبيت لعازر قبل الفصح بستة أيام، وهو في بيت عنيا على مقربة من أورشليم. جاءت زيارته هذه كإعداد للاحتفال بالفصح، ليعلمنا أن نهتم بإعداد أنفسنا للمناسبات الروحية.

هذا ومن جانب آخر إذ جاءت الساعة لصلبه جاء بنفسه وهو يعلم أنهم سينصبون له الشباك، وهو قادر أن يفلت منها ويحطمها، لكنه جاء إلى العالم خصيصًا لتقديم نفسه ذبيحة حب عنا.

وهي زيارة صداقة لبيتٍ محبوبٍ لديه جدًا، "بيت لعازر ومريم ومرثا"، لأنه يعلم أنه بعد قليل سيفارقهم حسب الجسد. إنها زيارة وداعية، يترك بصمات حبه وكلمات تعزية وداعية تسندهم في يوم التجربة الذي كاد أن يحل.

أخيرًا فقد جاء إلى بيت عنيا بعد إقامته للعازر لكي يتابع آثار عمله، وكأنه جاء لكي يسقي ما قدس زرعه حتى يأتي بالثمر اللائق.

جاء السيد المسيح في السبت اليهودي حيث يُحتفل بالفصح في اليوم السادس من زيارته. كان الوقت قد أزف لتختار كل أسرة الحمل الذي يُقدم فصحًا في العيد، وكان يلزم حفظه خمسة أيام عن الحظيرة. وها هو حمل الله الفصح الحقيقي، يأتي بنفسه ليعزل نفسه، مسلمًا نفسه في أيدي محبيه لمسحه بالطيب والدموع في اليوم التالي من وصوله. بإرادته كرس حياته مبذولة فصحًا عن العالم كله. وقد جاء موكب دخوله إلى أورشليم في السبت المسيحي (أحد الشعانين) في اليوم التالي من زيارته لبيت عنيا.

"فصنعوا له هناك عشاء، وكانت مرثا تخدم، وأما لعازر فكان أحد المتكئين معه". (2)

قدمت الأسرة ذبيحة شكر عملية لذاك الذي أقام رب البيت، فصنعوا عشاء، وقام الثلاثة بأدوار مختلفة. لعازر بين المتكئين يشهد للمسيح الذي أقامه من الأموات، ومرثا تخدمه، ومريم تعلن حبها له بسكب الطيب على قدميه. يرى البعض أن هذه الوليمة هي بعينها التي تمت في بيت سمعان الأبرص (مت ٢٤: ٦). لكن يرى البعض أن الوليمتين مختلفتان، فالوليمة هنا تمت في بيت لعازر وأختيه بدليل قيام مرثا بالخدمة. الوليمة المذكورة في إنجيل متى كانت في اليوم الثالث من أسبوع الفصح، أما هذه فتمت قبل الفصح بستة أيام. وأن الوليمتين تمتا في بيت عنيا، مريم سكبت هنا منًا أي حوالي الرطل من الطيب، وفي الوليمة الثانية سكبت بقيته كله (مر ١٤: ٣).

لقد خدمت مرثا المائدة تعبيرًا عن تقديرها العظيم للسيد. حسبت ذلك كرامة لها أن تخدم السيد، أيا كانت الخدمة. لقد سبق أن قارن بين خدمتها وجلسة أختها مريم عند قدميه، قائلاً لها: أنت تهتمين بأمور كثيرة، أما مريم فاختارت النصيب الصالح الذي لن ينزع عنها، مع هذا لم تترك الخدمة.

"وأما لعازر فكان أحد المتكئين معه" (٢). وجوده هو برهان على حقيقة قيامته التي وهبه إياها السيد المسيح. لقد جلس يأكل مؤكدًا أن الرب أقامه فعلاً.

- إنه يتلهف أن يعيد زيارته لذاك الذي أُقيم من الأموات، ويفرح بعطية الحياة المتجددة، إنه يأتي إلى الوليمة التي تعدها كنيسته له، بمناسبة ذاك الذي كان ميتًا فوجد بين الجالسين مع المسيح.

القديس أمبروسيوس

- واضح أن الوليمة كانت في بيت مرثا، إذ أن الذين أحبوا المسيح وهو أحبهم قبلوه عندهم.

قوله: "وأما لعازر فكان أحد المتكئين معه"، كان في هذا دلالة على صدق قيامته، إذ يعيش ويأكل بعد أيام كثيرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- كلما أقام شخصًا من الأموات أمر السيد بتقديم طعامٍ له ليأكل، لئلا يُظن أن القيامة خيال. ولهذا السبب وُصف لعازر بعد قيامته أنه كان في وليمة مع ربنا.

القديس جيروم


"فأخذت مريم منًا من طيب ناردين خالص كثير الثمن، ودهنت قدمي يسوع، ومسحت قدميه بشعرها، فامتلأ البيت من رائحة الطيب". (3)

المن: وزن يوناني وروماني يساوي نحو مائة درهم.

الناردين: نوع من الأطياب الثمينة التي تنافس بها القدماء، وذُكر في سفر نشيد الأناشيد (1: 12؛ 13:4، 14). أما كونه خالصًا فيعني أنه نقي غير مضاف إليه شموع أو راتنجات ليصير كالمرهم.

عبَّرت مريم عن حبها بسكب رطلٍ من طيب ناردين خالص كثير الثمن، حيث دهنت قدميه ومسحتهما بشعر رأسها، فامتلأ البيت من رائحة الطيب. قدمت أغلى ما لديها لتكريم السيد. إنها لم تدهن رأسه كالعادة المتبعة، بل في حبٍ عميقٍ دهنت قدميه. حتمًا إن سكب رطل طيب نقي تدفق على ثياب السيد المسيح، وامتلأ البيت كله برائحته الطيبة. وكما تقول النفس البشرية عن عريسها الملك: "مادام الملك في مجلسه، أفاح نارديني رائحته" (نش ١: ١٢).

لقد سكبت مريم طيب حبها الخالص ولازالت رائحته الطيبة تملأ بيت الرب عبر الأجيال، يشتمه الآب إذ يحمل رائحة المسيح الذكية (٢ كو ٢: ١٥)، ونشتمه نحن المؤمنون بعد كل القرون، فنشتهي أن نقدم حياتنا كلها رائحة حب خالص نحو ذاك الذي بادرنا بحبه.

- مرثا خدمت، من هذا يتضح أن الوليمة كانت في بيتها... مريم لم تخدم، إذ كانت تلميذة. هنا أيضًا سلكت بطريقة أكثر روحانية. فإنها لم تخدم كما لو كانت قد دُعيت لتفعل هذا، ولا قدمت خدماتها مشاعة لكل الضيوف بوجهٍ عامٍ، وإنما كرمت ذاك وحده. اقتربت إليه ليس كإنسانٍ بل بكونه إلهها. لهذا سكبت عليه دهن الطيب ومسحته بضفائر رأسها، لم تمارس هذه أفعال معتقدة فيه مثلما ظن الكثيرون.

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 12 جـ2 PDF Print Email
- الطيب هو البرّ، كان وزنه منًا (رطلاً)، لكنه طيب من ناردين خالص كثير الثمن... أصل الكلمة "خالص" في اليونانية ندعوها "الإيمان". أنتم تطلبون أن تصنعوا البرّ، فإن البار بالإيمان يحيا (رو ١: ١٧).

امسحوا قدمي يسوع، أي اقتفوا إثر خطوات الرب بحياة صالحة.

امسحوا قدميه بشعوركم، بما هو فائض لديكم، قدموه للفقراء بهذا تمسحون قدمي الرب. لأن الشعر يبدو كأنه أمر زائد في الجسد. لتقدموا شيئًا من الفيض الذي لديكم. إنه فائض عندكم، لكنه ضروري بالنسبة لقدمي الرب.

ربما قدما الرب على الأرض في احتياج. فإنه عن من يقول إلاَّ عن أعضائه: "ما فعلتموه بأحد اخوتي الأصاغر فبي فعلتم" (مت ٢٥: ٤٠)؟ إنكم تقدمون مما هو فائض عنكم، لكنكم تقدمون ما هو مُستحب لقدميه.

- "فامتلأ البيت من رائحة الطيب" (٣). العالم يمتلئ بسمعته الشخصية الصالحة، لأن السيرة الصالحة كرائحة طيب مبهجة. الذين يسلكون في الشر ويحملون اسم مسيحيين يسيئون إلى المسيح. عن هؤلاء قيل أنه بسببهم يُجدف على اسم الرب (رو ٢: ٢٤). إن كان بمثل هؤلاء يجدف على اسم الله، فإنه خلال الصالحين يُكرم اسم الله.

استمعوا إلى الرسول وهو يقول: "نحن رائحة المسيح الذكية في كل موضع". كما جاء في نشيد الأناشيد: "اسمك دهن مهراق" (نش ١: ٣).

القديس أغسطينوس

- هذا العطر لا يختلف عن عطر العروس الذي أفاح رائحة العريس. "مادام الملك في مجلسه أفاح نارديني رائحته" (نش 1: 12).

جاء في الإنجيل إن سكب الطيب على رأس ربنا قد أفاح رائحة ذكية في أرجاء المنزل حيث أقيمت المأدبة. يبدو أن المرأة ساكبة الطيب قد تنبأت بسرّ موت المسيح. وقد شهد الرب لعملها هذا قائلاً، "إنما فعلت ذلك لأجل تكفيني" (مت 12:26).

المنزل الذي امتلأ بهذه الرائحة يمثل الكون بأكمله، العالم كله: "حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم"، تنتشر رائحة عملها هذا مع الكرازة بالإنجيل، ويصير الإنجيل "تذكارًا لها"، إذ أن الناردين في نص نشيد الأناشيد يفيح رائحة العريس لعروسه، وفى الإنجيل أيضًا تصير رائحة المسيح الذكية التي ملأت كل المنزل كطيبٍ يطَّيب كل جسد الكنيسة في كل المسكونة والعالم أجمع.

القديس غريغوريوس النيسي

"فقال واحد من تلاميذه، وهو يهوذا سمعان الأسخريوطي المزمع أن يسلمه". (4)

- إذ فاحت رائحة المسيح الذكية صارت للبعض رائحة حياة لحياة، ولآخرين رائحة موتٍ لموتٍ (٢ كو ٢: ١٤-١٦). هذه الرائحة الذكية صارت رائحة موت ليهوذا.

القديس أغسطينوس

- في حديثه الموجه إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس كتب:

[لذلك أيها الإمبراطور الآن أوجه كلماتي ليس فقط عنك بل إليك، إذ تلاحظ كيف بكل حزم يريد اللَّه أن يحاكم، فإنه بقدر ما قد صرت ممجدًا بالأكثر يليق بك أن تخضع لخالقك بالكامل، إذ هو مكتوب: "عندما يحضرك الرب إلهك إلى أرض غريبة، وتأكل ثمر الآخرين لا تقل: بقوتي وبري أعطاني هذه، إنما الرب إلهك هو الذي أعطاك إياها". فالمسيح بمراحمه وهبك هذه، لذلك فحبًا في جسده أي الكنيسة أعط ماءً لقدميه، قبِّل قدميه، فليس فقط تعفو عمن سقط في خطية بل أيضًا بواسطة حبك للسلام تصلحهم وتهبهم راحة].

اسكب دهنًا على قدميه، لكي ما يمتلئ كل البيت الذي يجلس فيه المسيح برائحة طيبك، ويُسر كل الجالسين معه برائحتك الذكية. بمعنى كرِّم المذلولين، حتى تفرح الملائكة بالعفو عنهم، إذ يفرحون بخاطئ واحدٍ يتوب (لو 10:15)، ويُسر الرسل، ويمتلئ الأنبياء بالبهجة.

القديس أمبروسيوس

"لماذا لم يُبع هذا الطيب بثلاث مائة دينار، ويُعط للفقراء؟" (5)

وسط هذا الجو السماوي، رائحة المسيح الذكية التي تسحب القلوب نحو السماء، وُجدت رائحة نتانة الإصرار على الطمع والسرقة مع روح الخيانة تنبعث من قلب تلميذ يبدو من خاصة المسيح. لا يستطيع القلب أن يحتمل رائحة المسيح الذكية واهبة الحياة، فتصير بالنسبة له رائحة موتٍ لموتٍ (٢ كو ٢: ١٦).

لم يسترح يهوذا الخائن لهذا التصرف، وحسبه تبديدًا لمبلغٍ كبيرٍ كهذا، إذ حسب ثمن الطيب بحوالي ٣٠٠ دينارًا، كان يمكن تقديمه للفقراء، ولم يستطع أن يتلمس ثمن الحب الذي لا يُقدر بثمن. كان يهوذا رسولاً وكارزًا بالإنجيل، لكنه لا يحب روح التكريس والحب. تحولت الكرازة عنده إلى مهنة وعمل رسمي، لا تحمل رائحة طيب الحب التي تملأ بيت الرب "الكنيسة".

لقد وجد الحجة التي يتذرع بها ليهاجم عمل المحبة، فبدا كمن هو مترفق بالفقراء. فإنه حتى الشيطان يحول نفسه كما إلى ملاك نور. استخدم الحكمة البشرية، فحسب خدمة الفقراء ضد إظهار الحب للسيد المسيح، خافيًا في أعماقه طمعه وحبه للمال، وأنه لص يسرق ما بالصندوق.

لم يكن يحتمل هذا الخائن عمل الحب، حيث تسكب مريم طيبًا يمكن أن يُباع بثلاثمائة دينارًا، بينما قام هو ببيع السيد نفسه بثلاثين من الفضة. هي وضعت الثلاثمائة دينارًا تحت قدمي سيدها وحسبت ذلك كلا شيء، أما هو فوضع سيده تحت ثلاثين من الفضة وحسب سيده كلا شيء أمام هذا المبلغ التافه.

"قال هذا ليس لأنه كان يبالي بالفقراء، بل لأنه كان سارقًا، وكان الصندوق عنده، وكان يحمل ما يُلقى فيه". (6)

يرى البعض أن كلمة "اسخريوطي" معناها "حامل الصندوق".

لم يحمل يهوذا حنوًا على الفقراء، ولا اهتمامًا بهم، وإنما كانت خدمة الفقراء فرصة لسرقة المال. يتساءل البعض: لماذا عهد إليه السيد المسيح الصندوق، ولم يعهد به إلى بطرس أو يوحنا أو غيرهما ممن هم أهل الثقة؟ ربما لأن يهوذا اشتهى هذا العمل، فنال سؤل قلبه. ولعل السيد المسيح سمح له بذلك حتى لا يكون له عذر في بيع سيده، لأنه لم يكن في عوزٍ.

تبقى الكنيسة عبر كل العصور تضم قلة مقدسة تلقي بكل ما لديها تحت قدمي السماوي، فتفوح رائحة حبهم، وتملأ بيت الرب برائحة المسيح الساكن في قلوبهم. وتضم أيضًا من يختفون وراء الشكليات وصناديق الفقراء ليسلبوا حق المسيح ويبيعونه بثمن عبدٍ، ولا يقوم بفضحهم، لعلهم يرجعوا إلى أعماقهم، ويكتشفوا شرهم وتتجدد حياتهم بالتوبة وبالرجوع إلى مخلصهم.

- أطال الرب أناته على يهوذا الشيطان واللص والخائن له. لقد سمح له أن يُقبل بين الرسل الأبرياء ما يعرفه الأمناء كمكافأة لهم (يقصد جسد الرب ودمه).

- انظروا الآن وتعلموا أن يهوذا هذا لم يصر فاسدًا فقط في الوقت الذي فيه قبل رشوة اليهود وخان ربه... لم يهلك في ذلك الحين وحده، بل كان بالفعل سارقًا وشريرًا حين كان يتبع الرب، إذ تبعه بجسده لا بقلبه. لقد أكمل عدد ١٢ للرسل، لكن لم يكن له نصيب في البركة الرسولية... عند رحيله خلفه آخر فكمل العدد الرسولي.

- لماذا كان للرب صندوق، هذا الذي تخدمه الملائكة، إلاَّ ليعلن بصراحة أن كنيسته تلتزم فيما بعد أن يكون بها مستودع للمال؟

لماذا أعطى اللص هذه المسئولية إلاَّ ليعلم كنيسته طول الأناة في احتمال اللصوص؟

لكن ذاك الذي اعتاد أن يختلس مالاً من الصندوق لم يتردد في أن يسلم ربه من أجل المال.

القديس أغسطينوس

- محبة المال أمر مروع، فإنها تفسد الأعين والآذان، وتجعل البشر أردأ من الوحوش المفترسة، فلا تعطي للإنسان أن يضع في اعتباره ضميره ولا الصداقة ولا الزمالة ولا خلاص نفسه، وإنما تسحبه من هذا كله، كسيدة عنيفة تستعبد من تأسرهم...

لقد جعلت جيحزي أبرص بدلاً من كونه تلميذًا ونبيًا، وأهلكت حنانيا (وسفيرة) معه، وجعلت يهوذا خائنًا.

محبة المال أفسدت قادة اليهود... جبلت ربوات الحروب، وملأت الطرق بالدماء، والمدن بالنحيب والمراثي.

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 12 جـ3 PDF Print Email
"فقال يسوع: اتركوها، إنها ليوم تكفيني قد حفظته". (7)

بينما دانها يهوذا حاسبًا أنها تصرفت بغير حكمةٍ، وبددت المال فيما لا ينفع، وكان يجب تقديمه للفقراء، إذا بالسيد المسيح يعلن أنها قامت بعملٍ روحي نبوي فائق، فقد تنبأت عن تكفينه. خلال حبها تلامست مع آلام السيد المسيح وموته ودفنه، وبتصرفها أعلنت عن رائحة الخلاص الذكية.

لم نسمع قط أن أنسانًا يُكفن، ويُدهن جسده للتكفين، وهو بعد حيّ، أما السيد المسيح فحسب هذا الطيب تكفينًا لجسده الذي لن يرى فسادًا. لقد سلم جسده المبذول طعامًا روحيًا عند تأسيسه سرّ الأفخارستيا في خميس العهد، والآن إذ بذل جسده بإرادته يعلن عن تكفينه. هكذا يؤكد السيد إرادته المقدسة الحرة في قبول الموت والدفن من أجل العالم ليهبهم قوة قيامته وبهجتها.

- قول السيد المسيح عن مريم "اتركوها، إنها ليوم تكفيني قد حفظته" ذكر الدافع لما فعلته المرأة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- انظروا يا اخوة، فإنه لم يقل له: "إنك تقول هذا من أجل لصوصيتك". لقد عرفه أنه لص. ومع هذا لم يخَوِّنه بل بالأحرى احتمله، مقدمًا لنا مثالاً للصبر في احتمال الأشرار في الكنيسة.

القديس أغسطينوس

"لأن الفقراء معكم في كل حين، وأما أنا فلست معكم في كل حين". (8)

حمل هذا القول إشارة خفية للعملين، فمن جهة عمل يهوذا المختفي وراء تظاهره بحب الفقراء بينما يقوم بتسليم سيده للموت في خيانة بشعة، والثاني عمل مريم الرائع حيث تلقفت هذا الجسد المُسلم للموت لتكرمه بأغلى ما لديها، الطيب الكثير الثمن. إنه يوبخ يهوذا سرًا، لأنه يدعي حب الفقراء، ويكرم مريم، لأنها وجدت فرصة لا تتكرر "لست معكم في كل حين".

لقد كفنت مريم جسد مسيحها وهو حيّ، فنالت مديحًا من فم السيد نفسه. كفن نيقوديموس ويوسف الرامي جسد السيد بعد موته، فنالوا كرامة لكنها لا تقارن بالكرامة التي نالتها مريم. هي قدمت رطلاً من الطيب وهما قدما مائة رطل، لكن التقدمة الأولى للجسد الحي فاقت كثيرًا التقدمة الثانية.

مريم لا تزال تدعونا أن نطيب جسد المسيح الحي في أعضائه الفقراء والمساكين والمتألمين والمطرودين والذين ليس لهم من يسأل عنهم، فقد وعدنا الله: "لأنه لا تفقد الفقراء من الأرض، لذلك أنا أوصيك قائلاً: افتح يديك لأخيك المسكين والفقير في أرضك" (تث ١٥: ١١). ويدعونا نيقوديموس ويوسف الرامي أن نطيب جسده في الأعضاء التي رحلت، أي الشهداء والقديسين.

لا يمكن أن نمارس عملاً على حساب الآخر، إذ حبنا للفقراء يتناغم مع حبنا للقديسين الذين لا يزالوا أحياء يمارسون الحب لله كما لكل البشرية بالصلاة والشكر الدائم.

- أراد المسيح أن يحد من شره المتزايد، مستخدمًا تواضعًا عظيمًا نحوه. لذلك لم يذّكره بالسرقة مع أنه يعرفها، وهكذا وضع عبارة تحجز رغبته الشريرة، وتنزع عنه كل دفاع عن نفسه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بخصوص حضوره الإلهي معنا، فالمسيح حاضر على الدوام، وبخصوص حضوره في الجسد، بحق قال لتلاميذه: "لست معكم في كل حين" (8).

القديس أغسطينوس

"فعلم جمع كثير من اليهود أنه هناك، فجاءوا ليس لأجل يسوع فقط، بل لينظروا أيضًا لعازر الذي أقامه من الأموات". (9)

سمع كثير من اليهود بقصة إقامة لعازر من الأموات، إذ كانت موضوع حديث المدينة، فتقاطروا لا ليروا يسوع وحده بل وذاك الذي أقامه من الأموات. لم يأتوا ليسمعوه، بل لينظروا ويتأكدوا من قصة الإقامة من الأموات. لم يأتوا ليلقوا أيديهم عليه، ولا ليخبروا القيادات ضده، بل ليكرموه. جاء البعض لكي يثبتوا إيمانهم بالمسيح بأن يسمعوا معجزة الإقامة من فم لعازر نفسه، وآخرون بحب الاستطلاع جاءوا يتأكدون كيف يقوم إنسان من الموت، وماذا رأى في موته، وما هي أخبار العالم الآخر. صار لعازر في أيام العيد هذه عرضًا عجيبًا يريد كثيرون أن يروه ويسمعوه.

"فتشاور رؤساء الكهنة ليقتلوا لعازر أيضًا". (10)

كتب القديس جيروم رسالة إلى مارسيللا Marcella يمتدح فيه بلاسيللا Blaesilla ابنة باولا Paula فقد انتقل زوجها بعد سبعة شهور من زواجها، وأصيبت بمرضٍ خطيرٍ دفعها إلى الإيمان وتكريس طاقاتها لحساب المسيح، فعانت الكثير من الهجوم على تصرفاتها. حسبها القديس جيروم لعازر الجديد حيث تمتعت بما هو أشبه بالقيامة من الأموات.

- كانت حياتها السابقة تتسم بنوع من الإهمال، وقد تقيّدت بأربطة الغنى، ورقدت كمن هي ميِّتة في قبر العالم. لكن يسوع تحرك في ضيق وانزعج بالروح وصرخ: "بلاسيلا، هلم خارجًا". لقد قامت عند دعوته، وخرجت وجلست تأكل مع الرب (يو 2:12). في غضب هدّدها اليهود، يطلبون قتلها، لأن المسيح أقامها (يو 10:12). إنها تكتفي بأن يعطي الرسل المجد للَّه. بلاسيلا تعرف أنها مدينة بحياتها لذاك الذي رد لها الحياة. إنها تعرف أنها تقدر الآن أن تحتضن قدمي ذاك الذي منذ قليل كانت ترهبه كديّان لها... أيّة تعزية لها في كلماتهم (للمقاومين لها) التي هي أخف من الدخان؟

القديس جيروم

- أما كان يستطيع المسيح الرب القادر أن يقيم من الأموات أن يقيم من يُقتل (أي يقيم نفسه حين طلب اليهود قتله)؟

حينما كنتم تعدون موتًا عنيفًا للعازر، هل كنتم تجردون الرب من سلطانه؟

إن كنتم تظنون أن الميت غير المقتول فانظروا فقط إلى هذا، أن الرب فعل الأمرين، فأقام لعازر حين كان ميتًا، وأقام نفسه حين قُتل.

القديس أغسطينوس

"لأن كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون، ويؤمنون بيسوع". (11)

إذ التهبت قلوب الكثيرين بالشوق نحو رؤية يسوع والإيمان به تزايد بالأكثر حسد رؤساء الكهنة، وتشاوروا معًا، فلم يجدوا سبيلاً آخر للخلاص من هذا الموقف سوى قتله. لقد بذلوا كل الجهد لتشويه صورته أمام الجموع حتى يتخلى الكل عنه، لكن ذهبت هذه كلها هباءً، خاصة بإقامة لعازر من الموت. لم يكن يوجد دليل على كونه المسيا مثل إقامته الأموات، واهبًا للحياة، لأنه هو الحياة.

2. دخوله أورشليم منتصرًا

"وفي الغد سمع الجمع الكثير الذي جاء إلى العيد أن يسوع آت إلى أورشليم". (12)

"فأخذوا سعوف النخل، وخرجوا للقائه، وكانوا يصرخون: أوصنا، مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل". (13)

كان سعف النخيل يشير إلى النصرة، لهذا دعا شيشرون إنسانًا نال جوائز كثيرة "رجل السعف الكثير". لقد غلب السيد قوات الظلمة بموته، لهذا استحق أن يحملوا سعف النخيل أمامه.

هذا وحمل سعف النخيل كان يمثل دورًا رئيسيًا في الاحتفال بعيد المظال، فكان علامة للبهجة بالعيد. وكأن المسيح هو عيدنا، مفرح قلوبنا.

يشبه سليمان الحكيم النفس المحبوبة لعريسها السيد المسيح بالنخلة: "قلت إني أصعد إلى النخلة وأمسك بعذوقها" (نش ٧: ٨).

اعتاد الأقباط في أحد الشعانين أن يتباروا في اقتناء السعف وجدله وتزيينه بالورود ووضع "قربان على شكل صليب" فيه... كعلامة مبهجة لاستقبال النفس لعريسها الغالب، وبهجة القلب بالملك السماوي، مخلص النفوس من الفساد. ولا يزال كثيرون يحتفظون بالسعف المجدول من أحد الشعانين حتى يحل أحد الشعانين التالي، علامة استمرارية الترحيب بالملك في القلب كما في الأسرة داخل البيت.

قدموا صرخات مستقبلية مقتبسة من مز ١١٨ : ٢٥-٢٦. هكذا جاء لقاء الشعب متناغمًا مع الفكر الكتابي، إذ لمسوا فيه أنه المسيا المنتظر، بينما أصيبت القيادات الدينية بالعمى الروحي.

مع أنه جاء فقيرًا بلا مجد زمني، لكن الشعب استقبله كملكٍ مخلصٍ لإسرائيل. أدركوا أنه الملك البار القادم باسم الرب (مز ٢: ٦). قبلوا مملكته بكل قلوبهم، عبروا عن ذلك بقولهم "أوصنا" أو "هوشعنا"، وتعني "خلصنا".

فتح الشعب قلوبهم ليدخل فيها رب المجد، وكأنهم ترنموا مع المرتل قائلين: "ارتفعي أيتها الأبواب الدهرية فيدخل ملك المجد... الرب القدير الجبار، الرب الجبار في القتال" (مز ٢٤: ٧-٨).

- سعف النخيل هو رمز للمديح يشير إلى النصرة، إذ جاء الرب للنصرة على الموت بالموت، وبغلبة صليبه يهزم رئيس الموت.

الهتاف الذي استخدمه الشعب المتعبد هو "هوشعنا"؛ البعض ممن يعرفون العبرية يرون أنه يشير إلى الذهن في حالة من اليقين، وذلك كما في لساننا (اللاتيني) صيغ للتعجب ففي حزننا نقول: "وأسفاه"، وفي فرحنا: "ها!" وفي دهشتنا: "رائع!"، وفي تعجبنا: "ياه!" هكذا هذه الكلمة تدخل في نفس الفصيلة حيث لا توجد ترجمة لها في اليونانية أو اللاتينية، مثل غيرها: "من يقول لأخيه: رقا!" لأن هذه أداة تعجب تعبر عن مشاعر الغضب.

- "مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل" (١٣). بالأحرى يفهم "باسم الرب" أنه "باسم الله الرب" كما يمكن أن يفهم على أنه باسمه هو، بكونه هو الرب.

- أية محنة ذهنية عانى منها رؤساء اليهود وهم يسمعون جمهورًا عظيمًا كهذا يعلنون أن يسوع هو ملكهم!

لكن أية كرامة ينالها الرب ليكون ملكًا لإسرائيل؟

أي أمر عظيم لملك الأبدية أن يصير ملكًا للبشر؟

فإن ملوكية المسيح على إسرائيل ليس بقصد نوال جزية، ولا بتقديم سيوف في أيدي الجنود، ولا لهزيمة أعدائه في حرب علنية، لكنه هو ملك إسرائيل في ممارسته سلطانه الملوكي على طبيعتهم الداخلية، وفي تدبير اهتماماتهم الأبدية، وفي جلب الذين لهم الإيمان والرجاء والمحبة متركزة فيه إلى ملكوته السماوي. لهذا فإنه بالنسبة لابن الله، المساوي للآب، الكلمة الذي به كان كل شيء، وبمسرته صار ملكًا لإسرائيل، هو عمل فيه تنازل وليس فيه ارتفاع له. إنه سمة حنو، وليس تزايد في السلطة. فإن ذاك الذي كان يُدعى ملك إسرائيل على الأرض، يُدعى رب الملائكة في السماء.

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 12 جـ4 PDF Print Email
"ووجد يسوع جحشًا، فجلس عليه كما هو مكتوب". (14)

اعتاد السيد المسيح أن يدخل مشيًا على قدميه، لكنه الآن يمتطي جحشًا في تواضع عجيب. لم يأتِ راكبًا مركبة كسليمان (نش ٣: ٩-١٠) بأعمدة من فضة وقواعد من ذهب ومغشاة بالأرجوان. لم يكن مجده ماديًا، لأن مملكته ليست من هذا العالم، لهذا لم يحمل مظهر الأبهة.

"فجلس عليه"، لم يقل "ركبه"، إذ أراد الإنجيلي أن يبرز موقفه كملكٍ يتربع على العرش.

ما ورد هنا باختصار ذكره الإنجيليون الآخرون في شيء من التوسع (مت ٢١: ١-١٦؛ مر ١١ : ١-١١؛ لو ١٩: ٢٩-٤٨).

"لا تخافي يا ابنة صهيون، هوذا ملكك يأتي جالسًا على جحش اتان". (15)

يدعو النبي ابنة صهيون أن تتطلع إلى ملكها المتواضع والوديع الذي يملأ حياتها ببهجة النصرة، لذا يدعوها ألا تخاف، بل تفرح وتتهلل، فقد جاء لكي ينزع عنها القلق والخوف. لقد تحققت نبوة زكريا النبي: "ابتهجي جدًا (لا تخافي) يا ابنة صهيون... هوذا ملكك يأتي إليك، وهو عادل ومنصور، وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان" (زك ٩ : ٩). إنه لم يأتِ لكي ينتقم من الأعداء، يهودًا كانوا أم رومانيين، وإنما جاء ليحل بسلامه السماوي ومجده العلوي عليهم. هذا ما عبَّر عنه الإنجيلي لوقا: "سلام في السماء، ومجد في الأعالي" (لو ١٩ : ٣٨). ويعلق القديس أغسطينوس على ذلك قائلاً:

- قيل لها "لا تخافي"، لتعرفيه ذاك الذي الآن تمجديه، ولا تعطي للخوف طريقًا إذ يأتي ليتألم. فإنه بسفك دمه يُمحى ذنبك، وتُرد لك حياتك. أما عن الجحش ابن الأتان الذي لم يركبه إنسان قط (كما ورد في الإنجيليين الآخرين) فيفهم شعوب الأمم التي لم تتقبل ناموس رب، وأما الأتان... فيشير إلى شعبه الذي جاء من إسرائيل وخضع لمعرفة مزود سيده.

القديس أغسطينوس

- "لا تخافي يا ابنة صهيون"، لأن ملوك اليهود كانوا غالبًا ظالمين وطامعين، إذ سلموهم لأعدائهم وجعلوهم تحت الجباية عند محاربيهم... لكن ليس هذا هو حال ذاك الوديع والمتواضع كما يظهر من ركوبه الأتان، لأنه لم يدخل المدينة يقتاد جيشًا، لكنه جلس على الأتان فقط.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وهذه الأمور لم يفهمها تلاميذه أولاً، ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه، وأنهم صنعوا هذه له". (16)

لم يستطع التلاميذ إدراك حقيقة الأحداث وما وراءها، وكيف تحققت نبوات العهد القديم إلاَّ بعد أن تمجّد السيد المسيح بقيامته وفتح قلوبهم بالحب وأذهانهم بروح المعرفة، فأدركوا أنهم تمتعوا بالعهد الجديد الذي اشتهاه الأنبياء قديمًا.

يقدم لنا الإنجيلي هذه الملاحظة أن التلاميذ لم يفهموا الأحداث أنها تتمم النبوات حتى حلّ الروح القدس عليهم بعد أن تمجد المسيح بصلبه وقيامته فأدركوها. كانوا كأطفالٍ صغارٍ يتصرفون وهم لا يدركون الأمور، لكنهم إذ بلغوا النضوج عرفوا ما وراء الأحداث من أسرارٍ إلهية، وعرفوا خطة الله للخلاص.

- أرأيت كيف أن التلاميذ جهلوا أكثر النبوات عن السيد المسيح إذ لم يعلنها لهم؟ ولا حين قال: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" (يو 2: 19) عرفوا ذلك. يقول إنجيل آخر: "كان هذا الأمر مُخفي عنهم" (لو ١٨: ٣٤)، ولن يعرفوا أنه كان ينبغي أن يقوم من الأموات...

انظر إلى فلسفة البشير، كيف أنه لم يخجل من إشهار غباوة التلاميذ الأولى.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لم يخجل القديس يوحنا من الاعتراف بجهل التلاميذ، فقد عاد وأظهر معرفتهم، لأنه لم يضع في اعتباره تكريم الناس، بل كان يدعو لمجد الروح.

القديس كيرلس الكبير

اختلفت وجهات النظر نحو هذا الموكب الفريد:

1. تطلع إليه السيد المسيح أنه موكب المجد خلال الصليب، فقد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان بتقديم نفسه حمل الفصح عن العالم كله، ليعبر بالمؤمنين من عبودية إبليس إلى كنعان السماوية.

2. وتطلع إليه رجال العهد القديم وهم في الجحيم، ليروا تحقيق الرموز والنبوات، وقد حانت اللحظات التي طالما ترقبوها بشوقٍ عظيمٍ، ليأتي من يخرج بهم إلى الفردوس، حاملاً إياهم غنائم سماوية.

3. وتطلع التلاميذ إلى الموكب، ولم يفهموا شيئًا! دخلوا في حالة ارتباك شديد!

4. تطلع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى الموكب أنه دمار تام لمراكزهم ومصالحهم الشخصية.

5. تطلعت الجموع إلى الموكب أنه دخول إلى عصرٍ جديد، حيث جاء من يخلصهم من الاستعمار الروماني، ويهبهم مجدًا زمنيًا!

6. أخيرًا تطلع السمائيون إلى الموكب وهم يدهشون أمام تواضع كلمة الله المتجسد، وهو ملك السماء والأرض، يجلس على جحش ويزفه بشر ضعفاء... ماذا وراء تواضعه هذا وحبه للبشر؟!

"وكان الجمع الذي معه يشهد أنه دعا لعازر من القبر، وأقامه من الأموات". (17)

خروج هذه الجموع الغفيرة للقائه كان بسبب إقامة لعازر، وفي نفس الوقت أعطى الفرصة للحديث عن إقامة لعازر من الأموات، فتعلق به كثيرون، وتزايد بالأكثر حسد الفريسيين، وفقدوا كل أملٍ لهم في محاصرة شعبية يسوع المسيح والحدّ من سلطانه، فلم يكن أمامهم سوى الإسراع بقتله والخلاص منه. قُدمت عظات كثيرة للشعب، وصنعت آيات لا حصر لها، لكن إقامة لعازر من الأموات جذبت جماهير نحو السيد المسيح. فإنه ليس من أمر يحطم الإنسان مثل الموت، ولا ما يبهجه مثل القيامة من الموت.

- لم يرد كثيرون أن يتغيروا في الحال حتى آمنوا بالمعجزة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لهذا أيضًا لاقاه الجمع، لأنهم سمعوا أنه كان قد صنع هذه الآية". (18)

"فقال الفريسيون بعضهم لبعض: انظروا إنكم لا تنفعون شيئًا، هوذا العالم قد ذهب وراءه". (19)

الآن تحققت كل مخاوف القيادات الدينية، خاصة رؤساء الكهنة والفريسيين، فقد كاد الأمر يفلت من أيديهم، إذ تحرك الشعب ككل في موكب هزَّ مدينة أورشليم. فمن جانب اكتشف الفريسيون حقيقة أنفسهم: "إنكم لا تنفعون شيئًا" (19)، ومن الجانب الآخر شعر الفريسيون كأن العالم كله ذهب وراءه، وهنا يقصد به العالم اليهودي، أي كل إنسان، قد التصق به كتلميذٍ له. وأن كل تأخير في الخلاص منه يمثل خطرًا يصعب علاجه.

- قول الفريسيين: "هوذا العالم قد ذهب وراءه" قصدوا بالعالم هنا الجمع، لأن من عادة الكتاب المقدس أن يدعو الخليقة والسالكين في شرهم عالمًا، فقد قال السيد المسيح لتلاميذه: "لا يقدر العالم أن يبغضكم، ولكنه يبغضني أنا، لأني أشهد عليه أن أعماله شريرة" (يو 7: 7).

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. تكريم اليونانيين ليسوع

"وكان أناس يونانيون من الذين صعدوا ليسجدوا في العيد". (20)

اشتهى بعض الدخلاء من اليونانيين أن يروا يسوع. وقد جاء تصرفهم هذا ربما بعد يومٍ أو يومين من دخول السيد المسيح إلى أورشليم، إذ قضى اليوم الأول في عملٍ عام.

يرى البعض أنهم يهود، تشتتوا وارتبطوا بالثقافة الهيلينية، لهذا دُعوا يونانيين مثل خصي كنداكة وكرنيليوس. كما كان اليهود يقدرون بعضًا من الأمم الذين يميلون العبادة لله طبيعيًا، دون معرفتهم للناموس الموسوي والأنبياء، هكذا كان الأمم أيضًا يقدرون اليهود الأتقياء ويتركونهم يتعبدون في وسطهم، بل ويسمحون لهم بحضور اجتماعاتهم الدينية قدرما يُسمح لهم. هؤلاء كانوا يحسبون غرباء في نظر اليهود.

ويرى آخرون أنهم أمميون، ففي العصور المتأخرة سمح اليهود لبعض الأمم الأتقياء أن يأتوا إلى الهيكل في العيد، وكأنهم كانوا يتنبأون عن تحطيم الحجاب الفاصل بين الأمم واليهود في المسيح يسوع. هؤلاء كانوا يقدمون إلى الهيكل للعبادة دون أن يأكلوا من الفصح.

في ميلاده اجتذب المجوس من الشرق، حيث قدموا له هدايا وسجدوا له، كما شهدوا له بطريق أو آخر في القصر الملكي وبين الكهنة ورؤساء الكهنة. وعند صلبه اجتذب اليونانيين من الغرب ليتمتعوا برؤيته. وكأنه قد جاء السيد ليضم الشرق مع الغرب، ويصير الكل رعيةً واحدةً لراعٍ واحدٍ. بميلاده وصلبه فتح طريق الإيمان للأمم كي يتمتع الكل به. صار من حق الرجل المكدوني أن يتراءى لبولس الرسول في حلمٍ ليصرخ: "أعبر وأعنا" (أع ١٦: ٩).

لم يشترك هؤلاء اليونانيون في موكب دخول السيد المسيح أورشليم، ربما لأن الموكب كان قاصرًا على اليهود، لكنهم عرفوا كيف يشتركون فيه روحيًا، حين أعلنوا شوقهم الصادق لرؤيته. وكأنهم يصرخون بلغتهم مع اليهود "أوصنا (خلصنا) في الأعالي"!

مع شدة الازدحام حول شخص يسوع المسيح لم ييأس هؤلاء اليونانيون من تحقيق شهوة قلوبهم، وهي رؤية يسوع.

- إذ اقتربوا من أن يصيروا دخلاء (أي يتهودوا) جاءوا إلى العيد. وإذ بلغهم تقريرًا عنه قالوا: "نريد أن نرى يسوع" (٢١).

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 12 جـ5 PDF Print Email

"فتقدم هؤلاء إلى فيلبس الذي من بيت صيدا الجليل، وسألوه قائلين: يا سيد نريد أن نرى يسوع". (21)

يظن البعض أن لهؤلاء اليونانيين معرفة سابقة بفيلبس، وأنهم عاشوا بجوار بيت صيدا في جليل الأمم. وربما حضروا بعض اجتماعات السيد المسيح هناك ورأوا فيلبس قريبًا منه.

جاءت رسالتهم لفيلبس تحمل تقديرًا خاصًا للسيد المسيح وشوقًا للقاء معه والحديث معه على انفراد. جاءوا إلى العيد ومع هذا لم تشغلهم عظمة بناء الهيكل ولا ازدحام أورشليم الشديد بالقادمين للعيد، ولا رؤية آيات وعجائب حتى بواسطة شخص المسيح، إنما يريدونه هو، يشتهون رؤيته والحديث معه.

للأسف حتى في الأعياد المسيحية خاصة الكبرى كالميلاد والقيامة كثير من المسيحيين ينشغلون بالعيد دون أن يشتهوا رؤية السيد المسيح، واللقاء معه شخصيًا.

يرى البعض أنهم من فينيقية أو سوريا، ربما من سكان ديكابوليس Dicapolis بجوار بحيرة جنيسارت وبيت صيدا.

- انظروا كيف يريد اليهود أن يقتلوه، والأمم أن يروه.

لكن وجد أيضًا من اليهود من صرخ: "مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل".

هنا يوجد من هم من أهل الختان ومن هم من أهل الغرلة، أشبه بحائطين في بيت لهما اتجاهان مختلفان، يلتقيان معًا بقبلة السلام في الإيمان الواحد بالمسيح.

لنستمع إذن لصوت حجـر الزاوية: "قد أتت السـاعة ليتمجد ابن الإنسان" (٢٣). ربما يظن البعض أنه يتحدث عن نفسه أنه تمجد، لأن الأمم يريدون أن يروه. الأمر ليس هكذا، بل رأى الأمم من كل الدول يأتون إلى الإيمان بعد آلامه وقيامته. وكما يقول الرسول: "إن العمى قد حصل جزئيًا لإسرائيل، إلى أن يدخل ملء الأمم" (رو ١١: ٢٨). فقد انتهز الفرصة عند مجيء اليونانيين الذين يريدون أن يروه ليعلن عن ملء الأمم المستقبل، ويعد عن اقتراب الساعة التي فيها يمجد ذاته والتي عند حدوثها في السماء تأتي الأمم إلى الإيمان.

القديس أغسطينوس

"فأتى فيلبس، وقال لأندراوس، ثم قال أندراوس وفيلبس ليسوع". (22)


ما أروع أن يعمل الخدام معًا، فيتقدمون معًا إلى شخص السيد المسيح يقدمون النفوس المشتاقة إلى معرفته.

ربما تشاور فيلبس مع أندراوس عما يفعلاه، لأنه كثيرًا ما سمعه يقول أنه جاء لخراف إسرائيل الضالة. فاتفقا أن يقدما الأمر للسيد المسيح.

- تقدم فيلبس إلى أندراوس بكونه سابقًا له، وأخبره بالأمر. لكنه لم يتحرك بسلطانٍ إذ سمع القول: "في طريق الأمم لا تمضوا" (مت ١٠:٥) لهذا تشاور مع التلميذ وتحدث معه، وقدما الأمر للسيد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فتقدم هؤلاء إلى فيلبس الذي من بيت صيدا الجليل، وسألوه قائلين: يا سيد نريد أن نرى يسوع". (21)

يظن البعض أن لهؤلاء اليونانيين معرفة سابقة بفيلبس، وأنهم عاشوا بجوار بيت صيدا في جليل الأمم. وربما حضروا بعض اجتماعات السيد المسيح هناك ورأوا فيلبس قريبًا منه.

جاءت رسالتهم لفيلبس تحمل تقديرًا خاصًا للسيد المسيح وشوقًا للقاء معه والحديث معه على انفراد. جاءوا إلى العيد ومع هذا لم تشغلهم عظمة بناء الهيكل ولا ازدحام أورشليم الشديد بالقادمين للعيد، ولا رؤية آيات وعجائب حتى بواسطة شخص المسيح، إنما يريدونه هو، يشتهون رؤيته والحديث معه.

للأسف حتى في الأعياد المسيحية خاصة الكبرى كالميلاد والقيامة كثير من المسيحيين ينشغلون بالعيد دون أن يشتهوا رؤية السيد المسيح، واللقاء معه شخصيًا.

يرى البعض أنهم من فينيقية أو سوريا، ربما من سكان ديكابوليس Dicapolis بجوار بحيرة جنيسارت وبيت صيدا.

- انظروا كيف يريد اليهود أن يقتلوه، والأمم أن يروه.

لكن وجد أيضًا من اليهود من صرخ: "مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل".

هنا يوجد من هم من أهل الختان ومن هم من أهل الغرلة، أشبه بحائطين في بيت لهما اتجاهان مختلفان، يلتقيان معًا بقبلة السلام في الإيمان الواحد بالمسيح.

لنستمع إذن لصوت حجـر الزاوية: "قد أتت السـاعة ليتمجد ابن الإنسان" (٢٣). ربما يظن البعض أنه يتحدث عن نفسه أنه تمجد، لأن الأمم يريدون أن يروه. الأمر ليس هكذا، بل رأى الأمم من كل الدول يأتون إلى الإيمان بعد آلامه وقيامته. وكما يقول الرسول: "إن العمى قد حصل جزئيًا لإسرائيل، إلى أن يدخل ملء الأمم" (رو ١١: ٢٨). فقد انتهز الفرصة عند مجيء اليونانيين الذين يريدون أن يروه ليعلن عن ملء الأمم المستقبل، ويعد عن اقتراب الساعة التي فيها يمجد ذاته والتي عند حدوثها في السماء تأتي الأمم إلى الإيمان.

القديس أغسطينوس

"فأتى فيلبس، وقال لأندراوس، ثم قال أندراوس وفيلبس ليسوع". (22)

ما أروع أن يعمل الخدام معًا، فيتقدمون معًا إلى شخص السيد المسيح يقدمون النفوس المشتاقة إلى معرفته.

ربما تشاور فيلبس مع أندراوس عما يفعلاه، لأنه كثيرًا ما سمعه يقول أنه جاء لخراف إسرائيل الضالة. فاتفقا أن يقدما الأمر للسيد المسيح.

- تقدم فيلبس إلى أندراوس بكونه سابقًا له، وأخبره بالأمر. لكنه لم يتحرك بسلطانٍ إذ سمع القول: "في طريق الأمم لا تمضوا" (مت ١٠:٥) لهذا تشاور مع التلميذ وتحدث معه، وقدما الأمر للسيد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأما يسوع فأجابهما قائلاً: قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان". (23)

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح سبق فأمر تلاميذه: "في طريق الأمم لا تمضوا" (مت ١٠: ٥)، لكن إذ حان وقت الصلب انفتح الباب للأمم. لقد أتت الساعة للكرازة الأمم.

قبل السيد طلبهما، وجاء قوله: "قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان" (٢٣)، مشجعًا الأمم أن يتقدموا للتعرف عليه والإيمان به. لقد رأى السيد الحقل قد أينع للحصاد، وجاء وقت قبول الأمم في الإيمان. إنها ساعة مجد له، حيث تُفتح أبواب كنيسته أمام كل البشرية، وإن كان هذا قد جاء كرد فعل لرفض اليهود له وخروجهم من حظيرة الإيمان. هذا يتحقق بموت السيد المسيح ودفنه وقيامته كحبة حنطة في الأرض لتأتي بثمرٍ كثيرٍ.

كان التلاميذ والرسل هم بكور اليهود القادمين للإيمان به، وجاء هؤلاء اليونانيون كبكورٍ للأمم الذين يدخلون الإيمان بعد أن شق الصليب الحجاب الحاجز بين السماء والأرض، وبين اليهود والأمم.

كان لابد للسيد أن يتمجد بموته وقيامته حتى يؤسس كنيسته المجيدة من اليهود والأمم معًا. حبه ألزمه بالموت، لكي يخلص العالم الذي دمره الفساد، يغسله من خطاياه ويبرره ويقدسه ويمجده في السماء، هذه هي الحنطة الكثيرة، حصاد عمله الخلاصي.

لقد أتت الساعة التي لن يدرك أعماقها وأسرارها سوى الله نفسه؛ هذه الساعة هي ساعة المجد للآب كما للابن. لقد مضت حوالي ثلاث سنوات يقدم فيها السيد أعماله العجيبة وكلماته مع الجموع، الآن حان للبذرة أن تقع في الأرض وتدفن وتموت. جاء وقت المعصرة، فقد سبق فرآه إشعياء النبي وسمعه يقول: "قد دُست المعصرة وحدي، ومن الشعوب لم يكن أحد معي" (إش ٦٣ : ٣).

قد أتت الساعة ليبسط يديه على الصليب، ويتمم المصالحة بين الآب وبني البشر، كما يضم اليهود والأمم معًا أعضاء في جسده الواحد.

- أتريد أن تقتنع أنه تألم بإرادته؟ آخرون لا يعلمون ماذا يحدث لهم، لذلك ماتوا بغير إرادتهم، أما هو فسبق وقال: "ابن الإنسان يُسلم ويصلبوه". ألا تعرف لماذا؟ "صديق الإنسان" هذا لم يمنع الموت؟ لكى لا يهلك العالم كله في خطاياه. "ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يُسلم ويصلب" وأيضًا: "تقدم صاعدًا إلى أورشليم" (مت 18:20؛ لو 28:19).

أتريد حقًا أن تعرف أن الصليب مجد يسوع؟ استمع إلى كلماته لا إلى كلماتي، فإذ كان يهوذا خائن رب البيت على وشك القيام بالخيانة، وقد جلس على مائدته، وشرب كأس نعمته عوض الخلاص، تقدم ليسفك الدم البريء. "رجل سلامتي الذي وثقت به أكل خبزي، ورفع علىّ عقبه" (مز 9:41). لم يكن يده بعد قد تركت عطية نعمته، مدبرًا ثمنًا لخيانته بموته... وإذ سمع "أنت قلت" (مت 5:26) خرج. عندئذ قال يسوع: "قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان". لترى يا عزيزي كيف عرف أن الصليب هو المجد اللائق به.

إن كان إشعياء لم يخجل من نشره إلى أجزاء، فهل يخجل المسيح من موته عن العالم؟!

"الآن يتمجد ابن الإنسان" (يو 3:13)، لا لأنه لم يكن ممجدًا من قبل، بل كان ممجدًا بالمجد الذي له من قبل كون العالم (يو 5:17). كان ممجدًا على الدوام إذ هو اللَّه، والآن يتمجد حاملاً صبره.

إنه لم يسلم حياته رغمًا عنه، ولا قبل الموت قسرًا بل بموافقته. اسمع ماذا يقول؟ "لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا" (يو 18:10). إنني أسلمها لأعدائي باختياري، وإلا ما كان يتم ذلك.

لقد جاء بغرض وضعه هو بنفسه أن يتألم، مسرورًا بعمله النبيل، مبتسمًا بتاجه، معتزًا بخلاص البشري، دون خجلٍ من الصليب إذ هو لخلاص هذا العالم. لم يكن إنسانًا عاديًا بل اللَّه المتأنس.

القديس كيرلس الأورشليمي




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 12 جـ6 PDF Print Email
"الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الارض وتمت، فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمرٍ كثيرٍ". (24)

مهما بلغ العالم لا يستطيع أن يدرك سرّ حصاد ثمر كثير من حبة حنطة واحدة، ولا كيف يتحول الحصاد إلى لحم ودم وعظام في أجسام البشر والحيوانات. هكذا يبقى سرّ موت المسيح وقيامته كأساس إقامة الكنيسة المجيدة فوق كل فكرٍ بشري.

لقد جاء اليونانيون ليروه، فلماذا قدم لهم مثل الحنطة؟ لقد أراد أن يؤكد لهم أنهم لا يقدرون أن يروه كما هو ما لم يعبر هو إليهم بموته وقيامته، فيدخل إلى عالمهم ويحملهم فيه. هو الطريق الذي يسحب قلوبهم إليه، يعبر إليهم، فيتحدثوا به ويعبروا معه إلى حضن الآب كثمرٍ متزايد. يصيرون "من لحمه وعظامه" (أف ٥: ٣٠).

- إن قلت وما معني قول السيد المسيح: "إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتى بثمرٍ كثيرٍ"؟ أجبتك: إنه يتكلم عن صليبه، كأن السيد المسيح يقول: إن من شأن هذا الحادث أن يتحقق في الحنطة، إنها إذا ماتت تأتي بثمرٍ كثيرٍ، فإن كان هذا يحدث في البذور، فأليق وأوجب أن يكون فيّ، إلا أن تلاميذه لم يعرفوا الأقوال التي قالها.

- الحياة الحاضرة حلوة ومملوءة باللذة، لكن ليس بالنسبة للكل، بل للذين هم متمسكون بها. لذلك إذا ما تطلع أحد إلى السماء، ويرى الأمور الجميلة هناك، للحال يحتقر هذه الحياة ولا يبالي بها. وذلك كما أن جمال أي شيء يكون موضوع إعجاب من لا يرى ما هو أجمل منه، لكن إذ يظهر ما هو أفضل منه يُحتقر الأول. فإن اخترنا أن نتطلع إلى ذلك الجمال ونلاحظ سمو المملكة هناك، فإننا في الحال نتحرر من القيود الحالية، فإن التعاطف مع الأمور الزمنية هو نوع من القيود...

ماذا يقول: "إن لم تحتملوا موتي ببسالة، بل إن لم تموتوا، لا تقتنوا شيئًا".

القديس يوحنا الذهبي الفم

- صارت الحنطة في أرض يهوذا نادرة، لأن حبة القمح قد ماتت هناك، وفي بيت الأرملة الوثنية فاض الزيت كجداول.

القديس جيروم

"من يحب نفسه يهلكها، ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية". (25)

من يحب نفسه أكثر من حبه للسيد لمسيح، أو من يحب حياته الزمنية على حساب مجده الأبدي يهلك نفسه. أما من يهلك نفسه كحبة الحنطة، فيشارك السيد المسيح آلامه وموته، ممجدًا مخلصه، ينعم بالحياة الأبدية.

موت السيد المسيح غيَّر مفاهيم الموت ومعاييره كما غيَّر نظرتنا إلى الحياة، فأصبح الموت ضرورة لازمة للتمتع بالحياة المثمرة الكاملة. حيث لا موت فلا حياة صادقة. وحين يدفن الإنسان الأنا، يعلن المسيح "الحياة" ذاته فيه. وحينما يطلب الإنسان "ذاته" لا يجد المسيح له مكانًا فيه، فيفقد الإنسان مصدر حياته.

من يموت عن حياته القديمة ويُصلب عن العالم، تتجلى حياته الجديدة التي في المسيح يسوع ليختبر عربون الحياة العتيدة.

- إن سألت: وكيف من يحب نفسه يهلكها؟! أجبتك: من يتمم شهواتها الشنيعة، من يسمح لها خارج الواجب، ذاك هو الذي يحبها فيهلكها، ولهذا السبب توصينا الحكمة فتقول: "لا تكن تابعًا لشهواتك، بل عاصيًا أهواءك. فإنك إن أبحت لنفسك الرضى بالشهوة جعلتك شماتة لاعدائك" (يشوع بن سيراخ 18: 30، 31)، لأن الشهوات تحجز النفس عن الطريق المؤدية إلى الفضيلة.

وقوله "ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية"؛ إن قلت: وما معنى "ومن يبغض نفسه"؟ أجبتك: من لا يخضع لها، ولا يطعها متى أمرته بفعل الأفعال الضارة.

لم يقل: "من لا يخضع لها"، لكنه قال: "ومن يبغض نفسه"، لأنه كما أننا لا نحتمل أن نسمع صوت الذين نبغضهم، ولا أن نبصر وجوههم، كذلك يجب علينا أن نرجع عن أنفسنا بشدةٍ إذا أمرتنا بمخالفة وصايا الله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إن كنت تحب، فلتكن مستعدًا أن تُفقد. إن أردت أن تقتني الحياة في المسيح، لا تخف من الموت من أجل المسيح.

- بالتأكيد إنه إعلان عميق وغريب عن قياس حب الإنسان لحياته الذي يقوده إلى تدميرها، وبغضه لها الذي يضمن حفظها! إن كنت تحب حياتك بطريقة خاطئة بالحقيقة أنت تبغضها، أما إن كنت تحبها بطريقة صالحة فإنك فيما أنت تبغضها بالحق تحبها. يا لسعادة الذين يبغضون حياتهم فيحفظونها، فلا يسبب حبهم دمارًا لها.

القديس أغسطينوس

"إن كان أحد يخدمني فليتبعني، وحيث أكون أنا هناك أيضًا يكون خادمي، وإن كان أحد يخدمني يكرمه الآب". (26)

بعد أن قدم السيد مفهومًا جديدًا للموت وللحياة من خلال صلبه وموته وقيامته، الآن يقدم لنا مفهومًا جديدًا للخدمة. فالخدمة ليست غيرة مجردة للعمل لحساب الآخرين، إنما هي اتحاد مع الخادم الحقيقي الفريد، يسوع المسيح، ومرافقته وتبعيته في طريق جثسيماني.

إن أراد أحد أن يخدم السيد المسيح ويكرز به، يلزمه أولاً أن يتبعه، أي يتتلمذ له ويتعلم منه ويطيعه ويسلك معه طريق الصلب والدفن، ليقوم معه حاملاً ثمارًا كثيرة. ليترك الخادم ملذات العالم، متطلعًا إلى السعادة الأبدية. ليتحد مع الأبدي، فينال مجدًا أبديًا يهبه له الآب القدوس نفسه.

بهذا المفهوم الجديد يجد الخادم مكافأته في الخدمة، حيث يجد نفسه في رفقة مسيحه، يشاركه آلامه كما مجده. حقًا إن من يتمتع بالشركة مع السيد المسيح ويكرس حياته للشهادة له ينال كرامة في عيني الله أكثر مما يظن في نفسه أو في عيني الناس. "والفاهمون يضيئون كضياء الجلد، والذين ردوا كثيرين إلى البرّ كالكواكب إلى أبد الدهور" (دا ١٢: ٣). وكما يقول السيد المسيح نفسه: "أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا" (يو ١٧: ٢٤). في طريق الخدمة يجد الخادم فرصته الفريدة للحديث مع الخادم الحقيقي، يسوع المسيح. في الطريق يعلن المسيح عن نفسه وعن أبيه، فيتمتع الخادم بالمعرفة الإلهية.

من يحفظ كرم الله ويعمل فيه يكرمه الله نفسه، "حافظ سيده يكرمه" (أم ٢٧: ١٨).

هكذا حوَّل السيد المسيح أنظار اليونانيين القادمين لرؤيته إلى العمل لحساب ملكوته، إذ كشف لهم عن المجد المُعد للذين يخدمون في كرمه. يحول السيد الاشتياقات الجميلة لرؤيته إلى عملٍ جادٍ حتى يروه في مجده الأبدي وهم متمتعون معه بالشركة في المجد.

- إنه يتحدث بخصوص الموت ومتطلبات من يتبعه وذلك بالأعمال، فيحتاج من يخدم أن يتبع على الدوام من يُخدم... "إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل وصليبه ويتبعني" (مت 16: 24) أي يقول: "أن يكون دومًا مستعدًا للمخاطر والموت والرحيل من هذا الموضع". بعد أن أخبر عن المتاعب قدم المكافأة. من أي نوع؟ " التبعية له، والوجود أينما وُجد هو، مظهرًا أن القيامة تتبع الموت"

- ولكن أين المسيح؟ في السماوات. لذلك ليتنا حتى قبل القيامة ننقل نفوسنا وعقولنا إلى هناك. لماذا يقول ذاك الذي يخدم المسيح "يكرم الآب" ، ولم يقل: "أنا أكرمه"؟ وذلك لأنهم لم يكونوا بعد قد صار لهم التفكير السليم بخصوصه، لكن كان لهم فكر عظيم من جهة الآب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أية كرامة يمكن أن تكون أعظم من أن يكون الابن المتبني مع الابن الوحيد؛ حقًا ليس بأن يرتفع إلى الألوهة بل شريكًا في الأبدية؟!

- لقد أراد منا أن نفهم كمن يقول: من لا يتبعني لا يخدمني. لذلك فإن خدام يسوع المسيح هم الذين لا يطلبون ما لأنفسهم، بل ما هو ليسوع المسيح (في ٢: ٢١). لأن "فليتبعني" معناها: ليسلك في طرقي، وليس في طريقه هو. وكما هو مكتوب في موضع آخر: "من قال إنه ثابت فيه ينبغي أنه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضًا" (١ يو ٢: ٩).

- كل واحدٍ هو خادم للمسيح بنفس الطريقة كما أن المسيح هو خادم. ومن يخدم المسيح بهذه الطريقة سيكرمه الآب بالكرامة الرائعة أن يكون مع ابنه، فلا يُعوزه شيء لسعادته إلى الأبد.

- حينما تسمعون أيها الاخوة: "حيث أكون أنا هناك يكون خادمي"، لا تظنوا فقط في الأساقفة والكهنة الصالحين. بل لتخدموا أنتم أيضًا بطريقتكم المسيح، بحياتكم الصالحة، وتقديم العطاء، والكرازة باسمه وتعاليمه قدر المستطاع...

القديس أغسطينوس

4. تمجيد السماء ليسوع

"الآن نفسي قد اضطربت، وماذا أقول؟ أيها الآب نجني من هذه الساعة، ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة". (27)

إذ تحدث عن ضرورة آلامه وموته، كابن الإنسان رفع قلبه للآب وهو يقول: "الآن نفسي قد اضطربت" (٢٧). حقًا إنها كلمات غريبة ينطق بها يسوع المسيح، خاصة وأن التلاميذ رأوا أناسًا من الأمم يطلبون أن يروه، وسمعوه يقول: "لقد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان". لكنه إذ صار إنسانًا حقيقيًا كان لابد لنفسه أن تضطرب أمام سحابة الآلام التي تحيط به. ولعله رأى خلال هذه السحابة خطايا البشرية كلها قد ظهرت أمامه لكي يحملها على كتفيه، مقدمًا نفسه ذبيحة عن خطايانا.

بينما يقول لتلاميذه: "لا تضطرب قلوبكم" (يو ١٤: ١). يقول: "الآن نفسي قد اضطربت" (27). اضطراب نفسه ينزع اضطراب نفوسنا؛ آلامه هي سرّ راحتنا الأبدية. لقد انطلق السيد المسيح بإرادته ومسرته ليحمل خطايانا، وكان لزامًا وسط مسرته أن تضطرب نفسه بسبب هول خطايانا. لقد حمل ضعفاتنا فيه ليهبنا روح القوة.

اضطراب نفسه هو حزن مقدس يولد فرحًا في قلوب البشرية المؤمنة، ومسرة للآب من أجل مصالحته مع البشرية، وتهليلاً للسمائيين. اضطربت نفسه وهو يدخل طريق الصليب الضيق حتى نشاركه آلامه وندخل معه إلى أمجاده السماوية. آلامه هي مجرد ساعة قد حلت وستعبر، لتحتل الأبدية التي لا يحدها زمن ما. يرى البعض أن الفعل هنا في اليونانية يحمل معنى الاضطراب أكثر منه الخوف.

جاء حديثه مع الآب يكشف عن مسرته بالصليب، إذ يقول: "لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة" (٢٧)، ولكي يحملنا إلى حياة التسليم والتواضع يصرخ: "أيها الآب نجني من هذه الساعة" (٢٧).

- هذه ليست أقوال لاهوته لكنها أقوال طبيعته الإنسانية التي لا تشاء أن تموت، وتتمسك بهذه الحياة الحاضرة، موضحًا بذلك أنه لم يكن خارج الآلام الإنسانية، لأنه كما أن الجوع ليس زللاً ولا النوم، فكذلك ولا الارتياح إلى الحياة الحاضرة زلل، وللسيد المسيح جسد نقي من الخطايا، وليس جسد متخلص من الضرورات الطبيعية، لذا اقتضت الحكمة أن يكون له جسد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لقد أخذ ضعف الإنسان لكي يعلمه عندما يكون في حزنٍ أو اضطرابٍ، فيقول: "يا أبتاه ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت" (مت ٢٦: ٣٩). فإنه هكذا يتحول الإنسان مما هو بشري إلى ما هو إلهي حينما يفضل إرادة الله عن إرادته هو.

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 12 جـ7 PDF Print Email

"أيها الآب مجد اسمك. جاء صوت من السماء: مجدت وأمجد أيضًا". (28)

إذ يخضع الابن المتجسد لإرادة الآب ويقدم نفسه ذبيحة، فإن الإعلان عن قبولها بالقيامة هو مجد لاسم الآب أيضًا. هنا يربط السيد المسيح بين الموت والمجد (القيامة)، فإن كانت نفسه قد اضطربت فهو لا يطلب إعفاءه من الموت، بل عبوره إلى القيامة التي تحمل مجدًا متبادلاً، مجد الابن ومجد الآب.

يقصد باسم الله هنا الله نفسه وأيضًا سماته، إذ يتمجد الآب نفسه، كما تتمجد حكمته ومراحمه وحبه وقداسته وبره الخ.، هذا كله يتحقق بعمل السيد المسيح الخلاصي.

جاء صوت الآب معلنًا: "مجدت، وأمجد أيضًا" (٢٨). كأنه يقول: "لقد حققت خطتي بك. أرسلتك كفارة عن خطايا العالم، وتممت عدلي الذي لن يفارق حبي ومراحمي. أتممت عملي. هكذا أنت تقدم دمك على الصليب، وأنا أقبله ذبيحة حب. موتك وقيامتك يمجداني ويتممان رسالتي نحو محبوبي، الإنسان. لقد مجدتك وسأمجدك في لحظات موتك وقيامتك".

لقد تمجد السيد المسيح بتعاليمه وأعمال محبته من عجائب وآيات، كما تمجد في التجربة في البرية حيث جاءت الملائكة تخدمه، وتمجد في عماده حيث سُمع صوت الآب الذي يشهد له (مر ٩: ٧) والروح القدس الذي ظهر على شكل حمامة، وتمجد في تجليه حيث تكلم معه موسى وإيليا عن الخروج المزمع أن يكمله في أورشليم (لو ٩: ٣١). كما يتمجد بالأحداث المذهلة التي تتم أثناء القبض عليه ومحاكمته وصلبه، ويتمجد بقيامته، وبصعوده إلى السماء وبإرسال الروح القدس على تلاميذه، ونجاح الكرازة بهم، وانتشار إنجيله في العالم كله.

- قول السيد المسيح أيها الآب مجد اسمك! أبان بذلك أنه من أجل الحق يموت إذ سمى فعله مجدًا لله.

وقول الآب: "مجدت، وأمجد أيضًا"؛ فإن سألت وأين مجده؟ أجبتك: قد مجده في الأزمان الكائنة قبل هذه، وسيمجده بعد الصليب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- مع أنهم لم يستطيعوا أن يقبلوا نعمة الحق، إلا أنهم اعترفوا لا إراديًا، وفي جهلهم نطقوا بأسرارٍ، فحدثت شهادة عظيمة من الآب للابن. وقد جاء في سفر أيوب أيضًا: "ومن يعرف عندما يضع قوة رعده؟" (أي14:26 LXX) .

القديس أمبروسيوس

- "وأمجد أيضًا" (٢٨)، عندما يقوم من الأموات، عندما لا يكون للموت أي سلطان بعد عليه، وعندما يرتفع فوق السماوات بكونه الله، ويكون مجده فوق كل الأرض.

القديس أغسطينوس
 
"فالجمع الذي كان واقفًا وسمع قال: قد حدث رعد. آخرون قالوا: قد كلمه ملاك". (29)

يرى البعض أن الصوت كان باللغة التي يفهمها اليهود والتي لم يفهمها اليونانيون، لذلك قال الأولون إن ملاكًا كلمه، بينما ظن الآخرون أن رعدًا قد حدث. فقد شُبه صوت أحد المخلوقات الحية بالرعد (رؤ ٦: ١).

- لأن سألت: ومن أين حلّ بهم هذا الظن؟ أجبتك: لعل الصوت لم يكن واضح الدلالة، لكنه مرّ عليهم بسرعة، إذ كان بعضهم جسدانيين متوانين، والبعض الآخر منهم عرف أن الصوت كان واضحًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أجاب يسوع وقال: ليس من أجلي صار هذا الصوت، بل من أجلكم". (30)

لم يكن السيد المسيح محتاجًا إلى صوتٍ من السماء ليشجعه، إنما جاء هذا الصوت من أجل الحاضرين لكي يؤمنوا أن الآب أرسله، لكي لا يتعثر فيه التلاميذ أثناء آلامه، بل يجدوا فيها راحتهم، كما يجد هو فيها مسرته.

لعل هذا الصوت كان من أجل اليونانيين الذين أرادوا أن يروه. فإنهم لم يشاهدوا آياته وعجائبه، وإنما سمعوا عنها، لذلك جاء الصوت من السماء يشهد له أمامهم.

ما هي وصية الآب للابن؟ تقديم الحياة الأبدية للبشرية، الأمر الذي لا يمكن لخليقةٍ ما في السماء أو على الأرض أن تقدمه.

- كأنه يقول: لم يصر هذا الصوت لأعرف أنا منه شيئًا كنت جاهلاً به، لأنني أعرف خفيات أبي كلها، لكنه صار لأجلكم. وقد اقتادهم السيد المسيح إلى أن يسألوه ما هو الذي قيل، إلا أنهم كانوا مندهشين ولم يخبروه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- كما أن ذاك الصوت الذي نطق به الله لم يكن من أجله بل من أجل الآخرين، اضطربت نفسه ليس من أجله بل بإرادته من أجل الآخرين.

القديس أغسطينوس

"الآن دينونة هذا العالم، الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجًا". )31(

إنه صوت الآب الذي يعرفه الابن ويدرك أعماقه، فقد جاء الصوت ليعلن دينونة هذا العالم الشرير، وهزيمة الشيطان "رئيس هذا العالم"، وطرده خارجًا بلا سلطان. يفقد إبليس دائرة نفوذه حيث يعلن المؤمنون غلبتهم في حلبة المصارعة، ويخرج إبليس في ضعفٍ شديدٍ وهزيمةٍ منكرة، بعد كسب جولات كثيرة سابقة. هكذا يخسر إبليس جولته مع السيد المسيح، وتستمر هذه الهزيمة في صراعه مع المؤمنين، أعضاء جسد المسيح الغالب.

في يقين الإيمان يوجه الإنجيلي يوحنا حديثه للأحداث قائلاً: "كتبت إليكم أيها الأحداث لأنكم أقوياء وكلمة الله ثابتة فيكم، وقد غلبتم الشرير" (١ يو ٢: ١٤). كما كتب: "لأنه كل من وُلد من الله يغلب العالم، وهذه الغلبة التي تغلب العالم، إيماننا" (١يو ٥: ٤). كما يترنم المتمتعون بعمل الله الخلاصي قائلين: "الآن صار خلاص إلهنا وقوته وملكه وسلطان مسيحه. لأنه قد طُرح المشتكي على اخوتنا، الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهارًا وليلاً. وهم غلبوه بدم الخروف، وبكلمة شهادتهم، ولم يحبوا حياتهم حتى الموت" (رؤ ١٢: ١٠-١١).

ماَ يخططه البشر من قتل للسيد المسيح، وما يمارسه إبليس من محاولة الخلاص من السيد، هذا كله يؤول إلى هزيمة الشر وتحطيم سلطان إبليس بالصليب، إذ لا يستطيع رئيس هذا العالم الشرير أن يقف أمام رئيس الحياة. وكما يقول الرسول: "أنتم أنكرتم القدوس البار، وطلبتم أن يُوهب لكم رجل قاتل، ورئيس الحياة قتلتموه، الذي أقامه الله من الأموات، ونحن شهود لذلك" (أع ٣: ١٤، ١٥). كما يقول الرسول بولس عن السيد المسيح: "لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس" (عب ٢: ١٤).

يتحدث السيد الَمسيح بيقين النصرة حيث بموته يرد نفوس كثيرة إلى المعرفة ويحررهم من قيود إبليس.

لم تذكر كلمة "دينونة" بأداة تعريف، فهو لا يشير هنا إلى الدينونة النهائية، بل هي دينونة تبدأ بعمل المسيح الخلاصي، وذلك كقول سليمان الشيخ بروح النبوة: "ها إنه قد وُضع لسقوط كثيرين في إسرائيل، ولعلامة تُقاوم" (لو ٢: ٣٤).

- إن سألت ما هو معني هذا المجد؟ أجبتك: هو قول السيد المسيح: "الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجًا".

- ما هي "دينونة العالم"؟ إنها كما يقول: "ستكون محاكمة ونقمة". كيف وبأية وسيلة؟ ذبح إبليس الإنسان الأول، إذ جعله مجرمًا بالخطية، أما فيّ فلا يوجد ذلك. فلماذا أسلمني الموت؟ لماذا وضع في نفس يهوذا أن يحطمني؟... كيف إذن يُدان العالم فيّ؟ سيقال كما في محكمة العدالة المقاومة للشيطان: "حسنًا، لقد قتلت كل البشر، إذ وجدتهم جميعًا مسئولين عن الخطية، ولكن لماذا قتلت المسيح؟ أليس من أجل أنك قد أخطأت في ذلك؟ لذلك فيه يًنتقم للعالم كله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لمثل تلك الدينونات ينطق الرب هنا: "الآن دينونة هذا العالم"، بينما تبقى الدينونة النهائية محفوظة، عندما يُدان الأحياء والأموات.

لذلك فإن الشيطان قد اقتنى الجنس البشري، وأمسك به بالصك المكتوب بخطاياهم كمجرمين مذعنين للعقوبة. إنه يملك على قلوب غير المؤمنين، يخدعهم ويستعبدهم، يغويهم كي يتركوا الخالق ويعبدوا المخلوق. ولكن بالإيمان بالمسيح الذي تثبت بموته وقيامته، وبدمه الذي سفكه لغفران الخطايا ألوف من المؤمنين قد خلصوا من سلطان الشيطان، واتحدوا في جسد المسيح، وقد صاروا تحت قيادة الرأس.

هذا ما عناه عندما دعاه "دينونة"، هذا الفصل الصادق، هذا الترحيل للذين له، الذين خلصوا من الشيطان.

- الآن يخبرنا الرب مقدمًا ما يعرفه أنه بعد آلامه وتمجيده سيصير كثير من الأمم في العالم كله الذين يسكن الشيطان في قلوبهم مؤمنين، ويطرد منها الشيطان الذي يجحدونه بالإيمان.

القديس أغسطينوس

"وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب اليّ الجميع". (32)

يُطرح إبليس خارجًا، إلى الجحيم حيث يفقد مملكته التي أقامها بين البشر على الأرض، بينما يرتفع السيد المسيح عن الأرض. بالصليب ينحدر العدو، وبه يرتفع السيد ليرفع معه مؤمنيه إلى السماء.

سبق وقرأنا أن الإنجيلي يوحنا يتطلع إلى الصليب كرفعٍ (٣: ١٤؛ ٨: ٢٨)، بكونه مجدًا له.

هنا ينسب إلى نفسه العمل "جذب النفس إليه"، وفي موضع آخر ينسبه إلى الآب (يو ٦: ٤٤). إنه يجتذب النفس ليس إلزامًا ولا بالعنف، وإنما بالحب الجذَّاب. وكما يقول في هوشع: "كنت أجذبهم بحبال البشر، بربط المحبة، وكنت لهم كمن يرفع النير عن أعناقهم، ومددت إليه مطعمًا إياه" (هو ١١: ٤).

النفس التي كانت بعيدة عنه لا تحتمل اللقاء معه بسبب ظلمتها الآن تتمتع بنوره وتنجذب إليه. إنه سيصعد إلى السماء ويسحب معه قلوب محبيه لتتمتع بالسماويات.

بقوله "الجميع" ليؤكد فاعلية الصليب في جذب السمائيين والأرضيين ليصيروا واحدًا. يُصالح به الكل لنفسه، عاملاً الصلح بدم صليبه، بواسطته سواء كان ما على الأرض أم ما في السماوات" (كو ١: ٢٠) ليجمع كل شيء في المسيح، ما في السماوات وما على الأرض، في ذلك" (أف ١: ١٠). كما يؤكد جاذبيته لكل البشرية سواء كانوا من اليهود أو الأمم، لكنه لن يجتذب أحد قهرًا بغير إرادته.

- معني ذلك أنه يجتذب حتى الذين يؤمنون من الأمم... يقول: "أجذبهم"، كمن هم محتجزين بواسطة طاغية، وغير قادرين بأنفسهم أن يقتربوا إلى (السيد المسيح)، ويهربوا من يدي الطاغية الذي يمسك بهم، في موضع آخر يدعوهم مسبيين، "كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي، وينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولاً؟" (مت ١٢: ٢٩). قال هذا ليؤكد السيد قوته، ومن يدعوهم مسبيين يدعوهم هنا منجذبين إليه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إن كان المسيح صار لعنة من أجلنا لكي يخلصنا من لعنة الناموس، فهل تتعجب أنه من أجلنا يخضع للآب ليجعلنا نحن أيضًا خاضعين له، كما جاء في الإنجيل: "لا يأتي أحد إلى الآب إلا بي" (يو 6:14)، "وأنا إن ارتفعت أجذب إليّ الجميع". فالمسيح إذن يخضع للآب في المؤمنين، إذ كل المؤمنين بل كل الجنس البشري يُحسب أعضاء جسمه. لكنه في غير المؤمنين، يُقال أنه لم يخضع، لأن هذه الأعضاء لجسده لا تخضع للإيمان.

القديس جيروم

"قال هذا مشيرا إلى أية ميتة كان مزمعًا أن يموت". (33)

ارتفع بالصليب فصار منظرًا للعالم معلقًا بين السماء والأرض، كمن هو مستحق لهذه أو تلك.

لقد سمعت الجماهير عظاته وشاهدت آلاف من العجائب، لكن قلة التصقت به وثبتت في التلمذة له. أما وقد صُلب فجذب العالم إليه، وآمن كثيرون به، وثبتوا في محبته.




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 12 جـ8 PDF Print Email

"فأجابه الجمع: نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد، فكيف تقول أنت أنه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان؟ من هو هذا ابن الإنسان؟" (34)

كان الشعب يتوقع خلاف ما أعلنه، فمع سماعهم الصوت الذي من السماء وكلمات النعمة الخارجة من فمه لم يصدقوا أنه يرتفع أي يموت مع أن العهد القديم قد تنبأ عن موته، فهو كاهن إلى الأبد (مز ١١٠: ٤)، وملك أبدي (مز ٨٩: ٢٩). جاء عنه في سفر دانيال: "فأُعطى سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والالسنة؛ سلطانه سلطان أبدي ما لا يزول وملكوته ما لا ينقرض" (دا ٧: ١٣، ١٤). وفي سفر حزقيال: "عبدي داود رئيس عليهم إلى الأبد" (حز ٣٧: ٢٥). تذكروا النبوات الخاصة بخلوده، ولم يتذكروا النبوات الخاصة بموته وأنه يسكب نفسه للموت (إش ٥٣: ١٢)، وأن يديه ورجليه تثقب.

"من هو هذا الإنسان؟" (34) لم يسألوه لكي يتعرفوا على شخصه، وإنما لأنهم كانوا يظنون أنه المسيا الكاهن والملك إلى الأبد، وفوجئوا بأنه يجب أن يموت. لقد تشككوا في أمره بسبب إعلانه عن ضرورة موته.

- لقد عرفوا أن المسيح خالد وفيه حياة لا تنتهي. ألم يعرفوا ما قيل في مواضع كثيرة من الكتاب عن آلامه وقيامته في ذات الموضع؟

هكذا وضع إشعياء النبي الأمرين معًا، إذ قال: "ظُلم، أما هو فتذلل، ولم يفتح فاه، كشاةٍ تُساق إلى الذبح وكنعجةٍ صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه" (إش ٥٣: ٧). وداود أيضًا في المزمور الثاني ومواضع أخرى كثيرة ربط بين الأمرين. وأب الآباء (يعقوب) أيضًا بعد قوله: "ربض كأسدٍ وكلبوةٍ من ينهضه؟" (تك ٤٩: ٩) أظهر الآلام والقيامة في نفس الوقت. إلاَّ أن هؤلاء إذ ظنوا أنهم يسكتوه ويبينوا أنه ليس المسيح مستخدمين نفس هذه الظروف وهي أن المسيح يبقى إلى الأبد.

لاحظوا كيف عالجوا الأمر بمكرٍ، لأنهم لم يقولوا: "سمعنا أن المسيح لا يتألم ولا يُصلب" بل قالوا: "يبقى إلى الأبد". ومع هذا فإن ما قالوه لا يمثل اعتراضًا حقيقيًا، فإن الآلام ليست عائقًا لخلوده. لهذا فإننا نرى أنهم فهموا أمورًا كثيرة مشكوك فيها، وقد سلكوا فيها خطأ عن عمدٍ. فقد سبق فحدثهم عن الموت. عندئذ قالوا: "من هو ابن الإنسان؟" قالوا هذا بخبثٍ. كأنهم يقولون: "نسألك ألا تظن أننا نقول هذا عنك، ولا تجزم أننا نعارضك في عداوة ضدك. وإنما نحن لسنا نعرف عمن تتكلم، ومع هذا فنحن نقول رأينا".

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فقال لهم يسوع:النور معكم زمانا قليلاً بعد، فسيروا مادام لكم النور، لئلا يدرككم الظلام،والذي يسير في الظلام لا يعلم إلى أين يذهب". (35)

- قول السيد المسيح: "النور معكم زمانًا قليلاً بعد" يوضح أن موته مؤقت، لأن نور الشمس لا يبطل، لكنه يتوارى قليلاً ثم يظهر. وقوله لليهود: "فسيروا مادام لكم النور، لئلا يدرككم الظلام" قال هذا ليحثهم على الإيمان به.

وقوله: "والذي يسير في الظلام لا يعلم إلى أين يذهب"، فكم من أعمالٍ عملها اليهود الآن ولم يعرفوا ما عملوه، لكنهم كانوا كسالكين في الظلام، لأنهم ظنوا أنهم سائرون في الطريق القويمة، وهم يسلكون في الطريق المضادة، يحفظون سبوتًا ويصونون الشريعة، ويحترسون من الأطعمة، ولا يعرفون أين يمشون.

- "آمنوا بالنور، مادام لكم نور"، ولكن عن أي وقت يتحدث هنا؟ هل عن كل الحياة الحاضرة، أم عن الوقت ما قبل الصليب؟ أظن أنه عن كليهما. فإنه من أجل محبته للبشر التي لا توصف كثيرون آمنوا حتى بعد الصليب. ينطق بهذه الأمور ليحث على الإيمان.

القديس يوحنا الذهبي الفم

لتصيروا أبناء النور. تكلم يسوع بهذا، ثم مضى واختفى عنهم". (36)

إذ هو منشغل بخلاصهم طلب منهم أن يهتموا بأعماقهم فيسلكوا في النور ما دام لهم النور حتى لا يصيروا أبناء الظلمة. لم يدخل معهم في حوارات جافة، بل وجههم إلى ما هو لخلاصهم وبنيانهم. طلب منهم أن يتمتعوا بنوره مادام قد تجسد وحلّ بينهم، حتى يحملهم إلى النور السماوي الأبدي.

حياتنا هي فرص قليلة، ربما لا تتكرر، لذا لاق بنا أن ننتفع بكل فرصة لأجل شركتنا مع الله. إنجيلنا هو سراج للنفس ينيرها. من لا يقبل نوره يسقط في الظلمة، وأما من يتمـتع به فيصير ابنًا للنور (لو ١٦: ٨؛ أف ٥: ٨)، وابنًا للنهار (١ تس ٥: ٥).

إنه يحذرهم بأنهم سيشتهون أن يروا يومًا من أيام ابن الإنسان ولا يروا (لو ١٧ : ٢٢)؛ وأن ملكوت الله يُنزع منهم ويُعطى للأمم (مت ٢١ : ٤٣).

- "لتصيروا أبناء النور" بمعنى تصيروا "أبنائي". مع أن الإنجيلي في البدء يقول: "الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد، بل من الله" (يو ١: ١٣)، أي وُلدوا من الآب. بينما يُقال هنا أنه هو ولدهم، وذلك لكي تدركوا أن عمل الآب والابن هو واحد.

- يقول يوحنا الرسول عن السيد المسيح: "ثم مضى واختفي عنهم"؛ فإن سألت: وما غرض السيد المسيح من أن يختفي؟ لأنهم لم يحملوا حجارة ليقتلوه، ولا جدفوا عليه مثلما فعلوا فيما سبق، فلِمَ اختفي؟! أجبتك: إذ يعرف السيد ما في قلوبهم من تذمرٍ مملوء بالغضب، لم ينتظر حتى يخرج هذا الغضب إلى حيز التنفيذ، لكنه اختفي ليهدئ من شرهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

أخيرًا إذ قدم لهم نصيحة أبوية أن ينتهزوا فرصة وجوده لكي يشرق بنوره عليهم فيبدد ظلمتهم، موضحًا أن الوقت مقصر، والزمان الذي بقي قليلاً ليتركهم، في الحال مضى واختفى عنهم، حتى لا يدخلوا في جدالٍ، بل يفكروا في جدية من جهة موقفهم منه.

5. شهادة الأنبياء لمجده

"ومع أنه كان قد صنع أمامهم آيات هذا عددها لم يؤمنوا به"(37)

يقدم لنا يوحنا الإنجيلي شهادة إشعياء النبي لمجد السيد المسيح ورفض اليهود له، لأنهم "أحبوا مجد الناس أكثر من مجد الله" (43).

من جهة كثرة معجزاته فيقول "هذا عددها" (37)، مع ذلك لم تحثهم على الإيمان به، بل على حسده ومقاومته. لم يسمعوا عنها فقط، وإنما صنعها "أمامهم"، لأنه لم يصنعها خفية بل علانية بشهود كثيرين. مع هذا لم يؤمنوا به، إذ أصيبت أعين قلوبهم بالعمى بشهواتهم التي قست قلوبهم وأفسدتها.

"ليتم قول إشعياء النبي الذي قاله:يا رب من صدق خبرنا، ولمن أُستعلنت ذراع الرب". (38)

تحققت نبوة إشعياء بأنهم لن يصدقوا الشهادات النبوية والإعلانات الإلهية، ولم يقبلوا ذراع الرب الذي هو قوته وسلطانه وعجائبه.

"خبرنا" هنا تشير إلى الإنجيل الذي تنبأ عنه إشعياء وغيره من الأنبياء.

- كما أنك بذراعك تعمل، هكذا كلمة الله يمثل ذراعه.

القديس أغسطينوس

"لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا، لأن إشعياء قال أيضًا". (39)

يكشف القديس يوحنا الإنجيلي عن حال اليهود الذين اتسموا بالعناد والمقاومة لله ولأنبيائه، منذ نشأتهم في مصر، وعند خروجهم حيث قاوموا موسى وهرون، وفي البرية، فلم ينجُ منهم نبي. وكما قال إيليا النبي: "قد تركوا عهدك، ونقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك بالسيف، فبقيت أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي ليأخذوها" (١ مل ١٩: ١٠). ويقول الشهيد استفانوس: "يا قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان، أنتم دائما تقاومون الروح القدس. كما كان آباؤكم كذلك أنتم. أي الأنبياء لم يضطهده آباؤكم؟ وقد قتلوا الذين سبقوا فأنبأوا بمجئ البار، الذي أنتم الآن صرتم مسلميه وقاتليه، الذين أخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه" (أع ٧: ٥١-٥٣).

سلسلة لا تنقطع من مقاومة عمل الله واضطهاد مستمر للأنبياء، أعمت أعينهم الداخلية عن الرؤيا، وقسَّت قلوبهم، فصاروا عاجزين عن التمتع بالإيمان!

- مرة أخرى لاحظوا هنا أن "لأن" و "قال" لا تشيران إلى علة عدم إيمانهم، إنما تشيران إلى الحدث ذاته. فإنه ليس لأن إشعياء قال هم لم يؤمنوا، وإنما إذ لم يريدوا أن يؤمنوا هو قال: فلماذا لم يعبر الإنجيلي هكذا بدلاً من جعل عدم الإيمان صادر عن النبوة وليست النبوة صدرت عن عدم الإيمان؟ لقد وضع هذا الأمر بطريقة إيجابية قائلاً: "لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا، لأن إشعياء قال" (٣٩). إنه يرغب في تثبيت عدم خطأ الحق الكتابي بطرق كثيرة، وأن ما سبق فقاله إشعياء لم يسقط بل حدث ما قاله.

- "لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا"، وضعت عوض "لم يكونوا يريدون أن يؤمنوا". لا تتعجب... إنه لم يقل أن صُنع الفضيلة مستحيل بالنسبة لهم، بل لأنهم لم يريدوا، على هذا الأساس لا يستطيعون.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لا يتجاسر أحد في دفاعه عن حرية الإرادة بطريقة بها يحاول أن يحرمنا من الصلاة القائلة: "لا تدخلنا في تجربة". ومن الجانب الآخر لا ينكر أحد الإرادة ويتجاسر فيجد عذرًا للخطية. لنلتفت إلى الرب في تقديمه الوصية، وفي تقديمه عونه، ففي كليهما يخبرنا عن التزامنا بالواجب، وعن مساندتنا في تنفيذه. فإن البعض يرتفعون إلى الكبرياء خلال ثقتهم المبالغ فيها في إرادتهم الذاتية، بينما يسقط آخرون في عدم المبالاة خلال المبالغة في عدم الثقة.

يقول الأولون: "لماذا نسأل الله ولا نسعى نحن للغلبة على التجربة ما دام كل شيء في مقدورنا؟"

يقول الآخرين: "لماذا نجاهد لنحيا صالحين مادامت القدرة على فعل هذا هي في يد الله؟"...

من جانبٍ يلزمنا أن نشكره من أجل القوة التي يمنحنا إياها، ومن الجانب الآخر يلزمنا أن نصلي لكي لا تفشل قوتنا الصغيرة تمامًا. إنه ذات الإيمان عينه العامل بالمحبة (غلا ٥ : ٦)، حسب القياس الذي يهبه الرب لكل إنسان، حتى أن من يفتخر لا يفتخر بذاته بل في الرب (١ كو ١: ٣١).

- إذن لا عجب أنهم لم يقدروا أن يؤمنوا، حيث كان كبرياء إرادتهم هكذا، إذ جهلوا برّ الله وأرادوا برّ أنفسهم، كما يقول عنهم الرسول: "لم يخضعوا لبرّ الله" (رو ١٠: ٣). إذ انتفخوا لا كما بالإيمان بل بالأعمال، وتعثروا أمام حجر العثرة. هكذا قيل "لم يقدروا"، فنفهم من ذلك أنهم لم يريدوا، وذلك بنفس الطريقة كما قيل عن الرب إلهنا: "إن كنا غير مؤمنين فهو يبقى أمينًا، لن يقدر أن ينكر نفسه" (٢ تي ٢: ١٣). قيل عن الكلي القدرة "لن يقدر"...

- هؤلاء اليهود "لم يقدروا أن يؤمنوا"، ليس أن هؤلاء الناس لا يقدروا أن يتغيروا إلى الأفضل، وإنما مادامت آراءهم تسلك في هذا الاتجاه لا يقدروا أن يؤمنوا، لهذا فهم عميان وغلاظ القلوب، لأن بإنكارهم الحاجة إلى عون إلهي لم يجدوا عونًا.

القديس أغسطينوس




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 12 جـ9 PDF Print Email
"قد أعمى عيونهم وأغلظ قلوبهم، لئلا يبصروا بعيونهم، ويشعروا بقلوبهم، ويرجعوا فأشفيهم". (40)

لم يقدروا أن يؤمنوا، لأنهم لم يريدوا، ولا طلبوا عون الله ونعمته لمساندتهم. لهذا لم تفتح نعمة الله أعينهم لمعاينة الحق والتمتع بالخلاص؛ هذا ما يعنيه بقوله: "أعمى عيونهم". مقاموتهم طمست عيون قلوبهم، فلم ينالوا الشفاء من طبيب النفوس والأجساد، فصاروا كمن أعمى الله عيونهم. الإصرار المستمر وعدم الرغبة في التمتع برؤية الحق جعلتهم عاجزين عن الإيمان الحي. هذا النص ورد في إشعياء ٦: ٩، ربما يشير إلى الحكم الذي يحل عليهم كأمةٍ.

- كما أن الشمس تبهر العيون الضعيفة ليس بسبب طبيعتها اللائقة بها، هكذا أيضًا بالنسبة للذين لا يبالون بكلمة الله. هكذا قيل في حالة فرعون أن (الله) قسى قلبه. هكذا يكون حال من هم مصرون تمامًا على مقاومة كلمات الله.

هذا هو أسلوب الكتاب، كما قيل: "أسلمهم إلى فكرٍ مرفوض" (رو ١:٢٨)... فإن الكاتب هنا لا يقدم الله بكونه هو نفسه يفعل هذه الأمور إنما يظهر أنها تحدث خلال شر الآخرين. فلكي يرعب السامع لذلك يقول الكاتب: "قسى الله"، "أسلمهم".

ولكي يُظهر أنه لا يسلمنا ولا يتركنا إلاَّ إذا أردنا نحن ذلك اسمع ما يقوله: "أليست شروركم قد فصلت بيني وبينكم؟" (إش ٥٩: ٢ LXX). ويقول هوشع: "أنتم نسيتم ناموس إلهكم، وأنا أيضًا أنساكم" (هو ٤: ٦ LXX). وهو نفسه يقول: "كم مرة أرد أن أجمع أبناءكم... وأنتم لا تريدون؟" (لو ١٣: ٣٤)...

إذ نعرف هذا ليتنا نبذل كل الجهد ألا نترك الله، بل نتمسك بالاهتمام بنفوسنا ومحبة بعضنا البعض. ليتنا لا نبتر أعضاءنا، فإن هذا عمل من هم مجانين، بل كلما رأيناهم في وضع شرير نترفق بهم بالأكثر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"قال إشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم عنه". (41)

نطق إشعياء النبي بهذا حين رأى مجده وتحدث عنه. رأى السيد على كرسي عالٍ وأذياله تملأ الهيكل. المجد الذي رآه إشعياء هو مجد يهوه؛ هنا القديس يوحنا الإنجيلي يقول أنه مجد يسوع، حاسبًا أن يسوع المسيح هو يهوه. جاءت الترجمة الآرامية (الترجوم): "لأن عيني رأتا شاكيناه الرب" (إش ٦ :٥). ولما كانت شاكيناه هي النور الإلهي أو الحضرة الإلهية، فإن ما رآه إشعياء النبي هو نور الرب أو بهاءه، شعاع مجده ورسم جوهره (عب ١: ٣).

- إن سألت: مجد من رأى إشعياء النبي؟ أجبتك: مجد الآب. ولعلك تقول: فكيف يتحدث إشعياء النبي عن مجد الآب، ويوحنا البشير عن مجد الابن، وبولس الرسول عن مجد الروح؟ أجيبك: لم يكن حالهم حال من يجمعون الأقانيم، لكنهم قالوا هذا القول موضحين رتبة واحدة موجودة بهم، وبيان ذلك أن سمات الآب هي سمات ابنه، وسمات الابن هي سمات الروح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ما رآه إشعياء ليس الله كما هو، وإنما بطريقة رمزية تناسب إمكانية رؤية النبي. فإن موسى أيضًا رآه، ومع هذا نجده يقول له عندما رآه: "فالآن إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك حتى أعرفك..." (خر ٣٣: ١٣)، إذ لم يرً الله كما هو... "أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله، ولم يظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذ أُظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو" (١ يو ٣: ٢).

القديس أغسطينوس

6. تمجيد بعض الرؤساء له

"ولكن مع ذلك آمن به كثيرون من الرؤساء أيضًا، غير أنهم لسبب الفريسيين لم يعترفوا به، لئلا يصيروا خارج المجمع". (42)

آمن به بعض الرؤساء مثل نيقوديموس (يو ٣)، حاسبًا إياه معلمًا من عند الله، وأيضًا يوسف الرامي الذي تقدم لبيلاطس لاستلام جسده، ونال بركة دفنه في قبره الجديد. ووُجد غيرهما ممن آمنوا به في قلوبهم، لكنهم لم يتجاسروا ويعلنوا إيمانهم علانية. وسنتحدث عن مجمع السنهدرين في نهاية هذا الاصحاح بمشيئة الرب.

ظن إيليا أنه وحده يعبد الله ولم يدرك أن سبعة آلاف رجل لم يحنوا ركبة لبعلٍ يراهم الله ولا يعرفهم العالم. هكذا في كل جيل توجد بقية أمينة خفية لها تقديرها في عيني الله لا عند الناس.

"لأنهم أحبوا مجد الناس أكثر من مجد الله". (43)

لم يعترف البعض به خشية فقدان كرامتهم الزمنية، إذ أحبوا مجد الناس أكثر من مجد الله. وكما يقول السيد المسيح: "كيف تقدرون أن تؤمنوا، وأنتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه؟!" (يو ٥: ٤٤).

- هذا ما قاله لهم السيد المسيح: "كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدًا من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه؟" (يو 5: 44)، فلم يكونوا إذًا رؤساء، لكنهم كانوا عبيدًا، لأنهم ابتعدوا عن الإيمان لعشقهم في المجد الباطل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

7. شهادة المسيح لنفسه

"فنادى يسوع وقال: الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي، بل بالذي أرسلني". (44)

هذا هو ختام عظته الموجهة للأشرار المصممين على عدم الإيمان، وتُحسب تكملة للعظة التي قُطعت بالآية ٣٧. لقد نادى (صرخ) يسوع بصوتٍ عالٍ، مظهرًا غيرته الشديدة على خلاصهم.

هنا يؤكد وحدته الخفية مع الآب، فمن يؤمن بالابن يؤمن بالآب الذي أرسله، ومن يرى الابن يرى الآب أيضًا، من يكرم الابن يكرم الآب.

- معنى: "لا يؤمن" أي لا يكون ذلك عند حدود الشكل الجسدي، ولا عند حدود الإنسان الذي ترونه. فإنه يقرر أنه يلزمنا أن نؤمن بأنه ليس إنسانًا مجردًا، بل نؤمن بيسوع المسيح اللَّه والإنسان (في نفس الوقت).

القديس أمبروسيوس

- كأن يقول: "لماذا تخشون أن تؤمنوا بي؟ الإيمان بي يعبر خلالي إلى الآب، كما أن إنكاركم إياي يصل إليه. انظروا كيف أنه بكل وسيلة يظهر عدم الاختلاف في الجوهر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- تكريم الابن فيه تكريم للآب، إنه لا يُنقص من لاهوته.

- الآن عندما يقول: "الذي يؤمن بي، ليس يؤمن بي، بل بالذي أرسلني" (٤٤). ماذا نفهم سوى أنه ظهر كإنسانٍ للبشر بينما بقي غير منظور بكونه الله؟ ولكي لا يظن أحد أنه ليس بأكثر مما يروه فيه يشير إلى الإيمان به كمساوٍ للآب في الشخصية والرتبة... فمن يؤمن بالآب يلزمه أن يؤمن أنه أب، ومن يؤمن بالآب يؤمن أن له ابن، وبهذا فمن يؤمن بالآب يلزمه أن يؤمن بالابن.

القديس أغسطينوس

"والذي يراني، يرى الذي أرسلني". (45)

- ماذا إذن؟ هل لله جسد؟ لا يمكن! فإن الرؤية التي يتحدث عنها ليست بجهة من الجهات جسمًا، فالبصر هنا إنما يريد به بصيرة العقل، وفي هذه الجهة بيَّن السيد المسيح أن جوهره هو جوهر أبيه. هنا يعلن عن الشركة في ذات الجوهر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

-نطق بالكلمات السابقة (٤٤) حتى لا يؤمن أحد أنه مجرد ما يظهر عليه، أي أنه ابن الإنسان، وبالكلمات التالية (٤٥) لكي يؤمنوا أنه مساوٍ للآب...

لقد أرسل المسيح رسله... لكن لم يكن ممكنًا لأحدهم أن يقول: "من يؤمن بي ليس يؤمن بي، بل بالذي أرسلني"، فإنه ليس من أي أساس يمكن أن يقوم عليه القول: "يؤمن بي".

نحن نصدق الرسول، لكننا لا نؤمن به، لأنه ليس من رسول يبرر الخطاة. إنما نؤمن بالذي يبرر الخطاة، إيمانه يُحسب برًا (رو ٤: ٥).

يُمكن للرسول أن يقول: "من يقبلني يقبل الذي أرسلني"، أو "من يسمعني يسمع الذي أرسلني"، إذ يقول الرب: من يقبلكم يقبلني، ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني (مت ١٠: ٤٠). فإن السيد يُكرم في الخادم، والأب في الابن، وعندئذ الأب كما في الابن والسيد كما في الخادم.

أمكن للابن الوحيد الجنس بحقٍ أن يقول: "آمـنوا بالله، فآمنوا بي" (يو ١٤: ١). وكما يقول هنا أيضًا: "الذي يؤمن بي، ليس يؤمن بي، بل بالذي أرسلني". إنه لا يحول إيمان المؤمن عنه، وإنما أراد ألا يقف المؤمن عند إيمانه به كعبدٍ، لأن كل من يؤمن بالآب يؤمن للحال بالابن، الذي بدونه لا يكون للآب وجود كآبٍ. وهكذا يبلغ إلى إيمانه بمساواته للآب، ذلك طبقًا للكلمات التالية لها: "والذي يراني، يرى الذي أرسلني" (٤٥).

القديس أغسطينوس

"أنا قد جئت نورًا إلى العالم، حتى كل من يؤمن بي، لا يمكث في الظلمة". (46)

قبل مجيء المخلص - شمس البرّ - إلى العالم كان الكل في الظلمة. بإشراقه تبددت الظلمة، لكن لم ينتفع منها إلاَّ من كانت عيناه سليمتين قادرتين على رؤية أشعة شمس البرّ هذا. أشرقت شمس البرّ على البشرية كلها لكي يجد المؤمنون فيه نورًا وراحة، حيث لا يبقى للظلمة موضع فيهم. بنوره تنتهي المخاوف واليأس، ويحل الفرح السماوي والرجاء في الأبدية.

- إذ يُدعى الآب بذات الاسم في كل موضع في العهدين القديم والجديد، يستخدم المسيح نفس الاسم أيضًا. لهذا يدعوه بولس: "البهاء" (عب 1:3)، متعلمًا أن يفعل هذا من ذات المصدر. أيضًا يظهر هنا العلاقة القوية بينه وبين الآب، وأنه لا يوجد فصل بينهما، وذلك متى قال أن الإيمان به ليس به، بل يعبر إلى الآب، ويدعو نفسه النور "لأنه يُخلص من الخطأ، ويزيل الظلمة العقلية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أليس بصالح ذاك الذي رفع الأرض إلى سماء حتى أن الكواكب المتلألئة المصاحبة له تعكس مجده في السماء كما في مرآة، هكذا طغمات الرسل والشهداء والكهنة يشرقون مثل كواكب مجيدة، وتهب نورًا للعالم؟

القديس أمبروسيوس

- إنه لم يقل (لتلاميذه) "قد جئتم نورًا للعالم، حتى كل من يؤمن بكم لا يمكث في الظلمة". مثل هذا القول أقول لن يمكن قبوله بأي وضع. لذلك فكل القديسين هم أنوار، لكنهم استناروا به بالإيمان، وكل من ينفصل عنه تحوط به الظلمة. أما ذاك النور الذي ينيرهم، فلن يمكن أن ينفصل عن ذاته، لأنه غير قابل للتغيير.

القديس أغسطينوس

"وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن، أنا لا أدينه، لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم". (47)

لم يأت السيد المسيح ليدين العالم بل ليخلصه. كلمات الأنبياء التي تنبأت عنه تدينهم.

- الآن هو زمن الرحمة، فيما بعد يأتي زمن الدينونة، إذ قيل: "اسبح لك يا رب الرحمة والحكم" (مز ١٠١: ١).

القديس أغسطينوس

"من رذلني ولم يقبل كلامي، فله من يدينه، الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير". (48)

إن كان السيد المسيح يشتهي خلاص الكل لا دينونتهم، فإنه في اليوم الأخير كلماته تدين غير المؤمنين، كشاهد على جرائمهم. كل كلمة ينطق بها، وكل حنو يقدمه، وكل عطية يهبها، هذه كلها تشهد ضد من يستهين به.

- قوله: "الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير" (٤٨) فيه الكفاية ليعلن أنه هو نفسه الديان بعد ذلك. فإنه هو نفسه الذي تكلم، وهو الذي أعلن ذلك، وهو نفسه الذي أقام نفسه كبابٍ يدخل منه كراعٍ إلى خرافه. فإنه سيُدان الذين لم يسمعوا الكلمة قط بطريقة غير الذي سيُدان بها من سمعوا واستخفوا بالكلمة. يقول الرسول: "لأن كل من أخطأ بدون الناموس فبدون الناموس يهلك، وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يُدان" (رو ٢: ١٢).

القديس أغسطينوس

"لأني لم أتكلم من نفسي، لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم". (49)

يقوم يسوع بكونه المسيا برسالة الخلاص التي تسلمها من الآب لينطق بها ويتممها. إنه وكالة الآب، ما يفعله لحساب الآب الذي أحب العالم وبذل ابنه الوحيد من أجله.

لقد فشل آدم الأول في رسالته، وعصى الله، ولم يكن بالسفير اللائق ليمثل السماوي، فجاء آدم الثاني بروح الطاعة يتمم العمل المُوكل إليه، عمل الحب الإلهي الفائق. فيه يمكننا أن نمارس الطاعة التي فقدناها بانتسابنا لآدم أبينا.

- حتمًا قال هذا من أجلهم... ألا ترون أنه قدم تعبيره في تواضع متزايد، حتى يجتذب هؤلاء الناس ويُسكت القادمين بعدهم؟ هذا هو السبب الذي نطق بكلمات تناسب إنسانًا مجردًا، إذ كان مدركًا أن الكلمات لا تخص طبيعته بل تناسب ضعف المستمعين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الابن وحده هو كلمة الآب، وحكمة الآب، فيه كل وصايا الآب. فإنه لا يوجد زمن فيه لم يعرف الابن وصية الآب، مما يجعل من الضرورة أن يقتنيها في وقت معين، تلك التي اقتناها قبلاً. ما ناله من الآب هو أنه وُلد، فاقتناها بمولده (الأزلي)... لم يقدم الآب للابن وصية لم تكن لديه، وإنما كما قلت أنه في حكمة الآب وفي كلمة الآب تقوم كل وصايا الآب.

القديس أغسطينوس

"وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية، فما أتكلم أنا به،فكما قال لي الآب هكذا أتكلم". (50)

- إن كان الابن نفسه هو الحياة الأبدية، وهو وصية الآب، فماذا يعني هذا سوى "أنا هو وصية الآب"؟ وبقوله: "فما أتكلم به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم" (٥٠).

لا يُفهم "قال لي" كما لو كان الآب يستخدم كلمات في حديثه مع الكلمة وحده، أو أن كلمة الله يحتاج إلى كلمات من الله.

تكلم الآب مع الابن بنفس الطريقة كما أعطى الحياة للابن، ليس كمن لا يعرف أمرًا، أو لم يكن له الأخرى (الحياة)، وإنما لأنه هو الابن... إنه الحقاني قد ولد الحق، فماذا يمكن أن يقول للحق؟ فإن الحق الذي ليس فيه نقص لا يحتاج إلى من يهبه حقًا إضافيًا. إذن هو تكلم مع الحق لأنه ولد الحق.

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 12 جـ10 PDF Print Email
من وحي يو 12

أطيابك هي سرّ حياتي!

- هب لي أن أعبر إليك مع أحبائك مريم ومرثا ولعازر.

أدخل معهما إلى الوليمة،

فحيث حللت تُقيم وليمة سماوية مفرحة!

أسكب مع مريم طيبًا خالصًا على قدميك!

أنه ليس من عمل يداي،

ولا اشتريته بمالي الخاص!

فما أقدمه لك هو ثمر روحك القدوس.

اسكب الطيب فأشتم رائحتك الذكية.

رائحتك ملأت بيتي الداخلي، وعطّرت كل كياني.

رائحتك هي سرّ حياتي!

- نعم، اشتمّها يهوذا السارق رائحة موت لموت،

فافتقد الحب، لأنه لا يُدرك إلا الخيانة.

وحسب العطاء خسارة،

لأن محبة المال أعمته!

أما أنا فأشتمّها لأحيا بها.

اسمح لي مع مريم أن أمسح قدميك بشعر رأسي!

أقدّم كل ما يظنّه العالم مجدًا لخدمة اخوتك المحتاجين!

الفقراء والمحتاجون هم قدماك، بهما أسير إليك.

لأكرمهما فأكرم قديك.

- مع مرثا تمتد يداي لخدمة جسدك.

فكل عطاء لاخوتك تستقبله يداك!

هب لي أن أعمل،

فمع كل حركة أرى يديك تعملان بي وفيّ!

يداك في داخلي مبسوطتان للعمل بلا انقطاع!

- مع لعازر أجلس صامتًا!

حياتي المُقامة بك هي شهادة حيّة لحبك وجلالك!

صمتي أعظم، وأقوى من كل كلمة مقولة!

- هوذا اليونانيون الغرباء يطلبون رؤياك.

من يقدر أن يلتقي بك ما لم ترتفع على الصليب.

كيف نتمتع بالثمر الإلهي ما لم تُدفن،

تقوم فتقيمنا معك!

- هوذا السماء تشهد لك،

أنت موضوع كل النبوات،

أنت محقق مشيئة الآب،

أنت مخلص العالم كله!

رائحة صليبك ملأت السماء والأرض!

اشتمّها الآب رائحة سرور.

وتنسمها السمائيون فأدركوا أسرارًا خفية.

وتعرف عليها البشر فصاروا ملائكة!

أطياب صليبك هي سرّ حياتي!

1 ثم قبل الفصح بستة ايام اتى يسوع الى بيت عنيا حيث كان لعازر الميت الذي اقامه من الاموات
2 فصنعوا له هناك عشاء و كانت مرثا تخدم و اما لعازر فكان احد المتكئين معه
3 فاخذت مريم منا من طيب ناردين خالص كثير الثمن و دهنت قدمي يسوع و مسحت قدميه بشعرها فامتلا البيت من رائحة الطيب
4 فقال واحد من تلاميذه و هو يهوذا سمعان الاسخريوطي المزمع ان يسلمه
5 لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاث مئة دينار و يعط للفقراء
6 قال هذا ليس لانه كان يبالي بالفقراء بل لانه كان سارقا و كان الصندوق عنده و كان يحمل ما يلقى فيه
7 فقال يسوع اتركوها انها ليوم تكفيني قد حفظته
8 لان الفقراء معكم في كل حين و اما انا فلست معكم في كل حين
9 فعلم جمع كثير من اليهود انه هناك فجاءوا ليس لاجل يسوع فقط بل لينظروا ايضا لعازر الذي اقامه من الاموات
10 فتشاور رؤساء الكهنة ليقتلوا لعازر ايضا
11 لان كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون و يؤمنون بيسوع
12 و في الغد سمع الجمع الكثير الذي جاء الى العيد ان يسوع ات الى اورشليم
13 فاخذوا سعوف النخل و خرجوا للقائه و كانوا يصرخون اوصنا مبارك الاتي باسم الرب ملك اسرائيل
14 و وجد يسوع جحشا فجلس عليه كما هو مكتوب
15 لا تخافي يا ابنة صهيون هوذا ملكك ياتي جالسا على جحش اتان
16 و هذه الامور لم يفهمها تلاميذه اولا و لكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا ان هذه كانت مكتوبة عنه و انهم صنعوا هذه له
17 و كان الجمع الذي معه يشهد انه دعا لعازر من القبر و اقامه من الاموات
18 لهذا ايضا لاقاه الجمع لانهم سمعوا انه كان قد صنع هذه الاية
19 فقال الفريسيون بعضهم لبعض انظروا انكم لا تنفعون شيئا هوذا العالم قد ذهب وراءه
20 و كان اناس يونانيون من الذين صعدوا ليسجدوا في العيد
21 فتقدم هؤلاء الى فيلبس الذي من بيت صيدا الجليل و سالوه قائلين يا سيد نريد ان نرى يسوع
22 فاتى فيلبس و قال لاندراوس ثم قال اندراوس و فيلبس ليسوع
23 و اما يسوع فاجابهما قائلا قد اتت الساعة ليتمجد ابن الانسان
24 الحق الحق اقول لكم ان لم تقع حبة الحنطة في الارض و تمت فهي تبقى وحدها و لكن ان ماتت تاتي بثمر كثير
25 من يحب نفسه يهلكها و من يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها الى حياة ابدية
26 ان كان احد يخدمني فليتبعني و حيث اكون انا هناك ايضا يكون خادمي و ان كان احد يخدمني يكرمه الاب
27 الان نفسي قد اضطربت و ماذا اقول ايها الاب نجني من هذه الساعة و لكن لاجل هذا اتيت الى هذه الساعة
28 ايها الاب مجد اسمك فجاء صوت من السماء مجدت و امجد ايضا
29 فالجمع الذي كان واقفا و سمع قال قد حدث رعد و اخرون قالوا قد كلمه ملاك
30 اجاب يسوع و قال ليس من اجلي صار هذا الصوت بل من اجلكم
31 الان دينونة هذا العالم الان يطرح رئيس هذا العالم خارجا
32 و انا ان ارتفعت عن الارض اجذب الي الجميع
33 قال هذا مشيرا الى اية ميتة كان مزمعا ان يموت
34 فاجابه الجمع نحن سمعنا من الناموس ان المسيح يبقى الى الابد فكيف تقول انت انه ينبغي ان يرتفع ابن الانسان من هو هذا ابن الانسان
35 فقال لهم يسوع النور معكم زمانا قليلا بعد فسيروا ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام و الذي يسير في الظلام لا يعلم الى اين يذهب
36 ما دام لكم النور امنوا بالنور لتصيروا ابناء النور تكلم يسوع بهذا ثم مضى و اختفى عنهم
37 و مع انه كان قد صنع امامهم ايات هذا عددها لم يؤمنوا به
38 ليتم قول اشعياء النبي الذي قاله يا رب من صدق خبرنا و لمن استعلنت ذراع الرب
39 لهذا لم يقدروا ان يؤمنوا لان اشعياء قال ايضا
40 قد اعمى عيونهم و اغلظ قلوبهم لئلا يبصروا بعيونهم و يشعروا بقلوبهم و يرجعوا فاشفيهم
41 قال اشعياء هذا حين راى مجده و تكلم عنه
42 و لكن مع ذلك امن به كثيرون من الرؤساء ايضا غير انهم لسبب الفريسيين لم يعترفوا به لئلا يصيروا خارج المجمع
43 لانهم احبوا مجد الناس اكثر من مجد الله
44 فنادى يسوع و قال الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي ارسلني
45 و الذي يراني يرى الذي ارسلني
46 انا قد جئت نورا الى العالم حتى كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة
47 و ان سمع احد كلامي و لم يؤمن فانا لا ادينه لاني لم ات لادين العالم بل لاخلص العالم
48 من رذلني و لم يقبل كلامي فله من يدينه الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الاخير
49 لاني لم اتكلم من نفسي لكن الاب الذي ارسلني هو اعطاني وصية ماذا اقول و بماذا اتكلم
50 و انا اعلم ان وصيته هي حياة ابدية فما اتكلم انا به فكما قال لي الاب هكذا اتكلم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 13 جـ1 PDF Print Email

خدمة غسل الأرجل


إذ انتهى السيد المسيح من أحاديثه العامة الآن يبدأ في أحاديث خاصة مع تلاميذه قبل القبض عليه، غايتها تعزيتهم أثناء آلامه والكشف عن أسراره، وتقديم نصائح وداعية. يتحدث معهم كأب مع أولاده، يقدم لهم حكمته ميراثًا يغنيهم ويسندهم. لقد جاءت ساعة انتقاله من العالم لهذا أراد أن يدبر أمور بيته.

1. غسل أقدام التلاميذ ١ - ١٧.

2. حديثه عن مسلمه ١٨ - ٣٠.

3. مجد ابن الإنسان ٣١ - ٣٣.

4. المحبة الأخوية ٣٤ - ٣٥.

5. إنذار بطرس منكر المسيح 3٦ - ٣٨.

1. غسل أقدام التلاميذ

"أما يسوع قبل عيد الفصح، وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى". (1)


يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح قدم أعمالاً عظيمة منذ بداية خدمته، أما وقد جاء وقت رحيله عنهم منطلقًا إلى الآب، فقدم لهم حبًا فائقًا، خلال الصليب، ليكون سندًا لهم بعد صعوده.

ونحن أيضًا إذ لا ندرك وقت رحيلنا من العالم يليق بنا مع كل نسمة من نسمات حياتنا أن نقدم حبًا باذلاً لكل من هم حولنا، فنترك لهم ميراثًا من الحب، وتبقى ذكرياتنا لديهم هي أعمال المحبة الخالدة.

يتساءل كثير من الدارسين عن موعد الفصح اليهودي، هل كان في يوم خميس العهد حيث قام السيد المسيح، حمل الفصح الحقيقي، بتأسيس سرّ الفصح المسيحي؟ أو أنه كان في يوم الجمعة العظيمة حيث تحقق الفصح الحقيقي في ذات يوم الفصح اليهودي ليبطل الرمز؟

كثرت الكتابات جدًا في هذا الأمر، غير أن ما ليس فيه خلاف، أن بعض الجماعات كانت تمارس الفصح بتقويم يختلف عما تمارسه القيادات اليهودية الدينية الرسمية في أورشليم. لهذا يرى الكثيرون أن ما ورد في الأناجيل الثلاثة عن احتفال السيد المسيح وتلاميذه بالفصح في يوم الخميس كان بتقويم استخدمه السيد، بينما قام مجمع السنهدرين وأتباعه بالاحتفال به يوم الجمعة، غير أنه لم يكن ممكنًا ذبح خروف الفصح إلاَّ يوم الجمعة بعد عرضه على الكهنة في يوم الفصح الرسمي.

ما يشغل ذهن الإنجيلي ليس موعد تأسيس الفصح المسيحي، وإن كان قد أورد أنه "قبل عيد الفصح"، وإنما انشغاله بالفصح الحقيقي، بذبح حمل الله الذي يحمل خطية العالم على الصليب. إنه فصح الدهور كلها، لا بل والفصح الذي يشغل السماء والسائيين، فقد أُشير إلى السيد المسيح كحملٍ في سفر الرؤيا ما يقرب من خمس عشرة مرة. رأى الإنجيلي "الخروف قائم في السماء كأنه مذبوح"، ورأى الكنيسة الممجدة في السماء "امرأة الخروف"، والحياة السماوية هي "عُرس الحمل" الذي جاء وامرأته هيأت نفسها (رؤ ١٩: ٧-٨). رأى الحمل هو قدس أقداس السماء أو الهيكل الأبدي وسراجها (رؤ ٢١).

الآن يحدثنا الإنجيلي يوحنا عن "غسل الأرجل" كخدمة حب وبذل. حدث هذا أثناء الإعداد لسرّ الإفخارستيا وليس أثناء تناوله. وقد كان من عادة اليهود غسل الأقدام قبل العشاء.

لم يذكر الإنجيلي يوحنا أحداث أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس من الأسبوع الأخير حيث أوردها الإنجيليون الثلاثة السابقون في شيءٍ من التفصيل، ولم يرد أن يتحدث عن تأسيس سرّ الإفخارستيا (مت ٢٦: ٢٦؛ مر ١٤: ٢٢؛ لو ٢٢: ١٩).

إذ هو العالم بكل شيء جاءت الساعة التي سمح فيها لعدو الخير أن يكون له سلطان أن يتحرك ويحرك أتباعه لمقاومة السيد، وكما قال: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو ٢٢ : ٥٣).

قوله "جاءت ساعته" لا تعني إتمام أمور محتمة لا سلطان له عليها، إنما هي ساعته التي تتحقق خلال سلطانه الإلهي لتحقيق خلاص العالم، دون أن يلزم الأشرار على ممارسة شرهم، إنما يحول شرهم للخير. إن كانت هناك حتمية لمجيء هذه الساعة، فهي حتمية حب الله الفائق الذي يطلب خلاص العالم. وبإعلانه عنها يكشف أنه جاء بإرادته من أجل هذه الساعة.

هنا يربط هذه الساعة بأمرين متكاملين، أو بأمرٍ واحد ذي وجهين، وهو انتقاله أو صعوده إلى الآب، وإعلان حبه اللانهائي لخاصته. وكأن صعوده إلى السماء ليس من أجله هو بل من أجل محبوبيه كي يتمتعوا بصعودهم أو لقائهم مع الآب.

هكذا يقبل السيد أحداث آلامه حتى الصلب بروح الحب الفائق. آلامه هي موضع سروره. "من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب، مستهينًا بالخزي، فجلس عن يمين عرش الله" (عب ١٢: ٢).

- يقول يوحنا البشير: "أما يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت"، فهو لم يعرف ذلك حينئذ فقط، لكنه عرفها قديمًا.

وفي قوله عن السيد المسيح: "لينتقل من هذا العالم إلى الآب"، يسمى البشير هنا بصوتٍ عظيمٍ موت السيد المسيح انتقالاً.

وقوله: "أحبهم إلى المنتهى" أن السيد المسيح لبث محبًا لهم حبًا دائمًا.

- ماذا يعني: أحبهم إلى المنتهى"؟ إنه كمن يقول: "يستمر يحبهم بلا انقطاع".

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لقد عبر (إلى الآب) لكي يطعمنا، فلنتبعه حتى نقتات.

- نتمتع في آلام الرب وقيامته بالعبور من هذه الحياة القابلة للموت إلى الحياة الأخرى الخالدة، أي من الموت إلى الحياة.

- الآن تحقق هذا الرمز النبوي في الحق، عندما اقتيد المسيح كحملٍ للذبح (إش ٥٣: ٧)، لكي بدمه الذي يُرش على قوائم قلوبنا العليا، برشم علامة صليبه على جباهنا، نخلص من الهلاك الذي ينتظر العالم، وذلك كإسرائيل وهو يخلص من عبودية المصريين ودمارهم (خر ١٢: ٢٣). والعبور الكلي التقدير الذي نمارسه بعبورنا من الشيطان إلى المسيح، ومن العالم غير المستقر إلى مملكته المؤسسة حسنًا. لذلك فإننا بالتأكيد نعبر إلى الله الدائم أبديًا...

يمجد الرسول الله من أجل هذه النعمة الممنوحة لنا، فيقول: "الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته" (١ كو ١: ١٣).

هذا الاسم "بصخة" كما قلت أنه في اللاتينية يدعى عبورًا... هكذا أنتم ترون هنا لنا بصخة وعبور. من أين وإلى أين يعبر؟ من هذا العالم إلى الآب.

لقد وُهب الرجاء للأعضاء في رأسهم، حتى أنهم دون شك يتبعونه وهو يعبر قدامهم.

وماذا عن غير المؤمنين الذين يقفون بعيدًا عن هذا الرأس وعن أعضائه؟ ألا يعبر هؤلاء أيضًا حيث أنهم لا يقطنون هنا أبديًا؟ واضح أنهم يعبرون، لكن يوجد فارق بين من يعبر من العالم ومن يعبر مع العالم. وبين من يعبر إلى الآب ومن يعبر إلى العدو. فإن المصريين أيضًا عبروا، لكنهم لم يعبروا من البحر إلى الملكوت، وإنما من البحر إلى الهلاك.

- "أحبهم إلى المنتهى" (١). هو نهايتنا، فيه نعبر... يُفهم ذلك بأن حبه ذاته هو الذي حمله إلى الموت.

القديس أغسطينوس

وقد ألقى الشيطان في قلب يهوذا سمعان الإسخريوطي أن يسلمه". (2)

كان السيد المسيح يعلن أن لحظات قتله قد اقتربت، وأن أحد تلاميذه يخونه، والآخر ينكره، والبقية تتركه... هذا كله في عينيه عطية الآب له ليقيم الخلاص.

في نفس اللحظات كان ما يشغل الشيطان هو أن يسيطر على قلب يهوذا ليحركه نحو خيانة سيده، ظانًا أنه قادر أن يطفئ النور الإلهي، ويفسد الحب السرمدي. لكن الله الكلي الصلاح يحول حتى شر إبليس لخيرنا.

ربما يتساءل البعض: ألم يكن قد ألقى الشيطان بفكر الخيانة على يهوذا حين تحرك قبلاً والتقى مع الفريسيين واتفق معهم على ذلك؟ يرى البعض أن عدو الخير ألقى ببذار الفكرة، وكان يرويها بمياه الطمع والخيانة، لكن الآن يدخل عدو الخير إلى قلب يهوذا كصاحب ومالكٍ مستقر في موضعه، وليس كمن يثير فكره، ويحاول إغواءه. حين نفتح الباب للشر يلقي العدو بذاره كضيفٍ يحاول بوسيلة أو أخرى أن يقتحم ما ليس له. وحين نقبل أفكاره، ونبدأ في التحرك، يدخل في جسارة ليقطن كمالكٍ، وكقائدٍ يحرك عجلة القيادة دون إمكانية للمقاومة من جهتنا. لهذا كل فكر فيه نتراخى عن مقاومته إنما يفتح باب قلوبنا وأفكارنا ليجد العدو نفسه صاحب الحق في الدخول والسيطرة.

- بقي سيده إلى اليوم الأخير مستمرًا في عطائه له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- في حالة يهوذا كُتب: "وقد ألقى الشيطان في قلب يهوذا الاسخريوطي بن سمعان أن يسلمه" (٢). لذلك يمكنكم القول عن كل الذين جُرحوا في القلب بواسطة الشيطان أن الشيطان قد ألقى في قلب هذا أن يرتكب الزنا، أو ذاك أن يرتكب الغش، وفلان أن يصير مولعًا بالشهرة... وهكذا بالنسبة للخطايا التي يلقيها الشيطان في القلب غير المسلح بدرع الإيمان الذي به يمكنه أن يطفئ ليس سهمًا أو اثنين بل كل سهام الشريرة الملتهبة نارًا (أف ٦: ١٦).

العلامة أوريجينوس

- "ألقى الشيطان في قلب يهوذا"... أي قدم اقتراحًا روحيًا، لم يدخل إليه خلال الأذنين بل خلال الأفكار، وبذلك لم يدخل بطريق جسداني بل روحي. فما ندعوه روحيًا لا يفهم دومًا بطريقة ممدوحة. فقد عرف الرسول أمورًا روحية للشر في السماويات التي يشهد أنه يلزمنا أن نجاهد ضدها (اف ٦: ١٢).

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 13 جـ2 PDF Print Email
"يسوع وهو عالم أن الآب قد دفع كل شيء إلى يديه،وأنه من عند الله خرج، إلى الله يمضي". (3)

- على حسب ظني دفع الآب هنا خلاص المؤمنين إلى السيد المسيح. فعندما يقول: "كل شيء قد دُفع إليَّ من أبي" (مت ١١: ٢٧)، يتحدث عن هذا النوع من الدفع. كما ذكر السيد المسيح نفسه في موضع آخر "كانوا لك، وأعطيتهم لي" (يو ١٧: ٦) وأيضًا: "لا يقدر أحد أن يُُقبل إليّ إن لم يجذبه الآب" (يو 6: 44). وأيضًا: "إن لم يكن قد أُعطي من السماء" (٣: ٢٧). فإن الإنجيلي يقصد هذا أو ذاك أن المسيح ليس بأقل (من الآب) بهذا العمل، حيث أنه جاء من عند الله وذهب إلى الله، ويملك كل شيء. فإذا سمعت دفع وسلم، فلا تظن ظنًا بشريًا، إنما بين إكرامه الآب وائتلافه معه، لأنه كما أن أباه دفع إليه، كذلك دفع هو إلى أبيه، وبين ذلك إذ قيل "ولكن كل واحدٍ في رتبته: المسيح باكورة، ثم الذين للمسيح في مجيئه. وبعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الآب" (1 كو 15: 23).

لكن يوحنا يقول هذا بطريقة بشرية مظهرًا عناية (المسيح) العظيمة بهم، ومعلنًا حبه غير المنطوق به، إذ يهتم بهم كما بنفسه، معلمًا إياهم أم كل صلاح، أي التواضع، إذ قال إنه بداية كل فضيلة ونهايتها.

ليس بلا سبب يقول: "من عند الله خرج، وإلى الله يمضى" (3)، وإنما لكي نتعلم أنه فعل ما يليق بذاك الذي جاء من هناك ويذهب إلى هناك، موطئًا بقدميه على كل كبرياء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إنه لم تدُفع إلى يديه بعض الأمور دون غيرها، بل "كل شيء" (٣). إذ كان داود أيضًا متطلعًا بالروح يقول عن هذا: "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك تحت قدميك" (مز ١١٠: ١). فإن أعداء يسوع أيضًا هم جزء من "كل شيء"، الذي عرفهم يسوع بسابق معرفته أنهم قد دُفعوا إليه من الآب. ولكن لكي ندرك بأكثر وضوح ما تعنيه العبارة: "الآب قد دفع كل شيء لديه" (٣)، لننتبه إلى العبارة: "وكما في آدم يموت الجميع، هكذا في الرب يحيا الجميع" (راجع ١ كو ١٥: ٢٢).

العلامة أوريجينوس

- إذ عرف الرب ما سيفعله من أجل أصدقائه وبصبرٍ استخدم أعداءه، بهذا دفع إليه الآب كل شيء في يديه، كل من الشرير ليستخدمه، والصالحين لأجل الهدف النهائي.

القديس أغسطينوس

"قام عن العشاء، وخلع ثيابه، وأخذ منشفة واتزر بها". (4)

لم يقم عن تناول العشاء، إنما ترك موضعه على المائدة بعد أن جلس الحاضرون ينتظرون العشاء. خلع السيد ثوبه الخارجي أو معطفه، واتزر بمنشفة ليأخذ شخصية خادم، ولكي يتهيأ ليجفف أرجلهم بعد غسلها.

كان غسل الأرجل يتم قبل البدء في تناول الطعام، وإذ كانت الشوارع والأزقة أغلبها ترابية، والأحذية عبارة عن "صنادل مفتوحة"، ولم تُعرف الجوارب في ذلك الحين، يمكننا أن ندرك كيف كانت الأقدام متسخة، وكيف تكون رائحتها، خاصة في الحرّ أو مع السير لمدة طويلة. لهذا كان غسل الأقدام من عمل العبيد أو أقل الحاضرين كرامة.

عندما أرسل داود النبي إلى أبيجايل يطلبها زوجة، في تواضع قامت وقالت له: "هوذا أمتك جارية لغسل أرجل عبيد سيدي" (١ صم ٢٥: ٤١). يرى البعض أن السيد المسيح بدأ بغسل قدمي يهوذا، لعل ضميره يؤنبه ويندم على ما بدأ يخططه.

مسيحنا الذي في تواضعه قال ليوحنا المعمدان: "اسمح الآن لأنه هكذا يليق أن نكمل كل برّ" (مت ٣: ١٥) يكشف عن برّ التواضع الذي له قبل تأسيس سرّ الافخارستيا. فمن منا يجسر ويقترب إلى السرّ ما لم أولاً تنحني نفسه مع سيده لينال كرامة مخلصه، فيقترب إلى التناول من جسد الرب ودمه المبذولين لأجله؟ مسكين من يقترب من هذا السرّ بقلبٍ متعجرفٍ أو نفسٍ متعالية دون انحناء لغسل أقدام حتى مقاوميه ومضطهديه.

- يفهم "حين كان العشاء" أن العشاء صار مُعدًا، موضوعًا على المائدة لكي يستخدمه الضيوف.

القديس أغسطينوس

- تعال أيها الرب يسوع، ولتخلع ثيابك، هذه التي لبستها من أجلي.

لتصر عاريًا لكي تكسوني برحمتك.

لتتزر من أجلنا بمنشفة، لكي تجعلنا نتزر بعطية الخلود.

لتسكب ماءً في مغسل، فلا تغسل أقدامنا فحسب بل ورأسنا، ليس فقط لأجسادنا بل ولخطوات نفوسنا. أود أن تنزع كل دنسٍ لضعفنا...

يا لعظمة سموك! كخادمٍ تغسل أقدام تلاميذك، وكإله ترسل ندى من السماء.

ليس فقط تغسل الأقدام، وإنما تدعونا أيضًا أن نجلس معك، وبمثال كرامتك تحثنا قائلاً: "أنتم تدعونني معلمًا وسيدًا، وحسنًا تقولون لأني أنا كذلك، فإن كنت أنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض" (١٣، ١٤).

إذن أود أنا نفسي أن أغسل أقدام اخوتي؛ أود أن أكمل وصية ربي، فإني لا أخجل من نفسي، ولا أستخف بما فعله ذاك أولاً.

سرّ عظيم وحسن لا يفهمه أحد!

القديس أمبروسيوس

"ثم صب ماء في مغسلٍ، وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ، ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرًا بها". (5)


انتظر السيد حتى اتكأ الجميع حول المائدة، وكانت العادة في تلك الأيام ألا يجلس الآكلون على كراسي حول المائدة، ربما يمكن للعبد أن يجلس على كرسي حين يأكل، أما الشخص الحرّ فيتكئ على ذراعه (الكوع) الأيسر ورأسه متجهة نحو المائدة والقدمين من الجانب الآخر.

كانت العادة أن يقوم أحد العبيد بغسل الأقدام، وإذ لم يوجد بينهم عبد ربما توقع الكل أن أقلهم سنًا أو مركزًا يقوم بهذا العمل، لكن السيد قام بنفسه بهذا الدور. وهو بهذا يرفع من كرامة العبيد، إذ هم يمارسون هذا العمل قسرًا بحكم وضعهم الاجتماعي، أما السيد فقام به بكامل حريته بمسرة، خلال تواضعه وحبه. هكذا لا يعود يأنف العبد من ممارسة أي عمل، يمارسه من أجل الرب، لا خوفًا من الناس. وكما يوصيهم القديس بولس: "أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوفٍ ورعدةٍ في بساطة قلوبكم كما للمسيح، لا بخدمة العين كمن يرضي الناس، بل كعبيد المسيح، عاملين مشيئة الله من القلب، خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس، عالمين أن مهما عمل كل واحدٍ للخير فذلك يناله من الرب، عبدًا كان أم حرًا" (أف ٦: ٥-٨).

يرى العلامة أوريجينوس أن السيد المسيح لم يغسل قدمي يهوذا، إذ ليس له نصيب معه بسبب إصراره على شره. بينما يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد بدأ بغسل قدمي يهوذا أولاً ليقدم له كل عمل محبة حتى اللحظات الأخيرة قبل قيامه بالخيانة، لعله يراجع نفسه ويتراجع عن شره.

- يبدو لي أنه غسل قدمي الخائن أولاً بقوله: "وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ" (٥).

- انظر كيف أظهر السيد المسيح طريق التواضع، ليس بغسل أقدامهم فقط، لكنه أوضحه بطبيعة أخرى إذ نهض بعد اتكائهم كلهم. ثم لم يغسل أرجلهم على بسيط الحال، لكنه غسلها بعد خلع ثيابه. ولم يقف عند هذا الحد، لكنه اتزر بإزار، ولم يكتفِ بهذا لكنه ملأ المغسل بنفسه، ولم يأمر آخر أن يملأه. مارس أعمال الغسل بنفسه كلها ليرينا أن نمارس أعمالنا لا في شكليات بل بكل نشاطنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لم يأخذ إبراهيم بنفسه ماءً، ولا قام بنفسه بغسل أقدامهم كغرباء جاءوا إليه، بل قال: "ليؤخذ ماء ويغسلوا أرجلكم" (راجع تك ١٨: ٤). كما لم يحضر يوسف ماءً ليغسل أقدام اخوته الإحدى عشر، إنما الرجل الذي على بيت يوسف أحضر إليهم شمعون وجاء بماء ليغسل أقدامهم (تك ٤٣: ٢٣-٢٤). أما ذاك الذي قال: "جئت ليس كمن يتكئ على مائدة بل كمن يخدم" (راجع لو ٢٢: ٢٧). وبحق يقول: "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب" (مت ١١: ٢٩)، هو بنفسه صب ماءً في مغسل. فإنه قد عرف أنه لا يستطيع أحد أن يغسل أرجل التلاميذ مثله بطريقة بها يكون لهم نصيب معه (٨).

- الماء في رأيي هو الكلمة الذي يغسل أقدام التلاميذ عندما جاءوا إلى المغسل وجلس يسوع أمامهم.

العلامة أوريجينوس

لم يقل الكتاب "غسل أرجل التلاميذ" بل قال: "ابتدأ يغسل أرجل التلاميذ" وكما يقول العلامة أوريجينوس بأنه قد بدأ ولم يتوقف عن الغسل، إذ كانوا في حاجة إلى غسلٍ مستمرٍ، حيث تدنسوا في ذات الليلة بعد الغسل: "كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة" (مت ٢٦: ٣١)، كما قال لبطرس: "لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات" (يو ١٣: ٣٨).

- ما العجب في أن يصب ماءً في مغسلٍ ليغسل أقدام تلاميذه ذاك الذي سكب دمه على الأرض لكي يغسل دنس خطاياهم؟

ما العجب في أنه مسح بالمنشفة التي اتزر بها الأقدام التي غسلها هذا الذي بجسده نفسه الذي التحف به أقام ممرًا ثابتًا لخطوات الإنجيليين الذين له؟

لكي يتزر بالمنشفة ألقى بثيابه التي كان يرتديها جانبًا، ولكنه حين أخلى ذاته (من مجد لاهوته) لكي يأخذ شكل العبد لم يلقِ بما هو لديه بل قبل ما هو ليس لديه قبلاً.

القديس أغسطينوس

"فجاء إلى سمعان بطرس، قال له ذاك: يا سيد أنت تغسل رجلي". (6)

واضح أن التلاميذ كانوا في حالة شبه ذهول أمام ما فعله السيد، فلم ينطق أحد بكلمة حتى جاء دور بطرس الرسول. كثيرًا ما رأى القديس بطرس سيده يتواضع لكنه لم يكن يتصور أنه يبلغ إلى هذه الدرجة أن يقوم بدور العبد الذي يغسل الأقدام.

- كأنه يقول: هل بهاتين اليدين اللتين بهما فتحت العيون وطهرت البرص وأنهضت أمواتًا، تغسل بهما رجلى؟! ولذلك لم يتضرع إليه بقول أكثر من قوله: "أنت تغسل رجلي" لأن هذا القول كان كافيًا وحده توضيح كافة ما في ذهنه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- واضح من قوله "فجاء إلى سمعان بطرس" أنه لم يبدأ غسل الأقدام به مما يؤكد أنه لم يكن في ذهن السيد المسيح أن يُوجد أحد رئيسًا على التلاميذ.

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 13 جـ3 PDF Print Email
"أجاب يسوع وقال له: لست تعلم أنت الآن ما أنا أصنع، ولكنك ستفهم فيما بعد". (7)

كأنه يقول له: "اسمح لي الآن أن أفعل ذلك، وسأوضح لك قريبًا طبيعة هذا العمل وغايته".

- ماذا يعني: "ستفهم فيما بعد"؟ متى؟ عندما تخرج شياطين باسمي، عندما تراني مرتفعًا إلى السماوات، عندما تعرف بالروح إني أجلس عن اليمين، عندئذٍ تفهم ما يحدث.

- معنى هذا انك ستعرف أي ربح عظيم تجنيه من هذا، ربح الدرس الذي تتعلمه كيف أن هذا يقودنا إلى كل تواضعٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بالنسبة لي غسل أقدامكم هو رمز لأساسات نفوسكم التي تتطهر، لكي تتجمل بالتبشير بالصالحات (رو ١٠: ١٥؛ إش ٥٢: ٧)، وتقتربون إلى نفوس البشر بأرجلكم الطاهرة. لكنكم الآن لا تعرفون هذا السرّ، إذ ليس لكم بعد المعرفة الخاصة به... عندئذٍ تفهمون هذا السرّ، وتستنيرون بمعرفة أمور ليست وضيعة ولا تافهة.

العلامة أوريجينوس

"قال له بطرس: لن تغسل رجلي أبدًا, أجابه يسوع: إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب". (8)

لم يكن ممكنًا لبطرس الرسول أن يرى سيده الذي له كل المهابة أن يحتل مركز عبدٍ ليمارس غسل الأقدام، لهذا اعترض على تصرف سيده. لم يكن يدرك الرسول ما يفعله سيده، أنه احتل مركز العبد خلال محبته الفائقة، حتى يسمح ليهوذا أن يبيعه كعبدٍ، ويسمح لعدو الخير أن يتمم خطته نحو الخلاص بالصليب.

كأنه يقول له: "لا يمكنك أن تكون لي تلميذًا ما لم أغسلك". فإنه ما لم تمتد يد السيد المسيح لتغسل النفس الداخلية لن يستطيع الإنسان أن يتمتع بالخلاص، ولا يتأهل أن يكون تلميذًا للمخلص. المؤمن في حاجة أن يغتسل في المعمودية خلال عمل روح الله القدوس (١ كو ٦: ١١؛ تي ٣: ٥-٦)، وأن يغتسل بالدم الثمين (١ يو ١: ٧). إننا نحتاج إلى غسل أقدام نفوسنا التي تتسخ خلال سيرها في هذا العالم، هذا العمل خاص بالسيد المسيح نفسه غافر الخطايا ومخلص النفس من الفساد. نتمتع به خلال سرّ التوبة والاعتراف، بدونه لن نقدر أن نشترك في التمتع بذبيحة المسيح (سرّ الافخارستيا).

ماذا يعني: "إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب"؟ هنا يشير السيد إلى أن عملية الغسل من اختصاصه، فلن يظهر إنسان طاهرًا في يوم الرب العظيم، وينال نصيبه، أي الشركة مع المسيح في المجد، بمجهوده الشخصي، وإنما بعمل المسيح نفسه غاسل نفوسنا من أدناس الخطية.

كثيرًا ما نعترض على تصرفات الرب بسبب عمانا الداخلي، وعدم استيعابنا لحكمته الإلهية وخطته نحونا.

- لم يدرك السرّ، لذلك رفض الخدمة، إذ ظن أن تواضع الخادم سيُصاب بضررٍ، وذلك إن سمح للرب أن يخدمه.

القديس أمبروسيوس

- واضح أنه وإن كان قد قال هذا للمعلم بنية صادقة وقورة، لكنه تكلم بما يضر نفسه. الآن الحياة مملوءة بأخطاء من هذا النوع، من أناسٍ يعتقدون بما يظنونه أنه الأفضل ولكن في جهالة يتكلمون أو يعملون أمورًا تقودهم إلى اتجاه مضاد.

- كما أن بطرس القائل: "لن تغسل رجلي أبدًا" مُنع من أن يستمر فيما زعمه حتى يكون له نصيب مع يسوع، هكذا أنتم يا من تخطئون بحكمٍ متسرع وتعدون بهذا وذاك في تهورٍ يكون الأفضل لكم أن تكفوا عن الاستمرار في قراركم الخاطئ وتفعلون هكذا أو ذاك بأكثر تعقل.

- إن لم نفعل هذا (تقديم أقدامنا للسيد المسيح لغسلها) لا يكون لنا نصيب معه، ولا تكون أقدامنا جميلة. هذا على وجه الخصوص أمر مهم، متطلعين إلى أننا غيورون لنوال المواهب الأعظم (١ كو ١٢: ٣١)، ونرغب أن ننضم إلى الذين يبشرون بالصالحات.

- أتجاسر فأقول، بما يتناغم مع العبارة: "إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب"، أنه لم يغسل قدمي يهوذا، لأنه قد وضع بالفعل في قلبه أن يخون معلمه وربه. لقد وجده الشيطان غير مرتدٍ سلاح الله الكامل، وليس له درع الإيمان الذي به يطفئ سهام الشريرة الملتهبة نارًا (أف ٦: ١٣-١٦).

العلامة أوريجينوس

"قال له سمعان بطرس: يا سيد ليس رجلي فقط، بل أيضًا يدي ورأسي". (9)

ربما شعر بطرس بالحاجة إلى غسل روحي كامل، لذلك اشتهى لا أن يغسل الرب قدميه بل أن يغسل كل كيانه. يرى البعض في طلب بطرس الرسول هنا نوع من التواضع، لكنه أيضًا حمل نوعًا من الكبرياء، إذ لم يقبل فكر المسيح، بل أراد أن يتمم فكره هو. أحيانًا نريد أن نقدم لله مشورتنا ليعمل حسب هوانا، حتى وإن كنا نطلب أمورًا روحية بإخلاص.

يقول العلامة أوريجينوس أن بطرس الرسول لم يكن في حاجة إلى غسل يديه، لأن رب المجد يسوع لا يطلب الحرف القاتل كغسل الأيدي عندما يأكلون خبزًا (مت ١٥: ٢). كما لم يكن في حاجة إلى غسل رأسه التي لم يرد يسوع أن تُغطى بعد إذ استقرت عليها صورة الله ومجده (١ كو ١١: -).

- كان بطرس الرسول شديد التسرع في استعفائه من غسل رجليه، وأشد تسرعًا من ذلك في طلبه غسل يديه ورأسه، وكلا الأمران كانا من حبه الخالص للسيد المسيح... لماذا لم يقل له أن يتمثل به بدلاً من تهديده؟ لأنه ما كان لبطرس أن يقتدي به. فلو قال له: "اسمح الآن، فإنني بهذا أحثك على التواضع"، لوعده بطرس ربوات المرات بذلك حتى لا يقوم سيده بهذا العمل. لقد نطق السيد بما يرعب بطرس ويخيفه، أن يصير منفصلاً عنه. فإنه هو الذي كان على الدوام يسأله: "أين تذهب؟" (٣٦). كما قال: "إني أضع حياتي من أجلك" (٣٧).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"قال له يسوع: الذي قد اغتسل ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه، بل هو طاهر كله، أنتم طاهرون، لكن ليس كلكم". (10)

كان من عادة اليهود أن يستحموا مرتين، لذلك أوضح السيد أن الغسل بمياه المعمودية لا يتم سوى مرة واحدة. أما غسل القدمين فيشير إلى دموع التوبة بكونها معمودية ثانية.

كان إحدى عشر منهم طاهرًا مع أنهم في تلك اللحظات الحاسمة تركوا السيد وهربوا (مر ١٤: ٥٠). دعاهم أطهارًا ولم يعاتبهم على ضعفهم، حتى حين قال: "تتركونني وحدي" لم يكن يهدف إلى عتابهم، إنما أراد أن يؤكد أنه يعالج ما يعاني منه الإنسان من الشعور بالعزلة في لحظات ضيقه، كما صرخ المرتل: "أبي وأمي قد تركاني". ولكن واحدًا منهم غير طاهر، لأنه جاء يحمل الخيانة في قلبه. لقد غسل السيد المسيح قدميه وهو يعلم بخيانته، ليؤكد ترفقه بالخطاة واشتياقه نحو تمتعهم بعطاياه.

ليس من أحد - في العهد القديم أو العهد الجديد - بلا خطية أو بلا عيب إلا السيد المسيح، حمل اللَّه الذي بلا عيب (1 بط 19:1)... لهذا يمكننا القول بأن من أراد أن يتمتع بالتطويب لزمه أن يحمل سمات سيده القدوس، أي أن يصير مقدسًا بالتصاقه بالرب، الذي وحده يقول: "أنتم طاهرون" (يو 10:13)، لأن دمـه يطهر من كل دنس (1 يو 7:1)، هو كفارة عن خطايانا (1 يو 2:2).

- الإحدى عشر الذين اغتسلوا وصاروا طاهرين، صاروا أكثر طهارة عندما غسل يسوع أقدامهم، أما يهوذا الذي صار بالفعل نجسًا - إذ قيل: من هو نجس فليتنجس بعد (رؤ ٢٢: ١١) - صار أكثر نجاسة وعدم طهارة عندما دخله الشيطان بعد اللقمة (يو ١٣: ٢٧).

العلامة أوريجينوس

- إن كانوا أطهارًا، فلماذا غسل أقدامهم؟ لكي نتعلم أن نكون متواضعين. فإنه لهذا جاء، ليس لأي عضو في الجسد، بل ما يُحسب أكثر احتقارًا عن بقية الأعضاء.

- إنه يأتي إلى أعضاء الجسد التي يظن أنها الأكثر كرامة. هل كان التلاميذ أطهارًا الذين لم يكونوا بعد قد خلصوا من خطاياهم، ولا نالوا الروح، حيث لازالت الخطية تسود... ولا قدمت الذبيحة؟ كيف إذن يدعوهم أطهارًا؟ لكي لا تظن أنهم أطهار وقد خلصوا من خطاياهم أضاف: "أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به" (راجع يو 15: 3) بمعنى "بهذه الكيفية أنتم أنقياء؛ لقد قبلتم النور، لقد تخلصتم من خطأ يهوذا"... هؤلاء قد طردوا كل شر من نفوسهم واصطحبوه بذهنٍ خالصٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- "الذي عنده يُعطى ويزداد" (مت ٢٥: ٢٩). وحيث كان التلاميذ طاهرين أضاف يسوع إلى طهارتهم غسل أقدامهم. إنه لا يود أن يغسل الذين لم يغتسلوا، ولا الذين لم يكونوا طاهرين كلهم. وإنما يتحدث عن الذين هم طاهرين بهذه الطريقة، فإنه إن وُجد بين بني البشر من هو كامل إن لم يتمتع بالغسل الذي من يسوع فلا يحسب طاهرًا...

- لقد غسل أرجلهم لأنهم طاهرون حسبما هم بشر، ولكن ليس حسب الله، فإنه بدون يسوع لا يكون أحد طاهرًا عند الله حتى وإن سبق فظن أنه قد اغتسل باجتهادٍ معين.

- الروح القدس وقوة العلي يمكن أن يقطنا في أولئك الذين قد صاروا بالفعل طاهرين كما عند الناس، وكأنهم ثوب وقد اغتسلوا خلال عماد يسوع، واغتسلت أرجلهم بواسطته.

- إن كان قد جعل أرجل تلاميذه جميلة بغسلها، فماذا نقول عن الجمال الحقيقي الذي يظهر في كل الذين يعتمدون بالروح القدس ونار بواسطة يسوع (مت ٣ : ١١)؟

- الآن صارت أقدام الذين يكرزون بالأخبار الصالحة جميلة، حتى انهم إذ اغتسلوا وتطهروا ومسحوا بيدي يسوع صاروا قادرين على السير في الطريق المقدس، والعبور إلى ذاك القائل: "أنا هو الطريق" (يو ١٤: ٦). فإنه هو وحده، وكل من غُسلت قدماه بيسوع يرحل في هذا الطريق الذي هو حي، ويُحضر إلى الآب. هذا الطريق لن يضم قدمًا دنسًا وغير طاهر. لهذا خلع موسى نعليه من قدميه حيث كان المكان القادم إليه والذي يقف عليه أرضًا مقدسة (خر ٣: ٥). نفس الأمر بالنسبة ليشوع بن نون (يش ٥: ١٥).

- أما بالنسبة لتلاميذ يسوع فلكي يسيروا في الطريق الحي المفعم بالنشاط، لا يكفيهم أن يكونوا بلا أحذية في رحلتهم كما أمر يسوع تلاميذه (مت ١٠: ١٠)، بل بالحقيقة يلزم أن تغتسل أقدامهم بواسطة يسوع عندما يضع ثيابه جانبًا. ربما من جانبٍ يجعل أقدامهم الطاهرة أكثر طهرًا. ومن الجانب الآخر ربما لكي يحمل الدنس الذي في أقدام تلاميذه في جسده بواسطة المئزرة التي اتزر بها وحده (يو ١٣: ٤)، إذ هو وحده يحمل ضعفاتنا (مت ٨: ١٧؛ إش ٥٣: ٤).

- لاحظوا أنه إذ أراد أن يغسل أقدام التلاميذ لم يختر وقتا آخر سوى عندما دخل الشيطان في قلب يهوذا الاسخريوطي بن سمعان ليسلمه (يو ١٣: ٢) عند تحقيق التدبير (الآلام) من أجل البشر. فإنه قبل هذا لم يكن الوقت مناسبًا ليسوع أن يغسل أقدام التلاميذ، فإن من يود أن يغسل أقدامهم في الفترة الفاصلة حتى وقت الآلام؟ لم يكن الوقت مناسبًا... صار الوقت مناسبًا بعد تحقيق التدبير (الآلام)، فإنها ساعة الروح القدس الذي افتقد التلاميذ الذين صاروا طاهرين وقد غُسلت أقدامهم، ففي ذلك الوقت أُعدت أقدامهم وصارت جميلة لكي تبشر بالصالحات بالروح (رو ١٠: ١٥؛ إش ٥٢: ٧).

العلامة أوريجينوس

- ماذا تظنون في هذا يا اخوتي؟ إلاَّ أنه في المعمودية المقدسة يغتسل الإنسان بكليته، كل ذرة فيه. ومع هذا فإنه إذ يعيش في هذه الحياة البشرية لن يتوقف عن السير على الأرض بقدميه. هكذا فإن مشاعرنا البشرية ذاتها، التي لن تنفصل عن حياتنا المائتة على الأرض، تشبه القدمين اللتين بهما نصير في تلاقٍ ملموس بالأعمال البشرية، وهكذا يمكننا القول أننا إن قلنا أننا بلا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا (١ يو 1: ٨).

ففي كل يوم ذاك الذي يشفع فينا (رو ٨: ٣٤) يغسل أقدامنا، فإننا في حاجة إلى غسلٍ يوميٍ لأقدامنا، أي تدبير طريق خطواتنا باستقامة. نعرف ذلك في الصلاة الربانية حيث نقول: "اغفر لنا ما علينا، كما نغفر من عليهم"، وكما هو مكتوب: "إن اعترفنا بخطايانا"، فإنه بالحقيقة ذاك الذي غسل أقدام تلاميذه "هو أمين وعادل أن يغفر لنا خطايانا، ويطهرنا من كل إثم" (١ يو ١ : ٩)، بمعنى يغسل أقدامنا التي نسير بها على الأرض.

- الكنيسة وهي في طريقها إلى المسيح قد تكون خائفة من تدنيس قدميها التي غسلتهما في مياه المعمودية.

القديس أغسطينوس



السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 13 جـ4 PDF Print Email

"لأنه عرف مسلمه،لذلك قال: لستم كلكم طاهرين". (11)

- فإن استخبرت: إن كان التلاميذ طاهرين فلِمَ غسل السيد المسيح أرجلهم؟ فأجيبك: إنما فعل ذلك ليعلمنا أن نتواضع.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فلما كان قد غسل أرجلهم، وأخذ ثيابه واتكأ أيضًا قال لهم: أتفهمون ما قد صنعت بكم؟" (12)

لقد خلع السيد المسيح ثيابه ليغسل أقدام تلاميذه، وإذ تمم مهمته ارتداها ثانية واتكأ. وإذ تشير الثياب إلى الجسد، فقد حمل هذا التصرف رمزًا بإرادته وقيامته بسلطانه الشخصي.

الآن يحقق السيد المسيح لبطرس الرسول ما وعده به وهو أن يشرح له ما وراء هذا التصرف من معنى. إنه يقدم لهم وصية في شكل سؤال.

- قول السيد المسيح لتلاميذه: "أتفهمون ما قد صنعت بكم؟" لا يوجه خطابه هذا إلى بطرس فقط لكنه يخاطب جماعتهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أنتم تدعونني معلمًا وسيدًا، وحسنًا تقولون، لأني أنا كذلك". (13)

هذا اللقب المزدوج "معلم وسيد" يقابل "رابي rabbi وسيد lord"، كان شائعًا بين معلمي اليهود المعتمدين.

- غسل الجالس على الشاروبيم أرجل تلاميذه، وأنت يا إنسان أرضي، رماد وغبار وتراب، أتتعالى وتترفع ترفعًا عظيمًا؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم،فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض". (14)

- عندما ينحني عند قدمي أخيه، فإن الشعور بالتواضع يستيقظ في القلب أو يتقوى إن كان بالفعل موجودًا.

- ليغفر كل واحد لأخيه أخطاءه ويصلي من أجل أخطاء الآخر، بهذا يغسل الواحد قدمي الآخر.

القديس أغسطينوس

"لأني أعطيتكم مثالاً،حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا". (15)

- إلاَّ أنه ليس الأمر متشابه، لأنه هو الرب والسيد وأما أنتم فعبيد رفقاء لبعضكم البعض. ماذا إذن يعني "حتى كما" أي بذات الغيرة. لهذا فقد قدم أمثلة لأعمال عظيمة لعلنا نتمم ما هو أقل. هكذا يقوم المعلمون في المدارس بكتابة الحروف للأطفال بطريقة جميلة جدًا حتى يقلدهم الأطفال وإن كان بطريقة أقل.. أين إذن أولئك الذين ينشقون عن زملائهم؟ أين هم أولئك الذين يطلبون كرامات؟ لقد غسل المسيح قدمي الخائن المدنس للمقدسات، اللص، والذي اقترب جدًا لوقت الخيانة، حالته لا يُرجى منها الشفاء، ومع ذلك جعله شريكًا معه على المائدة، فهل تتكبرون وتتغامزون؟ يقول قائل: "لنغسل أقدام بعضنا البعض". هل هو أمر عظيم أن نغسل أقدام خدامنا؟ بالنسبة لنا "عبد" و"حر" كلمتان مختلفتان، لكن توجد حقيقة واقعية. فإنه بحسب الطبيعة هو الرب ونحن خدم، ومع ذلك لم يرفض أن يفعل ذلك... لقد جعلنا الله مدينين لبعضنا البعض، إذ قام هو أولاً بالعمل، فجعلنا مدينين بممارسة ما هو أقل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"الحق الحق أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده، ولا رسول أعظم من مرسله". (16)

لاحظ العلامة أوريجينوس أن هذه العادة الخاصة بغسل أقدام الآخرين سائدة بين البسطاء والسذج، مطالبًا المؤمنين بممارستها، سواء كانوا أساقفة أو كهنة أو أصحاب مراكز في العالم. هذا وكما نحن في حاجة إلى غسل أقدام الآخرين يلزمنا أن نقبل غسل أرجلنا من الآخرين.

- غسل يسوع أقدام التلاميذ بكونه معملهم، وأقدام الخدم بكونه سيدهم. فإن تراب الأرض الصادر عن العالم يُنظَف بالتعليم، حيث لا يبلغ الأجزاء الدنيا المتطرفة في التلاميذ. لكن الأمور التي تدنس الأقدام تنزع بربوبية (سيادة) الحاكم، إذ له سلطان على الذين لا يزالوا يتقبلون دنسًا عامًا، إذ هم لا يزالون يحملون روح العبودية (رو ٨: ١٥).

- بخصوص المخلص وهو الرب (السيد) يمكن أن ترى فيه أمرًا يفوق السادة الآخرين الذين لا يرغبون في العبد أن يكون كسيده.

العلامة أوريجينوس

- ذات الحب الذي للآب هو أيضًا للابن... وأي حب للابن سوى أنه بذل ذاته من أجلنا، وخلصنا بدمه (أف 2:5)... فالآب بذل الابن، والابن بذل ذاته... إنه بذل ذاك الذي يريد ذلك، بذل من قدم ذاته للبذل. فالآب لم يبذل الابن كعقوبة بل كنعمة.

القديس أمبروسيوس

- قال هذا لأنه غسل أقدام التلاميذ بالكلمة والمثال كسيد للتواضع. لكن يمكننا بعونه أن نمارس ما يحتاج إلى ممارسة دقيقة جدًا، إن كنا لا نتباطأ فيما هو واضح بكمالٍ.

القديس أغسطينوس

- كونوا متمثلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح (١ كو ١١: ١). من أجل هذا أخذ جسدًا من جبلتنا حتى يعلمنا به الفضيلة. إذ أرسل الله ابنه في شبه جسدنا الخاطيء حتى تُدان الخطية في جسد الخطية (رو ١٨: ٣). كذلك يقول المسيح نفسه: "تعلموا مني، فإني وديع ومتواضع القلب" (مت ١١: ٢٩). هذا علمنا إياه لا بالكلمات وحدها وإنما بالأعمال أيضًا.

لقد دعوه سامريًا وبه شيطان ومخادعًا كما ألقوه بالحجارة، وأرسل إليه الفريسيون خدامًا ليمسكوه، ومرة أخرى لكي يجربوه، وكانوا يشتمونه، وإذ لم يجدوا فيه خطأ كان يقدم لهم خبزًا بالكلمات كما بالأعمال...

لنتطلع إلى ما يفعله الآن مع التلاميذ، وأية أعمال يظهرها نحو الخائن. لقد اختاره تلميذًا، وأشركه في المائدة والملح (الذي يمنع الفساد)، ورأى معجزات تستحق كل تقدير، ومع هذا صنع معه أمرًا أخطر من كل شيء، ليس برجمه أو سبه وإنما بالخيانة، ومع استحقاقه الكراهية عامله السيد بصداقة وغسل قدميه، إذ أراد بهذا أن يمنعه من الشر.

كان في سلطانه - لو أراد - أن يجعله يابسًا كشجرة التين، وأن يشقه إلى نصفين كما تشققت الصخور، وأن يمزقه كما انشق الحجاب، لكنه لم يرد أن يمنعه عن تحقيق خطته قهرًا إنما اختيارًا. لذلك غسل قدميه، ومع هذا لم يخجل هذا الشرير البائس.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه". (17)

يتحقق التطويب الحقيقي خلال معرفة الله العملية بالطاعة له. فالإنسان لا يتمتع بالطوبى لأجل معرفته الكثيرة، وإنما خلال تمتعه بشركة الطبيعة الإلهية، حيث تتحول المعرفة إلى خبرة عمل.

- غسل الأقدام هو من تخصص السيد المسيح الذي يغسل أعماق النفس ويغفر الخطايا. فمن بالحب والتواضع يغفر لمن يخطئ إليه إنما يشترك في إحدى سمات المسيح العظمى، ويُحسب متمتعًا بالحياة الجديدة المطوبة في المسيح يسوع. قول السيد: "طوباكم" إنما يكشف عن المجد السماوي والحياة السماوية التي نختبرها بممارستنا لهذا العمل.

العلامة أوريجينوس

- "أن تعلموا" (تعرفوا) فهذا يخص الكل، أما "أن تعملوا" فهذا ليس للكل. لهذا يقول: "طوباكم إن عملتموه". ولهذا السبب أقول دومًا وأكرر نفس الشيء مع أنكم تعرفونه، حتى أضعكم في موضع العمل. فإنه حتى اليهود "يعرفون" لكنهم ليسوا مطوبين، لأنهم لا يعملون ما يعرفون.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. حديثه عن مسلمه

"لست أقول عن جميعكم، أنا أعلم الذين اخترتهم، لكن ليتم الكتاب: الذي يأكل معي الخبز رفع علي عقبه". (18)

يكشف السيد المسيح عن خطة يهوذا في خيانة سيده. يعرفها السيد منذ البداية، لكنه ستر عليه حتى تلك اللحظات عندما بدأ في خطوات عملية جادة، والآن يكشفها لتلاميذه الذين لم يتخيلوا إمكانية حدوثها بينهم. ويلاحظ هنا في حديثه أنه لم يعمم الخطأ؛ بل يمتدح البقية كأوانٍ طاهرة مخلصة. وفي نفس الوقت لم يورد تفاصيل الجريمة ولا أفصح عن اسم مرتكبها، إنما أكد أن ما يحدث سبق فأعلنه الكتاب المقدس (مز ٤١: ٩).

لم يتحدث السيد المسيح عن دافع يهوذا لهذا العمل، حقًا لقد سبق فعلق الإنجيلي عليه عندما انتقد سكب مريم أخت لعازر الطيب على قدمي السيد: "قال هذا ليس لأنه كان يبالي بالفقراء، بل لأنه كان سارقًا، وكان الصندوق عنده، وكان يحمل ما يُلقى فيه" (١٢: ٦). أما في أمر خيانة السيد فقد أورد الإنجيليون الحقائق، وما اتفق عليه من ثمن للخيانة، وكيف رد المبلغ بعد تسليمه في يأسٍ، دون تعليق عن أعماق دوافعه. إنما قام الدارسون فيما بعد بوضع توقعاتهم وتحليلاتهم بخصوص هذا التصرف، ولم يحاول أي إنجيلي أن يقدم عرضًا كاملاً لدوافع هذا الخائن.

تحدث يوحنا الإنجيلي عن عمل الخيانة مباشرة بعد غسل السيد لأقدام التلاميذ، ليكشف عن شوق الكلمة الإلهي المتجسد للقيام بأقل الأعمال في تواضع حقيقي وبذل من أجل الجميع. حتى وإن وجد من بينهم من يخطط ضده بشرٍ عظيمٍ؛ يعمل لحساب الجميع. أما العمل المضاد فمارسه يهوذا بطريقته الخاصة في اعتدادٍ بفكره وتدبيره لحساب نفسه وهو لا يدري أنه يدمر نفسه.

يقودنا مسيحنا - الطريق الحقيقي - لندخل فيه ونعمل بروح الخضوع والتواضع في حب صادق مع وجود من يقيمنا ومن يطلب تدميرنا.

أخيرًا يؤكد السيد أنه يعلم الذين اختارهم، ولم يجهل شخصية يهوذا حين اختاره، لكن كل الأمور تسير بسماحٍ منه، فليس شر يهوذا هو سيد الموقف بل حب المسيح هو السيد، الذي يحول من الشر جزءً لتتميم خطته الإلهية لخلاص البشر. هذا يهبنا طمأنينة كاملة، أنه يوجد محب البشر، ضابط الكل يحول كل الأحداث لحسابنا، حتى مقاومة الأشرار لنا.

- ربما إذ يعرف الرب الذين هم له (٢ تي ٢: ١٩؛ عد ١٦: ٥)، لا يعرف الذين ليسوا له. وكما يقول عن البعض: "إني لم أعرفكم قط" (مت ٧: ٢٣)، لهذا يقول أيضًا عن يهوذا الذي ليس له: "إني لا أعرفك قط". لكن لو أن يهوذا كان للمسيح ثم سقط، كان يُمكن أن يُقال له: "لست أعرف من أين أنت" (راجع لو ١٣: ٢٧)... لهذا السبب لم يقل: "أنا أعلم جميعكم"، بل "أنا أعلم الذين اخترتهم".

- رفع يهوذا عقبه ضد المعلم عندما دخله الشيطان بعد اللقمة (٢٧).

العلامة أوريجينوس

- لم يقل السيد المسيح: "من يأكل الخبز معي يسلمني"، لكنه قال: "الذي يأكل معي الخبز رفع على عقبه"، مريدًا أن يبين طبيعة اغتياله الغاشة المستورة.

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 13 جـ5 PDF Print Email
"أقول لكم الآن قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون إني أنا هو". (19)

إنه يؤكد للتلاميذ حضوره في كل مكان، وعلمه بكل شيءٍ، فإذ يخبرهم مقدمًا عن موته والظروف المحيطة به يؤمنون بالأكثر أنه المسيا، ينمو إيمانهم به بكونه الإله العارف بكل شيء، ومخلص العالم الذي ترقبه الآباء والأنبياء.

- في الواقع اقترب الرسل مرة نحو الرب وقالوا له: "يا رب زد إيماننا" (راجع لو ١٧: ٥). لم يدينوا أنفسهم كمن هم غير مؤمنين، فإن كلمة "زد" تظهر أنه كان لهم الإيمان الذي يُمكن يزداد... ويمكن فهم الكلمة "تؤمنون" (١٩) بما يعادل: "لكي تزدادوا في الإيمان".

العلامة أوريجينوس

"الحق الحق أقول لكم الذي يقبل من أرسله يقبلني، والذي يقبلني يقبل الذي أرسلني". (20)

يؤكد السيد لتلاميذه أنه مع وجود جاحدين وخائنين له يوجد أيضًا مؤمنون يقبلونه، ويُحسبون أنهم قبلوا الآب أيضًا.

- ما علاقة هذا بما قيل قبلاً: "طوباكم إن عملتموه" (١٧) حتى يضيف: "إنه يقبلكم"؟ إنه توجد علاقة قوية وتناغم قوي، فإنهم لما توقعوا أن يخرجوا إلى العالم، وأن يقاسوا شدائد كثيرة، عزاهم بأسلوبين من العزاء، الأول أوضحه لهم إذ قال: "إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه" (17). والثاني بقوله: "الذي يقبل من أرسله يقبلني"، لأنه فتح لهم بيوت جميع الذين جاءوا عندهم حتى ينالوا تعزية مضاعفة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- من يقبل من أرسله يسوع إنما يقبل يسوع الذي أرسله، ومن يقبل يسوع يقبل الآب. لذلك فمن يقبل من أرسله يسوع إنما يقبل الآب الذي أرسل يسوع.

- يمكن أيضًا على أساس هذه الكلمات أن نقبل ما هو مضاد. فمن يقبل من يرسلهم ابن الهلاك إنما يقبل ضد المسيح، ومن يقبل ابن الهلاك إذ هو يقبل ضد المسيح بكونه الكلمة التي تبدو كأنها صادقة وباطلاً تعلن أنها العدل، إنما يقبل ابن الهلاك نفسه. لنحذر إذن كصرافين صالحين، فنصّدق على خدمة الرسل الحقيقيين، ونرفض خدمة الرسل الكذبة.

العلامة أوريجينوس

لاحظ العلامة أوريجينوس أن السيد المسيح قال: "من يقبلكم" ولم يقل: "من يؤمن بكم يؤمن بي" ولا "من يراكم يراني" [إنه يريدنا أن نقبل رسله، ولكن لا يطلب منا أن نؤمن بهم أيضًا].

"لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح، وشهد وقال: الحق الحق أقول لكم إن واحدًا منكم سيسلمني". (21)

اعتاد السيد المسيح أن يتحدث عن آلامه وموته دون أن يضطرب، لكنه إذ يشير إلى خيانة تلميذه قيل: "اضطرب بالروح"، فإن خطايا المؤمنين تحزن قلب السيد المسيح الأبوي. وكما تكلم الرب قديمًا وقال: "ربيت بنين ونشأتهم، أما هم فعصوا عليّ" (إش ١: ٢). كما قيل: "في ضيقهم تضايقت... لكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه" (إش ٦٣: ٩، ١٠).

اضطرب يسوع "في الروح in spirit" (٢١)، إي في روحه البشرية، إذ صار بالحق إنسانًا كاملاً، روحه تضطرب من أجل خيانة تلميذه له. ليس اضطراب الخوف من الموت أو عن جهل لما سيحدث، إنما اضطراب من أجل التلميذ الذي يتجاسر فيخون سيده وربه.

- الذي يخونني ليس غريبًا عن تلاميذي، وهو ليس واحد من تلاميذٍ كثيرين، بل واحد من الرسل الذين نالوا كرامة اختياري لهم.

يوجد كثيرون دانوا المسيح قائلين: "أصلبه، أصلبه" (لو ٢٣: ٢١)... أما خيانته فهي عمل واحد قد رآه وتعرَّف عليه. فإذ تعرَّف عليه كمعلمٍ يقدم تعاليم كثيرة وعظيمة، سمعها في جلسات خاصة مع الرسل، وإذ عرفه أنه الرب، فعندما خانه خان عظمته التي يعرفها، الأمر الذي لا يقدر من يرَ عظمته أن يمارسه...

عندما تعلم كم هو عظيم، وصار مستمعًا لعظمة الكلمة والعقل والنعمة التي فيه، عندئذ خانه، خان عظمته بقدر ما تعرف عليها. لهذا السبب كان خير له لو لم يولد (مت ٢٦: ٢٤؛ مر ١٤: ٢١)، سواء كان الميلاد يفهم على أنه التجديد (الميلاد الثاني) كما يفهمه الإنسان بمفهومٍ عميق، أو الميلاد بالمفهوم العام.

- لو أن شر يهوذا كان واضحًا لتلاميذ يسوع لعرفوا من الذي يخون المعلم عندما قال: "إن واحدًا منكم سيسلمني"، لكن تطلع التلاميذ "بعضهم إلى بعض وهم محتارون في من قال عنه" (22).

بالحقيقة ربما خجل الرسل من أن يتشككوا بالشر في يهوذا من أجل أعماله السابقة النبيلة. ربما لم يكن يهوذا منتميًا بالكامل للشر، حتى بعد أن دخل الشيطان في قلبه... إذ وُجدت فيه بقية من الاختيار الصالح.

عندما رأى يسوع يُدان، عندما قيدوه وسلموه للحاكم بيلاطس (مت ٢٧: ٢) ندم ورد الثلاثين من الفضة لرئيس الكهنة والشيوخ قائلاً: أخطأت إذ سلمت دمًا بريئًا" (مت ٢٧: ٤)... يهوذا الذي أحب المال ألقى بالمال ومضى وشنق نفسه (مت ٢٧: ٥). لم ينتظر حتى ليرى نهاية دينونة يسوع أمام بيلاطس.

العلامة أوريجينوس

لقد شهد المرتل أنه لم يكن يهوذا يحمل عداوة ضد المسيح (مز ٥٥: ١٣)، بل وحتى بعد تسليمه للمخلص مدح المعلم قائلاً أنه أخطأ إذ سلم دمًا بريئًا، معترفًا بذلك أمام رؤساء الكهنة والشيوخ، بجانب إلقائه بالمال على الأرض دون الاستمتاع به. كل هذه اللمسات الجميلة تكشف أنه كان يمكنه أن يقدم توبة مقتربًا نحو المخلص، لكنه للأسف فتح قلبه للشيطان للمرة الثانية لينتحر فاقدًا الرجاء في الله مخلص البشرية.

يتساءل القديس أغسطينوس لماذا اضطرب يسوع بالروح وقال: "الحق الحق أقول لكم إن واحدًا منكم سيسلمني"؟ هل لم يعرف هذا من قبل حتى يضطرب بالروح؟ ألم يقل منذ قليل: "الذي يأكل معي الخبز رفع على عقبه" (١٥)؟ أم هل اضطرب بالروح لأنه حان وقت التنفيذ للخيانة عمليًا؟ اضطرب بالروح ذاك الذي له سلطان أن يضع نفسه وأن يأخذها (يو ١٠: ١٨). لقد اضطرب ذاك القوي القدير، الثابت كالصخر، لكن ما اضطرب هو ضعف طبيعتنا التي قبلها بإرادته فيه.

يكمل القديس قائلاً: [بالتأكيد الأمر هكذا: ليت العبيد لا يعتقدون بشيء غير لائق بربهم، بل يدركون عضويتهم في رأسهم. الذي مات لأجلنا هو أيضًا اضطرب، لأنه احتل موضعنا. ذاك الذي مات في قوة، اضطرب وسط قوته. ذاك الذي سيحول جسد تواضعنا إلى شبه شكل جسد مجده قد حول أيضًا في نفسه مشاعر ضعفنا وتعاطفه معنا إلى مشاعر نفسه. تبعًا لهذا حين اضطرب ذاك العظيم والشجاع والراسخ الذي لا يُقهر، لا نخف عليه كمن يمكن أن يسقط، إنه لا يهلك بل يبحث عنا!... ففي اضطرابه نرى أنفسنا، وهكذا إذ يلحق الاضطراب بنا لن نيأس ولا نهلك. باضطراب ذاك الذي ما كان يمكن أن يضطرب بغير إرادته يهبنا راحة نحن الذين نضطرب بغير إرادتنا].

- إذ بقوته أخذ كمال ناسوتنا، بذات القوة أيقظ في نفسه المشاعر البشرية عندما حكم عليها بطريقة لائقة.

القديس أغسطينوس

يقول القديس أغسطينوس أن بقوله: "إن واحدًا منكم" (٢١) لم يقصد وحدتهم حسب الروح بل حسب الجسد، لأنه لم يكن بالحقيقة منهم، وكما يقول القديس يوحنا: "منا خرجوا، لكنهم لم يكونوا منا، لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا ليظهروا أنهم ليسوا جميعهم منا" (١ يو ٢: ١٩).

"فكان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض، وهم محتارون في من قال عنه". (22)

واضح أن تصرفات يهوذا لم تحمل أدنى نوع من الشكوك، إذ لم يشك أحد قط فيه.

إذ سمعوا هذا التحذير، وهم يعلمون أن معلمهم لن يخدعهم، ولا ينطق بفكاهة تطلع كل واحد نحو الآخر، وكانوا يتساءلون في صمت: تُري من يكون هذا؟ نظراتهم كشفت عن اضطرابهم الداخلي.

عندما بكى داود ابنه المتمرد بكى كل تابعيه (٢ صم ١٥: ٣٠)، وهكذا إذ اضطرب يسوع حزنًا على مسلمه اضطرب معه تلاميذه. اضطراب روح واهب السلام والفرح ملأهم رعبًا. تحول العيد من الفرح إلى اضطراب ورعب.

"وكان متكئًا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه". (23)

كان اليهود في ذلك الحين عند العشاء يجلسون بميل وهم متكئون على ذراعهم الأيسر فوق وسادة حول المائدة، كما كان اليونانيون والرومانيون يفعلون. على كل وسادة يتكئ آخر على ذات الوسادة. فكان يوحنا بسبب دالته يجلس بجوار السيد وتكون رأسه في حضن سيده.

"فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه". (24)

كان القديس يوحنا هو أنسب شخص يمكن أن يسأل السيد المسيح، إذ كانت له دالة خاصة، وقد جلس بجوار سيده واتكأ في حضنه. كان بطرس في غيرته يود أن يعرف التلميذ مسلم سيده، لكنه لم يتجاسر أن يسأله بل أومأ إلى يوحنا ليسأله.

- شوهد بطرس الرسول في كل موضع ناهضًا من زيادة شوقه للسيد المسيح، إلا أنه يظهر هنا مرتاعًا، فلم يصمت ولم يتكلم، لكنه أراد أن يعرف ذلك بوساطة يوحنا الرسول.

القديس يوحنا الذهبي الفم
 
"فاتكا ذاك على صدر يسوع وقال له: يا سيد من هو؟" (25)

مع الدالة الشديدة التي ليوحنا حتى اتكأ في حضن يسوع لكنه يتكلم بكل وقار: "يا سيد". دالتنا على مخلصنا لا تنزع عنا حديثنا معه بكل احترامٍ ووقارٍ.

كان القديس يوحنا متكئًا في حضن يسوع (٢٣)، وإذ أراد أن يسأله عمن سيسلمه ارتفع برأسه ليتكئ على صدر يسوع، ويرى العلامة أوريجينوس أن العمل أعظم وأسمى من الاتكاء في الحضن.

- أعطاهم معلمهم دالة هذه مقدارها، فإن ابتغيت أن تعرف علة ذلك فمن الحب كان فعله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إن يوحنا الحبيب الذي اتكأ على صدر الرب أحب ثديي الكلمة (يو 25:13)؛ وإذ وضع قلبه بقرب منبع الحياة تمتع بامتصاص الأسرار الخفية التي في قلب الرب كما يمتص الإسفنج.

يعطينا يوحنا الثدي الغنى بالكلمة، فنمتلئ من الصلاح الذي أخذه يوحنا من منبع الصلاح، معلنًا عن الكلمة الأبدي. لذلك يحق لنا الآن أن نقول: "نذكر حبك أكثر من الخمر" إذا ما صرنا كالعذارى، ولم نعد أطفالاً في أذهاننا تحت نير نوع من التفاهة الطفولية، وإذ لم نتدنس بعد بالخطية فندنو من الموت في كهولتنا. لذلك دعنا نحب فيض التعليم الإلهي لأنهم "بالحق يحبونك" (نش 4:1). هذا هو التلميذ الذي كان يسوع يحبه، والمسيح هو الحق. ينسب النص هنا للمسيح اسمًا أكثر جمالاً وملاءمة للرب أفضل من داود النبي الذي قال : "أن الرب مستقيم" (مز 15:9). يسمى الرب بالحق في هذا النص. لأنه يجعل المعوج مستقيمًا. ليصير كل المعوج مستقيمًا والعراقيب سهلاً (إش 4:40) بنعمة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد دائمًا أبديًا. آمين.

القديس غريغوريوس النيسي

- هؤلاء الذين كانوا يهودًا بالميلاد لم يستطيعوا بالإنجيل أن يستردّوا البتولية التي فقدوها في اليهودية. ومع ذلك فإن يوحنا، واحدًا من التلاميذ، يُروي عنه أنه كان أصغر الرسل، وكان بتولاً عندما تقبل المسيحية، بقي بتولاً، وعلى هذا الأساس كان محبوبًا بالأكثر من ربنا، واتكأ على صدر يسوع. وما لم يجسر بطرس، الذي كان له زوجة، أن يسأله (25) طلب من يوحنا أن يسأله. وبعد القيامة عندما اخبرَتْهما مريم المجدلية أن الرب قام (يو 4:20) جرى الاثنان نحو القبر، ولكن يوحنا سبق بطرس، وعندما كانا يتصيدا في السفينة ببحيرة جنيسارت وقف يسوع على الشاطئ ولم يعرف الرسل من هو الذي يرونه (يو 7:21)؛ البتول وحده عرف البتول، وقال لبطرس: "هو الرب".

القديس جيروم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 13 جـ6 PDF Print Email
"أجاب يسوع: هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه، فغمس اللقمة، وأعطاها ليهوذا سمعان الإسخريوطي". (26)

ظن التلاميذ أنه إذ غمس السيد القمة وأعطاها ليهوذا إنما لكي يستعجله في تنفيذ أمرٍ ما ولا ينتظر حتى يتعشى معهم.

كما همس يوحنا في أذني السيد هكذا أجابه همسًا، حتى لا يسمع بقية التلاميذ. وعوض ذكر اسمه اكتفى بتقديم علامة، حتى تدرك الأجيال القادمة أن الله يود أن نتعرف على مقاومي الحق، لا بذكر أسمائهم، وإنما خلال ثمارهم الشريرة وروحهم.

يبدو أن يهوذا في خجل لم يتجاسر ويغمس اللقمة ويأكل من ذات الصحفة التي يأكل منها السيد المسيح وتلاميذه، لكن غمس السيد اللقمة وأعطاه ليمد يده ويأكل مع التلاميذ، إذ يود السيد أن يتذكر سمو مركزه ومساواته للتلاميذ.

واضح من تصرف السيد مع يهوذا أن الأخير كان يجلس بالقرب منه، ربما لأنه كان أمين الصندوق، فكان التلاميذ يتركون له موضعًا قريبًا، حتى إن احتاج السيد إلى شيء للخدمة يكون يهوذا قريبًا منه.

حقًا كثيرون يقتربون من السيد المسيح حسب الجسد بل ويزحمونه أينما ذهب، لكن قلوبهم بعيدة عنه جدًا. وآخرون يبدون كمن هم بعيدين عنه وهم يحملونه في قلوبهم وأفكارهم، ويحملهم السيد فيه كأعضاء في جسده المقدس.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح استخدم مع يهوذا كل وسيلة لعله يرتدع عما يفعله، فقد عُرف حتى بين القبائل المتبربرة أنهم لا يخونون من يأكلون معهم من طعام واحد. لذلك جعل الرب العلامة التي يُعرف بها الخائن هي أن يغمس السيد نفسه اللقمة ويعطيه ليأكل من ذات الطعام، ومع ذلك خان من قدم له الطعام.

- حتى طريقة توبيخه حُسبت بطريقة تجعله في خزي. إذ لم يحترم المائدة التي اشترك فيها بأكل الخبز، لكن ألم تقدر أخذ اللقمة من يد (السيد) أن تغلبه؟ إنها لم تغلبه!

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ما ناله كان حسنًا، ولكن ناله لضرره، لأنه بروح شرير قبل ما هو صالح.

- الأمر الهام ليس ما هو الذي يُعطى بل من هو الشخص الذي يتقبل العطية، ليس طبيعة الشيء المُعطاة بل طبيعة ذاك الذي ينالها. فإنه حتى الأمور الصالحة ضارة، والأمور الشريرة نافعة حسب شخصية من يتقبلها... لماذا أُعطى الخبز للخائن، إلاَّ ليكون شهادة عن النعمة التي استخدمها بجحود؟

القديس أغسطينوس

"فبعد اللقمة دخله الشيطان، فقال له يسوع: ما أنت تعمله فأعمله بأكثر سرعة". (27)

دخل الشيطان يهوذا لأنه سلم نفسه بالكامل له، ملك عليه بالأكثر بكونه ابن الهلاك الذي لم يفكر قط في التوبة والرجوع عما يخططه ضد سيده. يقول الرسول بولس عن الشيطان أنه "يعمل الآن في أبناء المعصية" (أف ٢: ٢)، لكنه أحيانًا يدخل بأكثر وضوح وقوة عندما يسلمون أنفسهم بالكامل تحت سلطانه.

بعد اللقمة التي أعطاها السيد المسيح له دخله الشيطان، فإن كانت اللقمة تشير إلى حنو المسيح وعطاياه، فإن من يستهين بعطاياه ويسيء استخدام حنو الله يفتح الطريق للعدو كي يدخل ويملك.

بقوله: "ما أنت تعمله فأعمله بأكثر سرعة" (٢٧) لم ينل نصيحة من الرب بل سماحًا ليتمم ما يريده. لقد نزع الرب عنه كل نعمة، لأنه مصمم على تسليم ذاته للخيانة والشر. وكأنه يقول له: "أنت مصمم على الخيانة، لم تفتح بابًا للتوبة والرجوع إليّ. اذهب افعل ما تشاء، فأنا لا أخشى الموت بل مستعد له".

كان يهوذا قد وضع مع الأشرار خطة بزمنٍ دقيق لتسليم السيد، وقد اقتربت اللحظات التي يتمم فيها خطته، ولعله كان لا يعرف كيف يعتذر من الحاضرين ليخرج، لذا قدم له الرب سؤل قلبه، وشهوة نفسه. عندما نسمع المرتل يقول: "يعطيك الرب سؤل قلبك" يلزمنا فحص قلوبنا بروح الله القدوس، حتى ننال ما نشتهيه، إن كان رؤية الله والعشرة معه، أو حب الشر وممارسته.

ولعل السيد طلب منه أن يسرع لئلا يُفضح أمره بين التلاميذ فيلاقي إهانات منهم.

ربما يتساءل البعض: ألم يمارس يهوذا عمله الشرير قبلاً إذ تشاور مع رؤساء الكهنة والفريسيين لتسليم السيد، فلماذا قيل هنا: "فبعد اللقمة دخله الشيطان"؟ لقد صوب إبليس أحد سهامه النارية نحو قلب يهوذا فوجد استجابة داخلية، الأمر الذي فتح أبواب قلبه بالأكثر ليدخل الشيطان ويتربع فيه كملكٍ! هكذا مع كل قبول لفكرٍ خاطئٍ، وكل سلوكٍ شريرٍ، إنما يهيئ الطريق لما هو أشر.

- إذ رأى يسوع ذاك الذي دخل، وذاك الذي استقبله، وكل الخطة التي وُضعت ضده تجرد للمعركة، ولكي يغلب الشرير من أجل خلاص البشر قال: "ما أنت تعمله فأعمله بأكثر سرعة" (٢٧).

العلامة أوريجينوس

- قال يوحنا الرسول عن يهوذا: "بعد اللقمة دخله الشيطان ضاحكًا على وقاحته". لقد نطق بهذا، ليس لكي يرعبهم بل ليعزيهم، حتى لا تحل بهم المخاطر فجأة فيزداد اضطرابهم.

- إذ كان مرتبطًا بجماعة من التلاميذ لم يجسر (الشيطان) أن يقفز إليه، إنما كان يهاجمه من الخارج، لكن عندما أعلن عنه المسيح وفصله عنهم قفز إليه الشيطان دون خوفٍ.

- "أعمله بأكثر سرعة" تعبير لا يصدر عمن يوصى بأمرٍ ما، ولا من يقدم نصيحة، بل من يوبخ ويظهر له أنه يود إصلاحه، ولكن إذ كان لا سبيل لتقويمه دعاه يذهب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بعد أخذه هذا الخبز دخل الشيطان في خائن الرب، إذ سُلم لسلطانه ليملك بالكامل على ذاك الذي دخله في قلبه لكي يقوده إلى الخطأ.

لسنا نفترض أن الشيطان لم يكن فيه قبلاً حين ذهب إلى اليهود ودخل معهم في صفقة بخصوص ثمن خيانة الرب، إذ يقول الإنجيلي لوقا بكل وضوح: "فدخل الشيطان في يهوذا الذي يُدعى الاسخريوطي، وهو من جملة الاثني عشر، فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة" (لو ٢٢: ٣-٤)... دخوله الأول عندما زرع في قلبه فكر خيانة المسيح، فإنه بروحٍ كهذا جاء إلى العشاء. أما الآن بعد الخبز دخله لا ليجرب من هو يتبع آخر بل ليملك على من هو له.

- إنه ليس كما يظن بعض القراء غير المفكرين بأن يهوذا تسلم جسد المسيح. إذ نفهم أن الرب كان قد قدم للكل سرّ جسده ودمه حين كان يهوذا أيضًا حاضرًا كما هو واضح جدًا من قصة القديس لوقا (لو ٢٢: ١٩-٢٢). وإنما بعد ذلك نأتي إلى اللحظة التي بحسب ما رواه يوحنا قدم الرب كشفًا عن خائنه بتغميس لقمة الخبز وإعطائها له، ربما ملمحًا بغمز الخبز إلى المزاعم الباطلة للآخر. فإن غمس الشيء لا يعني دومًا غسله، بل أحيانا يُغمس الشيء لكي ما يُصبغ. فإن أخذناه بالمعنى الصالح هنا للغمس فإنه جحود لما هو صالح كان يستحق الإدانة.

- "اعمله بأكثر سرعة" (٢٧)، ليس لأنك تحمل سلطانًا في ذاتك، ولكن لأن (يسوع) يريد ذلك، ذاك الذي له كل السلطة.

القديس أغسطينوس

"وأما هذا فلم يفهم أحد من المتكئين لماذا كلمه به". (28)

حقًا يعرف السيد المسيح أعماقنا أكثر من معرفتنا نحن لأنفسنا. كما يعرف الرب شر الأشرار كيهوذا، يعرف أيضًا ضعف القديسين كبطرس الرسول.

- لم يجعل السيد المسيح ما سيفعله يهوذا ظاهرًا، لأنه لو علم تلاميذه بذلك لعلهم كانوا قد عزلوه، ولعل بطرس كان قد قتله، فلهذا السبب لم يعرف السيد المسيح أحدًا من المتكئين ولا يوحنا الرسول عنه... ولم يشأ السيد المسيح أن يشّهر بيهوذا إلى اليوم الأخير من الأيام التي لبث فيها معه، وهذا ما يجب علينا أن نعمله، فلا نشهر بخطايا الموجودين معنا، ولو كان حالهم حال من قد خاب من الشفاء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأن قومًا، إذ كان الصندوق مع يهوذا، ظنوا أن يسوع قال له: اشترِ ما نحتاج إليه للعيد، أو أن يعطي شيئًا للفقراء". (29)

ظن التلاميذ أن السيد قال له: "اشترِ ما تحتاج إليه للعيد" (٢٩). واضح أن ذلك حدث في الليلة السابقة للفصح، لأن التلاميذ يعلمون تمامًا أنه لا يوجد شراء أو بيع في يوم عيد الفصح. ربما ظنوا أنه يشتري حملاً ليُقدم في يوم عيد الفصح، أي في اليوم التالي.

واضح أن همسات السيد المسيح ليوحنا لم يسمعها أحد، لذا لم يشك أحد قط في يهوذا، بل ظنوا أنه يقدم خيرًا في العيد. حقًا عاش السيد المسيح كفقيرٍ، لكنه كان يقدم للفقراء من القليل الذي معه في الصندوق. وكأنه يُلزم حتى الذين يعيشون على الصدقة أن يقدموا منها صدقة للغير.

- إن سأل سائل: إن كان قد أشار إلى تلاميذه قائلاً: "لا تقتنوا ذهبًا ولا فضة ولا نحاسًا في مناطقكم ولا مذودًا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا لأن الفاعل مستحق طعامه" (مت 10: 9، 10) كيف حمل يهوذا صندوقًا؟ أجبناه: لخدمة الفقراء.

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 13 جـ7 PDF Print Email
"فذاك لما أخذ اللقمة خرج للوقت وكان ليلاً". (30)

خرج من بيت عنيا إلى أورشليم وهي على بعد حوالي ميلين. أسرع يهوذا بالخروج ليحقق خطته ليلاً وسط ظلمة قلبه، في وسط الجو البارد والظلام خرج لكي لا يراه أحد وهو يمارس شرّه الذي كان أكثر من الليل الدامس.

- وأنا أسأل البشير: لِم تذكر لي الوقت؟! فسيجيبني: لتعرف قسوة قلبه، إذ أنه ولا الوقت أمسكه عن فعله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بالحقيقة "خرج"، إذ لم يخرج فقط من البيت الذي أُقيم فيه العشاء، وذلك حسب المعنى البسيط، إنما خرج أيضًا من يسوع بالمعنى النهائي. أظن أنه إذ دخل إبليس يهوذا بعد اللقمة لم يحتمل أن يكون في ذات الموضع مع يسوع إذ ليس اتفاق بين المسيح وبليعال (٢ كو ٦: ١٥).

- (اللقمة) بالنسبة للآخرين كانت لخلاصهم، أما ليهوذا فكانت للدينونة (١ كو ١١: ٢٧-٢٩)، لأن الشيطان دخله بعد اللقمة... إنها كما قلت كمثال، أن الخبز الذي ينعش تمامًا بالمعنى الجسماني، يزيد متاعب الحمى، وفي نفس الوقت يخزن للشخص صحة وحيوية.

- يليق بنا القول بأن نفهم الليل في ذلك الحين رمزيًا، بكونه صورة الليل الذي خيم على نفس يهوذا عندما دخله الشيطان، الظلمة التي تخيم على وجه الغمر (تك ١: ٢). إذ دعا الله الظلمة ليلاً (تك ١: ٥). هذا الليل الذي يقول عنه بولس أننا لسنا أبناء له، ولا للظلمة، فإننا يا اخوة "لسنا من ليلٍ ولا من ظلمةٍ" (١ تس ٥: ٤-٥) بل ليتنا نحن الذين من النهار نصحو (راجع ١ تس ٥: ٥).

العلامة أوريجينوس

- تحدث النهار مع النهار، بمعنى أن المسيح فعل هذا مع تلاميذه المخلصين لكي ما يسمعوه ويحبوه كأتباعٍ له. وأظهر الليل معرفة لليل (مز ١٩: ٢) بمعنى أن يهوذا فعل هذا مع اليهود غير المؤمنين لكي ما يأتوا كمضطهدين ويجعلوا من (المسيح) سجينًا.

القديس أغسطينوس

3. مجد ابن الإنسان

"فلما خرج قال يسوع: الآن تمجد ابن الإنسان، وتمجد الله فيه". (31)


حتى هذه اللحظات لم يكن ممكنًا للتلاميذ أن يدركوا ما يدور حولهم، ولا أن يفهموا كلمات السيد المسيح عن صلبه وموته وقيامته، إنما حلّ بهم نوع من الاضطراب من جهة أحداث تبدو مجهولة بالنسبة لهم.

وسط هذا الاضطراب يعلن الإنجيلي أنه بخروج يهوذا لتتميم الخيانة تمجد ابن الإنسان، وتمجد الآب أيضًا، كيف؟

أولاً: إذ خرج العنصر الفاسد من وسط الكنيسة المجاهدة تمجد السيد المسيح واهب البرّ لشعبه. ما كان للفساد أن يبقى على الدوام وسط الكنيسة، إذ يحكم على نفسه باعتزال كنيسة المسيح الحقيقية.

ثانيًا: بخروج يهوذا سنحت الفرصة للتلاميذ الأطهار أن يسمعوا الأحاديث الوداعية الطويلة لمخلصهم، والتي قدمها لهم لمساندتهم، ليس فقط خلال أحداث الصلب، بل لتهب تعزيات إلهية للكنيسة المقدسة عبر كل الأجيال إلى حين مجيئه على السحاب. بخروج الفاسد المصمم على فساده، سنحت الفرصة ليروا السيد المسيح رئيس الكهنة الأعظم السماوي وهو يحدث الآب عن أسرار المجد الإلهي، وعن مساندة الكنيسة حتى تتمتع بشركة المجد.

ثالثًا: تمجد ابن الإنسان، لأن الآب اختاره مخلصًا للعالم، والآن يتحقق مجده بالأكثر إذ بدأ الموكب يتحرك للقبض عليه، وتسليمه للمحاكمة، والموت على الصليب. هذا هو مجد محبته الإلهية الفائقة.

يؤكد السيد لتلاميذه أن الأحداث القادمة مفرحة للغاية، إذ لا يمكن فصل دور الآب عن دور الابن في تحقيق خلاص العالم. إنها محبة الآب هي التي قدمت لنا الصليب (٣: ١٦؛ رو ٥: ٨). إنه الآب الذي في المسيح هو الذي صالح العالم معه (٢ كو ٥: ١٩). إنه الآب الذي باركنا في المسيح، إذ اختارنا قبل تأسيس العالم (أف ١: ٣-٤).

- بهذا القول أنهض السيد المسيح أفكار تلاميذه بعد سقوطها، وحقق لهم ليس فقط ألا يكتئبوا، بل أن يفرحوا.

- تكُتب هذه الأمور حتى لا نحمل حقدًا على من يضروننا، بل ننتهرهم ونبكي عليهم. فإن البكاء يليق لا على المتألمين بل على المخطئين. فالإنسان الجشع، والذي يتهم آخر باطلاً، والذي يمارس شرًا، هؤلاء يسببون لأنفسهم ضررًا أعظم، ويسببون لنا خيرًا أفضل، إن كنا لا ننتقم لأنفسنا. كمثال لذلك لو أن إنسانًا سلبك، فهل تشكر الله على ما أصابك وتمجده؟ بشكرك تقتني ربوات المكافآت، بينما يجمع هو لنفسه نارًا لا يُنطق بها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- هذا هو السبب الذي لأجله يقول: "الآن تمجد ابن الإنسان" (٣١)، وذلك في وقت بدء تحقيق التدبير (الآلام) حيث يموت يسوع، وذلك عندما خرج يهوذا بعد اللقمة يتمم عمله ضد يسوع. وإذ لم يكن ممكنًا ليسوع أن يتمجد إن كان الآب لا يتمجد فيه، قيل: "تمجد الله فيه".

- تحقق المجد نتيجة لموت "ابن الإنسان" عن البشر، الذي لا يخص الكلمة الابن الوحيد الذي بطبيعته لا يموت، ولا للحكمة والحق، ولا إلى أي لقب آخر يخص سمات يسوع اللاهوتية، بل يخص الإنسان، الذي هو أيضًا "ابن الإنسان" المولود من نسل داود حسب الجسد (رو ١: ٣).

العلامة أوريجينوس

- ماذا قال النهار عندما ذهب الليل؟

ماذا قال المخلص عندما رحل البائع؟

"الآن تمجد ابن الإنسان" (٣١)...

أليس ليظهر أن تواضعه العميق قد اقترب، والقيود والحكم والإدانة والسخرية والصلب والموت قد صاروا على وشك الحدوث؟

هل هذا تمجيد أم تحقير؟

عندما صنع عجائب ألم يقل يوحنا عنه: "لم يكن الروح قد أُعطي، لأن يسوع لم يكن قد تمجد بعد" (يو ٧: ٣٩)؟

وعندما أقام الميت لم يكن بعد قد تمجد، فهل يتمجد الآب وهو يقترب بشخصه إلى الموت؟

إنه لم يتمجد حينما عمل كإله، فهل يتمجد وهو في طريقه للآلام كإنسان؟...

"الآن تمجد ابن الإنسان" (٣١)، مشيرًا إلى الاعتزال الكامل لرئيس الخطاة (يهوذا) عن أصحابه، فيبقى حول (المسيح) قديسوه. إننا نحن ظل مجده، الذي سيتحقق حين ينفصل الأشرار تمامًا، ويقطن (المسيح) مع قديسيه في الأبدية.

- " الآن تمجد ابن الإنسان" (٣١)، ربما تشير كلمة "الآن" لا إلى الآلام الوشيكة الحدوث، بل إلى ما يتبعها مباشرة من قيامته، كما لو كان الأمر قد تم فعلاً.

القديس أغسطينوس

"إن كان الله قد تمجد فيه، فإن الله سيمجده في ذاته، ويمجده سريعًا". (32)

لقد تمجد السيد المسيح سريعًا عندما أُلقي القبض عليه، إذ سقط الجمع أمامه بكلمة من فمه، ولم يقدروا أن يقبضوا عليه إلاَّ بتسليم نفسه لهم (يو ١٨: ٦). مجَّده الآب في آلامه وصلبه حيث شهدت الطبيعة نفسها أنه ابن الله، وآمن قائد المائة، كما آمن اللص الذي تلامس مع محبة المصلوب.

لكن ما هو أعظم فهو تمجيد ابن الإنسان بموته عن البشرية. وبتمجيده أعلن حب الآب الذي بذل ابنه الوحيد عن العالم، فتمجد الله في ابنه. وإذ تمجد الآب بموت الابن أعلن عن مجد ابنه بالقيامة من الأموات، فتمجد في ذاته كصاحب سلطان، وأن هذا المجد يتحقق سريعًا بقيامته حتى يظهر كمال مجده حين نراه وجهًا لوجه، خاصة في يوم الرب العظيم القادم أيضًا سريعًا.

ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع، فلم يقدر موسى أن يدخلها بسبب السحاب الذي غطاها (خر ٤٠: ٣٤-٣٥). أيضًا عندما خرج الكهنة من الهيكل لم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة، إذ ملأ مجد الرب البيت (١مل ٨: ١٠-١١). وأيضًا عندما نزل موسى من الجبل ومعه لوحا الشريعة في يديه لم يدرك أن جلده كان يلمع بالمجد، فلم يقدر هرون وكل بني إسرائيل أن يقتربوا إليه (خر ٣٤: ٢٩-٣٠). وفي التجلي انعكس مجد الرب يسوع على ثيابه التي صارت بيضاء كالنور (لو ٩: ٢٩-٣١).

في العهد القديم ظهر مجد الرب خلال السحابة أو بهاء وجه موسى، وفي العهد الجديد أثناء خدمة السيد المسيح ظهر مجده في تجليه، إذ انكشف بهاء وجهه، فكان مشرقًا كالشمس، وانعكس هذا المجد على ثيابه. أما وقد عُلق على الصليب، فقد ظهر مجد الآب والابن بالتعرف عليهما. لذا يرى العلامة أوريجينوس أن المجد هنا هو "المعرفة" التي لا يعرفها سوى الآب والابن ومن يريد الابن أن يعلنها له (مت ١١: ٢٧)، المعرفة التي لا يعلنها لحم ودم بل الآب السماوي (مت ١٦: ١٧).

في هذه العبارة قدم لنا السيد أربع حقائق هامة:

1. يتمجد ابن الإنسان بالصليب كغالبٍ لقوات الظلمة، ومحققٍ الخطة الإلهية من جهة الإنسان.

2. يتمجد الآب بالصليب، معلنًا حبه الإلهي نحو البشرية.

3. يمجد الآب ابنه بالقيامة وصعود الابن، حاملاً كنيسته فيه إلى السماء.

4. قد حان الوقت لتحقيق المجد سريعًا بلا تباطؤ.

- ماذا يعنى: "الله سيمجده في ذاته"؟ إنه سيمجده بذاته وليس بوسيلة أخرى. "ويمجده سريعًا، أي في صلبه، لأن "حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين، من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين" (مت 27: 51، 52) فهذا هو معنى "فإن الله سيمجده في ذاته".ما يقوله هو أنه ليس بعد زمن طويل، ولا ينتظر إلى وقت القيامة، ولا سيظهره باهرًا، وإنما سريعًا على الصليب نفسه يظهر بهاؤه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"يا أولادي أنا معكم زمانا قليلاً بعد، ستطلبونني، وكما قلت لليهود: حيث أذهب أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا، أقول لكم أنتم الآن". (33)

"يا أولادي"، أو "أولادي الصغار" أو "المحبوبون" Teknia، وهو تعبير يحمل حنوًا عظيمًا وعاطفة قوية، كحنو الأم نحو رضيعها المحبوب لديها جدًا.

الآن قد خرج يهوذا فتحدث السيد بحنو فائض نحو تلاميذه كأبناء محبوبين لديه.

الزمان القليل هنا ربما ساعات قليلة للغاية بعدها يتشتت التلاميذ، تاركين السيد المسيح وحده في المحاكمة، إذ لا يقدرون أن يذهبوا حيث هو تحت المحاكمة. فالصليب يعني عزلة السيد المسيح عن أعدائه كما عن أحبائه، إذ لا يقدر أحد أن يعبر معه الطريق، وكما سمعه إشعياء النبي يقول: "قد دُست المعصرة وحدي، ومن الشعوب لم يكن معي أحد" (إش ٦٣: ٣). تركه يهوذا ومعه الأشرار المصممون على شرهم ليروا آثار الصليب يوم لقائهم معه، فيطلبون من الجبال أن تسقط عليهم والتلال أن تغطيهم من وجه الجالس على العرش. وفي طريق الصليب تركه الأحباء، إذ لا يستطيع أحد غيره أن يساهم في ذبيحة الصليب، لكنه إذ يقوم يُصلبون معه ليتمجدوا أيضًا معه. يجدون في آلامه مجدًا وكرامة، فيحسبون آلامهم هبة إلهية لا يستحقونها، ومتعة للوجود الدائم مع المصلوب الغالب!

- قال السيد المسيح هذه الأقوال لليهود مرعبًا إياهم، وقالها لتلاميذه مشعلاً شوقهم.

- "أقول لكم أنتم الآن" (٣٣)... عندما يهرب التلاميذ، وعندما يعاني اليهود من مآسي لا تُحتمل تفوق كل وصف عندما تؤسر مدينتهم، عندما يحل بهم غضب الله من كل جانب. إذن يتحدث مع اليهود بسبب عدم إيمانهم، وأما بالنسبة لكم فلكي لا تحل بكم متاعب غير متوقعة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لا تخافوا من القول أن المخلص هو أب لأشخاص معينين. فقد قال للمفلوج: "لا تخف يا بني، مغفورة لك خطاياك" (مت ٩: ٢). وللمرأة نازفة الدم: "يا بنية إيمانك خلصك" (مت ٩: ٢٢). الآن يقول لتلاميذه: "أولادي الصغار" أظن إنها صيغه التصغير واضحة، تعلم صغر النفس التي للرسل حتى ذلك الحين.

- يلزمكم أن تفهموا أنه ليس مستحيلاً التغيير من كون الشخص ابنا ليسوع ليصير أخاه، حيث أنه على المستوى البشري لا يمكن للابن أن يصير مؤخرًا أخًا للشخص الذي كان له ابنا قبلاً.

- بعد قيامة المخلص، هؤلاء الذين دعاهم "أبناء صغارًا" صاروا له اخوة... كمن تغيروا بقيامة يسوع. لهذا كتب: "اذهبي إلى اخوتي وقولي لهم..." (يو ٢٠: ١٧).

ربما يُمكن أيضًا بنفس الطريقة التغيير من كون الشخص خادمًا ليسوع. كان التلاميذ قبلاً خدامًا قبل أن يكونوا أبناء صغارًا، كما هو واضح من الكلمات: "أنتم تدعوني معلمًا وسيدًا، وحسنًا تقولون لأني أنا كذلك" (يو ١٣:١٣). وأيضًا الكلمات: "ليس عبد أعظم من سيده" (يو ١٣: ١٦)، هذه التي سبقت الكلمات: "يا أولادي الصغار أنا معكم".

لكن لتلاحظوا أن العبد أولاً يصير تلميذًا، وبعد ذلك ابنًا صغيرًا، فأخًا للمسيح ثم ابنا لله.

العلامة أوريجينوس

إنهم سيطلبونه، لكنه إذ يقضي ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ في قلب الأرض (مت ١٢: ٤٠) عندما ترحل نفسه إلى فردوس كقوله: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو ٢٣: ٣٤)، حيث يحمل الذين ماتوا على رجاء في الجحيم إلى الفردوس، أما التلاميذ فلا يقدرون أن ينطلقوا معه إلى فردوسه. إنهم لم يقدروا في ذلك الحين أن يتبعوه.

- لكي يحفظهم من التفكير بأن الله يمجده بطريقة بها لا يرتبط بهم في علاقات أرضية قال لهم: "يا أولادي، أنا معكم زمانًا قليلاً بعد" (٣٣). وكأنه يقول لهم: حقًا إنني سأتمجد بقيامتي، لكنني لا أصعد فورًا إلى السماء، بل "أنا معكم زمانًا قليلاً بعد". وكما نجد في سفر أعمال الرسل أنه قضي ٤٠ يومًا معهم بعد قيامته يدخل ويخرج ويأكل ويشرب (أع ١: ٣)... لكنه لا يكون بعد معهم في شركة الضعف البشري.

القديس أغسطينوس

يرى القديس أغسطينوس أن هذا القليل الذي يبقى فيه معكم ثم يطلبونه ولا يقدرون أن يأتوا إليه، ربما يُقصد به الفترة من حديثه معهم حتى صلبه وموته وقيامته. هذا القليل الذي فيه يكون معهم في شركة الضعف البشري، ثم لا يعود يشترك معهم في هذا الضعف. أو ربما يقصد فترة الأربعين يومًا من قيامته حتى صعوده، حيث يكون معهم دون شركة الضعف البشري، إذ لا يعود بعد قابلاً للموت ثم يصعد حيث لا يكون معهم بعد جسديًا.


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 13 جـ8 PDF Print Email

4. المحبة الأخوية

"وصية جديدة أنا أعطيكم، أن تحبوا بعضكم بعضًا، كما أحببتكم أنا، تحبون أنتم أيضًا بعضكم بعضًا". (34)

إن وُجد بينهم يهوذا الجاحد لكن ليس الكل مثله، بل هم تلاميذ مخلصون. علامة تلمذتهم الحب المتبادل فيما بينهم. إنها وصية قديمة (١ يو ٢: ٧)، لكنها في المسيح صارت جديدة، إذ أعطاها أعماقًا أعظم، وإمكانيات للتنفيذ أقوى. تمتد ليحب الشخص حتى أعداءه ومقاوميه، مشتهيًا خلاص كل نفس. يوجد تعبيران في الإنجيل باليونانية لكلمة "جديدة" أحدهما يعني "حديثًا"، أما هنا فيحمل التعبير الانتعاش والتجديد fresh. فالوصية قديمة (لا ١٩: ١٨)، لكن الصليب قدمها لنا بأعماقٍ جديدةٍ، وهبنا انتعاشًا لإمكانية ممارستها بمفهومٍ جديدٍ.

وصية المحبة هي أغنية رائعة تملأ الكنيسة فرحًا وبهجة. وصية جديدة، وتبقى جديدة، يمارسها الكل حتى في السماء، لا تقدم ولا تشيخ (عب ٨: ١٣). يخبرنا العلامة ترتليان أن الوثنيين يقولون عن المسيحيين: "انظروا كيف يحب بعضهم بعضًا!" وجاء في تقرير فيلكس Minucius Felix تعليق كاسيليوس Caecilius الوثني عن المسيحيين: "يحبون الواحد الآخر، غالبًا قبل أن يعرف أحدهما الآخر". هذه شهادة وثنيين مقاومين لإيمان المسيحيين ومهاجمين لهم. لوقيان الساموسطائي Lucian of Samosata الذي لم ينطق بكلمة صالحة في حق المسيحيين هاجمهم بأنهم أغبياء، لأنهم محبون بعضهم البعض، ويمكن لأي وثني أن يسيء استغلال هذا الحب، فيجمع منهم ثروات طائلة.

أشار الإنجيلي إلى أمرين جديدين، الوصية الجديدة هنا، والقبر الجديد الذي دُفن فيه السيد المسيح (١٩: ٤١). فبدخول هذه الوصية إلى أعماقنا تحول إنساننا الداخلي إلى قبر المسيح الجديد، الذي يستريح فيه السيد وترافقه ملائكته، ويشهد لقيامته المجيدة. الوصية الجديدة تحول قبرنا إلى سماء جديدة!

- كأنه قال لهم قد اضطربتم لذهابي عنكم، إلا أنه إن أحب بعضكم بعضًا ستكونون أقوى من الكل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إنها وصية جديدة، لأنه جردنا من القديم، وألبسنا الإنسان الجديد.

إنه بالحقيقة ليس أي نوع من الحب يقدر أن يجدد من يصغي إليه، أو بالأحرى يخضع بالطاعة لهذا الحب، إنما يتحدث عن الحب الذي يتميز عن العاطفة الجسدية إذ يضيف: "كما أحببتكم أنا" (٢٤)...

أعطانا المسيح وصية جديدة، أن نحب بعضنا البعض كما أحبنا هو.

هذا هو الحب الذي يجددنا، يجعل منا أناسًا جددًا، ورثة العهد الجديد، مسبحين بالتسبحة الجديدة.

- لنحب بعضنا بعضًا حتى بالاهتمام الشديد الذي لحبنا نكسب ما استطعنا بعضنا البعض، لكي يكون الله فينا. يُمنح هذا الحب لنا بواسطته... فإنه أحبنا بهذا الهدف أن نحب بعضنا البعض، واهبًا ذلك لنا بحبه لنا، فنرتبط بعضنا البعض في حب مشترك، ونتحد معًا كأعضاء برباط المسرة، ونصير جسدًا للرأس القدير هكذا.

- كأنه يقول: هباتي الأخرى يقتنيها معكم من هم ليسوا لي، ليس فقط الطبيعة والحياة والإدراك الحسي والتعقل والأمان الذي أهبه كنعمة للإنسان والحيوان، بل وأهبهم اللغات والأسرار والنبوة والمعرفة والإيمان والعطاء للفقراء، وتسليم أجسادهم حتى تحترق، ولكن بسبب نقص المحبة يصيرون كصنجٍ يرن، إنهم لا شيء ولا ينتفعون شيئًا (١ كو ١٣: ١-٣).

القديس أغسطينوس

"بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إن كان لكم حب بعض لبعضٍ". (35)

إن كانت الخطية تحدر النفس إلى طريق الظلم والموت فإن عمل السيد المسيح، الكلمة الإلهي المتجسد هو الإقامة من القبر، وتقديم المعرفة السماوية وتحقيق عجائب إلهية، فتحيا النفس في طريق الحق بالإيمان، وتنتقص من العار، وتتسع بالحب للَّه وخليقته السماوية وأيضًا الأرضية.

إنه يدخل بها إلى الطريق الضيق بقلبٍ متسعٍ، على عكس الخطية التي تدخل بها إلى الطريق الرحب المتسع بقلب ضيق. يقول المرتل: "في طريق وصاياك سعيت، عندما وسعت قلبي" (32).

- إن سألت: وما غرض السيد المسيح من قوله هذا؟ أجبتك: لأن هذا الحب أعظم من كل فضيلة، فهو الذي يجعل الناس قديسين، لأنه هو علة كل فضيلة.

فإن قلت: وما رأيك: هل المعجزات تظهر هذا الحب إظهارًا أليق وأوجب؟ أجبتك: لا تظهره بأية وسيلة، لأن السيد المسيح قال: "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا؟ وباسمك أخرجنا شياطين؟ وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذ أصرح لهم: إني لم أعرفكم قط اذهبوا عني يا فاعلى الإثم" (مت 7: 22، 23).

وأيضًا لما فرح تلاميذه بأن الشياطين تخضع لهم قال: "ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بالأحرى أن أسماءكم كتبت في السماوات" (لو 10: 20) فإن كان فعل المعجزات اقتاد المسكونة إلى الإيمان، فإن الحب كان قبل هذا، فإن لم يكن الحب موجودًا لا يثبت عمل العجائب.

- يا لعظمة الحب! أقوي من النار ذاتها، يصعد إلى السماء عينها، لا يوجد من يعوقه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يليق بقلوبنا أن تتسع وتنفتح قدر الإمكان حتى لا تضيق عليهم في حدود الجبن الضيقة، وتمتلئ بطاقة الغضب الهادر، فنصير عاجزين عن نوال ما يدعوه النبي "الطريق الرحب" لوصية اللَّه في قلوبنا الضيقة، أو أن نقول مع النبي: "في طريق وصاياك سعيت عندما وسعت قلبي".

الأب يوسف

- ما كان يمكنني أن أجري (في طريق وصاياك) لو لم توسع قلبي... أتستطيع أن تفعل ذلك بنفسك؟ يجيب: "لا أستطيع" إنه ليس خلال إرادتي الذاتية، كما لو كانت ليست في حاجة إلى معونتك، بل لأنك وسعت قلبي.

توسيع القلب هو بهجة ننالها في برٍ. هذه عطية اللَّه، أثرها أننا لا نتضايق من وصاياه خلال الخوف من العقوبة، بل يتسع القلب خلال الحب والبهجة التي لنا في البرّ.

القديس أغسطينوس

- الطريق الذي يؤدي إلى الحياة ضيق وكرب (مت 14:7)، وأما القلب الذي يطوف فيه بجولة حسنة، أي في طريق وصايا اللَّه، فمتسع ورحب بالكلمة الإلهية، وهو مقدس ويرى اللَّه. وعلى العكس الطريق "الواسع والرحب يقود إلى الهلاك" (مت 13:7). أما القلب (الذي يسلكه) فضيق، لا يقبل أن يقيم فيه منزلاً للآب والابن (يو 23:14)، بل يتجاهل اللَّه بسبب جهالته. هذا الإنسان يجعل قلبه ضيقًا بسبب قساوته.

لنتأمل أيضًا كيف يعلمنا سليمان أن نسجل الكلمات الإلهية على لوحي قلبنا (أم4:3؛ 3:7؛ 20:22)، معلنًا بأن "الحكمة تنادي في الخارج، في الشوارع تعطي صوتها" (أم 20:1). بقوله "الخارج" لا يقصد الحديث عن الشوارع بل عن القلوب، لكي يوسعها اللَّه...

العلامة أوريجينوس

- إن طريق وصايا اللَّه ضيقة، وأما قلب من يجري فيها فرحب ومتسع، لأنه مسكن الآب والابن والروح القدس، يسلكها جاريًا بقلب متسع... وأما طريق مساوئ الأشرار فمتسعة، وقلوبهم ضيقة، لأنه لا موضع للَّه فيها.

أنثيموس أسقف أورشليم

5. إنذار بطرس منكر المسيح

"قال له سمعان بطرس: يا سيد إلى أين تذهب؟ أجابه يسوع: حيث أذهب لا تقدر الآن أن تتبعني، ولكنك ستتبعني أخيرًا". (36)

سبق فقال السيد المسيح أنه حيث يذهب لا يقدرون أن يذهبوا (٣٣)، ومع هذا ففي جسارة سأله بطرس: "يا سيد إلى أين تذهب؟" دفعه حب استطلاعه إلى الدخول في حوارٍ كان في غنى عنه، لأنه انتهى بتأكيد أنه سينكر سيده ثلاث مرات، الأمر الذي لم يكن قط يقدر أن يقبله فكريًا. كان يليق به أن يخضع لكلمات السيد، ويفكر في وصية الحب عوض السؤال فيما لا يخصه.

مع هذه الجسارة أجابه الرب بصراحةٍ كاملةٍ بما يسنده ليرافقه طريق الألم وأن يموت معه وأن يشرب معه الكأس، لكن فيما بعد سينال هذه البركة. إنه لم يجبه على سؤاله بالطريقة التي أرادها بطرس الرسول، إذ كان يود أن يعرف موقعًا معينًا يذهب إليه السيد. لقد رافق سيده في رحلاته أثناء خدمته أينما ذهب ولم يكن يتوقع أنه يمكن أن يفارقه. لعل بطرس كان يظن أن السيد ذاهب إلى المجد الزمني أو السلطة الأرضية، لكن الرب أعلن له أنه الآن عاجز عن أن يرافقه في السماء، إذ لم يتمم بعد عمله على الأرض، ولا نضج لكي يرتفع معه في المجد الأبدي.

- إن الحب العظيم أشد من النار عينها، يصعدنا إلى السماء عينها، ولا يوجد مانع يقدر أن يضبط نهضته الشديدة، لأن بطرس الرسول الملتهب شوقه لما سمع السيد المسيح يقول: "حيث أذهب أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا" (23)، قال هنا: "يا سيد إلى أين تذهب؟" قال هذا القول لتوضيح حاله، ليس مريدًا أن يعرف إلى أين يمضي مثلما كان مشتهيًا أن يتبعه، وما اجترأ عاجلاً أن يقول ظاهرًا إنني أجئ معك.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لقد أعلن تأجيل (إمكانية تبعيته) دون أن يفقده الرجاء. لم ينزع عنه هذا الرجاء، بل بالأحرى منحه إياه خلال كلماته التالية: "ولكنك ستتبعني أخيرًا" (٣٦). لماذا تتسرع هكذا يا بطرس؟ فإن الصخرة لم يجعلك راسخًا بعد بروحه. لا ترتفع بتشامخ، "لا تقدر الآن". ولا تسقط في اليأس، "لكنك ستتبعني أخيرًا".

القديس أغسطينوس

"قال له بطرس: يا سيد لماذا لا أقدر أن أتبعك؟ الآن إني أضع نفسي عنك". (37)

ربما ظن بطرس أن السيد المسيح سيذهب في رحلة طويلة شاقة، وأنه لا يوجد ما يبرر عجزه عن مرافقته، لأنه مستعد أن يرافقه حتى إلى الموت. لكن مسكين بطرس، فإنه لا يعرف ضعفه وعجزه عن تبعية المسيح بدون النعمة الإلهية. لم يدرك أنه بدون المسيح لا يقدر أن يفعل شيئًا (يو ١٥: ٥).

- لما سمع بطرس الرسول قول السيد المسيح: "ولكنك ستتبعني أخيرًا" لم يضبط شوقه، لكنه أسرع فقال: "لماذا لا أقدر أن أتبعك الآن؟ إني أضع نفسى عنك". وأنا أخاطب بطرس الرسول: ماذا تقول يا بطرس؟ قد قال السيد المسيح لك: "لا تقدر الآن أن تتبعني" أتقول أنت "لماذا لا أقدر أن أتبعك؟ ستعلم بالخبرة بعينها أن محبتك ليست شيئًا إذا لم تكن المعونة من الأعالي حاضرة معها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- هذه التجربة هي درس لنا ألا نستهين بضعف الجسد لئلا نُجرب.

القديس أمبروسيوس

- لقد رأى الرغبة التي في ذهنه، لكنه لم يدرك قياس قوته.

افتخر الضعيف بعزيمته، أما الطبيب فعينُه على صحته. واحد وعد، والآخر سبق فعرف، الجاهل كان جسورًا، أما العارف بكل شيء فتنازل ليعلم.

يا لعظم ما تعهد به بطرس إذ تطلع فقط إلى شوقه دون أن يعلم إمكانياته.

القديس أغسطينوس

"أجابه يسوع: أتضع نفسك عني؟الحق الحق أقول لك، لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات". (38)

- انظر إلى شدة سقوط بطرس الرسول، لأن ما أصابه هذا المصاب دفعة ودفعتين، لكنه في وقت قليل نطق لفظ الجحود ثلاث دفعات.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يا من تظن في نفسك أنك قادر أن تموت من أجلي فلتتعلم أولاً أن تعيش لأجل نفسك، لأنه بخوفك من موت جسدك تعطي الفرصة لنفسك أن تموت. كما أن الاعتراف بالمسيح هو حياة، فإن إنكاره هو موت.

- من يتبرأ من المسيح كإنسانٍ، لا يجد مصالحة مع الله بالشفيع. فإنه يوجد إله واحد وشفيع واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح (١ تي ٢: ٥).

من ينكر المسيح كإنسان لا يتبرر، فإنه بعصيان إنسان واحد صار كثيرون خطاة، وهكذا بطاعة إنسان واحد يصير كثيرون أبرارًا (رو ٥: ١٩). من ينكر المسيح كإنسانٍ لا يقوم في قيامة الحياة، لأنه بإنسان دخل الموت، وبإنسان دخلت قيامة الأموات؛ فكما أنه في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح يحيا الجميع (١ كو ١٥: ٢١-٢٢).

القديس أغسطينوس




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 13 جـ9 PDF Print Email
من وحي يو ١٣

اسمح لي أن أتجاسر وأغسل أقدام اخوتي!

- فتح يهوذا الطمع قلبه، ليلقي الشيطان فيه بذاره.

مدّ يده للسرقة مرة ومرات فدخله العدو.

أما وقد أصرّ على خيانة سيده فملك العدو على القلب،

ودخل كصاحب سلطان ومالك بيت!

وجد مملكة الظلمة مُعدة لرئيس المملكة.

- اخترته تلميذًا، وسلمته الصندوق.

ووهبته صنع العجائب كسائر التلاميذ.

في حنوك لم تعلن عن اسمه، ولا شهَّرت به،

لعله يرجع عن شره.

بل وانحنيت لتغسل قدميه.

غمست اللقمة في الصحفة، ليأكل من يدك،

ولم يشك أحد فيه!

- بتواضعك مارست عمل العبيد.

خلعت ثيابك الخارجية، واتزرت بمنشفة.

لم تستنكف من صب الماء في المغسل بنفسك.

ولا تحرجت من غسل أقدام تلاميذك.

لقد بدأت تغسل أقدامهم المتسخة بالماء،

لكي تغسل قلوبنا وضمائرنا بدمك الطاهر.

من يجسر ويحتل مركزك يا غاسل أقدام البشرية.

- لأتجاسر وأشاركك حبك.

اسمح لي في حنوك أن أنال هذه الكرامة.

اسمح لي أن أغسل أقدام اخوتي المسيئين إليّ بفرحٍ وتهليلٍ!

قلبي بالحب يغسل كل تصرف يبدو شريرًا.

قلبي بروحك القدوس يتسع، ليضم الكل فيه.

قلبي يئن حتى يرى كل الأقدام طاهرة ومقدسة!

- طهرني بالكامل بالماء والروح الناري في مياه المعمودية.

متى أرى العالم كله طاهرًا ومقدسًا فيك؟

لتبقى يداك تغسل كل دنسٍ يومي فيّ!

لتغسل يا سيدي كل أقدام مؤمنيك!

- خرج يهوذا - صاحب القلب المظلم - ليلاً ليتمم أعمال الظلمة.

وبقي تلاميذك معك، يا أيها النور الحقيقي.

سألتهم الحب الحقيقي، مقتدين بك.

فلا يمكن للظلمة أن تقتحم قلبًا يسكنه الحب.

- اشتاق بطرس أن يتبعك أينما ذهبت،

ولم يدرك المسكين ضعف إمكانياته!

ظن أنه قادر أن يضع نفسه عنك،

ولم يدرك أنه لا يستطيع أن يبذل ما لم تبذل أنت أولاً حياتك عنه.

كشفت له ضعفه بكل وضوحٍ،

وملأت قلبه رجاءً عجيبًا.

أعلنت له أنه سيتبعك أخيرًا،

حين يُصلب أيضًا معك كل بقية حياته،

وحين يستشهد من أجل اسمك القدوس!

- أنت تعرفني يا مخلصي أكثر مما أعرف عن نفسي.

أنت سند لي،

تحقق كل شهوات قلبي!

لتمتد يدك يا رب وتغسل قلبي كل يومٍ.

فلا تقدر فخاخ الشيطان أن تحوط بي.

ولن يقدر العدو أن يملك في داخلي.

يداك تشرقان بالنور عليّ،

فلن تستطيع مملكة الظلمة أن تتسلل إلي داخلي.

1 اما يسوع قبل عيد الفصح و هو عالم ان ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم الى الاب اذ كان قد احب خاصته الذين في العالم احبهم الى المنتهى
2 فحين كان العشاء و قد القى الشيطان في قلب يهوذا سمعان الاسخريوطي ان يسلمه
3 يسوع و هو عالم ان الاب قد دفع كل شيء الى يديه و انه من عند الله خرج و الى الله يمضي
4 قام عن العشاء و خلع ثيابه و اخذ منشفة و اتزر بها
5 ثم صب ماء في مغسل و ابتدا يغسل ارجل التلاميذ و يمسحها بالمنشفة التي كان متزرا بها
6 فجاء الى سمعان بطرس فقال له ذاك يا سيد انت تغسل رجلي
7 اجاب يسوع و قال له لست تعلم انت الان ما انا اصنع و لكنك ستفهم فيما بعد
8 قال له بطرس لن تغسل رجلي ابدا اجابه يسوع ان كنت لا اغسلك فليس لك معي نصيب
9 قال له سمعان بطرس يا سيد ليس رجلي فقط بل ايضا يدي و راسي
10 قال له يسوع الذي قد اغتسل ليس له حاجة الا الى غسل رجليه بل هو طاهر كله و انتم طاهرون و لكن ليس كلكم
11 لانه عرف مسلمه لذلك قال لستم كلكم طاهرين
12 فلما كان قد غسل ارجلهم و اخذ ثيابه و اتكا ايضا قال لهم اتفهمون ما قد صنعت بكم
13 انتم تدعونني معلما و سيدا و حسنا تقولون لاني انا كذلك
14 فان كنت و انا السيد و المعلم قد غسلت ارجلكم فانتم يجب عليكم ان يغسل بعضكم ارجل بعض
15 لاني اعطيتكم مثالا حتى كما صنعت انا بكم تصنعون انتم ايضا
16 الحق الحق اقول لكم انه ليس عبد اعظم من سيده و لا رسول اعظم من مرسله
17 ان علمتم هذا فطوباكم ان عملتموه
18 لست اقول عن جميعكم انا اعلم الذين اخترتهم لكن ليتم الكتاب الذي ياكل معي الخبز رفع علي عقبه
19 اقول لكم الان قبل ان يكون حتى متى كان تؤمنون اني انا هو
20 الحق الحق اقول لكم الذي يقبل من ارسله يقبلني و الذي يقبلني يقبل الذي ارسلني
21 لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح و شهد و قال الحق الحق اقول لكم ان واحدا منكم سيسلمني
22 فكان التلاميذ ينظرون بعضهم الى بعض و هم محتارون في من قال عنه
23 و كان متكئا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه
24 فاوما اليه سمعان بطرس ان يسال من عسى ان يكون الذي قال عنه
25 فاتكا ذاك على صدر يسوع و قال له يا سيد من هو
26 اجاب يسوع هو ذاك الذي اغمس انا اللقمة و اعطيه فغمس اللقمة و اعطاها ليهوذا سمعان الاسخريوطي
27 فبعد اللقمة دخله الشيطان فقال له يسوع ما انت تعمله فاعمله باكثر سرعة
28 و اما هذا فلم يفهم احد من المتكئين لماذا كلمه به
29 لان قوما اذ كان الصندوق مع يهوذا ظنوا ان يسوع قال له اشتر ما نحتاج اليه للعيد او ان يعطي شيئا للفقراء
30 فذاك لما اخذ اللقمة خرج للوقت و كان ليلا
31 فلما خرج قال يسوع الان تمجد ابن الانسان و تمجد الله فيه
32 ان كان الله قد تمجد فيه فان الله سيمجده في ذاته و يمجده سريعا
33 يا اولادي انا معكم زمانا قليلا بعد ستطلبونني و كما قلت لليهود حيث اذهب انا لا تقدرون انتم ان تاتوا اقول لكم انتم الان
34 وصية جديدة انا اعطيكم ان تحبوا بعضكم بعضا كما احببتكم انا تحبون انتم ايضا بعضكم بعضا
35 بهذا يعرف الجميع انكم تلاميذي ان كان لكم حب بعضا لبعض
36 قال له سمعان بطرس يا سيد الى اين تذهب اجابه يسوع حيث اذهب لا تقدر الان ان تتبعني و لكنك ستتبعني اخيرا
37 قال له بطرس يا سيد لماذا لا اقدر ان اتبعك الان اني اضع نفسي عنك
38 اجابه يسوع اتضع نفسك عني الحق الحق اقول لك لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 14 جـ1 PDF Print Email

المعزي الآخر


الآن يقدم ثلاثة أحاديث وداعية سجلها لنا الإنجيلي في الأصحاحات ١٤-١٦.

في هذه الأحاديث يجتمع الراعي السماوي مع القلة القليلة التي تمثل قطيعه الضعيف، وقد أوشكت العاصفة أن تهب بكل قوة، وظن إبليس، الذئب المفترس، أنه حتمًا يحطم الراعي مع رعيته. أما الراعي وهو يتمم خطته الإلهية فيطََّمئن الرعية، طالبًا منها ألا تضطرب، بل يليق بها أن تتعرف على سرّ الحب الإلهي:

فمن جهة الآب، لديه منازل كثيرة تتسع للكل، وفي نفس الوقت مسرته أن يأتي مع الابن ويسكن في أعماق كل مؤمن.

ومن جهة الابن، فالعاصفة التي تهب ضده ما هي إلاَّ الطريق المُعد ليحمل رعيته خلال الصليب إلى العرش، وينعموا بشركة مجده. إنه أب يتحدث مع أولاده الصغار، الذي وإن فارقهم بالجسد إنما ليبعث لهم روحه القدوس معزيًا، فلا يتركهم يتامى، بل يقودهم إلى السماء عينها حيث المسيح صاعد!

ومن جهة الروح القدس، فهو المعزي الآخر، يقود الرعية إلى كل الحق الذي هو السيد المسيح، ويهبهم قوة للشهادة أمام العالم، مبكتًا العالم على عدم إيمانه ليجذبهم خلال كرازة التلاميذ إلى الإيمان، وعلى برّ لكي يدرك العالم أنه لن يتبرر إلاَّ ببرّ المصلوب، وعلى دينونة حيث يتحطم إبليس ويُدان.

تبقى هذه الأحاديث الوداعية سرّ قوة الكنيسة، إذ تجد فيها سرّ الخلاص الذي شغل الثالوث القدوس ويشغله حتى يكمل خلاص البشرية وتتمتع بما أعده الله لها.

هذا الأصحاح هو امتداد لحديث السيد المسيح مع تلاميذه بعد تأسيس سرّ الإفخارستيا وبعدما دان تصرف يهوذا، وأعلن ما سيفعله بطرس الرسول، منكرًا السيد المسيح ثلاث مرات. لقد أراد أن يهب بقية التلاميذ تعزية وراحة بعدما اضطربت نفوسهم وحزنت بحديثه أن أحدهم يسلمه والآخر ينكره. وقد رأينا في الأصحاح السابق أن الجلسة كانت أشبه بمؤتمر يتسم بالحوار المفتوح.

غالبًا ما يحدث الاضطراب بسبب الخوف من المجهول أو توقع خسارة فادحة تمس النفس أو الجسد أو الممتلكات، لهذا فإن علاج الاضطراب هو الإيمان، الذي يهب النفس بصيرة فتعرف موضع استقرارها الأبدي، وتدرك أنها بالله قادرة على هدم حصون، ولا تقدر قوة ما أن تحطمها، وتتمتع بالثبوت في الله ضابط السماء والأرض، وكل خليقة ظاهرة أو خفية.

1. الراحة الأبدية ١ - ٣

2. المسيح طريق الراحة ٤ - ١١

3. الصلاة والراحة ١٢ - ١٤

4. المعزي الآخر ١٥ - ١٧

5. ظهوره لهم ١٨ - ٢٤

6. المعزي المعلم ٢٥ - ٢٦

7. فرح المسيح برحيله ٢٧ - ٣١

1. الراحة الأبدية


يري القديس يوحنا الذهبي الفم أن التلاميذ قد اضطربوا جدًا، خاصة بعدما كشف السيد المسيح عما سيفعله بطرس الرسول. فإن كان هذا التلميذ قد اتسم بالغيرة المتقدة، وكان في رفقة السيد، وقد أعلن رغبته أن يقدم حياته من أجل المسيح سينكره ثلاث مرات فأي رجاء لهم؟ لهذا قدم لهم السيد الحديث التالي لينزع ما في نفوسهم من اضطراب، ويفتح أمامهم أبواب الرجاء للتمتع بالسماء!

"لا تضطرب قلوبكم، أنتم تؤمنون بالله، فأمنوا بي". (1)

يحذرنا السيد المسيح من القلق والاضطراب، مقدمًا لنا الإيمان به كعلاجٍ عمليٍ للمعاناة من القلق. كان القلق واضحًا في نظراتهم. "كان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون في من قال عنه" (يو ١٣: ٢٢). هذا وقد رأى السيد ليس فقط نظراتهم المضطربة، وإنما قلوبهم التي تدمي من القلق في الداخل. لم يتركهم في اضطرابهم إذ يهتم بسلامهم وسلامنا الداخلي. الآن يفتح لهم باب الأمان والسلام ألا وهو الإيمان به، يؤمنوا به كمخلص يتألم ويموت لأجلهم لكي يهبهم قوة القيامة وبهجتها، ويفتح لهم طريق السماء، ويهبهم حق العبور إلى مواضع الراحة الأبدية.

بدأ التلاميذ يفقدون رجاءهم في إقامة مملكة على الأرض، وبدأت أحلامهم من جهة يسوع تضيع، أما هو فرفعهم إلى الميراث الأبدي الروحي، رفع قلوبهم إلى السماء لكي تشتاق إلى ما قد يُعد لهم هناك.

- انظروا كيف عزى السيد المسيح تلاميذه بقوله: "لا تضطرب قلوبكم"، إذ أوضح بهذا القول الأول قدرة لاهوته، لأنه عرف الأفكار التي جازت في أنفسهم، ورد عليها في وسط كلامه.

وبقول السيد المسيح: "أنتم تؤمنون بالله، فآمنوا بي" كأنه يقول: "يجب أن تعبر هذه الشدائد كلها، لأن الإيمان بي وبأبي هو أقوى اقتدارًا من المصائب الواردة عليكم، ولا يسمح لأي شر أن يغلبكم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يؤكد الرب دومًا هذا التعريف لإيمان الكنيسة الذي يتضمن التعليم بأنه يوجد إله واحد الآب، لكنه لا يفصل نفسه عن سرّ الإله الواحد... وهو ليس بإلهٍ ثانٍ، ولا بالإله المنفرد.

وحيث أن طبيعة الإله الواحد فيه لا يمكن أن يكون إلهًا مختلفًا عنه... فهو لا يقدر أن ينفصل عنه، ولا أن يندمج فيه. لهذا يتحدث بكلمات مختارة بتأنٍ، فما يدعيه بالنسب للآب يشير بلغة متواضعةً أنها تناسبه هو أيضًا. خذ كمثال الأمر: "تمسكوا بالإيمان بالله، فآمنوا بي". إنه يتماثل مع الله في الكرامة. أسألكم كيف يمكنه أن ينفصل عن طبيعته؟ يقول: "تمسكوا بالإيمان بي أيضًا" كما قال: "تمسكوا بالإيمان بالله" أليس القول: "بي in me " يعنى طبيعته؟

القديس هيلاري أسقف بواتييه

- أنتم تخشون الموت بخصوص شكل العبد هذا؛ "لا تضطرب قلوبكم" (١) فإن شكل الله سيقيمه ثانية.

القديس أغسطينوس

"في بيت أبي منازل كثيرة، وإلا فإني كنت قد قلت لكم أنا أمضي لأعد لكم مكانًا". (2)

يدعو السماء "بيت أبيه"، فهو يعود إلى بيت أبيه الذي هو بيته، وهناك يعد مواضع وشقق mansions لمؤمنيه، فيشعر كل واحدٍ أنه راجع إلى بيت أبيه السماوي أو بيته الذي ينتظره. وبقوله "مواضع كثيرة" يعطينا طمأنينة أن لله أبناء كثيرين، وأن السماء متسعة للجميع. وقد جاءت الكلمة اليونانية تعني مسكنًا دائمًا وإقامة مستمرة.

عوض المملكة الزمنية وجه أنظارهم إلى مملكة المجد الأبدي. وهي مملكة متسعة جدًا يمكن أن تضم كل البشرية إن أرادت، "في بيت أبي منازل (مواضع) كثيرة" (٢).

إن كان سيتركهم بالجسد، إنما من أجل مجدهم. "لأعد لكم مكانًا" (٢)، فهو لا يذهب من أجل راحته الشخصية ومجده، وإنما ليهيأ لكل واحدٍ موضعًا خاصًا به.

إن كان اليهود يفتخرون بالهيكل كبيت الله، وقد ضم غرف كثيرة (١ مل ٦: ٥؛ عز ٨: ٢٩؛ إر ٣٥: ٢، ٤؛ ٣٦: ١٠) فإن هيكل السماء به منازل كثيرة متنوعة ليجد كل مؤمن مكانًا فيه.

"وإلا فإني قد قلت لكم": لست أقدم لكم رجاءً باطلاً، فقد وعدتكم بالميراث الأبدي، لتكونوا معي حيث أكون أنا. لو لم يوجد لكم مكان لما قلت هذا لكم.

- وكما سند السيد المسيح بطرس الرسول حين كان حزينًا بقوله: "ولكنك ستتبعني أخيرًا" (13: 36) هكذا قدم لهؤلاء هذا القبس من الرجاء، حتى لا يظنوا أنه قد أُعطي الوعد بذلك لبطرس وحده، قال لهم: "في بيت أبي مواضع كثيرة". وفي قول السيد المسيح لتلاميذه: "أنا أمضي لأعد لكم مكانًا" يظهر أن ذاك المكان الذي يقبل بطرس يقبلهم أيضًا، لأن هناك فيض من السعة في المواضع.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى جوفنيانوس Jovinianus أن المواضع الكثيرة في بيت أبينا هي الكنائس المنتشرة في العالم، ويرد عليه القديس جيروم بأن ربنا يناقش هنا لا عدد الكنائس بل المنازل السماوية والمساكن الأبدية.

- مع تنوع المجد في السماء إلا أن الكل يتمتعون ببيتٍ واحدٍ، وقد صعد الرب لا ليُعد مواضع كثيرة، بل يُعدّ بيتًا واحدًا، فالكل يشتركون في ذات البيت ويشعرون بالكفاية والشبع، وإن اختلف مجد كل نجمٍ عن الآخر.

القديس جيروم




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 التالى
+ إقرأ إصحاح 14 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 14 جـ2 PDF Print Email
- هل كان يمكن لأحدهم ألا يخاف إن كان بطرس أكثرهم ثقة وجراءة قيل له: "لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات" (يو ١٣: ٣٨)؟

فإذ حسبوا أنفسهم ابتداء من بطرس كمن مصيرهم الهلاك، لذلك اضطربوا. والآن إذ يسمعوا: "في بيت أبي مواضع كثيرة، وإلا فإني كنت قد قلت لكم، أنا أمضي لأعد لكم مكانًا" ينتعشون من اضطرابهم ويصيرون في يقين وثقة أنه بعد عبور مصائب التجارب يسكنون مع المسيح في حضرة الله.

فمع أن الواحد أقوى من الآخر، والواحد أحكم من الآخر، والواحد أبرّ من الآخر فإنه: "في بيت الآب يوجد مواضع كثيرة". لن يبقى أحد منهم خارج هذا البيت، حيث يتقبل كل واحدٍ موضعًا حسب استحقاقه.

الكل يتشابه في أخذ الفلس الذي أمر صاحب البيت أن يعطيه لكل من يعمل في الكرم، دون تمييز بين الذين عملوا أقل أو أكثر (مت ٢٠: ٩). هذا الفلس حتمًا يشير إلى الحياة الأبدية، حيث لا يعيش أحد مدة مختلفة عن الآخرين، إذ لا يوجد في الأبدية مقياس متباين. لكن المواضع الكثيرة تشير إلى درجات استحقاق كل واحدٍ في الحياة الأبدية الواحدة. فللشمس مجد، وللقمر مجد آخر، وللنجوم مجد آخر، نجم يمتاز عن نجم في المجد. هكذا يكون في القيامة من الأموات.

القديسون، مثل كواكب في السماء، ينالون في الملكوت مواضع متنوعة بدرجات مختلفة من البهاء. ولكن بناء على ذلك الفلس لا يُحرم أحد من الملكوت. وسيكون الله هو الكل في الكل (١ كو ١٥: ٤١، ٤٢) بطريقة معينة هكذا، التي هي الله محبة (١ يو ٤: ٨). سيحقق الحب هذا بالأمر العام (الملكوت) الذي هو عام بالنسبة للكل. فإنه بهذه الطريقة كل واحدٍ بالحقيقة يقتني هذا (الملكوت)، وإذ يحب أن يرى في الآخرين ما هو ليس لديه. لهذا لن يكون هناك حسد بين هذا البهاء المتنوع، حيث أن وحدة الحب تملك على الكل.

- ليذهب الرب ويعد لنا مكانًا. ليذهب فلا يُرى، وليبقى مختفيًا حتى نمارس الإيمان. بهذا يعد لنا المكان، الذي هو بالإيمان نحيا. لتكن لدينا الرغبة في الإيمان بهذا المكان حتى يُقتنى الموضع المُعد. الاشتياق إلى الحب هو الإعداد للمنزل. لتعد يا رب ما أنت تعده، فإنك تعدنا لك، وتعد ذاتك لنا، وذلك قدر ما تعد لك موضعًا فينا، ولنا فيك. إذ تقول: "اثبتوا فيّ وأنا فيكم" (يو ١٥: ١). وكما أن لكل واحدٍ شركة فيك، البعض أقل والبعض أكثر هكذا يكون التنوع في المكافآت حسب الاستحقاقات المختلفة.

القديس أغسطينوس

يتساءل القديس أغسطينوس كيف يعد السيد المسيح بأنه يذهب ليعد لنا مكانًا وفي نفس الوقت يقول: "في بيت أبي مواضع كثيرة"، أي معَدَّة بالفعل؟ يجيب على ذلك بأنه بالفعل قد أعدها مسبقًا بتدبيره من أجلنا، وأنه يتمم ذلك في شيء من التفصيل العملي الدقيق. وذلك كما نرى في الأناجيل السيد المسيح يختار تلاميذه ويقدم لهم الدعوة، ومع ذلك يقول الرسول: "اختارنا قبل تأسيس العالم" (أف ١: ٤). هكذا تم تعيينهم قبل تأسيس العالم بخطته الإلهية، وحقق ذلك عمليًا عندما تجسد ودعا التلاميذ والرسل.

"وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا آتي أيضًا وأخذكم إلي، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا". (3)

ذهاب السيد المسيح هو فتح للطريق، إذ يُعد الموضع، ويعطي حق العبور به إلى مملكة المجد الأبدي. إنه يعود بذاكرتهم إلى موكب الشعب القديم حيث كان يتقدمهم ليلتمس لهم منزلاً (عد ١٠: ٣٣)، هكذا يتقدمهم السيد ليعبر بهم مسيرة الثلاثة أيام، أي مسيرة القيامة، والنصرة على الموت، ليجد الكل مواضع في السماء!

يرى السيد المسيح القيادات الدينية مع الشعب وهم في اضطراب شديد يريدون الخلاص منه، ويصرخون: "اصلبه، اصلبه!" لذا أوصى تلاميذه ألا يلحق هذا الاضطراب بقلوبهم، فإنه بينما يضطرب العالم حوله للخلاص من يسوع، إذا به ينطلق بإرادته ليفتح باب المجد حتى لمقاوميه. إنه يود خلاص الجميع!

جاء التعبير "آخذكم إليَّ" في اليونانية يحمل فيضًا من الحب والشوق والانجذاب نحو السيد المسيح. هذا هو عمل الروح القدس الذي يسكب الحب في القلب، فيشتاق إلى اللقاء معه وجهًا لوجه، وأن ينضم إلى حضنهم، حيث يستدفئ بقوة حب المسيح الفائق له. ما ننعم به من جاذبية الآن إلى السيد وثبوت فيه هو عربون لما سنناله، ولكن لا يمكن أن يُقارن به.

قبل الله الكلمة أن يصير إنسانًا، وحلّ بيننا، وصار مواطنًا معنا في عالمنا، لكي يحملنا إلى وطنه السماوي ننعم بالشركة في الطبيعة الإلهية، ونُحسب أهل بيت الله (أف ٢: ١٩). صارت شهوة قلبنا أن نقول مع الرسول: "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا" (في ١: ٢٣)، نتبعه حيثما ذهب (رؤ ١٤: ٤). هذه هي طلبة العريس السماوي من أجل عروسه: "يكونون معي حيث أكون أنا" (يو ١٧: ٢٤)، أي تتمتع العروس بالخدر السماوي.

- كأن السيد المسيح يقول لتلاميذه: إنني قد حرصت من أجل هذا الأمر حرصًا جزيلاً، موضحًا أنه ينبغى عليهم أن يثقوا ويؤمنوا بذلك، ويترجوه جدًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم
 
2. المسيح طريق الراحة

"وتعلمون حيث أنا اذهب، وتعلمون الطريق". (4)

إذ تحدث معهم عن الصليب وقدم لهم جسده ودمه المبذولين، حسبهم السيد يعلمون أين هو ذاهب، وما هو الطريق الذي يسلكه، حيث يفتح بصليبه أبواب الدخول إلى حضن الآب السماوي.

إذ قدم لهم السيد المسيح الحياة السماوية المطوّبة كتعزية لهم وسط الآلام، أظهر لهم ما هو الطريق إلى هذه الحياة. يقول: "لقد عرفتم البيت السماوي، بيت أبيكم الذي تستقرون فيه، وعرفتم الطريق المؤدي إليه. لقد سبق فأخبرتكم عنه مرارًا بكل وضوح، وكان يليق بكم أن تعرفوه".

- قال هذا إذ كان يعرف أنفسهم أنها تطلب فيما بعد أن تعرف هذا المطلوب. وبقوله: "وتعلمون الطريق" أوضح الشهوة التي في نيتهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- علمنا أن في بيت أبينا مواضع كثيرة (يو 2:14) يقابل هذا حدد ما هي حالة الصلاح التي بلغها كل شخص يرفض الشر كعلاج.

فمثلاً الشخص الوارث بعض المواهب الصالحة منذ بدء حياته وخروجه من ممارسة الشر حديثًا إلى السلوك السوي والحق، يقابله شخص آخر بلغ إلى السلوك السوي والحق بالمثابرة والتقدم فيها.

بينما شخص ثالث نمى بواسطة رغبته في الخير، وأيضا شخص آخر يبقى مستمرًا بحزم في ارتفاعه إلى مستوى عالٍ في الفضيلة، وقد يتمكن شخص آخر أن يتقدمه في الارتفاع إلى مستوى أعلى.

وقد يسبق البعض هؤلاء، بينما يحاول آخرون بشدة في الارتفاع.

يقبل اللّه كل شخص حسب إرادته الحرة، ويرتب الاختيار حسب استحقاق كل شخص، فيمنح تعويضًا للأشخاص الأكثر نبلاً، ويعطى مكافآت لمن هم أقل مستوى.

القديس غريغوريوس النيسي

"قال له توما: يا سيد لسنا نعلم أين تذهب، فكيف نقدر أن نعرف الطريق؟" (5)

مع كل ما أعلنه السيد عن الصليب والقيامة، لكن لم يكن ممكنًا لهم إدراك ذلك، ربما ظنوا أنه يرتفع مثل إيليا بمركبة نارية، أو تحمله ملائكة إلى السماء، أو ينطلق إلى حضن إبراهيم الذي يشتهيه كل يهودي. تحيَّر توما في الأمر كما تحيَّر التلميذان اللذان كانا في طريقهما إلى عمواس حتى بعد أن أكد لهما النسوة قيامته.

بحديثه اللطيف معهم فتح مجال الحوار معه، فتحدث معه على الأقل تلميذان: توما وفيلبس. سأله توما عن الطريق دون أن يعتذر بأنه يناقض كلمات السيد المسيح القائل: "تعلمون الطريق" (4). لم يخجل توما من الاعتراف بأنه لم يفهم كلمات السيد، ولا عرف إلى أين هو ذاهب حتى يعرف الطريق، على خلاف بطرس الذي ظن أنه يقدر أن يذهب مع المسيح حتى وإن كانت التكلفة هي حياته ذاتها (يو ١٣: ٣٧).

حسن أن يعترف توما بجهله، لكنه ملوم لأنه يفكر في ملكوت أرضي، لذا ظن أن السيد يذهب إلى بلدٍ آخر. لهذا لم يعرف الطريق. لم يعرف إن كان يذهب إلى بيت لحم أو الناصرة أو كفرناحوم أو إحدى مدن الأمم، كما ذهب داود إلى حبرون لكي يُمسح ملكًا ويرد الملك لإسرائيل. هل ظن توما أن السيد المسيح سيذهب إلى عالم الأرواح غير المنظور... لا نعلم!

- قال بطرس ما قاله (أين تذهب؟ يو 18: 36) لا ليتعلم، وإنما ليتبعه. ولكن عندما انتهر بطرس وكشف المسيح أن ما هو ممكن يبدو الآن مستحيلاً (بأن يتبعه التلاميذ)، وظهرت الاستحالة في تحقيق ذلك قاده ذلك إلى الرغبة في معرفة الأمر بدقة لذلك قال السيد للآخرين: "وتعرفون الطريق". فإذ قال: "ستنكرني" (13: 39) قبل أن ينطق أحد بكلمة، إذ هو فاحص قلوبهم، قال:" لا تضطربوا". الآن إذ يقول هنا: "تعرفون" كشف عن الرغبة التي في قلوبهم، معطيًا إياهم عذرًا لسؤالهم. الآن ما قاله بطرس "أين تذهب" عن محبة خالصة، قاله توما عن جبنٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي". (6)

جال فكر توما هنا وهناك لعله يدرك إلى أين يذهب يسوع، كما جال فكر مرثا إلى اليوم الأخير عندما أخبرها السيد أن أخاها يقوم. وفي الحالتين، كما في أغلب المواقف إن لم يكن جميعها يسحب السيد المسيح أنظار السامعين إلى شخصه، قائلاً: "أنا هو". فهو الطريق والحق والحياة والقيامة والراعي والباب والخبز النازل من السماء، فيه كل كفايتنا. فالطريق ليس خارجًا عنه، والحق ليس له وجود بدونه، والحياة ليست إلاَّ فيه.

هو الطريق الذي إذ ندخله ندخل إلى الآب دون أن نخرج من الابن، لأن الابن في الآب، هكذا باتحادنا مع الابن ننعم بالاتحاد مع الآب.

إذ يقدم نفسه الطريق والحق والحياة لا يفصل بينهم، لأنه هو الكل لنا. هو الطريق، نؤمن به فنثبت فيه وهو فينا لينطلق بنا إلى حضن الآب، وهو الحق بروحه ينير أعماقنا فنكتشف الأسرار الإلهية الفائقة المعرفة، وهو الحياة إذ نقبل حياته حياة ممنوحة لنا. بهذا نتمتع بالدخول إلى الآب والتعرف عليه والتمتع به.

صحح السيد المسيح مفهوم توما، فأعلن له أنه هو الطريق الذي يقودهم إلى الآب وإلى معرفته. إنه الطريق بتعاليمه (يو ٦: ٨٦)، وبمثاله (١ بط ٢: ٢١)، وبذبيحته (عب ٩: ٨-٩)، وبروحه (يو ١٦: ١٣). إنه الطريق الذي فيه تتحقق كل الوعود الإلهية (٢ كو ١: ٢٠). لا يستطيع أحد أن يأتي إلى الآب إلاَّ به، ولا إلى معرفته ما لم يخبره الابن عنه.

إنه الطريق الذي تحدث عنه إشعياء النبي قائلاً: "وتكون هناك سكة وطريق يُقال لها الطريق المقدسة، لا يعبر فيها نجس بل هي لهم. من سلك في الطريق حتى الجهال لا يضل. لا يكون هناك أسد، وحش مفترس لا يصعد إليها، لا يوجد هناك، بل يسلك المفديون" (إش ٣٥: ٨-٩).

إنه الطريق الذي قدم فيه دمه ليعبر بنا إلى المقدس (عب ٩: ١٢)، فيه نتمتع بالصليب شجرة الحياة.

إنه الحق، الذي فيه كملت الظلال والرموز الواردة في العهد القديم. فهو المن الحقيقي النازل من السماء (يو ٦: ٣٢)، وخيمة الاجتماع (عب ٨: ٣).

إنه الحق الذي يبدد كل ما هو باطل وما هو خطأ.

إنه الحق الذي يحطم كل خداع؛ ففيه نجد الثقة الحقيقية والحقيقة (٢ كو ١: ٢٠).

هو الحياة والقيامة: "احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا" (رو٦: ١١).

إنه الطريق والحق والحياة، وكأنه هو البداية والنهاية وما بينهما. به نبدأ الحياة، ونسلك الطريق، ونبلغ إلى النهاية.

- إذن الطريق هو قوة اللَّه الفائقة، لأن المسيح هو طريقنا، الطريق الصالح، أيضًا هو الطريق الذي يفتح ملكوت السماوات للمؤمنين... المسيح هو بدء فضيلتنا، هو بدء الطهارة.

القديس أمبروسيوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 التالى
+ إقرأ إصحاح 14 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 14 جـ3 PDF Print Email

- "أنا هو الطريق"؛ هذا هو البرهان علي أنه "ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي.

أنا هو الحق والحياة، بهذا فإن هذه الأمور ستتحقق حتمًا. فإنه لا يوجد معي باطل، إذ أنا هو الحق.

إن كنت أنا هو الحياة أيضًا، فإنه لا يقدر حتى الموت أن يعوقكم عن المجيء إلي.

بجانب هذا فإني إن كنت أنا هو الطريق، فلا تحتاجون إلى من يمسك بأيديكم ويقودكم. وإن كنت أنا هو الحق فكلماتي ليست كذبًا، وإن كنت أنا هو الحياة فإنكم وإن متم تنالون ما أخبرتكم به...

لقد نالوا تعزية عظيمة بكونه هو الطريق. كأنه يقول: "إن كان لي السلطة المنفردة أن أحضر إلى الآب، فإنكم حتمًا ستأتون إليه، إذ لا يمكن لكم أن تأتوا إليه بطريق آخر. ولكن بقوله قبلاً: "لا يستطيع أحد أن يأتي إليّ ما لم يجتذبه الآب" وأيضًا: "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلي الجميع" (12: 32)، وأيضًا "لا يأتي أحد إلي الآب إلا بي" (14: 6)، يظهر بهذا أنه معادل لمن ولده.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يقول المخلص نفسه: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (٦). ويقول الرسول: "متى أُظهر المسيح حياتنا، فحينئذ تظهرون أنتم أيضًا معه في المجد" (١ كو ٣: ٤). مرة أخرى جاء في المزامير: "رحمتك أفضل من الحياة lives" (مز ٦٢: ٤). الحياة بصيغة الجمع مضاعفة، لأن المسيح هو الحياة في كل أحد.

- هذا الطريق صالح يقود الإنسان الصالح إلى الآب الصالح، الإنسان الذي يجلب خيرات من كنزه الصالح، العبد الصالح والأمين (مت ٧: ١٤؛ لو ٦: ٤٥؛ مت ٢٥: ٢١). لكن هذا الطريق ضيق، لا يستطيع الغالبية، الذين هم بالأكثر جسديون أن يسافروا فيه. لكن الطريق ضيق أيضًا بالذين يجاهدون ليعبروا فيه إذ لم يُقل "إنه محصور" بل ضيق.

العلامة أوريجينوس

- الآن الطريق غير قابل للخطأ، أعني يسوع المسيح؛ إذ يقول: "أنا هو الطريق والحياة". هذا الطريق يقود إلى الآب، إذ يقول "ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي" (يو 6:14).

القديس أغناطيوس الأنطاكي

- الآب الأسمى والمكرم هو أب الحق نفسه، أي أب الابن الوحيد الجنس. والروح القدس له روح الحق... لذلك فمن يعبدون الآب بالروح والحق، ويتمسكون بهذه الوسيلة للإيمان يتقبلون أيضًا طاقات خلالها. يقول الرسول: "لأن الروح واحد الذي به نقدم تكريمًا، وبه نصلى". (راجع يو 4: 23، 24). الابن الوحيد الجنس يقول: "لا يأتي أحد إلى الآب إلا بي"، لذلك فإن الذين يكرمون الآب باسمي بالروح والحق هم عابدون حقيقيون.

الأب غريغوريوس بالاماس

-كل إنسان يرغب في الحق والحياة، لكن ليس كل أحدٍ يجد الطريق.

-سرْ به كإنسان (بتجسده صار طريقًا لخلاصنا)، فتأتي إلى الله. به تذهب وإليه تذهب.

لا تنظر خارجًا عنه إلى إي طريق به تذهب إليه. فإنه إن لم يهبنا أن يكون الطريق نضل على الدوام. لقد صار الطريق الذي به تذهبون إليه.

لست أقول لكم: ابحثوا عن الطريق. فالطريق ذاته يأتي إليكم، قوموا واسلكوا فيه. اسلكوا بالحياة لا بالأقدام. فإن كثيرين يسيرون حسنًا بأقدامهم، وأما بحياتهم فيسيرون بطريقة شريرة.

أحيانًا حتى الذين يسيرون حسنًا يجرون خارج الطريق. هكذا ستجدون أناسًا يعيشون حسنًا لكنهم ليسوا مسيحيين. إنهم يجرون حسنًا، لكنهم لا يجرون في الطريق. بقدر ما يجرون يضلون، لأنهم خارج الطريق. لكن إن جاء مثل هؤلاء إلى الطريق، وتمسكوا به كم يكون إيمانهم عظيمًا، إذ يسيرون حسنًا ولا يضلون! لكن إن لم يتمسكوا بالطريق، يا لشقاؤهم هم سلكوا حسنًا! كم يلزمهم أن ينوحوا. كان الأفضل لهم أن يتوقفوا في الطريق عن أن يسيروا بثبات خارج الطريق.

-يقول الرب إنهم يعرفون الأمرين (أين هو ذاهب، وما هو الطريق)، أما (توما) فيعلن أنه لم يعرفهما، أي لم يعرف الموضع الذي يذهب إليه (السيد) والطريق للبلوغ إليه. لم يعرف (توما) أنه ينطق بكلمات باطلة، إذ هم يعلمون ذلك، لكنهم لا يعرفون أنهم يعلمون. فالسيد يقنعهم بأنهم بالفعل عرفوا ما يظنون أنهم يجهلونه، إذ يقول: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (٦)... إذ عرفوا الذي هو الحق، فإنهم يعرفون الحق. إذ عرفوا ذاك الذي هو الحياة، فقد عرفوا الحياة. انظروا، لقد اقتنعوا أنهم عرفوا ما لم يعرفوا أنهم عرفوه.

-لقد كان بنفسه ذاهبًا إلى نفسه. إلى أين نحن نذهب إلاَّ إليه؟ وبأي طريق نذهب إلا به نفسه، فبه نذهب إليه. بنفس الطريق هو ونحن نذهب هكذا إلى الآب.

- نال الرسول توما بأن تكون أمامه (أيها الرب يسوع) لكي يسألك أسئلة، ومع ذلك لم يستطع أن يدركك حتى اقتناك فيه.

إنني أسألك لأني أعرف أنك أعلى مني.

إنني اسأل وأبحث قدر ما أستطيع لكي ما أجعل نفسي تنتشر في ذلك الموضع الذي أعلى مني، حيث أصغي إليك يا من لا تستخدم صوتًا خارجيًا لكي تقنع بتعليمك.

أسألك اخبرني، كيف تذهب إليك؟

هل تركت نفسك لتأتي إلينا حيث أنك أتيت ليس من ذاتك بل من الآب الذي أرسلك؟

بالحقيقة أعلم أنك أخليت ذاتك، إذ أخذت شكل العبد. إنك لم تنزع عنك شكل الله لكي تعود إليه، ولا فقدته كأمر تسترده... إنك بهذا أتيت، لكنك كنت ولا تزال قاطنًا حيث كنت توجد، وتعود دون أن تترك الموضع الذي أتيت إليه.

إن كنت بهذه الوسيلة أتيت وعدت فبذلك أنت هو ليس فقط الطريق الذي به نذهب إليك، بل أنت الطريق لنفسك أن تذهب وترجع.

- كما لو أنه قال: بأي طريق تذهبون؟ "أنا هو الطريق".

إلى أين تذهبون؟ "أنا هو الحق".

أين ستقطنون؟ "أنا هو الحياة".

لنسير إذن في الطريق بكل يقين، لكننا نخشى الشباك المنصوبة على جانب الطريق.

لا يجرؤ العدو أن ينصب شباكه في الطريق، لأن المسيح هو الطريق، لكن بالتأكيد لن يكف عن أن يفعل هذا في الطريق الجانبي.

لهذا أيضًا قيل في المزمور: "وضعوا لي عثرات في الطريق الجانبي" (مز ١٣٩: ٦ LXX). وجاء في سفر آخر: "تذكر أنك تسير في وسط الفخاخ" (ابن سيراخ ٩: ١٣ Ecclus). هذه الفخاخ التي نسير في وسطها ليست في الطريق، وإنما في الطريق الجانبي.

ماذا يخيفك؟ سرْ في الطريق!

لتخف إذن إن كنت قد تركت الطريق.

فإنه لهذا سُمح للعدو أن يضع الفخاخ في الطريق الجانبي، لئلا خلال أمان الكبرياء تنسى الطريق وتسقط في الفخاخ.

- المسيح المتواضع هو الطريق، المسيح هو الحق والحياة، المسيح هو الله العلي الممجد.

إن سلكت في المتواضع تبلغ المجد.

إن كنت ضعيفًا كما أنت الآن لا تستخف بالمتواضع، فإنك تثبت بقوة عظيمة في المجد.

- إنه الطريق "الكلمة صار جسدًا" (١: ١٤).

لديه الطريق: "أخلى ذاته وأخذ شكل العبد" (في ٢: ٧).

إنه البيت الذي إليه نذهب، إنه الطريق الذي به نذهب.

ليتنا نذهب به إليه فلا نضل.

القديس أغسطينوس

- ذاك الذي يُسيِّج حولي ويغلق طرقي الشريرة (هو 6:2) أجده هو الطريق الحقيقي القائل في الإنجيل: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (6).

القديس جيروم

- المسيح ليس فقط هو اللَّه، بل بالحقيقة اللَّه الحق، إله حق من إله حق، إذ هو نفسه الحق.

القديس أمبروسيوس

- لا يمكن أن يوجد أي رجاء في الخلاص دون معرفة هذين الاثنين (الآب والابن) في نفس الوقت.

الشهيد كبريانوس

- انظر إلى نفسك داخل نفسك. "لماذا تنظر القذى في عين أخيك، ولا تدرك الخشبة التي في عينك؟" (مت ٧: ٣)

النفس التي تخرج من ذاتها مدعوة للدخول إلى نفسها، فبخروجها من ذاتها خرجت من ربها...

لقد انسحبت منه، ولم تقطن في ذاتها، ومن ذاتها تقاوم، وطردت من ذاتها وسقطت في أمور لا تخصها...

لقد نسيت النفس ذاتها خلال محبتها للعالم.

الآن فلتنسَ ذاتها لكن خلال محبة خالق العالم!

القديس أغسطينوس




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 التالى
+ إقرأ إصحاح 14 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 14 جـ4 PDF Print Email
- توجد طرق كثيرة للذين يؤمنون بالمسيح ويكونون تحت قيادته يلزمهم أن يسلكوها قبل الدخول إلى الأرض المقدسة، فإنهم بعد أن يخرجوا من مصر، ويعبروا كل هذه المراحل الواردة في الكتاب المقدس، يستريحون. "هذه رحلات بني إسرائيل... حسب قول الرب" (عد 1:33، 2).

من الذي نظَّم السبل التي يجب أن يسلكها بنو إسرائيل في هذه المراحل؟ من إلاَّ الله؟ لقد نظمها بعمود النار والسحابة المضيئة...

الآن، تأمل فإن نفس الشيء يحدث روحيًا في مسيرتك، إذا خرجت من مصر، وكنت قادرًا أن تتبع المخلص يسوع (يشوع) الذي يدخل بك إلى الأرض.

يبدو أن موسى (الناموس) هو القائد، لكن كان يشوع متواجدًا بجانبه دون أن يقود علانية.

انتظر لكي يقود موسى إلى اللحظة التي فيها يكمل زمانه، عندئذ يأتي ملء الزمان (غل 4:4) ويقود يسوع... يتسلم يسوع تعليم الشعب ويقدم وصاياه علنًا.

فلنسلك إذن فيها ونصلي قائلين: "ضع لي يا رب ناموسًا، في طريق حقوقك، فاتبعه كل حين" (مز 119: 33).

إنني أسعى (اتبعه) مادام يوجد "طريق الحقوق".

إنه ليس بالطريق السهل، ولا يحتاج إلى يومين أو ثلاثة أيام أو حتى عشرة أيام، إنما في الواقع إلى كل أيام الحياة لعلي أجد طريق حقوقه.

وبنفس الكيفية احتاج أن أجد "طريق الشهادة": "فرحت بطريق شهاداتك مثل كل غنى" (مز 119: 14)؛ كما يوجد "طريق الوصايا": "في طريق وصاياك سعيت عندما وسعت قلبي" (مز 119: 32).

كل هذه الطرق هي في أصلها طريق واحد، وهو ذاك الذي يقول: "أنا هو الطريق" (يو 6:14). لنسلك إذن في كل هذه الطرق حتى نبلغ غايتها وهو "المسيح".

العلامة أوريجينوس

- لا يتلوث الإنسان مرة أخرى بالتراب من الأرض بعدما غسل قدميه: تقول العروس: "قد غسلت رجلي فكيف أوسخهما" (نش 3:5). خلع موسى نعليه من رجليه (وهو مصنوع من جلد حيوان ميت)، لأنه كان يسير على أرض مقدسة (خر 5:3).

يقول الكتاب أن موسى لم يلبس نعليه مرة أخرى، بل حسب أوامر اللّه له على الجبل صنع ثياب الكهنة التي استخدم في حياكتها خيوطًا ذهبية وزرقاء وبنفسجية وحمراء والكتان الفاخر حتى يشع جمالها حولهم (خر 5:28، 8). ولم يعمل موسى أية زينة على قدميه، لأن أقدام الكهنة تبقى عارية دون غطاء. لأن الكاهن يسير على الأرض المقدسة، فيلزم ألا يستعمل حذاء من جلد حيوان ميت. لذلك منع السيد المسيح تلاميذه من لبس أحذية، لأنه أمرهم أن يسيروا في طريق القداسة (مت 5:10، 6).

أنتم تعرفون هذا الطريق المقدس الذي أمر السيد المسيح تلاميذه أن يسيروا فيه قائلاً: "أنا هو الطريق" (يو 6:14). لا نتمكن أن نسير في هذا الطريق إلا إذا خلعنا رداء الإنسان العتيق الميت.

القديس غريغوريوس النيسي

"لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا، ومن الآن تعرفونه، وقد رأيتموه". (7)

إنها كلمات عتاب صادرة من السيد المسيح الذي تعَّرف عليه كثير من الآباء والأنبياء من خلال الرموز والظلال، واشتهوا أن يروه ويرتبطوا به. كان هو كل رجائهم. ولكن للأسف فإن التلاميذ وقد عاشوا مع السيد ورافقوه في خدمته، بل في رحلاته، وأحيانًا في خلواته، وقد حان وقت رحيله من العالم، لم يعرفوه بعد كما ينبغي.

يشتهي السيد المسيح أن يتعرف عليه كل المؤمنين ليدركوا حقوقهم فيه. وهذا هو موضوع صلوات الرسل أنفسهم من جهة البشرية. وكما كتب القديس بولس إلى أهل أفسس: "لا أزال شاكرًا لأجلكم، ذاكرًا إياكم في صلواتي، كي يعطيكم إله ربنا... لتعلموا نحونا، نحن المؤمنين، حسب عمل شدة قوته الذي عمله في المسيح، إذ أقامه من الأموات، وأجلسه عن يمينه في السماويات" (أف ١: ١٦-٢٠).

أما قوله: "من الآن تعرفونه، وقد رأيتموه" (٧) فيقصد بالآن ساعة الصليب. خلال بغض العالم للمسيح، وصلب السيد المسيح لمحبة العالم في مؤمنيه، يُعرف الآب الكلي الحب، ويراه المؤمنون في الابن المصلوب القائم من الأموات. ساعة الصليب هي فرصة إلهية مقدمة للمؤمنين لكي يتعرفوا على الآب ويروه، لأنهم بالصليب يدخلون إلى المصالحة معه، ويتمتعون بالاستقرار في حضنه.

من يعرف المسيح بحق يدرك أنه الابن، الله السماوي، مملكته ليست من هذا العالم، نزل من السماء ويصعد إليها بكونه في حضن الآب. فمن يبلغه يبلغ الأحضان الإلهية للآب، ويتعرف على شخصه وأسراره.

لاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم وغيره من الآباء أن السيد المسيح يقول تارة بأنهم رأوه وعرفوه، وتارة أنهم رأوه ولم يعرفوه، وأخرى أنهم لم يروه ولا يعرفوه، فهل في هذا تناقض؟ يميز القديس بين رؤية الابن خلال الجسد وحده حيث يلمسونه بأيديهم الجسدية ويرونه بأعينهم الجسمانية دون رؤية جوهره وعدم إدراك لاهوته وبهاء مجده؛ هؤلاء يرونه ولا يرونه، وفي نفس الوقت لا يعرفونه. حتى التلاميذ رأوه والتصقوا به، لكن إلي لحظات صعوده وحلول روحه القدوس لم يكونوا قادرين على إدراك لاهوته كما يليق. هكذا يمكن للإنسان أن يعرفه ولا يعرفه؛ فيعرفه دون إدراك المعرفة الحقيقية لشخصه.

من يرى حقيقة الابن ويتعرف على شخصه كما يليق يرى الآب ويتعرف عليه.

- إنه لا يناقض نفسه؛ حقا لقد عرفوه، ولكن ليس كما كان ينبغي. لقد عرفوا الله، لكنهم لم يكونوا بعد قد عرفوا الآب. فإنه بعد ذلك إذ حل الروح القدس عليهم عمل فيهم مقدمًا لهم كل معرفة.

ما قاله هو هكذا: "إن عرفتم جوهري ورتبتي تعرفون أيضًا جوهر الآب ورتبته. ستعرفونه وترونه بواسطتي". يقصد بالرؤية المعرفة بالإدراك الذهني، فإن هؤلاء الذين يُرون يمكن أن نراهم ولا نعرفهم، أما الذين يُعرفون لا نقدر أن نعرفهم ولا نعرفهم. لذلك يقول: "وترونه"، كما يقال: "يُرى بواسطة الملائكة" (1 تي 3: 16). أما ذات الجوهر فلا يُرى، ومع هذا يقال أنه يُرى، أي قدر ما يستطيعون أن يروا.

قيلت هذه الكلمات لكي تتعلموا أن الذين يرونه يعرفون من ولده. لكنهم لم يروه في جوهره غير المحتجب، إنما رأوه في ثوب جسده.

إنه يود في كل موضع أن يضع الرؤية موضع المعرفة، كما يقول: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). يعني بالأنقياء الذين تحرروا ليس من الزنا وحده، بل ومن كل الخطايا، لأن كل خطية تجلب دنسًا للنفس.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يعلق القديس أغسطينوس على الآيات (٧-١٠) بأن السيد المسيح يؤكد أن من يعرفه يعرف الآب، لأنه لا يقدر أحد أن يأتي إلى الآب إلا به. وأن السيد المسيح هنا يؤكد وحدته مع الآب، وفي نفس الوقت التمايز بين الآب والابن.

"قال له فيلبس: يا سيد أرنا الآب وكفانا". (8)


إذ تحدث السيد المسيح عن الآب اشتاق فيلبس أن يراه، لكنه لم يكن بعد قادرًا.

أولاً: لأنه أراد رؤية اللاهوت حسيًا، يراه بالعين الجسدية كما يرى المسيح.

ثانيًا: سرّ عجزه عن الرؤية هو عدم رؤيته لحقيقة المسيح نفسه، يراه حسب الجسد دون أن يدرك لاهوته.

وأخيرًا: عدم إدراكه الوحدة الفريدة بين الآب والابن في ذات الجوهر، لذلك سأله: "يا سيد أرنا الآب وكفانا" (8).

طلبة فيلبس تشبه طلبة موسى النبي الذي اشتهى أن يرى مجد الله (خر ٣٣: ١٨). حقًا رؤية الله فيها الشبع والكفاية، وهي طلبة تفرح قلب الله، لكن الخطأ في طلبة فيلبس هو تجاهله لوحدانية الابن مع الآب، لأنه لم يتمتع بالتجلي مثل بطرس ويعقوب ويوحنا. وعدم إدراكه أنه حتى تلك اللحظات لم يعرف المسيح كما ينبغي ولا رأي جوهر لاهوته.

v قلب فيلبس النظام وقال: "أرنا الآب"، كمن قد عرف المسيح تمامًا. أما المسيح فوضعه في الطريق المستقيم، حاثًا إياه أن يقتني معرفة الآب من خلاله، بينما أراد فيلبس أن يراه بعينيه الجسديتين. ربما لأنه سمع عن الأنبياء أنهم رأوا الله. لكن هذه الحالات كانت من قبيل التنازل، لذلك يقول المسيح: "الله لم يره أحد قط" (1: 18)، مرة أخري: "كل من سمع وتعلم يقبل إليّ" (6: 45). "لم تسمعوا صوته قط، ولا أبصرتم هيئته" (5: 37). وفي العهد القديم: "لا يرى إنسان وجهي ويعيش" (خر 33: 20).

ماذا يقول المسيح؟ "أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟" لم يقل له: "ولم تراني" بل قال: "ولم تعرفني".

ربما يسأل فيلبس:" لماذا أرغب في أن أتعلم عنك؟ الآن أنا أطلب أن أري أباك، وأنت تقول لي لم تعرفني؟" أية علاقة بين هذا وبين السؤال؟ بالتأكيد العلاقة وثيقة جدًا، فإن كان هذا هو الذي له الآب ومازال هو الابن فإنه من خلاله يعرف الذي ولده. فمن أجل التمييز بين الأقنومين يقول: "من رآني فقد رأي الآب"، لئلا يظن أحد أن الآب نفسه هو الابن بعينه.

لماذا لم يجبه: أنت تطلب أمورًا مستحيلة لا يُسمح بها لإنسان، وإنما هي ممكنة لي وحدي؟ لأن فيلبس قال: "وكفانا"، فمع معرفته للمسيح أظهر له أنه لم يره. بالتأكيد لو أنه عرف الآب، لكان قادرًا أن يعرف الابن، لهذا يقول: "من رآني فقد رأي الآب"... وكأنه يقول له: "ليس ممكنًا أن تراني أو ترى الآب". لأن فيلبس فكر في المعرفة حسب الرؤية، وإذ فكر هكذا ظن أنه رأى الابن، فأراد بنفس الطريقة أن يرى الآب، لكن يسوع أظهر له أنه لم يرَ الابن نفسه.

وإن أراد أحد أن يدعو المعرفة رؤية فلا أعارضه، إذ يقول المسيح: "لأن من يعرفني يعرف الآب". لكنه لم يقل هذا، إنما أراد أن يعلن عن الشركة في الجوهر: من يعرف جوهره يعرف جوهر الآب أيضًا. هل يتحدث هنا عن حكمة الآب؟ هل عن صلاحه؟ ليس هكذا، وإنما ما هو الله عليه، ذات جوهره... بحق انتهره قائلاً: "أنا معكم زمانًا هذه مدته؟" لقد تمتعت بمثل هذا التعليم، ورأيت المعجزات التي فعلتها بسلطان، وكل ما يخص اللاهوت، التي يفعلها الآب وحده من غفران للخطايا وإعلان عن الأسرار الخفية وإقامةٍ من الموت وخلقة من التراب ولم تعرفني؟ إذ التحق بالجسد لهذا يقول: "ألم تعرفني؟" إنك ترى الآب، فلا تطلب ترى ما هو أكثر، ففيه تراني. إن رأيتني لا تكون محبًا للاستطلاع أكثر، لأنك تعرفه فيّ أيضًا.

- "ألست تؤمن إني أنا في الآب، والآب فيّ؟" بمعنى: إني أُري في ذات الجوهر. "الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال" (10) كيف يبدأ بالكلام ويأتي إلي الأعمال؟ لأنه كان يلزم طبيعيًا أن يقول: "الآب هو يتكلم الكلام"، لكنه هنا وضع الأمرين معًا التعليم والمعجزات. وربما قال هذا لأن الكلام هو أيضًا كان أعمالاً. فكيف يعمل الآب كلاهما؟ يقول في موضع آخر: "إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا" (10: 37)، فكيف يقول هنا أن الآب هو يعملها؟ ليظهر نفس الشيء أنه لا يوجد فاصل بين الآب والابن. ما قاله هو هذا: "لا يعمل الآب في طريق، وأنا في طريق آخر". كما يقول في موضع آخر: "أبي يعمل حتى الآن، وأنا أعمل" (5: 17)،مظهرًا في العبارة الأولي عدم الاختلاف في العمل بين الآب والابن، وفي الثانية الهوية للآب والابن.

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 التالى
+ إقرأ إصحاح 14 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 14 جـ5 PDF Print Email
"قال له يسوع: أنا معكم زمانًا هذه مدته، ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رأني فقد رأى الآب، فكيف تقول أنت ارنا الآب؟" (9)

في عتابه لفيلبس بل ولكل التلاميذ يقول السيد: "أنا معكم"، ولم يقل: "أنتم معي". فقد نزل إلينا وحلَّ بيننا، فمن جانبه جاء إلينا خلال مبادرة حبه. بقي لنا أن تستنير أعيننا الداخلية ونتقدم نحوه، لنصير نحن معه كما هو معنا. هو نزل إلينا لكي بروحه نصعد إليه.

إنه معهم ليس خلال رؤية سريعة إلى دقائق أو ساعات كما أعلن عن نفسه قديمًا للأنبياء خلال الرؤى والإعلانات والأحلام، إنما جاء وحلَّ بينهم، وعاش في وسطهم "زمانًا هذه مدته"، لهذا كان يليق بهم أن يروه كما ينبغي فيروا الآب، ويدركوه، ويتحدوا معه في المسيح يسوع. من رأى المسيح حقًا يرى الآب!

هل يمكن لخليقةٍ ما في السماء أو على الأرض أن تتجاسر وتنطق بهذا؟ مستحيل! لقد حسب السيد المسيح أن من رآه فقد رأى الآب، وذلك إن اكتشف حقيقة السيد. لهذا عاتب السيد المسيح فيلبس، لأنه لم يعرفه بعد عشرة دامت حوالي ثلاث سنوات. إنه لم يلمه لأنه يشتهي رؤية الآب، وإنما لأنه لم يدرك من هو المسيح، وبالتالي لم يستطع طوال هذه المدة أن يتمتع برؤية الآب. لم يدرك أن ملء اللاهوت في المسيح جسديًا (١ كو ٢: ٩)، فالآب هو فيه في كمال لاهوته. ما يعمله السيد المسيح يشترك فيه الآب بكونه العمل الإلهي الواحد.

- أما تؤمن إني أنا في الآب، والآب فيّ؟ نعم من يتطلع إلى الابن يرى الآب في صورة. لاحظ أي نوع من الصور يتحدث عنها. إنه الحق والبرّ وقوة اللَّه، ليس أخرسًا لأنه الكلمة، وليس بلا إحساس لأنه الحكمة، وليس باطلاً وغبيًا لأنه القوة، وليس بلا حياة لأنه الحياة، ليس ميتًا لأنه القيامة.

-في الكنيسة اعرف صورة واحدة، صورة الله غير المنظور التي قال عنها الله: "وصنع الإنسان على صورتنا"... (تك 1: 26). تلك الصورة التي كُتب عنها أن المسيح "بهاء المجد ورسم أقنومه" (راجع عب 1: 3). في هذه الصورة أدرك الآب، كما يقول الرب يسوع نفسه: "من رآني فقط رأى الآب". لأن هذه الصورة غير منفصلة عن الآب، والتي هي بالحق تعلمني وحدة الثالوث، إذ يقول: "أنا والآب واحد" (10: 30) وأيضًا: "كل ما للآب فهو لي" (16: 15). وأيضًا عن الروح القدس يُقال أن الروح هو روح المسيح، كما هو مكتوب: "يأخذ مما لي ويخبركم" (16: 14).

القديس أمبروسيوس

- من يتأهل للتطلع إلى ربوبية الابن ينعم بربوبية الآب. هذا الكلام ليس من عندي، بل هي كلمات الابن الوحيد القائل: "أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رآني فقد رأى الآب". وباختصار لا تفصلهما، ولا تصنع تشويشًا.

لا تقل قط أن الابن غريب عن الآب، ولا تقبل القائلين إن الآب في وقت ما الآب، وفي وقت آخر هو الابن. فإن هذه العبارة غريبة وجاحدة وليست من تعاليم الكنيسة. لكن الآب بولادته الابن بقي الآب ولم يتغير، ولد الحكمة ولم يفقد الحكمة. ولد القوة دون أن يصير ضعيفًا. ولد اللَّه ولم يخسر ربوبيته. لم يفقد شيئًا بالنقص أو التغير، ولا المولود ناقص في شيء.

كامل هو الوالد، وكامل هو المولود.

اللَّه هو الوالد، اللَّه هو المولود، اللَّه من اللّه، ولكنه يُدعى الآب إلهه دون أن يخجل من القول: "أصعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم" (يو 17:20).

القديس كيرلس الأورشليمي

يعبر القديس غريغوريوس النزينزي عن سرّ انجذابه إلى الثالوث الذي كرز به بين شعبه، بينما لمدة طويلة قد حُرم الثالوث من الكرازة به بين الشعب، وإن كان ليس تمامًا.

- ليقودني الكلمة الإلهي في نهاية حياة مملوءة بالدموع إلى المسكن غير المتغير، حيث يوجد ثالوثي، وبهاء سموه المجتمع، ظلال الثالوث تمجدني.

القديس غريغوريوس النزينزي

- بالحق انتهر السيد التلميذ، إذ رأى ما في قلب السائل. إن كان الآب بنوعٍ ما أفضل من الابن، حتى أن فيلبس أراد أن يعرف الآب، بهذا لم يعرف الابن، إذ ظن أنه أقل من الآب. فلكي يُصحح مثل هذا المفهوم قيل: "الذي رآني رأى الآب، فيكف تقول أنت أرنا الآب؟" (9)... لماذا تود أن تكتشف وجود مسافة بين من هما متشابهين؟ لماذا تتوق إلى معرفة منفصلة بين من هما غير منفصلين؟ ما قاله بعد ذلك لم يكن لفيلبس وحده، بل لهم جميعًا، هذا يلزم ألا نضعه كما في زاوية، حتى يمكننا بمعونته أن نفسره بأكثر حرص.

- لم تكن بعد عينا فيلبس سليمتين بما فيه الكفاية لتنظرا الآب، وبالتالي لتنظرا الابن الذي هو مساوٍ للآب. هكذا قام يسوع المسيح بشفائه بأدوية ومراهم الإيمان ليقوي عيني ذهنه اللتين كانتا بعد ضعيفتين وعاجزتين عن رؤية نورٍ عظيمٍ كهذا. وقال له: أما تؤمن إني في الآب، والآب فيَّ؟" ليت ذاك العاجز عن أن يرى ما سيظهره له الرب يومًا ما ألا يطلب أن يرى بل أن يؤمن. ليؤمن أولاً حتى تُشفى العينان اللتان بهما ينظر.

القديس أغسطينوس

"ألست تؤمن إني أنا في الآب، والآب فيّ؟ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال". (10)

إذ تتحقق رؤيتنا لله في هذا العالم خلال الإيمان لا العيان، لذا يتحدث السيد المسيح هنا عن "الإيمان"، وأي إيمان؟ إيمان بأن جوهر الابن ليس مضافًا إلى الآب، إذ كل منهما في الآخر، بكونهما جوهرًا واحدًا. فمن أراد أن يرى الآب، ويتعرف عليه يلزمه أن يؤمن بالمسيح أنه "الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبَّر" (يو ١: ١٨). فلا عجب إن قال: "الذي يراني يرى الذي أرسلني" (يو ١٢: ٤٥).

- لا يوجد أي اعتراض على فهم الابن أنه في الآب كما في مصدرٍ... الابن في الآب وعند الآب، ليس كمن وُجد خارجًا عنه، ولا في زمنٍ، بل في جوهر الآب مشرقًا منه، وذلك كأشعة الشمس المشرقة، وحرارة النار المتضمنة في صلبها. ففي هذين المثالين نجد شيئًا متولدًا من آخر، لكنه شريكه الدائم في الوجود معه مع عدم الانفصال عنه، فلا يوجد الواحد دون الآخر، وإنما يحفظ حالة طبيعته الحقيقية.

القديس كيرلس الكبير

- يقول الرب الحق: "أنا في الآب، والآب في". بوضوح الواحد في كليته هو الآخر في كليته، فالآب ليس هو بإفراط في الابن، ولا الابن ناقص في الآب.

- نفس سمة اللاهوت تُرى في الاثنين.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- لأن الآب لا يفعل شيئًا إلا بممارسة قوته وحكمته، فقد صنع كل الأشياء بحكمة، كما هو مكتوب: "بحكمة صنعتً الكل" (مز 24:104)، هكذا أيضًا لا يفعل اللَّه الكلمة شيئًا بدون شركة الآب. لا يعمل بدون الآب، بدون مشيئة الآب لا يقدم نفسه للآلام كلية القداسة، ويُذبح لأجل خلاص العالم كله (يو 16:3، 17؛ عب 10:10-12). بدون إرادة الآب لا يقوم من الأموات إلى الحياة.

القديس أمبروسيوس

"صدقوني إني في الآب، والآب فيّ، وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها". (11)

إذ يتحدث مع خاصته عن أسراره الإلهية يشهد لنفسه بنفسه، إذ سبق فقال: "وإن كنت أشهد لنفسي، فشهادتي حق" (يو ٨: ١٤). هنا لا يخاطب فيلبس وحده، بل كل التلاميذ، مقدمًا رسالة لكل مؤمنيه. يقدم السيد المسيح أعماله أيضًا شهادةً حقة لصدق كلماته، فأعماله تشهد أن السيد إنما يعمل أعمال أبيه، ويتكلم كلمات أبيه، فهي أعمال الآب والابن معًا، وكلماتهما. يقول القديس بولس عن الآب: "كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عب ١: ٢). كما يقول السيد عن نفسه: "الكلام الذي أكلمكم به، لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال" (11).

- يليق بكم عند سماعكم "أب" و"ابن" ألا تسألوا شيئا آخر غير تأكيد العلاقة في الجوهر، ولكن إن كان هذا غير كافٍ لكم لتأكيد الكرامة المشتركة والجوهر المشترك فتعلموا هذا من الأعمال.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إنك ترى أن الابن هو اللَّه، فيه اللَّه الآب، إذ يقول نفس العبارة التي وردت في الإنجيل: "إني في الآب، والابن فيَّ". إنه لم يقل: "أنا هو الآب"، بل" الآب فيّ، وأنا في الآب". أيضًا لم يقل: "الآب وأنا هما أنا"، بل "أنا والآب واحد " حتى لا نفصل بينهما دون أن نضع خلطًا في ابن الآب.

إنهما واحد من جهة شرف وحدة اللاهوت، إذ ولد اللَّه اللَّه. هما واحد في ملكوتهما، لأن الآب لا يملك على هؤلاء، والابن على أولئك، متكبرًا على أبيه كما فعل أبشالوم، إنما ملكوت الآب هو ملكوت الابن. إنهما واحد، إذ لا يوجد بينهما اختلاف ولا انقسام، بل ما يريده الآب يريده الابن. إنهما واحد، لأن أعمال الخلقة التي للمسيح ليست غير ما للآب، إنما خالق كل الأشياء هو واحد، خلقها الآب بالابن. وكما يقول المرتل: "هو قال فكانوا، هو أمر فخلقوا" (مز 9:33؛5:148).

الابن هو اللَّه بعينه Very God، له الآب فيه دون أن يصير هو الآب، لأن الآب لم يتجسد، بل الابن... الآب لم يتألم من أجلنا، بل أرسل من يتألم...

فليس بقصد تكريم الابن ندعوه "الآب"، ولا لتكريم الآب نتصور الابن أحد خلائقه. إنما هو أب واحد، نعبده خلال ابن واحد، دون أن نفصل العبادة بينهما.

ليعلن عن الابن الواحد، جالسًا عن يمين الآب قبل كل الدهور في العرش، ليس عن تقدم ناله في زمان بعد الآلام، بل منذ الأزل.

القديس كيرلس الأورشليمي

- بينما نحن نتكلم هو نفسه الذي لن يسحب حضرته منا يكون معلمنا.

- هل كلماته هي أعمال؟ واضح أن الأمر هكذا، لأنه بالتأكيد من يبني قريبه بما يقوله يعمل أعمالاً صالحة.

- ينسب ما يفعله للآب الذي منه يفعل. لأن الآب ليس الله (المولود) من آخر، أما الابن هو الله المساوي حقًا للآب لكنه مولود منه. لذلك فالآب هو الله الذي ليس من الله، والنور الذي ليس من نور، بينما الابن هو إله من إله، نور من نور.

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 التالى
+ إقرأ إصحاح 14 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 
<< Start < Prev 1 2 3 4 5 6 7 8 9 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


10 توت 1736 ش
21 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديسة مطرونة
استشهاد القديس يؤانس المصري وزملائه
استشهاد القديسة باسين وأولادها الثلاثة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك