إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

بينما يبحث علماء اللاهوت فى هذه الأمور العويصة يكون كثير من البسطاء تسللوا داخلين إلى ملكوت الله

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 14 جـ2 PDF Print Email

أما عن سكب الطيب على رأس السيد، ففي نص منسوب للقديس جيروم قيل أن المرأة سكبت الطيب من القدمين حتى بلغت الرأس، لكن الإنجيلي حسبها سكبته على رأسه. ولعل ذلك يشير إلى نظرة السيد المسيح إلى أعمال المحبة أنها جميعًا تقدم لحسابه. فما قدمه للفقراء والمساكين والمرضى والمسجونين والمتضايقين والحزانى من أعمال محبة إنما يتقبله السيد المسيح نفسه كرأسٍ الكل. بمعنى آخر نحن نسكب الطيب على الأعضاء فيُنسب هذا العمل إلى الرأس، ويحسبنا سكبناه عليه.

لم يطق يهوذا محب الفضة هذا العمل الكنسي المفرح، إذ كان يود أن يُقدم ثمن القارورة له ليضعه في الخزانة لحساب الفقراء فينهبه. لهذا أثار تبرمًا وسط المحيطين به، إذ يقول الإنجيلي: "وكان قوم مغتاظين في أنفسهم، فقالوا: لماذا كان تلف الطيب هذا؟ لأنه كان يمكن أن يُباع هذا بأكثر من ثلاث مئة دينار ويعطى للفقراء وكانوا يؤنبونها" [5].

لم يهتم يهوذا أنه يفقد حياته كلها وخلاصه الأبدي، لكنه أثار نفوس التلاميذ لأجل ما يراه فقدانًا بالنسبة لأكثر من ثلاثمائة دينار!

في نص منسوب للقديس جيروم ورد التفسير للقصة بمفهوم رمزي، إذ قيل:

[سمعان الأبرص يعني العالم الذي كان دنسًا (أبرصًا بعدم الإيمان) لكنه تحوّل إلى الإِيمان. المرأة بقارورة الطيب إيمان الكنيسة القائلة: "أفاح نارديني رائحته" (نش 1: 12). دُعي ناردين خالص بكونه الإِيمان الثمين. البيت الذي امتلأ من رائحته هو السماء والأرض. أما كسر القارورة فهو كسر الشهوات الجسدية عند الرأس الذي به تشكّل الجسد كله، فقد تنازل الرأس وأخلى ذاته حتى يستطيع الخاطيء أن يبلغ إليه. هكذا انطلقت المرأة من القدمين إلى الرأس، ونزلت من الرأس إلى القدمين، أي بلغت بالإِيمان إلى المسيح وأعضائه.]

لقد حسب يهوذا هذا الطيب خسارة، لأن يساوي أكثر من ثلاثمائة دينار، ولم يدرك أن ما قد حسبه خسارة هو ربح في عيني الرب الذي يشتاق أن يتقبل من كل إنسان ذات الطيب. فان رقم 300 يشير إلى تقديس الإنسان تقديسًا كاملاً خلال الطاعة لوصية الله في الداخل والخارج فإن كان رقم 300 هو محصلة (10×10×3)، فإن رقم 10 الأولى تشير إلى طاعة الوصية (الوصايا العشر)، ورقم 10 الثاني يشير إلى تقديس الحواس الخفية (خمسة حواس) والظاهرة، ورقم 3 يشير إلى تقديس النفس والجسد والروح بالتمتع بالحياة المقامة التي في المسيح يسوع الذي قام في اليوم الثالث، كما يشير رقم 3 إلى تقديس النفس والجسد والروح خلال الإيمان بالثالوث القدوس.

على أي الأحوال إن كانت هذه المرأة قد انتقدها الناس لكنها تمتعت بمديح الرب نفسه الذي أعلن ارتباط قصتها بالكرازة بإنجيله في العالم كله!

أخيرًا فان قصة سكب الطيب على السيد المسيح وردت في الأناجيل الأربعة (مت 26: 6؛ مر 14: 3؛ لو 7: 21؛ يو 12: 3). وواضح من الأناجيل أن سكب الطيب تكرر أكثر من مرة، وقد اختلفت الآراء في تحديد شخصيات هؤلاء النسوة اللواتي سكبن الطيب، غير أن الرأي السائد هو:

أولاً: المرأة المذكورة في إنجيل يوحنا هي مريم أخت لعازر.

ثانيًا: المرأة المذكورة في إنجيل لوقا هي خاطئة قامت بهذا العمل إثناء خدمة السيد.

ثالثًا: المرأة المذكورة في إنجيلي متى ومرقس سكبت الطيب في أيام البصخة، يرى البعض أنها غير الخاطئة، ويرى آخرون أنها هي بعينها الخاطئة سكبته وهي خاطئة تطلب بدموع المغفرة وأخرى تقدمه طيب حب وشكر أثناء البصخة، بل ويرى آخرون أنها مريم أخت لعازر ومرثا.

3. خيانة يهوذا

"ثم أن يهوذا الإسخريوطى واحدًا من الإثنى عشر مضى إلى رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم.ولما سمعوا فرحوا ووعدوه أن يعطوه فضة،وكان يطلب كيف يسلمه في فرصة موافقة" [10-11].

إن كانت الكنيسة تضم امرأة بسيطة تكسر القارورة لتسكب الطيب ناردين كثير الثمن على رأس السيد فيمتلئ البيت من رائحته الذكية، فإنه يختفي حتى من بين التلاميذ من يسلمه في أيدي الأعداء. فالكنيسة تضم في داخلها قديسين هم أعضاء حقيقيون في جسد المسيح، كما تضم من لهم اسم المسيح في الخارج أما قلوبهم فمنحلة عنه تمامًا. هؤلاء بالحقيقة ليسوا أعضاء بل هم مفروزون منها حتى ولو لم يفرزهم أحد!

والعجيب أن الخائن يحمل اسم يهوذا، وهو اسم ذات السبط الذي خرج منه السيد المسيح بالجسد، فبينما يقدم لنا يهوذا الأسد الخارج ليحطم عدو الخير الأسد الذي يجول زائرًا يلتمس من يبتلعه (1 بط 5: 8)، إذا بالشيطان يقتنص تلميذًا يحمل ذات الاسم ليكون أداة لتسليم الرب.

إن كان اسم "يهوذا" معناه "يحمد" أو "يعترف"، فإن يهوذا هذا يمثل الذين يحملون اسم المسيح، كهنة أو شعبًا، يحمدون الرب بلسانهم ويعترفون بالإيمان بشفاههم أما قلوبهم وأعمالهم فأداة للتحطيم. إنهم كعدو الخير الذي قيل أنه يؤمن ويرتعب (يع 2: 19)، لكنه لا يحمل في قلبه حبًا بل عداوة وبغضة. مثل هؤلاء أخطر من الأعداء الخارجين، فإنه ما كان يمكن لرؤساء الكهنة أن يقبضوا على السيد بدون يهوذا! أقول هذا لكي نحذر لا الآخرين بل أنفسنا، فإنه لا يستطيع عدو الخير الخارجي (إبليس) أن يأسر مسيحنا الداخلي أو يصلبه ويشهر به ما لم نسلمه نحن له. لهذا يحذرنا السيد المسيح: "أعداء الإنسان أهل بيته" (مت 10: 36)، أي حياته الداخلية وإرادته الشريرة.

حين يفسد "يهوذنا" أي "إيماننا" بانحلاله عن الحب، يُسلم القلب للعدو، ويصلب السيد المسيح مرة أخرى ويشَّهر به... أما ثمن هذا فقليل من الفضة الغاشة يعده بها العدو.

يا للعجب يسلم القلب الخائن مسيحه، كلمة الله، الفضة المصفاة سبع مرات (مز 12: 6) مقابل فضة غاشة من أيدٍ شريرة! يُقدم السماوي أسيرًا، لينعم بقليل من الأرضيات يعود فيتركها ويشنق نفسه!

فيما يلي بعض تعليقات الآباء على قصة خيانة يهوذا:

- لماذا تخبرني عنه "الإسخريوطي"؟... لأنه يوجد تلميذ آخر يدعى يهوذا الغيور، أخ يعقوب، خشي (الإنجيلي) لئلا يحدث خلط بينهما، فميّز الواحد عن الآخر. لكنه لم يقل عنه "يهوذا الخائن" حتى يعلمنا إلا نندد بأحد، بل نتجنب اتهام الآخرين. على أي الأحوال بقوله "واحد من الإثني عشر" أبرز بشاعة جريمة الخائن، إذ وجد سبعون آخرون لم يمتثل أحدهم به ولا اشترك معه في تصرف كهذا. أما هؤلاء الإثنا عشر الذين اختارهم السيد كانوا الجماعة الملوكية خرج منها هذا الخائن الشرير.




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 14 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


6 هاتور 1735 ش
16 نوفمبر 2018 م

نياحة القديس فيلكس بابا روميه
تذكار تكريس كنيسة العذراء الاثرية بدير المحرق العامر بجبل قسقام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك