إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الرب هو الطبيب العظيم الذي يشفي الجروح ، سيشفي كل جروحك مهما كان عمقها أو اتساعها أو قدمها

الأنبا انطونيوس

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 8 جـ4 PDF Print Email

5. سؤال حول شخص المسيح

إن كان قد سأل الأعمى عما يراه ليحثه على طلب المزيد والتمتع باستنارة عينيه بصورة أكمل، الآن في الطريق بين قرى قيصرية فيلبس سأل تلاميذه ليهبهم استنارة إيمانية ليدركوا شخصه هو، فينعموا به، ويروه بعيني الإيمان المستنيرتين.

"سأل تلاميذه قائلاً لهم: من يقول الناس إني أنا.فأجابوا: يوحنا المعمدان، وآخرون إيليا، وآخرون واحد من الأنبياء.فقال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟فأجاب بطرس وقال له: أنت المسيح.فإنتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه" [27-30].

لقد سألهم لكي يكشف لهم عن شخصه ويدفعهم للاعتراف به بعد إدراكهم له بإعلان إلهي، فيمجدوه أكثر من العامة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد قادهم إلى مشاعر أسمى وأفكار أعلى بخصوص شخصه حتى لا يكونوا كبقية الجموع.] لذلك يعلق القديس جيروم على قول السيد: "وأنتم من تقولون إني أنا؟" بقوله أن التلاميذ لم يعودوا بعد من الناس لكنهم صاروا به آلهة، [كأنه يقول لهم أنهم كبشر قد فكروا في أمور بشرية وأنتم كآلهة من تقولون إني أنا؟]

لقد رأينا في دراستنا للأصحاح السادس (14-16) أن هيرودس قال عنه أنه يوحنا المعمدان خلال ضميره المعذب، وآخرون قالوا أنه إيليا خلال شوقهم لمجيء الملكوت المسيحاني كملكوت زمني مادي، وآخرون قالوا أنه أحد الأنبياء بسبب مرارة أنفسهم لغياب الأنبياء عنهم ثلاثة قرون. جاءت هذه الأقوال خلال مشاعر بشرية بحتة، أما بطرس فأدرك سره خلال إعلان إلهي، قائلاً: "أنت هو المسيح ابن الله الحيّ" (مت 16: 16-17).

فيما يلي مقتطفات من تعليق القديس أمبروسيوس عن هذا الموقف:

[يمكننا اعتبار شهادة الجموع له بلا نفع، فقد ظنه البعض إيليا قد قام مؤمنون بمجيئه، وآخرون آمنوا بقيامة يوحنا عالمين أن رأسه قد قطعت، وآخرون أنه واحد من الأنبياء القدامى.

البحث في ذلك (أي في شخص المسيح) أمر يفوق قدرتنا، لكنه يتناسب مع فكر شخص كبولس وحكمته، هذا الذي يكفيه أن يعرف المسيح وإياه مصلوبًا (1 كو 2: 2)، لأنه أية معرفة يشتاق إليها أكثر من أنه المسيح؟ ففي هذا الاسم "المسيح" يتجلى اللاهوت ويُعلن التجسد وأيضًا الآلام.

لقد عرفه بقية التلاميذ، لكن بطرس وحده قال: "مسيح الله" (لو 9: 20)، إذ يشمل هذا الاسم كل شيء، ويعّبر عن طبيعته، ويحوي كل الفضائل.

هل نثير تساؤلات حول كيفية ميلاد الرب بينما يقول بولس أنه لا يعرف شيئًا إلا المسيح وإياه مصلوبًا، ويعترف بطرس أنه مسيح الله! نحن بعيون الضعف البشري نبحث هكذا: متى وكيف وما هي عظمته، أما بولس فيرى في هذه التساؤلات هدمًا لا بناء، لذا لا يريد أن يعرف إلا يسوع المسيح.

عرف بطرس أن في "ابن الله" يكمن كل شيء، فقد دفع الآب كل شيء في يده (يو 3: 35)... لذا فيه الأزلية والعظمة التي للآب.

إني قبلت الإيمان بأنه المسيح ابن الله (مت 16: 16) فلا يجوز لي أن أعرف كيف وُلد، لكن لا يجوز لي أيضًا أن أجهل حقيقة ميلاده.

لتؤمن إذن كما آمن بطرس، فتطوّب أنت أيضًا وتتأهل لسماع الكلمات: "إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات" (مت 16: 17). فاللحم والدم لا يقبلان إلا الأرضيات، أما من ينطق بأسرار الروح فلا يعتمد على تعاليم اللحم والدم بل على الإعلان الإلهي.

ليتك لا تعتمد على اللحم والدم لتأخذ منهما أوامرك، فتصير أنت نفسك لحمًا ودمًا، وإنما من يلتصق بالرب يكون معه روحًا واحدًا (1 كو 6: 17). يقول الله: لا يدين روحي في الجسد بعد لأن كل تصورات قلبه شريرة (تك 6: 3).

ليسمح الرب ألا يكون السامعون لحمًا ودمًا، بل يكونوا متغربين عن شهوة اللحم والدم، فيردد كل واحد منهم: "لا أخاف، ماذا يصنعه بي الإنسان (أي اللحم والدم)؟" (مز 56: 5).

من يغلب الجسد يصير من أعمدة الكنيسة؛ إن لم يستطع أن يبلغ إلى بطرس فإنه يتمثل به ويتمتع بعطايا الله إذ هي كثيرة، يرد لنا مالا تركناه بل ما هو له.

يحق لنا أن نتساءل: لماذا لم يرَ فيه الجموع إلا إيليا أو إرميا أو يوحنا المعمدان؟

ربما رأيت فيه إيليا لأنه أُختطف إلى السماء؛ لكن المسيح ليس كإيليا إذ لم يُختطف إليها بل جاء منها. الأول أُختطف إلى السماء، أما الثاني فلا يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله (في 2: 6). الأول انتقم بالنار التي طلبها (1 مل 18: 38) والثاني أحب خلاص المسيئين إليه لا هلاكهم.

لماذا اعتقدوا أنه إرميا؟ ربما لأنه تقدس من الرحم (إر 1: 4)، لكن المسيح ليس كإرميا. الأول تقدس، أما الثاني فهو يقّدس، الأول بدأ بميلاده أما الثاني فهو قدوس القديسين.

لماذا ظنه الشعب يوحنا؟ ربما لأن يوحنا عرف الرب وهو في بطن أمه، لكن المسيح ليس كيوحنا. يوحنا سجد وهو بعد في الرحم، والثاني هو المسجود له. الأول عمّد بالماء، وأما المسيح فبالروح. الأول نادى بالتوبة والثاني غفر الخطايا.]

أخيرًا فقد "انتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه" [30]، أما علة انتهاره لهم، فهو لكي يتم المكتوب عنه ويتحقق صلبه، فلو عرفوا رب المجد لما صلبوه. ويقدم لنا القديس أمبروسيوس تعليلاً آخر وهو أنه أراد الكرازة به بكونه المسيح بعد صلبه وقيامته، فيعرفوه المسيح المصلوب عنهم القائم من الأموات، إذ يقول: [منع التلاميذ من الكرازة به كابن الله ليبشروا به بعد ذلك مصلوبًا. هذه هي روعة الإيمان أن نفهم حقيقة صليب المسيح!... فصليب المسيح وحده نافع لي، لأن "به صلب العالم لي وأنا للعالم" (غل 6: 14). إن كان العالم قد صلب لي فأعرف أنه قد مات فلا أحبه، أعرف الفساد الذي يسري في العالم فأتجنبه كرائحة نتنة، أهرب منه كما من الطاعون وأخرج منه قبل أن يؤذيني.]

6. إعلانه عن الصلب


يرى بعض الدارسين أن إنجيل معلمنا مرقس يمكن تقسيمه إلى جزئين رئيسيين متكاملين، القسم الأول يبدأ بالسفر حتى ما قبل سؤال السيد المسيح تلاميذه عما يقول الناس عنه، والثاني يبدأ بهذا السؤال حتى نهاية السفر. القسم الأول يعلن عن شخص السيد المسيح العامل والمعلم الذي يخدم البشرية بالحب والحنان وقد رافقه ظل الصليب، أما القسم الثاني فتبدأ المرحلة العملية لحمل الصليب، يبدأها بالكشف عن ذاته بالقدر الذي يسندهم حتى يتم الصليب، فيتمجد بحبه العملي، وعندئذ يكشف لهم بهاء مجده خلال قيامته وظهوراته وصعوده خاصة بإرسال روحه القدوس الذي يخبرهم بكل شيء.

الحديث السابق، حديث خاص بين السيد وتلاميذه كان مقدمة لإعلان صليبه، إذ يقول الإنجيلي:

"وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيرًا،ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة ويُقتل، وبعد ثلاثة أيام يقوم. وقال القول علانية، فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره. فالتفت وأبصر تلاميذه،فانتهر بطرس قائلاً: اذهب عني يا شيطان،لأنك لا تهتم بما لله، لكن بما للناس" [31-33].

إن كان بطرس الرسول استطاع بإعلان إلهي أن يتعرف على "يسوع" أنه المسيح، وهو في الطريق في قرى قيصرية فيلبس [27]، حيث مركز عبادة البعل والعبادات الوثنية الإغريقية مع السلطة الرومانية، لكن مع هذا لم يكن ممكنًا لبطرس أن يتفهم المسيح كفادٍ يُصلب عن البشرية ويقوم ليقيمها معه، إذ كان الفكر اليهودي يرفض هذا تمامًا، لهذا أسرع السيد المسيح يصحح المفهوم.




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 8 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


7 هاتور 1735 ش
17 نوفمبر 2018 م

تذكار تكريس كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس باللد
تذكار القديس جاؤرجيوس الاسكندرى
استشهاد القديس الانبا نهروه
استشهاد القديس أكبسيما وأبتولاديوس
نياحة القديس الانبا مينا اسقف تيمى الامديد

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك