إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

النفس القوية لا تقلق ولا تضطرب ولا تخاف ولا تتردد أما الضعيف فإنه يتخيل مخاوف وينزعج بسببها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 13 جـ2 PDF Print Email

ثالثًا: السيد المسيح في حديثه مع تلاميذه عن علامات المنتهى، بالرغم مما قدمه من طريق طويل وشاق للغاية لكنه بسلطان ألهب قلوبهم غيرة للدخول فيه؛ لهذا السبب تقدم لنا الكنيسة في قراءات يوم الثلاثاء من البصخة قصتين غاية في الأهمية: لقاء إيليا مع الله وسماعه صوته الإلهي لا خلال الريح العاصف الشديد ولا الزلزلة ولا النار بل خلال النسيم الهادئ اللطيف (1 مل 19: 4-9)، وتمتع نوح بالخلاص في الفلك وسط الطوفان. تمثل قصة إيليا الحاجة إلى الغيرة المقدسة للقاء مع الله، لكنها غيرة ملتهبة داخلية تقوم خلال النفس الهادئة في الرب، التي تحمل سماته حيث لا يصيح ولا يسمع أحد صوته في الشوارع (إش 42: 2؛ مت 12: 19). أما فلك نوح فيلتحم بغيرة إيليا ليترجم أعماقنا الداخلية واشتياقنا القلبي لملاقاة الرب إلى عمل جاد، فنقبل صليب الرب عمليًا كمن يدخل الفلك مع عائلته وحيواناته وطيوره لينعم باللقاء مع الله وسط هياج العالم الشديد والطوفان المهلك للكثيرين. هذا الفلك يمثل البيت الجديد الذي نقطنه هنا فيحملنا، مرتفعًا بنا فوق المياه، لذلك جاءت القراءات تحدثنا عن بيت الحكمة (أم 9: 1-11) المؤسس على الأعمدة السبعة التي هي أعمال الروح القدس.

بمعنى آخر، لكي نلتقي بربنا يسوع القادم على السحاب يليق بنا ونحن هنا على الأرض أن نتدرب بالروح القدس الذي فينا أن نسكن الفلك الذي يرفعنا إلى فوق، وأن نقطن الجبال العالية، إذ يقول النبي: "أصعد على جبل عال يا مبشر صهيون" (إش 40: 9) كما جاء في نبوات ذات اليوم، حينئذ ننعم مع دانيال (ص 7) برؤية السيد القادم على السحاب.

رابعًا: أخيرًا لكي تلهب الكنيسة شوقنا للتمتع بهذا اللقاء الأبدي تحدثنا عن بهاء المجد الذي ننعم به حينذاك، فتقتبس في قراءاتها ما قاله إشعياء: "نور القمر كنور الشمس" (إش 30: 26)، وما قاله السيد نفسه: "كل من له يعطى فيزداد" (مت 25: 29). بمعنى آخر ما نناله من بهاء داخلي هنا يكون عربونًا لبهاء أعظم أبدي، فإن صرنا بالرب قمرًا نصير هناك شمسًا، وإن صار لنا مكافأة داخلية فإن ما يُعطى لنا هنا يزداد هناك.

بجانب هذا الفكر الكنسي تجاه ما ورد في هذا الأصحاح نود أن نوضح سمات أخرى لهذا المقال:

أولاً: يُعتبر ما ورد في هذا الأصحاح أحد المقالين الطويلين للسيد المسيح في هذا الإنجيل، الأول ورد في الأصحاح الرابع (1-34). وقد لاحظ بعض الدارسين في المقال الذي بين أيدينا أنه اختلف في طابعه عن بقية أحاديث السيد المسيح، فدعاه البعض "الرؤيا الصغيرة Little Apocalypse" وإن كان البعض الآخر رفض تمامًا هذه التسمية، متطلعًا إلى المقال أنه لم يقم على رؤيا معينة، إنما هو حديث مفتوح خاص بين السيد المسيح العالم بالأسرار وتلاميذه.

ثانيًا: لا يستطيع القارئ المعاصر - مهما كانت قراءاته أو معرفته - أن يدرك أثر هذا الحديث على نفسية الإنسان اليهودي في أيام السيد المسيح من جهة خراب الهيكل، فقد كان الهيكل هو كل شيء في حياته، يمثل ملكوت الله وعلامة حلول الله في وسط شعبه ورضاه عليه. يتعلق اليهودي بالهيكل تمامًا، ويحسب أي مساس به علامة غضب الله الشديد نحو شعبه كله! لهذا كان لائقًا أن يكشف الرب عن دمار العالم المادي كله كطريق تمهيدي لمجيء المسيح الأخير على السحاب، ودمار الهيكل المادي لإقامة هيكل الرب الروحي.

ثالثًا:
هذا المقال في حقيقته لم يقدمه السيد لنتعرف على الأزمنة والأوقات، ولا كعملٍ نبوي به نتعقب الأحداث، لكنه مقال يكشف عن أسرار المستقبل جاء بقصد عمل رعوي، فيه يحث السيد المسيح كنيسته على الجهاد المستمر وتخطي العقبات التي تقوم على الدوام حتى مجيئه، كما يحذرنا من المسحاء والأنبياء الكذبة، ويوصينا بالسهر الدائم ترقبًا لمجيئه!

رابعًا: أخيرًا يرى كثير من الدارسين أنه "حديث ختامي" أو "وداعي" قدمه السيد المسيح لأربعة من خاصته، كما اعتاد بعض آباء وأنبياء العهد القديم أن يفعلوا هكذا قبيل موتهم مثل إسحق (تك 27)، ويعقوب (تك 49)، وموسى (تث 31: 28 الخ، 32)، ويشوع (يش 24)، وصموئيل (1صم 12)، وداود (1أي 28-29)، وطوبيا (طو 14).

هذا الحديث الوداعي الخاص - إن صح تسميته - بجانب حديثه الوداعي العام لتلاميذه (يو14-16) يختلف تمامًا عن كل حديث وداعي قديم قدمه أحد الآباء أو الأنبياء قبل موته. فاسحق ودّع ابنيه في شيخوخته وهو فاقد البصر لا يميز يعقوب من عيسو، أما يسوع رب المجد فيحدث تلاميذه قبل الصلب بقوة معلنًا أن قوات الظلمة لن تحطم خطته لخلاص البشرية، فاتحًا بصيرتهم الداخلية لمعاينته قادمًا على السحاب ليحملهم إلى مجده. ويعقوب يتحدث مع أبنائه لتأسيس شعب الله على الأرض، أما رب المجد فيعُلن تأسيس ملكوته الأبدي. وموسى يوصي شعبه بعد أن حُرم من الدخول معهم إلى أرض الموعد، أما يسوع المسيح فيأتي ليحملهم إلى مجده الفائق. وهكذا بقية الآباء والأنبياء، ما قد عجزوا عن تقديمه لأنفسهم اشتهوه لإخوتهم وأولادهم وشعبهم، أما السيد المسيح فهو الرأس المنطلق إلى أمجاده ليحمل مؤمنيه جميعًا إلى حضن أبيه في قوة.

الآن نعود إلى النص الإنجيلي راجيًا الرجوع إلى تفسير الأصحاح الرابع والعشرين من إنجيل معلمنا متى البشير منعًا من التكرار، مشتاقًا أن يلهب الرب أعماقنا جميعًا لشهوة الالتقاء معه عند مجيئه إلينا في اليوم العظيم.

1. هدم الهيكل القديم

"وفيما هو خارج من الهيكل، قال له واحد من تلاميذه:يا معلم، انظر ما هذه الحجارة؟ وما هذه الأبنية.فأجاب يسوع وقال له: أتنظر هذه الابنية العظيمة؟لا يُترك حجر على حجر لا يٌنقض" [1-2].


هذا السؤال قدمه أحد التلاميذ فيما كان السيد المسيح يخرج من الهيكل، فقد كانت أبنية الهيكل العظيمة بملحقاته تشغل ذهن اليهود كعلامة رضا الرب عنهم. لقد بدأ بناء الهيكل الثاني في عهد زرُبابل بسماح كورش ملك الفرس الذي أحسن لليهود وسمح لهم بالعودة من السبي والبدء في بناء الهيكل في القرن السادس ق.م، وقد امتاز الهيكل الجديد عن القديم بضخامته وإن كان أقل منه في الفخامة. وفي أيام هيرودس قبل ميلاد السيد المسيح، حوالي سنة 20 ق.م. بدأت عملية ترميم ضخمة بقيت حتى حوالي سنة 60م أي قبل خرابه بحوالي سبع سنوات كما يقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس، موقعه حاليًا الحرم الشريف أو قبة الصخرة في مدينة أورشليم القديمة.

تم هذا التساؤل فيما كان السيد "يخرج" من الهيكل، أما سرّه فغالبًا أن هذا التلميذ أراد أن يسمع من فم معلمه ما جال في خواطر التلاميذ أن السيد جاء ليطهر الهيكل حتى يجعله مركز مملكته وقصره الملوكي، من خلاله يملك على العالم. فجاءت إجابة السيد المسيح تحطم خواطرهم المادية تمامًا، على نقيض ما كانوا يتوقعون، فقد استغل السيد المسيح هذا السؤال ليعُلن لتلاميذه عن إزالة الهيكل تمامًا، وخراب أورشليم، بل ونهاية العالم المادي كله حتى يسحب قلوبهم إلى الملكوت الروحي والمجد السماوي الأخروي.

يقول القديس كيرلس الكبير: [توقع (التلاميذ) أن يُعجب بالمنظر حين يراه، لكنه هو الله، عرشه السماء. أقول في لطفه لم يعطِ اهتمامًا للأبنية الأرضية بكونها تافهة بل وتُحسب كلا شيء تمامًا، إن قورنت بالمواضع العلوية. لقد أوقف الحوار الخاص بهذه الأبنية ووجهه إلى ما هو لازم لنفعهم. إن كان الهيكل بالنسبة لهم يستحق أن ينال كل الإعجاب، لكنه في الوقت المناسب يُخرب من أساساته حين يهدمه الرومان وتُحرق أورشليم بالنار، فينال إسرائيل جزاءه لقتله الرب، فقد حلت بهم هذه الأمور بعد صلب المخلص.]

لكن السيد وهو ينطق بهذا لا يطلب الانتقام¡ ولا يشتهي خراب مقاوميه، إنما بكونه كلمة الله يُعلن حقيقة الأحداث حتى يكشف لتلاميذه معالم الطريق. فمن جهة يلزمهم ألا يربطوا قلوبهم بحجارة وأبنية بل بهيكل روحي داخلي يسكنه الرب ويقيم فيه ملكوته ومن جهة أخرى يلزم هدم الحجارة من الفكر الحرفي فلا نسلك بالناموس حرفيًا بل ننعم به بالروح خلال هدم الحرف القاتل. أخيرًا فإنه يلزم أن ننعم بهدم هيكل إنساننا القديم تمامًا ولا يترك عمل من أعماله أو حجر على حجر إلا وينقض. هذه هي خبرتنا في مياه المعمودية حيث يحطم روح الله القدوس إنساننا القديم لكي لا يكون له أثر في حياتنا. فإن سلكنا بروح الله يقوم في داخلنا البناء الروحي الجديد الذي من عمل نعمة الله المجانية، أما إن عادت قلوبنا تطلب ما هو وراء يصير في داخلنا هيكل الخطية القديم وتتحول حياتنا إلى عمود ملح كامرأة لوط ونفقد بهاء ملكوت الرب فينا وأمجاده الفائقة.

يقول القديس أمبروسيوس: [تشير هذه الكلمات إلى هيكل سليمان وهدمه بواسطة الأعداء قبل زمن الدينونة، لأنه لا يوجد عمل لأيدينا إلا ويتآكل ويُقاوم فيهلك أو تلتهمه النيران. وتشير أيضًا إلى مجمع يهودي... حيث يُهدم الهيكل المادي المنظور الذي للناموس المادي، وأيضًا الفصح المادي المنظور... ويصبح الهيكل روحيًا، والناموس روحيًا، والفصح أيضًا روحيًا.]


السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


7 هاتور 1735 ش
17 نوفمبر 2018 م

تذكار تكريس كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس باللد
تذكار القديس جاؤرجيوس الاسكندرى
استشهاد القديس الانبا نهروه
استشهاد القديس أكبسيما وأبتولاديوس
نياحة القديس الانبا مينا اسقف تيمى الامديد

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك