إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أن ضعفت يوماً فاعرف أنك نسيت قوة الله

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 12 جـ4 PDF Print Email

المسيح كابن داود وربه:

إذ توقفت الحوارات كقول الإنجيلي: "ولم يجسر أحد بعد ذلك أن يسأله" [34]، بدأ السيد يحدث الجماهير من خلال كلمات الكتبة أنفسهم ليكشف لهم عن طريق خلاصهم به، إذ يقول الإنجيلي:

"ثم أجاب يسوع وقال وهو يعلم في الهيكل:كيف يقول الكتبة أن المسيح ابن داود؟لأن داود نفسه قال بالروح القدس:قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك.فداود نفسه يدعوه ربًا، فمن أين هو ابنه؟" [35-37]

يتحدث الآن السيد المسيح عن نفسه علانية ولأول مرة ليعلن الآتي:

أولاً:
أنه المسيا ابن داود وفي نفس الوقت ربه. تعرف عليه داود منذ أجيال طويلة، لا من ذاته وإنما بالروح القدس إنه موضوع النبوات ومشتهى الآباء!

ثانيًا:
إن كانت القوى قد تكاتفت لا لمحاورته فحسب، وإنما أيضًا لقتله صلبًا، فإنهم يقاومون الآب أيضًا الذي يضع الأعداء تحت قدمّي الابن، ليس عن ضعف في الابن، وإنما عن وحدة العمل بين الآب والابن. وكأن السيد يطالبهم قبل الدخول في أحداث الطريق أن يراجع كل إنسان نفسه لئلا تسحبه الأحداث ليصير مقاومًا للحق ومعاندًا لله. أما قوله "اجلس عن يميني" فيعني أنه يحمل قوته، ولا يعني تفاوتًا في الكرامة. فإن كان الآب يخضع الأعداء تحت قدمي الابن، فالابن أيضًا يخضع الأعداء تحت قدمي الآب، إذ يمجد أباه على الأرض (يو 15: 4).

يقول القديس أمبروسيوس: [كل ما للآب هو للابن.. نحن نميز الآب عن الابن في اختلاف الأقانيم لكنهما واحد في القدرة، الواحد في الآخر... مجد الآب لا يضمحل في الابن، وجمال الابن أن يرى فيه كمال الآب، إنهما واحد في القدرة.] ويقول القديس كيرلس الكبير: [ونحن أيضًا نضع ذات السؤال لفريسي الأزمنة الأخيرة (النساطرة)، ليت هؤلاء الذين ينكرون أن المولود من القديسة العذراء هو بعينه ابن الله الآب وأنه هو الله، مقسمين المسيح إلى ابنين، ليشرحوا لنا كيف يكون ابن داود ربه، ليس لربوبيه بشرية بل لاهوتية. فإن جلوسه عن يمين الآب هو تأكيد وعربون المجد الأسمى. فإذ لهما عرش واحد لهما كرامة واحدة، والمتوجان بكرامة واحدة لهما طبيعة واحدة.]

ثالثًا: إن كان السيد قد أُتهم باتهامات كثيرة أثناء خدمته، لكنه يتمجد بخضوع أعدائه تحت قدميه في يومه العظيم، وكما يرى القديس كيرلس الكبير أن السيد المسيح قصد بهذا الحديث أن يسحب قلوب تلاميذه من الفكر الفريسي الذي يهتم بالمجد الزمني ليطلبوا المجد الأبدي مع مسيحهم. بمعنى آخر إن كان السيد قاومه كثيرون في خدمته للبشرية وإعلان مجده الأبدي، هكذا من يتبعه يحتمل المقاومات هنا من أجل الأبديات. لهذا السبب، يكمل الإنجيلي حديثه هكذا:

"وقال لهم في تعليمه:تَحَرَّزوا من الكتبة الذين يرغبون المشي بالطيالسة، والتحيات في الأسواق.والمجالس الأولى في المجامع،والمتكآت الأولى في الولائم.الذين يأكلون بيوت الأرامل، ولِعِلَّةٍ يُطيلون الصلوات.هؤلاء يأخذون دينونة أعظم" [38-40].

حذر تلاميذه من أن يضعوا قلوبهم في ثيابهم أي في المظاهر الخارجية، فقد اعتاد أن يخفي بعض رجال الدين اليهودي شرهم وخبثهم تحت الزيّ الخارجي، فينالون الكرامة الزمنية وهم يحملون قلوب ذئبية. لهذا نجد القديس يوحنا الذهبي الفم كثيرًا ما يوبخ نفسه، قائلاً: "عجبي من أسقف يخلص!"، حتى يكون - وهو رئيس أساقفة - في حذرٍ دائمٍ من ذاته. بمعنى آخر ثياب الكهنوت في ذاتها لا تبرره، بل بالحري تدينه إن لم يحمل في قلبه مجدًا داخليًا. بذات الروح قال الراهب المتوحد القديس يوحنا سابا: [يا رجل الله حتى متى بالسواد فقط (ربما قصد الزي الرهبنة) تعزى نفسك؟ كن كلك لهيبًا وأحرق جميع الذين حولك لترى المجد الخفي داخلك]، [ويل لي، لأني إلى الآن أعزي نفسي بالسواد فقط.]

يقول القديس ثيؤفلاكتيوس: [لقد اعتادوا أن يسيروا مرتدين ثيابًا مكرمة لكي ينالوا تكريمًا عظيمًا بسببها، ويتبعون نفس الأمر في أشياء كثيرة تقودهم للمجد الزمني.]

وما يقوله السيد المسيح بخصوص الرغبة في المشي بالطيالسة يذكره بخصوص الرغبة في التمتع بتحيات الناس ونوال المتكآت الأولى، وفي إطالة الصلوات عمدًا. غير أن السيد لم يهاجم الملبس في ذاته، ولا تحيات الناس، ولا الجلوس في المتكآت الأولى أو إطالة الصلوات، إنما هاجم الفكر الداخلي والشهوة العميقة للتصرف هكذا من أجل المجد الباطل، بينما يحمل الإنسان قلبًا قاسيًا حتى يستبيح لنفسه أن يأكل حق الأرامل.

5. الأرملة المحبة والفلسان

إن كانت كل قوى القيادات اليهودية قد تكاتفت معًا لمقاومة السيد، فقد وُجدت أرملة فقيرة مملوءة حبًا لله والناس قدمت كل أعوازها - أي فلسين - في خزانة الهيكل، فحسبها الرب أفضل من مقدمي الذهب الكثير والفضة، إذ قال: "الحق أقول لكم أن هذه الأرملة الفقيرة قد ألقت أكثر من جميع الذين ألقوا في الخزانة. لأن الجميع من فضلتهم ألقوا، وأما هذه فمن إعوازها ألقت كل ما عندها كل معيشتها" [44-43].

في نص منسوب للقديس جيروم يرى الكاتب في نفسه أنه هو الأرملة الفقيرة إذ يقدم في قلوب الناس كما في خزانة الهيكل فلسين هما الشرح المبسط للإيمان التابع عن العهدين القديم والجديد، يجد له مكانًا في قلوب سامعيه بالروح القدس ليترجمه الروح إلى حياة عملية في الفكر والقول والعمل.

ويرى الأب ثيؤفلاكتيوس هذه المرأة رمزًا للنفس المؤمنة التي ترملت إذ مات رجلها الأول الذي باعت نفسها له أي إبليس، وتقدمت لعريسها الجديد بالفلسين أي النفس والجسد، تقدمهما خلال التواضع والنسك، تهبه كل حياتها ليعمل فيها.

ويرى القديس أغسطينوس في الفلسين (رقم 2) إشارة للحب، فإننا لا نستطيع نقترب إلى مقدسات الله، ولا يتطلع الرب إلى تقدماتنا أن لم تنبع عن قلب متسم بالحب لله والناس. بالحب ننعم بالمقدسات وتكريم الرب لنا.

هذا وقد فتحت هذه الأرملة الباب أمام جميع المؤمنين لإدراك مفهوم العطاء الحقيقي. إنه عطاء القلب الداخلي الذي يفرح قلب الله، وليس مجرد العطاء الظاهر، فمن كلمات الآباء في هذا الشأن:

-ألم تفق (هذه الأرملة) فيض غناك بسبب استعدادها الداخلي؟ كتب الحكيم بولس شيئًا من هذا النوع: "لأنه إن كان النشاط موجودًا (الإرادة حاضرة)، فهو مقبول على حسب ما للإنسان، لا على حسب ما ليس له" (2 كو 8: 12). ليس فقط الغني ينال نعمة من الله بتقديمه ثمرًا للإخوة، فإن مخلص الجميع يقبل ذبيحته، وإنما أيضًا يهب نعمة للذي يقدم قليلاً لأنه يملك القليل، ولا يخسر الأخير شيئًا بسبب قلة ما يملكه. فإن الله ناظر الكل يمدح استعداده الداخلي ويقبل نيته ويجعله مساويًا للغني، بل بالحري يهبه إكليلاً أعظم كرامة مما للغني.

القديس كيرلس الكبير

- أتقول ليس لك قدرة على تقديم أعمال رحمة؟... فَلَكَ لسان، أيا كان فقرك فلك قدمان بهما تزور المريض وتفتقد في السجن. لك سقف تستقبل تحته غرباء. ليس هناك عذر قط لمن لا يمارس عمل الرحمة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


5 هاتور 1735 ش
15 نوفمبر 2018 م

ظهور رأس لونجينوس الجندى الذى طعن جنب مخلصنا الصالح
نقل جسد القديس الامير تادرس الي بلدة شطب
عيد جلوس قداسة البابا شنودة الثالث
بدأ تلقيب بطريرك الاسكندرية ببابا الاسكندرية من سنة 232م

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك