إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

النفس القوية لاتقلق ولا تضطرب ولا تخاف ولا تنهار ولا تتردد اما الضعيف فانة يتخيل مخاوف وينزعج بسببها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 12 جـ2 PDF Print Email

2. سؤال بخصوص الجزية

في دراستنا لإنجيل متى (22: 15-22) رأينا القادة اليهود وقد أدركوا أن أمثال السيد المسيح تكشف جراحاتهم الخفية لم يلجأوا إلى الطبيب الحقيقي لإبرائهم، بل تكاتفوا معًا بالأكثر على مقاومته، فاتفق بعض من الفريسيين والهيرودسيين أن يسألوه بخصوص الجزية، هل تقدم لقيصر أم لا، حتى إذا ما رفض تقديمها حُسب مثير فتنة ضد الدولة الرومانية، وإن قبل تقديمها نفرت منه الجموع، وفقدت ثقتها فيه كمخلص لهم من المستعمر الغريب الجنس. وقد جاءت إجابة السيد المسيح تمس أعماق نفوسنا من جهة الآتي:

أولاً: يقول القديس أمبروسيوس: [يعملنا الرب في هذا المكان الحكمة في إجابتنا على الهراطقة أو اليهود. يقول في موضع آخر: "كونوا حكماء كالحيات" (مت 10: 16). ويفسر الكثيرون هذه العبارة هكذا: كما كانت الحية النحاسية (عد 21: 8) تعلن عن صليب المسيح الذي نزع سم الحية الشريرة، هكذا يليق بنا أن نكون حكماء كالمسيح، بسطاء كالروح (رمزه الحمامة).]

ثانيًا: لقد ظن هؤلاء الأشرار أنه يهين السلطات، فيجدوا فرصة لتسليمه، والعجيب أن السيد بحكمة حث سامعيه على الخضوع للسلطان الزمني في الرب، وتقديم الكرامة لمن له الكرامة، والجزية لمن لهم الجزية (رو 7: 1-7)، ومع ذلك كان اتهامه أمام بيلاطس: "إننّا وجدنا هذا يفسد الأمة، ويمنع أن تُعطي جزية لقيصر، قائلاً أنه هو مسيح ملك" (لو 23: 2). وفي هذا لم يدافع السيد عن نفسه. لقد قدم مبدأ الخضوع للسلطات، ليس عن خوف، ولا للدفاع عن نفسه، وإنما كمبدأ يمارسه المسيحي حتى وإن أُتهم بخلاف ما يمارس!

ثالثًا:
يرى كثير من القديسين أن مبدأ "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" [17]، وإن كان في معناه الظاهر يعني التزام المؤمنين بتقديم واجباتهم بأمانة نحو الدولة والحاكم، لا عن خوف، ولا عن مضض، وإنما كتنفيذ للوصية الإلهية، فإن هذا المبدأ يحمل فهمًا روحيًا عميقًا. إن كانت نفوسنا تحمل صورة الله، نصير نحن عملته يتقبلها بفرح. وإن حملت صورة العالم نصير عملة العالم، ولا يجد الرب له فينا موضع راحة أو سرور.

يقول القديس أمبروسيوس: [طلب دينارًا وسألهم عن الصورة، لأن صورة الله تختلف عن صورة العالم. هكذا ينذرنا الرسول: "كما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضًا صورة السماوي" (1 كو 15: 49)... لا تجد صورة قيصر في بطرس القائل ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك (مر 3: 13)، ولا تجدها عند يعقوب ولا يوحنا لأنهما ابنا الرعد، لكنك تجدها في البحر. إن كان بطرس لا يحمل صورة قيصر، فلماذا دفع الجزية؟ إنه لم يدفعها مما له (بل من البحر) حيث أرجع للعالم ما كان للعالم. وأنت أيضًا إن أردت أن لا يكون لقيصر شيء عليك فلا تقتني ما للعالم بل اقتن البركات... إن أردت ألا تكون مدينًا للملك الأرضي أترك كل أموالك واتبع المسيح.]

رابعًا: يقول العلامة أوريجينوس في هذا المبدأ الإلهي أنه يليق بنا أن نقدم للجسد (قيصر) جزيته أي ضرورياته، أما لله فنهبه نفوسنا مقدسة بالكامل.

3. الصدوقيون والقيامة

من هؤلاء الصدوقيون الذين جاءوا إلى السيد المسيح يجربوه؟ هم فرقة يهودية دينية أرستقراطية، رأى بعض الربانيين أنهم ينتسبون إلى مؤسس فرقتهم صادوق الذي عاش حوالي عام 300 ق.م، لكن الرأي السائد أنهم ينتسبون إلى صادوق رئيس كهنة في عصر داود وسليمان، وفي عائلته حُفظت رئاسة الكهنوت حتى عصر المكابيين، فدُعي خلفاؤه وأنصاره صدوقيين. هذه الفرقة كما يقول المؤرخ يوسيفوس كانت مناقضة للفريسيين، كانوا متعلمين وأغنياء أصحاب مراكز. كانوا يحتلون مركز القيادة في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، في العصرين الفارسي واليوناني. أحبوا الثقافة اليونانية، واهتموا بالسياسة أكثر من الدين، وكان من أثر هذا إنهم أنكروا قانونيه أسفار العهد القديم بخلاف أسفار موسى الخمسة، كما استخفوا بالتقليد على خلاف الفريسيين الذين حسبوا أنفسهم حراسًا لتقليد الشيوخ.

ظن الصدوقيون أن أسفار موسى الخمسة ليس فقط لا تذكر شيئًا عن القيامة من الأموات، وإنما ما جاء بخصوص الزواج الناموسي حينما يموت رجل فتلتزم زوجته أن ترتبط بأخيه أو وليه متى كانت بلا أطفال، حتى تنجب للميت طفلاً يرثه ويقيم اسمه؛ ظنوا في هذا إعلانًا وتأكيدًا لعدم القيامة من الأموات. وكما يقول سفر الأعمال: "لأن الصدوقيين يقولون أنه ليس قيامة و ملاك ولا روح، وأما الفريسيون فيقرون بكل ذلك" (أع 23: 8).

إتفق الصدوقيون مع الفريسيين على مقاومة السيد، لكن كل واحد بطريقته. جاءه الصدوقيون يقدمون له قصة خيالية، فيها يتصورون امرأة تزوجت ومات رجلها دون أن تنجب أولادًا، فتزوجت أخاه وإذ مات تزوجت بالأخ الثاني فالثالث حتى السابع، ولم تنجب، وآخر الكل ماتت المرأة أيضًا، ففي القيامة متى قاموا لمن منهم تكون زوجة، لأنها كانت زوجة للسبعة؟

جاءت إجابة السيد المسيح مزدوجة:

أولاً: في العدد 25 لم يظهر لهم غباوتهم بإنكار القيامة، وإنما في فهمهم للقيامة، فقد تعلق قلبهم بالسياسة والعالم فحسبوا القيامة حياة زمنية مادية، مع أنه "متى قاموا لا يُزوِّجون ولا يَتزوًّجون، بل يكونون كملائكة في السماوات" [25]. لا وجه للمقارنة بين حياة نعيشها هنا حسب الجسد بفكر مادي، وحياة ننتظرها على مستوى ملائكي سماوي.

ثانيًا: إذ ظنوا أن أسفار موسى الخمسة تنكر القيامة، أكدها لهم من ذات الأسفار، حيث دعت إبراهيم وإسحق ويعقوب أحياء بعد موتهم بنسب الله لهم. يقول: "أفما قرأتم في كتاب موسى في أمر العليقة كيف كلمه الله قائلاً: أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب. ليس هو إله أموات بل إله أحياء" [26-27].

يعلق القديس كيرلس الكبير على تصرف الصدوقيين هذا بقوله:

[اقتربوا من المسيح مخلصنا كلنا، الذي هو الحياة والقيامة، وكانوا يسعون لتحطيم القيامة بكونهم أناسًا متكبرين وغير مؤمنين، اخترعوا قصة مشحونة جهلاً، ونظموا افتراضات جامدة، بها سعوا بطريقة شريرة وعنيفة أن يفسدوا رجاء العالم كله. نحن نؤكد أن رجاء كل العالم في القيامة من الأموات التي المسيح هو بكرها وأول ثمارها، لذلك إذ يجعل الحكيم بولس قيامتنا تقوم على قيامة السيد يقول: "لأنه إن كان الموتى لا يقومون، فلا يكون المسيح قد قام" (1 كو 15: 16)، كما يقدم فكرًا عكسيًا فيقول: "إن كان المسيح يُكرز به أنه قام من الأموات، فكيف يقول قوم بينكم ليس قيامة أموات؟" (1 كو 15: 12). الذين قالوا بهذا هم الصدوقيون الذين نتحدث عنهم الآن.

على أي الأحوال كان سؤال الصدوقيون بلا معنى، السؤال برمته لا يتفق مع الكتب المقدسة الموحى بها، وجاءت إجابة مخلصنا تؤكد تمامًا غباوة قصتهم وتجعلنا نستخف بوهمهم والفكرة التي يقوم عليها هذا الوهم...

قال الله عن الذين رقدوا: "من يدّ القبر أفديهم، من الموت أخلصهم، أين دينونتك يا موت؟ أين شوكتك يا قبر؟" (هو 13: 14 الترجمة السبعينية). الآن ما يقصده بدينونة الموت وشوكته قد أخبرنا به الطوباوي بولس بقوله: "أما شركة الموت فهو الخطية، وقوة الخطية هي الناموس" (1كو 15: 56)، إذ يقارن الموت بالعقرب، شوكتها هي الخطية وبسمها تقتل النفس. يقول أن الناموس هو قوة الخطية، إذ في موضع آخر يعترض: "بل لم أعرف الخطية إلا بالناموس" (رو 7: 7)، "إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعدٍ" (رو 4: 15). لهذا السبب يستبعد مؤمنيه من وصاية الناموس الذي يدين ويبطل شوكة الموت التي هي الخطية، فإنه إذ ينزع الخطية بالتبعية يرحل الموت معها، إذ الموت صادر عنها وبسببها جاء إلى العالم.

إذ أعطى الله وعدًا: "من يدّ القبر أفديهم، من الموت أخلصهم"، اتفق الأنبياء الطوباويون مع هذا المرسوم العلوي، فتحدثوا معنا لا برؤيا قلبهم ولا بمشيئة إنسان بل عن فم الله كما هو مكتوب (راجع إر 23: 16) إذ يعلن الروح القدس المتكلم فيهم حكم الله وإرادته القديرة غير المتغيرة في كل أمر. يحدثنا إشعياء النبي: "تحيا أمواتك، يقوم الذين في القبور، سيبتهج الذين في الأرض، لأن طلك يشفيهم" (إش 26: 19 الترجمة السبعينية). على ما أعتقد أن الطل هو قوة الروح القدس واهب الحياة، أو تلك الفاعلية التي تبطل الموت، الصادرة عن الله والحياة.


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


6 هاتور 1735 ش
16 نوفمبر 2018 م

نياحة القديس فيلكس بابا روميه
تذكار تكريس كنيسة العذراء الاثرية بدير المحرق العامر بجبل قسقام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك