إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 15 جـ4 PDF Print Email

8. حدوث الظلمة

"ولما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة" [33].

إذ ارتفع الخالق على الصليب بيدي خليقته التي أرادت الخلاص منه بجحودها، حرمت نفسها من شمس البرّ، فسادت الظلمة داخل القلوب، أعلنها احتجاب الشمس من وقت الساعة السادسة حتى التاسعة.

يذكر سفر التكوين أن آدم وحواء بعد السقوط "سمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة" (تك 3: 8)، أي عند الظهيرة، ويرى بعض المفسرين أنه سمع الحكم بالموت في وقت الساعة التاسعة. وكأنه في اللحظات التي اختفى فيها أبونا من وجه الرب وأدركا أنهما تحت حكم الموت، سادت الظلمة على الأرض ليحمل آدم الجديد ذات الحكم وهو معلق على الشجرة! لهذا فإن الظلمة هنا تشير إلى السلطان الذي أُعطى للظلمة على السيد المسيح إلى حين، كقوله: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو 22: 53).

في حديث العلامة ترتليان لليهود قال: [حدثت ظلمة في وسط النهار، وهكذا تحولت أعيادكم إلى نوح وجميع أغانيكم مراثي (عا 8: 10). فإنه بعد آلام المسيح أُخذتم كما إلى السبي والتشتت، كما سبق فأنبأ الروح القدس.]

يقول القديس كيرلس الكبير: [جعلوا عملهم تسليم رئيس الحياة للموت، فصلبوا رب المجد. لكنهم إذ سمروا رب الكل على الصليب انسحبت الشمس من فوق رؤوسهم والتحف النور في وسط النهار بالظلمة كما سبق فأنبأ عاموس بالوحي الإلهي (عا 5: 18)... وكانت هذه علامة واضحة لليهود أن أذهان صالبيه قد التحفت بالظلمة الروحية لأن "العمى قد حصل جزئيًا لإسرائيل" (رو 11: 25). وقد لعنهم داود في محبته لله، قائلاً: "لتظلم عيونهم عن البصر" (مز 69: 23). نعم، انتحبت الخليقة ذاتها ربها، إذ أظلمت الشمس، وتشققت الصخور، وبدأ الهيكل نفسه كمن اكتسى بالحزن، إذ انشق الحجاب من أعلى إلى أسفل. وهذا ما عناه الله على لسان إشعياء: "أُلبس السماوات ظلامًا وأُجعل المسح غطاءها" (إش 50: 3).]

9. تسليم الروح

"وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً: ألوي ألوي لما شبقتني، الذي تفسيره: إلهي إلهي لماذا تركتني.فقال قوم من الحاضرين لما سمعوا: هوذا ينادي إيليا.فركض واحد وملأ إسفنجة خلاً، وجعلها على قصبة وسقاه، قائلاً: اتركوا، لنَرَ هل يأتي إيليا لينزله.فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح" [34-37].

بحسب الجسد كان السيد المسيح قد أُنهمك تمامًا، ولم يكن ممكنًا في ذلك الوقت أن يصرخ هكذا، لكنه صرخ ليُعلن أنه ما يتم الآن بين أيديهم ليس عن ضعف، بل تحقيقًا لعمله الإلهي الذي سبق فأعلنه بأنبيائه.

جاءت الكلمات "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" لا تحمل لهجة اليأس كما قد يظن البعض فإن الابن لن ينفصل قط عن الآب، إنما أراد أن يبرز بشاعة الخطية التي حملها على كتفيه نيابة عنا، فجعلته كمن يسقط تحت الغضب وهو الابن المحبوب لديه.

بهذه الصرخة أيضًا يذكرهم بالمزمور الثاني والعشرين بكونها افتتاحيته، وقد جاء المزمور يصف أحداث الصلب. إنه بهذه الصرخة يقدم انذرًا أخيرًا لليهود كي يعيدوا النظر فيما يفعلون قبيل تسليم روحه، لعلهم يدركوا أنه المسيا محقق النبوات فيرجعون.

أما ظنهم أنه يطلب إيليا، فقد ارتبط شخص إيليا النبي بالمسيح كسابق له يهيئ له الطريق، ولأن اليهود كانوا يرون في إيليا المعين في السماء يشفع في المتضايقين والمظلومين، فهو يطلب شفاعته!

10. انشقاق حجاب الهيكل

"وانشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل" [38].

لماذا انشق حجاب الهيكل عندما أسلم السيد المسيح الروح؟

أولاً:
سبق فأعلن السيد المسيح أنه يسلم الروح بسلطان، ويتقبلها ثانية بسلطان وليس عن ضعف، إذ قال: "ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي، لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا" (يو 10: 8). وقد جاءت أحداث الصلب تعلن ذلك، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هذه الصرخة شقت الحجاب وفتحت القبور وجعلت البيت خرابًا. فعل ذلك ليس إهانة للَّهيكل، وإنما إعلانًا عن أنهم غير مستحقين لسكناه، كما سبق فسلمه قبلاً للبابليين.] بصرخته أعلن سلطانه، فشق حجاب الهيكل، مؤكدًا حزن الهيكل على ما يفعله العابدون فيه، معلنًا رفضه لعبادتهم بعد أن لطخوا أيديهم بالدم البريء في قسوة وتجاسر وحسد!

ثانيًا
: يقدم لنا الرسول بولس مفهومًا لاهوتيًا لانشقاق الحجاب في رسالته إلى العبرانيين ألا وهو انفتاح المقادس السماوية أمامنا بذبيحة الصليب. فالحجاب الذي يفصل قدس الأقداس عن القدس يشير إلى عجز الإنسان عن تمتعه بالأقداس الإلهية السماوية، وقد جاء السيد المسيح يفتح طريق السماء بدمه، ويدخل بنا إلى حضن أبيه ننعم بمقدساته. فمن كلماته: "الذي هو لنا كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب، حيث دخل يسوع كسابقٍ لأجلنا صائرًا على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد" (عب 6: 19-20). مرة أخرى يقول: "ليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديًا" (عب 9: 12؛ راجع عب 9: 10).

في نص منسوب للقديس جيروم جاء [انشق حجاب الهيكل وانفتحت السماوات.]

يقول القديس أمبروسيوس: [انشق حجاب الهيكل حتى تعبر نفوسنا وأرواحنا إلى الله وتراه وجهًا لوجه، وتعاين الأسرار الخفية.]

ثالثًا: لعل انشقاق حجاب الهيكل يعني انفتاح الباب للأمم، الذين لم يكن ممكنًا لهم أن يشتركوا مع اليهود في العبادة داخل الهيكل. هذا ما أعلنه الرسول بولس بقوله: "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا، ونقض حائط سياج المتوسط، أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا، ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلاً العداوة به" (أف 2: 14-16).

11. إيمان قائد المئة

"ولما رأى قائد المئة الواقف أمامه أنه صرخ هكذا وأسلم الروح، قال: حقًا كان هذا الإنسان ابن الله" [39].

يا للعجب آمن قائد المئة الروماني بالسيد المسيح المصلوب حين رآه يصرخ ويسلم الروح، وكأنه قد أدرك خلال صرخته وتسليم روحه أنه لم يمت عن ضعف وإنما في قوة وبسلطان. يقول القديس أغسطينوس: [أظهرت نفس الشفيع أنه لم يكن لعقوبة الخطية سلطان عليها ليموت الجسد، إذ لم تترك الجسد بغير إرادتها إنما بإرادتها، فقد اتحدت النفس مع كلمة الله أقنوميًا.]

وجاء في نص منسوب للقديس جيروم: [آخرون صاروا أولين. الشعب الأممي اعترف، والشعب اليهودي الأعمى أنكر، فصار شرهم الأخير أقسى من الأول.]


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 15 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


9 هاتور 1735 ش
19 نوفمبر 2018 م

اجتماع مجمع نيقية المسكونى الاول سنة 325 ميلادية
نياحة البابا أسحق البابا 41

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك