إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

النفس القوية لا تقلق ولا تضطرب ولا تخاف ولا تتردد أما الضعيف فإنه يتخيل مخاوف وينزعج بسببها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 6 جـ3 PDF Print Email

خامسًا: أوصاهم أن يكونوا مشددين بنعال، ولا يلبسوا ثوبين [9]. فقد اعتاد اليهودي أن يلبس خمسة أشياء هي:

أ. القميص أو اللباس الداخلي.

ب. الرداء الخارجي أو عباءة أو شملة، يرتديها في النهار ويتغطى بها ليلاً.

ج. المنطقة تربط على القميص والرداء معًا.

د. اللباس للرأس، أي عمامة بيضاء أو زرقاء أو سوداء.

ه. النعل أو الصندل.

يطالبهم السيد بأن يشدوا نعالهم، لعل هذه الوصية تشير إلى التحرك المستمر والعمل الكرزاي غير المنقطع، فيكون الكارز سائرًا بنعليه بغير توقف، خاصة وأن طريق الكرازة مملوء بالأشواك. ويرى البعض أن شدّ النعال الداخلية للقلب يشير إلى الاستنارة للتعرف على طريق الرب كقول المرتل: "سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي"، فلا تتسخ أعماقنا بتراب هذا العالم ودنسه.

هكذا يليق بالكارز أن يشد الحذاء الداخلي الحق، بعد أن يخلع نعليه القديمين، متخليًا عن جلد الحيوانات الميتة التي منها تُصنع النعال، فيصير كموسى النبي الذي خلع نعليه في الأرض المقدسة ليرى العليقة النارية ويقبل دعوة الله للعمل القيادي الروحي (خر 3)

ينهينا السيد المسيح عن ارتداء ثوبين، فإن من لبس المسيح لا يليق به أن يلبس العالم كثوبٍ يرتديه. من اختفى في الرب مقدسًا لا يعود يلبس محبة الزمنيات.

سادسًا: "وقال لهم: حيثما دخلتم بيتًا فأقيموا فيه، حتى تخرجوا من هناك" [10]. أراد بهذه الوصية ألا تشغلهم المجاملات ومحبة الإخوة العاطفية عن جدية العمل الكرازي، فإن كانت البيوت تفتح بالحب من أجل الساكن فيهم، فيليق بهم ألا ينحرفوا عن غايتهم الروحية، ولا يتكاسلوا عن رسالتهم الأصلية، ألا وهي البلوغ بكل نفس إلى حضن الآب.

ما هو هذا البيت الذي دخلناه ويلزم أن نقيم فيه حتى نخرج من هناك إلا الحياة الإنجيلية الكنسية؟ فإنها حياة ملائكية، قبلناه كبيت روحي، نعيش فيه لنحيا في السماوات، لا نترك هذه الحياة حتى نخرج من العالم لننعم بالسماوات عينها.

سابعًا: "وكل من لا يقبلكم ولا يسمع لكم، فأخرجوا من هناك، وانفضوا التراب الذي تحت أرجلكم شهادة عليهم" [11].

نفض التراب إنما يعني أن الكارز قد احتمل مشاق الطريق الطويل، وقد صار تراب الطريق نفسه شاهدًا على رافضي الكلمة. وربما يعني أنهم لم يتقدموا إليهم بالكرازة لغرض مادي، فإنه حتى التراب الذي لصق بأرجلهم أثناء قدومهم إليهم ينفضونه على عتبة أبوابهم. إنهم يتركون لهم كل شيءٍ شهادة عليهم.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في هذا التصرف "علامة مرعبة"، تجعل التلاميذ لا يفقدون جراءتهم بل يزدادون شجاعة، فإنهم يعلنون أنهم ينفضون كل ما هو مادي، يتركون لهم ترابهم وفكرهم الأرضي، ليعيشوا ملتصقين بما هو سماوي. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأن هذا الفكر يقوم على ما اعتاده اليهود قديمًا حينما كانوا ينطلقون خارج فلسطين، ففي عودتهم إليها ثانية ينفضون الغبار قبيل دخولهم الأرض المقدسة، ليعلنوا أنهم عادوا إلى أرض الموعد، لا يحملون دنس العالم الوثني وترابه، بل هم بالحق محبون للقداسة.

يعلق القديس أمبروسيوس على هذا التصرف في تفسيره إنجيل لوقا بالقول: [يأمرنا الرب أن نترك من كان إيمانه سقيمًا أو كان البيت هرطوقيًا فنهرب منه. يجب أن ننفض غبار أرجلنا حتى لا يعوق جفاف الأرض الملتوية النابع عن إيمان سقيم مجدب كالأرض البور الرملية طريقك الروحي. فإن كان من واجب الكارز بالإنجيل أن يأخذ على عاتقه ضعفات المؤمنين الجسدية، ويحملها بعيدًا، ويسحق تحت قدميه أعمالهم البطالة الشبيهة بالغبار، كما هو مكتوب: "من يضعف وأنا لا أضعف" (2 كو 11: 51)، فإنه يلزم المؤمن أيضًا أن يبتعد عن الكنيسة التي ترفض الإيمان، المبنية على أساس غير الإيمان الرسولي لئلا ينخدع ويضلله الإيمان السقيم، هذا ما يؤكده الرسول بقوله: "الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه" (تي 3: 10).]

ثامنًا: تمم التلاميذ الإرسالية بنجاح، إذ يقول الإنجيلي: "فخرجوا وصاروا يكرزون أن يتوبوا. وأخرجوا شياطين كثيرة، ودهنوا بزيت مرضى كثيرين فشفوهم" [12-13]. كان محور كرازتهم "ملكوت السماوات"، طريقه التوبة الصادقة النابعة عن الإيمان بالسيد الذي يملك في القلب، أما ثمر هذه الكرازة فهو شفاء النفس والجسد. تُشفى النفس بإخراج الشياطين، ويُشفى الجسد بموهبة الشفاء خلال الدهن بالزيت.

ويلاحظ في كلمات الإنجيلي أن عملية الدهن بالزيت لم تكن عملية فردية قام بها تلميذ دون آخر، بل هو عمل جماعي، قام به التلاميذ جميعًا أثناء عملهم الكرازي. فلابد أن تكون هناك وصية إلهية ألزمتهم بها عند إرسالهم. هذه الوصية كشفها معلمنا يعقوب في رسالته إذ يقول: "أمريض أحد بينكم فليدع قسوس الكنيسة ويدهنوه بزيت..." (يع 5: 14). يقول أحد الدارسين أنه واضح من النص أن الشفاء لم يكن يتم كأثر طبيعي للزيت، إنما كان دهن الزيت يمارس كعمل سري خارق مثله مثل وضع الأيدي. ويقول البعض انه ليس ثمة ما يجعلنا ننكر أن التلاميذ قد مارسوا هذا العمل وربما السيد نفسه، لكننا لم نسمع عن السيد أنه مارس هذا العمل.

3. موقف هيرودس منه

سمع هيرودس انتيباس عن السيد المسيح وأعماله العجيبة، فظن أن يوحنا المعمدان الذي قتله ثمنًا لرقصة فتاة في يوم ميلاده قد قام. هذا الفكر على ما يظن كان شائعًا عند اليهود، أن بعض القديسين خاصة الذين يستشهدون يقومون مرة أخرى في هذا العالم بعد أن يهبهم الله سلطانًا خاصًا بعمل القوات. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن ظنون هيرودس هذه تكشف عما يجول في أعماقه، فإن كان قد سلم صوت الحق للسيف، وقدم رأس يوحنا لراقصة، لكن بقي يدوي في أعماقه بلا هدوء، يلازمه بلا توقف!

على أي الأحوال يكشف لنا الإنجيلي مرقس عن ثلاثة اتجاهات في النظرة نحو شخص السيد:

أ. نظرة الخائفين كهيرودس، فقد ظن أن الذي قتله قد قام، ومع هذا لم يقدم توبة بل كمل طريق شره والتصق بامرأة أخيه فيلبس في حياته. وقد سماه السيد المسيح ثعلبًا (لو 13: 32)، وكان أحد القضاة الذين مثل يسوع أمامهم (لو 32: 7-12).

ب. نظرة الماديين، فقد جاء السيد المسيح للخلاص، وبالرغم من الأعمال الفائقة التي قدمها تشهد له قالوا أنه إيليا [15]، إذ كان هؤلاء الماديون يتوقعون مجيء إيليا قبل المسيا ليمهد له الطريق، حيث يأتي المسيا على السحاب علانية ويرد المُلك لإسرائيل على مستوى زمني مادي، فيه يخضع العالم كله لليهود.

ج. نظرة اليائسيين، هؤلاء الذين في يأسهم عاش إسرائيل قرابة 300 عامًا بلا نبي ظنوا في السيد أنه أحد الأنبياء [16].

هذه النظرات الثلاث لم تبلغ الحق، ولا أدركت شخص المسيا، فالحاجة إلى الله نفسه الذي يهب الإعلان في الداخل، ويكشف عن الحق السماوي.

إذ استعرض الإنجيلي هذه النظرات قدم لنا قصة استشهاد القديس يوحنا المعمدان بواسطة هيرودس الملك [16-29].


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


4 هاتور 1735 ش
14 نوفمبر 2018 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك